الرئيسية / التفريغات النصية / الإسلام كما يريده الله “محاضرة سلطنة عمان”

الإسلام كما يريده الله “محاضرة سلطنة عمان”

– بدأ مُدير الجلسة بالحديث مشكوراً، ونظراً لوجود ضعف في مصدر الصوت سقطت بعض الكلمات إلى أن قال: والصلاة والسلام على النبي الهادي إلى الصراط المُستقيم وعلى آله وأصحابه مصابيح الليل البهيم.

أما بعد:

لقد ظل الإنسان يبحث عن السعادة في ليله وفي نهاره، لا يدع باباً يشم منه ريحاً للسعادة إلا طرقه، بحثٌ شديد وحرصٌ أكيد، هي الدنيا بآلامها وشجونها، الخلق يتقلَّبون في بلائها وبين حلو ومُر، ولكن قل لي هل صفت لأحد؟ هل اعتصر أحدٌ سعادتها خاليةً من الأكدار والآلام؟ هل سعد أحدٌ حتى قال الناس هذا أسعد الناس؟ وهي – أي الدنيا – هل أعطت أحداً من خيرها صافياً؟ هل اتخذت أحداً من الخلق صفياً فمنحته برها وأغدقت عليه ألطافها وقالت له أنت السعيد وحدك؟

أيها العالم ليس من سعادةٍ تُذكَر إلا في الإسلام وبالإسلام القويم الصحيح، الإسلام الذي اختاره الله لنا، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ۩، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۩ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۩، فالمُسلِم بطبعه مُحِب للبشرية جمعاء، يبحث عن السلام ويتمناه للناس كل الناس مهما اختلفت أوطانهم وأجناسهم وقومياتهم وكيفما كانت أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم، وشريعة الإسلام شريعة مُؤسَّسة على مباديء العدل والمُساواة والحرية وحفظ كرامة الإنسان، إن القسط والعدل والوفاء هو خُلق المُسلِم مع أخيه في الإسلام وأخيه في الإنسانية سواء بسواء، وفي هذا المقام يسر نادي نزوى مُمثَّلاً في اللجنة الثقافية العلمية بالنادي بالتعاون مع مركز السُلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم استضافت الدكتور المُفكِّر عدنان إبراهيم ضيف عُمان ومَن عليها وضيف نزوى هذا اليوم، الدكتور الطبيب عدنان إبراهيم غنيٌ عن التعريف، ولو استعرضنا سيرته الذاتية لاحتجنا إلى مُحاضَراتٍ بكاملها، هو علم من أعلام الفكر الإسلامي بل والإنساني، له دراية بالفلسفة والطب والتربية والأدب، وهو خطيبٌ لمسجد الشورى بالعاصمة النمساوية ورئيس جمعية لقاء الحضارات، أنهى الدكتور عدنان تعليمه في قطاع غزة، وبدأ دراسة الطب في يوغسلافيا قبل الحرب وانتقل للعيش في النمسا بسبب تلك الحرب، حاصلٌ على الدكتوراة في الفلسفة في الداراسات الإسلامية من جامعة فيينا، حافظٌ لكتاب الله وحاصلٌ على المرتبة الأولى في تجويده في القارة الأوروبية لعام خمسة وتسعين وتسعمائة وألف.

بعد مُحاضَرته الجماهيرية بمسرح جامعة السُلطان قابوس وهنا نكن كل الشكر والتقدير إلى رئاسة الجامعة على التنظيم الجيد لتلك المُحاضَرة والتي حملت عنوان الحضارة الإسلامية ودورها في ترسيخ القيم والتسامح ها هو اليوم معنا في هذا الجامع المُبارَك – جامع السُلطان قابوس – ليُمتِعنا في هذه الأُمسية بمُحاضَرة بعنوان الإسلام كما أراده الله، خير بداية هو كلام الله عز وجل، وتلاوة الطالب حمزة بن إبراهيم بن سيف الكندي:

– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ۩ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ۩ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۩ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ۩ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۩.

– قال مُدير الجلسة: صدق الله العظيم، وباسمكم جميعاً أدعو الآن الدكتور عدنان إبراهيم ليتفضَّل بإلقاء المُحاضَرة.

– قال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، حمداً يُوافي نعمك ويُكافئ مزيدك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اجعلنا هُداةً مُهتَدين غير ضالين ولا مُضِلين، سلماً لأوليائك وعدواً لأعدائك، نُحِب بحبك مَن أحبك ونُعادي بعداوتك مَن خالفك.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

معاشر السادة الحضور أُحييكم جميعاً بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأبدأ بتحية جناب السيد والي هذه البلدة المُبارَكة وجميع المسئولين مع حفظ الألقاب والمُراتب، وأُثنّي بشكر القائمين على نادي نزوى وإخوانهم من الجمعيات الأُخرى الذين أتاحوا لي هذه الفرصة لألقى فيها هذه الوجوه المُبارَكة التي أسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُضيء حناياها بأنوار معرفته، كما أشكر الإخوة المشائخ وطلبة العلم القائمين على إدارة هذا المسجد المُبارَك لاستقبالهم إياي وإياكم في هذا المكان الذي أسأل الله – تبارك وتعالى – أن يجعله منارة رشد وشعار خير وعز ونصر للإسلام وللمُسلِمين.

إخواني وأخواتي:

“الإسلام كما يُريده الله” عنوان مُتبجِّح، مَن ذا الذي يزعم أنه قادرٌ على أن يُحدِّد أو يُعيِّن أو يُشير إلى الإسلام كما يُريده الله – تبارك وتعالى – في عصرٍ وفي وقتٍ اشتجرت فيه الآراء واضطربت فيه الفهوم واصطدمت فيه وجهات النظر حول هذا الموضوع وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى؟! الكل يدّعي ويزعم ويُصِر مُتحمِّساً على أنه هو الذي أصاب فهم صحيح الدين وأن مَن عداه إنما انحرف في قليلٍ أو كثيرٍ عن إصابة ما أصاب، وهذا بعض سر بلية المُسلِمين في يومهم هذا في هذه اللحظة أو في هذا المُنعطَف التاريخي الذي قد يكون من أشد المُنعطَفات التاريخية حراجةً في حياة وفي مسار هذه الأمة المرحومة لما تعلمون ولا أُريد أن أُطيل بذكر تفاصيل هذا القيل.

في القرن التاسع عشر – إخواني وأخواتي – المُصلِح الشهير السيد جمال الدين الأفغاني قال كلمة سارت بين المُثقَّفين وبين دُعاة الإصلاح مسير الليل والنهار، قال – رحمه الله تعالى – ناظراً إلى أوضاع المُسلِمين الزرية إما أن يكون الإسلام – وحاشاه – في ذاته خطأً وغلطاً وإما أن يكون فهم المُسلِمين لدينهم هو الغالط، طبعاً هو انحاز بلا شك كداعية إصلاح للخيار الثاني أو للاحتمال الثاني، هذا القول لا يزال يتسم أيضاً بالصدقية والجدة والطلاوة في لحظتنا التاريخية هذه بعد أكثر من مائة سنة، لكن الإسلام كما يُريده الله، هل يُمكِن أن نُقارِب الجواب عن هذا السؤال العظيم؟ لأن هذه الدعوة فيها سؤال مُضمَّن: ما هو الإسلام الذي أراده الله تبارك وتعالى؟ هل يُمكِن أن نُقارِب الجواب عن هذا السؤال الجلل وهذا السؤال الكبير بغير أن نستشير ابتداءً القرآن الكريم نفسه وهو كلام الله العزيز الحميد؟ بداهةً كلا، إذن فلنذهب مُباشَرةً إلى القرآن الكريم، ولن يرتفع الخلاف والجدال باستشارتنا القرآن الكريم، حين نقتبس القرآن الكريم نضع المقبوس بين مُزدوَجين، حين نُغلِق الأقواس – إخواني وأخواتي – يبدأ الاجتهاد الإنساني، مهما كان المُؤوِّل ومهما علا قدر المُفسِّر يبقى في نهاية المطاف إنساناً يُصيب ويُخطيء، حتى إن لم يُخطيء في تأويل أو تفسير هذه الآية المُعيَّنة من كتاب الله – تبارك وتعالى – قد يُخطيء في الاجتزاء بآية دون أن يُغلغِل النظر في مجموع وفي سائر الآي التي تصب في مصب معنىً واحد وغاية واحدة، الاجتزاء خطيئة إذن، الاجتزاء خطيئة وهو خطأٌ بلا شك، إن كان عن عمد وتقصد فهو خطيئة، ونعوذ بالله ونُعيذ أنفسنا وإخواننا من أهل العلم بالله من أن نكون من الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ۩، آمنوا ببعض وأغضوا عن بعض وتغافلوا عن بعض، لذلك لابد أن نكون مُتواضِعين تماماً، مُدرِكين حدود اجتهاداتنا، نحن نُحاوِل أن نُقارِب ونُسدِّد ونجتهد، ومهما صحت النية وضح السبيل.

إخواني وأخواتي:

قد نجد في كتاب الله – تبارك وتعالى – مثل قوله – عز من قائل – مما تلا علينا إمامنا في صلاة المغرب من الذاريات وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ۩، آية واضحة تماماً ، آية واضحة تماماً في التأشير إلى جوهر الدين، إلى قضية القصد من خلق الخليقة إنسها وجنها، قال الله إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ۩، وقال أيضاً وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ۩، نفس القضية، هذه آيات ولها أمثال ونظائر كثيرة في كتاب الله تبارك وتعالى، هناك آية الاستخلاف – مثلاً – في سورة هود: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ۩، تُؤشِّر إلى غاية أُخرى: الاستعمار، الاستخلاف نفسه أيضاً غاية أُخرى قد تلتقي أو تفترق في قليل أيضاً أو كثير مع بعض هذه الغايات، هناك مثل قوله – تبارك وتعالى – لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ – لماذا؟ – لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، آية واضحة، هذه غاية الشرائع، هذه هي الغاية من تنبئة الأنبياء وإرسال المُرسَلين وإنزال الشرائع الإلهية، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، هناك مثل قوله – تبارك وتعالى – وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩، آية واضحة في التأشير أو الإشارة إلى الغاية من البعثة المُحمَّدية، من تنبئة محمد خاتماً للأنبياء والمُرسَلين، صلى الله وسلم وبارك على محمد وآل محمد، كيف نفعل؟ هل يُمكِن أن نبني رؤية مُتكامِلة بعض الشيئ من هذه الآيات؟ والقرآن يتصادق ولا يتكاذب ويتآزر ويتعاضد ويشهد بعضه لبعض، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ۩، لذلك صدر الآية أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ۩، قال الله هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ ۩– لماذا بعث؟ – يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ – إذن تلاوة الآيات والتزكية – وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩، إذن تعليم الكتاب والحكمة، غايات أُخرى مُندرِجة بلا شك في الغاية الأعلى وهي الرحمة، قال الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩، فحقيقٌ وجديرٌ أن يعظم نصيب وقسط أمته – أمة الإجابة – من هذه الرحمة، وسبيل نيل هذه الأمة المرحومة هذا القسط الأعظم والشطر الأكبر من الرحمة هو ماذا؟ التزكية وتعلّم الكتب والحكمة، أن تزكو نفوس وعقول أبناء وبنات هذه الأمة وأن يُمعِنوا في تعلم الكتاب والحكمة، النبي المبعوث في أمة أُمية – كما قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي – من مقاصد مبعثته أن يرفع أمية هذه الأمة الأُمية بتعليمهم الكتاب والحكمة.

بلا شك – إخواني وأخواتي – أننا بمُجرَّد تدبر يسير يُمكِن أن ننظم ويُمكِن أن نرسم شكلاً جميلاً مُتناسِقاً وغير مُتناشِذ – شكلاً غائياً – للغايات الدينية نعرف من خلاله ونُحدِّد من خلاله جوهر الدين كما أراده الله تبارك وتعالى، الدين الذي هو ماذا؟ الإسلام، إسلام الوجه وإسلام القلب، إسلام الكيان كل الكيان لله تبارك وتعالى.

قد تلا علينا ابننا المُوفَّق – أسأل الله له مزيداً من التوفيق ولجميع أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وآبائنا وأمهاتنا وأشياخنا – قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ لَا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ ۩، أشرت وألمعت في إشارة سريعة ومُقتضَبة أمس إلى أن المُسلِم المُؤمِن المُوحِّد بهذا المسلك من إسلام الكيان كله لله – تبارك وتعالى – ينخرط – إخواني وأخواتي – في خُطة مُتناغِمة على مُستوى العوالم، شاعراً بهذا التناغم – أي الـ Harmony كما يقول الأجانب – الساري في كل أنحاء وتضاعيف الوجود، بحيث لا يشعر بأدنى غُربة في هذا العالم.

هناك – إخواني وأخواتي – بعض الاجتهادات في ترتيب هذه الغايات والمقاصد، لا نُريد أن ندخل بكم في أعماق هذه الاجتهادات، كُتِبَت فيها رسائل على مُستوى الماجستير والدكتوراة، ألوف الصحائف المُبارَكة كُتِبَت في هاته الموضوعات، لكن يُمكِن أن تتلَّمحوا ابتداءً أن بعض هذه الآيات تُشير إلى غايات خَلقية تكوينية، الإنسان بما هو إنسان مندوبٌ أو مُرصَدٌ وإن شئتم هو مصوغٌ مُهيأٌ ومُدبَّرٌ لكي يقوم بها آمن أو كفر، فغاية الاستخلاف – مثلاً – هل هي وفقٌ على المُؤمِنين؟ كلا، تعم المُؤمِنين والكافرين، الإنسان بما هو إنسان خليفةٌ في هذا العالم، وهو خليفة على نطاقين وعلى مُستويين، خليفةٌ في أرض الله وخليفةٌ في أرض بدنه، خليفةٌ أيضاً في كل ما تموَّل وفي كل ما خُوِّل، قال الله آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ ۩، هذا المال الذي كسبته بعرق جبينك وكد يمينك ليس من صُنعك، ليس من إبداعك، ليس من خلقك، هو من كسبك، قال الله لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ ۩، في نهاية الأمر أنت مُستخلَفٌ فيه أيضاً، من جهة شرعية لست حُراً أنت تُهلِكه وأنت تُبدِّده كيف شئت وفيما شئت، كلا، هذا من جهة شرعية على كل حال.

إذن غاية الاستخلاف غاية عامة شاملة، غاية تكوينية بحكم تكوين الإنسان، أشار إلى هذا المعنى الجليل والجسيم مولانا جلال الدين الرومي في المثنوي، هذا السفر العرفاني العظيم، قال السيد حين يُسلِّم لأحد خدمه أو عبيده مسحاةً أو فأساً ويعلم العبد أن لسيده أرضاً بالمكان الفلاني دون أن ينطق السيد التكليف حاصل، كأنه يقول له اذهب واعتمل في تلك الأرض، العنوانات ما هي؟ سيدٌ وعبدٌ وأرضٌ يُعتمَل فيها وفأسٌ، هذه هيئة تكوينية، هيئة تكوينية تُطلِق رسالة أو تُرسِل رسالة العبد يفهمها بطبيعة عبوديته لسيده، ما معنى أن يخلق الله – تبارك وتعالى – الإنسان – إخواني وأخواتي – ذا قابليات وإمكانات وقُدر على إثارة الأرض وعلى استخراج كظائم الوجود؟ الآن نحن نعيش هنا في بيت من بيوت الله مُضاء بضوء كضوء النهار وإن اختلفت التلاوين، بسر ماذا؟ بفضل ماذا؟ بفضل كشف سر طاقة الكهرباء، كظيمة من الكظائم كشف عنها الإنسان بمعرفة القانون، غير قوانين هندسة البناء التي شيد هذا المسجد المُبارَك على أساسٍ منها، غير قوانين انتقال الصوت وتضخيمه وتكبيره عبر هذه الآلات التي تشتغل أيضاً بالكهرباء، هذه الكظائم كلها أمكن الإنسان منها بمعرفة القانون، طبعاً إن شئتم أن تتحدَّثوا عن طاقة الذرة وطاقة النواة وكل هذه الطاقات المهولة التي يُمكِن أن تُفتِّت الأرض وأن تُقسِّمها ألوف المرات، آلان هؤلاء حمقى الساسة العالميين الذين أنفقوا مئات المليارات وهناك ملايين يقضون – يموتون – جوعىٍ مسغبةً من أبناء النوع الإنساني، أنفقوا مئات المليارات لكي يُكدِّسوا عشرات ألوف الرؤوس النووية القادر بعضها على أن يُفتِّت الأرض ألوف المرات، صدق العالم الكبير ألبرت أينشتاين Albert Einstein حين قال وصلنا إلى حالة أصبحنا معها أشبه بمجنون معه مُسدَّس سريع الطلقات، هذا المجنون – طبعاً مُختَل القوى – يُمكِن أن يُسدِّد ضربة إلى عالم كبير أو إلى رجل نبيل حكيم تحتاجه أمة بأسرها – كما يُقال – أو أمة بكاملها، وهذا المجنون يُمكِن أن يقضي على مشروع الأمل، على مشروع الوعد هذا من أساسه، قال هكذا أصبحنا، في تعبير آخر يقول وسائل مُكدَّسة كثيرة وغايات مُبهَمة غائبة، هذه هي مُؤشِّرات عصرنا، هذا العصر، هذه الحضارة الغربية العظيمة، حضارة الوسائل، حضارة وفرة الوسائل، فيض وتضخم إن شئتم – Inflation – في الوسائل، وسائل كثيرة جداً، وانظروا إلى مجال الدعاية والتسويق في كل شيئ، وسائل كثيرة، أين الغايات؟

أول رجل نجح في الصعود وفي بلوغ قمة إفرست Everest – أعلى قمة في العالم، زُهاء ثمانية كيلات ونصف الكيلو متر – سُئل لماذا فعلت هذا؟ فسكت، السؤال صدمه، ما الغاية؟ أنت خاطرت بنفسك، كان يُمكِن أن تقضي برداً أو تزلق رجلك فتموت فتهلك من فورك، لماذا فعلت هذا؟ سكت في البداية، حيَّره الجواب وأبهته، ثم قال فقط لأنها هناك، انتبهوا إلى هذا، هذا المنطق أو هذا التعليل أو هذا التبرير غير المقبول يا إخواني رجوعاً إلى تعريفي الخاص الذي ذكرته أمس في مُحاضَرة المسرح المفتوح للجامعة يجعلنا نُدرِك – أيها الإخوة – أن مثل هؤلاء بالعكس يتراجعون حضارياً، لماذا؟ لأن هذه الاستجابة حتى دون الاستجابة الغرزية، الاستجابة الغرزية تعمل في اتجاه الحفظ أو المُحافَظة على البقاء، أي النجاة Survival، لكن مثل هذه الاستجابة لا معنى لها إلا أنها استجابة عبثية، هل هذا واضح؟ بنفس المنطق أو بالمنطق ذاته – التعبير الأدق حقيقة بالمنطق ذاته – أو بالمنطق نفسه هؤلاء يُمكِن أن يخترقوا حواجز المُحرَّمات شرائعياً وعُرفياً وتقليداً وتاريخياً عبر أجيال مُتعدِّدة من أجيال النوع الإنساني فقط لأنه أُتيح لهم أن يفعلوا ذلك، وهذه حالة مُخيفة جداً جداً، أنا أُشير إلى بعض هذه المعاني التي قد تكون غامضة في البداية لماذا؟ لأننا أخشى أننا كأمة عربية أو كأمة إسلامية بدأنا الآن للأسف مع عصر السماوات المفتوحة نتأثَّر بهؤلاء الأقوام وبهؤلاء الناس دون أن يكون لدينا مُنطلَقات رؤيوية واضحة ومتينة على أُسس من هدي الكتاب والسُنة، على أُسس من منظورنا العقدي الديني، فتجد الشاب للأسف الشديد فعلاً قد ينتهك أعظم المُحرَّمات على الإطلاق ويقترف أعظم الذنوب فقط لأنه أُتيح له – مُتاح – هذا، هذه الحالة طبعاً للأسف المُؤسِفة والمُؤسية التي نراها لبعض المُسلِمين الذين يفدون إلى العالم الغربي، لا يكتفون فقط بنزع لباسهم وهذا فيه سعة، يُمكِن أن تلبس لباساً يُناسِب البيئات تلك من ناحية جوية أو من ناحية مُناخية، ولكن أن تنزع عنك لباس التقوى ولباس الحشمة والحياء وتخلع العذار ولا تخشى العار كما يُقال أمر آخر، لماذا؟ لأنه مُتاح هناك أن تفعل هذا من غير رقيب، يعني بالمعنى الحضاري – مرة أُخرى – أننا نتدلى إلى أُفق بهيمي، الفرق بين الدواب – أكرمكم الله وأعزمكم – والبهائم وبين الإنسان أن المسافة بين الحاجة والرغبة وبين إشباعها – أي بين الفعل – تقريباً معدومة إذا سمحت الظروف، الحيوان حين يُريد ويحتاج ويشعر بحاجة إلى شيئ يفعله مُباشَرةً إذا تاحت له فُرصة، أي سنحت له فُرصة أو نُهزة، الإنسان لا يفعل هذا، الإنسان كلما ارتقى في مدارج الإنسانية – وأعظم سبيل الارتقاء هو التسلح بالهدي الإلهي وهذا معروف، وإلا فهو الضلال والتيه والضنك والعياذ بالله – تتسع المسافة باستمرار بين الحاجة والرغبة والفعل، أحتاج هذا وأشتهي، أنا شاب – مثلاً – عزب، أحتاج إلى هذا الشيئ – تعرفون ماذا أقصد – وهو مُتاح ومجاني لي في ذلك العالم لكن حاشا لله، معاذ الله، ليس دونه دونه خرط القتاد – لا أبداً – وإنما دونه حياتي ووجودي، لماذا؟ لأنني إنسان أعرف الحدود، ليس فقط حدود الفطرة والعادة والتقليد بل حدود الشرع أيضاً، ومن هنا إنسانية الإنسان كيف تتحقَّق وتثبت وتغزر وتتعزَّز بالشرع الإلهي.

سيجموند فرويد Sigmund Freud – أظن أن الشباب المُثقَّف كلهم يعرفون هذا العالم، مُؤسِّس مدرسة التحليل النفسي – عنده كتاب اسمه Civilization and Its Discontents، أي الحضارة وتسخطاتها – تسخطاتها وليس سخطها – بحسب ما ترجمت، يُعرِّف فيه الحضارة بأنها ضبط الغرزي، إذا لم تضبط الجانب الغرزي وبالأحرى إذا لم يضبط – هو الأبعد – الجانب الغرزي فهو لا يزال بهيمة، بهيمة مُترقية على الطريقة الداروينية لكنها لا تزال بهيمة، إذا بدأ يضبط الغرزي يُمكِن هنا وهنا فقط أن تنشأ الحضارة، أي بضبط الغرزي، هذا تحديد جميل يُمكِن أن نقبله مبدئياً، لكن للأسف الشديد هذا التحديد كان ثقيلاً على فرويد Freud نفسه لأنه يرى الحضارة تعويقاً للطبيعة الإنسانية، يراها نوعاً من العُصاب كما كان يرى الدين وهذا خطأ طبعاً، نُخالِفه مُخالَفة تامة هنا، لكن ضبط الغرزي كمُدخَل من مداخل الحضارة والأنسنة صحيح، ودائماً ما نبَّه الإخصائيون – المُتخصِّصون – الأيقاظ على ذكر فرويد Freud – هذا يهم أيضاً شبابناً العزّاب خاصة منهم – إلى الفرق الكبير بين الكبت والعفة، لأن فرويد Freud تكلَّم كثيراً عن الكبت، والمُتدينون أعفاء، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً وأبناءنا وبناءتنا من أعف الناس فروجاً وقلوباً وألسنتةً ومنظراً وبصراً، فرويد Freud يتكلَّم أيضاً عن الكبت على أنه أساس أيضاً من أُسس العُصاب، يُولِّد العُصاب، لكن هل المُتدين وهل العفيف مُصاب بالعُصاب؟ غير صحيح بالمرة، تعرفون بحسب فرويد Freud نفسه الكبت لا يكون كبتاً إلا إذا سُبِقَ أو تزامل مع اعتقاد بنجاسة أو مرذولية الشيئ الذي يُكبَت، الرغبة التي تُكبَت، نحن لا نرى العلاقة بين النوعين نجاسة، بالعكس نراها حتى جانباً من جوانب التعبد لله باسم الله، نأتيها باسم الله، وفي بضع أحدكم صدقة، لكننا نُؤجِّلها، لا نُمارِسها خارج مُؤسَّسة الزواج التي أراد الله للنوع الإنساني أن يتكاثر عبرها وعبرها فقط، وليس عبر الشذوذات المُختلِفة التي قوَّضت أُسس المُجتمَع والأُسرة هناك.

نعود إلى موضوعنا حتى لا نستطرد كثيراً – إخواني وأخواتي – لنقول الخلافة إذن تعم المُؤمِن وتعم غير المُؤمِن، لكن – انتبهوا – كيف يُمكِن لهذا الخليفة المُستخلَف في أرض الله وأرض بدنه وفي كل ما خوَّله الله – تبارك وتعالى – أن يضطلع وأن ينهض بأعباء الخلافة على وجهٍ يخدم دُنياه وأُخراه فينجو به ويسعد به في أٌخراه بغير الهُدى الإلهي؟ غير مُمكِن، مُستحيل، قد تقول لي الفطرة وحدها أو العقل أو التجربة الإنسانية أو مُراكَمة العلم، كل هذا غير صحيح، هذا عصر العلم، نحن الآن في الألفية الثالثة وقد غزر العلم ومار بحره موراً واستبحرت المعارف كما لم يحدث من قبل، تعلمون الآن بحسب الآي بي إم IBM تضاعف المعارف الإنسانية كل ثماني عشرة ساعة، شيئ مُذهِل مُحيِّر، أنُريد أكثر من هذا؟ سيأتي أكثر من هذا، لكن نفس الشيئ: أين الغايات؟ كما قال فضيلة المُقدِّم أين السعادة؟ أين الطمأنينة؟ أين الأُخوة البشرية؟ أين لُحمة النوع الواحد؟ كل هذا غائب، وبالعكس البشر – ما شاء الله عليهم – في هذا العصر الأخير صاروا تقريباً كل مُدة لا يخرجون من قرن إلا وهم مُهدَّدون بحروب كونية عالمية قد تأتي حتى على هذه الحضارة كلها، ولذلك أينشتاين Einstein – ذكرت اليوم ألبرت أينشتاين Albert Einstein وأذكره مرة أُخرى – سُئل ذات مرة إذا قامت الحرب العالمية الثالثة بماذ ستقوم؟ قال لا تعنيني الثالثة، تعنيني الرابعة، بالحجارة والعصي قال، لأنه يعلم أن الثالثة ستُقوِّض كل الجُهد الحضاري الإنساني، ستُعيدنا أُناساً بدائيين بلا أي شيئ، ستقوم بالقنابل الهيدروجينية والقنابل النووية، ستأتي على كل شيئ، قال الثالثة لا تعنيني، قال الرابعة أنا أعرف أنها ستكون بالحجارة والعصي، هذا هو الإنسان، وهو مُهدَّد – لا يزال فعلاً مُهدَّداً – والعياذ بالله.

إذن موضوع الاستخلاف يقودنا مُباشَرةً إلى موضوع ماذا؟ العبودية لله، العبودية لله أيضاً غير موضوع التعبد لله أو العبادة كما قلنا أمس، العبودية غير العبادة، الله قال إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۩، يُشير إلى ماذا إذن؟ إلى العبادة، أما العبودية فهي أيضاً مسألة تكوينية لا يُفلِت منها مخلوق من المخلوقات، أكبر الملاحدة هو عبدٌ لله، هل يُفلِت هذا المُلحِد المُنكِر لوجود ربه – تبارك وتعالى – من طائلة الأمراض – مثلاً – أو من غائلة الأمراض؟ يمرض، هل يستطيع أن يُفلِت من قدر الموت؟ مُستحيل، هل يستطيع أن يُفلِت من الشيخوخة والتنكس والضعف؟ مُستحيل، هل يستطيع أن يُفلِت من كل ما يعرض للبشرية والآدمية؟ مُستحيل، إذن هو عبد لله، عبد رُغماً عنه، لكنه ليس عابداً، مرة أُخرى هذا القدري وهذا الشرعي، كيف نُحقِّق عبادة الله تبارك وتعالى؟ كيف نعبده كما أراد؟ قال الله وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۩ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ۩، تأشيرٌ واضحٌ جداً إلى أن المُراد هنا عبادة واعية، أنت تُؤدي هذه العبادة عن وعي، تتساءل بصدد الغاية منها وبصدد سر التكليف، فالله يقول لك أنا لا أُريد منك أن تعود بنفعٍ علىّ، أنا الغني عن العالمين، لكن هذه العبادة ستعود بنفعٍ عليك أنت، كيف نعبده – تبارك وتعالى – كما أراد؟ هذا موضوع يتعلَّق أيضاً بجوهر الدين، كيف نعبده كما أراد؟ موضوع يتعلَّق بجوهر الدين، وهذا جميل جداً، رأس عبادة الله – إخواني وأخواتي – توحيد الله تبارك وتعالى، لابد من توحيد الله، أعظم ما عُبِدَ به الله هو ماذا؟ الإقرار له بالوحدانية، طبعاً بغير هذا الإقرار ينتهي كل شيئ، دخلنا في الوثنيات والشركيات والجحديات، إذن التوحيد – رأس العبادة ورأس الدين كله – هو توحيد الله تبارك وتعالى، يُمكِن أن نفهمه من منظور ديني وهذا لابد منه، يُمكِن أن نُوسِّع هذا المنظور الديني – إخواني وأخواتي – لنجعله منظوراً حضارياً، منظوراً ثقافياً، منظوراً فلسفياً ميتافزيقياً، كيف؟ توحيد الله – إخواني واخواتي – يُعلِّم المُوحِّد أن الكون كله مُسيَّر بتدبير مُدبِّر واحد وهو الرب، الرب الذي يُربي كونه، يُربي عوالمه ويُنميها ويُطوِّرها ويُبلِّغها أقصى مراحل ودرجات كمالها المُهيئة لها، هذا معنى المُربي، ربى يرب رباً، والرب مصدر، وهذه تسمية بالمصدر للمُبالَغة، هو ربٌ، الرب أيضاً مصدر، رباً وتربيةً، وهذا جميل جداَ.

تعرفون هذا له انعكاسات خطيرة جداً على تعاطي الإنسان العلمي مع الطبيعة ومع الكون، أي مع الوجود، ما رأيكم؟ أخطر ما يكون، قد يُجادِل بعض أصحاب اللدد وأصحاب التشغيب والتشكيك فيقولون بالعكس العلم في بداياته الأولى نشأ مع أُناس لا يُقِرون لله بالوجود – ملاحدة – وهم الفلاسفة الطبيعيون الذين كانوا قبل سقراط Socrates، أي Pre-Socratic philosophers، فلاسفة الطبيعة معروفون، هؤلاء تقريباً يزعمون هذا، وهذا الكلام غير صحيح حتى من ناحية تأريخ العلم لكن هكذا يُجادِلون، نقول لهم ليس هذا المُهِم، المُهِم والأهم من هذا المدى الأخير الذي بلغه العلم والغاية التي يتشوَّف إليها الآن، أرقى لحظة بلغها العلم هي هذه، أعني العلم الطبيعي.

– طُلِب من الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم أن يُوقِف المُحاضَرة من أجل رفع الأذان وهو ما حصل، ثم حدث عُطل فني فقال فضيلته أن بإمكانه الحديث – إن شاء الله – بصوتي الطبيعي بعيداً عن الجهاز الذي أصابه العُطل لأنه يعتقد أنه سيُسمَع بإذن الله تعالى، ثم استتلى قائلاً:

اللهم صل على محمد وعلى آله، قلت – إخواني وأخواتي – ليس المُهِم وليست العبرة بالخُطوات الأولى البدائية في مسار العلم، إنما العبرة بالشأو البعيد والمدى القصي الذي بلغه العلم في لحظته هذه الراهنة وما يتطلَّع إليه العلم، العلم الآن يتطلَّع – إخواني وأخواتي – إلى نظرية كل شيئ The Theory of Everything، نظرية كل شيئ هي نفس المشروع الذي اشتغل عليه ألبرت أينشتاين Albert Einstein آخر ثلاثين سنة من عمره وفشل أن يُنجِزه، فشل في أن يُنجِزه، وهو ماذا؟ توحيد القوانين الطبيعية الأساسية في قانون واحد، السؤال: لماذا؟ لماذا ينبغي أن تتوحَّد قوانين الطبيعة المُتكثِّرة؟ هي مُتكثِّرة وطبعاً ظلت تُختزَل، كان لدينا الكهرباء والمغناطيسة ثم توحدتا في قانون واحد الكهرومغنطيسية وهذا جميل، لدينا قوة الجاذبية ولدينا بعد ذلك قوة الذر أو قوة النواة الضعيفة والقوية، كيف سيتم التوحيد في قوة واحدة وتوحيد الجميع في قانون واحد؟ السؤال: ما هو المُبرِّر لهذا الأمل ولهذا الطموح؟ لماذا؟ ما من جواب إلا وحدة الوجود، ووحدة الوجود مُباشَرةً يُستنتَج منها فلسفياً وتأملياً وحدة المُوجِد، القرآن دائماً يُؤكِّد أن هذا الكون له رب واحد، ولو كان له ربان لحصل النزاع بينهما ولحصل عدم انتظام هذه الكوائن والعوالم، قال الله إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ ۩، وقال أيضاً لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۩، إذن القرآن أشار بوضوح إلى هذه القضية، الإنسان قبل أن يُدرِك تماماً مضمون أو جوهر قانون الجاذبية كان في حالة تشتت، تشتت إدراكي فلا يربط الأشياء بعضها ببعض، يُدرِكها تفاريق أوزاعاً، فيلحظ ويُدرِك ويُحِس أنه إذا صاعد في جبل فإنه يُرهَق ويتعب، لا يعرف لماذا، حالة فقط يخبرها ولا يعرف لماذا، إذا خفَّت قبضته من على هذا الكوب – مثلاً – يسقط الكوب فيتهشَّش ويتهشَّم ويتكسَّر، لا يعرف لماذا، الطائر إذا مات وهو يخفق بجناحيه وقع على الأرض أو نحو الأرض، لا يعرف لماذا، آلاف الظواهر المُتفرِّقة، في الخارج مُتفرِّقة، في الحس مُتفرِّقة، في الوعي البسيط المُفرَّق هذا مُتفرِّقة، يوم اكتشفوا الجاذبية توحدَّ كل شيئ، كل هذه الظواهر وألوف الظواهر غيرها أصبحت مُعلَّلة بعلة واحدة: الجاذبية، أي بسبب الجاذبية، وهذا عجيب، هل السبب الذي يجعلني أتعب إذا صاعدت في جبل هو نفس السبب الذي يجعل الكوب يتهشَّم إذا سقط من يدي والطائر يسقط إذا مات هو يخفق في أجواء السماء؟ نعم، نفس السبب وهو الجاذبية، وهكذا بدأ الوجود يتوحَّد شيئاً فشيئاً، الوجود بدأ يتوحَّد ويتوحَّد معه الإدراك الإنساني، نحن إذن نسير في اتجاه حقيقة واحدة، قال الله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، وقال أيضاً يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ۩، هذا من إشارات هذه الآية، هو هذا، ليس فقط اللقاء يوم القيامة، هذا صحيح بلا شك ومُؤكَّد ولكن حتى هذا موجود، يقول الله فَمُلَاقِيهِ ۩ في هذا المُستوى من التأمل الميتافيزيقي أو العلمي حتى قبل ذلك، يقول الله فَمُلَاقِيهِ ۩، دائماً ستُؤدي كل الطرق إلى الله الواحد لا إله إلا هو.

طبعاً لا يُوجَد لدينا إلى الآن لا تبرير ولا تفسير ولا رأي علمي أو فلسفي مقبول يُفسِّر لنا وحدة الوجود، وحدة قوانين الوجود وإمكان توحيدها، طبعاً بعض المُجادِلين مثل ستيفن هوكينج Stephen Hawking – العالم الإنجليزي الشهير المُقعَد – للأسف قفز على هذه المُشكِلة العلمية الفلسفية بكل استخفاف ومجانية، ويظن أن هذا القفز يُمكِن أن يُقنِع حتى سُذج الناس، هو لا يُقنِع حتى سُذج من الناس، لا يُمكِن القفز عليها، في البداية – إن جاز التعبير – كان القانون، هذا ليس قولي أنا، هذا قول هوكينج Hawking، حين ألَّف كتابه الذي يدعم به إلحاده الأخير وهو التصميم العظيم The Grand Design كتب يقول كانت الجاذبية، بسبب الجاذبية نشأ الكون من تلقائه، والسؤال: الجاذبية أليست قانوناً؟ القانون لا يُفسِّر نفسه، ما رأيكم؟ لا يُمكِن لقانون أن يُفسِّر نفسه إطلاقاً، القانون يُفسِّر ماذا؟ ما يُفسَّر به القانون، يُفسِّر غيره، إذا كان القانون لا يُفسِّر نفسه إذن لابد من تفسير للقانون نفسه، هذا التفسير سيأتي جواباً لسؤال مَن الذي أو ما الذي حتى – لأنك تقتع قوة ما – قنَّن القوانين وإن شئتم قونَن القانون ودستَر الدستور؟ الدستور العلمي والدستور مَن دستَره؟ لأن في نهاية الطاف القانون عالم عقلي، السير آرثر إدنتغتون Sir Arthur Eddington – عالم الفيزياء والفلك الشهير والإنجليزي أيضاً – في أكثر من كتاب له والسير جيمس جينس Sir James Jeans أيضاً في كتابه كون الألغاز كلاهما أكَّد أن العلم ذهب بنا إلى نهاية أصبحت واضحة جداً، الكون مُجرَّد عقل، الكون فكرة، السؤال: هذه الفكرة فكرة مَن؟ هذا العقل ناتج عن مَن؟ الكون ليس عالماً من الفوضى – Chaos – كما كان يعتقد قدماء الأغريق الماديون، قالوا فوضى، ليس فوضى، انتظام سارٍ في كل شيئ من الذرة إلى المجرة ومُقونَن، والقوانين تُختزَل تُختزَل تُختزَل حتى تعود إلى واحد، والواحد يُؤشِّر دائماً إلى واحد كما قالوا، الواحد دائماً يُؤشِّر إلى واحد، هذا معنى التوحيد، هل نقول إن مثل هذا الإدراك العميق لمضامين التوحيد كما عرضها القرآن الكريم هو الذي مكَّن المُسلِمين من أن يتفوَّقوا في العلم الطبيعي؟ كما تلوت في مُحاضَرة أمس أشار أيضاً في أكثر من آية إلى أن كل موجودات الكون تُمارِس ماذا؟ التسبيح، العبادة لله الواحد لا إله إلا هو، هل نقول إن هذا الإدراك العظيم هو الذي أثار في العقل المُسلِم تلك القدرة العلمية الهائلة التي مكَّنته من إدراك جُملة طائلة من القوانين الطبيعية مكَّن المُسلِمين من أن يتفوَّقوا في العلم الطبيعي تفوقاً لا نظير له في فترة زمانية قياسية؟ وهذا شيئ مُذهِل ومُحيِّر، طبعاً هناك فصل أشرت إليه أكثر من مرة والفضل طبعاً يعود حقيقةً للمُؤرِّخين الألمان بالذات، مُؤرِّخي العلوم الألمان الذين كانوا أكثر إنصافاً، هناك فصل مُثير ومُثير جداً إلى الآن تقريباًلم يُكشَف عنه بالقدر اللازم واللائق به وهو سرقة الغربيين للعلوم الإسلامية، وخاصة العلوم الطبيعية، علم الفلك والرياضيات والجبر والمُقابَلة والحساب والميكانيكا Mechanics والحيل والهيئة أو الفلك، سرقة حقيقية، يقول بعض هؤلاء المُؤرِّخين كثير من نجوم العلم الغربيين الأوروبيين كانوا مُجرَّد أُناس طبيعيين عاديين، لم يكونوا عباقرة ولا نُبغاء نابهين، وفجأة برزوا على أنهم ماذا؟ عباقرة ابتكروا أشياء مهولة ومُخيفة، هؤلاء المُؤرِّخون الألمان وغيرهم أيضاً يقولون ما حدث أنه تم تخزين مئات المخطوطات العلمية لعلماء مُسلِمين في قبو الكنائس، تم تخزينها في أقبية الكنائس لأكثر من مائة وخمسين سنة، ثم تم بعد ذلك استخراجها ونسبة ما فيها من نظريات وابتكارات وإبداعات إلى هؤلاء، فجأة كالفطر، كالنبات الشيطاني ظهر لنا عباقرة من لا شيئ، هل هذا واضح يا إخواني؟ هذا العقل المُسلِم، وهو عقل جبّار على كل حال، عقل جبّار يا إخواني، كونوا مُطمئنين إلى أن المُسلِم عنده عقل جبّار، ولا أقول هذا بالطريقة الاحتفالية والتمجيدية والعاطفية التي لا أُحِبها حقيقةً، أنا لا أُحِب هذه الطريقة في التفكير والتعاطي، لكن هذه هي الحقيقة، سأُحدِّثكم فقط بشيئ واحد، طبعاً لست في حل أن أُحدِّد أكثر من هذا، زارني رجل عالم من علماء المُسلِمين – لا أقول أكثر من هذا وهو عربي – زيارة مخصوصة من بلد أجنبي آخر، وطبعاً هو أستاذ في تلك الجامعة الغربية ورُقيَّ إلى رُتبة أستاذ بضربة واحدة، قدَّم لهم ورقة علمية بسيطة، قال لي يا شيخ هذه الورقة تقريباً لا تُساوي خمسة أو عشرة في المائة مما عندي، وأنا كشفت عنها لأختبر قيمة ما وصلت إليه وأنا أعرف الذي وصلت إليه، فهو يعرف هذا، قلت له نعم، قال بمُجرَّد أن اطلعوا عليها أُسقِطَ في أيديهم، نظرية مُعيَّنة في المعلوماتية، قال لي قبل عقود أعربوا عن أنهم رفعوا الراية البيضاء – وهي النظرية العالمية، تُسمى بالنظرية العالمية Universal – في ميدانها، أي أنهم عجزوا، قال أنا توصَّلت إليها كاملةً، وهو عالم كبير أصلاً هو، لا نقول عالم دين وما إلى ذلك، هو عالم في تخصصه، قال لي أنا أقول لك بكل تواضع لو وجدت مَن يتبنى هذا المشروع مِن دول العرب أو المُسلِمين لسبقنا الجميع سبقاً بعيداً، لتركناهم خلفنا مائة سنة، والله العظيم شيئ عجيب، هذا العقل المُسلِم، أقول هذا للشباب بالذات حتى لا يستهلكم التقليد والببغائية والانغماس والذوبان، بالعكس كونوا واثقين مما عندكم ومما لديكم ومن قدرة القرآن على أن يُلهِمكم، بقية القصة أنه قال لي اسمح لي فقط أن أُشير إليك إشارة، إن أردت أعطيتك الدراسة، قلت له لست مُتخصِّصاً في هذا، هذا الشيئ بعيد عن اهتمامي، قال لي أنا توصَّلت إلى هذه النظرية بكل تواضع أقول على هُدىً من آية المشكاة في سورة النور، والله العظيم شيئ عجيب مُذهِل ومُحيِّر، قال على هُدىً من آية المشكاة في سورة النور، شيئ غريب، هذا هو العقل المُسلِم.
تعرفون البهاء العاملي، ربما سمعتم بالشيخ البهاء العاملي، هذا الشيخ صاحب الكشكول والمخلاة، نحن نعرف الجانب الأدبي فيه والطرائفي، لكن هذا الرجل كان مُهندِساً عظيماً، كان عالم في الميكانيكا Mechanics – علم التحريك – سابقاً لأعصار، في أحد المساجد في أصفهان أشرف هو على هذا المشروع، هذا الرجل وضع شيئاً كالمصباح يُضيء بطاقة بشكل دائم، لا يحتاج إلى زيت ولا إلى غيره، إلى الآن لم يُفهَم ولا يُفهَم كيف تمكَّن من هذا، شيئ غريب، هذا العقل المُسلِم، هذا العقل المُسلِم الذي يستلهم القرآن العظيم، فالتوحيد يا إخواني رأس الأمر كله، رأس الدين، رأس الاعتقاد، حتى رأس التفكير، هل تعرفون لماذا؟ بطبيعة الأمر – كما قلت لكم – هذا الذي تصبو إليه العلوم الطبيعية الآن، لأن الأمر في ذاته مُوحَّد، هو هكذا، إذا أمسكت برأس الأمر معنوياً إدراكياً ورؤيوياً يُمكِن أن تنحل كل هذه الألغاز وينحل كل شيئ بين يديك – بإذن الله – بحسب فتح الله عليك وبحسب لياقاتك طبعاً وبحسب ما تبذل من جهد، كلها أقدار وأرزاق، لكن بغير هذه الطريق وبغير هذه السبيل لا يُمكِن أن يحدث أبداً، ستفهم أشياء فهماً جُزئياً ونسبياً مغلوطاً، وقد يبدو غلطه بعد حين لكنه غالط غالط، هذا منظور التوحيد إخواني وأخواتي.

نأتي الآن إلى غاية الرحمة، قال الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩، لكن قبل الرحمة نأتي إلى العدل، قال الله لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، هذه غاية الرسالات كلها، غاية الشرائع الإلهية كلها، قال لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، انظر إلى هذه الآية، والآية أيضاً تُشير إلى التناغم العجيب المُعجِب بين الكوني والشرعي، لأن الكون هو خلق الله والشرع هو أمر الله، أليس كذلك؟ قال الله أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ۩، له الكون المنشور وله الكون المسطور، له العالم التكويني وله الكتاب التدويني، أليس كذلك؟ هذا يتسق مع هذا، هذا يُصادِق على هذا ويُؤازر هذا ويُعاضِد هذا ويُسعِد هذا، ولا يتشاكس ولا يتناكد معه، وهذا جميل، الله يقول لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ۩، يُوجَد ميزان مُنزَل مع الرسل، وقال الله وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۩، هذا ميزان ماذا؟ مخلوق مبدَع تكويني، يُوجَد ميزان تكويني ويُوجَد ميزان تدويني، كما أن هذا الكون اتسق واستوى واعتدل – أي اتزن – وفق الميزان الإلهي، قد تقول لي ما هذا الميزان الإلهي؟ هذه وظيفة أيضاً العقل العلمي في أن يكشف عنه، أي القانون، أن يكشف عنه شيئاً فشيئاً بإذن الله تعالى، لدينا مسار الإنسان في الحياة، سلوكات الإنسان التي ينظر ويتشوَّف الشارع إلى أن تكون مُعتدِلة مُستوية على سوقها ومُتزِنة، لكن كيف؟ ليس بالهوى وليس بالغرض وليس بالاعتماد الوثني على العقل – توثين العقل بحيث يكون إلهاً والعياذ بالله ومرجعية نهائية – وإنما بالعود إلى ميزان الشرع، قال الله وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ۩، إذا عاد الناس واتخذوا هذا الكتاب والميزان مرجعية مُطلَقة ونهائية تضبط سلوكهم ويستمدون منها معايير التفكير والسلوك ما الذي يحدث؟ قال الله لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، في الأثر بالعدل قامت السماوات والأرض، هو الميزان، هو هذا، بالعدل قامت السماوات والأرض، لو يحدث أي اختلال في المعمار الكوني ينهار هذا المعمار، أي اختلال، وتخيَّلوا يا إخواني أن المنظور العرفاني الإسلامي أشار إلى هذا، وهذا شيئ أيضاً سابق بأكثر من تسعمائة سنة، يقول أحد العُرفاء لو ذرة يا صاحبي نُحيَّت من مكانها لانهار هذا العالم كله من أساسه، شعر فارسي – لغة أعجمية – وهذه ترجمته، يقول ذرة، لماذا؟ ماذا تفعل الذرة؟ ما عساها تفعل؟ لا يُوجَد شيئ زائد، ولا يُوجَد شيئ فائض في الكون، قال الله وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩، كل شيئ!
طبعاً للأسف أنا قرأت لبعض ملاحدة العرب المُعاصِرين من حوالي عشرين سنة أنه ألَّف كتاباً يُثبِت فيه أن نظرية الشواش في الفيزياء أتت على العقيدة الإلهية من جذورها، أحد الأغبياء المُتسرِّعين، هذا غباء، غباء علمي وغباء أيضاً ديني والعياذ بالله، لماذا؟ كيف؟ يُمكِن التحدَّث عن نظرية الشواش أو نظرية الفوضى – Chaos theory – وعن مُؤداها بعبارة بسيطة دون أن ندخل في الغوامض وألغازها بالنسبة لأي حركة وأي تغير في أي مُتغيِّر في هذا الوجود كله في الكون الآن، ونقول الكون الآن طبعاً لأن قديماً لم يكن كذلك، قبل حتى سبع أو ثماني سنوات كان قطر الكون كم؟ قُرابة أربعة عشر مليار سنة ضوئية نصف القطر، الآن نصف القطر قُرابة ثلاثة وتسعين أو أربعة وتسعين مليار سنة ضوئية، شيئ مُذهِل مُخيف ولا يكاد يُستوعَب إطلاقاً، لا يُستوعَب هذا طبعاً، شيئ لا يكاد يُصدَّق، الضوء يلف الأرض – انظر إلى هذه الأرض التي عليها سبعة ملايير من البشر – في الثانية ثماني مرات، ينتهي منها في أقل من الثانية، أنت حين تقول “الله” يكون هو لف الأرض ثماني مرات، إذا ذهب يمضي دقيقة كاملة أين سيذهب؟ في ساعة كاملة ماذا سيقطع؟ ماذا سيقطع في سنة؟ ماذا سيقطع في مليون سنة؟ بعد ألف مليون سنة أين سيصل؟ قد تقول لي هل هناك كون من ألف مليون سنة؟ لا، الكون هذا الآن بحسب علماء الكونيات – Cosmology -وعلماء الفلك قُطره مائة وثمانون ألف مليون سنة، قال الله لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۩، شيئ مُذهِل ومُخيف، قال الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۩….الآيات الخواتم من سورة آل عمران، تعرفون – أحبتي – ليلة نزلت هذه الآيات الكريمات على قلب رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – قضى ليله بطوله يبكي، بطوله يبكي، تقول أمنا عائشة – رضوان الله عليها – حتى سال دمعه من حجره الشريف إلى الأرض، ينزل إلى الأرض الدمع، دمع غزير مدرار، فجاء بلال يُؤذِنه بالصلاة فلم يُجِبه لغلبة البكاء والخشوع عليه، يقول يا رسول الله الصلاة، يُؤذِنه بالصلاة، يقول يا رسول الله الصلاة، فاستأذن ودخل فوجد الرسول على تلكم الحالة العجيب، يا رسول تبكي؟ قال يا بلال اسمع ما أنزل الله علىّ الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ ۩ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۩ ربنا ربنا ربنا …. إلى آخر الآيات العظيمة، ثم قال يا بلال ويلٌ لمَن قرأها ولم يتفكَّر فيها، ويلٌ لمَن قرأها ولم يتفكَّر فيها، ويلٌ لمَن قرأها ولم يتفكَّر فيها، أي ثلاث مِرار، ثلاث مرات يقول هذا عليه الصلاة وأفضل السلام، طبعاً كيف نحن الآن نُدرِك أننا نعيش على هباءة اسمها الأرض في مجموعة شمسية تُعتبَر نُقطة في مجرة يقطعها الضوء في مائة ألف سنة ضوئية وهذه المجرة مجرة من مليارات أو ملايير المجرات في كون قُطره مائة وثمانين ألف مليون سنة ضوئية؟ لله در القائل وقد أحسن وأبدع ما شاء:

تمردتِ يا نفسُ فوق الأرض فاهدئي                    ولا تذهبي في العُجب كل مذهب.

فما أنت إلا ذرة فوق متنها                                 وما هي إلا ذرة في الكواكب.

وصدق والله، وما هي إلا ذرة في الكواكب، وطبعاً هذا الشاعر لم يكن يعرف عن الأمداء القصية للكون إلا ربما واحد على مليارات مما نعرف اليوم، مليارات!

في بداية القرن العشرين أينشتاين Einstein قدَّر بحسب النسبية العام نصف قُطر الكون بمليار وثلاثمائة ألف سنة ضوئية فقط، فالقُطر بملياري ونصف المليار فقط، الآن مائة وثمانون ملياراً يقولون، يتحدَّثون عن مائة وثمانين ملياراً من السنوات الضوئية، شيئ مُذهِل ومُخيف يا إخواني!
الآن نظرية الفوضى تقول لك في هذا الكون لو تحرَّك جُزيء بل ذرة بل particle – جُسيم – دقيق أو Subatomic particle حتى في نواة ذرة هذا يُؤثِّر على الوجود كله، الله! يُؤثِّر على الكون كله، صوتي هذا أو هذا الضربة من يدي أو هذه الحركة من يدك أخي الكريم تُؤثِّر على آخر وأبعد نجم في أبعد مجرة على الحدود القصية للكون، ما له؟ ما المُشكِلة؟ قالوا هذا يُقوِّض أركان الإيمان بالكامل، هذا صحيح وأنا أختم بالأصابع العشرة، يُقوِّض أركان الإيمان بالله من المنظور الكتابي، أي الـ Biblical، الكتاب المُقدَّس – التوراة والإنجيل – كيف يُصوِّر الله؟ انتهى هذا الإله، الإله الذي يُمكِن أن يخدعه بشر، النبوة ستنزل على رجل أشعر، عيسو كان أشعر، فتأتي أم يعقوب وتقول له لا، اذهب والبس جلد ماعز، اليوم العصر الرب سوف يُنبيء أخاك هذا، أخاك لأبيك، ويذهب ويُخدَع الإله وتنزل النبوة خطأً على آخر، الله لا يعرف ويُخدَع، الله يندم، فيُهلَك عباده بالطوفان ثم يندم ويبكي وينوح على ذلك، ولئلا ينسى – لأنه ينسى – فقد خلق أو أذِن بخلق قوس قزح، أي Rainbow،حتى لا ينسى، كلما رآه يتذكَّر كيف أنه أفنى عباده، هذا إله التوراة والإنجيل، أما إله القرآن لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ۩، الله أكبر، يقولون لك نظرية الفوضى Chaos theory، نظرية الفوضى – Chaos theory – أكَّدت الإيمان بالله من جميع الجوانب أحسن تأكيد بفضل الله تبارك وتعالى، قال الله وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ۩، قد يأتي مُهاتِر مثل ابن سينا ويقول غير هذا، وأنا لي كلمة شديدة في حق هذا العبقري الكبير والفيلسوف الخطير والعالم النبيل، أعني ابن سينا، ابن سينا للأسف الشديد كان يرى أن علم بالجُزئيات ضربٌ من الوهم على طريقة شيخه أرسطو Aristotle طبعاً، الله لا يحتاج وغير معني بالجُزئيات، الله يتأمل نفسه وذاته العلية، ولذلك أنا أقول لكم ابن سينا في هذا الموضوع وفي موضوعات أُخرى لم يكن تلميذ القرآن أو خرّيج القرآن، كان خرّيج أرسطو Aristotle فأتاه العمى، فقلت في حقه العبقرية وإن تكن فارعة باذخة قد تستحيل غباءً أحياناً إذا وقعت في براثن التقليد، أليس كذلك؟ لو كان عبقرياً أصيلاً ولم يُقلِّد شيخه أرسطو Aristotle على الأقل لاستلهم القرآن الكريم، القرآن يُؤكِّد أن الله يا إخواني يُحيط بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ۩، حتى كما قلت لكم – بالذرات وما أصغر من الذرات، نعم ليست الذرة بالمعنى الفيزيائي لكن الله يقول ذرة، وأصغر منها إذن، أصغر منها كل ما يتحدَّث عنه علماء الذرة اليوم، قال الله وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ – ومُدوَّن أيضاً – إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ۩، لماذا؟ لأن خُطبة تدبير الكون أو إدراة الكون تقتضي بلا شك العلم بكل ما يجري في الكون، قال الله الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۩، يقول مُجاهِد جماعة الحساب، أي ليس حساباً واحداً فقط وإنما حسابات مُعقَّدة، ليست رياضيات عُليا وإنما شيئ أعلى من هذا بكثير، هذا أمر إلهي، حساب وحساب وحساب وحساب حتى تنتظم مسيرة هذه الأجرام العُلوية.

إذن نظرية الفوضى- Chaos theory – بالعكس تُؤكِّد الإيمان ولا تُقوِّضه، ولا نزال في حديث العدل والميزان، نحن مأمورون كمُسلِمين وكمُتدينين نُريد أن نُصيب جوهر الدين وحقيقة الدين بإقامة القسط، بإقامة العدل، طبعاً البقية والتفاصيل الهوامش أعتقد أنها لديكم وعليكم، مُستحيل أن يُشكِّك مُشكِّك في هذا، وهنا يُمكِن أن ينداح المجال وسيعاً للكلام المُفصَّل المُسهَب لكن – كما قلت لكم – الهوامش عندكم إخواني وأخواتي، لا أعتقد أن ديناً بل تشريعاً من التشريعات بلغ ما بلغه أو بعض ما بلغه القرآن في تقرير قيمة العدل، العدل المُطلَق غير المُشرَّط، ما رأيكم؟ القرآن عرض للعدل على أنه قيمة مُطلَقة وهي القصد من إرسال الرُسل – كما قلنا – وإنزال الشرائع غير مُشرَّطة، العدل مع المُؤمِن ومع الكافر، مع القريب ومع البعيد، مع الودود ومع البغيض المقيت، العدل مع الكل، فقط أنا أجتزيء بشيئ يحلو لي دائماً أن أُردِّده لأنني لا أرى الوعاظ على المنابر أدمنوا ترداده أبداً، تقريباً حتى لا يكادون يذكرونه على أنه شيئ يُشرِّف كل مُسلِم أن يُذكِّر به نفسه ويُذكِّر به العالمين، بضع عشرة آية يا إخواني، غطت هذه الآيات زُهاء صفحة وربع الصفحة، هذه الآيات من سورة النساء وتتوجَّه بالخطاب القاسي لعبد الله ورسوله عليه الصلاة وأفضل السلام، قال الله إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ – جميل – وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ۩، أي لا تكن مُخاصِماً عن الخونة، لا تكن مُدافِعاً عنهم، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ – أصبت خطأً يقول – إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۩، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ۩، إلى آخر الآيات، تقريع شديد، لهجة ونبرة عالية فيها تأديب وفيها موعظة، لماذا؟ فقط باختصار لئلا نُطيل، باقٍ لدي خمس دقائق، لأن جماعة من الأنصار – رضوان الله على الصحابة المُهاجِرين والأنصار – أقنعوا رسول الله أن درعاً مُعيَّنة قد سرقها يهودي، والنبي صدَّق هذا، طبعاً هؤلاء شهود، أليس كذلك؟ أكثر من واحد شهد، قالوا رأينا وما إلى ذلك، نزل القرآن يقول لا، هؤلاء خونة، خونة؟ هؤلاء مُسلِمون، أنصار الله ورسوله، وهذا يهودي كافر، لا يزال كافراً وهو لم يُسلِم، لم يرد أنه أسلم في الروايات، القرآن يقول لا، بغض النظر، لا علاقة للموضوع بكونه يهودياً أو نصرانياً أو كافراً مُلحِداً، لابد من العدل، عدم الظلم، عدم الافتراء، عدم بهت العباد، واقرأوا سياق الآيات من سورة النساء، شيئ مُخيف جداً جداً، بنفس المعنى: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ ۩، تقول لي أنا مُسلِم مُحمَّدي وما إلى ذلك، وهذا يقول أنا يهودي موسوي وشرعي أقدم وهذا كتابي، وذاك يقول أن عيسوي وعيسى كذا وكذا، الله قال ليس بالعنوانات، ليس هكذا الدين والشرع، ليس هكذا التعبد لله، قال الله لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۩، ولذلك يا فاطمة بنت محمد اعملي لنفسك لا أُغني عنكِ من الله شيئاً، وهذه فاطمة، بضعة مني، يريبني ما يريبها – أي يغضبني ما يغضبها – ويُرضيني ما يُرضيها، هذا دين الله، العدل يا إخواني، وبعد ذلك تأتي قيمة ويأتي هدف الرحمة، قال الله إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩.

فقط اجتزيء بجُملة في موضوع الرحمة لأقول يا إخواني أقصر طريق يُمكِن أن تسلكوه إلى رضوان الله – تبارك وتعالى – ورحمات الله هو طريق الرحمة، أن تكونوا رُحماء، ترحموا خلق الله، كل خلق الله، طبعاً مَن فتح الله – ونسأل الله أن يفتح علينا فتوح العارفين به جميعاً – عليه سيصل إلى درجة يرحم فيها حتى طري النبات، ويُنشِد مع العارف: أنا نفسٌ مُحِبةٌ كل نفسٍ، كل حيٍ، حتى صغير النبات، أعرف مَن إذا أراد أن يُهذِّب النبات شعر بشيئ واستغفر الله، كأنه يستأذن تماماً كما يستأذن مَن يذبح حيوان لمأكلة، هناك مَن جاء إلى الرسول وقال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، أي أُريد أن أذبح الشاة ولكن لا أقدر.

ملحوظة: تم إصلاح العُطل الفني فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم جاء الصوت مُتأخِّراً، الخيرة فيما اختاره الله.

استأنف فضيلته المُحاضَرة قائلاً: ماذا قال الرسول عليه الصلاة وأفضل السلام؟ والشاة إن رحمتها رحمك الله، اليوم المُتنطِّع – وهناك مُتنطِّعون ليسوا بالقلة، نسأل الله أن يُقلِّلهم وأن يُكثِّر الرُحماء الهُداة المُهتَدين المُعتدِلين وأصحاب خُطة الوسط – لو سمع عالماً ربانياً مُفتياً يُفتي أحداً ويقول له نعم برحمتك الشاة يرحمك الله سوف يقول له ما شاء الله، أنت خالفت عن شرع الله، أأنت أرحم من الله الذي أباح لنا وأذن لنا – أرأيت؟ يخلط، التفكير كل مُشوَّش – أن نذبحها وأن نرتفقها؟ النبي ذبح، النبي في حجة الوداع نحر كذا وكذا من النوق، النبي فعل هذا، لكن ليس هذا، نحن لا نُحرِّم، لا نقول هذا حرام، ولكن بعض الناس تغلب عليها الرحمة، يفيض رحمةً ويقول لا أستطيع، ليس لدي من قوة القلب وقسوة القلب ما أذبح به الشاة على أن النبي ذبح، قال له والشاة إن رحمتها رحمك الله، أنا أرحم عدوي الكافر الذي وقع في يدي ولعله يكون قتل بعض أهلي وأهل ودي، أرحمه أن أذبحه فماذا عني؟ الله يرحمك كذلك، نحن مدعوون – أيها الإخوة – إلى الرحمة بغير حدود، لا حدود للرحمة، ما رأيكم؟ لا حدود للرحمة إلا بضوابط الشرع في أمور معروفة طبعاً لأهل الفقه والذكر.

إخواني وأخواتي:

ما معنى أن تكون رحيماً؟ معناها أنك قريب جداً من الله، انتبه إلى هذا، معنى أنك رحيم وأن الرحمة تتعاظم في نفسك أنك قريبٌ دانٍ من الله، لأن الله رحمة، هو الرحمن الرحيم لا إله إلا هو، قال الله نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – أرأيت؟ صفة ذات – وَأَنَّ عَذَابِي – صفة فعل – هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ ۩، فهو يقول أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۩، إذا اقتربت من الله ودونت ما الذي يحصل؟ ولله المثل الأعلى إذا اقتربت من بحر تتلاطم أمواجه تشعر بماذا؟ تشعر بنسائم البحر، ببرودة هوائه العليل، لأنك اقتربت منه، كلما اقتربت كلما زاد هذا الإحساس، إذا اقتربت من بُستان فيه أزهار تعبق بشتى الروائح الفوائح تشعر بماذا؟ بمزيد من الشميم، كلما اقتربت تشعر بمزيد من هذا، إذن كيف أعرف أنني أقترب من الله؟ كيف أعرف؟ أُصلي وأصوم وأتعبَّد ولا أدري ما هي النية وما مدى تمحض هذه النية لله وتشحرها للرب لا إله إلا هو، لا ندري!

ملحوظة: قال أحد الحضور هناك آثار عملية فقال فضيلته له أحسنت، فتح الله عليك، ثم استنئف حديثه قائلاً هناك آثار عملية، أشعر أنني مع كل صلاة أُصليها ومع كل تطوع أتطوعه صياماً أو صدقة أو قيام ليل أو قراءة قرآن أو عمل خير أو مُساعَدة في بر وإلى آخره أنني أزداد رقة ولطفاً وشفافية، يكسر خاطري وأجبر خاطره، يمنعني وأُعطيه، يقطعني وأصله، أليس كذلك؟ يفضحني وأستر عليه، قد تقول لي هل هناك مَن هو كذلك؟ نعم، كل الربانيين كذلك، ما رأيكم؟ والله العظيم، كل الربانيين هم ذلكم الرجل، أنت تفضحه وهو يستر عليك، أنت تسعى في مضرته وهو يحتال لنفعك دون أن يكسر خاطرك، إلى آخر هذه المعاني، لماذا؟ فقط لأنه قريبٌ من الله، يدنو من الله، هذا هو الذي يتعبَّد، هذا هو الذي يدّين، هذا هو الذي يُصلي يا إخواني وأخواتي، فاختبروا في أنفسكم – أختم بهذه الكلمة – دنوكم من الله وصحة عبادتكم لله وتعبدكم لجنابه الأقدس – لا إله إلا هو – بفيض الرحمة في قلوبكم وبين جوانحكم، قال الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩، قال النبي إنما أنا رحمةٌ مُهداة، صلى الله على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة المُزجاة لهذه الأمة وللعالمين، وشكر الله لكم جميعاً على حُسن استماعكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله.

Comments

comments

شاهد أيضاً

gab-adnan

عدنان ضد غابرييل -ج2

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد