رد ومناقشة بمنطق علمي محض لشبهات الدكتور يوسف زيدان. الذي جعل المعراج خرافة من خرافات الأولين، وشكك في الأقصى والإسراء. وفي هذا الجزء الأول مناقشة لقضية الصدقية التاريخية للمسجد الأقصى.

الجزء الأول

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ۩ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ۩ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۩ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ۩ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۩ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ۩ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ۩ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ۩ وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين.
إخواني وأخواتي:
أُهنيئنا والمسلمين جميعاً حول العالم بميلادِ سيد المخلوقات وشرف الموجدودات، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين وسلم تسليماً كثيراً، وبعد أيها الإخوة والأخوات:
لقد ثارت في الآونة الأخيرة عجاجةٌ كبيرة لما يختف نقعها بعد، أعني تلكم التصريحات التي أدلى بها الدكتور يوسف زيدان المُفكِّر والأديب المصري المعروف، فالدكتور زيدان بضربةٍ واحدة أفقدنا أقصانا، فليس هذا الأقصى الموجود حالياً في بيت المقدس هو الأقصى المذكور في الأحاديث الصحيحة وفي التراث الإسلامي على طوله وعمقه وغزره، هذا الأقصى الموجود حالياً أقصى الأمويين، بناه عبد الملك بن مروان ولم يُسر برسول الله إليه، فإذن فقدنا أيضاً الإسراء، والدكتور زيدان لا يُنكِر الإسراء ، لكنه قزَّمه أيما تقزيم وأفقده دلالته وآيته وجلالته.
قال الله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ – بمكة شرفها الله – إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ۩، الأمة مُطبِقة تقريباً من عند آخرها باستثناء روايات منزورة لدى الشيعة الإمامية ومن أسف على أن الإسراء كان من البيت العتيق إلى مسجد بيت المقدس “المسجد الأقصى”، لكن الدكتور يوسف زيدان يقول الإسراء كان من البيت الحرام إلى مسجد قريب يبعد تسعة وعشرين كيلاً – أي كيلو متراً – بالجعرانة، فهذا هو الإسراء الذي لأجله فُتِنَ بعض المسلمين وكفروا، أين الفتنة هنا؟ أين الآية؟ أين الأعجوبة؟ كل أحد يعمل هذا مشياً على الأقدام، هناك مُعمَّر لبناني – ونسأل الله أن يزيده طول عمر وصحة – ابن مائة وسبع عشرة سنة يقول أنه يسير يومياً عشرة أو عشرين أو أربعين كيلو متراً، فهذا ما شاء الله يأتي بمُعجِزتين للإسراء يومياً، فأين الإعجاز وأين الجلالة وأين الدلالة أن يُسرى برسول الله من المسجد الحرام إلى مسجد الجعرانة؟ هذا شيئ عجيب، لكن هذا الإسراء، أما المعراج فالمعراج عند الدكتور يوسف زيدان حديث خرافة، يقول أنا لا أعلم من أين أتوا به، كيف ألَّفه المسلمون؟ كيف اخترعوا هذا المعراج؟ فهو أسطورة من أساطير المسلمين وخرافة من خرافات الأولين.
إذن فقدنا الأقصى والإسراء والمعراج أيضاً بضربة واحدة، والأدلة التي اتكأ عليها الدكتور يوسف يُمكِن أن تُساق في عشر دقائق، فقط في عشر دقائق يُقال الأدلة هى واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة وخمسة، وهذا أمر عجيب جداً، هل هذه الأدلة وافية أو كافية بأي معنىً من معاني الكفاء والوفاء لكي نُحطِّم هذه الأركان والعمد الثلاثة المُهِمة والخطيرة الشأن في مخيال المسلمين وفي مُعتقَد المسلمين وفي أدبيات وفي حياة المسلمين؟ طبعاً لن أُعرِّج على الناحية السياسية ولن أُعرِّج على التوظيف السياسي للموضوع مع أن التوظيف السياسي واضح جداً جداً، فالتوظيف السياسي واضح جداً جداً لكن لن أُعرِّج على هذا لأنني لن آت فيه بجديد، نُريد فقط أن نُناقِش هذه الشُبهات بمزاجٍ علمي وبمنطق علمي محض وبهدوء إن شاء الله تعالى، وطبعاً هذه الخُطبة لن تتسع لنقاش قضيتين، قضية تاريخية المسجد الأقصى والصدقية التاريخية للمسجد الأقصى، فهل هذا المسجد الجاثم الآن في الأرض المُبارَكة المُقدَّسة هناك – فك الله أسره ورد غربته – هو المسجد فعلاً الأقصى المذكور في كتاب الله والذي أُسرى برسول الله إليه ومنه كان معراجه الشريف عليه الصلاة وأفضل السلام؟ ما هى الأدلة أو ما هى الشُبهات التي أتى بها الدكتور يوسف زيدان لكي ينقد هذا الاعتقاد أو هذا المُعتقَد أو هذه الفكرة لئلا يقول قائل أنتم ترفعون كل شيئ إلى رُتبة اعتقاد؟ ثم هل كان الدكتور يوسف زيدان أول مَن تناول هذا الموضوع أم أنه مسبوق ومُجرَّد مُردِّد لكلمات ألقى به غيره من قبل من عشرات السنين؟ هذا مُهِم أيضاً، أي هل الدكتور يوسف زيدان كان أصيلاً هنا؟ في هذه المسألة نتحدَّث، هل كان باحثاً أصيلاً فبحث ونقَّر ونقَّب وفتَّش واجتهد وانتهى به بحثه – ويا حَيَّهَلاً – إلى هذه النتيجة وهذا الاستخلاص أم أنه مُجرَّد مُردِّد لأقاويل قيلت وأُلقيت من قبل وردَّدها الآن في هذا الآن بالذات وأثار بها كل هذه العجاجة وجرح مشاعر المسلمين وبالذات ربما مشاعر المُتعاطِفين – ومُعظَم المسلمين على الإطلاق مُتعاطِفون مع قضيتهم – مع قضية القدس والمسجد الأقصى المُبارَك؟
يُؤسِفني ويُحزِنني جداً أن المُجتمَع الدولي والأمم المُتحِدة ومجلس الأمن يُقِرون ومن عشرات السنين ومن سبع وستين أن القدس الشريفة أرض مُحتَلة، ويقولون هذا بشكل واضح إلى اليوم ولم يُنقَد هذا، واتركوكم من الفعلة النكراء التي أتاها بوش Bush الأصغر، لكن على المُستوى الدولي هذه أرضٌ مُحتَلة، بمعنى مُغتصَبة، فهم يُقرِون بهذا، والدكتور يوسف زيدان يُريد أن يُقنِعنا بضربة واحدة بشيئ مُختلِف عن الأقصى، وطبعاً أنا هنا يحق لي – وأيضاً بمزاج علمي – أن أقول حريٌ بالباحث العلمي ألا يتورَّط وألا تأخذه سكرة سُلطة المرجعية العلمية، أي أنه حين يصير مشهوراً نوعاً ما أو إلى حدٍ حتى بعيد فإنه يظن نفسه أنه أصبح سُلطة معرفية، فيجوز له أن يشطب على ما شاء وأن يُصادِق على ما شاء لأنه هو هو، فيقول أنا باحث مشهور وأنا لي إسم، أي ماركة مُسجَّلة Trend، فإذن يحق لي بكل بساطة وبكل هدوء دون أن يطرف لي جفن أو ينتفض لي عصب أن أشطب على مُقدَّسات المسلمين مثلاً، فأشطب على ثنتين أو ثلاث أو أربع وهكذا، وأنا أقول نصيحة للدكتور يوسف وأمثاله أيضاً ولأنفسنا هذا مُجرَّد تدمير لما تبقى من صدقيتك، الأمة ليست قطيعاً من البُلهاء أو العبيد أو الأغبياء، بما أنك مشهور أو باحث إذن فلنتخل عن مُقدَّساتنا ولنتخل عن حقوقنا وعن أرضنا المُغتصَبة السليبة من أجل أن نُرضي شهوة المرجعية لديك، لأنك مرجعية وسُلطة معرفية، هذا لا يُمكِن لأن الأمر لا يجري على هذا النحو، يُحزِنني جداً أيضاً أن أرى باحثين أكاديميين مُحترَمين طبعاً وهم من رُتبة بلا شك أعلى ومنهم يهود ردوا هذه الفرية، فما رأيكم؟ ردوها بأسلوب علمي قوي وأدلة وكتبوا مقالات بل وكتباً في هذه المسائل وأنصفوا فيها مُقدَّسات المسلمين وتاريخ المسلمين – علم الله أن شعر بدني قف الآن وأنا أحكي هذا الكلام – فما الذي تبقى لنا إذن إذا كانوا هم أكثر إنصافاً لقضايانا وأكثر توقيراً وتبجيلاً لمُقدَّساتنا ولحقوقنا؟ ما الذي يحدث لنا؟ ما الذي – يا لله ويا للمسلمين ويا للحق والعدل والإنصاف – نفعله بأنفسنا؟ هذه نفثة مصدور لابد أن أنفذها وإن كان لا علاقة لها بالمزاج العلمي الذي وعدتُ أن أصطنعه إن شاء الله تبارك وتعالى، ولنأت إلى موضوعنا، فالدكتور يوسف زيدان – هدانا الله وإياه والجميع إلى سواء السبيل – يقول أولاً المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم ليس هو مسجد بيت المقدس بالقطع، لماذا؟ لأنه لم يكن في ذلك الوقت ثمة مسجد هناك، أين المسجد حينها؟ لم يكن في ذلك الوقت ثمة مسجد، ليس في بيت المقدس وإنما في حياة رسول الله فضلاً عن هذا الوقت المُبكِّر قبل الهجرة، في حين الإسراء والمعراج لم يكن هناك ثمة مسجد إسمه المسجد الأقصى يعرفه اليهود أوالنصارى أو العرب وخاصة قريش، فهذا غير موجود، وهذا أولاً.

الدكتور يوسف زيدان
الدكتور يوسف زيدان

ثانياً يقول الدكتور يوسف زيدان حتى بيت المقدس لفظة ذات أصل عبري، فهو يقول اليهود دائماً يغضبون منا ويقولون أنتم سرقتم حتى أسم هذا المكان منا، فنحن سرقنا إسم القدس وبيت المقدس من اليهود لأن هذه لفظة عبرانية ونحن سرقناها، كأنه يُوميء إلى أننا سرقنا الإسم والمُسمى على أنه يُصرِّح – والله يُحِب الإنصاف – أن لنا حقاً في المكان، فالدكتور يوسف يقول لنا حق ولليهود حق لكن الإسم سرقناه، ثم في لقائه مع خيري رمضان رداً على المُفتي السابق الدكتور علي جمعة يتحدى ويرفع لواء التحدي أن يأتي الدكتور جمعة أو غير الدكتور جمعة أن يأتي بنقلٍ واحد من تراث المسلمين – ويقول تراثنا هو تراث واسع عريض – يُثبِت وجود أو تردد لفظة القدس أو بيت المقدس في المصادر الإسلامية قبل مائتين وخمسين للهجرة، قبل عهد المأمون وقبل عصر المأمون، وهذا أمر عجيب، هل فعلاً هذا غير موجود؟ طبعاً الدكتور يوسف زيدان هنا يتكئ على إنجازاته، وله إنجازات كبيرة الرجل بلا شك مثل إنجازاته في تحقيق التراث الإسلامي خاصة المخطوطات الصوفية وغيرها طبعاً حقيقةً، فهو عالم إذن بالتراث الإسلامي ويقول هذا، وسوف نرى هل هذا موجود أم غير موجود؟ وإذا وُجِد هل هو بالعشرات أم بالمئات؟ هل لفظ بيت المقدس والقدس في المصادر قبل مائتين وخمسين وقبل مائتين سنة؟ سوف نرى بعد قليل، وهذه مسألة سهلة ولا تحتاج إلى حذاقة وإلى ذكاء، لأن يُمكِن لأيٍ منا أن يقوم بها وخاصة الآن في العهد الإلكتروني بسهولة وبضربة قلم مُباشَرةً، طبعاً المسألة سهلة لأنك سوف تُحدِّد المصادر السابقة على مائتين وخمسين أو على مائتين حتى هجرياً ودون ذلك، أي تعرف ما هى المصادر الموجود ثم تُحدِّدها وتبدأ بالبحث فيها، ومُباشَرةً سوف تُفاجأ بعشرات المواضع فيها ذكر بيت المقدس والقدس، وهذا في عشرات المواضع سأذكر لكم أمثلة وأنموذجات منها بُعيد قليل، ولكن هذا أمر عجيب وهذه الثقة عجيبة جداً لأنه يتحدى وقال لا وجود للقدس وبيت المقدس، ثم يُدِخلنا الدكتور يوسف زيدان في حيرة أرادها – أراد أن يُحيِّرنا – حين يتساءل عن معنى المسجد، ما هو المسجد أصلاً؟ طبعاً هو يعلم أن المسلمين – كل المسلمين حتى صغار المسلمين – يعلمون ما هى المساجد، وكلمة مسجد إسم مكان من سجد، أي إسم موضع السجود، طبعاً حقها أن تكون مسجَد، لأن دائماً إسم المكان من الثلاثي الذي مُضارِعه مفتوح العين أو مضموم العين مفعَل، فحقها أن تكون مسجَد ولكن هى مُستثناة مثل مغرِب ومسجِد ومظِنة، لكن هذه الكلمات حقها أن تكون مغرَب ومسجَد ومظَنة، فهى مُستثناة على غير قياس، والذي يأتي مكسور العين مُضارِعه مفعِل، وهذا شيئ آخر، على كل حال هو لا يعترف بهذا وهذا عجيب جداً، أيضاً أنا هنا أتعجب جداً من باحث يحمل درجة الدكتوراة يُجادِل في هذه المسائل، يرفض أن نعود إلى المعنى الدلالي والسمانتيكي للفظة، فممنوع أن تعود إلى المُعجَم، لماذا؟ كيف الناس تتعرف على معاني الكلمات؟ دلالياً ممنوع فماذا عن تداولياً؟ كيف يتم الآن اصطناع واستعمال وتداول لفظة مسجد؟ هذا أيضاً ممنوع، فتداولياً يمنعك ودلالياً يمنعك، إذن ماذا تُريد؟ هل نخلق لك مُعجَمية جديدة ونخلق معنىً نُؤلِّفه من لدن أنفسنا؟ هل تعرفون لماذا فقط؟ لأن الدكتور يوسف زيدان تورَّط فلم يُميِّز بين الحقيقة والمجاز، يقول لو كانت سجوداً كما تعلمون وما تٌقرِّرون فكيف قال الله تبارك وتعالى وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ۩ وقال أيضاً وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩؟ لا يعلم أن في اللغة حقيقةً ومجازاً، فإذا كان السجود حقيقةً في المعنى الكذائي فنسبة هذا المعنى الكذائي الذي لا يظهر في عمل النجم والشجر والجبال لابد أن تتأدى بنا إلى استخلاص أن المقصود هو سجودٌ مجازي، ومعروف طبعاً مجاز اللغة وحقيقة اللغة، ماذا تُريد أن تقول؟ وإلا لفظة المسجد موجودة قبل الإسلام، فمعنى المسجد الذي يُعبَّر عنه بلفظة عربية هى مسجد موجود قبل الإسلام، قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ۩، والقصة عن أصحاب الكهف قبل الإسلام وقبل محمد عليه الصلاة وأفضل السلام، أليس كذلك؟ هذا المسجد، والسجود معلوم طبعاً ومعلوم إسجاد الله للملائكة أو أمر الله – عز وجل – للملائكة بالسجود لآدم واستعصاء إبليس، قال الله يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ۩ فالله يقول وَاسْجُدِي ۩، أي أمر بالسجود، وهذا كثير جداً ومعلوم.
تسهيلاً – إن شاء الله – لخطوات بحث هذه المسألة نأتي بالشُبهات التي سردها الدكتور يوسف زيدان ونُجيب عنها واحدةً واحدة، أولاً قول الدكتور الدكتور زيدان حول كلمة المسجد ومفهوم المسجد أعتقد أننا أوضحنا للتو أن هذا المفهوم أو هذا المعنى مُتوافِر وموجود قبل الإسلام المحمدي، ولذلك في الحديث الذي ترويه أم المُؤمِنين عائشة – رضيَ الله عنها وأرضاها – وهو مُخرَّج في الصحيحين عن أم سلمة حين كانت في الهجرة الأولى إلى الحبشة كيف أنها أخبرت عن رؤياها لكنيسة هناك تُسمى ماريا، وهذه الكنيسة فيها صور وتماثيل لأوليائهم وصلاحائهم، والمُهِم هو أنها أخبرت عن هذا، فقال عليه الصلاة وأفضل السلام أولئكم قومٌ كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، إذن قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ۩، ثم اتخذوا تلك الصور والتماثيل، أولئك شرار خلق الله أو من شرار خلق الله كما قال عليه الصلاة وأفضل السلام، فهذا هذا المعنى – معنى المسجد – موجود بلا شك، وهو هذا المُتعبَّد أو مكان العبادة ومكان السجود، فهو إسم مكان للسجود، لكن أيضاً قال الدكتور يوسف زيدان لو كان هذا موجوداً فأين عمر منه؟ عمر حين فتح بيت المقدس لم يأت إلى هذه القبلة التي استقبلها المسلمون – هذا من عندي – ستة عشر أو سبعة عشر شهراً كما في حديث البراء بن عازب في الصحيح قبل أن يُحوَّلوا إلى الكعبة المُشرَّفة، وطبعاً الدكتور يوسف زيدان خرق الإجماع، خرق إجماع الأمة من غير ما دليل واحد حين ادّعى أن الصلاة فُرِضَت على المسلمين بالمدينة وأن أول صلاة صلاها المسلمون بالمدينة، هل عنده دليل؟ لا يُوجَد أي دليل، لم نر هذا القول لأحد في العالمين، لم يقل بهذا مسلم على مدار أربعة عشر قرناً ونيف، فمن أين له بهذا؟ كل الأمة تعلم أن المسلمين كانوا يُصلون في مكة منذ بداية الإسلام، خديجة كانت تُصلي والنبي يُصلي والإمام علي والصحابة الصغار والكبار يُصلون، الصلاة المعروفة من شريعة إبراهيم وليس على نحو صلاتنا هذه بكل كيفياتها وما فيها منها الأركان، لكن هذه الصلاة كما نعهدها اليوم فُرِضَت ليلة المعراج، ومتى كان المعراج؟ هذا في الخُطبة المُقبِلة – إن شاء الله – حين نتحدث عن قضية المعراج التي أنكرها الدكتور يوسف زيدان، لكن لماذا أنكر هذا؟ لا ندري، ربما لأنه وجد أن الإقرار بهذه الحقيقة – أعني حقيقة أن المسلمين استقبلوا القبلةَ الأولى – سيجعل سؤالاً يثور من فوره وهو أي قبلة؟ ليست مكة، إذن قبلة بيت المقدس، وهذا يعني وجود قبلة هناك، وطبعاً بلا شك هذه قبلة مُتعبَّد، فإذن هى المسجد الأقصى، فواضح أن هذا له قدسية وله خطورة ومثابة في مخيال وفي اعتقاد المسلمين، عمر حين فتح بيت المقدس لم يأت إلى هذه القبلة التي استقبلها المسلمون ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وقبل ذلك كانت الصلاة أيضاً إلى قبلة بيت المقدس، أي مُعظم فترة الرسالة كانت الصلاة فيها إلى القبلة الأولى، فما رأيكم؟ هذا هو بالحساب وبالعد، كانت الصلاة فيها إلى القبلة الأولى، لذلك هو أنكر وقال الصلاة فُرِضَت في المدينة، وهذا القول عجيب، لم يُقم عليه ولا حتى شُبهة فضلاً أن يُقيم دليلاً، المُهِم هو يقول أين عمر من هذا المسجد إذا كان يُوجَد مسجد أقصى؟ وطبعاً يُوجَد خطأ فظيع وقع فيه الدكتور يوسف وغيره وهو الظن أو الوهم أو توهم أن المسجد لابد أن يكون البناء المعهود لنا، أي أن هذا البناء كما هو اليوم هو المسجد الأقصى، وهذا غير صحيح، فالمسجدية لا تزول – باتفاق علماء الأمة – بزوال الحيطان والسقف وما إلى ذلك أبداً، يُهدَم هذا كله وتبقى مسجدية المكان، والفقهاء يُقرِّرون من قديم أن المسجد مسجدٌ من هذا المكان إلى السماء السابعة، فكل هذا الفضاء مسجد، وهناك أحكام تترتب على هذا، وللأسف رأينا بعض الناس – غير الدكتور يوسف زيدان – بدأوا يخبطون ويخلطون – إي والله – من الملاحدة ومن الذين يشنأون ويضغِنون – يُكِّنون ضغناً على الإسلام – فقالوا أصلاً هذا المسجد الأقصى الذي ترونه اليوم لا علاقة له لا بنبيكم ولا حتى بعبد الملك بن مروان الذي بنى المسجد الأقصى وبنى قبله ببضع سنين مسجد قبة الصخرة، لماذا؟ قالوا هذا المسجد الذي ترونه اليوم في بيت المقدس بناه صلاح الدين الأيوبي – الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي طيب الله ثراه – وقد بناه على أنقاض كنيسة، هذه الكنيسة كان الصليبيون بعد أن احتلوا بيت المقدس بنوها على أنقاض مسجد هو المسجد الذي بناه عبد الملك بن مروان، وهذا تاريخياً صحيح، لكن هذا كله وأمثاله عشرات المرات لا يُزيل مسجدية المكان، ونعود إلى قضية عمر لأن هذه مُهِمة جداً.
أين عمر من المسجد الأقصى أو من هذا المسجد في بيت المقدس حين فتح بيت المقدس صلحاً وسلماً واستلم مفاتح بيت المقدس من البطريرك – العرب يقولون البطريق – صفرونيوس؟ الدكتور يوسف زيدان مُحقِّق التراث لا يعلم بما ذكره كل المُؤرِّخين، ليس فقط ابن كثير والطبري بل كل المُؤرِّخين المسلمين، فكلهم حين أرَّخوا لفتح عمر في السنة السابعة عشرة للهجرة لبيت المقدس – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – ذكروا أن الفاروق سأل البطريرك أين مسجد داود؟ أين مُتعبَّد دواد؟ هذه القبلة التي استقبلناها نحن ونبينا، فجاء فدله عليه، وطبعاً أهم شيئ في هذا المكان الصخرة، من بقايا الهيكل الذي أقامه سليمان حسبما كان يُعتقَد، المُهِم أن هذه هى الصخرة، وهى التي عرَج عليها الرسول ووضع رجله وما إلى ذلك كما تعلمون، وللأسف وجدها عمر وقد علتها بل وارتها الزبالة والقمامة، لماذا؟ لأن النصارى المسيحيين كانوا يُلقون بالزبالة والقمامة على هذا المكان انتقاماً من اليهود، على أساس أنهم قتلة المسيح والذين سعوا بالمسيح لكي يُصلَب، فالنصارى ينتقمون إذن، وهنا يقول المُؤرِّخون حتى أن المرأة المسيحية كانت تبعث بخرق حيضها – أعزكم الله – لكي تُلقى هناك انتقاماً، فعمر حين دخل ومعه جماعة من الصحابة ومعه المسلم الذي كان يهودياً كعب الأحبار وجد زبالة كثيرة وقمامات، فجعل عمر يقمها ويكنسها حتى بطرف ردائه تشرفاً بهذا المقام و بهذا المُتعبَد وبهذا المسجد، أي بمكان السجود وليس بالحوائط التي ترونها اليوم أو بقبة صخرة، فهذا لم يكن موجوداً طبعاً وهو شغل الأمويين بالتأكيد، لكن المسجد مسجد والقبلة قبلة والمُتعبَّد مُتعبَّد، فهذا لا يزول، مُتعبَّد لليهود ومُتعبَّد للمسلمين، أي أن هذه قبلة، ثم يروي المُؤرِّخون أن عمر بعد أن فرغ ومَن معه من المسلمين من قم المكان وتنظيفه وتطهيره وقف لكي يُصلي فيه لله، والدكتور يوسف يسأل أين عمر منه؟ هذا عمر، ليس من لدنا وإنما في صحائف التاريخ فاقرأ التاريخ فقط، عليك أن تقرأ لأن العجلة غير مُستحَبة في البحث العلمي، العجلة وإلقاء الكلام بسرعة على عواهنه – كما قلت لكم – أمر غير مُفيد ومُضِر جداً بسمعة الباحث العلمية، والموضوع جد خطير، أن تُفقِدنا بيت مقدسنا وأقصانا وقضيتنا هكذا فهذه قضية خطيرة جداً جداً جداً طبعاً، ومن هنا ثورة علماء المسلمين جزاهم الله خيراً، العلماء والمشائخ والباحثون والمُؤرِّخون أدلوا بدلوهم في هذه القضية طبعاً وجلَّوا جوانب الحق فيها بفضل الله تبارك وتعالى وجزاهم الله جزاء شاكر، وعلى كل حال عمر أراد أن يُصلي فسأل كعباً – أي عمر سأل كعب الأحبار – أين نجعل مسجدنا؟ لأن الآن سيُصلي، وربما في نية عمر أن يُقيم هنا مسجداً بجدران وبأشياء، فقال خلف الصخرة – أي اجعل الصخرة أمامك – تستقبل بيت المقدس كله، فنظر إليه – وفي رواية ضرب في صدره – وقال ضاهيت اليهودية، أي نزع لك عرق من اليهودية، كلا بل اجعلها خلفي وأُصلي إلى حيث صلى نبيي، وهو يتوجه إلى الكعبة المُشرَّفة، وهكذا كان فعودوا إلى هذا الفصل في تواريخ الإسلام، وهذا كان في السنة السابعة عشرة للهجرة، والمُهِم جداً أنه بعد ذلك هذا التاريخ بقليل – تقريباً بعد ثلاث وثلاثين سنة فقط، وهذا تاريخ مُتقدِّم جداً فاحفظوا هذا، أي في السنة الخمسين للهجرة – أمَّ المكان أحد الرحالة المسيحيين الغربيين وكان من بلاد الغال التي تُعرَف اليوم بفرنسا، وهو الرحالة أركولف Arculf، ويُكتَب طبعاً بالفرنسية أركولوفوس Arculfus، فاحفظوا هذا الإسم – أي أركولف Arculf – لأنه مُهِم جداً، وادخلوا على النت Net على Archive.org وغيره واستخرجوا رحلته فهى مطبوعة في القرن التاسع عشر بالإنجليزية وإسمها Pilgrimage of Arculfus in the Holy Land (about the year A.D. 670)، فهذه مُهِمة جداً، لماذا؟ هذا الكُتيب الصغير الذي يحكي قصة حج الرحالة الفرنسي أو الغالي أركولف Arculf مُؤلَّف طبعاً من خمس وعشرين فصلاً ومُقسَّم إلى ثلاثة أقسام، وهو كُتيب صغير طبعاً، في الفصل الأول من القسم الأول يذكر فيه مسجد المسلمين، وهذا مُهِم جداً فانتبهوا، إذن قبل عبد الملك بن مروان، فعبد الملك بن مروان شرع في بناء مسجد قبة الصخرة The Dome of the Rock، وبعد قبة الصخرة ببضع سنين بنى المسجد الأقصى الكبير في الساحة كلها، فهذه كلها ساحة مسجد، هذا مسجد القبة الجميل هذاوهذا المسجد الأقصى، وكله في ساحة المسجد فكل هذا مُتعبَّد، وهذا في العقد الثامن للهجرة، ويُقال فرغ من بناء قبة الصخرة سنة ثنتين وسبعين للهجرة بعد أن بدأ فيها سبع وستين للهجرة، لكن في سنة خمسين الرحالة أركولف Arculf الفرنسي كان هناك وحدَّثنا عن مُتعبَّد ضخم، وهذا مُهِم جداً فنُهدي هذا للدكتور يوسف زيدان، أظن أنه كباحث ينبغي أن يفرح بهذا ويُعيد أيضاً تعيير معلوماته، فهو سيفرح الآن لأن هذه معلومات أثرية مُهِمة جداً، فأركولف Arculf يُحدِّثنا عن مُتعبَّد ضخم وهو مُتعبَّد سليمان وداود أبيه من قبل، يقول قد بنى المسلمون في المكان – إذن هذه إشارة إلى حادث عمر وربما ما رسم به عمر وفعله المسلمون – مسجداً على أعمدة خشبية ضخمة، فالرحالة أركولف Arculf رآه وقال أنه على أعمدة خشبية ضخمة، يقول وهو مسجد مُتواضِع يتسع لثلاثة آلاف رجل في آنٍ واحد، أي أكبر من مسجدنا هذا – مسجد الشورى – ربما بأربع مرات، فإذن نستطيع أن نقول أول مَن أقام هذا العمد في هذا المكان المُقدَّس هو عمر بن الخطاب – نحن نُرجِّح هذا – قبل عبد الملك بن مروان وما أتى من بناء الصخرة وبناء المسجد الأقصى، فهذه المعلومة مُهِمة جداً.


الدكتور يوسف زيدان يقول النبي لم يُسر به إذن من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى غير موجود، لكنه موجود طبعاً، فهو هذا لكن هل الإسم – المسجد الأقصى – كان يعرفه النصارى؟ لا، هل كان اليهود يعرفونه؟ لا، هل كان العرب يعرفونه ويسمونه المسجد الأقصى أو حتى المسلمون الأوائل؟ لا، نحن نُجرِّح مع العلّامة الإمام المُفسِّر الجهبذ محمد الطاهر بن عاشور فيما ذهب إليه، هذا في الأصل كان صفة، أي صفة للمسجد من القصاء أو من القصا – قصا يقصو قصاً وقصاءً – أيضاً، أي من البعد، فهذه صفة إذن، لكن هذه الصفة لما لزمت هذا الموصوف صارت علماً بالغلبة كما يقول النُحاة، فاليوم إذا سمعتم المسجد الأقصى لا يخطر على بالٍ منكم إلا تلك البنية المُقدَّسة فك الله أسرها، أليس كذلك؟ هذا إسمه علم بالغلبة ولذلك انتبهوا، أنا أردت – والله – أن أختبر هذا علمياً وصح هذا لدي – بفضل الله عز وجل – وينبغي أن يصح، فما كان يُعرف هكذا عند النصارى بإسم المسجد الأقصى، هم لا يعرفونه بهذا لا هم ولا اليهود، فإذن ما قضية الإسم هذه؟ من أين؟ القرآن وصفه أنه مسجد بعيد، المسجد الذي سيصفه النبي حين يُحدِّث أصحابه وقريشاً برحلته الإعجازية الكرامة الآية ولا يقول أُسريَ بي إلى المسجد الأقصى، فهم لا يعرفونه، أي مسجد أقصى؟ أين هو؟ إنما قال لهم إلى مسجد بيت المقدس، فهو قال وأتيت بيت المقدس وهذا معروف للكل، والقرآن سيُلقِّبه بالأقصى، ثم سيُصبِح علماً عليه بالغلبة، أي يغلب عليه ،ويُعرَف به كأنه إسمه، وفعلاً أصبح إسماً له بالغلبة، وفعلاً راجعوا كل روايات حادثة الإسراء وسوف تجدون أن الوصف فيها دائماً لهذا المسجد، ويُقال بيت المقدس وإلى مسجد بيت المقدس وإلى بيت المقدس وإلى آخره، فدائماً يُقال هذا.
وبمُناسَبة تحدي الدكتور يوسف زيدان أن نأتيه بلفظة القدس أو بيت المقدس في أي مصدر من مصادر المسلمين وهى كثيرة قبل مائتين وخمسين للهجرة نقول له التحدي – كما قلت قُبيل قليل – سهل جداً جداً جداً، فالمصادر موجودة ولنأخذ مُباشَرةً في ذكرها.
أولاً لدينا التفسير المنسوب إلى مُجاهِد بن جبر تلميذ عبد الله بن عباس رضيَ الله عنهما، ومُجاهِد على ما أذكر مُتوفى سنة مائة وأربعة للهجرة، أي أنه مُبكِّر جداً، قبل قرن ونصف من تحدي الدكتور يوسف زيدان، وورد في تفسيره ذكر بيت المقدس والقدس في مواضع فعودوا إليه وهو سهل.
ثانياً نأتي إلى السيرة النبوية فهو يتحدَّث عن أشياء لها علاقة بالسيرة والإسراء والمعراج، فأول سيرة مشهورة الآن بين أيدينا ومُتاحة للجميع هى سيرة محمد بن إسحاق، التي عليها بنى ابن هشام وهذَّبها واختصر منها وحذف أشياء، وطبعاً لم تصلنا سيرة ابن إسحاق كاملة وإنما وصل لنا منها مُجلَّد واحد بتحقيق العلّامة حميد الله الهندي رحمة الله عليه رحمة واسعة، وعلى كل حال في سيرة ابن إسحاق مواضع ذُكِرَ فيها بيت المقدس والقدس، ومتى تُوفى ابن إسحاق الذي كان مجايلاً للإمام مالك بن أنس الأصبحي وبينهما العداوة المشهورة المعروفة؟ سنة مائة وإحدى وخمسين للهجرة، أي قبل قرن كامل من تحدي الدكتور يوسف زيدان، ففي مواضع يذكر ابن إسحاق بيت المقدس والقدس وبالذات في الإسراء يقول وأُسريَ برسول الله إلى بيت المقدس وإلى مسجد بيت المقدس في مواضع.
ثالثاً نأتي إلى موطأ الإمام مالك بن أنس – هذا الكتاب المشهور خاصة عند السادة المالكية طبعاً، فموطأ الإمام مالك عمدة عندهم وعند كل أهل الحديث طبعاً – الذي يعده بعضهم أصح حتى من صحيح البخاري، فبعضهم يعده كذلك كالإمام الدهلوي – رحمة الله تعالى عليه – صاحب المسوى شرح الموطأ، الإمام مالك متى تُوفى؟ سنة تسع وسبعين ومائة للهجرة، أي قبل ما يقرب من سبعين سنة من تحدي الدكتور يوسف زيدان، وفي موطأ مالك في مواضع ذكر القدس وبيت المقدس، ومن ضمنها الحديث الشهير جداً الذي حكم له بعضهم بالتواتر – وفي هذا الكلام نظر ولكنه صحيح بلا مثنوية – وهو حديث لا تُعمل المطي – أو لا تُشد الرحال – إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذايرويه الإمام مالك في موطئه بلفظ إلى مسجد بيت المقدس أو إِيلِيَا، والعرب يقولون إِيلِيَاءَ، وإيليانوس هو الإمبراطور الروماني، ومن هنا إِيلِيَا كابيتولينا Aelia Capitolina أي إِيلِيَا الكُبرى، فهكذا سماها إِيلِيَا الكُبرى، وهذا إسم من أسماء بيت المقدس، إذن قال إلى مسجد بيت المقدس، وهذا مذكور في موطأ مالك، وحين تعود إلى مُسنَد الإمام عبد الله بن المُبارَك – أعتقد أن الإمام عبد الله بن المُباَرك يُكنى بأبي محمد وهو مُتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة للهجرة – تجد أنه يذكر فيه بيت المقدس في مواضع، فإذن هذا موجود، لكن الدكتور يوسف زيدان هكذا قرَّ في ذهنه أن القدس أو بيت المقدس شيئ مُتأخِّر، فبعد ذلك عرفه المسلمون لكن قبل ذلك كان غير معروف، وطبعاً هو سيتخلص من هذا أن حقنا في بيت المقدس وفي القدس حق مُضعضَّع ومُضعضَّع جداً، وهذا الحق لم يتأسس حتى على أساس من الدين أو من النص وإنما على أساس سياسي بحت، ولم يُوضِّح لنا هذا الأساس السياسي، فانتبهوا لأن المفروض طبعاً بناءً على كلامه لكي نكون مُتسِقين أن يظهر هذا الكلام في الأدبيات الأموية وسنقول لكم لماذا بُعيد قليل وليس في أدبيات العصر العباسي، فما علاقة المأمون بقضية القدس وبيت المقدس؟ قبل ذلك لابد من الحديث عن عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك ونزاع عبد الملك مع ابن الزبير الذي غلب على الحجاز وعلى الكعبة، لكن لم يظهر هذا، فلماذا إذن؟ هنا يُوجَد فراغ علمي كبير.
كذلك عودوا إلى كتاب الأم لإمامنا أبي عبد الله الشافعي، لأنه في الأم في مواضع كثير يذكر القدس وبيت المقدس، وتحدَّث عن من نذر أن يحج إلى بيت المقدس، وله باب استقبال القبلة وهل تكون إلى بيت المقدس والنهي عن ذلك، أي قضية ابن عمر وغير ابن عمر، فابن عمر يُخالِف ويقول أنا رأيت النبي يستقبل هذه الجهة، فهذا مسموح عند قضاء الحاجة، وهذا في باب استقبال القبلة الأولى الذي ذكره الإمام الشافعي، وأيضاً حديث لا تُشد الرحال رواه الإمام الشافعي في الأم، حيث تُشَد إلى مسجد بيت المقدس، وبالمُناسَبة حديث لا تُشد الرحال – كما قلت لكم – حديث صحيح بلا مثنوية، ويرويه من الصحابة عن رسول الله الإمام علي – عليه السلام – وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو بُصرة الغفاري وأبو سعيد الخدري وغيرهم، وعن كلٍ يُروى من طرق، فهذا حديث صحيح ثابت، وفي بعض ألفاظه المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى، وفي بعضها ورد مسجد بيت المقدس، وفي بعضها بيت المقدس، وفي بعضها إِيلِيَا، وفي بعضها مسجد الأقصى بالإضافة وليس بالنعت،أي مسجد الأقصى وليس المسجد الأقصى، وقد ذُكِرَ مسجد بيت المقدس أو بيت المقدس أو إِيلِيَا، فهذا كله مذكور ومنصوص، أي كان واضحاً في مخيال الصحابة والتابعين الأسماء المُتعدِّدة للمُسمى الواحد، وهى هذه البُقعة المُبارَكة من الأرض، وعلى كل حال في مُصنَّف عبد الرزاق – عبد الرزاق على ما أذكر تُوفيَ سنة مائتين وإحدى عشرة – أيضاً مواضع عن بيت المقدس وعن القدس.
إذن يا دكتور يوسف زيدان كسبنا التحدي، فلا يُمكِن أن تتشبث بهذه النُقطة إطلاقاً.

تصويب: في الدقيقة 22، أفاد الدكتور بأن الوهم سبق إليه بأن الجعرانة هي التنعيم و هما مكانان مختلفان من الحل خارج الحرم و الجعرانة أبعد عن الحرم بكثير من التنعيم.

(الجزء الثاني)

هافا لازاروس يافي
هافا لازاروس يافي

إذن هذا أمر معروف، والعجيب أنني وجدت أن هناك أستاذة بروفيسورة يهودية إسرائيلية تُدرِّس في الجامعات العبرية في إسرائيل إسمها هافا لازاروس يافيه Hava Lazarus-Yafeh وهى مشهورة جداً، وهافا لازاروس يافيه Hava Lazarus-Yafeh هى أحد الذين روَّجوا لفرية وفرضية أن المسجد الذي أُسرى برسول الله إليه – المسجد الأقصى – أو ذُكَر في القرآن الكريم ليس هذا المكان، وإنما هو مكان قصي بعيد قد يكون في السماء، وقد يكون مسجد الجعرانة، والجعرانة تقع شمال شرقي مكة المُشرَّفة، بينها وبين الطائف، على بعد تسعة وعشرين كيلو كما قلت لكم، أي مقرط العصا كما تقول الأعراب، بمعنى مرمى العصا، فهذه هى الجعرانة، لكن البروفيسورة هافا يافيه Hava Yafeh قالت لا نستطيع أن نُشكِّك في قدسية بيت المقدس عند المسلمين من الأيام الأولى للإسلام، ولكم أن تتخيَّلوا هذا،فهذه يهودية إسرائيلية وشكَّكت في أن هذا الأقصى قد يكون مكاناً في السماء لكنها قالت قدسية بيت المقدس ثابتة مُقرَّرة في الأدبيات الإسلامية من الأيام الأولى للإسلام، عكس ما قاله الدكتور يوسف زيدان، فهو يقول قبل مائتين وخمسين لن تجد لها أي ذكر، وهذا غير صحيح بالمرة، فلماذا؟ لماذا يُقال هذا الكلام؟ ولماذا يُلقى – كما قلت لكم – هكذا جُزافاً وبجرأة دون أي شُبهة أو دليل؟ هذا عكس كل الأدبيات وعكس كل المصادر التي ذكرت والتي لم أذكر، ومن المُؤكَّد أن هناك أمثال ما ذكرت من المصادر، ولكن أنا فعلت هذا على عجل، ربما في ربع ساعة وجدت هذا سهلاً وقريباً أشد القرب.

تدي كوليك Teddy Kollek
تدي كوليك Teddy Kollek

إذن هذه قضية بيت المقدس والقدسية، وعلى ذكر أننا سرقنا الإسم – أي بيت المقدس والقدس – وأنه لفظة عبرانية أخذناها منهم – كأن هناك إيماءً على الأقل من الإسرائيليين يقول أنكم سرقتم الإسم ثم الآن تُريدون أن تسرقوا المُسمى كما سرقتموه في التاريخ فلن نُعطيكم هذا وليس لكم حقٌ فيه، هذه عاصمة مُوحَّدة أبدية لدولة إسرائيل، فهكذا يقولون، أليس كذلك؟ وبالمُناسَبة الآن سأذكر لكم شيئاً لطيفاً جداً، تيدي كوليك Teddy Kollek هو رئيس بلدية القدس المُحتَلة الأسبق، وهو صهيوني بل كان من أشهر الشخصيات الصهيونية في العالم، هذا الرجل – تيدي كوليك Teddy Kollek – كان مُتحمِّساً جداً وهو رئيس بلدية القدس للمشروع الصهيوني، لكنه مات مُحبَطاً ومحزوناً، علماً بأن هناك الآن أدبيات إسرائيلية هى التي ذكرت هذا، فهل تعرفون لماذا؟ بعد أن تقاعد الرجل من عمله كرئيس بلدية القدس شرع في إعادة قراءة تاريخ المدينة، فهو يُريد أن يتوسع في قراءة تاريخ هذه المدينة المُقدَّسة – أورشليم القدس – فأزعجه وأحزنه وقبضه جداً حين وقف على كيفية تسلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس وكيف تم هذا الفتح المُظفَّر بسلام وبهدوء، فعمر بنفسه أصر أن يأتي وهناك روايات تقول أن البطريرك نفسه قال لا تُسلَّم إلا إلى أعظم هذه الأمة، فنحن لدينا نبؤات والله أعلم، ومن ثم بعثوا لعمر فأتى، فتيدي كوليك Teddy Kollek انزعج جداً وكتب يقول يبدو أن عمر بهذه الحركة الذكية أوحى للأمة – أي للأمة الإسلامية وللمُسلِمين – من بعده وإلى مُسلِمي اليوم أن يظلوا ضنينين لهذة المدينة ويُطالِبون بها ويُناضِلون عنها، ثم يقول وأنا اليوم أصبحت في شك من مُستقبَل المشروع الصهيوني، فتفضَّل إذن، هذا تيدي كوليك Teddy Kollek المزعوج جداً من هذا الفعل فاحفظوا هذا جيداً، لماذا عمر فعل هذا؟ لماذا هذه المدينة بالذات تأتي وتتسلم مفاتيحها بنفسك؟ لماذا؟ لكي تُوحي إلى الأمة بشيئ وهو أن هذا تراث خطير جداً ومُهِم، فهى ليست كأي مدينة تُفتَح، هذه نوع من أمانة، ولذا الرجل مزعوج جداً من هذا التصرف العمري، لأنه فهمه وفهم دلالته والتي فعلاً أوحت إلى المسلمين بالكثير وهى التي أوحت إلى صلاح الدين أيضاً، وطبعاً معظم هؤلاء الصهاينة حين يقرأون تاريخ صلاح الدين يأخذهم المُقيم المُقعِد وينزعجون جداً، لماذا؟ يقول أحدهم وهو ليس أقل حماساً من تيدي كوليك Teddy Kollek لما قرأت تاريخ هذا الملك – أي صلاح الدين الأيوبي – وجدت أن أحوال العرب والمسلمين في زمانه كانت من السوء والبؤس مثل أحوالهم اليوم وربما أشد، لكن كيف نجح هذا الرجل في بعث هؤلاء من مواتهم؟ هم موات – موتى – لكنه وحَّدهم من جديد واستنقذ القدس والبلاد المُقدَّسة من مخالب الصليبيين بعد أن ظلت زُهاء مائة عام، فالقدس ظلت ما يقرب من مائة عام وهى تحت نير الصليبيين لكن صلاح الدين استنقذها، والصليبييون ليسوا دولة إسرائيل وإنما دول أوروبية مُتعدِّدة، أليس كذلك؟ دول توحدت على خُطة واحدة، لكنه كسر شوكتهم وفل حدهم وأعاد إلى المسلمين والعُرب عزهم ومجدهم وحقهم.
أعود إلى الدكتور يوسف زيدان لكي أقول له يا دكتور يوسف – هداني الله وإياك – إلى ماذا تُؤميء بأننا سرقنا الإسم؟ الآن العالم كله يعلم أن الإسرائيليون يُسمون القدس أورشليم القدس ويقولون Jerusalem، أليس كذلك؟ ولديهم جريدة Jerusalem Post وما إلى ذلك، لكن Jerusalem أو أورشليم أو يِروشالَيم ليست لفظة عبرية، هذه لفظة عربية كنعانية طبعاً، فهذا إسم كنعاني أو يبوسي، حين بنوا هذه المدينة في البداية سموها يبوس، فأول إسم لها كان يبوس، لكن انتبهوا إلى متى كان هذا؟ في الألف الرابعة قبل الميلاد، وهنا قد يقول أحدكم يا الله، هل هذه القدس المُشرَّفة عمرها ستة آلاف سنة الآن؟ وأنا أقول له نعم، عمرها ستة آلاف سنة، ومن هنا قد يقول هذه مُصيبة على المشروع الصهيوني، وهذا صحيح طبعاً، لماذا؟ لأن مَن هم اليبوسيون؟ هم عرب أقحاح، ومِن أين أتوا؟ مِن الجزيرة العربية مُباشَرةً، من خلال هجرة في خط مُستقيم من جزيرة العرب إلى هذه البُقعة المُقدَّسة، فأخذوها أو غلبوا عليها فلا ندري هل كانت حتى مسكونة أو غير مسكونة ثم أقاموا هذه المدينة المُقدَّسة وسموها يبوس – القدس سموها يبوس – حينها، متى سيأتي خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة وأفضل السلام؟ سيأتي إبراهيم إلى الأرض المُقدَّسة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أي بعد أكثر من ألفي سنة من بناء المدينة، فإذن هل إبراهيم بناها وأسس لها أم طاريء عليها؟ هو طاريء عليها، هل هو غريب أو ليس غريباً؟ غريب، بنص سفر التكوين: وعاش أبراهام غريباً في أرض كنعان، فهو عاش غريباً – عليه السلام – ومات غريباً، وسفر التكوين يذكر لنا أن سارة – عليها السلام – زوجة سيدنا إبراهيم – عليه السلام – لما توفاها الله عن مائة وسبع وعشرين سنة احتار خليل الرحمن أين يدفنها، لماذا؟ لأنه غريب لا يملك شيئاً في هذه الأرض، فهذه ليست له لأنه أتى من أور بالعراق ومن ثم هناك بلاده، لكن هذه ليس له فيها شيئ، ليس له فيها شبر بالمرة، فماذا يفعل؟ الآن طبعاً يقولون لنا لكن في هذا السفر نفسه أن الرب – لا إله إلا هو – يهوه هو أعطاه وعداً بأن هذه الأرض كذا وكذا ويذكرون أرض كنعان، وأرض كنعان معروفة ما هى، هذه بلاد فلسطين، لكنهم يقولون في موضع آخر من نهر النيل إلى النهر الكبير، فهل هذه أرض كنعان؟ ما هذا التخبيص؟ ما هذه التناقضات العجيبة؟ إما أن تكون أرض كنعان وإما أن تكون كل هذه البلاد، لكنهم قالوا أرض كنعان التي هى من نهر النيل إلى النهر النيل، وهذه ليست أرض كنعان، المُهِم هذه أمور ثانية فلا علاقة لنا بها، ونحن لا نتكلَّم الآن عن الصدقية التاريخية لهذه الأسفار وما إلى ذلك، علماً بأنهم يتكلَّمون، وهناك مئات الكتب التي ألفها يهود ونصارى في صدقية أسفار التوراة وما إلى ذلك، وهذا شيئ عجيب جداً جداً جداً، وذكروا أين أُلِّفَت وفي أي أزمان وكيف أنها خليط غير مُتجانِس بالمرة وهو خليط يتناقض مع نفسه في مئات المواضع، وهذه قصة كبيرة فعودوا إليها لأن هذا ليس من موضوعنا اليوم ولا من قصدنا، لكن إبراهيم – عليه السلام – غريبٌ طاريء ولم يعرف أين يدفن سارة – عليها السلام – فتبرع له أهل البلاد الحيثيون بمكان، وهو طلب المكفيلة – مغارة المكفيلة – لكي يدفن زوجه فيها، وفي نهاية المطاف تم الاتفاق أو وقع الاتفاق على أن يشتري هذا المكان بأربعمائة شاقل، والآن يقولون الشيقل بمعنى الشيكل، فهذه لفظة توراتية، هم يُحيون تراثهم ونحن نهزأ من تراثنا ومن ديننا بل صرنا نهزأ من كل شيئ، ما شاء الله على هذه الأمة التي تموت، أنا أقول لكم هذه أمة تنسحب من التاريخ، أمة تعمل ضد نفسها الآن، أمة لم تعد تشعر بذاتها أصلاً، وهذا الذي يحدث، فهذه أمة يقتل بعضها بعضاً ويذبح بعضها بعضاً ويُكفِّر بعضها بعضاً ويُشكِّك بعضها في بعض وفي حقوقها وفي مُقدَّساتها وفي كل ما تبقى لها، وطبعاً التشكيك وصل إلى الله وإلى النبي وإلى القرآن وإلى كل شيئ، لم يعد شيئٌ سالماً، والله المُستعان على كل هذا الغثاء، وعلى كل حال هو اشترى المكان بأربعمائة شاقل فضة، فأين الوعد إذن؟ يُقال الله أعطاه وعداً ليس لذريته بل له ولذريته، لكن بسفر التكوين إبراهيم عاش ومات غريباً، فما رأيكم؟ ولم يجد مكاناً يدفن فيه زوجته أو أولاده يدفنونه فيه إلا على سبيل الهدية أو الشراء من أصحاب الأرض الأصليين.
أعود وأقول للدكتور يوسف زيدان انتبه يا دكتور يوسف، عليك أن تكون مُتسِقاً علمياً، يجب أن نكون واضحين مع أنفسنا ومع الحقائق الصلبة بصلابة، هل أنت مع المنطق الديني الذي يُبرَّر به للاستعمار والاحتلال؟ هل أنت مُقتنِع بأن من حق اليهود ومن حق الإسرائيليين أن يغصبوا الأرض وأن يأخذوها دون أن يُبقوا لنا حقاً فيها لأن التوراة تذكر أن الرب أعطاهم حقاً دينياً فيها؟ هل تُؤمِن بهذا المنطق الذي لا تُؤمِن به الأمم المتحدة ولا شعوب العالم أجمع الآن باستثناء الصهاينة ومَن والاهم ولف لفهم؟أليس كذلك؟ هل تُؤمِن بهذا المنطق؟ هذا منطق خطير جداً فانتبهوا، هذا كان أولاً.
ثانياً هل تُؤمِن بالمنطق التاريخي الذي يقول أنهم وُجِدوا على هذا البلاد؟ يُقال هم وُجِدوا فلهم حق، لكن متى وُجِدوا؟ هل أسسوها؟ طبعاً لم يُؤسِّسوها، إبراهيم كما هو أبوهم أو جدهم هو أبونا وجدنا، إبراهيم هو أبو إسحاق وجد يعقوب وهو أبو إسماعيل، فهم أبناء يعقوب ونحن أبناء إسماعيل، أي ليسوا أحق بإبراهيم منا، قال الله مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۩، لكن على هذا إبراهيم – عليه الصلاة وأفضل السلام – طاريءٌ غريب على بلاد كنعان كما يقول سفر التكوين في مواضع، هو غريبٌ في أرض كنعان، فبالمنطق التاريخي واستناداً إلى التاريخ وإلى نص سفر التكوين أيضاً ليس لإبراهيم وذرية إبراهيم الحق في هذا، والآن لا نتحدَّث بالمنطق الديني وإنما نتحدَّث بالمنطق التاريخي، فليس لهم حق هنا أكثر من الحق الذي لكل الغزاة ولكل الطارئين والغرباء، والقدس لم يغزها فقط العبرانيون وغيرهم.
نحن لدين غزوات الخابيرو وفي الأدبيات المصرية القديمة حين كانت مصر تحكم فلسطين أيضاً بولاة كتب أحد هؤلاء الولاة الذي كان إسمه على ما أعتقد عبد خب إلى فرعون مصر يطلب من أن يزيد عدد الحامية المصرية في البلدة المُقدَّسة، لماذا؟ لأن الخابيرو – العبيرو والعبرانيون – قد تواترت وتكاثرت غزواتهم وصاروا يُشكِّلون خطراً على البلدة المُقدَّسة، وعلى كل حال قد غزاها أيضاً الأغارقة، الإسكندر الأكبر في القرن الرابع – في ثلاثمائة وثلاث وعشرين قبل الميلاد – غزاها، وغزاها الرومان والبيزنطيون، وأتى هرقل في الأخير في القرن السابع، إذن الأغارقة والرومان والبيزنطيون ظلوا عشرة قرون في هذه الأرض المُقدَّسة، فهل لهم حق اليوم فيها؟ إذا كان الأمر يتعلَّق بحكم الغزو والاحتلال فلهم حق أعظم من حق اليهود عشرين مرة، لماذا؟لأن اليهود لم يُقيموا بهذه البلدة المُقدَّسة أكثر من أربعمائة وعشرين عاماً تقريباً، هى فترة مملكة داود وسليمان وانتهى كل شيئ، فقط أقاموا ما يقرب من أربعمائة وعشرين عاماً، والمسلمون أقاموا في الأندلس ثمانمائة وثلاثين سنة فهل يحق لنا اليوم أن نقول نُريد إسبانيا وأننا سنعود إليها؟هل يحق الآن للهنود الحمر أن يقولوا لابد أن يخرج كل سكان العالم الجديد ويُعيدوا إلينا بلادنا؟ هذا لا يُمكِن لأن الخرائط اليوم اختلفت، ولا يقول مُفكِّر سياسي على الإطلاق ولا حتى مُفكِّر من حيث أتى أنه يُمكِن إعادة تشكيل خرائط الدنيا بناءً على أسبقيات تاريخية احتلالية فضلاً عن أن تُؤسَّس على وعود دينية، فيا دكتور زيدان كُن حريصاً وكُن علمياً وكُن دقيقاً، ليس لأجل أي شيئ آخر، لأجل العلم فقط ولأجل احترام الحُجة، بأي منطق تتحدَّث؟
مَن الذي سرق مَن؟ وسرق ماذا؟ انتبهوا لأنه قال نحن سرقنا الإسم، وهذا غير صحيح، هى لها أسماء كثيرة قبل أن تُسمى بالأرض المُقدَّسة أو القدس أو أي شيئ مُشتَق من التقديس، فشاليم ويِروشالَيم وأورشليم كلها تسميات عربية، العبرانيون أو اليهود أخذوها وإلى اليوم يسمونها أورشليم القدس، فإذن مَن سرق مَن؟ هذا ليس فيه حُجة ولا يُجدي في النقاش لا من قريب ولا من بعيد.

مسجد الجعرانة
مسجد الجعرانة

نأتي الآن – والحديث طويل ذو شجون فاسمحوا لنا على الاستطراد – إلى مسألة أُخرى ومُهِمة وهى مسألة إذا لم يكن هذا المسجد الأقصى هو المسجد الذي أُسريَ برسول الله إليه فإذن إلى أين أُسرى برسول الله وما الدليل؟ يقول الدكتور يوسف زيدان أُسريَ به إلى مسجد في الجعرانة، والجعرانة – كما قلت لكم – تقع على طريق مكة – الطائف، شمال شرقي – مكة شرَّفها الله – على بعد تسعة وعشرين كيلو متراً، فهناك يُوجَد مسجد، هل هذا الذي أُسريَ برسول الله إليه؟ مَن قال هذا يا دكتور يوسف؟ لم يقل به أحد قبل أن يفوه به بعض الإسرائيليين وبعض المُستشرِقين وخاصة اليهود في القرن العشرين، هذا لم يقل به أحد ونتحدى الآن، الدكتور يوسف تحدى ونحن الآن نتحداه ونقول له اثبت لنا أن أحداً في العالمين قبل هؤلاء الإسرائيليين والمُستشرِقين اليهود من المسلمين – أي من أمة المسلمين أو أمة العرب – قال إن الرسول أُسريَ به إلى مسجد الجعرانة، لكن هو قال ماذا في التلفزيون Television؟ قال الواقدي قال هذا والطبري وآخرون غيرهما، وهذا غير صحيح، لا والله – وأنا على منبر رسول الله – لم يقل الواقدي هذا ولم يقله الطبري، والطبري تفسيره بين أيدينا افتحه مُباشَرةً، ومُباشَرةً سوف يقول لك المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، وهو في تاريخه لم يقل هذا ولا في أي موضع، ومعروف قول علماء الحديث في الواقدي ولكننا لا نتكلَّم عنه جرحاً وتعديلاً، علماً بأن الواقدي كاتبه ابن سعد صاحب الطبقات، فانتبهوا لأنني أنا أضعكم في الصورة كما هى، كل ما هنالك أن الواقدي ذكر في المغازي أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – مُنصرَفه من الطائف – أي من حنين، هل تعرفون غزوة حنين؟ هوازن، وهذا بعد فتح مكة بزُهاء أسبوعين، في السنة الثامنة – نزل بالجعرانة، فماذا فعل هناك وقد قرأنا السيرة مذ كنا صغاراً؟ قسم الغنائم – قسمة غنائم حنين كانت في الجعرانة – وأقام بالجعرانة ثلاثة عشرة يوماً، هذا ما ذكره الواقدي، فهو أقام بالجعرانة ثلاثة عشرة يوماً، ثم لما أراد الانصراف إلى المدينة – الخروج إلى المدينة المنورة – أحرم بعمرة، وهذه عمرة النبي الثالثة، والآن نسأل كم عمرة اعتمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ أربع عُمرات، العمرة الأولى عمرة الحديبية والعمرة الثانية عمرة القضاء – وتعرفون قصة عمرة القضاء – والعمرة الثالثة هى هذه، أي عمرة الجعرانة، والثلاثة كلهن في ذي القعدة، بقيت العمرة الرابعة والأخيرة وهى عمرته في حجته، فهذه هى أربع عمر للنبي، وهذه العمرة الثالثة، فالنبي أحرم بالعمرة الثالثة هذه من الجعرانة، وهنا يقول الواقدي أحرم من المسجد الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، المسجد الأقصى، فهو الآن يُسمى المسجد أم يصفه؟ يصفه، فانتبهوا لأنه قال في هذا المكان وادٍ وله عدوتان، وهناك عدوة أبعد عن مكة، فالوصف بأي اعتبار؟ هو يقول أدنى وأقصى، أي مسجد أقصى ومسجد أدنى، بالنظر إلى البعد عن مكة شرَّفها الله، فهو يقول يُوجَد واحد أبعد عن مكة، وهذا وصفه لذا قال المسجد الأقصى، وطبعاً لو ذهبت تبحث الآن في الأرض هناك وقلت لأهل مكة أو لأهل التنعيم بالله عليكم أين المسجد الأقصى؟ سوف يُقال لك لا يُوجَد مسجد أقصى، ومن ثم سوف تقول لهم المسجد الأقصى ذكره ابن جريج وذكره محمد بن طارق مع مُجاهِد في تاريخ مكة للأزرقي وذكره الواقدي – هؤلاء الذين ذكروه فقط – لكنهم سوف يقولون لك لا يُوجَد مسجد أقصى يا أخي في التنعيم هنا أو في الجعرانة، فما القضية؟ سوف تكتشف أنه مسجد عائشة، فمسجد التنعيم أو مسجد الجعرانة إسمه مسجد عائشة، إذن ما القصة؟ الرجل يصفه ويقول المسجد الأقصى الأبعد عن مكة النبي أحرم منه وكان مُصلى رسول الله، أما ذاك الأدنى فكذا وكذا، فهل يُوجَد مسجد إسمه الأدنى؟ لا يُوجَد مسجد إسمه الأدنى، وإنما وصفه الأدنى، أدنى إلى ماذا؟ إلى الكعبة، يقول أما ذاك الأدنى فبناه رجلٌ من قريش، أي رجل مسلم من قريش بنى هذا المسجد، لكن مسجد رسول الله والمُصلى الذي كان يُحرِم منه هذا أبعد، أي هو الأبعد، فهل ذكر – بالله – الواقدي أن النبي حين أُسريَ به أُسريَ به إلى هذا المسجد؟ لم يحدث هذا مرة، هل أنكر الواقدي ما نقوله؟ سأقول الآن مُفاجأة من المُمكِن أن تكون غير سارة وقد تكون سارة – إن شاء الله – للدكتور يوسف زيدان، الواقدي الذي يستند عليه مُتوفى – كما قلت لكم – في بداية القرن الثالث، أعتقد في مائتين وأربعة للهجرة فقط، ومحمد بن سعد – كاتبه وصاحب الطبقات – مُتوفى مائتين وثلاثين للهجرة، والآن سوف تفهمون لماذا هذه مُفاجأة غير سارة، الواقدي في المغازي يروي بإسناده أن ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله – صلى الله على رسول وآله ورضيَ الله عن أمهات المُؤمِنين جميعاً أو جمعاوات – قالت يا رسول الله إني كنت نذرت لله – أي جعلت لله عليها نذراً – إن فتح الله عليك مكةً أن آتي بيت المقدس فأُصلي فيه، إذن يُوجَد مسجد أم لا يُوجَد في بيت المقدس؟ يُوجَد مسجد، وهل بيت المقدس معروف أم غير معروف؟ وهذا قبل عهد وعصر المأمون وما إلى ذلك، وهذا عند مَن؟ عند الواقدي – صاحب الدكتور يوسف زيدان – في المغازي، فقال لها لا تستطيعين، يحول الروم بينكِ وبين ذلك، فإذن هذا يعني أنه يتحدَّث عن ماذا؟ عن مسجد فعلاً وهو مسجد بيت المقدس، وهذا دليل هام، لكنها هذه المُفاجأة – كما قلت – لا ندري أهى سارة أم غير سارة للدكتور يوسف لكنها موجودة، هذا الذي ورد فقط بهذا الخصوص، الواقدي ومثله محمد بن طارق ومُجاهِد بن جبر عند الإمام أبي بكر الأزرقي في تاريخ مكة هؤلاء مَن كانوا يتحدَّثون عن المسجد الأقصى والمسجد الأدنى باعتبار البعد والقرب أو باعتبار القصاء والدنو من مكة شرَّفها الله فقط، ولا يتحدَّثون عن مسجد إسمه الأقصى ولا مسجد إسمه المسجد الأدنى، هذا غير موجود، ما قاله لا يُوجَد في التاريخ أبداً، وإنما الموجود هو مسجد عائشة أو مسجد التنعيم، ويُوصَف بأنه أقصى فعلاً وأبعد، لكن الثاني يُوصَف بأنه أقرب، فهذه هى القضية، لكن لا تُوهِمنا يا دكتور يوسف أن هناك مَن قال بأن الإسراء كان إلى مسجد الجعرانة، لكن الذين صرَّحوا بهذا هم مُستشرِقون إسرائيليون ويهود في القرن العشرين، ومنهم أهارون بن شيمش وهو مُترجِم القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، وأعتقد أنه نشره في سنة ألف تسعمائة واثنين وسبعين، أي قبل زُهاء خمسين سنة أو اقل من خمسين سنة تقريباً، وحين نشر هذه الترجمة التي فيها تحريفات وتجنيات كثيرة طبعاً ذكر عند تفسيره سورة الإسراء في الآية التي تقول إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ۩ أن المسجد الأقصى هو مسجد بالجعرانة، فهم وقفوا على كلمة الأقصى عند الواقدي وأحبوها كثيراً، يُريدون أن يسلبوا المسلمين حقهم في هذا المكان وأن يُسمِّموا خيالهم، ويظنون أن هذا يخيل – أي يجوز ويمُرَّر – على المسلمين، لكن المسلمون ليسوا بلهاء وليسوا أغبياء، المسلمون عندهم علماء ومُؤرِّخون وناس أذكياء وعباقرة، فهذا غير معقول يا أخي، وبعد ذلك – كما قلت لكم – في نهاية المطاف هذه البلاد هى بلاد فلسطينية، بحكم التاريخ العالم كله يعلم مَن أحق بها ومَن هم أهلها، وهذه عمرها ستة آلاف سنة، أيقبل إبراهيم بكم؟ بألفي سنة، وقبل موسى بكم؟ بأكثر من ألف سنة، فإبراهيم – كما قلنا – في القرن التاسع عشر، وبين إبراهيم وموسى ستمائة سنة، فموسى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهذا في القرن الأربعين قبل الميلاد، ولكم أن تتخيَّلو هذا، فهذه لنا إذن، هذه بلاد الفلسطنيين، أي بلاد أهلها.
بالمنطق السلالي وبالمنطق الإثني هناك مشكلة، هل تعرفون ما هى؟ انتبهوا فقد دخلنا الآن في العلم أيضاً وسنأخذ العلم اليهودي ليهود كبار مُنصِفين، المُشكِلة هى أن أكثر من تسعين في المائة من يهود العالم لا علاقة سلالية لهم ببني إسرائيل، فما رأيكم؟ لماذا؟ لأن هؤلاء اليهود – الذين هم أكثر من تسعين في المائة – من سلالات يهود الخزر، هل تعرفون دولة خزاريا؟ دولة خزاريا جنوب روسيا عند البحر الأسود قبل زهاء ثمانمائة سنة إلا قليل، وكان فيها تتر – قوم من التتر- خزريون، والنبي – سبحان الله – يتحدَّث في أحاديث عن علمات الساعة عن خزر العيون، وهذا شيئ عجيب جداً جداً، وهو خطر لي الآن لأول مرة والله العظيم، النبي قال خزر العيون، فالنبي قد يكون عرف خزاريا – نحن لا نعرف هل عرف أم لم يعرف لأنه نبي – لكن الناس في عهده لا يعرفون خزاريا، والآن وأنا أنظر إليكم أشعر كأن بعضكم لأول مرة يسمع بخزاريا الآن، فما هى خزاريا؟ خزاريا يعرفها أي مُؤرِّخ، فأي مُؤرِّخ يعرف خزاريا وبلاد الخزر، وهؤلاء الخزر تهودوا ودخلوا في اليهودية، وتسعون في المائة من اليهود وخاصة هنا في الغرب هم خزريون ليس لهم علاقة بيعقوب وإسحاق وإبراهيم سلالياً بالمرة، ومع ذلك الواحد منهم يقول نحن إسرائيليون، لكن من أين أنت إسرائيلي؟ أنت يهودي لكنك لست إسرائيلياً، أنت لست من نسل يعقوب ولا علاقة لك جينية بيعقوب، تضحك على مَن؟ لكن مَن الذي علَّمنا هذا؟ ليس مُؤرِّخاً عربياً، ليس جمال حمدان – رحمة الله عليه – ، وإن استفاد من هذا العلَّامة جمال حمدان جداً، وإنما الذي علَّمنا هذا اليهودي المجري الهنجاري والمُفكِّر الكبير والأديب الخطير آرثر كوستلر Arthur Koestler، اقرأوا كتاب آرثر كوستلر Arthur Koestler المُترجَم إلى العربية وإسمه يهود الخزر أو القبيلة الثالثة عشرة، فالأسباط اثنا عشر لكنه قال هؤلاء أصبحوا ثلاثة عشر، فمَن الثالثة عشر يا كوستلر Koestler؟ قال الخزريون، فهم أدخلوهم وصاروا إسرائيليين لكنهم ليسوا إسرائيليين، هؤلاء يهود – تهودوا – ولكنهم ليسوا إسرائيليين، فحتى بالمنطق السلالي هناك مُشكِلة، والآن الدراسات تقول لك أكثر من اثنين وثمانين في المائة من يهود إسرائيل – دولة إسرائيل – خزريون، أي أصولهم خزرية يا حبيبي، يعني أكثر من اثنين وثمانين في المائة لا علاقة لهم بيعقوب، وتحدثنا عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ووعد الله لكن القصة ليس لها علاقة بكل هذا، هذا احتلال واغتصاب وسياسة ولعبة كبيرة وساعدتكم فيها الدول العُظمى، فعلى مَن تلعبون؟ اتركوا العلم يتحدَّث الآن، اتركوا كوستلر Koestler يتكلَّم الآن وليس نحن، اتركوا اليهودي المُنصِف آرثر كوستلر Arthur Koestler يتحدَّث وعودا إلى كتابه، فحتى بالمنطق السلالي لن يربحوا، وبالمنطق التاريخي هم خاسرون تماماً، واتركوا مَن يقول بالمنطق الديني يقول به إلى الآن، فعلى كل حال تبقى البلاد لأهلها، ومن حق أهلها أن أن يُطالِبوا بحقوقهم وبأرضهم، لماذا المسلم بالذات مطلوب منه يطاطي وأن يكون أذل عباد الله ويرضى حتى أن تُسرَق منه أرضه وبلاده وأن يرضى وإلا سوف يكون كذا وكذا وكذا؟ هذا أمر عجيب، وهذا حين يقوله غير المسلمين يُعتبَر أمراً عادياً، لكن حين يقوله واحد منا وفينا ويُيحاوِل أن ينظِّر له فهذه – والله – مُحزِنة ومُؤلِمة، ولذا لقد آلمنا ذلك.
إذن قضية أن النبي أُسريَ به إلى مسجد الجعرانة قضية واضحة التهافت، لا يقول بها رجل يحترم المنهج العلمي ويحترم قراءه أو المُستمِعين إليه، أعود مرة أخرى فقط لأُذكِّر بما قلت، قال الله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ۩، فلماذا لابد أن يتدخَّل الله؟ أنا من المُمكِن أن أمشي لمسافة ثلاثين كيلو متراً وحدي، أنا أستطيع أن أركب على أي بغل – أكرمكم الله – وعلى أي حمارأو أسير على رجلي – أركب رجلي – لمسافة ثلاثين كيلو في أربع أو خمس ساعات، فالعملية سهلة جداً، لماذا قال سُبْحَانَ ۩؟ هذه فيها تنزيه يُشير إلى مسألة كبيرة، قال الله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ۩، فهذه مسألة كبيرة الله هو الذي قام بها، لكن ما الذي قام به؟ هل ما قام به هو أنه سيَّره ثلاثين كيلو؟ ما القصة هنا يا دكتور زيدان؟ قال الله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ۩، نأتي الآن إلى كلمة بَارَكْنَا ۩، سوف نرى أن هذه الأرض المُقدَّسة موصوفة في كتاب الله وفي التوراة أيضاً بأنها الأرض المُبارَكة، قال الله وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ۩، أين هذه؟ هل هى الجعرانة؟ لوط لم يذهب في حياته إلى الجعرانة، إبراهيم ذهب إلى مكة لكن لم تكن هناك مكة، كان يُوجَد وادٍ غير ذي زرع، لكن لوط لم يدخل تلك البلاد، والله قال في سورة الأنبياء لوط وإبراهيم نجيناهما من الارض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ۩، فما هى؟ أرض فلسطين، قال الله وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۩، هل هى الجعرانة؟ لا، يقصد بيت المقدس، قال الله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ۩، فهل هذه المسألة بالله عليكم واضحة أم غير واضحة؟ واضحة، فلابد من السياق يا دكتور يوسف، أين يا دكتور زيدان السياق Context؟ إياك أن تُهدِر السياق، علمياً لا يُمكِن هذا، وهذا كلام رب العالمين فلا يُمكِن أن نقطعه – الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ۩ – نمزعه، كأن نأخذ كلمة ما ونقول الواقدي قال كذا وكذا، فما هذا الكلام؟
ليس هذا فحسب، انظروا إلى القنبلة الأخرى قرآنياً، فهذه القنبلة سوف تنفجر وحدها، قال الله لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ۩ ما علاقة موسى بالجعرانة إذا كان هذا هو المسجد الأقصى؟ ما علاقة السياق بهذا؟ ما هذا العك؟ ما علاقة الجعرانة بالقضية كلها؟ الجعرانة الآن Outside، الحديث هنا عن المسجد الأقصى، عن هذا المكان المُقدَّس في هذه الأرض المُقدَّسة، وهنا طبعاً هل تُوجَد مُدخَلية لموسى أم لا تُوجَد مُدخَلية لموسى؟ تُوجَد مُدخَلية لموسى ولبني إسرائيل وللقضية وللإفساد ولكل هذه القصة الكبيرة، قال الله وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ۩، وما إسم هذه السورة؟ هل إسمها سورة الجعرانة؟ إسمها سورة بني إسرائيل، هذه إسمها سورة الإسراء أو سورة بني إسرائيل، فإذن هل الجعرانة لها علاقة ببني إسرائيل أم أن الأقصى – هذا المكان المُتعبَّد، مسجد داود – هو الذي له علاقة ببني إسرائيل؟ والآن يقولون هيكل سليمان له علاقة ببني إسرائيل، قال الله آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ۩ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ۩ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۩ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ۩ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۩ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ – مُفاجأة غير سارة للدكتور زيدان أيضاً – الْمَسْجِدَ ۩، فهل هذا مسجد أم ليس مسجداً؟ هذا مسجد، لكن هذا ليس المسجد الذي تحدَّثت عنه وشككتنا فيه دلالياً وتداولياً، فقبل ما يكون إسمه المسجد الأقصى بتسمية الله له كذلك أو لوصف الله له كذلك كان أيضاً مسجداً، فهو من الأول مسجد وهو دائماً مسجد، في المُبتدأ مسجد وفي النهاية مسجد، فهو مسجد ومُتعبَّد هذا، ولذا قال الله وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۩، فالسياق كله بالله العظيم يُفيد بهذا، واضح أن القضية لا نقول لها علاقة بل هى قضية بيت المقدس وهى قضية الأرض المُقدَّسة ذاتها، فهذا مسجد ومُتعبَّد الأرض المُقدَّسة.
حين تفكفك هذا كله وتُهدِره وترميه وتنثره وتقول لي الجعرانة والواقدي وما إلى ذلك فهذا لا يُقبَل، ما هذا الكلام؟ من أين أتيت بهذا؟ أنت تنسب للطبري أشياء لم يذكرها، فهو قال لك الطبري قال كذا وكذا، والطبري لا له علاقة بهذا ونحن نتحدى للمرة الثانية، الطبري لا له علاقة بهذا ولم يذكر ولا مرة هذا الكلام ولا كلاماً قريباً منه، الطبري أُقحِمَ إسمه هيك إقحاماً لأن له وزن ثقيل طبعاً، أين الواقدي من الطبري؟ حتى في الجرح والتعديل أين الواقدي من الطبري؟ رحمه الله على الجميع وغفر الله للجميع.
أختم بمسألة مُهِمة وهى مسألة تتعلَّق بعبد الملك بن مروان، وهذه أيضاً ألقاها هكذا الدكتور يوسف زيدان على عواهنها، ويا لها من أُلقية، فهو قال بمعنى الكلام أن عبد الملك بن مروان بنى قبة الصخرة والمسجد الأقصى لأغراض ولأهداف سياسية، لماذا؟ لكي يصرف الناس عن الحج إلى مكة إلى بيت المقدس، لماذا؟ ما علاقة هذا بذاك؟ هل كان عبد الملك بن مراون كافراً؟ هل كان كافراً أو زنديقاً؟ لم يكن كذلك، الرجل مُسلِم، وقبل أن يُولَّى الخلافة كان فقيهاً وكان طالب علم وكان صديق الإمام مالك وكان يُدعى بحمامة المسجد وكان حافظاً للكتاب والسُنة، هو كان شيئاً عجيباً ولا يكاد يُفارِق المسجد، فهل كان الرجل زنديقاً أو كافراً أو ليس له علاقة بالإسلام أو ضاغن على الإسلام؟ لم يكن كذلك، فإذن ما هى قضيته؟ قال لك لوجود صراع مع عبد الله بن الزبير، وأنتم تعرفون هذه القضية، فعبد الله بن الزبير بايعته نواحي كثيرة وصار أمير مُؤمِنين، وفي الحجاز طبعاً لا يُوجَد إلا عبد الله بن الزبير، يقول المُؤرِّخون فكان أهل الشام إذا أتوا مكة – شرَّفها الله – للحج أخذ عليهم العهد والمواثيق بالبراءة من بني أمية – أي من عبد الملك – ومُبايعته، وهنا قد يقول أحدكم وما المُشكِلة هنا؟ المُشكِلة أن الناس لم يكونوا مثل اليوم تقريباً، كان عندهم شرف وكان عندهم مروءة، إذا أعطى أحدهم يميناً ينتهي كل شيئ، فالحكاية خطيرة وليست لعبة، من المُمكِن أن يموتوا ولا يتراجعوا، فالواحد منهم يقول أُفضِل أن أموت عن أن أرجع، لكن اليوم الأمر مُختلِف، يعطيك الواحد يميناً ويحلف لك على المُصحَف ويتضح أنه كاذب، فهذه الأمة – كما قلت لك – تذوب في كل شيئ، لكن قديماً كان يُقال أعطيتك يميناً وبايعتك وسوف أموت أنا وأولادي ولن نرجع، فهنا حدث تمرد ومن ثم قال عبد الملك ما هذه المُصيبة؟ ومنع عبد الملك الناس من الحج إلى المكة المُشرَّفة، فضج الناس من هذا الفعل، ما هذا؟ كيف تمنعنا؟ لكن انتبهوا الآن، فهذا كلام مَن؟ كلام المُؤرِّخ اليعقوبي المُتوفى مائتين وأربعة وثمانين للهجرة، فاليعقوبي قال فضج الناس وقالوا أتمنعنا من حج بيت الله وأداء فريضة التي افترض علينا؟ هذا مُستحيل، هذا دين فكيف تخرب علينا ديننا؟ سوف نحج، فقال لهم عبد الملك هذا محمد بن شهاب الزهري – تعرفون الإمام والمُحدِّث الكبير محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المعروف بالزهري – يُحدِّثكم عن فضل بيت المقدس، يقوم لكم مقام الحرم، أي مقام مكة، فبيت المقدس مقام مكة، وهذه الصخرة يُحدِّثكم عنها محمد بن شهاب الزهري هى الصخرة التي وضع الرسول رجله عليها وعُرِجَ به منها تقوم لكم مقام الكعبة،
وأمر عبد الملك ببناء قبة على الصخرة، وهى المعروفة بقبة الصخرة، فأمر ببناء مسجد قبة الصخرة الذي يُسمونه بالإنجليزية The Dome of the Rock، وأنتم ترونه الآن، ما أجمله طبعاً وكان يُوجَد ألواح من الذهب وما إلى ذلك، ثم أمر بستره بستور الديباج – أي الحرير – بعد ذلك، فستائره كلها من الحرير وأقام له السدنة – الحراس – ووضع البخاخير والسيوف وكل هذه القصة الكبيرة، وأمر الناس أن يطوفوا بها كما يُطاف بالكعبة، وهذا أمر عجيب، هل يقدر على أن يفعل هذا؟ كأنه فعلاً زنديق والعياذ بالله منه، فهو أمر الناس أن يطوفوا بها كما يُطاف بالكعبة، وبقيَ الأمر على ذلك في أيام بني أمية، وانتهى الحج إلى مكة – على الأقل من أهل الشام – وصار كله إلى هذا المكان، لكن هذه رواية مَن؟ المؤرِّخ اليعقوبي، وهذا أمر عجيب، وهو مُتقدِّم قليلاً طبعاً لأنه تُوفيَ في مائتين أربعة وثمانين، لكن ماذا عن الطبري؟ الطبري مُجايل ومُعاصِر له طبعاً، فالطبري تُوفيَ في أول الرابع لكنه مُجايل له، فهل ذكر هذه القصة؟ لم يذكرها ولا له علاقة بها، ماذا عن البلاذري في أنساب الأشراف؟ البلاذري ثقة كالطبري لكنه لم يأت بأي خبر عنها، وكذلك الحال مع الآخرين، فلم يأتوا بأي خبر عن هذه القصة، فقط أول مَن ذكرها وتفرَّد بذكرها اليعقوبي، ثم بعد ذلك ذكرها سعيد بن البطريق الإسكندراني Eutychius of Alexandria، وإسمه ابن البطريق أيضاً، وهو مُؤرِّخ قبطي مصري أرثوذوكسي ذكر في تاريخه هذه القصة، لكن ما علاقته هذا بالقصة؟ ماذا يعرف هذا عن تاريخنا؟ أين الطبري؟ أين البلاذري؟
لماذا الحديث الطبري بالذات والبلاذري؟ لأن الطبري والبلاذري – رحمة الله عليهما – ذكرا بالتفصيل المُمِل وقائع النزاع بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان، فهما ذكرا هذا بالتفصيل المُمِل ولم يذكرا هذه القصة، وأنا أسألكم هل بالله عليكم لو شيئٌ من هذا وقع كان سيُغفِله المُؤرِّخون؟ بالعكس كانوا سيقفون عنده على مدى ربما صحائف طويلة جداً لأنه خطير، فهذا تلاعب بالدين وتلاعب بركن من أركان الإسلام، أليس كذلك؟ مُستحيل أن يقع حدث مثل هذا ولا ينتبه إليه البلاذري والطبري ولا ينتبه إليه إلا اليعقوبي، فما هذه القصة إذن؟ مَن أول مَن حدَّث بهذا النقل واستند إليه وحاول أن يُقيم عليه فرضية؟ مُستشرِق – Orientalist – يهودي مجري – هذا يهودي أيضاً إسمه إجنتس جولد تسيهر Ignaz Goldziher، فهذا لفظ إسمه بالألمانية وكان يُوجَد أيام الإمبراطورية الألمانية النمساوية وإسمه إجنتس جولد تسيهر Ignaz Goldziher لكن العرب يُسمونه جولدتسيهر، وجولد تسيهر Goldziher عنده دراسات محمدية ذكر فيها هذا، أتى برواية اليعقوبي واستند إليها، وقال عبد الملك أراد الناس تحج إلى قبة الصخرة وإلى المسجد الأقصى وكل هذه القضية، وطبعاً وافقه جماعة من المُستشرِقين مثل إيلاد Elad وكريسويل Creswell ورابين Rabin والألماني فان آس Van Ess الذي أعتقد أنه حي إلى اليوم وهو عميد المُستشرِقين الألمان، فكل هؤلاء وافقوه، لكن في المُقابِل تصدى لهم جهابذة آخرون من المُستشرِقين ودارسي التاريخ الإسلامي، وبعضهم – كما قلت لكم – من اليهود أيضاً.
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَقيقَةَ عَلقَماً لَم يُخلِ مِن أَهلِ الحَقيقَةِ جيلا.
أس دي جوتين S. D. Goitain أستاذ بروفيسور Professor طبعاً في برنستون Princeton، وهو رجل يهودي رهيب، هذا الرجل عمل دراسة مُوسَّعة هامة، وفي الأول نشر مقالة إسمها The Historical Background of the Erection of the Dome of the Rock، أي الخلفية التاريخية لنصب أو بناء أو تشييد قبة الصخرة، وبعد ذلك نزل كتاب على ما أعتقد في ست وستين إسمه Studies in Islamic History and Institutions، أي دراسات في التاريخ الإسلامي والمُؤسَّسات الإسلامية، وفي هذين الموضوعين فنَّد – عمل تفنيداً Refutation – بشكل قويهذه الشُبهة الجولدتسيهرية، فهو فنَّدها من جميع جهاتها وأثبت أن هذا الكلام غير صحيح، ولولا ضيق المقام وتعبي لذكرت لكم بعض حجج جوتين Goitain، فهى حجج قوية ولكن من أهمها التحيز والانحياز Bias، فهو قال بالنسبة لابن البطريق الإسكندراني Eutychius of Alexandria هو رجل أرثوذوكسي غير مسلم طبعاً، وهو مُتأَخِّر قليلاً ، ومُتوفى في ثلاثمائة وثمانية وعشرين، وغير مأمون أن يتكلَّم عن أحوال المسلمين، ومن المُؤكَّد أنه يسعده طبعاً كواحد من غير المسلمين أن ينسب لهم مثل هذه الأشياء، في حين أغفلها أو لم يُعرِّج عليها بالمرة أصلاً مثل البلاذري والطبري وغير هؤلاء طبعاً، وقال بالنسبة لليعقوبي لا يخفى علينا وعلى الدارسين كره اليعقوبي لبني أمية، لأنه كان مُتشيِّعاً طبعاً، وأنا
الآن سأقول شيئاً من عندي ومن اجتهادي – هذا الذي أداني إليه اجتهادي – وهو لماذا إخواننا الشيعة بالذات للأسف – عفا الله عنا وعنهم – هم الوحيدون في الأمة الذين شككوا في أن المسجد الأقصى ليس هو الذي أُسريَ برسول الله إليه؟ هم قالوا المسجد الذي أُسريَ برسول الله إليه مسجد في السماء الرابعة، وهذا – والله – شيئ غريب، هم أتوا بكم رواية نسبوها إلى الأئمة وكلها طبعاً تخضع للتلفيق Fabrication، وأنتم تعرفون لعبة الروايات، فهذا لا يُمكِن أن يُمرَّر، لماذا؟ هذه لعبة السياسة طبعاً، لأن مَن الذي بنى قبة الصخرة وما إلى ذلك؟ بنو أمية، وبنو أمية الأعداء رقم واحد لأهل البيت وللعلويين، أليس كذلك؟ مَن الذي قتل الحسين؟ ومَن الذي قتل وفعل؟ هذه قصة كبيرة لها علاقة بمُعاوية ويزيد وما إلى ذلك، ومن ثم كأنهم قالوا لن نُعطيكم أي فضيلة طبعاً، وحتى المكان هذا لن نعترف به، مع أنه بيت المسلمين ومُتعبَّد المسلمين بعدما بنوه وشيَّدوه، لكنهم أرادوا أن يُفقِدوا هذا المكان حتى قدسيته، وقالوا ليس هذا الذي أُسريَ بمحمد إليه، هو أُسريَ به إلى مسجد في السماء الرابعة، وهذه كلها للأسف روايات شيعية قديمة، وعندنا عالم شيعي مُعاصِر أعتقد لا يزال حياً إسمه جعفر مرتضي العاملي عنده كُتيب إسمه المسجد الأقصى أين؟ فهل ضاع الأقصى؟ هو ضاع منا وأيضاً ضاع علمياً في مخيال الذي يُريد أن يضيعه في اعتقادنا، فأين الأقصى؟ قال الأقصى في السماء الرابعة للأسف الشديد، وطبعاً هذه مُنكافات السياسة، لكن بالنسبة لأس دي جوتين S. D. Goitain قال هذه مسألة واضحة، فهذه مسألة تحيز، وليس مثل اليعقوبي الذي يتفرد بهذه الرواية وليس مثل هذا الموضوع يتفرد به مُؤرِّخ واحد من دون سائر المُؤرِّخين، لماذا؟ ما هذا الكلام؟ هذا غير دقيق وغير صحيح، ثم أن من الناحية السياسية عبد الملك داهية، عبد الملك رجل ذكي جداً وليس رجلاً غبياً، فلو فعل هذا يكون قد انتحر سياسياً، وأنتم إلى اليوم ترون لا يُوجَد طاغية من طغاة العرب والمسلمين عبر التاريخ – حتى تيمورلنك – وإلا يقول قال الله وقال الرسول، كلهم يُحاولون دائماً أن يصدروا أنفسهم على أنهم حريصين على الدين وهم ينقضون غزله أنكاثاً، لكنهم يتحدَّثون دائماً عن الدين والإسلام والإسلام الجميل طبعاً، لأن لا تستطيع أن تتحدى مشاعر الملايين من الناس، وإلا سوف ينتفضون عليك مرة واحدة وبينتهي كل شيئ، فعبد الملك ليس مُصاباً بالهبل وليس مُغفَّلاً لكي يأتي ويقول لهم الحج ليس إلى مكة وإنما الحج إلى الأقصى، وإلا سوف يكون انتحر سياسياً طبعاً، أليس كذلك؟ لا يُمكِن أن يأتي هذا أبداً، هو أذكى من أن يفعل هذا، ثم أن اليعقوبي نفسه مُتناقِض جداً في رواياته، كيف؟ هو ذكر هذا وذكر أن ذلك الأمر أقام عليه إلى عهد بني أمية كله، وهذا غير صحيح، هذا كذب و بعد صحائف سيثبت هذا، لماذا؟ لأن متى استُشهِد ابن الزبير؟ استُشهِد في ثلاثة وسبعين طبعاً، حاصره الحجاج وضرب الكعبة بالمنجانيق بأمر عبد الملك، فهو قال له اضربها بالمنجانيق وأُحرِقَت الكعبة، وقتلوه وصلبوه وأنتم تعرفون هذه القصة، والآن وقعت الحجاز كلها في يد مَن؟ في يد بني أمية لأنها صارت لهم، يقول اليعقوبي وفي سنة خمس وسبعين حج البيت عبد الملك بن مروان، يا رجل قبل قليل كنت تقول لنا ظل الأمر على طول بني أمية، أي إلى مائة واثنين وثلاثين، حيث كان الحج إلى بيت المقدس، والآن أنت تقول حج عبد الملك إلى الكعبة، فما هذا التخبيص؟ وبعد صحائف أيضاً ماذا يقول؟ يقول بنو أمية أقاموا مَن يحج بالناس في مكة، وذكر اليعقوبي منهم عبد الملك بن مروان وابنه سليمان – سليمان بن عبد الملك – وأبان – أبان هو ابن عثمان بن عفان – وأخيراً الحجاج بن يوسف، فأنت تذكر أن هؤلاء الأربعة كانوا يحجون بالناس، وقبل صحائف كنت تقول على مدى مدة بني أمية كان الحج إلى بيت المقدس، وهذا كله كذب وكلام فارغ وغير صحيح، فالحج كان إلى الكعبة باستمرار ولم يكن يوماً إلى بيت المقدس، لم يقع الحج ولا مرة إلى بيت المقدس واستعاض الناس به عن الحج إلى الكعبة.
نُقطة أخيرة – والموضوع طويل على كل حال وفيه دراسات كثيرة – وهى أن عبد الملك لما أمر ببناء قبة الصخرة – مسجد قبة الصخرة -جعل مَن على البناء؟ أي مَن المسؤول أو المُدير؟ العالم الورع التقي – أحد أولياء الله وهو عالم ،ورجل سياسي أيضاً – رجاء بن حيوة رحمة الله عليه، فرجاء بن حيوة الشامي الفلسطيني هو المسؤول عن البناء والناحية المالية والإدارية، وهذا جميل جداً، فلو كان فعلاً أراد عبد الملك بهذا أن يصرف الناس عن كعبتهم وعن محجهم إلى بيت المقدس ورجاء طاوعه وأسعده في غايته الدنيئة الزنديقة هل كان بعد ذلك صديق بني أمية عمر بن عبد العزيز – راشد المسلمين الخامس – سيتخذ رجاء بن حيوة مُستشاره الأول الأمين المُعدَّل؟ هل يُمكِن هذا؟ هذا مُستحيل، سيقول له تباً لك لأنك زنديق وأعنت الزنادقة على زندقتهم، لكن بالعكس هو قال له تعال واتخذه مُستشاراً، وكان رجاء – ما شاء الله – أهلاً لهذا، وهو مُربي أصلاً، فهو كان مُربياً لعمر وأصبح مٌستشاراً له أيضاً،
فعمر لو علم أنه فعل هذا لا يُمكِن أن يتخذه وزيراً ومُتسشاراً، وهذا يُثبِت أن هذه فرية، لذلك – كما قلت لكم – جماعة من كبار المُستشرِقين الأجانب فضلاً عن مُؤرِّخي العرب طبعاً زيفوا هذا الكلام، فلا تعودوا تسمعوا هذا الكلام الفارغ، وهل تعرفون منهم مَن أيضاً؟ هافا لازاروس يافيه Hava Lazarus-Yafeh المُستشرِقة اليهودية بالجامعة العبرية، وهذا أمر عجيب، فهذه إسرائيلية وقالت هذا ينبغي أن يُمحى من الكتب، هذا كلام فارغ، ولم يحدث أن عبد الملك فعل هذا أو أمر به، فحتى هى قالت هذا كلام فارغ وغير صحيح علمياً لأنها تحترم نفسها، ومن ثم قالت هذا الكلام علمياً غير صحيح، فلنكف إذن فعلاً عن ترداد هذا الهراء، هذا الهراء لا ينفع العرب والمسلمين في قضيتهم، وهو بريء كل البراءة من الروح العلمية.
أعتقد أننا تحدَّثنا بما اتسع به المقام وأدت إليه القدرة والقوة والمنة – كما يُقال – لكن الحديث ذو شعوب وذو شجون، وما زالت هناك بقية كبيرة، لكن أسأل الله أن يكون فيما سمعتم وفيما قلت غناء وكفاء، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ۩، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم في هذه الساعة الكريمة في هذا المقام الكريم ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرَّجته ولا كرباً إلا نفَّسته ولا ميتاً إلا رحمته ولا مريضاً إلا شفيته ولا غائباً إلا رددته ولا أسيراً إلا أطلقته ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه.
اللهم زِدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرِمنا ولا تُهِنا وانصرنا على مَن بغى علينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات مغفرةً ورضواناً، واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (25/12/2015)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

تعليقات 5

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: