الرئيسية / التفريغات النصية / إطلاق الإنحطاط – ج1

إطلاق الإنحطاط – ج1

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ۩ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ۩ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ۩ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ۩ سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ۩ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ۩ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ۩ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
نبدأ بالمُتفرِّق ثم نُحاوِل أن نجمع ونُنسِّق، قبل ليلتين – أي مساء الأربعاء السابق – وصل قطار الصين السريع على ما يُعرَف بطريق الحرير الجديد إلى العاصمة الإنجليزية أو عاصمة المملكة المُتحِدة لندن قاطعاً زُهاء اثني عشر كيلو متر Kilometer ماراً بثماني دول، وهذا القطار السريع محطته الأخيرة هي العاصمة الإسبانية مدريد، ليقطع بذلك ثلاثة عشر ألف كيلو متر، وعلى طريق الحرير الجديد الذي يعبر القطار على محطاته المُختلِفة هناك أربع وستون بلدة ومدينة ومحطة استثمار للصين، إنجاز مُخيف ومُذهِل، أوشك للأسف الشديد أن يجعل قناة السويس الجديدة تقريباً بلا فائدة، ضربها ضربةً في الصميم، هذه واحدة، هذه مُتفرِّقة.
أيضاً في ذاك العام المُنصرِم – في ألفين وستة عشر – في بلدة صغيرة في دولة أوروبية صغيرة لكنها راقية جداً – فنلندا – وقعت واقعة تناقلتها وسائل إعلامية مُختلِفة، خاصة الشبكة العنكبوتية، في بلدة صغيرة في فنلندا يبلغ تعداد سكانها أربعين ألفاً فقط تم رفعهم في ظرف قصير جداً لعله أقل من سنة أو سنة ونصف إلى ستين ألفاً بفعل توارد عشرين ألفاً من اللاجئين السوريين والعراقيين، أي زيادة بمُعدَّل الثُلث، في هذه البلدة تُوجَد خمس كنائس وكنيس – Synagogue – أو معبد يهودي واحد لأهل هذه البلدة من اليهود والنصارى، أما الآن وقد عمرها عشرون ألف مُسلِم جديد فالوضع سيختلف وسيختلف بقرار من أهل هذه البلدة الطيبين، مجلس البلدية مع الدائرة المسئولة عن الكنائس والشؤون الدينية اجتمعوا وقرَّروا أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يجمل بنا أن يكون بين ظهرانينا عشرون ألف مُسلِم تقريباً وليس لهم مُتعبَّد يتعبَّدون فيه الله، مُنتهى السماحة، شيئ لا تُرفَع فقط القبعات بل تُنكَّس له الرؤوس، هذه سماحة عملياً – السماحة العملية – من غير دروس ومُحاضَرات ومواعظ ثم لا نرى نتائج حقيقية على الأرض، سماحة مفعولة وليست مقولة، اجتمعوا وقرَّروا أن يُحوِّلوا بملء إرادتهم سماحاً وطوعاً ورضاً إحدى هذه الكنائس الخمس إلى مسجد وأن يُهدوه لهذه الجالية الطارئة الجديدة وهكذا كان، للأسف وفي أول جُمعة ينبغي أن تُجمَّع في هذا المسجد الجديد تواردت وسائل الإعلام المُختلِفة – الراديو Radio والتلفزيون Television – والمُراسِلون مع قوات عديدة للشرطة والقوات الخاصة خبراً، ما الذي حدث؟ نزاعات وصراعات وعراكات وصلت إلى حد استخدام الأيدي والكراسي ووسائل مُختلِفة، بين مَن؟ بين المُسلِمين أنفسهم، وفي أول جُمعة، لماذا؟ نزاعاً وصراعاً مَن يكون الخطيب ومَن يكون الإمام، أنت إخوانجي، أنت تحريري، أنت شيعي، أنت سُني، أنت صوفي، أنت وهابي، أنت، أنا، نحن، شيئ عجيب جداً، هذه مُتفرِّقة ثانية.
الثالثة والأخيرة إخواني وأخواتي أن في بداية القرن العشرين المُنصرِم – بالضبط ألف وتسعمائة – كانت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل قرن، كل مائة سنة تتضاعف كل المعرفة الإنسانية، تُصبِح ضعفيها، أما عشية وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين صارت تضاعف المعرفة الإنسانية كل ربع قرن، أي كل خمس وعشرين سنة، أما في العام المُنصرِم وقد تصرَّم قريباً – في ألفين وستة عشر – فبحسب ووفقاً لشركة آي بي إم IBM – الشركة الأولى الأضخم على مُستوى المعمورة في تصنيع وتطوير البرمجيات والحواسيب وما إلى ذلكم – فالمعرفة البشرية تضاعف كل ثماني عشرة ساعة، شيئ مُخيف مُذهِل ومُرعِب، ويبدو أن العالم الذي خلق هذه الإمكانية لمُضاعَفة المعرفة بهذه الطريقة في أقل من يوم، شيئ غير طبيعي، لو أن الله – تبارك وتعالى – أنزل ملكاً وزوَّده أو برمجه بحيث يحتوى دماغه إن كان له دماغ – لا ندري هل للملائكة دماغ على كال حال أو حتى جهاز عصبي أم لا – فإن هذا الملك المُؤنسَن المسكين الذي برمجه الله بحيث يضم ويشتمل ويتوفَّر على كامل المعرفة البشرية الموجودة على وجه الأرض في كل الودائع – أي في كل المُستودَعات، سواء مُستودَعات أو وسائط حديثة أو حتى قديمة كالكتب المعروفة – سيجد نفسه بعد أقل من يوم – بعد ثماني عشرة ساعة – جاهلاً بمثل هذه المعرفة، وبعد أيضاً أقل من يوم سيُصبِح جاهلاً بثُلثي المعرفة وهلم جرا، شيئ غريب وشيئ مُخيف، أين المُسلِمون من هذا؟ العالم يرمح، العالم يُبرطِع، العالم يسير بسرعات فلكية تقنياً وعلمياً وفكرياً، شيئ غير مسبوق في تاريخ الإنسانية، شيئ يُنذِر بأشياء رهيبة جداً جداً، أعتقد أن مِن أرهب هذه الأشياء أن هذه الأُمة التي نرجو لها كل خير وندعو لها بكل خير إن لم تستفق وسريعاً – اليوم قبل الغد – يبدو أنها ستخرج من التاريخ وستخرج من الجغرافيا، طبعاً الله سيستبدل أُناساً آخرين، هذا أكيد، قال الله وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ۩، لكن هذه الأُمة بأجيالها وبكائناتها هذه إن لم تستفق وتُقرِّر على جميع المُستويات أن تبدأ خطاً جديداً ومساراً جديداً ونهجاً جديداً وحسبما شرح علّامتنا الكبير ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون – أي أن تعكس المسار – ستفنى، هذه مسارات مُدمِّرة، ليست مسارات خاطئة فقط وإنما مسارات مُدمِّرة مُميتة إلغائية إعدامية وإفنائية، هذه الأُمة وعلى جميع المُستويات تسير في مسارات إفنائية تُعجِّل بإفنائها كل يوم بل كل ساعة.
مُتوسِّط الأُمية في الأُمة الإسلامية – البشر المُوزَّعين على خمسة وسبعين دولة فضلاً عن الأقليات الصغيرة والكبيرة في الدول غير المُسلِمة – ثلاثون في المائة، شيئ مُرعِب، ثلاثون في المائة، كل ثلاثة تلتقيم واحد منهم أُمي لا يقرأ ولا يكتب، كيف تُخاطِبه؟ كيف ترفع مُستواه؟ كيف تستثمره في أي مشروع نهضوي أو حضاري؟ أول رافعة للتنمية والتحديث والتقدم والتحضير والتمدين التعليم، التعليم يا إخواني، وهذه الحالة ليست مُستجِدة فانتبهوا، هذه الحالة حالة مُمتَدة وليست مُستجِدة، نسبة الأُمية في الإمبراطورية العثمانية كانت مُخيفة، لكن طبعاً انظروا إلى الدرس الإسلامي، انظروا إلى الدرس العربي للتاريخ، درس اختزالي عقيم ومُفرِط في السذاجة، سذاجة زاعقة صارخة، يقولون لك الرجل المريض بالذات في الدرس الإسلامي، لأن كانت هناك مُؤامَرات على الرجل المريض، من المُؤكَّد أن كانت هناك مُؤامَرات، والدول لا تكف عن هذا، يأتمر بعضها ببعض، هذا حال التاريخ وحال الدنيا ولن يتغيَّر، لم ولن يتغيَّر هذا الحال، صراع وتدافع، هذا هو الحال، لكن لم يقل لنا أحد ولم يُقَل لنا بشكل واضح وخاصة على الجبهات الإسلامية الفكرية الثقافية أكبر مُتآمِر على الإمبراطورية العثمانية التي كانت الإطار الناظم سياسياً طبعاً وحضارياً للمُسلِمين هي الإمبراطورية العثمانية، الفكر العثماني والعقلية العثمانية والثقافة العثمانية، الثقافة الإسلامية عموماً في ظل الإمبراطورية العثمانية، وقبل ذلك ألف وثمانمائة وثماني وثمانون كانت نسبة المُتعلِّمين في الإمبراطورية العثمانية كم؟ ما المُراد بالمُتعلِّم؟ الذي يكتب ويقرأ فقط، كانت النسبة تُساوي اثنين في المائة، ثماني وتسعون في المائة أُميون، رقم مُخيف ومُرعِب، وعلى ذكر قطار الصين – ماذا نُسميه؟ هل نُسميه قطار الصين العظيم؟ مُمكِن، هل نُسميه قطار الصين العظيم الطويل؟ شيئ مُرعِب هذا القطار – إلى ألف وثمانمائة وستين لم يكن في كل الإمبراطورية العثمانية خطوط سكة حديد، ما رأيكم؟ أبداً، هذه الإمبراطورية كانت تغط في نوم عميق، وقالوا كانت هناك مُؤامَرات، ائتمروا بها، مُؤامَرات ماذا يا أخي؟ خرَّبتم أفكارنا وخرَّبتم عقولنا، علماً بأننا إلى اليوم نعيش في هذا، لا تكاد تفتح ملف النهضة والتحضر والإصلاح إلا يُقال لك لا يسمحون، يأتمرون سواء في الداخل أو الخارج، الحكّام والمُستبِدون والصهاينة والصليبيون والشرق والغرب، علماً بأن عقلية الاعتذار باتت في هذا الوقت تُساوي الانتحار، جنِّبون عقلية الاعتذار، لا نُريدها، الاعتذار بابه واسع حتى عن الانتحار، تُريد أن تنتحر وستعتذر، لا نُريد اعتذاراً لأننا نرغب في الحياة، لا نُريد الانتحار، نحن لسنا نيكروفليين بفضل الله تبارك وتعالى، نحن بيوفيليون، نحن مُحِبون عاشقون مشغوفون بالحياة، نُريد أن نتشبَّث بأذيال هذه الحياة التي أضفى عليها الله ودينه وشرائعه قدسية ليس فوقها إلا قدسية القدوس لا إله إلا هو، الحياة نحن مُتشبِّثون ومشغوفون بها، مُتشبِّثون بأذيالها، إلى آخر رمق سوف نُدافِع عنها وسوف ننحاز إلى كل ما يُعلي من شأنها وقيمها، أي القيم الحياتية أيها الإخوة، فلا نُريد أن نعتذر ولا نُحِب أن نترك مجالاً أصلاً للاعتذار، لا اعتذار هنا، فكِّر بطريقة جدلية وبطريقة تركيبية بعيداً عن الاختزاليات الاعتذارية وغير الاعتذارية وحتى التفسيرية، في نهاية المطاف التفسير الاختزالي هو بمعنى ما أيضاً اعتذاري، تفسير قدري جبري، وهذا غير صحيح وفقاً لكتاب الله تبارك وتعالى، ومن هنا أنا اخترت لكم هذه الآيات من سورة الرعد وفيها الآية التي يُردِّدها الكافة إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۩، الدلالة الأعمق لهذه الآية الجليلة تعرفون ما هي؟ الدلالة الأعمق ربما لهذه الآية حضارياً وثقافياً وفكرياً أن البشر – المجموعات البشرية، قال الله مَا بِقَوْمٍ ۩، أي الأقوام والجماعات – هم صانعو مصائرهم، لا يخضعون لحتميات قدرية جبرية بحيث يعودون إزاءها ضحايا، وكأنهم ريشة مُعلَّقة في مهب الرياح لا تملك من أمرها شيئاً، كذب، الله يقول هذا كذب، المُبادَرة عند الأقوام، كما نقول الآن الكرة في ملعب الأقوام وفي ملعب الجماعات، ولإن جاز – كما قلت هذا مليون مرة من عشرين سنة – أن يعتذروا بعوامل قاهرة أحياناً للفرد فلن يُمكِن هذا بالنسبة للأمم، فعلاً هناك عوامل تقهر الأفراد، هذا مُؤكَّد، هناك عوامل تكون أحياناً أكبر من الفرد على أنه قد يحتال ويتحيَّل في مُواجَهتها والالتفاف حولها، لكن لا تُوجَد عوامل أبداً بالمُطلَق تغدو الأمم أمامها عجزة، الأمم لا تعجز، الأفراد يعجزون لكن الأمم لا تعجز، القرآن يقول وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۩، لست ضحية القدر، أنت صانع القدر، قال الله ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ۩، أنتم الذين أفسدتم حياتكم اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، أنتم الذين أفسدتموها، وطبعاً الفساد هنا هو الفساد القرآني وليس الفساد في الثقافة العربية المُعاصِرة، لقد قلت لكم حالة بيئسة، الحالة العربية الآن والإسلامية عموماً حالة بائسة جداً وتاعسة من السذاجة والغفلة والطفولية الفكرية، يُوجَد فساد، الفساد الأخلاقي عندهم، والفساد الأخلاقي عندهم مُختزَل في العلاقة بين الجنسين، بنت تُصاحِب ولداً وولد يُصاحِب بنتاً ومُمارَسة كذا خارج مُؤسَّسة كذا، وهذا فساد بلا شك، لكن ما هذا في حجم الفساد؟ ما هذا الفساد في العلاقة بين الجنسين في حجم الفساد الأخلاقي؟ ضئيل جداً جداً جداً، الفساد الأخلاقي في عدم التزام المواعيد والكذب وعدم النزاهة وعدم الشفافية، أليس كذلك؟ التعدي على حُرمات الآخرين وانتهاك الحقوق والقوانين وكبت الحريات وظلم الناس، هناك خمسون ألف تفصيلة للفساد الأخلاقي، هذه هي الأخلاق، وقالوا الغرب كذا وكذا، علماً بأننا رُبينا على هذا، نشأنا في هذا الفكر، قالوا الغرب المُنحَط، مُنحَط من ناحية ماذا؟ أخلاقياً، وطبعاً الأخلاق بهذا المعنى الاختزالي والاختزالي جداً، وهذا الغرب يُمكِن في أي لحطة يزول ونحن نكون البديل، لا، عندك قطار الصين، لقد انتهيت، لن تكون البديل، بديل بأي معنى؟ بأي معيار يا أخي بالله عليك؟ للأسف الشديد، طبعاً انظروا إلى تفكير المُسلِم في القرن العشرين، تفكير مُفكِّرين مُسلِمين كبار ربوا أجيالاً، هذه الأجيال الآن تنتحر، تنتحر لأنها كارهة للحياة، ضائعة وتائهة.
ستة قرون – ستمائة سنة – تفصلنا إخواني وأخواتي عن العلّامة ابن خلدون، العبقري المظلوم في أُمته، طبعاً من خيبة الأُمة الإسلامية أنها لم تكتشف ابن خلدون، ما رأيكم؟ لم تكتشفه، الغرب اكتشف ابن خلدون، وبعد ذلك نحن صرنا نركض خلف الغرب نُدندِن ونُطنطِن احتفاليين تمجيديين بابن خلدوننا – نقول ابن خلدوننا – الذي لم نفهمه أصلاً حتى الآن، طبعاً فهمه مُفكِّرون نُجوميون بلا شك ودرسوه بعمق – عرب ومسلِمون – لكن لم يستحل ابن خلدون ثقافة، لم يستحل نمطاً في التفكير وطريقة في التفكير، ابن خلدون طبعاً الكل يعلم أنه كتب المُقدَّمة أو المُقدِّمة، المُقدَّمة – مُقدَّمة ابن خلدون – هي مُقدَّمة تاريخه المعروف بالعبر، واسمه طويل طبعاً، الاسم طويل في بضعة أسطر، ثماني مُجلَّدات قدَّم لها بمُقدَّمة، ربما لا يعلم بعض الناس أن المُقدَّمة جاءت على ما صرَّح العلّامة ولي الدين بن خلدون شرحاً لجُملة واحدة، هذا الرجل عبقري، بلا شك عبقري، لذلك ليس من فراغ أن يأتي أرنولد توينبي Arnold Toynbee – أعظم فيلسوف للتاريخ في القرن العشرين بلا شك باعتراف الشرق والغرب – ليقول في دراسة التاريخ – هذا ليس كلاماً منسوباً إليه، هذا في كتابه الأعظم الذي توفَّر على كتابته في اثنتين وأربعين سنة – لم يشهد البشر في كل العصور وفي كل الأسقاع عبقرية كابن خلدون، توينبي Toynbee يقول هذا، شيئ غير طبيعي، رجل درس الحضارات والتاريخ البشري في ثنتين وأربعين سنة ودرس حوالي سبع وعشرين حضارة يقول أعظم فكر على الإطلاق أنجبه الجنس البشري في هذا الباب ابن خلدون، لماذا؟ مَن هو ابن خلدون؟ ماذا قال ابن خلدون؟ ابن خلدون جعل المُقدَّمة شرحاً لنصيحة بسيطة تقدَّم بها رجل دين زردشتي اسمه المُوبذان، هكذا يُسمونه المُوبذان، المُوبذان تقدَّم إلى بهرام بن بهرام بهذه النصيحة، قال له اعلم أيها المَلك – أعزَّك الله – أنه لا يتم عز المُلك إلا بالشريعة أو بالشرع، أي بدين الله، وحين نقول الشرع الآن سوف نُحوِّل مُباشَرةً مُصطلَحات ابن خلدون التقليدية إلى مُصطلَحات فكرية عصرية، المُلك هو السُلطة الحاكمة، أي الحكم أيها الإخوة والنظام السياسي، هذا هو، هذا المعنى، لا يتم عزه إلا بالشريعة، الشريعة تُساوي معايير السلوك زائد الرؤية الكونية، هذا هو، هذه شريعتنا، قال الله ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ ۩، هذه الشريعة، الشريعة هي معايير السلوك – الفقه وما إليه والأحكام الأخلاقية أيضاً – زائد الرؤية الكونية، وقد شرحناها قبل أسبوعين تقريبا، قلنا ما هي الرؤية الكونية بكل مُكوِّناتها، هذه الشريعة، وبعد ذلك لا قوام للشريعة – يقول المُوبذان – إلا بالمُلك، وهذا صحيح طبعاً، إذا لم تُوجَد سُلطة تفرض هيبة القوانين وهيبة المعايير الناس فوضى، لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم، إذن لا قوام للشريعة إلا بالمُلك، الشريعة لا تعمل في فراغ، تعمل في مُجتمَع، والمُجتمَع لا يكون مُجتمَعاً إلا أن يكون مُنظَّماً، وفي رأس التنظيم أن تُديره سُلطة سياسية، هذه السُلطة مُستبِدة أو غاشمة أو صالحة أو فاسدة، هذا موضوع آخر، لكن من حيث الأمر ومن حيث هو لا قوام للشريعة إلا بالمُلك، ثم عاد يقول ولا عز للمُلك – انتبه إلى هذا، عز المُلك بالرجال وبالأمة، وبالجُند بالذات، لكن تماما العز بالشرع، هذا ما قاله هذا الرجل الفيلسوف الحكيم، وهو أكبر من فيلسوف سياسي – إلا بالرجال، ولا يصلح الرجال إلا بالمال، وهناك سبب المال، من أين تأتي الأموال؟ موضوع الرجال الآن هو الجمهور والناس، وإن كان هو بالذات يُركِّز على الجُند، أي على العسكر، لكن نحن نتكلَّم عن الناس وعن الأمة وعن المحكومين، هذا هو المُعادِل – وليس لمُقابِل – طبعاً، قال المال، أي الاقتصاد، فالمال هو الاقتصاد، ليس المال السائل وليس المائل الباطن أو الخفي بالمعنى الأعم كما يُحدِّده علم الاقتصاد الحالي وهو لا يختلف كثيراً عن التحديد القديم، هناك أسباب المال، كيف يُستثمَر؟ كيف يُستنبَط؟ كيف يُؤتى بالمال؟ قال بالعمارة، ما المُراد بالعمارة؟ التنمية والتحديث، لابد من التنمية والتحديث والنمو، هذه العمارة، هذا مُصطلَح ابن خلدون، قال إلا بالعمارة، والعمارة لا يستقيم أمرها إلا بماذا؟ إلا بالعدل، الله أكبر، والعدل نصبه الله – تبارك وتعالى – بين خلقه، وجعل عليه قيّماً وهو المَلك، أي السُلطة السياسية، ما هذه الطريقة في التفكير الدائري؟ هذا تفكير جدلي وتفكير دائري، ابن خلدون عبَّر عن هذا بالإفضاء، قال أمر يُؤدي إلى ويُفضي إلى، الآن باللُغة الثقافية الحديثة في علم الاجتماع وفي الفلسفة السياسية ماذا يُسمى هذا؟ يُسمى عوامل الإطلاق، شيئ يُفضي إلى شيئ، Trigger Mechanism، أي عامل التحفيز، عامل الإشعال أو عامل التشغيل، مَن عامل التشغيل؟ مسألة غير ثابتة، لماذا؟ الموضوع جدلي، الموضوع تراكبي اعتمادي وتبادلي، هذه سببية دائرية!
العجيب أن ابن خلدون العبقري – فعلاً عبقري بكل معنى الكلمة، ليس مُجرَّد عالم أو ذكي أو مُفكِّر وإنما عبقري، حد العباقرة الندرة في التاريخ الإنساني – قدَّم اقتراحاً أيضاً بأن هذه الأسباب المُجتمِعة تعمل لتبلغ أجلها ومُنتهاها في مائة وعشرين سنة، يقصد الحكم السياسي أو النظام السياسي زائد الشريعة – معايير السلوك والرؤية الكونية وهي مُهِمة جداً جداً – زائد الناس والجمهور وبالذات طبعاً القوة العسكرية زائد الاقتصاد زائد التنمية زائد العدل أو العدالة، فهذهذ ستة عوامل تعمل بهذه الطريقة الاعتمادية المُتبادَلة – اعتماد مُتبادَل، ويُمكِن أن نُسميها طريقة تآثرية، كل عامل يُؤثِّر ويتأثَّر بالعوامل الأُخرى بشكل دائم ويحدث التغير في المواقع وفي النسب، أي في نسب التأثير والتأثر، اقترح ابن خلدون أن هذه الأسباب المُجتمِعة تعمل لتبلغ أجلها ومُنتهاها في مائة وعشرين سنة، هو يقول هذه ثلاثة أجيال وكل جيل أربعين سنة، ويُمكِن أن يكون الجيل أقل من هذا، الآن طبعاً مُعظَم العلوم الاجتماعية تقول الجيل خمس وعشرين سنة، قديماً كانوا يعتبرون الجيل من أربعين إلى خمسين، تحديدات أيضاً مُتغيِّرة، وهذا جميل جداً، إذن ابن خلدون في عصره قبل ستة قرون لو سألته ما سبب أو ما هو عامل إطلاق أو ما الذي أفضى بهذه الأُمة الساكنة الجامدة الميتة فبعثها من موات؟ سوف يقول لك أمر مُختلِف من حضارة إلى حضارة ومن حالة تاريخية إلى حالة تاريخية، في الحالة الإسلامية ما هو السبب؟ الإسلام، وهذا معروف، معروف كيف كانت الأمة العربية وماذا كانت، لن نتكلَّم الكلام الإنشائي المعروف، فقد جاء الإسلام وأثَّر، وهذا ليس من عندي، هذا الذي اقترحه ليس فقط ابن خلدون وإنما مُعظَم الدارسين الأذكياء الكبار للحضارة والتاريخ الإسلاميين، حتى برنارد لويس Bernard Lewis – الحاقد الكبير على الإسلام – قال الإسلام، الإسلام هو الذي بعث العرب، جعل منهم أمة وحضارة عظيمتين، برنارد لويس Bernard Lewis اعترف بهذا في أكثر من كتاب، وخاصة في كتابه الشرق الأوسط وفي كتابه الآخر عن أسباب أو جذور – Roots – الغضب الإسلامي، وأجاب فيه بالإسلام في مواضع مُعيَّنة للإنصاف، أرنولد توينبي Arnold Toynbee أيضاً قال ذلك بشكل واضح تماماً، المُستشرِق الأمريكي الكبير الذي مات شاباً مارشال هودسون Marshall Hodgson – صاحب كتاب مُغامَرة الإسلام The Venture of Islam في ثلاث مُجلَّدات – قال الإسلام، عامل الإطلاق كان الإسلام، إلى عشرات المُفكِّرين الآخرين، عامل الإطلاق كان الإسلام!
العجيب يا إخواني أنه كما أن لكل حضارة ولكل أُمة عامل إطلاق أيضاً لكل انحطاط وذبول وتلاشٍ عامل إطلاق، ابن خلدون اقترح أمراً، وهو كان يعيش ماذا؟ كان يعيش غروب الحضارة الإسلامية، هو في القرن الثامن وتُوفيَ في أول التاسع، تحديداً في ثمانمائة وثماني للهجرة، طبعاً الحضاةرة الإسلامية جف عودها وزوت وذبلت وتجمَّدت وتحجَّرت من بعد القرن الخامس، هي عملت بشكل مُمتاز لأربعة قرون، من مُنتصَف القرن الثاني الهجري إلى مُنتصَف القرن الخامس، ثم بعد ذلك أصابتها حالة من الجمودية والدوغمائية، فقدت الدينامية كما يُقال، هذه الحركية فقدتها، لكن ظل نجوم هنا وهناك يُضيفون إضافات إبداعية مُذهِلة لقرنين على الأقل كما يقول المُؤرِّخون الأجانب حتى قبل العرب، قالوا لقرنين، في السادس وفي السابع وقليلاً في الثامن كانت هناك إضافات، ثم بالذات مع القرن الثامن دخلنا فترة المحاق، فترة الاجترار، الأُمة تجتر نفسها وعلومها وفكرها من القرن الثامن إلى اليوم، فلا جرم أننا مُتخلِّفون، هذه أُمة مُحنَّطة، مُحنَّطة من القرن الثامن للأسف الشديد، وكأنها لا تدري بهذه الحالة وراضية بها تماماً، أكثر ما يُترجِم هذه الحالة التحنطية الاجترارية التكرارية الدوغمائية الفكر الديني، لأنه يعيش على التراثات الماضية، يعيش على التراثات المكتوبة طبعاً، غير الفكر الديني طبعاً هناك حالة ضياع أيضاً وحالة تشتت، لأنه فاشل أيضاً، في الواقع فاشل للأسف الشديد، لكن الفكر التقليدي – وهو تقليدي في جُملته للأسف الشديد – فيه مُشكِلة، لماذا؟ لماذا أقول هذا؟ لأن في المُقابِل يُوجَد فكر تحديثي وفكر إصلاحي وتجديدي كثيرٌ منه مُقلِق، بالنسبة لي هو مُقلِق جداً جداً جداً، لأنه في جوهره يُريد نسخ الإسلام وإن شئتم نسف الإسلام عقيدةً وشريعةً، وباسم ماذا؟ إصلاح الإسلام وتجديد الإسلام، كذب، هذا كذب على المكشوف، وطبعاً ينطوي أصحابه ونجومه على اعتقاد باطن عميق أن الإسلام لم يعد يصلح، كثيرٌ من المُفكِّرين المُنصِفين في الشرق والغرب لم يقولوا هذا، لكن هؤلاء أُناس فعلاً مُختَصون، أُناس درسوا عشرات السنين، ليسوا كالذي ينتف من هنا معلومة ويسرق من هنا معلومة، مرة من مجلة ومرة من دراسة سريعة ومرة كذا وكذا، لا ليسوا كذلك، الناس الراسخون في العلم قالوا بالعكس، الإسلام لا يزال يتوفَّر على إمكانية البعث والانبعاث من جديد، لكن قطعاً وحتماً ليس في ظل هذا الفكر الإسلامي المُحنَّط التكراري الاجتراري الذي أسميته قبل ذلك النصوصي الفقهوي، في ظل النصوصية لا يُمكِن البعث والانبعاث من جديد، وماذا أعني بالنصوصية؟ لا أعني بالنصوصية شجب الاستناد إلى النصوص، إني إذن لمَن الكافرين طبعاً، بالعكس النصوص مُهِمة جداً جداً، ولكن أعني بالنصوصية الاكتفاء بالنصوص والعجز عن التفكير سلباً وإيجاباً خارج دائرة النصوص، هذه حالة مُميتة قاتلة، وهي موجودة بالذات في التيارات السلفية، في التيار السلفي وفي الطبع السلفي وفي العقلية السلفية إذا لم تأته بنص على شيئ بشكل واضح يقف، وطبعاً في جوهر هذا الموقف – هذه طبعاً الخلاصة وهناك استثناءات – قناعة بأن الدين يُدير ويُدبِّر كل شؤون العالم والدنيا، وهذا كذب، كذب على الدين، هذا غير صحيح، كذب على الله وعلى رسوله، نحن نعلم أن هناك ديناً ودنيا، أليس كذلك؟ رضيه رسول الله لديننا – الصلاة – أفلا نرضاه لدنيانا؟ شأن الحكم والخلافة دنيا وليس ديناً، الصحابة قالوا هذا، قالوا هذه دنيا، هذا شأن مدني، الرسول يقول أنتم أعلم بأمور دنياكم، والشأن الدنيوي يُساهِم فيه ويُضيف إليه ويُصلِح المُسلِم وغير المُسلِم، أليس كذلك؟ المُؤمِن والكافر، هذا هو، قال الله كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ۩، من أين أتيتم بأن الإسلام يُدبِّر ويُدير كل شؤون العالم والدنيا؟ هذه نظرة شمولية خطيرة جداً جداً، نحن طبعاً عُوِّدنا وتعلَّمنا وتنبَّهنا وحذرنا من الشموليات السياسية، هذه شمولية دينية خطيرة جداً جداً، قد لا تقل في خطورتها عن الشمولية السياسية والأيديولوجية، ينبغي أن نقرعها وأن نشجبها وأن نُحذِّر منها طبعاً، و هي أحد أسباب تخلف الفكر وجمود الفكر الإسلامي، أعني هذه النزعة الفقهوية والنصوصية، وطبعاً النزعة النصوية أعم، والفقهوية لا تزال أكثر وبالاً على هذه الأُمة!
الحديث ضافي الذيول – أيها الإخوة – مُتشعِّب ومُعقَّد، نعود إلى علّامتنا ابن خلدون، ابن خلدون – كما قلنا – قبل ستمائة سنة لو استُفتيَ سوف يقول أنا لا أستطيع أن أُعطي تحليلاً ولا نموذجاً تفسيرياً حتى لأي حالة حتى أقف على تفاصيلها، لأن الحالات لها خصوصيات، ما يُعَد عامل إطلاق هنا لا يُعَد هناك، وطبعاً خاصة ضمن الزمانية الطويلة، هناك مائة وعشرون سنة، عندك مائة وعشرون سنة تتبادل فيها عوامل ستة الأدوار بشكل الاعتماد المُتبادَل كما يُقال في علم الاجتماع، مُستحيل الحديث هنا عن عوامل ثابتة، كل ما يُظَن ثابتاً يأتي عليه حين ويُصبِح مُتغيِّراً باستمرار، مسألة أعتقد أكثر من واضحة، ولذلك القول بأن الغرب مقضيٌ عليه بالانحطاط والزوال والزوال السريع، وطبعاً الزوال عموماً هو مصير كل حضارة في نهاية المطاف، سواء عاشت ألف سنة أو ألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة، ولا تُوجَد حضارة عاشت ثلاثة آلاف سنة، والمدنيات أيضاً كذلك، هذا – سبحان الله – مصير رباني لكل شيئ، وما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع، الآن الحضارة الأمريكية – إن جاز التعبير – ضمن الحضارة الغربية تشهد زواءً، هذا واضح جداً جداً، زواء سريع تماماً، موقف هذه الحضارة الأمريكية وموقف هذا الرئيس المُنتخَب الجديد من الإسلام أحد العوامل – عامل من بين مئات العوامل – التي تُؤكِّد أنها تزوي، ما رأيكم؟ لماذا؟ لن أتكلَّم كشيخ وكإمام وكمُفكِّر مُسلِم، أنا سأقتبس الرئيس نيكسون Nixon – الرئيس الأسبق للولايات المُتحِدة الأمريكية – في كتابه الأخير تقريباً ما بعد السلام – اقتبسته مرة ربما على هذا المنبر – الآن، نيكسون Nixon الذي شجب الإسلام وسبه ووصفه أو نعته بالأفعوان أو بالحية الرقطاء التي لا يُمكِن أن يُؤمَن شرها إلا بضرب رأسها، هكذا وصف الإسلام في كتابه الفرصة السانحة أو انتهزوا الفرصة – هكذا هي ترجمته الدقيقة، عاد بعد أن عُوتِب في هذا من أحد مُستشاريه الذي أسلم – بفضل الله تبارك وتعالى – ودرس الإسلام دراسة مُتأنية في سنوات طويلة ثم كتب كتابه الأخير ما بعد السلام أو ما وراء السلام Beyond Peace – أنا قرأت هذا قبل زُهاء بضع عشرة سنة لكن هذا المعنى مائة في المائة موجود في فصل بشكل واضح حين تحدَّث عن الإسلام – يقول لا مُستقبَل للولايات المُتحِدة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين ما لم تعقد حلفاً مع الإسلام وتُفِد من قواه، يعني الروحية والأخلاقية والحضارية، قال لا مُستقبَل، ستنتهي الولايات المُتحِدة الأمريكية إن لم تفعل هذا، وهي الآن تفعل عكس هذا تماماً، مُعاداة الإسلام وتصوير الإسلام على أنه مجموعة إرهابيين ومجموعة قتلة، متى كنا كذلك؟ متى كنا؟ حين كان المُعسكَر الأحمر – المُعسكَر الشرقي – ناشطاً وموجوداً وفاعلاً على الساحة كان المُسلِمون أحسن ناس وأطيب ناس.
في ألف وتسعمائة وسبع وتسعين رمزي كلارك Ramsey Clark – النائب العام لأول في حكومة أو في رئاسة ليندون جونسون Lyndon Johnson – قال في مُقابَلة مع إحدى الصحف البريطانية الإسلام ربما يُمثِّل القوة الروحية الأخلاقية الأعظم والأكثر تأثيراً على مُستوى المعمورة اليوم، وهذا صحيح، فعلاً الإسلام لديه قوة روحية أخلاقية غير طبيعية يا إخواني، تشبث حتى الأُمة به وقناعة الأُمة بهذا الدين شيئ غير ملحوظ عند الأديان الأُخرى، لكن كيف تمت شيطنة الإسلام عبر بعض الجماعات وبعض الإرهابيين وبعض المُوظَّفين؟ مسألة واضحة لا تحتاج إلى دماغ كبير ودكتوراة في علم السياسة حتى نفهم هذا، هذا كان واضحاً – والله – من أول يوم، ولا يزال واضحاً، أوضح من الواضح، على أن الأمة في تياراتها العريضة ليست مع هذه الاتجاهات الإرهابية الإفنائية العدمية.
على كل حال نعود إلى ما كنا فيه، ابن خلدون يقول لا يجوز ولا يصح أن تختزل أي نموذج تفسيري في عامل واحد، قال ابن خلدون هذا عبط، هذا كلام فارغ، أنا ألَّفت مُقدَّمتي حتى أجعلك تتحاشى مثل هذه الطفولية في التحليل، كيف يُوجَد عامل واحد؟ يُقال الغرب ينحط لأنه غير أخلاقي، عندهم الشذوذ واللواط والطلاق وما إلى ذلك، ما هذا الكلام الفارغ؟ مُستحيل، ابن خلدون وضَّح لنا في مُقدَّمته العظيمة جداً ما يحدث حين ينطلق عامل انحطاط للحضارة ويبدأ يشتغل، مثلاً كالانحطاط الأخلاقي، هذا له علاقة بماذا؟ بموضوع الشريعة، معايير السلوك والرؤية الكونية، حدث تخريب، لا يُناقِش أحد في أن فعلاً في بعض معايير السلوك والرؤية الكونية مُخرَّب تماماً في الحضارة الغربية، أليس كذلك؟ معروف وضع الأسرة هنا، علاقات الأولاد بالآباء والأمهات في مُنتهى البؤس والضياع، لا نتمنى لأي مُجتمَع أن يحظى بمثل هذا البؤس لكن هذا موجود، ابن خلدون فهَّمنا وقال انتبهوا، حين ينطلق هذا العامل ننظر إلى بقية العوامل، إن سارت في الاتجاه نفسه فالانحطاط يأتي مُتسارِعاً جداً، أما إن قاومته وحافظت على فاعليتها الحضارية ضده فستُؤخِّر الانحطاط إن قليلاً أو كثيراً بحسب النسب، انظروا إلى هذا، عقلية غير طبيعية، وهذا هو، مَن الذي يُناقِش ومَن الذي يُجادِل ومَن الذي يرفض أن الحضارة الغربية حصل فيها انطلاق وتشغيل لعوامل انحطاط سجَّلها بالذات الألماني العظيم أوسفالد شبنجلر Oswald Spengler في كتابه أفول الغرب أو اضمحلال – Decline – الغرب وسجَّلها توينبي Toynbee وسجَّلها كثيرون؟ لكن – كما قلنا – هذا في باب ماذا؟ معايير السلوك وفي الرؤية الكونية، صحيح هذا موجود، انطلق هذا العامل، لكن مَن الذي أيضاً يخفى عليه ويعمى عليه أن هناك عوامل أُخرى كثيرة عادلت هذا التخريب؟ قد يقول لي أحدكم هذا عجيب وصحيح، فاعلية الدين ضعيفة، رقابة الله والإيمان بالله واليوم الآخر ضعيفة وترى هذا حتى في الأدبيات، حتى في الأفلام صعب جداً أن يتحدَّث أحد عن مُراقَبة الله وخشية الله ويقول أنني أتنزَّه عن هذا المال وعن هذه الصفقة لأنها مُحرَّمة شرعاً ولا تُرضي هذا، هذا يعتبرونه عبطاً، هل فهمت كيف؟ المادة والكسب المادي قيم لها أولوية مُطلَقة، لكن لماذا الناس هنا أكثر أمانة؟ وحتى المُسلِم – وقلنا هذا أكثر من مرة – يُفضِّل أن يتعامل ويعقد أي صفقة تجارية مع غير المُسلِم الذي يكون غربياً حقيقة على أن يعقدها مع أي مُسلِم عربي أو تركي أو بوسنوي أو فارسي إيراني أو أياً كان، لماذا؟ هناك أخلاقيات أُخرى إذن تُعادِل، هناك أخلاقيات أُخرى، هناك هيبة القانون أيضاً، هناك أشياء عملت مُعادَلة بلا شك موجودة، فهي سوف تُبطيء كثيراً من الاضمحلال والانهيار، وبعد ذلك هذا عامل ضمن عامل كبير، العامل الأخلاقي أو عامل معايير السلوك والرؤية الكونية، أنت لديك مئات التفصيلات لكنك أخذت مسألة واحدة فقط وقلت ستنهار، ما هذا؟ هذه الطريقة في مُنتهى السذاجة ومُنتهى الغرارة في التفكير.
للأسف الوقت يُدرِكنا سريعاً، أُحِب أن أعود فقط لكي أضع النقاط على بعض الحروف، انحطاطنا لم يبدأ اليوم ولا بالأمس القريب، انحطاطنا بدأ بشكل ظاهر طبعاً حين توقَّفت العجلة وتوقَّفت القافلة قبل ستمائة سنة، سبحان الله، نحن قلنا في القرن الخامس بدأنا نجتر، لكن بذور الانحطاط بحسب ابن خلدون مرة أُخرى أين بدأت؟ ابن خلدون قال هذا بشكل واضح، بدأت مع عامل السُلطة الحاكمة، أي السُلطة السياسية، أين بالضبط؟ قال سنة إحدى وأربعين، لماذا؟ قال لك سنة إحدى وأربعين انتهت الخلافة الراشدة، انتهى التداول السلمي على السُلطة، انتهى اعتبار رأي الناس والجمهور – البشر – فيمَن يتولى أمرهم، نُريد هذا ولا نُريد هذا، وهذا ما حصل مع الخُلفاء الراشدين الأربعة فعلاً، الناس قالت نُريد هذا ولا نُريد هذا، الناس هي التي قالت نُريد عثمان الآن ولا نُريد عليّاً، انتهى الأمر إذن، وعليّ استجاب لهذا وعمل ناصحاً أميناً حتى آخر لحظة عكس ما يقول الكذّابون والمُفترون لأخيه عثمان رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين، سكن سنة إحدى وأربعين انتهت الخلافة تماماً وأصبحت وآضت مُلكاً جبرياً وراثياً على يد مُعاوية بن أبي سُفيان، هذا ليس فقط يقوله ابن خلدون، قاله مئات المُفكِّرين المُسلِمين وغير المُسلِمين في الشرق والغرب طبعاً، هل تعرفون لماذا؟ نحن سنُجيب مرة أُخرى مُدعِّمين رؤية ابن خلدون، آلية إطلاق انحطاط المُسلِمين وحضارتهم كانت مع ماذا؟ مع السُلطة السياسية، في حضارة أُخرى قد تكون مع ماذا؟ مع الرؤية الكونية أو مع التنمية أو مع العدل، لكن هنا بالذات في الحالة الإسلامية آلية إطلاق الانحطاط كانت مع السُلطة السياسية، مع نظام الحُكم، مع الشأن السياسي والشأن العام، هنا بدأ، وطبعاً كلما ذهبنا وعُدنا وروحنا وجئنا نرى دائماً أنه في قلب كل انحطاط فرعي آخر – بشتى صور الانحطاط – الفساد السياسي ماثلاً في القلب، ما رأيكم؟ الذي سبَّب الانحطاط الاقتصادي للأُمة الإسلامية ما هو؟ الفساد السياسي، الاستبداد السياسي، ولا تقل كيف، فهذه سهلة جداً جداً جداً، في غياب المُحاسَبة السياسية طبعاً فُقِدت كل أصول الشفافية، علماً بأنه لا تُوجَد شفافية إلى الآن، إلى الآن الدول الإسلامية في الشفافية مُتأخِّرة جداً جداً جداً جداً، في ذيل الدول، في مُؤشِّر الشفافية الذي يتبع جمعية الشفافية الدولية التي مقرها في برلين وضع الدول الإسلامية ما شاء الله سيئ، تحت تماماً، الأكثر فساداً في دول العالم كله ثلاث دول كلها إسلامية للأسف الشديد، وستة من الدول العشر الأكثر فساداً في العالم إسلامية، هذه مُصيبة، وهذا وضع طبيعي طبعاً في ظل هذا الانحطاط المُتراكِم عبر القرون، بسبب ماذا؟ بسبب غياب المُحاسَبة، حين تغيب المُحاسَبة يُتصرَّف في المال العام بلا رقيب وبلا حسيب بحسب الأهواء والأغراض والنزوات يا إخواني، شيئ مُرعِب، تاريخنا يُسجِّل حالات مُرعِبة جداً، كيف تم إهدار ملايين الملايين من الأموال الذهبية على مُتع الخليفة والنُخبة المُتملِّقة المُحيطة به والبطانة الفاسدة جداً حتى النُخاع وما بعد النُخاع والأمة مُلقاة في الفقر الفاغر يلتهمها؟ عادي، حصل هذا، كيف كان يتم تعديل المُوازَنة ومُعالَجة الأعباء المالية إذن بهذا الصرف والإنفاق؟ بفرض مزيد من الضرائب الباهظة على الناس، هذا خرَّب أخلاق الناس، انتبهوا إلى هذا، هذا دمَّر الازدهار الريفي، الفلاحون مساكين، لماذا يشتغل الفلاح؟ يشتغل سنة بطولها ويدفع زكاة غير قليلة إن سقته السماء – الخُمس – وهذا كله محصوله، ثم تأتي هذه الضرائب الباهظة لتأخذ منه، وطبعاً هذه الضرائب كان لها اسم في الحضارة الإسلامية، يُسمونها القبالة، نظام القبالة، الخليفة أو مَن دونه يُعطون الأُذون لأشخاص مُحدَّدين، يقول له أنت أعطني عن أرض بغداد – مثلاً – أو عن أرض السواد كذا مليون والباقي لك، الذي تُحصِّله بعد ذلك لك، هذا المُحصِّل – المُقبِّل كما يُسمونه – ماذا سيفعل في الناس؟ هذا اسمه نظام القبالة، هذا على مَن؟ على المُزارِعين والفلاحين، دُمِّر الازدهار الريفي، الازدهار الريفي كان قاطرة للازدهار الحضري الصناعي، العجيب أنني قرأت في كتاب للمُستشرِقة الكندية الكبيرة مايا شاتزميلر Maya Shatzmiller أمراً هاماً، مايا شاتزميلر Maya Shatzmiller عندها كتاب اسمه Labour in the Medieval Islamic World، أي العمل في العالم الإسلامي الوسيط، كانت تتحدَّث عن العمل فقط – دراسات مُتخصِّصة جداً – وتقول كل عوامل النهضة والازدهار الريفي والحضري الصناعي توفَّر عليها المُسلِمون قبل الحضارة الأوروبية بقرون، هذا كان موجوداً عندنا، وشرعنا في هذا الازدهار طبعاً، أيام الرشيد الوضع كان حسناً جداً لكنه لم يدم طويلاً، دُمِّر الازدهار الريفي وعلى الأثر دُمِّر الازدهار الصناعي الحضري بالضرائب الباهظة، الحرفيون والتجّار طبعاً لم يسلموا، هناك ضرائب أُخرى يُسمونها المكوس، عندك القبالات وعندك المكوس، هذه على المُزارِعين وهذه على التجّار والحرفيين، طبعاً تقلص حجم الإنفاق، تقلص حجم الادخار، وبالتالي تقلصت عملية إنتاج المال وتداول المال في الحلقة المعروفة في الاقتصاد، وظل الوضع هكذا، طبعاً ومن الحضارة الأُموية للأسف الشديد ازداد الأمر واتسع الخرق على الرتق أو الراقع كما يُقال، هناك نظام الإقطاعات، يأتي السُلطان ويُقطِع مَن شاء من المُتملِّقين المُنافِقين كالشعراء الكذّابين والأوغاد المُتلصِصين النهّازين، يُقطِعهم أراضي طويلة عريضة للأسف الشديد وهي حق الأُمة، فنشأ شبه نظام إقطاعي في التاريخ الإسلامي، نظام شبه إقطاعي Feudal، هل تعرفون لماذا؟ لأن الإقطاعيين في أوروبا هنا – إقطاعيي العصور الوسطى مثلاً مطلع الحديث – كانوا يُقدِّمون خدمات للإمبراطور والملك، خدمات عسكرية مثل الجنود الذين يُقاتِلون، الإقطاعي المُسلِم لم يُقدِّم شيئاً، يأخذ الأراضي يلهفها ودخلها له ولا يُقدِّم شيئاً للأُمة، لا عسكري ولا غير عسكري، تقريباً كل الأراضي التي غنمها العثمانيون وفتحوها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ذهبت تيمارات باللغة العثمانية، يقولون تيمارات، ما معنى تيمارات؟ الإقطاعات، هذه لك وهذه لك وهذه لك، في البداية كانت هذه التيمارات مُخصَّصة لأفراد يعملون في الخدمة العسكرية بالذات، عسكري يُقدِّم خدمات للأُمة بذاته ولن يُقدِّم بعد ذلك، وممنوع أن تُنقَل ملكيتها إلى ذمة أُخرى في البداية، لكن بعد حين لم يطل طويلاً اختلف الأمر، صارت تُنقَل وتُباع وتُشترى وكل دخولها لمالكها الحقيقي والدولة محرومة من هذا تماماً، لذلك في القرن التاسع عشر – في نصف قرن التاسع عشر – من أكبر أسباب تدهور العثمانيين ماذا؟ ما عادت تنفع الضراب والضرائب الباهظة، ماذا حدث؟ أتت الديون الخارجية، صار العثمانيون يستدينون، استدانوا بالذات بالاسترليني الملايين، بلغت ديونهم تقريباً في ألف وثمانمائة وثمانين أكثر من واحد وثلاثين مليون جنية استرليني، بسعر صرف الدولار الثابت في ألفين وأربعة تُساوي هذه كما قال الخبراء الاقتصاديون كالبروفيسور شابرا تقريباً ثماني مليارات ونصف، احتساباً طبعاً لماذا؟ لتراجع القوى الشرائية للاسترليني كما لكل العملات العالمية، فهذا أيضاً – كما قال بعض الخُبراء – جعل هزيمة العثمانيين في هذا الباب أسوأ من الهزيمة حتى في جبهات القتال لأنهم فقدوا الاستقلالية، فقدوا استقلاليتهم!
للأسف أدركنا الوقت، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وآله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.
إخواني وأخواتي:
قد نُضطَر إلى تخصيص الخُطبة المُقبِلة أيضاً لكي نُوفي هذا الموضوع حقه من التبيان والشرح والتفصيل، لكن إلى ذلكم إخواني وأخواتي فقط لابد أن نخرج بفكرة واحدة عن طريقة فهمنا الحالية للإسلام على أنه سيُشكِّل عامل إطلاق جديداً – بإذن الله تبارك وتعالى – لانبعاث ونهضة إسلامية مرقوبة نسأل الله أن تكون عاجلة قريبة غير بعيدة لكن بطريقة تفكيرنا الحالية المحدودة – جد محدودة – لن يحدث الانبعاث، العالم يتحدَّث عن تضاعف المعرفة في ثماني عشرة ساعة وقطار الصين وإلى آخره، ونحن نقول “لا تقل لأخيك الله يخليك لأن إذا خلاك الله تركك”، كأن الله – تبارك وتعالى – تُضلِّله اللهجات، كأن الله – أستغفر الله العظيم، اللهم غفراً – تُضلِّله اللُغات، من أين لك يا أخي أن الله – تبارك وتعالى – لا يستجيب الدعاء على وجهه إلا أن يكون بالفصحى وأن يكون مُستوياً مُعجَمياً؟ غير صحيح، أنت تدعو الله بأي لسان وبأي لهجة عامية أياً كانت – لهجة الواق واق – والله يُلبيك على قدر نيتك وعلى مُرادك يا رجل، هذه العبقرية الإسلامية، وما شاء الله يبعثون لي رسائل على الواتساب WhatsApp، عباقرة نحن في القرن الحادي والعشرين، ألا نستحي يا أخي؟ كفى، والله العظيم كفى هذا العبث، فضلاً طبعاً عن مهازل الإعجاز العلمي التي تأتيتنا كل يوم، كفى، كفى عبثاً وكفى انتحاراً.
اللهم أنقذنا، اللهم أيقظنا، أيقظنا لتُنقِذنا، واجعلنا هُداة مُهتدين غير ضالين ولا مُضِّلين، علِّمنا الخير وأقدِرنا على فعل الخير ونية الخير والمُساعَدة على الخير، واغفر لنا ولمَن حضر وللمُسلِمين والمُسلِمات ولآبائنا وأمهاتنا وقراباتنا وأساتيذنا وجميع أساتيذنا وجميع مَن له حقٌ علينا.

عباد الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

فيينا (20/1/2017)

Comments

comments

شاهد أيضاً

anmate2

أنماط الإيمان

  إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ …

تعليق واحد

  1. خطبة مفعمة بالحقائق

اترك رد