إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه سبحانه ومُخالَفة أمره لقوله سبحانه من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۩ لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۩ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۩ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۩ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ۩ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط.

إخواني وأخواتي:

في أدبياتنا الأسلامية أرحم الناس بالخلق أعرفهم بالحق، أرحم الناس بالخلق مَن هو؟ أعرفهم بالحق، أعرف الناس بالله – تبارك وتعالى – يكون أرحم الناس بالناس،  رحمته بالناس ناشئةٌ من وناجمةٌ عن معرفته بالله تبارك وتعالى، وهذا صحيحٌ بالتأكيد، لكن ليت شعري، هل تتأسَّس معرفة الله أو تقوم أصلاً إلا عبر المعرفة بالخلق؟ ونعني بالخلق هنا الخلق الإنساني والخلق الآدمي، فإذا صح وهو صحيحٌ لا ريب أن الخلق في عمومه – الجماد والنبات والحيوان والإنسان – دليلٌ على الله تبارك وتعالى – القرآن طافحٌ ومملوءٌ بالآيات التي تحث على الاعتبار الآيوي وعلى النظر الآيوي، النظر في كل ما خلق الله وصنع وأبدع على أنه آية وعلامة دالة عليه تبارك وتعالى –  فإن بني آدم بالذات – الناس، عباد الرحمن تبارك وتعالى، الخلق الإنساني، الخلق الآدمي – هم في صدر ومُقدَّم هذه الآيات الدالة على الله – تبارك وتعالى – لأنهم خلقٌ عجيب، هم من أعجب الخلق، قال الله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩، لكن أول هذا أيضاً – أول معرفة الخلق – معرفة النفس، لأنني لا أستطيع أن أعرف هؤلاء الخلق إلا عبر معرفتي بنفسي وعبر عدساتي أنا وعبر منظوري أنا، لا يُمكِن أن يُنتظَر من ثعبان أو من حشرة أو من جُعُل أو من ضفدع مثلاً أن ينظر إلينا بالمقاييس الإنسانية فيُقيِّم الإنسان بمعايير إنسانية، هذا لا يُمكِن، الضفدع لا يستطيع أن يقوم بهذا بأي حال من الأحوال، وبالتالي أن ينظر إلى الجوانب الجذابة فينا سواء جاذبية جمالية عامة أوجاذبية جنسية أو جاذبية فكرية، هذا مُستحيل، الإنسان هو مَن يفعل هذا، لو أتينا بأجمل إنسان ذكراً كان أم أنثى ونصبناه أمام ضفدع لا يُمكِن أن ينظر إليه بانجذاب وأن يتلمس جاذبيته الإنسانية سواء بدنية أو غير بدنية، نحن إذن مُضطَرون أن نعرفنا – أن نعرف أنفسنا كآدميين – عبر معرفة الواحد منا بنفسه، ولذلك مَن عرف نفسه عرف ربه، لكن عبر معرفة الأخرين كما قلنا، معرفة الله لا تتأسَّس إلا على المعرفة بنا، والمعرفة بنا تتأسَّس أولاً على المعرفة بي، المسألة مُعقَدة جداً إذن، وإذا صح هذا والمُرجَّح أنه صحيح يُمكِن أيضاً أن نصك مقولةً ملفوظةً جديدة فنقول أعرف الناس بالخلق أرحمهم بالخلق وبالتالي أعرفهم بالحق، لأن معرفة الحق  – تبارك وتعالى – تتأسَّس على المعرفة بالخلق، هذه المعرفة التي تُؤدي إلى رحمة الخلق.

لطالما أكَّد الإنسانيون العظام من جميع أتباع الأديان المختلفة والأفكار والنظريات والفلسفات ولا يزالون على أهمية بل على  ضرورة إدراك الإنسان ضمن مشروطياته،هذا ما يُميِّز إنساناً عظيماً من إنسان غير عظيم، ولا نُحِب أن نشنأه لكن فقط هو إنسان غير عظيم، هذا ما يُميِّز إنساناً رحيماً فيّاضاً بالإنسانية من إنسان فقير ضحل خالٍ أو خلو من الإنسانية، الأول يُدرِك الآخرين ويُدركِك ويُدرِكني ويُدرِكهم ضمن مشروطياتهم، ما أشارت إليه الآية الجليلة من سورة النساء التي تلوتها صدر الخطبة بقوله كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۩، تخفَّفوا من التبجح العنواني، كأن يُقال نحن مُسلِمون ونحن مُوحدِّون ونحن أتباع الدين الحق  فيجوز لنا أن يكون في سيفنا رهق في كل مَن ظنناه لا يتطابق معنا وإن حمل عنواناً أحياناً كعنواننا، قال الله وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ۩، هذا عنوان، يُوشِك أن يكون تدينكم أيضاً أنتم عنوانياً، هذا التصرف النزق وهذا التصرف الرهق يُؤكِّد أنكم عنوانيون لا تزالون، ويُذكِّرهم الله – تبارك وتعالى – بالمشروطية، يُحاوِل أن يحفز ذائقتهم العقلية والشعورية للعب دور الآخر وللمشي في حذاء الآخر ولوضع النفس في سياق الآخر كما هو موضوع فيه، قال الله كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ۩، لفتة عجيبة جداً في هذه الآية الجليلة من سورة النساء، ولعل هذا هو سر كرهنا المُتأصِّل لأن يحكم علينا الآخرون، كلنا جميعاً نكره بأصالة أن يُصدِر الأخرون أحكام قيمة علينا، طبعاً فيما سوى المديح والملق والدهان الكاذب والمُبالَغات الانتهازية، لا نُحِب حتى الأحكام الموضوعية التي يُراَد لها أن تكون، نحن لا نُحِب هذا ، الأحكام امتحان، إصدار الأحكام امتحان، والنتيجة نتيجة امتحان، نحن لا نُحِب هذا، أنا أقول لكم هذا الكره المُتأصِّل في أن يُصدِر علينا الآخرون أحكاماً له ما يُبرِّره علمياً وواقعياً فعلاً، لماذا؟ لأننا نُدرِك بطريقة ربما تكون غير مُحدَّدة وحتى ربما غير واعية وخاصة عند الأُميين الذين لا علاقة لهم بالعلم وفنيات العلم بالمرة – أُميون محض أُمية – أننا نكره هذا لأنهم لا يعرفون ظروفنا، الأُميون لا يُدرِكون ربما بطريقة واعية أنهم يكرهون ويُبغِضون أن يُصدِر الآخرون أحكام قيمة عليهم – أحكاماً تقويمية بصددهم – لأن الآخر بالحري غير مُدرِك لظروفي ولشروطي، لم يعان معاناتي، لم يمر بما مررت به، لم يَخبُر ما خبرت، لو كان مكاني كان ربما سيكون أسوأ مني وأسفل مني وأحط مني، لكنه لا يُدرِك شيئاً من هذا ويكتفي من عليائه أن يُصدِر أحكاماً علىّ وأن يُدينني، أنا أكره هذا، البشر يكرهون هذا، ومن حقهم أن يكرهوا هذا، إذا تعلَّق الأمر بإصدارأحكام نهائية فالله وحده له صلوحية أن يُصدِر الأحكام على البشر، لماذا؟لأنه وحده – جل مجده في عليائه وبالغ مجده – العليم العلم كله بلا حدود وبلا قيود بكل شروطك وبمُجمَل وتفاصيل مشروطيتك ومظروفيتك، هو وحده، ومن ثم حين يُصدِر – تبارك وتعالى – حكماً عليك سيكون هذا الحكم مُطابِقاً تماماً للواقع ومُؤسَّساً على الوقائع، الوقائع الظاهرة والوقائع الضمنية، الوقائع الشعورية التي تدريها أنت ويدريها بعض من الناس ويجهلها آخرون والوقائع اللاواعية واللاشعورية التي لا تدريها حتى أنت لكن هو – لا إله إلا هو – يدريها، وفي الحقيقة أنا أقول لكم في مُعظَم الحال ستعمل هذه الوقائع اللاشعورية  لصالحك أنت ولصالح قضيتك كمُتهَم وكمُدان وليس ضدك، نحن أبناء هذا الجزء الكبير الغامض الغائب واللاواعي، الناس يظنون أن أناهم الواعية هى التي تكون في المُهِمة وهى التي تقود وتمسك الـ Charge،  لكن هذا غير صحيح، الآن إذا قرأت أي مُقرَّر مدرسي أو أي كتاب علمي رسمي في علم الدماغ و الأعصاب سيُقال لك أول ما يجب عليك أن تبدأ به أن تعلم أن الذات الواعية والعقل الواعي – The conscious mind – والذهن الواعي ليس في المركز، إنما يقتعد مكاناً قصياً في الطرف ويسمع فقط وشوشات – Whispers – النشاطات اللاواعية الصاخبة التي تقود مركبتك، أي التي تقودك أنت والتي تجعلك ما أنت، هذا أمرٌ عجيب، وهذه الذات الواعية بكل ما يُحدِّدها من وسائل الحس – Sense – مثل السمع والبصر والذوق ومن مباديء المنطق ومن المُحاكَمات العقلية وما اكتسبناه من علوم ومعارف وعادات وتقاليد وأعراف ومباديء وأديان وأفكار وإيدولوجيات تقتعد مكاناً قصياً في الطرف، وكل هذا يسمع وشوشات الصخب العارم للعمليات  اللاواعية التي تقودني والتي تجعلني ما أنا عليه، هذا الدرس الأول اليوم في علم الأعصاب والدماغ، الدرس رقم واحد، إذا لم تفهم هذا وإذا لم تستوعب هذا فأنت بعيد جداً جداً جداً جداً من عالم العلم، أنت تتكلَّم بطريقة لا علمية، تتكلَّم بطريقة رجعية علمياً، تتكلَّم بطريقة رجعية لا تنتمي إلى أحدث الدراسات والتحقيقات والتقصيات العلمية، هذا أمرٌ عجيب لكن هذا هو الإنسان، إذن عادت مسألة اشتراط إدراك مشروطية الإنسان إلى الواجهة وبقوة الآن في هذه الألفية، وطبعاً أنا لا أُريد أن أحاضركم مُحاضَرة علمية، نحن في بيت من بيوت الله، لكن لا بأس حتى لو تعلَّمنا العلم، أنا أريد أن أُشبِّك وأن أربط هذا الموضوع بما يعنينا كمُتدينين وبشكل طبعاً أكثر انحصاراً كمُسلِمين، نحن مُتدينون بالإسلام، والمُتدينون عموماً وكل الدُعاة والمُبشِّرين بالأديان وبالإيدولوجيات وبالأفكار وبالعادات والتقاليد أيضاً والمواضعات والمقبولات والمفروضات الاجتماعية مُحتاجون تماماً لو وعوا وأدركوا بل مُضطَرون – مُضطَرون وليسوا مُحتاجين فقط  لكن لو وعوا أنهم يجب أن يكونوا مُضطَرين، لكن أكثرنا لا يدرك هذه الاضطرارية – أن يعوا هذه الحقيقة ويتعاملوا مع الأخرين من خلال شرط إدراك المشروطية، حاول – حاول قدر ما تستطيع – أن تُدرِك مشروطيتي، ستتخفف بضربة واحدة من التبجح الزائف ولن تقول أنا، سترى أن هذه الأنا ليس لك منها إلا القليل، هذه الأنا صنعها المُجتمَع وصنعها تاريخ أمتك، صنعتها جينات – Genes – آبائك وأجدادك، صنعتها الديانة السائدة أو الإيدولوجية السائدة والظروف الراهنة التي هى امتداد بشكل أو بآخر للظروف المُنسلِخة المنسوخة، صنعتها أشياء كثيرة، أنت في الأخير كذات واعية لم تصنع من هذه الأنا إلا أقل القليل، المُشكِلة أنك غير واعٍ أصلاً بما يُركِّب هذه الأنا، أنت واعي بالشيئ الذي هو الجزء الواعي من هذه الأنا، وقد تبيَّن لنا أن هذا الجزء الواعي – كما قُلنا – هو جزء طرفي وجزء هامشي، أنت واعي بهذا الهامشي فقط، وأنت غافل ومُصاب بالعمى والغفلة عن الأجزاء الأكثر عمقاً وفاعلية، لا تدريها أصلاً، لم تسمع بها، لم تُحدَّث بها، مَن حدَّثك عنها؟ مَن لفتك إليها أصلاً؟ هم يلفتونك دائماً إلى الهامشي ويحصرونك في الهامشي بين يغوص العميق في أعماق جديدة وتزداد جهلاً بذاتك وبالتالي اغتراباً عن ذاتك واغتراباً عن أناك دون أن تدري، هذا الكلام الآن نظري، الآن سنأتي بالأمثلة وبالتجارب وبالشواهد ومن ثم سيتجلى هذا المعنى وستتجلى هذه المُقرَرات العلمية وسنعجب كثيراً وندهش،  بضربة واحدة أولاً سنتخلى عن التبجح الزائف وعن قول أنا.

حدَّثتكم مرة ربما عن سانت أوجستين Saint Augustine – القدّيس أوغسطين  Augustine من هيبو بالجزائر – الذي قال لا أستطيع أن أُمسِك أو أن أُدرِك كل ما يجعلني أنا، هذا شيئ عجيب، هذا في القرن الخامس الميلادي،  فيلسوف لاهوتي مسيحي عظيم يُدرِك هذه الحقيقة، يقول: I cannot totally grasp all that I am، أي لا أستطيع أن أدرك أو أن أعي كل ما يجعلني أنا، وهو طبعاً لا يستطيع، لكن عبقرية شديدة وعميقة ونافذة مُستبصِرة في القرن الخامس الميلادي أن يُدرِك هذا، هذه من أولى الإشارات إلى الأجزاء اللاواعية في الإنسان لكن أدركها هذا الفيسلوف العظيم، هذا الفيسلوف العميق جداً عاش تجاربه الروحية والعقلية وفلَّسفها ونظَّرها بعد ذلك في التأملات، ولذلك مَن عاش بعمق حتى لو كان أُمياً يستطيع أن يُعبِّر حين يُعبِّر بعمق، ومَن عاش بسطحية مهما أراد أن يتعامق يظل سطحياً، مهما أراد أن يتفلَّسف ويدعي يظل سطحياً، لأنه عاش بسطحية ومن ثم يبقى سطحياً، أما الذي عاش بعمق قطعاً سيُعبِّر بعمق، سيُعبِر عن ما عاش والذي عاشه عميقٌ جداً دون أن يدري أحياناً، أنا أعتقد  أن سانت أوجستين Saint Augustine حين قال هذه الملفوظة لم يكن يُدرِك أنها أعمق مما تصوَّر – هى أعمق بكثير – وأنها ستكون بوابةً وستكون مفتاحاً لافتجار طرق جديدة ولتطبيق طرق جديدة، علوم جديدة ومجالات علمية برمتها جديدة، لم يكن في الأرجح يُدرِك هذا، لكنه كان عميقاً وعميقاً جداً.

نأتي الآن كما وعدتكم إلى الجزء الأكثر إمتاعاً والجزء الأكثر سهولةً، نأتي بالأمثلة وبالشواهد وبالتجارب العلمية لنُضوّيء بها هذه المُقرَّرات الجامدة النظرية، لكن نبدأ بما هو خير، القرآن الكريم حين يُحدِّثنا عن قول الله وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۩ فَأَلْهَمَهَا  فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۩ يُحدِّثنا حديثاً ينبغي أن نطيل الوقوف والنظر عنده، هو يُحدِّثنا عن ماذا؟عن تركيبة الإنسان، الإنسان ليس كائناً بسيطاً واحدياً، هو  كائن مُركَّب وبالتالي هو كائن مُعقَّد وبالتالي ينبغي أن نُطوِّر نماذج كثيرة مُتعدِّدة مُتراكِبة ومُتراكِمة عبر القرون لفهمه، وأنت تحت سيطرة ثورة غضب استبدت بك لسبب أو لآخر فأتيت بحماقة – استحمقت وأنت غضبان فأتيت بحماقة – ثم جعلت تلوم نفسك – وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ۩- هل عن لك أن تتساءل مرةً بصدد مَن الذي يلوم مَن؟ أنا ذات واحدة، أنا كيان واحدي Mono، فمَن الذي يلوم مَن؟ وفعلاً هناك حديث داخلي حقيقي، وأنا أقول لك هناك شخصيتان وأحياناً ثلاثة وأربعة وخمسة، كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung عالم النفس التحليلي السويسري الكبير جداً والمُتروحِن في الشطر الآخر من حياته قال إن في باطن كل واحدٍ منا شخصاً آخر لا نعرفه، وفي الحقيقة ليس شخصاً واحداً، الآن يُؤكِّد علم الدماغ والأعصاب أنه شخوص، علماً بأنني لا أتحدَّث عن الشيزوفرينيا Schizophrenia وتعدّد الشخصيات، وإنما أتحدَّث عن حديث أعمق، هذا حديث علمي تحليلي أعمق من هذا، وهو ليس عن الجانب المرضي، فكارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung قال إن في باطن كل واحدٍ منا شخصاً أخر لا نعرفه، وهذا يُفسِّره ما بدأت به خطبة اليوم طبعاً، لأننا الطرفيون ولسنا المركزيين، نحن الطرفيون، إذن مَن الذي يلوم مَن؟ تقول غضبت مِن نفسي، فمَن الذي يغضب على مَن؟ قال الله يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ۩، مَن يُجادِل عن مَن؟ إشارات، طبعاً الهندوسية أيضاً تغص بأمثال هذه المفاهيم الهندوسية وتتخذها طريقاً وسُلماً لتربية النفس والوعي بالذات، بلورة وعيي  بالذات عبر إدراك هذه المجالات والمُستويات المُختلِفة للشخصية أو الشخصيات التي تترَّكب منها الشخصية، هذه تعابير مُختلِفة على كل حال وكلٌ منها سيشي بنموذج -Paradigm – مُعيَّن أيضاً في الفهم والتفسير، إذن نفس لوامة، نفس تُجادِل عن نفسها، نفس أُلهِمَت فجورها وتقواها، فهى ليست تتمحض لشيئ واحد، فيها هذا وفيها هذا وهى نفسٌ واحدة، وتكون مرةً فاجرة وتكون مرةً تقية وتكون في معظم الحالات فاجرة تقية وكلنا ذلكم الرجل وكلنا تلكم النفس، لا يُوجَد أحد فينا ملاك عنده  تقوى تقوى محضة أو فجور صرف، كلنا مزيج، لكن السعيد مَن غلب خيره شره، القرآن يُعطينا كل هذه الإشارات، النبي يتحدَّث عن القلوب التي هى أشد تقلباً من القدر فوق النار، لماذا؟ كيف تكون أشداً تقلباً؟ أنا شخصية واحدة، هذا غير صحيح، أنت عالم مُركَّب وشديد التركيب والتعقيد من أشياء تعيها وهى الأقل وأشياء كثيرة لا تعيها وهى الأكثر جداً، أنت تنظر الآن إلى شخص وتستحسنه ولا تعرف لماذا تستحسنه، العلم يُحاوِل أن يكشف الغطاء عن بعض هذه الأشياء، فيما يتعلَّق بالجنسين هناك تجارب علمية لطيفة ومُثيرة جداً، ليست مُثيرة جنسياً وإنما مُثيرة علمياً وإن كانت تتعلَّق بالإثارة الجنسية، يُعرَض على مجموعة من المُختبَرين صور لنساء، مُعظَمهم يُحبِّذون صوراً مُعيَّنة، لكن لماذا؟ لا يعرفون، يقول الواحد منهم أجدها جميلة، لكن ما الجميل فيها؟ لا يعرف، العلماء طبعاً وهم أهل التعمق هؤلاء والبحث والسبر عرفوا السر، كل النساء اللائي قيل عنهن أنهن جميلات كانت حدقات أعينهن بفارق ملليمترات ضئيلة جداً أوسع، وطبعاً يستحيل أن أُدرِك هذا، أنا لست آلة ولست حاسوباً Computer، لا أستطيع أن أُدرِك هذا، أي أنني أدركت أن حدقة عينها أوسع قليلاً من تلك فكانت في عيني أجمل، هو هذا السبب بالضبط، وهذا أمرٌ عجيب، مَن الذي يُدرِك هذا؟ اللاشعور، شيئ أنت ورثته –  ميراث هذا – من ألوف السنين وعشرات ألوف السنين عبر مسيرتك في هذه الحياة كإنسان، وفعلاً علمياً المرأة حين تُستثَار وحين تطلب زوجها تتسع حدقة عينها، هذه علامة على الإثارة الجنسية، أنت لا ترى هذا ولا تراه طبعاً، أنت لم تع أنك استجملتها لهذا السبب، أبداً لم تع هذا، الآن بعد أن سمعت ستبدأ تُطبِّق هذا على صورة أو غيرها، طبِّق على زوجتك، انتبه وطبِّق على حلالك، لكن كيف تتم العملية؟ تتم في مُستوى اللاشعور، وهذا أمرٌ عجيب، كذلك النطاق المعروف في التربية بالتعلم اللاشعوري Unconscious Learning، التعلم اللاشعوري يكون عن أشياء أنت تقوم بها بسهولة وبسلاسة ولا تعرف كيف، مثل موضوع التجنيس Sexing، وخاصة تجنيس الدجاج Chick sexing، طبعاً رقم واحد فيه اليابانيون، يذهب الأمريكان والأوربيون في اليابان لكي يتعلَّموا ويأخذوا دورات، علماً بأن لا تُوجَد أي قواعد، حتى الآن ‪Rules: no rules‬‏، لا تُوجَد قواعد، الياباني يقف ويفعل هذا بكل بساطة، وطبعاً عشرات ألوف صيصان دجاج تخرج ولابد أن يضع الذكور في جانب والإناث في جانب، الذكور للحم وللسجق – Wurst – والمورتديلا – Mortadella – ولهذه الأشياء، لكن الإناث من أجل التبييض، فالإناث مُهِمة أكثر طبعاً، لكن كيف يعرف هو؟ الياباني يأخذ مُباشَرةً  الصوص ويقول هذه أنثى وهذا ذكر وهذه أنثى وهكذا، فكيف هذا؟ حين تأخذ الصوص الذكر والصوص الأنثى لا تجد فرقاً، نفس الخلفية ونفس الشيئ، لا يُوجَد أي فارق، كيف يقوم بعملية التجنيس Sexing؟ التجنيس Sexing بأن يقول هذا ذكر وهذه أنثى وهذا ذكر وهذه أنثى وهكذا، فكيف يقوم بهذا؟ حاولوا قدر المُستطاع لكنهم إلى الآن يفشلون، واكتفوا بقضية الـ Feedback، وعلى كل حال يأتي هذا الأمريكي أو الأوروبي ويجلس مع الياباني ويقول له ابدأ أنت مارس، فيقول له هذا خطأ وهذا صواب وهذا خطأ وهذا صواب وهذا صواب وهكذا،  يَكثُر صوابك بعد  يوم ثم يكثر بعد أربعة أسابيع ثم يكثر بعد خمسة أسابيع وهكذا فتُصبِح تُصيب، وأنت مثله لا تعرف كيف، لا الياباني يعرف ولا أنت تعرف، هذا إسمه التعليم اللاشعوري، وطبعاً نحن نُمارِس أشياء كثيرة بهذه الطريقة، نُمارِسها بحذق وسلاسة دون أن نعرف كيف، تماماً مثل النظر إلى النساء ومن ثم  تقول هذه أجمل وأنت لا تعرف أنه بسبب  اتساع حدقة العين، يُوجَد شيئ في اللاشعور مُبرمَج يُدرِك هذا وأنت لا تُدرِكه.

السير تشارلز شرينغتون Charles Sherrington عالم الأعصاب والدماغ النوبلي – حامل نوبل Nobel لأبحاثه الخطيرة والعميقة جداً – يُحدِّثنا عما أصابه من ذهول – أُصيب بحالة ذهول من نفسه، لو لم يكن عالم أعصاب ودماغ وفسيولوجي  على مستوى العالم كله لما أُصيب بالذهول، طبيعي ألا يُصاب بالذهول – قائلاً ذات مرة أمد يدي لألتقط قُصاصة ورق، وتمت العملية بكل سلام الرحمن، هذه عملية سهلة،  وفجأة في لحظة استبصار قال كيف يتم هذا؟ هو طبعاً يتكلَّم ويشرب القهوة ويُدخِّن ويلتقط ورقة ببساطة وربما حتى وهو يكتب أو يمضي دون أن يُدرِك كيف يتكم هذا، قال لو لم أكن عالم أعصاب وعندي دراية عميقة وكبيرة وعريضة جداً بالأعصاب وبالعضلات وبالأوتار وبكل هذه الأشياء لما أُصِبت بالذهول، كيف تم هذا دون أن أكون واعياً به؟ بدأ يستحضر عشرات العمليات المُعقَدة جداً، طبعاً على المُستوى الأصغر والأصغر والأصغر التي  تدخل فيها ملايين إذا لم يكن ملايير الأعضاء الفاعلة لكي تتم هذه العملية، ولك أن تتخيَّل هذا، فكيف تتم وأنا غير واعٍ بها إذن؟ إذن كل ما هنالك أنك فقط تكون واعياً حين تكون واعياً بالعنوان، أي أنك تلتقط ورقة، لكن كيف يتم التقاط الورقة؟ الوعي عندك –  وعيك – لا يُدرِك ولا يعي شيئاً من هذا، كل هذا يتم تحت سطح الوعي، أنت – كما قلنا – تسمع الوشوات فقط، كل هذا يتم من تلقائه تحت سطح الوعي، كيف تقف الآن؟ كيف أقف أنا؟ هذه عملية مُعقَّدة جداً من الناحية الفسيولوجية، أين لسانك الآن؟ الآن  تبدأ تُفكِّر أين هو؟ أين لسانك في حلقك؟ الآن  تبدأ تُفكِّر أين هو، لكن هو موجود، الجسم يُنسِّق هذا ويقوم بوضعه في مكانه، كيف تضع يدك على الأخرى؟ الآن تبدأ تُفكِّر، أشياء كثيرة تُنجِزها بسهولة دون أن تكون واعياً بالمرة بها.

هذه المسألة إلى الآن علمية وأيضاً سهل إدراكها، نحن نريد أن نذهب إلى ما هو أهم وإلى ما هو أكثر أهمية وإثارة، كيف تتحدَّد خياراتنا الفكرية؟ كيف نتعصَّب لطوائفنا ومذاهبنا وأدياننا وأهالينا وأوطاننا؟ كل هذا يتم بطريقة أيضاً غير واعية لا خيار لنا فيها، سوف تسألني ما فائدة هذا الكلام؟ فائدة هذا الكلام – كما قلت – أن نتعلَّم التواضع، حين نفهم هذا الكلام ينبغي أن نبدأ نتواضع،  لسنا نحن الذين اختارنا،  لسنا نحن الذين حدَّدنا، لقد تم اختيار تقريباً مُعظَم الأشياء لنا، لعل هذا يفك مَغلِق سؤال ينبغي أن يُثار، القرآن الكريم يصرح في عشرات إن لم يكن في مئات الآيات طبعاً مسئولية الإنسان، فهل هو يُسقِط الاعتبار عن مشروطية الإنسان؟ ابن القيم الجوزية قال أن هناك ألف آية تُؤكِّد مبدأ السببية في كتاب الله، مُعظَمها تخص العالم الإنساني والنطاق الإنساني، أنت المسؤول عن ما تقوم، أنت الفاعل، أنت العامل، أنت المُحسِن، أنت المُسيء، وبالتالي أنت مسؤول، طبعاً  لا تُوجَد مسئولية بالمُطلَق، وإنما هناك مسئولية أمام الله – تبارك وتعالى – العدل، قال الله وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ ۩، وكما قلت لك أشياء كثيرة ستكون في صالحك وستُرجِّح كفتك وستشهد لك وأنت غير واعٍ بها، ما رأيك؟ أنت غير واعٍ بها بالمرة، وللأسف الأفكار تتشابه فلعل هذا يُذكِّرنا الآن بقضية الممثل الأمريكي الشهير ميل جيبسون  Mel Gibson حين أوقفه شرطي المرور واتفَق أن الضابط كان يهودياً الضابط، وهو كان يسير طبعاً بضعفي السرعة المُقرَّرة تحت تأثير الكحول Alcohol  وزجاجة الكحول Alcohol إلى جانبه مفتوحة الغطاء، أي أنه كان يشرب منها، فأوقفه وقال له أنت مُعتقَل، شيئ خطير جداً الذي تقوم به، فقال لعنة الله على اليهود، هم سبب كل مشاكل العالم، هم سبب الحروب في الدنيا، فطبعاً اشْمَأَزَّ الضابط، ما هذه العنصرية؟ فقال له هل أنت يهودي؟ يبدو أنك يهودي، وطبعاَ الرجل كان سكراناً وأصبحت قصة كبيرة، لكن نحن يهمنا فيها الجانب العلمي، وطبعاً بدأ أُناس سعياً محموماً لإدانة ميل جيبسون Mel Gibson بل لتحطيمه،هم  أرداوا تحطيمه، أن الرجل في العمق وفي الحقيقة وفي الجوهرعنصري كاره للسامية، قالوا هو معادٍ للسامية كما تعرفون، وآخرون بدأوا يدافعون وقالوا بالعكس الرجل كان واقعاً تحت تأثير الكحول Alcohol ، كان شارباً من نوع التيكلة Takila، اشرب أنت وانظر ماذا سيحدث لك، وبدأوا يقولون يا ويلنا ويا عارنا لو أن كل واحد منا أُدين بما يصدر منه وعنه تحت تأثير المشروبات الكحولية لأننا سنُفتضح، حتى في التلمود نفسه يُوجَد هذا، ونحن نتحدَّث الآن عن العداوة للسامية وموقف اليهود طبعاً وخاصة يهود أمريكا من ميل جيبسونMel Gibson، في التلمود البابلي مكتوب ماذا؟ مكتوب  إذا حضرت الخمر – إذا جاءت الخمر – فُضِحَت الأسرار، الخمر تفضح الأسرار،  وفي التلمود أيضاً الخمر تفضح سر الإنسان وتفضحه أشياء أخرى، أنتم تعرفون هذا إذن، قال بعضهم ليس الموضوع أن قليلاً من التيكلة Takila بدَّلت شخصية  ميل جيبسون  Mel Gibson – شخصيته واحدة – لكنها كشفت عن حقيقة شخصيته وعرفنا أنه عنصري في الصميم، فشكراً للتيكلة Takila التي فضحت هذا العنصري المُستخفي، وطبعاً كم من العنصريين مُستخَفون، الله وحده أعلم كم، هل نُحاكِمهم بطريقة أو بأخرى؟ هل يجوز أن يُحاكَموا بمثل هذه الآليات؟ هناك الآن تقنيات علمية يمكن أن تكشف لكل واحد منا كم أنت عنصري وكم أنت كاره للمسلمين وكم أنت كاره للعرب وكم أنت كاره لليهود وكم أنت كاره للمسيحيين وكم أنت كاره للبوذيين وكم أنت كاره للمثليين وكم أنت كاره للنساء وكم أنت كاره للسود ولأي شيئ، سأُحدِّثك عن بعض هذه التجارب، هذه أشياء علميك تفضحك رغم أنك قد تكون مُطمئناً جداً إلى موقفك من هؤلاء الذين تُستفتى بصددهم، كالزنوج أو العرب أو المسلمين أو اليهود أو الساميين عموماً وإلى أخره، أنت مُطمئن إلى أنك لست كارهاً لهم لكنها ستفضحك وستُفاجأ بأنك كاره لهم ومُتحيّز ضدهم دون أن تدري، أنا أعطيك شيئاً بسيطاً الآن، الآن وأنت تقود سيارتك هنا في فيينا – هذه المدينة الجميلة الوادعة التي ليس فيها ازدحام سير كثير – وترى سيدة واضح من مظهرها ولونها أنها أجنبية – ليست نمساوية أصلية على الأقل – وترى أنها مُتهيئة لكي تقطع الخطوط البيضاء – خطوط المشاة – لكن بينها وبين الخطوط ربما متر ونصف أو متران، هل تقف لها ويبرز احترام القانون؟ الجواب لديك طبعاً، حين ترى سيدة شقراء وواضح أنها نمساوية وليست عجوزة ضعيفة مُخرِّفة وإنما شابة ربما في الثلاثين أو في الأربعين  وبينها وبين خطوط المشاة ربما متران ونصف وليس متراً ونصف، هل تقف أو لا تقف؟ يُوجَد تحيز، إذا رأيت نفسك لا تقف هناك وتقف هنا  فهذا يدل على وجود نوع من التحيز، يُوجَد تحيز ضدك، أنت مُتحيِّز ضد نفسك كأجنبي أو مُهاجِر Auswanderer، أنت مُتحيِّز ضد نفسك، وطبعاً واضح أنك مُتحيِّز ضد الأجانب، لا يُوجَد عندك احترام حقيقي لهم كاحترامك للأوروبي الحقيقي، أشياء بسيطة تلتفت إليها فتبدأ تكتشف نفسك، إحدى هذه التجارب كانت كالتالي، أمامك – أمام الشخصيات المُختبَرة طبعاً – مفتاحان، مفتاح لليمين ومفتاح لليسار، يُومَض لك على شاشة – Display – أمامك بلون مُعيَّن أو يُومَض لك بصورة أو بكلمة، ويُقال لك التعليمات – تعليمات المُختبِرين – إذا كانت الصورة لشيئ مُحبَّب اضغط على اليمين، أي مفتاح اليمين، وإذا كانت الصورة لشيئ مكروه لديك – أي شيئ سلبي – اضغط على الشمال، أي على المفتاح الشمال، إذا رأيت كلمة كريهة اضغط على الشمال، وإذا رأيت كلمة مُحبَّبة اضغط على اليمين، هذه المرحلة الأولى،  في مرحلة بعد ذلك يُوجَد اقتران لصورة مع كلمة، إذا كانت الصورة مُحبَّبة اضغط على اليمين، وإذا كانت الكلمة مُحبَّبة اضغط على اليمين، إذا كانت الصورة سيئة اضغط على الشمال، وإذا كانت الكلمة سيئة اضغط على الشمال، أي أن الآن صورة وكلمة، في الأول كان يُومَض لك فقط بكلمات أو بصور، لكن الآن يُومَض لك بكلمات وصور، يُوجَد خليط الآن، في المرحلة النهائية من التجربة يحدث نفس الشيئ، لابد أن تأتي بنفس التصرف مع عكس المفاتيح، المفتاح موجود أيضاً  لكن إن جاءت صورة سلبية أو كلمة سلبية تضغط على اليمين وليس على الشمال، والعكس صحيح، ما هذه التجربة إذن؟ هذه تجربة فاضحة، هذه التجربة تُريد أن تستخرج منا  الاقترانات اللاشعورية والاقترانات اللاواعية المخفية في قعر وفي كهوف نفوسنا،  فالآن نفترض – مثلاً – كلمة قاتل أو مجرم أو سفاح، هذه كلمة كريهة عند الكل، الآن تأتي كلمة مُسلِم أو كلمة يهودي أو كلمة أسود أو كلمة امرأة أو كلمةHomosexual –  لوطي أو سدومي كما يقولون – وإلى آخره، هذه كلمات يكرهها بعض الناس، تأتيك الآن هذه الكلمة مع صورة أو الصورة مع كلمة، كيف سوف تضغط؟ يحدث تردد الآن فانتبه، حين يكون الاقتران مُحيّراً مُربِكاً تأخذ وقتاً أطول، لأنك الآن لا تُريد أن تُفضَح وأن تظهر أنك كاره للمسلمين أو لليهود او للمثليين أو للنساء أو للزنوج وإلى آخره، أنت لا تُريد هذا، ومن ثم تأخذ وقتاً أطول، قالوا لك هذه تجربة فاضحة، في البداية جعلوها  شبه حيادية عن شخص نحيف وشخص بدين وبعض الكلمات، وبعض ذلك أدخلوا المُسلِمين واليهود والساميين والمثليين والمُرشَّحين الديمقراطيين والمُرشَّحين الجمهوريين وإلى أخره، ودائماً التجربة كانت صادمة وتفضح تحيزاتنا.

إذن أعود وأقول حين نُدرِك هذا بضربة واحدة أولاً نتعلَّم التواضع، نتخلى عن التبجح، لا تقل أنني كذا وكذا، أنت إنسان بسيط، أنت مُركَّب من هذه الأشياء، لكن أنا لم أُجِب عن السؤال بصدد القرآن الكريم، القرآن يُؤكِّد في مئات الآيات مسئوليتنا وحرياتنا وخياراتنا في اختياراتنا، هناك خيارات مفتوحة وهى حرة ومسؤولة، وفي الوقت ذاته – كما أكَّدت في أكثر من خطبة – يقول لك التقليد ليس حُجة عند الله والآبائية ليست حُجة عند الله والمصالح ليست حُجة عند الله والأكثرية والجمهور ليس حُجة عند الله،  هذا أمرٌ عجيب، كأن القرآن يسد كل المنافذ، كأنه لا يُدرِك المشروطية، كأنه يُسقِط كل اعتبار لمشروطية الإنسان، أليس كذلك؟ ومشروطيتي ماذا تعني؟ ماذا تعني مشروطيتي أكثر من أنني ابن قبيلة معينة وابن دين مُعيَّن وابن بلد مُعيَّن وابن أناس مُعيَّنين وابن مُجتمَع مُعيَّن وابن ثقافة مُعيَّنة وإلى آخره؟ هذه مشروطيتي، إذا كل هذا أمام دعوة الحق ليس له اعتبار وساقط عن درجة الاعتبار فإن معنى ذلك أن القرآن لا يتعاطى مع المشروطية،  لكن انتبهوا ولا تستعجلوا، في المُقابِل نجد أن القرآن العظيم دائماً يُؤكِّد ويقول وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا ۩، أليس كذلك؟ ويقول أيضاً إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ  يَهْدِي مَن يَشَاء ۩، الله هو الهادي، الله هو المُزكِّي، أنت لا تستطيع أن تفعل هذا، ف ما معنى هذه الآيات – وهى آيات كثيرة أيضاً نسبياً – إذن؟ معنى هذه الآيات ان القرآن يعتبر  كثيراً جداً المشروطية، وكأن الله – تبارك وتعالى – يقول – اللهم لا نفتري على الله لا إله إلا هو – أنا مُدرِك تماماً كم هى المسألة صعبة وكم هى المسألة مُعقَّدة أن تخرج من صندوقك وصندوق المجتمع والثقافة بل وحتى الجينات –  – Genes وتدخل في الدين الحق، يُمكِن أن تقرأوا عن أبحاث الأطفال المولودين حديثاً وتعرفوا كيف أن هذا الطفل في أول ساعات يُعرب عن ردود أفعال ونشاطات مُعيَّنة تُؤكِّد أنه كائن مُبرمَج ليس بالغرائز فقط  وإنما بأشياء أبعد من الغرائز، هناك أشياء تتعدى الغرائز، وطبعاً الغرائز برمجة بلا شك لكن هناك أشياء تتعدى الغرائز، هذا شيئ غريب، هذه أبحاث مُحيِّرة جداً، وهذا طفل ابن ساعات، فكيف هذا؟ ما الذي يحصل؟ فأنت مُبرمَج حتى على مستوى جيناتك إلى حدٍ ما، وقد يكون حداً بعيداً، لكن الله يعلم ذلك – أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ – ويقول لك أنا أعلم تماماً كم هى صعبة أن تتخلى عن دين آبائك وأجدادك وأن تدخل في دين محمد، أي في دين الحق، ولذلك أنا الهادي، يكفيني منك صحة النية، انتبه إلى هذا، أنت الآن مُسلِم سُني وتبدأ بحثاً – مثلاً – لتقييم العقيدة النصرانية والدين النصراني أو الدين اليهودي أو الدين البوذي أو الهندوسي، والله ليس إله المُسلِمين فقط وليس رب المُسلِمين فقط، هو رب البشرية، ولكي يكون أسهل عليك سنفرضك الآن بوذياً يا سيدي أو هندوسياً  أو لاأدرياً وهذا الأفضل حتى لا نُسيء إلى أي دين من الأديان، سنفرضك مُلحِداً أو لاأدرياً ، أنت شخص لاأدري أو شخص مُلحِد وتُريد أن تبحث الآن في الإسلام، تُريد أن تبحث في هذا الدين الكريه -دين داعش الآن – المُخيف، وهنا يقول لي أحدكم لماذا تتحدَّث دائماً عن داعش؟ لأن داعش ستجعلنا نعيش في ستين داهية، داعش ستذهب بنا إلى ستين مليون داهية والله العظيم، هل تعرفون لماذا؟ بسبب هذه الأشياء، هذه الخُطبة ستُوضِّح لكم كيف هذا، نحن أبناء الاقترانات وأبناء الاشتراطات، نحن مساكين جداً، لسنا كائنات عاقلة واعية منطقية بقدر ما نحن كائنات سيكولوجية نفسانية، نحن لدينا ترابطات، ذات مرة أجلسوا مجموعة من النساء والرجال وأسقوهم شراباً غازياً – شراب غازي عادي ومُعظَم الناس يُحِبون الشراب الغازي – لكن وهم جلوس على الكراسي جعلوا هذه الكراسي بطريقة كهربائية عفواً تتقدَّم إلى الأمام وإلى الخلف وإلى الأمام وإلى الخلف بغرض إحداث دوار الحركة، هذا إسمه دوار الحركة وهو يُصيب الإنسان بالغثيان في نهاية المطاف وقد يقيء، النتيجة أن مُعظَم هؤلاء – الأغلبية الساحقة -صار لديهم نفور من المشروبات الغازية رغم معرفتهم الشعورية بأن هذا الدوار ناجم عن حركة الكراسي وليس عن المشروب الغازي، لكن اقترن هذا بهذا فانتهى وأصبحوا يكرهون أي شيئ إسمه مشروب غازي، ولذلك أنا أُشفِق علىّ وعلى أمثالي من المُسلِمين الذين يُناضِلون ليل نهار ويصيحون، داعش تقطع الروس، حتى رؤوس النساء تُقطَع، وهى تبيع البشر  وتستعبد النساء، ونحن نصيح الله لا يقول هذا، الله يقول كذا وكذا، النبي محمد لم يقل هذا، محمد قال كذا وفعل كذا، أنا – والله – أُشفِق علىّ، أنا مُدرِك هذا، ومن ثم أُشفِق علىّ وأُشفِق على أمثالي، كلامي هذا قد يكون له تأثير بنسبة خمسة في المائة – هذا وأنا مُتفائل جداً ومن ثم أقول خمسة في المائة -لكن فعل داعش يكون له تأثير بنسبة خمسة وتسعين في المائة، لا تُحدِّثني عن إسلام نصوص وقال الله وقال الرسول وأنا أرى المسلمين يفعلون هذا وينشرون هذه الصور، هذا الارتباط مِن الصعب جداً أن تفكه وأن تذيبه مِن أذهان الناس ومِن أذهان مَن رأى بالذات ومَن سمع بدرجة أقل، هل فهمتم؟ هذا هو الارتباط، ولذلك نقول اللهم لا تجعلنا فتنة لكل أحدٍ من المُسلِمين وغير المُسلِمين، هذه هى الفتنة، هذه ارتباطات والناس ارتباطات وليس أكثر من هذا، نحن كائنات هشة جداً من الناحية العقلانية فانتبهوا، نعم نحن الأعقل على الكوكب وربما في هذا الكون ولكن بمعايير العقل ذاته نحن كائنات هشة جداً من الناحية العقلانية  كائنات تخضع لمُؤثِّرات نفسية وتداعيات وارتباطات وتشريطات ومُقارَنات أكثر مما تتخيَّل وتحسب، إذا أردتم أن نُبرهِن هذا الآن  فاسمعوا العجب العجيب.

عالم النفس الأمريكي جون جونز John T. Jones وفريقه العلمي في سنة ألفين وأربع قاموا بدراسة خمسة عشر ألف حالة زواج في السجلات المدنية في مقاطعتين في ولايتين أمريكيتين ولاحظوا شيئاً عجيباً مُدهِشاً، الناس – الرجال والنساء – يتزوَّجون ويختارون شركاءهم الذين يُشارِكونهم في حروف أوائل أسمائهم، مثلاً إسمي عدنان ومن ثم أُحِب التي إسمها ماذا؟ لا أُريد أن أذكر أسماء وإلا تحدث مشاكل، لذا الجواب عندكم، إسمك محمد ومن ثم تُحِب التي أول اسمها مثل أول إسمك وهكذا، هذا شيئ عجيب، النتيجة كانت بعد هذا الجهد الجبّار أن هذا يتم بدرجة أعلى بكثير من أن يكون محض اتفاق، ما الذي يحصل إذن؟ لماذا؟ متى تساءل الإنسان أنه ربما يخضع في اختيار شريكة حياته أو في اختيار شريك حياتها لهذا المعيار؟ أي أن الحرف الأول من إسمه يُطابِق الحرف الأول من إسمي، وإذا كان الأمر يتعلَّق بحرفين فهذا سوف يكون أحسن طبعاً، فالحرف الأول أو الحروف الأولى من إسمه تُطابِق الحروف الأولى من إسمي أنا، ما معنى هذا؟ يقول علماء النفس واضح أن الإنسان يحب مَن يُذكِّره بذاته، وهذه عبارة مُلطَفة لما عادوا وقالوه بشكل صريح، قالوا الإنسان أناني جداً، نحن كائنات أنانية، نحن أنانيون جداً، ونتكلَّم عن الأوطان والأديان  ومُستقبَل الدنيا والبشر والعالم وهذا كله كلام، واضح أننا صغار جداً ومساكين، الذي يقدر فعلاً على أن يتكلَّم عن هذه القضايا بصدق وإخلاص وتضحية هو إنسان عظيم جداً ومن ثم يتجاوز هذه الأنانيات، لكن هذه أنانيات ضمنية – Implicit – غير واضحة وغير صريحة، ويُسمونها فعلاً  الإنانية الضمنية، فهى غير مُصرَح بها، هى غير واضحة وغير صريحة، هذه الأنانية الضمنية Implicit Egotism، وهنا قد يقول لي أحدكم هذا جميل وهذه معلومة لطيفة، لكن هناك ما هو أكثر إثارة، هذه الأنانية الضمنية لم تقف عند حدود طلب الشريك واختيار شريك الحياة بل تعدته إلى إلى ماركات الملابس والمأكولات والمشروبات والسيارات وإلى آخر القائمة، نفترض أن أحدهم إسمه يبدأ – مثلاً – بحرف الـ G، سوف يُحِب ماركة الشاي التي تبدأ بحرف الـ G، قالوا هو يفضل هذا، هذه كلها تفضيلات وإحصاءات ودراسات أجروها كلها، وكذلك ماركة السيارة وماركة اللباس وماركة الحذاء وإلى آخره، أي إذا تُوجَد مُشارَكة بالحرف الأول من إسمي فأنا أقول أهلاً وسهلاً، وهذا أمرٌ عجيب، لكنه ينطبق حتى على ما آكل وأشرب وإلى آخره، لأن هذا طبعاً يُذكِّرني بنفسي من غير أن أكون واعياً، لا أحد يعي هذا الشيئ، الآن أنتم سمعتم هذا، ربما بعضكم سمعه لأول مرة وربما بعضكم توسَّع في هذه الأشياء وخاصة مِن الذين يدرسون علم النفس، لكن الأمر وصل إلى هذه الدرجة، ولا تزال هناك أشياء أبعد من هذا، هذه الأنانية الضمنية تذهب إلى اختيارات تبدو عشوائية لكن اتضح في الواقع أنها ليست عشوائية، هى مَقودة ومُشغلَة لا شعورياً، أي يتم اختيارها واقتيادها لا شعورياً، تواريخ الميلاد ينطبق عليها هذا، وجدوا دائماً أن الأرجح في حق الأشخاص المولودين في الثاني من فبراير (2/ 2) أنهم يذهبون إلى أمريكا ويعيشون في مدن مثل Twin Lakes، أي
البحيرتان التوأمتان، لأن فيها رقم اثنين، وهذا شيئ غير معقول، يُوجَد عدد هائل منهم في مدينة البحيرتان التوأمتان، علماً بأنه لا ينبغي أن تقول توأم طبعاً، التوأم واحد، ولذا هما توأمان، البحيرتان التوأمان يعيش فيها بشكل أكبر مَن وُلِدوا في الثاني من فبراير (2/ 2) وذلك لوجود كلمة Twin، وهذا أمرٌ عجيب، كذلك الذين وُلِدوا في الثالث من مارس (3/ 3) على الأرجح يعيشون في مدينة إسمهاThree Forks، أي الانعطافات الثلاثة، يعيشون هناك بكثرة، والواحد منهم لا يعرف أنه أحب هذه المدينة لأن في إسمها كلمة Three وهو مولود في الثالث من مارس، وهذا أمرٌ غريب جداً، وكذلك الذين وُلِدوا في السادس من يونيو (6/ 6) على الأرجح يعيشون بكميات هائلة في مدينة Six Mile، أي مدينة الستة أميال، قالوا عدد كبير منهم في أمريكا يعيشون في هذه المدينة وذلك لوجود كلمة Six، وهذا شيئ عجيب، بلغ العلماء حد الهوس في الجري وراء هذه الأشياء.

في تجربة أكثر لطافة قدَّم علماء وبروفيسورات – Professors – في الجامعات إلى مجموعة من طلابهم – طلاب جامعيون – مقالة عن الراهب الأرثوذوكسي الروسي الشهير راسبوتين Rasputin، وأنتم تعرفون الراهب المعروف والداعر طبعاً راسبوتين Rasputin، فهم قدَّموا لهم مقالة عن راسبوتين Rasputin، وصعب أن تُقيِّم راسبوتين Rasputin  تقييماً إيجابياً، هو فضيحة في حق الأديان وفي حق الإنسان وفي حق بلده، على كل حال هذا راهب عجيب الإشكال، قسموا الطلاب مجموعتين ثم ألقى المُختبِرون – الأساتذة الجامعيون – في روع طلاب المجموعة الأولى كلٍ على حدة أن تاريخ ميلاد راسبوتين Rasputin هو نفس تاريخ ميلاد كل واحد منهم، يقول أحدهم الأساتذة لأحد الطلاب سأقول لك شيئاً بيني وبينك، ما هو تاريخ ميلادك؟ فيقول له كذا، ومن ثم يقول له هذا نفس تاريخ ميلاد راسبوتين  Rasputin، راسبوتين Rasputin مولود في نفس اليوم، ثم يسأل طالباً آخر عن تاريخ ميلاده، وتاريخ ميلاده يكون مُختلِفاً، فيقول له تاريخ ميلادي هو كذا، ومن ثم يقول له هذا تاريخ ميلاد راسبوتين Rasputin، راسبوتين Rasputin  مولود في هذا التاريخ، وهذا هو غرض التجربة، قرأ أعضاء هذه المجموعة المقالة وقرأ أعضاء المجموعة الثانية المقالة، والآن تُوجَد أسئلة مُقدَمة مصوغة للجواب عنها – علماً بأنه يُقال أجاب عنه وليس أجاب عليه – فأجابوا، وجدوا أن طلاب المجموعة الأولى الذين أُلقيَ في روعهم مُطابَقة تواريخ ميلادهم لتاريخ ميلاد راسبوتين  Rasputin  قدَّموا تقييماً أكثر كرماً وإيجابية عن راسبوتين  Rasputin ، ألم يُولَد في نفس تاريخ ميلادنا؟ إذن هو صار حبيبنا، ولذا قد تقول أنا مُسلِم فلماذا أتعاطف مع مسيحي أو يهودي أو بوذي؟ أنا مُسلِم يا حبيبي ومن ثم أتعاطف مع المُسلِمين، أنا مُسلِم شيعي ولذا لا أتعاطف مع السُنة والوهابية والأشاعرة وكل هذا القرف، أتعاطف مع جماعتي لأنني شيعي، وأنا شيعي لكني لست من الشيرازية وإنما من جماعة المرجع الفلاني ولذا أتعاطف مع مَن أنتمي إليهم فقط وهكذا، فطبيعي أن أفهم هذا، وهذا مُسلِم سُني أيضاً، هو سُني سلفي أو سُني وهابي سعودي وإلى آخره، فطبيعي أن يتعاطف مع أهله ومع تربيته وثقافته ومشائخه، يُوجَد أكثر من خمسين ألف عامل يجعل هذا المسكين يكون ما هو، أليس كذلك؟ فالمسألة هنا لا تتعلَّق باللغة الخشبية كأن تقول هؤلاء كذا وكذا، ليست هكذا المسألة يا رجل، المسألة أعقد من هذا بكثير، حاول أن تُدرِك مشروطية هؤلاء البشر جميعاً، حاول أن تُدرِك مشروطية الأخر، وطبعاً الاستثناء الفاقع السافر اللامع الجميل ألا تكون كذلك، تكون مُسلِماً وعندك منظور إنساني، تكون مُسلِماً سُنياً وتتسع للجميع سوا كانوا سُنة أو غير سُنة وسواء كانوا مُسلِمين أو غير مُسلِمين ، كيف حاولت هذا؟ كيف نجحت فيه؟ لأنك طبعاً إنسان عميق جداً، إنسان مُستقَل جداً، أنت إنسان حر، هذا هو الحر، لقد تحرَّرت من قيود التقاليد والقبيلة والعشيرة والمذهب والطائفة والبلد وأشياء كثيرة جداً وصرت على مستوى الإنسانية، هذا الإنسان الحر، هنا أنت فعلاً إنسان عندك قدر كبير من الوعي بذاتك، أليس كذلك؟ لأنك لم تخضع ولم ترض أن تتحكَّم فيك  العوامل اللاواعية وهى الأكثر، الآن بدأ العقل الواعي فيك يتحرَّك من الطرف تقريباً إلى قريب من المركز، واضح أنك إنسان غير شكل كما يقولون، واضح أنك مُتميّز جداً، أنا أدعوك أن تكون هذا الإنسان غير الشكل، حاول أن تكون هذا الإنسان الاستثنائي، وطبعاً أنا في نهاية المطاف لا أدعوا إلى عدمية انتمائية، كأن تكون  Outsider بمعنى أنك تُصبِح خارج كل الانتماءات فلا تنتمي لأي شيئ، لا يقدر أي أحد على أن يكون  Outsider، بالعكس نحن نقول – وربما هذا الدرس الأهم والأنبل في خطبة العيد – للطوائف نعم لكن لا للطائفية، ليس عندي أي مُشكِلة في أن تكون مُسلِماً وأن تكون شيعياً وأن تكون إباضياً وأن تكون سُنياً – ليس عندي أي مُشكِلة – لكن إياك أن تتصرَّف بطائفية، إذا أردت أن تظل في طائفتك فأنا ليس عندي أي مُشكِلة، إذا أردت أن تنتقل من طائفتك إلى طائفة أخرى فأنا أقول لك هذا سيُكلِّفك سنين طويلة بعيدة أنت لا تمتلكها، واضح أن ليس عندك ترف أن تمتلك هذه السنين لتُضيِّعها في دراسة كل شيئ تقريباً، فتدرس كل ما يتعلَّق بمذهبك وبطائفتك وبتاريخه وبعقائده وبمُجادَلاته وكذلك كل ما يتعلَّق بالآخرين، علماً بأنه لا يكفي أن تقرأ كل ما يتعلَّق بالشيعة وكل ما يتعلَّق بالسُنة على مذاهبهم المُختلِفة طبعاً، بل لابد أن تقرأ أيضاً كل ما يتعلَّق بالزيدية وبالإباضية وبالمُعتزِلة، من المُمكِن أن يكون أحدهم هو الأصح أو الأقرب إلى الصح، لكن طبعاً لا يُوجَد واحد هو الصح والثاني هو الغلط، هذا كلام فارغ، هذه طائفية مُحترِقة، كل أحد فينا عنده الصح وعنده الغلط، الآن في نهاية المطاف مَن صحه أكثر من غلطه؟ الله وحده أعلم بهذا، لا تقل لي نحن أهل السُنة الصح، وإلا سوف أقول لك أنت مجنون، هذه الخُطبة ضدك تماماً فابعد عني وأرحني من نفسك – أطال الله عمرك – وابعدني عن هذا الهبل، لا يقدر أحد على أن يقول أنا الصح أو صحي أكثر من غلطي، هذا لا يُمكِن، المسألة أكبر من هذا تعقيداً تماماً، لا تقدر على هذا، أنت لم تر صح غيرك، أنت لم تره أصلاً، صح غيرك باستمرار تراه غلطاً، حتى وإن طابق الصح الذي لديك وخالفه فقط في العنوان أنت تراه غلطاً، بسبب العمى الذي عندك، يُوجَد عمى هنا، هذا عمى التعصب أو العمى التعصبي.

هل سألتم أنفسكم مرة عن موقفكم وعن ردة فعلك إزاء تضحيات الآخرين؟ يُمكِن أن تقرأوا عن نصارى مثلاً  وأنتم تعرفون عصر الشهداء الذي قدَّم فيه النصارى ألوف ويُقال مئات ألوف الشهداء، في مصر –  مصر أقرب بلد عربي لنا – عشرات الألوف تم تحريقهم وتم ذبحهم وتم نفيهم وتم قتلهم من قِبَل الإمبراطورية الرومانية الوثنية المُلحِدة، ومع ذلك صبروا وصابروا، أنا أقول لكم ردة فعل المُسلِم العادية المعيارية أنه سيقول مسيحي ضحى وقاتل قبل الإسلام سوف أتعاطف معاه ومن المُمكِن أن أبكي حين أقرأ قصه، بعد الإسلام هذا سيكون كلاماً فارغاً، هذا شخص مُثلِّث كافر، أهبل ضحى من أجل ماذا؟ فكيف إذا تعلَّق الأمر باليهود؟ لماذا اليهود بالذات؟ لأن اليوم بعضهم طبعاً يحتلون فلسطين، هناك حرب مُحتدِمة، يُوجَد ثأر كبير جداً بيننا وبينهم، فتأتي الآن تتحدَّث عن المتسادا – قلعة المتسادا – وكيف صبروا ثلاث سنين وكيف حتى أُبيدوا من عند أخرهم، ياسيدي يُوجَد فصل من فصول التاريخ الإسلامي يتعلَّق بالحاكم بأمر الله الفاطمي المجنون المُختَل، طبعاً عانى منه المُسلِمون كاليهود والنصارى، الكل عانى منه، لم يعان منه دين واحد فقط أو طائفة واحدة، الكل عانى من هذا المجنون، وطبعاً عانى منه أقرب الوزراء إليه، ذات مرة أحصيت في دراسة  أكثر من عشرين وزير تم قتلهم من وزرائه، يستوزرك ثم يقتلك، شيئ فظيع والعياذ بالله، على كل حال فالحاكم بأمر الله ذات مرة ركبه جنون وقال ممنوع أن يبقى في مملكته يهودي أو نصراني، الكل ينبغي أن يدخل الإسلام وإلا فهو الذبح، لا تُوجَد ذمة وجزية وإنما يُوجَد الذبح مثل داعش اليوم مع الإيزيديين وهؤلاء الجماعة للأسف،  فما الذي حصل؟ قالوا كثير من النصارى أسلموا خوفاً طبعاً – هذا إسلام إكراه، هذا كله باطل – وأكثر اليهود أبوا إلا أن يستعصموا بدينهم فتم نفيهم وذبحهم، مَن هرب هرب والذي ظل ذُبِحَ وأسلم أقلهم، أنا أقول لك ردة فعلك المبدئية حين تقرأ هذا القصل من التاريخ وردة فعل المُسلِم المعياري بشكل عام هى أنه يستحمق هؤلاء، يقول لك هؤلاء حمقى طبعاً، أنتم كفار يا يهود ومع ذلك تموتون من أجل دينكم؟ اذهبوا في ستين داهية، وحين تقرأ عن صبر مُسلِمين تم تخييرهم على يد فرناندو وإيزابيلا Fernando and Isabella إما بدخول النصرانية أو الذبح أو الهروب تُسال الدموع وتجد الخطباء على المنابر يتحدَّثون عنهم، لكن هذه تضحية وهذه تضحية، هذا إنسان يضحي أيضاً، قالوا هذا كافر يُضحي يا رجل، لا يستطيعون أن يأخذوا التضحية بمعيار موضوعي، لماذا لا تفترض خارج النموذج الذي تُفكِّر من خلاله وخارج إطار تفكيرك  أن هذا اليهودي – أنا أقول لك على الأقل هذه مرحلة وسط وهذا الأرجح لي بنسبة تسعة وتسعين في المائة – الذي رضيَ أن يموت على يد الحاكم المجنون الحاكم بأمر الله على أن يغير دينه هو مُقتنِع  أن دينه هو الدين الحق، يستحيل أن يكون وقر في قلبه أن الإسلام هو الحق واقتنع بهذا وكابر ومات أيضاً، قليل جداً مَن يفعل هذا، أبو جهل إذن هذا، حتى أبو جهل الملعون يبدو إلى آخر لحظة في بدر أنه كان غير مُقتنِع، تقول الآية الكريمة وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ – هذا يعني أنه لم يقتنع أن محمداً كان على الحق، إلى يوم بدر وهو مقتنع بأن محمداً يكذب عليهم، والله خلَّد هذا في القرآن – فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۩، هذا يعني أنه كان غير مُقتنِع بأن كان على حق، وهنا قد تقول لي لقد شوَّشت أفكارنا وأحدثت لنا حالة عدمية في العقيدة، وهذا إلى الآن صحيح، ولذلك لابد أن أُجيب، كيف هذا؟ هل أبو جهل ناجٍ؟ لا ليس ناجياً، هو في النار، إذن ما القصة؟ أنت قلت ان القرآن يُحمِّلنا المسئولية ثم قلت أنه يعتبر المشروطية وأتيت بمثال أبي جهل، فما القصة؟ أنا أقول لك القصة أن الله – تبارك وتعالى – سيحاسبك على ما يعلمه منك، لو كان المانع الحقيقي لأبي جهل وأمثال أبي جهل مِن أن يُذعِنوا بالحق ويخضعوا للحق هو أنهم لم يتبينوه حقاً وكانوا مقتنعين لآخر لحظة أن هذا باطل وعندهك أدلتهم فأنا أقول لك هؤلاء معذورون عند الله، أما الذي حدث – والله تبارك وتعالى يعلم هذا وذكره في كتابه – أن الذي يمنعهم هو الكبر والعلو، لأن نمط التفكير الذي يصدرون عنه هو نمط المُتعجرِفين، تقول الآية الكريمة وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ۩، أبو جهل إذن لم يُعط نفسه فرصة واحدة أن يأتي ويتأمل في القرآن الكريم، كأن يقول ينبغي أن تجلس يا عمرو بن هشام وتتأمل في كلام محمد لعله يكون في النهاية كلام الله، لكنه لم يفعل هذا، أنا من الأصل رافض هذا لأنه يتيم أبي طالب، محمد يتيم أبي طالب، محمد رجل ليس عنده أموال ولذا لن أتبعه، إذن أنت  ذهبت في ستين داهية، أنت كافر، وطبيعي إنك يوم بدر أيضاً تعتقد أنك على حق وأن محمداً على باطل ولم تتبين، أنت الذي سددت منافذ الهداية على نفسك، ماذا يقول نيتشه Nietzsche ذات مرة؟ نيتشه Nietzsche يُفسِّر لنا حالة أبي جهل، يقول يكفي أن تنظر إلىّ على أنني عدو حتى تُخطيء في فهم كل ما أقول، نيتشه Nietzsche المُلحِد كان يفهم هذا، قال المُقدِّمات عنوان النهايات، من البداية إذا أنت احتقرتني لن تراني على صواب، أبو جهل طبعاً احتقر محمداً – وحاشاه هو أعز العالمين – وقال هذا فقير، هذا يتيم أبي طالب، هذا ليس عظيماً من ثقيف وليس عظيماً في قريش، لكن العظيم يكون عظيماً بماذا يا أخي؟ هل العظيم يكون كذلك بشرفه أو بنسبه أو باستقامته؟ قال هذه الأشياء كلها ليست معايير للعظمة، عندنا معايير العظمة السلطة والمال، وهو ليس عنده لا سلطة ولا مال ومن ثم لن ننظر حتى في كلامه.

الآن سأعطيك شيئاً عجيباً جداً، هل إذا أعطاك أحدهم مالاً أو طعاماً سوف يتأثر بدعوتك وبفكرتك وبحُجتك كما لو كان لم يكن أعطاك؟ لا، هذه تحيزات البشر فانتبهوا،  نفترض وجود ملك أو رئيس أو شخص عظيم، وجاء أحد مَن يُسمونهم الآن دعاة، جاء داعية أو عالم أو شيخ أو مُنظِّر كبير، وهذا العظيم أعطاه مال، أهدى إليه مبلغاً من المال، هل سيكون تأثره بكلام هذا الشيخ أو هذا العالم أو هذا الداعية بعد إذ أعطاه  كتأثره قبل إذ، أي قبل أن يعطيه؟ لا والله، ومن هنا القرآن أكَّد لنا أن كل الأنبياء – كل حلقات السلسة الرسالية – دائماً كانوا يُصرِّحون بماذا؟ تقول الآية الكريمة لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ ۩ وتقول آية كريمة أُخرى لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۩، لا للأجر، لا للمال، النبي لا يأخذ أموالاً، الرسول لا يأخذ أجراً، لأن الله يعلم أنه لو أخذ سيخف تأثيره في الناس جداً جداً، هؤلاء هم البشر، البشر لا يتعلَّق الأمر معم بمسألة حُجة ودليل وبرهان، هذه – كما قلت لكم – ارتباطات نفسية كلها، وحتى لا أنسى على ذكر الأسماء واختيارك لشريكتك إذا شاركت في أول إسمك وإلى آخره قد يقول لي أحدكم ما أكرم الإسلام إذن، ما أكرم الإسلام حين علَّم المسلمين أن يسموا أولادهم بإبراهيم وموسى وعيسى ونوح، نحن عندنا إسم نوح مُنتشِر كثيراً، وطبعاً عند النصارى يُوجَد إسم نوح Noah، لكن نحن أيضاً عندنا أسماء كل هؤلاء الأنبياء، وأهم شيئ أن عندنا إسمي موسى وعيسى، لكن أنا إلى الآن لم أقف على شخص مسيحي أو يهودي سمى ابنه محمداً، وأنا أُحِب هذا، يا ليت أرى شخصاً يهودياً أو مسيحياً سمى ابنه محمد، هم لا يعملون هذا، لكن المُسلِمون يعملونها في العالم كله،  أنا ابني الأخير الذي جاءني بفضل الله سميته موسى، إسمه موسى عدنان إبراهيم، وهذا أمر عادي، موسى إسم نبي، مَن يُمكِن له أن يُسمي ابنه بإسم موسى، وعندنا إسم عيسى بكثرة في العالم العربي، أليس كذلك؟ وعندنا إسم مريم، بل عندنا سورة  بإسمها في القرآن الكريم، والكثير مِن بناتنا تم تسميتهن بإسم مريم، أبو محمد الآن معنا في المسجد وابنته إسمها مريم، هذا يُؤثِّر كثيراً جداً ويُخفِّف التحيزات، أليس كذلك؟ والله لو اليهود أو النصارى سموا أولادهم محمد وسمحوا بهذا – هذا شيئ طبيعي، ما المُشكِلة؟ فأنا أقول لكم سوف تتقارب هذه الأديان كثيراً جداً جداً وسوف تخف التحيزات وتخف البغضاء، القرآن والتشريع النبوي ذهبا إلى مرحلة أبعد  من هذا، قال لك ويُمكِن أن تتزوَّج منهم أيضاً، يُمكِن أن تتزوَّج يهودية ويُمكِن أن تتزوَّج  نصرانية أيضاً، لكن هل سيكون أخوال أولادي من اليهود والنصارى؟ نعم، أخوال أولادك من اليهود والنصارى، ما المُشكِلة؟ أليسوا من البشر؟ لا تُوجَد أي مُشكِلة، هذا تسامح الإسلام العظيم الذي لم يعد يُدرِكه كثير من هؤلاء  المُتطرِّفين ولا الذين يشنأون العالم في العالمين، والله المُستعان تبارك وتعالى.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،  صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسلمياً كثيراً.

أحبتي في الله، إخواني وأخواتي:

ولأن الموضوع طويل وطويل جداً سأختم هذه الخُطبة بذكر تجربة واحدة بإذن الله تبارك وتعالى، تجربة تُؤكِّد أيضاً ما بدأنا به الخُطبة، أن حظنا من تقرير ما نكون وما نحن هو  لحظ الأضأل والأنذر والأصغر، أما الحظ الأكبر فهو لعوامل كثيرة خارجة عن اختياراتنا وخارجة عن وعينا، لكن حتى لا أضل أقول أنني أجبتكم نصف الجواب عن المسألة القرآنية، الله يُريد منك  التواضع والنية، أي نية الاستهداء، أن تطلب الهداية حقيقةً، في هذه الحالة الله لن يُضِلك، الله سيقودك – بإذن الله – قوداً حميداً إلى الهداية،  ومن هنا  الهادي هو الله وليس محمداً، محمد يهدي هداية دلالة، أما هداية التوفيق وهداية الإذعان الداخلي والرضا بالحق بيد الله وحده لا إله إلا هو، فاللهم اهدنا فيمَن هديت ولا تجعلنا من طائفة الضالين المُضِلين المُزوَرين الناكبين عن الحق بقدرتك ولطفك يا كريم، يا عفو، يا رب العالمين.

النية إذن، ولذلك لو أرادوا الهداية لأسمعهم الله – تبارك وتعالى – ولهداهم، وهذا كان أولاً، ثانياً إذا كان في الإمكان أن تتخفَّف أو أن تهرب يا سيدي وأن تلوذ بالفرار من كل العوامل التي تُمثِّل وتُشكِّل قيداً في يديك ورجليك من مُطالعَة وجه الحق والحقيقة  وتقويم أدلتها فعليك أن تأخذ بهذا، أنت مُكلَّف بهذا لأنه ضمن التكليف وضمن الوسع، والمسألة نجاة أبد أو هلاك أبد، المسألة خطيرة  جداً، المسألة لا تتعلَّق بصفقة بألف يورو أو ألفين يورو، المسألة تتعلَّق بأن تعرف الحق وأن تُميِّزه من الباطل، ولذلك قال الله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۩، تستطيع أن تُهاجِر، أنت هنا مُضطَهد في بلد ما يُضطَهد  فيها أهل الدين وأهل الحق – الباحثون عن الحقيقة يُضطَهدون ويُعذَّبون ويُقتَلون ويُسجَنون ويُضيَّق عليهم في أرزاقهم وفي كل شيئ ويفقدون الأمن – فالله قال لك أرض الله واسعة، اذهب واطلب الأمن في بلد آخر وابحث  عن الدين الحق ومارس دينك الحق، إن كنت اهتديت إليه وتستخفي به أو تستحي منه أو تخاف من إظهاره  فاذهب إلى بلد آخر، فهذا في الطوق، هذا في الإمكان، أنت غير معذور، هذا تكليف بشيئ مُمكِن وأنت تُدرِكه وتعي به، ولذلك ماذا قال الله في نفس الآية؟ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۩، ثم استثنى في الآية التالية فقال إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ۩، أرأيت؟ هؤلاء ليس في إمكانهم أن يُهاجِروا، هذا ليس في إمكان شيخ كبير مُتهدِّم على شفير قبره كما يُقال أو امرأة ضعيفة مُستوحِشة أو طفل صغير لا حول له، قال الله إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۩ ثم قال فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ۩، وكل عسى ولعل من الله  – إن شاء الله – مُحتَّمة كما قال ابن عباس، الله كريم عفو،  وهكذا الله سيُعامِلنا وهذا مُنتهى إدراك المشروطية،  واضح وأن هناك إدراكاً قرآنياً طبعاً وأن هناك اعتباراً أيضاً للمشروطية، إذن التجربة التي أُحِب أن أُفضي بها إليكم كالتالي، نحن نختار عالمنا من بين عوالم مُتعدِّدة، العالم الفكري والعالم العقدي والعالم الشعوري والعالم الانفعالي  وإلى آخره، هناك عوامل كثيرة، أحد الباحثين البلطيقيين اقترح مُستخدِماً المُصطلَح الألماني أن هناك العالم الخاص بكَ أنت وهو مُفصَّل على قد شخصك، قال سوف نُسميه الـ Umwelt، بالألمانية يُقال Umwelt، بالإنجليزية يُقال Environment – مثلاً – أو Surrounding أو World, فقال سوف نُسميه Umwelt،  بالإنجليزية يقولون Thought umwelt، هذا عالم فكرك أنت، لكن ليس بالضروة أن يتطابق عالم فكري مع الواقع الأكبر Bigger reality، من المُؤكَّد أنني أنا أدرك هذا ولو حسياً، إن شاء الله في خُطبة ربما تكون قريبة سوف أُحدِّثكم عن عجائب إدراك العالم حسياً وخاصة ضمن حاسة البصر ومن ثم سوف تندهشون، شيئ عجيب جداً جداً، ثلث الدماغ الإنساني مُخصَّص للإبصار،  ونحن نظن أننا نُبِصر العالم ببساطة، نظن أن هناك قطعاً – Bites – مأخوذة من الواقع نُعيد تركيبها ونُدرِك، لكن هذا غير صحيح بالمرة، هناك أشياء من الواقع وهناك توقعات – Expectations – الدماغ، التوقعات التي في الدماغ تفعل فيها   الثقافة أيضاً والتعليم الفعل الأكبر، ولذلك أنا أقول لك ما تراه أنت من العالم هو ما  يبنيه وعيك، لا ما يُعطيك إياه العالم، وسوف ترى تجارب مُذهِلة مُحيّرة، قد يكون الشيئ أمامك ولا تراه، ولعلنا نقدر على أن نُقدِّم  مُقارَبة علمية على الخط وعلى الطريق  بسيطة، هذه المُقارَبة يُمكِن لها أن تقرِّب لنا كيف يُوجَد في أولياء ومن قبل كان يُوجَد أنبياء طبعاً يرون أشياء نحن لا نراها، هناك أولياء يقدرون على رؤية الملائكة والجان، وأحياناً  بصراحة يُخبِرون عن أشياء بطريقة مُعيَّنة تقريباً ليس لها أي تفسير إلا أنهم فعلاً يلتقون بكائنات أخرى، تأتيهم بأشياء وهم يجلسون فتُخبِرهم بأشياء عجيبة، ما الذي يحدث؟ لماذا يرى هو؟ هل هو مجنون أما أنا المجنون؟ التوقعات المبنية في دماغه بحسب تربيته الصوفية والروحانية وما إلى ذلك تسمح له أن يلتقط  هذه الأشياء، هى موجود لكن أنت لا تلتقطها، أحد علماء الأعصاب الكبار عالمياً على الإطلاق  في العالم – كتبه تُترجَم إلى عشرات اللغات في العالم وهو عالم أمريكي – قال في كل ثانية المخ الخاص بك يستقبل أربعمائة مليار معلومة أو مُعطى أو وحدة معلومة في النهاية، فكم يُعالِج من الأربعمائة مليار؟ هل يُعالِج ألفين؟ يا سيدي سنفترض أنه يُعالِج اثنين مليون من الأربعمائة مليار، لكن أين يذهب الباقي؟ هذا يعني أن هذا الواقع الحسي – Sensory – كم هو غني؟ هو غني أكثر مما تتخيَّل، وكم إدراكنا الحسي – Sensory perception – فقير لهذا الواقع؟ هو أفقر مما تتخيَّل، قال الله فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ۩ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ۩، نُريد أن نعمل نقلة بسيطة أيضاً فنقول إدراكك المعنوي للواقع وللعالم وللحقائق أفقر مما تتخيَّل، ما رأيك؟ هو أفقر مما تتخيَّل، إدراكك لما عند الآخرين أفقر مما تتخيَّل، إدراكك لغنى أو لبعض غنى ما عند الأخرين أكبر مما تتخيَّل، وأنت تظن العكس وتتبجَّح وتقول أنا  عندي أنا الحق المُطلَق، أنتلا تفهم شيئاً أنت لأنك فقير جداً جداً، لذلك عندك الـ Thought umwelt وعندك الـ Bigger reality أيضاً، هذا ماذا أسموه؟ أسموه Thought Umgebung بالألمانية، أي محيط الفكر، إذن هناك بيئة فكري وهناك محيط الفكر الذي هو أوسع بكثير، فيبدو أن كل منا يعيش في حدود جزيرة  ضئيلة صغيرة جداً لعلها تكون بحجم هذا المسجد  في محيط أعظم من المحيط الأطلنطي أو المحيط  الهادي ويظن أنه يعيش العالم بالطول وبالعرض وهو لا يعرف شيئاً، إذن إذا أردنا أن نتوسَّع قليلاً ونعيش في أكثر من جزيرة أو نُوسِّع مديات هذه الجزيرة ،علينا أن نتعاطى مع الآخرين بتواضع وأن نتفَّهم الآخرين عبر إدراك مشروطية الآخرين حتى نتواضع فنطلع على ما عند الآخرين ونُحسِن الاستماع إلى ما عند الآخرين.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ولا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

ـــــــــــــ
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (10/10/2014)

 

(الوسوم)
المشروطية، الإيمان، الكفر، نيتشه، الأسماء، المذاهب، الطوائف، العصبية، الحق، الإنسانية، الأعصاب، الدماغ، الأحكام.

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

تعليقات 5

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: