أدب الإختلاف

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۩ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ۩ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

ما من شكٍ أن هناك مُشكِلة فيما يتعلَّقُ بموقفنا من اختلافاتنا العلمية – الحديثُ يتصل ويتواصل عن الاختلافات العلمية وليس السياسية أو غير ذلك، فما من شك أن هناك مُشكِلةً – ولا أود أن أقول أزمةً تُنذِر بابتعاد الحل وغيابه وإنما مُشكِلة، فهناك مُشكِلة حقيقية، ولا يُمكِن أن نكذب عن أنفسنا أو نُخادِعها بالزعم أنه ما من مُشكِلة وأن الوضع طبيعي، هو ليس طبيعياً بالمرة من جهاتٍ كثيرة، ليس طبيعياً أن يتصدَّر مَن لا يُحسِن، مَن قرأ حرفاً أو حرفين أو سمع شيئاً أو شيئين ثم هو يزعم أنه أصبح من أهل الإفتاء والقول في دين الله، فهذه فوضى، حتى من الذين تحصَّلوا على شهادات ورقية فانتبهوا، هناك مَن يتحصَّل على شهادات بعد أربع سنوات أو خمس سنوات من الدراسة وبعد أن دخل بمجموع خمسين أو ستين في المائة في الثانوي، ثم دخل وتحصَّل على شهادة شرعية كما يزعم، وهو يكذب على نفسه أولاً طبعاً أنه من العلماء وهو يعرف مدى تحصيله ومدى رسوخ قدمه في العلم والعلوم والفنون، يعرف هذا ولكن للأسف الشديد يتكلَّم في الدين، رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تُوفيَ عن عشرات الآلاف من الصحابة وقيل مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، فكم من هؤلاء الألوف بلغت عدة أولائك الذين تصدَّوا للفتوى؟ دون المائتين، أصحاب الفُتية أو الفتوى من أصحاب رسول الله – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – دون المائتين فقط، وللإمام الحافظ ابن حزم – رحمة الله عليه – رسالة لطيفة في هذا الباب عن أصحاب الفُتية من الصحابة – رضيَ الله عنهم – الذين هم دون المائتين، لأنهم يعلمون أن هذا أمرٌ شاقٌ وعسيرٌ وكبيرٌ وتعظم فيه المسئولية بين يدي الله – تبارك وتعالى – غداً، فلماذا يُهلِك الإنسان نفسه؟ والمُكثِرون منهم سبعة، ليسوا سبعين أو سبعمائة أبداً، فكلهم دون المائتين والمُكثِرون من المائتين سبعة وهم عليٌّ وعمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأم المُؤمِنين عائشة وعبد الله بن مسعود، أي سبعة فقط، وإلى أربعة منهم تناهى علم الأقطار والأمصار، وهذا معروف في الكوفة وفي مكة وفي المدينة ولا نُحِب أن نُسهِب في هذا فهو معلوم لمَن درس تاريخ التشريع، وعلى كل حال هكذا كانوا، وكانوا يتحامون الفُتية أو الفتوى في دين الله، تعرض لأحدهم مسألةٌ فيُحيلها على أخيه، ويُحيلها ذاك إلى الآخر وهكذا حتى تعود وربما عادت إلى الأول منهم، لأنهم يتحامون هذا فهم لا يُريدون أن يهلكوا وأن يتحمَّلوا هذه المسئولية، فكيف إذا تعلَّق الأمر بالإفتاء في مصائر العلماء؟ يُقال هذا عالم كبير وهذا عالم صغير وهذا مُبتدِع هالك وهذا زنديق وهذا كافر وهذا ضد أهل السُنة والجماعة وهذا ضد الإسلام وهذا ضد الأمة وضد خط الأمة وهذا احذروه وهذا حاربوه وهذا كفِّروه، شيئ مُخيفٌ جداً، أين نحن وأين هم من الحديث القدسي الرباني الجليل الذي يرويه أنس وأبو هريرة وهو مُخرَّج في مُسنَد أحمد وفي صحيح البخاري وهو من أفراد البخاري الذي يقول الله – تبارك وتعالى – فيه مَن عادى لي ولياً فقد بارزته بالمُحارَبة؟ أنت في حرب مع الله، قال الشافعي ومَن أولياء الله إن لم يكونوا هم العلماء؟ فالعلماء المُجاهِدون العاملون أولياء الله، الناس يعيشون في شهواتهم ويأخذون أخذاتهم ويتقيَّلون ما يُريدون وأحياناً لا يلوون على شيئ إلا على ما يُحقِّق رغبتهم وشهوتهم – نعم ويصلون ويصومون والله يغفر ويستر على الجميع ويتولى الجميع بفضله – ولكن العلماء في ذكر وفي خير وفي نور، يعيشون مع الله ورسوله على مدار الساعات كلها تقريباً، لم تنصب الحرب لهؤلاء بالذات؟ هل هؤلاء هم حربك؟ هل هؤلاء هم أعداؤك؟ هذا شيئٌ عجيبٌ جداً، قال الله في الحديث القدسي مَن عادى لي ولياً فقد بارزته بالمُحارَبة، قال الهيثميُ ولا يُفلِحُ أبداً مَن بارزه الله بالمُحارَبة، وقال السادة العلماء والشرّاح والمُفسِّرون ولم يُؤذِن الله ولم يُعلِم – أي أن الله لم يُعلِمنا – أنه يُبارِز أحداً بالمُحارَبة إلا صنفين من الناس، الحرب الأولى على أكلة الربا، قال الله فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۩ والعياذ بالله، وانظروا الآن إلى الربا الذي خرَّب العالم وخرَّب نظام العالم، خرَّب اجتماع العالم وخرَّب الدنيا، خراب الدنيا فعلاً كما قال المُؤرِّخ المصري العظيم حسين مُؤنِس طيَّب الله ذكراه وثراه، فهو له كتاب لطيف في الربا إسمه “خراب الدنيا” لأنه هكذا خرَّبها، ولذلك هذه حرب الله، قال الله فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ۩، فهذه حرب الله، خرَّب عليهم عيشهم ودمَّر اقتصادهم ودمَّر استقرارهم، والحرب الثانية التي أعلمنا الله بها هى – والعياذ بالله – حربه على مَن عادى أولياءه، فالعلماء قالوا هذا ولا نحفظ ثالثاً، وإلا أين القسم الثالث؟ غير موجود، الله أعلم بأنه يُحارِب صنفين من الناس “أعداء العلماء أو أعداء الأولياء وأكلة الربا أوالمُرابين” والعياذ بالله تبارك وتعالى، فلينظر امرؤٌ لنفسه!

أيها الإخوة:

هناك مَن أراد أن يتكلَّم في العلم ومسائل العلم فضلاً عن أن يتكلَّم في العلماء وأحوالهم ومقاماتهم وحيثياتهم فضلاً عن مصائرهم وهذا من مُختَصات الله، فلا يستطيعُ أحد أن يتكلَّم في مصير أحد أبداً، رب العالمين وحده هو الذي يقطع بالمصائر، وكان من قول علماء الجرح والتعديل في القديم إننا لنتكلَّمُ في أقوامٍ ولعلهم حطوا برحالهم في الجنة قبل مائتي سنة، فالعالم يعلم ويتكلَّم بعلم وينبغي أن يتكلَّم بعلم، ولكن يعلم أن هذا الذي نتكلَّم فيه وربما جرَّحناه ببعض الأمور قد يكون عند الله من المقبولين وقد يكون من أهل الجنة الآن وهو في نعيم الله، فهم يفصلون بين هذا وهذا، ليس معنى أن يُخطيء العالم أنه لم يعد عالماً، ومَن الذي لا يُخطيء؟ مَن المعصوم إلا المعصوم؟ كل عالم يُخطيء وكل مُجتهِد يُخطيء، ما مِن أحد إلا وسُجِّلَت عليه هفوات وأخطاء وأُخِذَت عليه أخذات، وهذا شيئ طبيعي وبدهي، ولكن نحن – أتكلَّم عن المسلمين بعامة والعرب بخاصة – انفعاليون وهذه مُشكِلتنا، نحن إلا مَن رحم الله نفتقر إلى النضج – إلى النضج الانفعالي – ولذا حُبنا كلف وبُغضنا تلف، فهذه هى المسألة في جزء جوهري منها، إذا أحببنا نُحِب جنون، لا نُحِب هوناً ما كما أشردنا النبي وصحَّحه أبو الفيض الغُماري، قال رسول الله أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، والعكس صحيح، أي وأبغض بغيضك هون ما عسى أن يكون حبيبك يوم ما، لكن نحن لا نتقيل هذه الخُطة الراشدة المُصطفوية النبوية وإنما حُبنا كلف وبُغضنا تلف والعياذ بالله، حرب عوان ضروس، فلماذا؟ لماذا لا نكون مُقتصِدين كأسلافنا الصالحين الذين نزعم أننا نعتزي بالانتساب إليهم أو نتعزَّى بالانتساب إليهم؟ هم لم يكونوا هكذا أبداً وإنما كانوا ناضجين وكانوا ذوي وزن حقيقي، يأخذون أشياء ويعترفون بأشياء، يقولون بالعدل والإنصاف، فكيف إذا خرج الأمرُ إلى البهت الصُراح والكذاب الوقاح حيث يُبهَت المُؤمِن؟ قال الله وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا – والعياذ بالله هذا البهتان – وَإِثْمًا مُّبِينًا ۩، أي إثم مُبين عظيم غليظ والعياذ بالله، وفي الحديث الصحيح مَن قال في أخيه المُؤمِن – أو المسلم – كلمة – أو بكلمة – ليشنأه بها – يُحب أن يُخفِّض من مقامه مثلاً أو يُحِب أن يُحرِّض عليه بكلمة – حبسه الله يوم القيامةِ في ردغة الخبال، لكن أتعلمون وتعلمن ما هى ردغة الخبال؟ كلما فكَّرت في هذا الموضوع أقول أين الإيمان؟ ما مُشكِلة الناس؟ هل ديننا وإسلامنا كلام وصلوات وحجاب ولحى؟ ما مُشكِلتنا؟ أين الإيمان بالله؟ أُقسِم بالله هذا الحديث يُصدِّع قلب كل مَن عنده ذرة من إيمان والله العظيم، والله لن تُوقِن من إيمانك ويقينك إلا أن تغضب حين يُبهَت عدوك قبل أن يُبهَت حبيبك، وإلا لست مُؤمِناً، لست صادقاً في إيمانك، المُؤمِن التقي يأبى أن يُبهَت عدوه، فهو لا يرضى بالبهت ولا يرضى بالظلم بل ويغضب لأنه رجلٌ حُر، يرفض الظلم من حيث أتى، فالظلم مرفوض أصلاً، ليس ظلم أودائه وأحبائه فقط بل حتى ظلم الذين نصبوا العداء له، فأنا أرفضه وينبغي أن أرد عن أعراضهم لأن الله يُحِب الإنصاف، قال الله وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ ۩، هذه هى التقوى، فهى مع عدوك قبل حبيبك، ولكن أين هذا؟ لا نكاد نراه، أين أصحابه؟ أين أهل نعته؟ كدنا – والله – لا نراهم إلا في كتاب أو تحت التراب كما قيل، والله المُستعان على هذه الحالة، وعلى كل حال لابد من الإنصاف والبعد عن البهت، ولذلك رأيت في مواقع كثيرةً تنتسب إلى طائفة مُعيَّنة – نسأل الله لنا ولهم التسديد والهداية – يُقال القرضاوي عميل الأمة الذي يزعم أنه مُعادٍ للصهيونية، كيف يُقال أن القرضاوي يزعم؟ أنا أقول لكم هو أكبر شيخ في العالم الإسلامي مُعادي للصهيونية، وهذا معروف وأنتم تعرفون هذا، هذا مطلوب رأسه، هم طلبوا رأسه والآن لا يرضى عنه لا الشيعة ولا السلفيون الوهابيون ولا فلان ولا علان، شيئ غريب، لا يُوجَد إنصاف، فما مُشكِلة هؤلاء الناس مع علمائنا؟ ما المُشكِلة؟ وطبعاً صوَّروه بين رجلين من الحاخامات – وأنا رأيتُ هذا والجزيرة بثَّت الخبر Live – وقيل الشيخ العلّامة القرضاوي يستقبل فلاناً وفلاناً من الحاخامات، لكن هؤلاء حاخامات من جامعات مُعادية لإسرائيل والصهيونية مثل ناطوري

أعضاء من طائفة ناطوري كارتا في مظاهرة ضد مهاجمة وتجويع الشعب الفلسطيني
أعضاء من طائفة ناطوري كارتا في مظاهرة ضد مهاجمة وتجويع الشعب الفلسطيني

كارتا Neturei Karta وغيرها، فطبعاً يُقابِلهم القرضاوي ونحن نُقابِلهم وأي إنسان يُسعِده أن يتعاون مع هؤلاء لأنهم حاخامات يتكلَّمون بإسم التوراة ويقولون هذه دولة ملعونة وعليها أن تُدمَّر، ولكي تُنقَذ اليهودية لابد من دمار إسرائيل، وهذا كلام لا يقوله مسلم الآن ويُتهَم بأنه مُعادٍ للسامية ومع ذلك يقوله حاخامات، والقرضاوي استقبلهم وسُرَّ بهم، فما المُشكِلة؟ لكن طبعاً لا يُقال هذ، يُقال أن الصورة تتكلَّم، القرضاوي بين حاخامين فالقرضاوي من رجال أو من فئة أو من طابو خامس مُؤيِّد لإسرائيل وللصهيونية، فحرام عليكم، اتقوا الله، إيران كانت تحتفي بالقرضاوي – وأنا لست محسوباً ضد إيران في يوم من الأيام حقيقةً، أنا اُحِب الإسلام وأُحِب عز الإسلام، فالإسلام عندي أوسع من كل هذا وقلت هذا ولا أزال أقوله وأسأل الله أن أموت عليه، فالإسلام عندي أوسع من السُنة والشيعة وهذا لا يُرضي السُنة ولا يُرضي الشيعة، لكن هذا لا يعنيني، أسأل الله أن يرضي ربي تبارك وتعالى، وهو يُرضي ضميري، يُرضي ضميري العلمي والديني، لأن الإسلام أوسع من الشيعة وأوسع من السُنة، الإسلام هو القرآن، والقرآن ليس شيعياً وليس سُنياً، القرآن ربانيٌ وهو مُتاح للجميع أن يدرسه وأن يتفكَّر فيه وأن يُفسِّره وأن يُؤوِّله إذا كان من أهل ذلكم، ونسأل الله أن يجعلنا ويجعلكم من أهل الأهلية لذلكم، فهذا هو فقط – وبموقفه الجيد، والسلفيون كانوا يلعنونه

صورة تجمع الشيخ يوسف القرضاوي مع حاخامات يهود من حركة ناطوري كارتا
صورة تجمع الشيخ يوسف القرضاوي مع حاخامات يهود من حركة ناطوري كارتا

ويُكفِّرونه وينعتونه بأقذع الأوصاف ويتهمونه بأنه مُوالٍ للشيعة، لماذا؟ لأنه كان ضد تفجيرات الزرقاوي في الشيعة في العراق، وأكثر من مرة ندَّد بهذا كما كنت أُندِّد أنا، فهو ندَّد بهذا أكثر من مرة بشكل واضح وهذا موجود ومُوثَّق ، ويوم استُشهِد الحكيم – باقر الحكيم رحمة الله عليه – قال أخونا الشهيد فغضب السلفيون غضبة مُضرية وقالوا كيف تقول عنه أنه أخوك؟ نعم هو أخوه، كيف ليس بأخٍ له؟ هو أخٌ له في الدين، أخٌ له في الإسلام، أخٌ في التوحيد، فنحن أتباع محمد، نحن أهل “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، لكنهم غضبوا منه، ويوم رأى القرضاوي باجتهاده – وقد يكون أصاب وقد يكون أخطأ – أن للأسف مواقع شيعيةً كثيرة وكثيرة جداً ومرجعيات شيعية أيضاً هنا وهناك تنال من أصحاب رسول الله وتنال من بعض أُمهات المُؤمِنين بشكل وقح جداً جداً جداً وغير مُؤدَّب وغير علمي ولا يخدم قضية توحيد المسلمين وتأليف قلوبهم غضب الرجل وقال أنا قلت لهم في إيران من أول يوم – قلت لهم هذا ويشهد علىّ آية الله التسخيري ثلاثة خطوط حُمر لدينا لا نتسامح فيها، فما هى؟ قال مسألة التحريف، فنخن لا نحتمل أن يُقال القرآن مُحرَّف أو ناقص، فقالوا نحن لا نقول بهذا ونحن ضد هذا، فقلنا على بركة الله، والمسألة الثانية هى مسألة الصحابة وأُمهات المُؤمِنين، أي الطعن في الصحابة وأُمهات المُؤمِنين، فقال لهم هذا يُثير عليكم السُنة، ومُعظم الإسلام سُني اليوم، غمُعظم المسلمين هم سُنة وهذا معروف ولا يُكابِر فيه مُكابِر، إذن لماذا؟ نحن لا نحتمل هذا، فنحن نُقدِّر هؤلاء القوم، والمسألة الثالثة هى مسألة التبشير ومسألة تشييع السُنيين، قال المسألة في نظري حمقاء، وهى فعلاً غير حكيمة، كم ستكسب أنت؟ في مصر ثمانين مليون، فكم شيَّعوا منهم؟ هل شيَّعوا ألفاً أو ألفين أو عشرين ألفاً؟ لم يُشيِّعوا عشرين ألفاً، لكنهم خسروا ثمانين مليوناً من المسلمين لأنك بهذه الطريقة استعديتهم ضدك، فقال له التسخيري ما تقوله عين الحكمة يا دكتور القرضاوي، وهذا صحيح، فنحن لسنا مع التشييع، ثم قال وجدنا أنهم لم يفوا بهذه الشروط، فالتشييع مُستمِر بطريقةٍ أو بأُخرى، ولكن ليس كما يعتقد القرضاوي حقيقةً فهو بالغ وأنا أعترف بهذا، وردَّ عليه تلاميذه وإخوانه وأحبابه كالدكتور العوا – بارك الله فيه – وقال هذا مُبالَغ، فمعلوماتك غير دقيقة وغير صحيحة، وهنا قد يكون أخطأ وطبيعي أن يُخطيء، لم لا يُخطيء؟ ولكن موضوع سب الصحابة هذا موجود، ادخلوا على النت Net لأن للأسف الشديد يُوجَد هذا، والله تتأذى – أُقسِم بالله العظيم – أذىً بالغاً جداً جداً جداً، يُوجَد كلام وقح وغير مقبول، فلماذا يا أخي؟ في صالح مَن هذا؟ ليس في صالحنا، أعينونا وأعينوا أمثالنا من المُعتدِلين على أن نُصلِح ذات البين وعلى أن نُؤلِّف بين قلوب السُنة والشيعة وعلى أن نُفهِم الناس أن الجميع مسلمون – إن شاء الله – وتشملهم دائرة الإسلام، أعينونا على هذا أعانكم الله على كل خير، وعلى كل حال غضبت جداً منه إيران للأسف، وبعض المواقع – يُقال أنها رسمية وقيل أنها ليست رسمية في إيران – اتهمته بأنه صهيوني، يا أخي ما هذا؟ هذا عيب، ليس هذا أسلوباً مقبولاً في رد الفعل، هل الآن أصبح صهيونياً الرجل؟ هو أكبر مُعادٍ لإسرائيل، الرجل إلى اليوم يُفتي بالعمليات الاستشهادية، وهذا لم يعد العالم الآن يقبله لكنه يُفتي به ويقول هذا مسموح به لكي نثأر لأنفسنا، فالقرضاوي يقولها بالفم الملآن ويتحمَّل المسئولية، وسمعتم ماذا جرى لإسلام أون لاين IslamOnline وهو أنشط موقع إسلامي في العالم تقريباً، لا أعرف كم عدد زواره في اليوم تحديداً، لكن الملايين يزورونه يومياً لأنه من أنشط موقع، لكن هذا الموقع خُصيَ الآن وفُرِّغ بالكامل ونُقِل من مصر وتم الاستغناء عن الكادر Cadre تقريباً وحتى القرضاوي جاءته رسالة تقول استُغنيَ عنك كرئيس شرفي للمُؤسَّسة المسئولة عن إسلام أون لاينIslamOnline، وهذا أحزننا جداً، فلماذا؟ هل هذا جزاء الرجل؟ حتى قطر قلبت له ظهر المجن وهو عنده علاقة طيبة مع أمير قطر، فلماذا إذن؟ أنا أقول لكم أن هذا بسبب ضغط، هناك ضغوط خارجية تُمارَس، وإسلام أون لاينIslamOnline يُحرِّض على إسرائيل وهذا واضح، فإسلام أون لاينIslamOnline يتبنى قضايا الأمة هنا وهناك وخاصة في فلسطين، وهذا يُزعِجهم جداً جداً جداً، إسلام أون لاين IslamOnline ارتقى بمُستوى الشباب والفكر إلى أُفق عالِ وشريف من الاعتدال والوعي وبُعد النظرة الاستراتيجية، وهذا غير مُراد، فتم الآن إفراغه بالكمال تقريباً وأصبح موقعاً أقل من عادي، وتم الاستغناء عن القرضاوي للأسف ولم يعد الرجل مرضياً لا هنا ولا هناك، لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، وأنا نفسي – والله العظيم – كان لي تحفظات على موقفه من موضوع إيران والشيعة ومثل هذا الكلام لأنه في غير وقته وخاصة بعد الانتصار الساحق المُدوّي الذي منَّ الله علينا به في الجنوب اللبناني العظيم لكن هو أطلق بعض التصريحات وأنا كنت مُنتقِداً لهذا، لأن الله يُحِب الحق والإنصاف، ولكن بعد أن سمعته في لقائه المُتلفَّز يقول لكن هذا لا يمنعنا أن نُدافِع عن إخوتنا في إيران أبكاني والله العظيم، ثم قال لو غُزيَت إيران فلابد أن يدفع عنها – وأنا أول هؤلاء – المسلمون جميعاً بالنفس والنفيس، فأبكاني هذا – والله العظيم – وقلت الرجل مُنصِف، الرجل عاقل وقد يكون أخطأ في بعض التصريحات وفي بعض الاجتهادات وهذا شيئ طبيعي وعلينا أن نفهم هذا، وأقول من جهة أُخرى لإخواننا السلفيين وغير السلفيين نفس الشيئ، إن رأيتموه أخطأ في بعض الاجتهادات فطبيعي أن يُخطيء العالم والمُجتهِد، ما المُشكِلة؟ ولكن قبل أن نُخطِّيء وقبل أن نُكبِّر الكلام ونجعل الحبة قُبة كما يُقال علينا أن نكون مُتأهِّلين، فليس كل أحد يتكلَّم، اتركوا الأمر لمَن يُحسِنه، لا يُمكِن أن يأتي أحدهم من الشارع كما يُقال ويتكلَّم في العلماء، ما هذايا حبيبي؟ ما هى قضيتك؟ هل تأتي الشارع ثم تتكلَّم في العلماء؟ أنت لا تعرف شيئاً، اترك هذا للعلماء الأثبات حتى ولو كنت تحمل شهادة وإسمك أستاذ دكتور فأنت تعرف نفسك، فهل أنت عالم أم أستاذ دكتور؟ يُوجَد فرق بين عالم وأستاذ دكتور، فهؤلاء نسمعهم كثيراً – الحمد لله – ونسأل الله أن يشفينا من كُبادنا، لقد كبَّدونا والله العظيم، نقرأ لهم ونسمع لهم – لبعض هؤلاء الأساتذة الدكاترة – الشيئ الفظيع، يُسيئون أكثر مما يُحسِنون ويُخطئون أكثر مما يُصيبون في كلامهم ومعلوماتهم وتفسيراتهم، وهذا شيئ على الغثيان – والله العظيم – للأسف الشديد، ولكن إذا كات أستاذاً دكتوراً ماذا تفعل؟ يُصدِّق الناس أنه عالم، وهذا غير صحيح، فلابد أن يكون مُتأهِّلاً!

يُوجَد حديث للإمام أبي داود في الرجل الذي شُجَّ فأصبح جُنباً فاستفتى مَن معه من الصحابة – أصحاب رسول الله – فأفتاه بعضهم وقال عليك أن تغتسل حتى ولو أنت مشجوج، فاغتسل فمات الرجل، تمادى به الجُرح فمات، فلما بلغ الخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غضب النبي وقال قتلوه قتلهم الله – أي أن النبي دعا عليهم وقال قتلهم الله – هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ أي أنتم جهلة فكيف تفتون في الدين بجهل؟فالنبي قال هذا، فإذن لماذا دعا ولم يقل مأجورون بأجرٍ واحد؟ وطبعاً جعلناها هذه شعار، مَن الذي يُؤجَر بأجرٍ واحد؟ المُجتهَد صاحب الأهلية مِن أهله وفي محله كما يقولون، فالاجتهاد من أهله وفي محله، لا يُمكِن لأحد من عُرض الناس أن يجتهد ويقول لك اجتهدت يا أخي حتى لو أخطأت، لقد قتلت الرجل فكيف تقول لي أجر؟ لك – والعياذ بالله – عذابٌ أليم، النبي قال قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، أيما الذي يشفي الإنسان من جهله – والعياذ بالله – ومن حماقته ومن عيه؟ السؤال، فاسأل وتعلَّم إذن، قال ابن تيمية – رحمة الله عليه – وغيره لأنهم اجتهدوا وليسوا بأهلٍ للاجتهاد، أي أنه قال هم أفتوا بهذا عن جهل وتكلَّموا عن جهل فالنبي دعا عليهم، ومن ثم يجب أن ننتبه إلى أنه لابد من الأهلية، قال الله تعالى وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أصحاب الاختصاص – لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ ۩، وقال أيضاً فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۩، فالله قال أَهْلَ الذِّكْرِ ۩ لكي نسألهم ولم يقل فاسألوا إن كنتم لا تعلمون، وإلا أسأل مَن؟ هل أسأل كل مَن هبَّ ودبَّ؟ هل أسأل كل مَن نصب نفسه مُفتياً ومُتكلِّماً في الدين ومُفكِّراً إسلامياً وفيلسوف المرحلة؟ لا بالطبع وإنما أسأل أهل الذكر المشهود لهم من ذوي الأقدام الراسخة والمقامات العالية الباذخة، فهذا هو معنى قوله فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۩ وهو القائل أيضاً وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ ۩، فبعض الناس عنده قدرة وأهلية ولياقة وصلاحية أن يستنبط الحُكم ويستنبط حقيقة حتى الخبر العادي في شؤون الاجتماع والسياسة والعسكر مثل بعض الناس المُتخصِّصين، لذا قال فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۩، وقال أيضاً أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ۩، وقوله الْأَمْنِ ۩ إشارة إلى حالة السلم، أي الأحوال العادية، الاجتماعية والمدنية والاقتصادية وما إلى ذلك، أما قوله أَوِ الْخَوْفِ ۩ فإشارة إلى حالة الحرب، شيئ يتعلَّق بالعسكر وبالجنود وبالحرب وما إلى ذلك، فاسأل المُختَصين لأنهم يعرفون الحقيقة، لا تأخذ شيئاً وتطير به كما طار هؤلاء بصورة القرضاوي مع الحاخامات وقالوا هل رأيتم رجل الحاخامات؟ هو يدّعي أنه ضد إسرائيل وهو ليس كذلك، فما هذا؟ انتظر إذن أن تُحبَس في ردغة الخبال، قال رسول الله مَن قال في أخيه المسلم بكلمة ليشنأه بها حبسه الله يوم القيامة في ردغة الخبال، وردغة الخبال عُصارة أهل النار، القيح والصديد الذي يسيل منهم تتبرَّك به برك وتتكوَّن به برك كبيرة في جهنم تغلي وتفور وسوف يُحبَس فيها الباهت المُفتري، فكيف تفتري إذن؟ علماً بأن هذا ليس في حق العلماء فحسب – في حق العلماء أغلظ وأفطع – ولكنه حتى في حق أخيك المسلم العادي أياً كان، فإياك أن تتكلَّم بهذا، علماً بأنكمُتورِّط في الحالتين، لكن ما هما هاتان الحالتان؟ قال رسول الله حبسه الله في ردغة الخبال أو يأتي بالمخرج أو بخراج ما قال، فبرّهِن إذن ما قلت في أخيك، برّهِن أنه مُتصهِين ولذا وقف مع الحاخامات، برّهِن هذا أو تبقى في ردغة الخبال.

صرت على يقين أن كثيراً من الناس – لا أقول مُعظَم الناس – يأخذون الدين هزواً ولعباً، لا يُوجَد خوف حقيقي من الله – تبارك وتعالى – ولا تُوجَد في خشية حقيقية من رب العزة عز وجل، مُجرَّد كلام، دين كلام وتذاويق وزخارف، لكن – والله العظيم – لن ينفعك لا شيخك ولا أستاذك ولا عصابتك ولا جماعتك ولا طائفتك ولا الألوف المُؤلَّفة الذين حولك مِمَن تُسعِدهم بهذا الكلام الفارغ، والله العظيم لن ينفعوك وستندم أعظم الندم، فأنت – كما قلت – في ورطة في كلتا حالتيك، لكن ما هما هاتان الحالتان اللتان يتورَّط فيهما وبهما المُؤمِن؟ أن تسمع عن شخص شيئاً لأن لا يكفي عند الله هذا، هذه مُصيبة كبيرة، وقد سُئل الإمام عليّ – عليه السلام – عن الفرق بين الحق والباطل -واسمعوا الجواب العجيب الذي لا يفوه به إلا مثله – فقال الفرق بين الحق والباطل أربعةُ أصابع، كيف أربعة أصابع؟ هذا فرق مساحة، لكنه قال هكذا واضعاً كف يده على وجهه، الحق ما رأيت، الباطل ما سمعت، والرسول يقول بئس مطية الرجل زعموا، أي يقولون ويُقال ومُنتشِر في البلد ومُنتشِر في النت Net وما إلى ذلك، قبَّح الله مثل هذا النت Net – مثل هذا النت Net فقط طبعاً – أيضاً، نت Net الإفتراء والبهت وقلة الأدب والسخافات، قبَّح الله مثل هذا والله، وهو ما أصبح قبيحاً إلا بالقبيحين الذين يعمرونه بقباحاتهم، وعلى كل حال قال الإمام عليّ أربعةُ أصابع، الحق ما رأيت، الباطل ما سمعت، أي يقولون وقالوا وسمعنا وما إلى ذلك، فإذا قلت هذا سوف تُحبَس في ردغة الخبال، انتظر إلى الغد أو بعد الغد فسوف تموت وترى ما فعلت بنفسك، فانتبه وفتِّح عينيك جيداً ولا تلعب، لا تلعب بنفسك يا رجل ولا تلعب بمصيرك، فإذن هذا الفرق بين الحق والباطل، والنبي قال على مثل الشمس فاشهد، لم يقل فافضح، فانتبهوا إلى هذا، واعذروني فيما سأقول، فهذا واضح جداً جداً جداً ولكن بعض الناس لا يفقه هذا، أي بعض الناس من الأبعدين لا يفقهون هذا، فالواحد منهم يقول لك النبي قال هذا وأنا أعرف هذا، لكن هنا ورطة أُخرى، فماذا عن الستر؟ أين الستر يا حبيبي؟ حتى لو رأيت بعيني رأسك عليك أن تستر الستر الجميل كأنك لم تر ولم تقع عينك على عوراء، بل وحتى عامل هذا الأخ الذي رأيته مُتقحِّماً العوراء – والعياذ بالله – ومُتقبِّحاً بهذه المقبحة كما كنت من قبل وكأنك لم تر ولم تشعر ولم تحس بشيئ، اتركها لله ولا تُعرِّض به فضلاً عن أن تُشهِّر وأن تقول أن النبي قال على مثل الشمس فاشهد، يا رجل أتفقه العربية أنت؟ النبي قال فافضح أم قال فاشهد؟ قال فاشهد، أي إذا الأمر افتُضِح وطُلِبت للشهادة فلتُعط الشهادة إذن، ولكن من علامات يوم القيامة ما جاءفي الصحيح، خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ – والعياذ بالله – قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وإلى آخره، فهو يتقدَّم للشهادة من نفسه ويقول أنا بشهد يا جماعة، فهل يا أخي طلبنا شهادتك؟ اتق الله واستر على أخيك واستر على نفسك واطلب السلام، اطلب السلامة لنفسك عسى الله أن يسترك كما سترت المسلم أو المسلمة، لكنه يذهب لكي يشهد من غير أن يُستشهَد، هل أنت مُتطوِّع للشهادة؟ هذه بلية، والله العظيم الشهادة بلية، ولكن إذا ابتُليِتَ يجب أن تشهد بالحق وهذا شيئ آخر، ولذلك إذا لم يُفتضَح أمر هذا العبد إلا لك فاعلم أنك مُبتلىً به كما ابتُليَ هو بذنبه، واحفظ هذا المعنى، ابتلاه الله – تبارك وتعالى – بالذنب وابتلاك الله بالوقوف على ذنبه، فأنت رأيته والآن سوف نرى هل تُعافى أو لا تُعافى؟ ستهلك إذا فضحته وقلت أنا رأيته بعينيا والنبي قال على مثل الشمس فاشهد أي فافضح، وهذا غير صحيح، فهل أنت فهمت الحديث بمعنى أنه فافضح ففضحته؟ أين هذا؟ أين مَن ستر مسلماً؟ أين الستر يا حبيبي؟ تفضح ستُفضَح والله العظيم، مَن تكلَّم تُكلِّمَ فيه ومَن عاب عيب ومَن كفَّر يُكفَّر فانتبه.

وابحثوا عن أي عالم وعن أي إمام – إن شاء الله رأسه في الجوزاء – إذا تقحَّم ورطة تكفير علماء آخرين فإنه – والله العظيم – لن يموت حتى يُكفَّر، وهذا مُجرَّب -سبحان الله – وهو شيئ عجيب، هذا قصاص إلهي، تُكفِّر علماء ستُكفَّر، وانظروا الآن إلى التكفير السائر، فهو شيئ عجيب، بالأمس قرأت فتوى عجيبة غريبة – لن أذكرها – لعالم كبير في السن وكبير في القدر عند أهله وطائفته، والآن طبعاً تدور رحى معركة سماها صاحب البيّنة في اقرأ معركة، فهذه التسمية ليست من عندي، وإنما هو الذي سماها بالمعركة، وهى معركة الاختلاط ، فهناك رئيس هيئة ومُدير عام فرع مكة لالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر الشيخ الدكتور فلان الفلاني – عفا الله عنا وعن الجميع – له اجتهاد، وهو يقتنع بهذا الرأي، وهو أن الاختلاط هو شيئٌ عادي، وهو لا يتكلَّم عن الاختلاط بالمعنى طبعاً العامي، يتكلَّم عن الاختلاط من غير ما يُوجَد حاجز، فالرجال يجلسون هنا والنساء هنا ويتكلَّمون ويتبادلون الحديث العلمي وما إلى ذلك، فقال هذا أمر عادي وهكذا كان مُجتمَع النبي، فثارت عليه ثائرة العلماء هناك، وبالأمس قرأت فتوى ليست في موقع عادي وإنما في موقع الشيخ نفسه، وهو شيخ وعالم كبير في السن – حفظه الله – لكنه كتب هذه الفتوى، وقال بمعنى الكلام أن الذين يفتون بإباحة الاختلاط وهم يعلمون لوازم هذا ومن لوازمه الزنا وغير الزنا ومثل هذا الكلام الفارغ فهؤلاء كفّار – والعياذ بالله – ولذا يُستتابون وإلا قُتِلوا، فكيف هذا؟ يا أخي لا يُمكِن أن يصدر من عامي، وطبعاً هذا الكلام صحيح من جهة، فأنا أقول لكم أن هذه الفتوى بهذه الطريقة صحيحة طبعاً، لأن كل إنسان يُفتي بحل الزنا هو كافر، ولكن هل الشيخ أفتى بحل الزنا يا أخي؟ هو يتحدَّث عن الاختلاط بشروط شرعية مُعيَّنة كالذي كان في عهد رسول الله والصحابة، فما دخل الاختلاط بموضوع الزنا؟ يُريد أن يُلبِّسه القول باللوازم، فهو يأخذ باللازم ويقول إذا صار اختلاط سيحدث في تقارب أنفاس وتقارب أجساد ويحدث تأنّس، وكما قالت تلكم الأميرة “طولُ السِّوادِ، وقُرْبُ الْوِسَاد”، فهذا يُؤدِّي بدوره إلى الزنا ويُؤدِّي إلى هتك المحارم وإلى وإلى وإلى من الفظائع والمقابح التي لا تخفى على أحد، ثم قال فمَن استحل هذا كفر، وهذا صحيح مَن استحل هذا كفر، ولكن هو لا يتحدَّث عن هذا، هو يتحدَّث عن موضوع مُختلِف تماماً وليس عن هذا، فلماذا تأخذه بلازم لا يلتزمه؟ أين أنت من هدي وإنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه – حين قال لازم القول نوعان، لازم القول الحقُ – أي اللازم الحق حين تتكلَّم كلاماً يلزم منه وينبني عليه ويُستنتَج منه ويقتضي شيئاً، فهذا المُقتضى وهذا اللازم وهذه النتيجة حق – يُلتزَم ويُنسَب إلى صاحب القول لأنه من الحق، فلازم الحق حق، وهذا كلام سليم، ثم قال ولازم باطل – العالم يقول قولاً له لازم، ولازمه أو لوازمه أشياء باطلة والعياذ بالله – قهذه لا تُنسَب إلى صاحب القول إلا أن يلتزمها ويُصرِّح بأنه يلتزمها والعياذ بالله، أي أن يلتزم بالباطل، وطبعاً هذا لا يخطر على بال عالم مُجتهِد مسلم أن يلتزم بلوازم باطلة، حاشا لله فهو لا يلتزم بهذه اللوازم الباطلة، ثم قال وقُصارى ما نقول فيه إنه مُتناقِض، ولم يخل من التناقض في كلامه أحدٌ من العلماء إلا النبيين، علماً بأن ابن تيمية لم يستثن الصحابة وقال كل إنسان من المُمكِن أن يتكلَّم كلاماً لوازمه تُوقِعه في تناقض، فهذه هى مسألة اللوازم التي يجب أن تنتبهوا إليها، فهذا مُمكِن و طبيعي جداً جداً جداً، وهذا من قصور الإنسان ومن نسبيته، والآن خُطبة مثل هذه أنا أستطيع أن أقف أمام تسجيلها وأُخرِج لك مائة خطأ في كلامي بطريقة اللوازم، فأقول – مثلاً – ما معنى كلام عدنان؟ معناه كذا ويلزم منه، لكن هذه اللوازم أنا لا ألتزمها، وهذا من الهدي والإنصاف فلا تُكفِّر إذن، ثم أننا نفهم هذا – مثلاً – لأن أهل العلم يفهمون هذا، لكن إذا دخل رجل عامي على موقع فضيلة الشيخ العلّامة وقرأ هذه الفتوى قد يتورَّط ويقتل هذا الشيخ الدكتور، وهو شيخ دكتور في الشريعة وبلحية عظيمة لكنه قتله، فمَن الذي سيبوء بإثمه؟ وهل تكون الفتوى بهذه الطريقة؟ هل يُمكِن لأحد أن يُفتي بهذا الشكل؟ فهو توصَّل عبر سطرين إلى تكفيره، فهو يُريد أن يُفهِم الناس أنه مُتورِّط في شيئ يُكفِّر، ونحن نقول له يا أخي اتق الله، الإنصافُ عزيز، قال الله وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۩، في كل شيئٍ وفاءٌ وتطفيف!

أنا قرأت لواحد من كبار علماء هذه الطائفة – إن جاز أن تُسمى طائفة – وقد كفَّر -والله العظيم – سفيراً عربياً – علماً بأنني حكيت لكم ربما هذا مرة على المنبر أو مرات – لأن هذا السفير كتب في مُذكِّراته يقول وأوحى إلىّ الحادث الفلاني بكذا، فقال هذا كافر لأن الله هو الذي يُوحي، فما هذى الكلام الفارغ يا أخي؟ وهو عالم كبير وعنده مُؤلَّفات لكن هذا كلام فارغ، فكفِّر نبي الله عيسى إذن بهذا المعنى، ولو أخذته باللوازم هقول هذا الشيخ كافر لأنه كفَّر الأنبياء، وهذا إسمه اللوازم، لكن هذا كلام فارغ مني ومُهاتَرات، فلو فعلت هذا أكون مُهاتِراً، وأُعيذني وإياكم من هذه المُهاتَرة، وأنا أقول أن هذا الشيخ لابد أن يُكفَّر وهو أولى بالتكفير، والسفير مُؤمِن مسلم باقٍ على أصل العقد، لماذا؟ لأن الله ذكر عن زكريا قوله فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۩، فزكريا يُوحي، هل زكريا رب؟ هل الوحي فقط يكون من الرب؟ الوحي أنواع يا أخي، وعلى أصل الاستخدام اللغوي جاءت الإشارة والإيماءة السريعة هذه، فهذا هو الوحي وليس وحي النبوة، فلماذا يا مولانا خلطت بين وحي النبوة وبين الوحي الغوي؟ هذا يستخدمه كل الناس فيقول الواحد منهم أوحى إلىّ الحادث وأوحى إلىّ الفعل وأوحى إلىّ منظره بأنه مريض مُعتَل، فهذا عادي جداً، قال ابن تيمية ومن أعظم التقصير أن يُنسَب المرء إلى الغلط مع أن لكلامه محملاً صحيحاً، فيُمكِن أن نُؤوِّل كلامه ويكون له محمل صحيح لكن أنت تتأوَّل له وتنسبه إلى الغلط ولذا قال هذا تقصير، وأنا أقول هذا ليس تقصير إنما هو عدوان، فإن كنت تعلم هذا فهذا عدوان والعياذ بالله، صدِّقوني هذا شيئ عجيب، ونفس هذا الشيخ تورَّط في تكفير عالم آخر كان من مُعاصِريه وتقريباً نستطيع أن نقول أنه بنفس القامة العلمية ونفس الاتجاه طبعاً والروحية العلمية لكنه كفَّره، لماذا؟ هذ الشيخ كتب في آخر مُقدِّمة كتاب له – وهو كتب العبد الفقير – فلان الفلاني مُؤسِّس الدعوة السلفية بحلب، وطبعاً كلكم تفهمون وتفهمن معنى أنه مُؤسِّس الدعوة السلفية أي مُؤسِّس الدعوة السلفية المُعاصِر، سلفية المُعاصِرين هؤلاء ، أليس كذلك؟ فهو أسَّسها في حلب، لكن هذا قال هذا كافر وينبغي أن يُستتاب من هذا لأن المُؤسِّس هو رسول الله، أو لعله قال رب العزة مُؤسِّس الدين لأن الدعوة السلفية هى الإسلام، فانظروا إلى اللوازم إذن، ثم قالالدعوة السلفية كما أفهمها هى الإسلام، والإسلام دين رب العالمين، وهذا جاء وقال كذا وكذا فهو كافر، ما هذا الكلام الفارغ؟ ما هذه المُهاتَرات يا أخي؟ هذه مُهاتَرات وليست علماً، هل هكذا يكون العلم؟ ولذلك الآن لا تجد طائفةً يتورَّطون في تكفير بعضها البعض كهذه الطائفة، هذا شيئ عجيب، فحين تقرأ يقشعر البدن وتكره العلم وتكره نفسك وتكره- والله العظيم – كل شيئ، وهذا شيئ عجيب جداً جداً جداً جداً، هذه – والله – فتنة!
روى الإمام أبو عمرو الداني في كتاب الفتن الواردة في السُنن عن ابن عباس أنه قال إنما الفتنةُ في اللسان لا في اليد، كأنه يقول مُعظَم الفتنة، أي أن مُعظَم الفتنة بالقول، قبالأقوال تفتن الأمة وتُفرِّق الأمة وتُكرِّه الأمة في دينها وفي علمائها وفي كل شيئ.

حتى لا نُطوِّل بهذه المُقدِّمات التي قد تبدو عاطفية أو انفعاليةنُريد أن نعود إلى الاختلاف، فلم لا نتحمَّل اختلافنا؟ لم لا نسعد باختلافنا؟ لم لا نسعد بهذا؟ هل هو مُسعِد وجميل وجيد أن نكون جميعنا على طبقٍ واحد ورأيٍ واحد ومِزاج واحد ولون واحد؟ أنا أقول لكم هذا مُقزِّز وليس شيئاً سعيداً، هذا مُقزِّز جداً جداً جداً والصحابة لم يكونوا هكذا، فهم اختلفوا بل واختلفوا كثيراً، وذكرت لكم مرة ما ذكره صاحب إعلام المُوقِّعين أن عمر اختلف مع ابن مسعود – رضيَ الله عنهما – في مائة مسألة، وإجلال عمر لابن مسعود معروف وقد بعثه إلى الكوفة وقد قال كُنيفٌ مليءٌ علماً آثرتكم به،فخذوه واستفيدوا من علمه الكثير، وفعلاً مُعظم علم أهل الكوفة يعود إلى عليّ وإلى ابن مسعود من أجل العلم، وهذا معروف طبعاً، ويُقال لك الآن أبو حنيفة الإمام الأعظم، وهو تلميذ مَن؟ حمَّاد بن سليمان، تلميذ مَن؟ إبراهيم النخعي، تلميذ مَن؟ ابن مسعود وهكذا، وابن مسعود شهادته في عمر معروفة حيث قال تسعة أعشار العلم مات بموت عمر، وهذا أدب منه!
زيد بن ثابت – رضوان الله تعالى عليه – الصحابي الجليل العبقري اللوذعي الذي كان أحد عباقرة الدنيا تعلَّم اللغة السريانية في خمسة عشر يوم ثم قال وجوَّدتها، أي أصبحت أستاذاً فيها في أسبوعين، فهذا الرجل كان شيئاً خطيراً، وهو من علماء الصحابة وكان أستاذاً لعبد الله بن عباس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – واختلفوا في مسائل كثيرة – اختلف التلميذ مع أستاذه – وهذا أمر عادي وينبغي أن يكون هذا، فهذا هو الوضع الطبيعي حتى يحدث حراك فكري وعلمي وبالتالي بينبغي نختلف، ولكن اختلاف العلماء يكون بأدب، العلماء حين يختلفون يفعلون هذا باحترام، فاختلافهم ليس كاختلاف العامة والطغام مع العلماء وإلا فأنت لست هناك، وعلى كل حال العلماء يختلف بعضهم مع بعض في مسائل عدة، ومن هذه المسائل ما ذكرته لكم مرةً قبل سنين وهى مسألة الإخوة مع الجد، هل يُحجَبون بالجد أو لا يُحجَبون في الميراث؟ وكان عبد الله بن عباس وأبو بكر الصدّيق في طائفة من أصحاب رسول الله – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – يرون أنهم يُحجَبون، لالجد يحجب الإخوة، لأن مقامه مقام الأب والأب يحجب الإخوة طبعاً وهذا معروف والكل مُطبِق على أن الأب يحجب، فابن عباس قال وبالقياس الجلي عندي – أي الواضح – أستطيع أن أُباهِل – طلب المُباهَلة – على أن الجد يحجب، أما الإمام عليّ – عليه السلام – وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود في طائفةٍ أُخرى من الصحابة قالوا يتشاركون ولا يحجبهم الجد، فهو يختلف مقامه عن مقام الأب من هذه الحيثية، فماذا حصل؟ هل تدابروا؟ هل تباغضوا؟ هل تلاعنوا؟ قال ابن عباس أما يتقي الله زيدٌ – أي زيد بن ثابت – يجعلُ ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً؟ قال هذا أمر عجيب وهو غير موجود، فهذا مُخالِف للقياس الجلي هذا، لكن انظروا إلى أدب ابن عباس حيث قال أما يتقي الله زيدٌ؟ وهذه كلمة عظيمة جداً، علماً بأن أعظم وصية يُوصي به أحدٌ أحداً أن اتق الله، قال الله وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ۩، فهذا هو، قال عليه أن يتقي الله في هذا الاجتهاد، ويقول ابن عبد البر وعبد الرزّاق في المُصنَّف والحاكم في المُستدرَك وغيرهم ثم إنه تُوفيَت أم زيد – أم زيد بن ثابت الأستاذ وشيخ ابن عباس تُوفيَت – فذهب للصلاة عليها وتشييعها، فلما فرغ قُرِّبَت له دابةٌ – أتوا له دابة – فبادر عبد الله بن عباس – والخلاف بينهم واقع في المسائل العلمية – فأخذ بركابها كأنه خدَّام وكأنه عبد عنده وقال له تفضل يا أستاذنا، أخذ بالركاب ابن عباس وهو من أهل بيت النبوة وقال هكذا أُمِرنا أن نصنع – أو قال أن نفعل – بعلمائنا وكُبرائنا، فهو قال
قال هذا زيد وهو شيخي وأستاذي وهو علّامة كبير، وهذا هو الاحترام، كأنني مثل العبد عنده، وهناك رواية أنكرها بعضهم كابن عبد البر وغيره والبعض سكت عنها أن زيد ابن ثابت قال يا عبد الله أرني يداك، فأخرج يده وهكذا غافلاً فقبَّلها – زيد أستاذه – وقال هكذا أُمِرنا أن نصنع بأهل بيت نبينا، أي أنه قال هؤلاء هم أهل بيت النبوة وأقرباء الرسول فنُقبِّل أيديهم، فما هذا الأدب يا أخي؟ ثم أنه تُوفيَ زيد بن ثابت وشيَّعه تلميذه عبد الله بن عباس وقال هكذا يُدفَن العلم، لقد دُفِن اليوم علمٌ كثير، أي ذهب علم كثير بموت زيد، يا سلام على هذا الكلام الذي تقشعر منه الأبدان، فحين تسمع هذه القصص تقول هذا هو الإسلام الذي نُحِبه، هذا الاختلاف نُحِبه، هذا الاختلاف نُقدِّره، هذا الاختلاف والاحترام المُتبادَل يُطيِّب القلوب ولا يُوحِشها، أليس كذلك؟ فهذا هو إذن، لأنه اختلاف جميل مُحبَّب، فنحن نُحِب مثل هذا الخلاف الذي هو ليس كاختلاف اليوم، حيث يُوجَد تكفير وتبديع وتشريك واقذاع – والعياذ بالله – وقباحات وصغار في اللفظ والفعل ولطخٌ في صحائفهم وعوجٌ في سيرهم، فلو تحاموه لكان بهم أجدر ولذكرهم أبقى ولمقامهم أعلى.

أحمد بن حنبل – رضيَ الله عنه وأرضاه – ماذا يقول في أخيه إسحاق بن راهوية بن إبراهيم الحنظلي؟ يقول ما عبر الجسر إلى خُرسان مثل إسحاق – أي انه قال في بلاد فارس كلها لا يُوجَد مثل هذا الرجل، فليس له نظير أو ضريب – وإن كان يُخالِفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يختلف بعضهم مع بعض ويُخالِف بعضهم بعضاً، أي أنه قال هذا أمر طبيعي وعادي، فنحن نختلف في أشياء ولكنني أقول لا يُوجَد مثله في خُرسان كلها، هفذا ليس له ضريب وهو رجل نادر المثال وعديم النظير، فانظروا إذن إلى الإنصاف، هذا هو أحمد بن حنبلي، والآن يقول لك أحدهم أنا حنبلي، هل أنت حنبلي؟ يا ليت أكون حنبلياً، يا ليت كان عندي واحد من مليون من أدب أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل يأتيه رجل يُنسَب إلى الرفض – هو ليس فقط شيعياً وإنما هو رافضي، يعني هو شيعي يلعن أبا بكر وعمر وما إلى ذلك، وهذا هو الذي يُسمونه بالرافضي، فهو لا يُحِب فقط أهل البيت لأن عندهم حُب أهل البيت صار تشيّعاً للأسف وذكرنا هذا مرة في خُطبة بل بجانب حبهم يسب ويلعن أبا بكر وعمر وغيرهم – وهو عبد الرحمن بن صالح الأزدي، فإذا أتى إلى أحمد قرَّبه وأدناه، فأحمد يحترمه كثيراً ويقول له أهلاً أهلاً، يا أهلاً، تفضَّل وما إلى ذلك، فقيل له يا أبا عبد الله كيف تُقرِّب هذا وتُدنيه وهو رافضي؟ فانظر إلى جواب أحمد الآن، انظر إلى الاستقلال – استقلال الشخصية – طبعاً، فهو ليس إمعة، لكن هم الآن يُعطون تقييمات للعلماء وللأئمة بكلمات في الإنترنت Internet أو في الكتب وينتهي كل شيئ لمُجرَّد الشطِّب على الناس، فما هذا الكلام الفارغ؟ لا يا حبيبي اترك هذا، أنا سأُقدِّر موقفي بنفسي فلا تُمل علىّ النظر حتى في موازين الناس وقيم الناس وأقدار الناس والعلماء، وعلى كل حال أحمد كان إماماً مُستقِلاً فقال رجلٌ يُحِبُ جماعةً من أهل بيت الرسول أقول له لا تفعل؟هو عندي ثقة، فأحمد رفض هذا المقياس الأعوج الأعور الذي يقول أن كل مَن أحب أهل بيت النبي وشايعهم هو شيعي رافضي فهيا العنوه واسقطوا عدالته وجرِّحوه، قال أنا لا أقبل هذا، فهذا يُحِب أهل البيت وهو مُتشيِّع وهو عندي ثقة .
عبد الرزّاق أستاذ أحمد كان كذلك، كان مُتشيِّعاً لأهل البيت وهو أستاذ أحمد – عبد الرزّاق بن همام الصنعاني صاحب المُصنَّف رحمة الله تعالى عليه – وقد تكلَّموا فيه من أجل تشيّعه بعد ذلك، وبعضم قال من أجل كبر سنه وإلى آخره، وهذه قصة طويلة.

أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد الرزّاق الصنعاني يذهبون ثلاثتهم إلى مُصلى العيد ثم يعودون إلى الغداء، يقول الراوي فيقول عبد الرزّاق للرجلين الإمامين يا أحمد ويا إسحاق قد رأيتُ منكما اليوم عجباً، فقالا ماذا رأيت؟ قال لم تُكبِّرا، أي أنكما لام تُكبِّرا في المُصلى وسكتما عن التكبير وهذا شيئ عجيب، فقالا كنا ننظرُ إليك هل تُكبِّر فنُكبِّر، قال والله أنا كنت أنظر إليكما هل تُكبِّران فأُكبِّر، فانظر إلى طالبي التأليف، كل واحد منهم عنده موقف فقهي مُدلَّل بالأدلة ولكنه يُريد ألا يُوحِش قلب أخيه حتى ولو كانت هذه المسائل من المحاب، وهناك قاعدة مُهِمة ينبغي أن تنتبهوا إليها وأن تحفظوها جيداً، وأحمد بن حنبل ومُعظَم علماء السلف الصالحين قالوا بها، وبها قال أيضاً ابن تيمية في مجموع الفتاوى، حيث قالوها بشكل واضح يُستحَبُ تركُ بعض هذه المحاب – أي لا نعمل بعض الأشياء المُستحَبة في الدين والأشياء مندوبة والسُنن – طلباً لتأليف القلوب وعدم إيحاشها، فإن مصلحة تأليف القلوب أعظم من المصلحة الواقعة والحاصلة بفعل هذه المحاب، وهذا أمر عجيب، لكن هذا فقه دقيق وغريب جداً في الدين ولا يكاد يعلمه أكثر مَن يتكلَّم اليوم بإسم السُنة ولا يُؤمِن به، وهذا الكلام – كلام أحمد وابن تيمية وغيرهم – سيُرفَض ويقول لك أحدهم أنا أصدع بالسُنة حتى وإن اشتعلت حرب عالمية ثالثة على أمة الإسلام، وهذا كله من أجل سُنة وضع اليدين أو أي شيئ من السُنة، فلا يا رجل بالعكس، ولذلك انظر إلى مُجتهِد المغرب وإلى مُجتهِد الإسلام وصاحب الاستذكار والتمهيد الإمام ابن عبد البر، فابن عبد البر- رحمة الله عليه رحمة واسعة – يقول سمعتُ شيخي أبا عمر أحمد بن عبد الملك يقول لي رأيت شيخنا أبا إبراهيم إسحاق بن إبراهيم وهو أصحُ مَن رأيت علماً وأفقههم وأتقاهم لله، أي أنه إمام كبير، علماً بأن الشيخ ابن عبد البر هو الذي يحكي هذا الكلام عن شيخه، فهو قال له شيخي نسيج وحده في العلم والتُقى والفقه، ثم قال رأيته يرفعُ يديه كلما خفض وكلما رفع – أي في الصلاة وهذا مذهب الشافعية – مثلاً – على حديث ابن عمر الذي في الموطأ، وهو مالكي والحديث موجود، وطبعاً أحاديث الرفع هذه عند الخفض وعند الرفع مُتواتِرة، فهى مروية من طريق أكثر من أربعين صحابياً، علماً بأن للتقي السُبكي جزءٌ في أسمائهم وفي أحاديثهم، وعلى كل حل المسألة معروفة لأهل الحديث والفقه – فقلت لشيخنا أبي عمر أحمد بن عبد الملك يا شيخنا هلا رفعت فنقتدي بك فنرفع؟ أي اعمل مثل شيخك وهذه السُنة ثابتة ونحن سوف عمل مثلك ونقول شيخنا علَّمنا هذا- وانظر إلى هذا العلم الذي هو بالأسانيد، فهو علم موصول وليس أي كلام لأنهم لا يُحِبون التفرّد، وهذا هو ابن عبد البر – فقال لي لا ، لا أُحِب أن أترك رواية ابن القاسم، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك عدم الرفع، وعليها الجماعةُ إلى اليوم عندنا، ومُخالَفةُ الجماعة فيما اعتادوا ليست من شيم الأئمة، فقال له الإمام في الدين لا يعمل هذا، هو لا يُحِب أن يُخالِف الناس فيما يعرفون، هناك – مثلاً – مَن يصلون ركعتين بإسم سُنة الجُمعة فقالوا هذه بدعة، فأول ما يأتي ويأخذ الميكروفون Microphone الشيخ يقول يا جماعة مَن أحيا سُنتي وكذا كذا لكن هذه بدعةٌ، فالناس تستوحش قلوبها، بدعة ماذا هذه؟ مر علينا قبلك ألف شيخ مُعمَّم وأزهري ولم يقل أي أحد أنها بدعة بل ويُصليها، فهل أنت الآن أتيت لنا بدين جديد؟ هم سيتساءلون هل هذا دين جديد؟ ومن ثم قد يعمل فتنة مع أن عنده قدرة على أن يُناظِر ولكن ليس عنده الحكمة، فإذن اترك هذا يا رجل، أي اترك هذه المحاب من أجل تأليف القلوب، وهذا من الفقه في الدين، ولذلك لما سُئل إمام أهل الشام الإمام الأوزاعي عن الذي يُقبِّل هل يتوضأ أو لا يتوضأ؟ أي هل يذهب وضوؤه بالقُبلة أو لا؟!قال لو سألني أنا قلت له توضأ – أي أخذ بمذهب أبي حنيفة ومالك مُحرَّراً طبعاً، فمالك قال هذا إن وجدت الشهوة مع الوجدان أو النية، أي أن عند مالك إذا نويت أو وجدت تتوضأ، إذا لم تنو ولم تجد لا تتوضأ، فهذا هو تحرير مذهب مالك على كل حال – وإن لم يتوضأ لم أعب عليه، أي لن أتكلَّم، فلماذا إذن؟ لأن من المُؤكَّد أنه أخذ برأيغيري من الأئمة، برأي أبي حنيفة ومالك مثلاً، وبالتالي ليس عندي مُشكِلة مع هذا، فلم أعب عليه، وهذا من الأدب.

سُئل أحمد بن حنبل عن الركعتين بعد العصر التي يُصليها بعض الناس وعندهم فيها آثار فقال لا نفعلها ولا نعيبُ على مَن يفعلهما، أي أنه يقول نحن لا نُصليها ولا نقول بها ولكننا لا نعيب على مَن يفعلها، وذلك لأنه عنده شُبهة دليل ويتبع بعض الأئمة وله ذلك، فانظروا إذن إلى السعة، هذه سعة الأئمة رضيَ الله عنهم، فعز الإسلام والعلم، هذا هو شرف الإمامة، وليس كاليوم اليوم حيث يُوجَد ضيِّقوا الصدر، فصدر أحدهم أضيق من فراغ الميم أو من صدر اللئيم، يضيق مُباشَرةً ويعمل لك حرباً عالمية من أجل مسألة بسيطة جداً جداً جداً، ولذا نقول له وسِّع يا رجل وسَّع الله علينا وعليك.

ذكر أبو داود في مسائله – الإمام أبو داود صاحب السُنن وهو من تلاميذ أحمد وعنده كتاب إسمه مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود – قائلاً سألت شيخنا أحمد بن حنبل أبا عبد الله قائلاً يا إمام الذي لا يرى من المس وضوءاً – أي من مس العضو، إذا مس عضوه هو يرى أن هذا لا ينقض العضو كمذهب أبي حنيفة مثلاً – أأُصلي خلفه وقد علمتُ أنه مس؟ أي أنه قال لي أنا مسيت وسأصلي فهل أُصلي خلفه؟ قال نعم، فانظر إلى جواب أحمد، فهو لم يقل له هذا مذهبي، علماً بأن مذهب أحمد لا يجوز هذا لأنه ينقض الوضوء، فلك أن تتخيَّل هذا، ولكنه قال هذا مذهبٌ آخر، فصل لأن لا يُمكِن أن تُبطَل الصلاة باختلاف المذاهب، ولذلك من قواعد العلماء الاجتهادُ لا يُنقَض بالاجتهاد، وهذه قاعدة مُهِمة جداً، لكن قد يقول لي أحدكم لماذا؟ كيف أن الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد؟ يُوجَد فرق بين الرد والنقاش وبين النقد، فهل تعرفون لماذا؟ لأن الاجتهاد لا يكون إلا في المظنونات وفيما ليس سبيلُ برهانهِ قطعٌ من كتابٍ أو سُنة أو قياسٍ جلي، ومثل هذا لا يكون موضعاً للاجتهاد لأن فيه دليل قطعي – أي النص كما يُسمونه – ولا يحتمل إلا معنىً وحداً من كتاب أو سُنة أو قياس جلي، فمثل هذا لا يكون من مواضع الاجتهاد، وإنما هو من مواضع الاتفاق والإجماع، ولكن فيما عدا ذلك مواضع اجتهاد ولا يُمكِن أن يُنقَض اجتهاد عالم باجتهاد عالم أو فتوى عالم بفتوى عالم أو قضاء قاضٍ بقضاء آخر أبداً، وكل علماء الإسلام الذين قرأنا لهم يقولون هذا – والله العظيم – إلا بعض مُتعلِّمات العصر لا يقولون هذا بل ويفعلون عكس هذا تماماً، فهم يُفهِمونك عكس هذا تماماً ،وهم ليسوا من العلم في شيئ.

عمر بن الخطاب يتلقي رجلاً وقد خرج من لدن القاضي – من عند القاضي – وقد عمر أحاط بالقضية – أي أنه يعرف القضية، فعنده سبق علم بها – فقال له ماذا فعلت؟ قال له قضى علىّ الإمام أو قضى علىّ هذا القاضي، فقال له عمر لو كنت أنا مكانه لقضيت لك، أي أن العكس هو الصحيح، فأنت صاحب القضية العادلة، فقال له ما يمنعك يا أمير المُؤمِنين والأمر موكول إليك أو الأمر لك؟ يُريد أن يقول أنت الخليفة وأنت أعلى رأس يعني في السُلطة فلماذا لا تفعل؟ فقال له لو كنت أردك إلى نص – أي من كتاب الله وسُنة رسوله وهذا شيئ واضح جداً ليس فيه خلاف – لفعلت، ولكنني أردك إلى رأيي والرأي مُختلِف، أي أنه قال له هذه اجتهادات فليس لي علاقة إذن حتى ولو أن الحاكم، فانظروا إلى هذه الحرية، لم يقل أبداً له أنا أمير المُؤمِنين وسأفعل الحق بإسم الحق والعدالة، بل قال هذا اجتهاد وبالتالي لا يُنقَض، فانتبهوا وانظروا إلى حجم الوعي وكيف كانت النفسيات، فهى ليست كاليوم، حيث يُوجَد ضيق شديد جداً جداً جداً اليوم، وأكثر من هذا حصل أيضاً، ففي مسائل أبي بكر بن الأثرم يقول ابن الأثرم سألتُ أحمد أبا عبد الله في رجل يُصلي بجلود الثعالب – أي أنه أتى بجلد ثعلب Fox ثم دبغه وأخذ يصلي فيه، وطبعاً هذا عند أحمد نجس لأنه جلد غير مأكول اللحم فلا يُطهِّره الدباغ، هذا مذهب أحمد لكن ماذا قال أحمد له؟ – فقال له أحمد إن كان مِمَن يتأوَّل أيما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهر فصل خلفه، أي أنه قال أن من المُمكِن أن يكون عنده اجتهاد خاص به وأنه أخذ الحديث على عمومه الذي يقول أيما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهر، فهذه صيغة عامة واضحة ومن ثم قد يتأوَّل ويفهم أن هذا الإهاب – جلد وتم دبغه – لا يُقصَد به جلد مأكول اللحم، فالنبي لم يقل مأكول اللحم ولذا هو أخذها على العموم، فقال أحمد إذن يجوز أن تُصلي خلفه، فقال يا إمامنا هل تراه أنت جائزاً؟ قال لأ، أنا عندي الصلاة تكون باطلة، فممنوع أن تُصلي خلفه، ولكن إن كان هو يتأوَّل فلا بأس وصل خلفه.

يا سلام، ما هذا؟ ولذلك يقولون الاختلاف رحمة والفُرقة عذاب، فهل تعرفون المقصود بالفُرقة؟ الفُرقة لا تعنى الاختلاف، فليس الاختلاف هو العذاب، وإنما الفُرقة التي يُجَر إليها الاختلاف غير المُؤدَّب وغير المُؤصَّل وغير المُقنَّن والذي ليس من أهله، فلو من أمثال هؤلاء لن يكون عندنا – والله – أي مُشكِلة – إن شاء الله – أبداً، فالاختلاف واسع جداً جداً جداً.

همَّ القاضي أبو الطيب – مُجتهِد من مُجتهِدي وفقهاء الشافعية الكبار – يوماً أن يُكبِّر لصلاة الجُمعة في مثل هذا اليوم المُبارَك – يُريد أن يُكبِّر في الناس – فزرق عليه طير – حمامة زرقت عليه، في مذهبنا الشافعي ممنوع أن تُصلي بزرق الطير لأن هذه نجاسة – فقال أنا حنبلي، الله أكبر!
أي لم يمنعه الاختلاف أن يُقلِّد إماماً غيره وهذا من السعة، فهم عندهم هذه السعة، وقد سُئل أحمد يا إمام هل تُصلي خلف المُسهِّل في الدم؟ أي أن مذهبك إذا نزل الدم يُنقَض الوضوء لكن هناك مَن يُسهِّلون في الدم – والمقصود مَن؟الإمام مالك طبعاً وسعيد بن المُسيَّب أحد فقهاء المدينة السبعة وهذا معروف – فهل تُصلي خلفهم؟ فقال كيف لا أُصلي خلف سعيد وخلف مالك ومَن سهَّل في الدم؟ كأنه يقول للسائل هل أنت عاقل؟ طبعاً أصلي وإلا أين المُشكِلة؟ نعم هكذا هو مذهبي ولكنني أُصلي خلفهم، فانظروا إذن إلى هذه السعة الشديدة جداً ما شاء الله، ولذلك لما أتاه رجل بكتاب وسماه كتاب الاختلاف قال له لا تسمه الاختلاف وإنما سمه السعة.

طلحة بن مُصرِّف أحد التابعين كان مُعاصِراً للفقهاء السبعة أو لبعهضم، وكان عنده نفس الشيئ، فكان ينهى مَن يقول الاختلاف أو الخلاف قائلاً بل هو السعة، والآن تذكَّرت أثراً عجيباً جداً عن الإمام عليّ عليه السلام، فالإمام عليّ قاتل بعض الصحابة وقاتلوه، أليس كذلك؟ وطلحة قُتِل في الجمل، فبعد ذلك جاء الإمام عليّ – عليه السلام – ولقيَ عمران بن طلحة بن عُبيد الله الصحابي المعروف وأحد العشرة، فجعل يسأله ماذا فعلت فلانة – أي عن إمائهم – وماذا فعل فلان؟ فهو يسأله عن أهله وأودائه وأقربائه، بل ويسأل عنهم فرداً فرداً، وسأله عن أهل أخيه طلحة بن عُبيد الله الذي مات ثم قال له والله يا عمران إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك مِمَن قال الله فيهم سبحانه وتعالى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ۩، أي حتى لو اختلفت الدنيا واختلفنا لكن سوف نكون – إن شاء الله – في الآخرة – بإذن الله – في الجنة، فكانا رجلان يجلسان ناحيةً في طرف البساط في المجلس فقاما فقالا والله هذا ليس بالعدل، تُقاتِلهم بالأمس ثم تطمع أن تكونوا من أهل الجنة؟ وهذا رجل قليل الأدب طبعاً لأنه يرد في وجه الإمام عليّ، ومن المعروف أن أصحاب الإمام عليّ التووا عليه بل وحتى أتباعه، فهو كان مُبتلى بهذا ولم يكن عنده سطوة بهم مثل عمر، فكل أحد كان يقوم له ويتكلَّم كابن الكواء الخارجي الملعون هذا وغيره، وهو كان يقول سبٌ بسب أو عفوٌ عن ذنب، وهذه أيضاً سعة عجيبة جداً عنده، وعلى كل حال قالا الرجلان للإمام عليّ هذا ليس بعدل، فقال عليّ – عليه السلام قوما أبعد أرض الله وأسحقها – أي انصرفا بعيداً، كأنه يقول لهم جهنم تأخذكم كما يُقال لكنه قال هذا بالفصحى – فمن هو إذا إن لم أكن أنا وطلحة، فمن إذن؟ أي أنه قال بعون الله هذه الآيات سوف تنطبق – بإذن الله – علىّ بالذات أنا وطلحة وإخواننا من الصحابة – أصحاب محمد، فسوف نكون- بإذن الله – إخواناً ليس لدينا أي غل في الصدور وسنكون على سُرر مُتقابِلين، فلم لا؟ ماذا تُنكِر من هذا؟ فهو يُعلِّمهم السعة في الأمور.

يقول العلماء والراوة جلس مرةً عمر بن عبد العزيز ومعه القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السابعة – القاسم المُتوفى سنة عشر ومائة للهجرة – فجعل كلما أتى القاسم بشيئٍ عارضه عمر بن عبد العزيز بحديث، أي حين يأتي له بحديث يُعارِضه بحديثٍ آخر وهذه كلها اجتهادات كلها أتى بها من العلم حتى شقَّ ذلك على القاسم كأنه يقول له هل كل المسائل لم تعد اتفاقية وأصبح فيها خلافات؟ وفعلاً تُوجَد خلافات – والحمد لله – وهذا أمر عادي، فأكثر الفروع فيها خلافات من أجل السعة للأمة، وعلى كل حال شقَّ ذلك على القاسم وتغيَّر وجهه – وجهه أحمر واربدّ وتضايق – فعرف عمر ذلك – أي رأى أنه تضايق – فقال له لا تفعل – أي لا تحزن، لا يضيقن صدرك ولا يُصيبنك الحرج – فوالله ما أُحِبُ أن يكون لي باختلافهم حُمر النعم، أي أن الحمد لله أن الصحابة اختلفوا، فهذا الاختلاف مُمتاز جداً من أجل أن تتسع الأمة.

يقول الرواة فذكر عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه بعدُ أنه كان يقول لقد أعجبتني كلمة عمر بن عبد العزيز، لأنه لو كانوا – هذا ضمير الشأن، ضمير القصة ، ضمير الحال، أي الحكاية والراوية، فلأن لو كانوا تعني لو كان الصحابة جميعاً – قولاً واحداً ما وسع أحداً أن يُخالِفهم ولكان الأمرُ ضيّقاً ولكنهم اختلفوا، فلو أخذ كلٌ بقول أحد أصاب السُنة أو كما قال، وبالتالي تُوجَد سعة.

هذا هو إذن، فلماذا لا نبسط ولا نمد لأنفسنا وللأمة وللناس رحمةً بديننا ورحمةً بأنفسنا وبأمتنا حبال التيسير وحبال التوسيع وحبال الإيناس لا الإيحاش بمثل هذا الفكر وبمثل هذه الآثار وبمثل هذه المآثر الخوالد عن علمائما وأئمتنا رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين؟ نحن أحوج ما نكون اليوم إلى أن نأتلف لا إلى أن نختلف، وأقصد بالاختلاف الاختلاف الذي يُفرِّق ويُوحِش القلوب ويُوجِب التدابر والتكاذب والتلاعن، أما الاختلاف العلمي فيا حيهلاً من أهله – إن شاء الله – وفي محله، هذه توسعة على الأمة وتيسير، فأسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُيسِّر علينا وعلى أمتنا أجمعين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أيها الإخوة:

من حيثُ انتهينا سُئل مرةً أحد أذكياء العرب – إن جاز القول – كيف هزمتكم إسرائيل وأنتم اثنتان وعشرون دولة؟ قال بالضبط لهذا هزمتنا إسرائيل لأننا اثنتان وعشرون دولة، وهى دولةٌ واحدة، أي بسبب الفُرقة، قال الله وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ۩، كأنه يقول اثنتان وعشرون دولة تُساوي اثنان وعشرون قراراً واثنان وعشرون جيشاً واثنتان وعشرون إرادة واثنان وعشرون هوىً ومشرباً إزاء إرادة واحدة وقرار واحد وقيادة واحدة وخُطة واحدة، فلا جرم انتصروا وانهزمنا!

لا نُريد الآن أن نعتب على السياسيين عتبنا على إخواننا من أهل العلم صغاراً وكباراً، إذا اختلف السياسيون فلا أقل من أن يئتلِف العلماء والمُفكِّرون رحمةً بهذه الأمة، أما إذا أصر أهل الذكر والعلم على الاختلاف والتنابذ والتدابر فلا أدري – والله – مِن أين يأتينا الفرج، فالسياسة مُتفرِّقة والعلم والدين مُتفرِّق ولا أدري كيف سيأتينا الفرج، فنسأل الله – تبارك وتعالى – مُفرِّج الكروب أن يُفرِّج عنا.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تُؤاخِذنا بما فعل السُفهاء منا واغفر لنا ما كان منا في الزمان الأول برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اهدنا إلى محابك ومراضيك على الوجه الذي يُرضيك عنا، اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرَّجته ولا كرباً إلا نفَّسته ولا حاجةً من حوائج الدنيا لنا فيها صلاح ولك فيها رضا إلا أعنت على قضائها وتيسيرها بمنِّك وفضلِك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اجزهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات مغفرةً ورضواناً، واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات يا سميع الدعوات يا رب العالمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (23/4/2010)

Comments

comments

شاهد أيضاً

adnanibrahim24mars

سباحة في عقل إبليس

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد