الرئيسية / أقلام / الترحم على غير المسلمين
ITALY-QUAKE

الترحم على غير المسلمين

المرتضى إعمراشا كاتب مغربي
المرتضى إعمراشا
كاتب مغربي

يمتنع كثير من المسلمين عن الترحم على قتلى الكوارث الطبيعية وغيرها، من أهل الملل الأخرى، معتقدين أنه منهج الإسلام الصحيح، في فهم مغلوط لرسالة يفترض أنها بعثت بالرحمة للعالمين. وكثيرا ما ينال أحدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، السب والشتم والرمي بالجهل، لكونك ترحمت على هؤلاء الضحايا من إخوانك من بني البشر.

وتعقيبا على بعض التعليقات اللاإنسانية على كارثة الزلزال الذي ضرب إيطاليا مؤخرا، وتتكرر دائما هذه المواقف الجارحة للضمير الحي، رغم أن الزلازل ظاهرة طبيعية، خطوطها وخريطتها معروفة، ومحددة جيولوجيا، ولا تحددها ديانة البلد ولا سياساته، ولا خريطة انتشار المعاصي، أو مدى قربك أو بعدك عن الله، ولا يمكن أن تحدث في غير مناطقها المعلومة، وهي سنة وقانون لله في الأرض، تحدث عليها قبل ملايين السنين من وجودنا، وترصد اليوم في المحيطات والبلاد الغير مأهولة؛ فسأحاول الإسهام بما تيسر في تصحيح هذا المفهوم الذي يسير ضد إنسانيتك، ناهيك عن روح رسالتك النبيلة.

النكبة الأخلاقية
المسار الطبيعي للضمير الإنساني أو الفطرة، تجعلك تأسى وتتألم، بمجرّد ما ترى قتيلا أو معاناة كائن، إنسانا كان أو حيوانا. لكنّ رجال الدّين علموا الأمة أن تنتظر وتتريث، حتى تعرف من القتيل؟! وما دينه ومذهبه..! فإذا كان مسلما ترحموا عليه؟! لا، لم يعد هذا ممكنا أيضا عند البعض، بل سينظر الشيعي المتعصب، إن كان القتيل شيعيا، وينظر السني المتعصب إن كان الضحية سنياً، وكذا الشأن في كل الطوائف. أما إذا كان الضحية “كافراً” كما يصفونه، فقد لُقنوا الشماتة فيهم، والدعاء عليهم بالجحيم. وهكذا تنحصر الرحمة التي بعث بها محمد للعالمين، محاولين جعل كل مسلم مشروع إرهابي مع وقف التنفيذ، إلا من رحم الله، مدنسين فطرتهم السليمة، وجعلوها موافقة مذاهبهم الحاقدة، وكثيرا ما إذا سألت بعضهم ما موقفكم من داعش مثلا، سيقولون: تنظيم إرهابي، الإسلام منه بريء! لكنك إذا أزلت مصطلح داعش، و قمت بتفريغ لتركيبته الأيديولوجية على شكل أسئلة لهم، ما حكم هذا، ما حكم كذا؟ ستجد أنهم كلهم دواعش!! وقد يحظر عليك أن تصف “نلسون منديلا” مثلا، بأخي وتدعو له، أو لغيره ممن خدموا الإنسانية، لكنهم لا يمانعون بالترحم على الإرهابي المسلم، ويحكم على مصيره، في فهم مدسوس باسم الولاء والبراء، سنتناوله بالبحث عما قريب .

الترحم على ضحايا العالمين  سنة النبيين والمرسلين
روح الدين الإسلامي تخالف هذا التوجه الذي صدرت به كلامي تماما، وهو ما ستكتشفه معي في مقالاتي هذه، فهي تنسجم مع مشاعرك الإنسانية، وتجعلها مشاعة، وتثمنها لتبث روح المودة والإخاء، تجاه شركائك في الأرض، في انسجام تام مع سكان السماوات من الملائكة. قال ربنا :.. وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ..الآية (5، سورة الشورى)؛ وهذا الاستغفار الملائكي لمن في الأرض عامة، يمنحك الشعور بمدى روحانية الإسلام، وبعده عن التمييز الديني السلبي، الذي دنس سماحة الرسائل الربانية، ونجد الآية (75، غافر)،  تجعل استغفار حملة العرش للمؤمنين، خاصة؛ وللسخرية حتى يخرج بعض من شوهت هذه المفاهيم السامية، في ذهنه، من إشكال في مذهبهم، ادعى أن الآية الأولى منسوخة بآية حملة العرش، كما نقله البغوي في تفسيره للآية، بينما الآيتان مختلفتان، إحداهما تعم الملائكة وأهل الأرض، والأخرى تخص حملة العرش والمؤمنين، وادعاء النسخ هنا وهم فاحش، وتعسف واضح .

المسار الطبيعي للضمير الإنساني أو الفطرة، تجعلك تأسى وتتألم، بمجرّد ما ترى قتيلا أو معاناة كائن، إنسانا كان أو حيوانا. لكنّ رجال الدّين علموا الأمة أن تنتظر، وتتريث حتى تعرف من القتيل؟! ما دينه ومذهبه..!

لقد تجاوز نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الحس النبيل بدرجات، حينما استغفر لأشد أعدائه محاربة له ولأصحابه في المدينة، مصداقا لتعليم الله له، كما في قوله سبحانه “ولَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34 فصلت). فعن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله – صلوات الله عليه – وقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، ثم قال: “آذني حتى أصلي عليه “، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر بن الخطاب ، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ فقال: “أنا بين خيرتين: أستغفر لهم، أو لا أستغفر “. فصلى عليه، ثم نزلت عليه هذه الآية: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) فترك الصلاة عليهم . رواه البخاري و مسلم.

مما يجب الانتباه له من خلال تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم باستغفاره لرأس المنافقين، في المدينة، رغم نزول آيات التوبة في حق أبي طالب قبل سنين من الهجرة، كذلك طلبه الاستغفار لأمه، في أخريات حياته، وغير ذلك مما حدث بعد سنوات من وفاة أبي طالب – هذا بغض النظر عن الخلاف بين علماء المسلمين في مصير أبي طالب – والذي سنتطرق إليه بتفصيل، أن فهم كثير من الفقهاء لهذا الأمر قاصر، ومتناقض، ومتأثر بما درج عليه الأولون.

فالفقهاء تعودوا على تحكيم قواعد لهم بدل الاحتكام إلى نص القرآن، خلافا لأمره سبحانه بأن نحكم بما أنزل الله، و في هذه المسألة بالذات وبالتحاكم إلى آياته البينات، نجدها ظاهرة الدلالة خلاف المسطر في بطون أمهات كتب أهل السنة والشيعة معا وفتاويهم.

أدلة المانعين من الاستغفار لغير المسلمين

نجد من يمنع الترحم على غير المسلمين والاستغفار لهم، يستدل بقوله تعالى في سورة التوبة: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ”. الآيات. وهذه الآيات الكريمة كما في البخاري نزلت في حق أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومما لم يلاحظه المفسرون فيها أنها مقيدة بقوله سبحانه مرّتين: “مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ”، وقوله: “فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ منه” ، بمعنى أن الآيات تدل على جواز ذلك وأن الأصل هو الاستغفار للجميع، إلا من تبين لنا أنه عيناً من أصحاب الجحيم، كفرعون وهامان وقارون، وغيرهم ممن صح برهان يستثنيهم، أي أن حظر الاستغفار يقع فيمن تقوم عليه الحجة بلا مرية وفقهها، فيعاندها، ومن يتبيّن لنا أنه عدو لله، كالسفاحين والطغاة المجرمين. وفي هذا الصدد يمكن الرجوع لكتابات علماء المسلمين في حكم الحكم على مصير المعين، لذلك وبهذا نفهم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طلب إذنه عز وجل أن يستغفر لأمّة، فلم يؤذن له، ولو كان يحرم الاستغفار للمشركين مطلقا، لما استأذن أصلا، إذ أن حادثة استئذانه لأمه جاءت في أخريات حياته كما أسلفنا، ووفاة أبي طالب كان في مكة في بدايات البعثة .

إبراهيم وعيسى يستغفرون لما كفر بهم

ومما نرد به على من يحظر الاستغفار لغير المسلم، قول إبراهيم عليه السلام: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. فهذا أبو الأنبياء يطلب المغفرة والرحمة حتى لمن عصاه!، وهو سلوك الأنبياء دائما كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه قال: (كأني أنظر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). وهو نفس سلوك المسيح عيسى عليه السلام أيضا، كما في الآية :”إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” ، رغم علمه بأنهم عصوه وعبدوه من دون الله. وقد روى البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي؟! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} قَالَ فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ «..

فتأمل أيها القارئ ما جمعته في المقالين بإنصاف، رغم أنه غيض من فيض رحمات القرآن، إلا أن فيه غنية وأدلة واضحة تعارض ما لقنا من عقائد لا إنسانية . نسأل الله الرحمة لجميع الصالحين في كل الملل والأديان.

Comments

comments

شاهد أيضاً

gettyimages-532858307_slide-da37980ebbf67869fa886c08cb60eee941232242-s900-c85

“صحيح البخاري”.. مجهود بشري غير مقدس لكنه مهم

شهد المغرب خلال منتصف القرن الماضي نقاشات دينية ساخنة، وردودا علمية رصينة، كان من أبرزها …

2 تعليقان

  1. كما يقولون هنا في الأمريكا. انت تلقط الكرز. الأصل الرد بالحجة. لم اجد الرد على النصوص الآمرة بعدم الترحم. اسردت ما تظنه انه حجة لرأيك وتركت الرد على النصوص التي يستشهدون بها. اترك تفخيم نفسك وهات الدليل.

  2. الترحم على أموات الكفار لا يجوز، سواء كانوا من اليهود والنصارى، أو كانوا من غيرهم، لقوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ {التوبة:113}.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في مجموع الفتاوى: وقد قال تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ـ في الدعاء، ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك. انتهى.

    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لا اعلم حقيقتا ان كنت تجتهد وتخطأ ام مادا الله وحده اعلم بسريرتك فانت في معظم ارآئك وفتاويك تخالف جمهور اهل العلم والائمة الكبار!!!

اترك رد