ما هو التطور؟

ورحلة البيغل Beagle الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، أما بعد إخواني وأخواتي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أُكمِل معكم في هذه الحلقة الحديث عن العوامل الخمسة التي تُؤدي إلى تغير تردد المُستودَع الجيني، فنحن قلنا في الحلقة السابقة أن أي تغير في تردد المُستودَع الجيني – كما عرَّفناه طبعاً – يُساوي أو يُعادِل أو معناه حدوث وحصول تطور، فهذا هو التطور مبدئياً، وطبعاً حتى لا ننسى تكملة التعريف لابد أن نقول ليس فقط أن يحصل تغير في المُستودَع الجيني – أي في تردده – بل وأن ينتقل عبر الأجيال – Across Generations – أيضاً، فلابد أن ينتقل من جيل إلى جيل ومن جيل إلى جيل، فإذا انتقل بهذه الطريقة يكون هذا هو التطور بشكله التام ميكروياً وليس ماكراوياً، أي التطور الـ Micro وليس التطور الـ Macro.
وقفنا عند الحديث على الطفرة، وقلنا مثلاً في جزيرة الدُببة التي مثلنا بها لدينا لونان هما اللون الفاتح واللون الغامق، ثم حدثت طفرة فخرج لدينا لونٌ وسط، فنحن لدينا مثلاً لونٌ بني ولون أبيض ثم خرج لنا لون رمادي- Gray – مثلاً، فهو ليس بنياً وليس أبيضاً وإنما هو مثل لون الفئران، فهذا هو اللون الثالث ، إذن حدث تطور هنا، ولم تبق النسبة على ما هى عليه، فالجينات Genes هذه لم تبق كما هى، وفي عندنا صفات زائدة الآن، فعندنا جينات Genes زائدة أو جينات أضافية أنتجت لنا اللون الرمادي، وهذا هو عمل الطفرة في تغيير تردد المُستودَع الجيني.
لدينا الآن العامل الرابع قبل الأخير لأن هناك خمسة عوامل كما قلنا وهو عامل الحركة، فهو عامل له علاقة بالحركة، ولإيضاحه سنفترض أن هذه الجزيرة المُنعزِلة المُغلَقة بسبب أو بآخر تم قدوم دُببة جديدة إليها وهى تحمل صفات أخرى بخصوص اللون – طبعاً هذه الصفات كثيرة جداً جداً لكن نحن نُبسِّط فقط، فنذكر هذه الصفة فقط لأننا نُجرِّد ونُبسِّط فقط، فنتحدث عن صفة واحدة من عشرات أو مئات الصفات، لأن المُستودَع الجيني يتعلق بكل الصفات الخاصة بهذه العشيرة، لكن نحن لابد أن نُبسِّط طبعاً، فهكذا نتحدَّث عن سائر الصفات دون أن يكون عندنا مُشكِلة – فهل يتغير التردد أو لا يتغير بمجيء هؤلاء الضيوف الجُدد؟ يتغيَّر مباشرةً.

المستودع الجينيإذا جاءت سفينة ورست وكان فيها بعض الدُببة التي تسربت إليها أو سُربت سوف يتغيَّر تردد المُستودَع الجيني، والعكس صحيح إذا قررت بعض هذه الدُببة أن تنتحر بعد تجارب عاطفية فاشلة فألقت بنفسها في عمق المُحيط أو هاجرت بأي طريقةٍ أو أخرى فسوف يتغيَّر هنا هذا التردد أيضاً على كل حال، فلا تقل لي أن هذا إسمه الحركة، ولكن هذا إسمه الانسياب الجيني Gene Flow، حيث تأتي جينات Genes وتذهب أُخرى، فهذا هوعامل الانسياب الجيني Gene Flow، علماً بأن العوامل الأربعة المشروحة سابقاً لا تأثير لها وحدها في إحداث التطور، أيٌ منها قد يحدث ولا يحدث التطور لأننا ذكرنا أن التطور ليس مُجرَد تغير في المُستودَع الجيني وفي تردد المُستودَع الجيني فقط، وإنما هو تغير فيه مع انتقاله إلى الأجيال، أي عبر الأجيال، فلابد أن يثبت وينتقل، لكن كيف ينتقل إذن؟ وما الذي يضمن نقله؟ وكيف يتم تثبيته ونقله من جيل إلى جيل؟ عن طريق العامل الخامس، لكن ما هو العامل الخامس؟ هذا هو صلب نظرية التطو، فإذا قرأت نظرية داروين Darwin في النُسخة الأصلية من أصل الأنواع للتطور سوف تجد أن هذا العامل الخامس هو العمود الفقري والمحور والمركز، وهو الانتخاب الطبيعي – Natural Selection – أو الانتقاء الطبيعي أو الاصطفاء الطبيعي، فلا يعنينا ما هى الترجمة تحديداً لوجود ترجمات غير دقيقة على كل حال، فهذا ليس مُهِماً لكنه مفهوم، فالمقصود مفهوم تماماً سواء قلنا الاصطفاء أو الانتخاب أو الانتقاء الطبيعي Natural Selection، فليس عندنا أي مُشكِلة في هذا، لكن ما هو الانتخاب الطبيعي؟ هو جوهر النظرية وأهم شيئ في النظرية، وهو أهم عامل في العوامل الخمسة، وطعباً لا يشتغل وحده أبداً ولن يكون له أي فائدة أو أي دور، وسوف يكون وجوده كعدمه، لكن الانتخاب الطبيعي مُهِم وحيوي وخطير وشغال حين يُوجَد عامل من العوامل الأربعة أو تجتمع حتى أربعتها لأن هذا سيكون أحسن وأحسن، فيشتغل الآن الانتخاب الطبيعي بحماس وبنشاط، لكن ما هو الانتخاب الطبيعي؟ الانتخاب الطبيعي باختصار هو انتخاب وتخير وانتقاء غير عشوائي Non-Random Selection، فإذن هو اختيار غير عشوائي لكن قبل أن نمضي في التعريف لابد أن نعرف ما هى العشوائية أصلاً، فحين نقول هذا اختيار عشوائي أو يتم بطريقة عشوائية – Randomly – أو بطريقة غشر عشوائية لابد أن نقول ما هى العشوائية أولاً، فالعشوائية هى التي تفتقر إلى المنطق والمعنى كيفما اتفق، يعني مثلاً أنا الآن أمامي وبين يدي أشياء مُعينة، ولكنني سوف أنظر هكذا إلى الجهة أخرى وآخذ أي شيئ دون أن أكترث بالمأخوذ، ومن ثم سوف يُقال أنا اخترت منها شيئاً عشوائياً أو بطريقة عشوائية، لكن إذا نظرت هكذا بدقة وأخذت أكبرها علماً بأنني في كل مرة أتنقى الأكبر سوف يُقال أن انتقائي ليس عشوائياً، لكن انتقائي يدور على معنى مُعين، وهذا المعنى هو الحجم، فأنا دائماً أعتبر بالحجم، وبالتالي من الواضح أن عدنان يأخذ الأكبر مثلاً، فهذا الانتقاء ليس عشوائياً، وهناك آخر لا يهتم بالحجم وإنما يهتم – مثلاً – بالألق وباللمعان، فيقبض دائماً على أجسام مُعينة تكون أكثر لمعاناً، فيفعل هذا في المرة الأولى وفي المرة الثانية، فيقبض على الأكثر لمعاناً وهكذا، فيُقال أن اختياره غير عشوائي لأنه يعتبر ويأخذ في اعتباره معيار اللمعان والألق، وكذلك الانتخاب الطبيعي، فهو ليس عشوائياً ولكنه انتخاب لصفات تحدث وتحصل عشوائياً Randomly، أي تحدث بطريقة عشوائية، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه، وسوف نرى الآن مثالاً على هذا، فهل موضوع الطفرة – مثلاً – عشوائي أم غير عشوائي؟ عشوائي لأنه بسبب خطأ مُعيَّن في النسخ – كما قلنا – وذلك بسبب الكمياويات والسموم وتأثير الأشِعة، فيحدث خطأ طبعاً عشوائي كيفما اتفق، لذلك – كما قلنا – النمط الذي يُفسَّر به هذا الخطأ على المُستوى الجيني الداخلي قد يكون مُهلِكاً أو ضاراً جداً، فقد يُوجَد إنسان – مثلاً – بعين زائدة أو بثمانية أصابع أو برأسين أو وجهه إلى الخلف وهذا شيئ عجيب مُخيف، فكل أشكال الشذوذات – Anomalies – الكريهة والبغيضة والمُدمِّرة والمُميتة أحياناً طبعاً هى أخطاء عشوائية، فمثلاً – كما قلنا – الوباء الذي جاء إلى الجزيرة وأهلك نصف السكان أو سبعين في المائة يُعتبَر حدثاً عشوائياً في نظر العلم والعلماء.

فلنفترض أن هذه الدُببة التي نتحدَّث عنها هى دُببة تعيش في منطقة القطب الشمالي، مثل شمال ألاسكا Alaska وكندا Canada وجرينلاند Greenland وروسيا Russia وفي هذه الأماكن المعروفة في شمال كل ما ذُكِر من فوق، وهى منطقة طبعاً يُلفِّعها على مدى اثني عشرة شهراً اللون الأبيض الثلجي، ولدينا دُببة الآن بُنية، وهذه الدُببة البُنية فرصتها في الحياة والبقاء والامتداد أضعف بكثير من الدُببة البيضاء، وفي كلتا الجهتين – أي من جهة الطرائد ومن جهة المُفترِسات – إذا أراد الدُب أن يُطارِد طريدة معينة سوف تراه لأنه واضح جداً، فالجو والأفق كله أبيض وهو بُني، ومن ثم الطريدة سوف تراه على بعد اثنين أو ثلاثة كيلو متر فتهرب دائماً منه، وبالتالي لن يقدرعلى هذا وسوف يموت هذا المسكين بالجوع، خاصة لو افترضنا – مثلاً – أن الطريدة فوق وليست – مثلاً – سمكة تحت – لأن الدب يحفر ويأكل الأسماك، لكننا نتحدث عن الطرائد التي هى فوق مثلاً – طبعاً، وكذلك لو افترضنا أن هناك مُفترِس موجود في هذه الأماكن ويترصد هذا الدُب الصغير البُني فإنه سوف يستيطع أن يراه بسهولة، فهناك أنواع – مثلاً – من الذئاب المُفترِسة هنا، وبالتالي ترى هذا الدُب الصغير بسهولة وسوف تستطيع أن تفتك به، فإذن هذه الصفة – أي صفة اللون البُني للدب في منطقة القطب الشمالي – صفة غير مُحبَّذة وصفة غير جيدة وغير مُتلائمة بطريقة مُمتازة مع البيئة وشرط البيئة، ومن هنا مصير حامليها هو الهلاك والتلاشي، ولو افترضنا الآن أن في البداية- مثلاً – قبل مئات ملايين السنين كان كل الدُببة هناك من ذوات اللون بُني، فهذه الدُببة ستهلك بمرور الزمن لأنها غير مُتكيفة مع البيئة، لكن حدثت طفرة بطريقةٍ ما وولَّدت اللون الأبيض في فردين أو في ثلاثة من بين مئات ألوف الدُببة مثلاً، وبمرور الزمن الذي سيحدث هو أن هذه الصفة سيشتغل عليها الانتخاب الطبيعي الآن، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه، فهو لديه صفة اللون البُني وصفة اللون الأبيض، ووضح أن اللون الأبيض هو الأكثر تلائماً وتكيفاً مع البيئة القطبية، فإذن صاحبه لديه فرصة أكبر في البقاء لأن من الصعب أن تراه طرائده ومن الصعب أن تراه أيضاً مُفترِساته، وبالتالي هذه فرصة مُمتازة، ومن هنا هو يشتغل جيداً على المُستويين وعلى الجناحين، وبعد فترة زمنية طويلة سوف نرى أن مُعظم الدُببة البيضاء – مثل مثال الفراشة المُنقَطة في بريطانيا – هى التي تسود، أما الدببة البُنية هى التي تنقرض وتنتهي، فيُقال هنا أن الانتخاب الطبيعي هو الذي اشتغل وأنه هو المسؤول عن هذه النتيجة الجيدة، وهى نتيجة سيادة اللون الأبيض وانتهاء وانقراض اللون البُني وذلك لأنه غير مُتكيف، وهذا ما يُعرَف بالبقاء للأصلح – Fittest – حيث يفوز دائماً في معركة البقاء الأكثر تكيفاً، وهكذا الحال في كل الصفات.
نفترض – مثلاً – أن منطقة فيها غزلان وفيها أسود ونمور وببور وفهود ومُفترِسات للغزلان، وهذه الغزلان تسير من ملايين السنين بسرعة مُعيَّنة ثم ظهرت طفرة مُعيَّنة جعلت الغزال حاملها يسير بسرعات أكبر، فيُحدِث قفزات – مثلاً – لمسافة أربعة متر أو خمسة متر، أي ضعف ما يقطعه – مثلاً – الغزال المعهود، فهل هذه الطفرة جيدة أو غير جيدة؟

هذه الطفرة مُمتازة، ومن ثم هذه الطفرة سوف تثبت وينتخبها الانتخاب الطبيعي، لكن قد يقول لي أحدكم هل الانتخاب الطبيعي هذا رجل أو امرأة أو عقل أو كون؟ ما القصة إذن؟ وأنا أقول بدوري أن الانتخاب ليس كذلك، فهذه كلها تعبيرات شاعرية، وداروين Darwin كان مُتأسِفاً لانتقاء هذه التعبيرات، فهو أدرك أن هذا المجاز – Metaphor – المُتعلِّق بالانتخاب الطبيعي له تأثير سيء، علماً بأنه قال هذا في أصل الأنواع، فالانتخاب الطبيعي يُصوَّر على أنه يشتغل ليل نهار على مدار الأربع والعشرين ساعة وأنه ينظر ويُراقِب، فهو يصفه كأنه رجل حكيم وهو ليس كذلك طبعاً، فلا يُوجَد شيئ أصلاً إسمه الانتخاب الطبيعي، لكن كل ما يحصل هو ما شرحته لكم فقط، لكن نحن في رأسنا مُصطلَحات عن مسألة الانتخاب الطبيعي، وهذه المُصطلَحات يُمكِن أن نُسميها بالمُصطلَحات الكيانية، كأن هناك كيانية – Entity – مُعيَّنة للانتخاب الطبيعي وهذا غير صحيح، فلو شطبت على هذه المُصطلَحات وفكَّرت بعقلية مُختلِفة تماماً وكذلك بمُعجمية مُختلِفة تماماً سوف تقول أن هذه الصفة تُفيد صاحبها أكثر من الصفة الأخرى، فتجعله أكثر تلاؤماً مع البيئة واستجابةً لتحدياتها، فبالحري أن فرصته في الامتداد والنجاة والبقاء والتكاثر تكون أكثر من فرصة إخوانه، سوف تقول هذا الكلام فقط دون أن تقول أن هناك شيئ إسمه الانتخاب الطبيعي الذي ينتخب وينظر ويُراقِب، ودون أن تتساءل ما هو هذا؟ وهل هذا بديل عن الله عز وجل؟ ومثل هذا الكلام غير العلمي، كما يستخدم الأدباء والفلاسفة ورجال الدين المجاز Metaphorl، فيجب أن ننتبه أن العلماء يفعلون هذا كثيراً جداً وإن كانوا هم الأقل طبعاً، فبلا شك أن العلماء في نهاية المطاف أقل بكثير من الأدباء والشعراء ورجال الدين في استخدام اللغة الشعرية Poetic language أو اللغة المجازية، لكنهم يفعلون ويستخدمون هذا، ومن ثم تجد هذا في علم الفلك وفي علم الجغرافيا وفي علم الجيولوجيا Geology وفي علم الأحياء وفي علم الفيزياء، فهذا موجود وخاصة في الفيزياء، فهم يستخدمون هذا إلى اليوم، فلا يُوجَد فيزيائي يقول – مثلاً – الآن حين تدور الأرض حول محورها في مُقابِل الشمس يحدث كذا وكذا وذلك لأنه يُريد أن يُعبِّر عن الغروب مثلاً، فهذا شيئ مُرهِق جداً ومُزعِج، لكنه يقول “غربت الشمس وأشرقت الشمس”، وفي الحقيقة الشمس لم تغرب ولم تشرق، فالفيزيائي يعرف كيف تتم العملية ولكن نسبته إلى الشمس الغروب والشروق نسبة صحيحة في إطار المجاز والتشبيه والاستعارة، فهو يعرف هذا ويفهم تماماً كيف تتم الظاهرة في واقع الأمر، وبالتالي لا تحاسبه إلى هذه اللغة المجازية، ومن هنا علينا أن ننتبه إلى أن بعض الناس غير المُحقِقين للأسف يستخدم أو يتورط ويُورِطنا معه في هذه الورطة، فيقول لك تشارلز داروين Charles Darwin تكلم عن الانتخاب الطبيعي كأنه إله عاقل دارٍ له إرادة، وهو في الحقيقة ليس له هذا، وهو يعرف هذا وكان مُتأسِفاً لهذه اللغة، وقال “هذه اللغة سببت سوء فهم والتباس”، وحذر منها الرجل بألم، ولكن هذا اللي حصل، فثبت المُصطلَح إلى الآن، ومن ثم يُقال الانتخاب الطبيعي وكأن الطبيعة تنتخب وتنتقي وتتخير الأشياء الأكثر صلاحاً، وكأن عندها دستور ومعيار لتحديد الصلاح والأصلح واللاأصلح، وهذا الكلام غير موجود أبداً، فلا يُوجَد دستور في الطبيعة ولا يُوجَد كتاب أو قوانين أو لائحة، لكن هكذا تجري الأمور، فطبيعي أن الغزال الذي يستطيع أن يقفز وأن يُسرِع أكثر من إخوانه وأكثر من آبائه يعيش ويمتد أكثر منهم، لكن طبعاً في شيئ إسمه سباق التسلح – Arms Race – التطوري أو سباقات التسلح التطورية Evolutionary Arms Races، وفعلاً لما الغزال يفعل هذا ويُولِّد بعد ذلك عدداً من الغزلان مثله سوف يكون من الطبيعي أن الفهد يُحسِّن من أدائه أيضاً، وأي طفرة تقع للفهد سوف تجعله أكثر قدرة على الهجوم، وطبعاً الآن في عندك الجاكوار Jaguar الذي يسير بسرعة تصل إلى ثمانين كيلو متر في الساعة، وهذا شيئ مُخيف، فلك أن تتخيَّل أنه يسير بهذه السرعة مع قوة فكيه قوية طبعاً فضلاً عن قدرته على القبض والمُناوَرة، وهذا شيئ عجيب، لكن هذا إسمه سباق التسلح التطوري، وهو حادث فعلاً، وسوف نتحدث عنه في حلقات مُقبِلة – إن شاء الله – بنوع من التفصيل، علماً بأنه يحدث حتى في عالم النبات، وهذا شيئ عجيب، لكن على كل حال هذا يُحسِّن من أدائه وهذا يُحسِّن من أدائه وهذا يُحسِّن من أدائه وهذا يُحسِّن من أدائه، وهكذا باستمرار، فهو سباق حتى الموت، لأن هذه هى الطبيعة وهذا هو صراع الطبيعة، فهوصراع من أجل البقاء، فلا يبقى فيها إلا الأصلح، وفي نهاية المطاف لو تُرِكَت الطبيعة كما هى بين هذه الكائنات المُتنافِسة فيحيا الكل ويمتد الكل سوف تبقى تقريباً النسب ثابتة، فهناك حالة من التوازن – Balance – في الطبيعة، وهذا التوازن توازن – لا إله إلا الله – موجود ما لم تأت كارثة كونية أو بيئية تتسبب في انقراض حيوانات، أو حالات من الجفاف مثلاً لا تتكيف معها الحيوانات، وهنا أيضاً يشتغل الانتخاب الطبيعي، فلما يحدث نوع من الجفاف – مثلاً – في مواسم مُتتالية أو موسمين أو ثلاثة أو أربعة تموت طبعاً الحيوانات، وفي بعض الأحوال ينتقل الحيوان إلى بيئات أخرى، فإن أمكن أن يتكيف فيها تكيَّف ونجا، ولكن إن لم يُمكِن هلك وانتهى وزوى، وعلى كل حال بعض هذه الحيوانات يُحاوِل أن يتكيف في نفس البيئة التي أُصيبت بهذا التجفاف أو الجفاف، والقليل يُفلِح أن يتكيف ويمتد لكن الأكثر ينتهي، والذي ينتهي يُقال عنه أنه غير صالح لهذه البيئة الجديدة طبعاً، لأنه صالح للبيئة القديمة التي تعود عليها، لكنه الآن غير صالح وبالتالي ينتهي إذن، فهذا هو منطق الطبيعة أو كما يقولون منطق الانتخاب، والذي طوًّر صفات مُعينة لأي سبب من الأسباب أمكنته أن يتعايش مع هذا الجفاف ومع هذه الضحالة في الموارد الطارئة سوف يعيش وسوف يُقال انه الأصلح بمشروط الجديدة، فهو الأصلح ومن ثم سوف يمتد، ولذلك كما قلت لكم في حلقة سابقة نحن – أي أنا وأنت وهو وهى – جميعاً الآن – طبعاً علماء التطور يُحِبون أن يتحدثوا كثيرة عن هذه المسألة بطريقة شاعرية وامتنانية للطبيعة – وكل حي الآن – مثل كل الذئاب وكل الثعالب وكل الحيات والسحالي والعظايا Lizards وكل هذه الأشياء العائشة – نُمثِّل قصة انتصار Triumph، فلو لم ينتصر آباؤنا ولم ينتصر آباؤهم من قبل وآباء آبائهم ما أتينا نحن، وهذا شيئ عجيب، لكن في علم الأحياء هناك حقيقة تقريباً يُجمِع عليها كل علماء الأحياء، فهم يقولون “تسعة وتسعون في المائة من الأنواع التي شهدتها الأرض أو شهدها الكوكب انقرضت، وواحد في المائة فقط هو الذي لم ينقرض”، وهذا شيئ عجيب، لكن هذا ما حدث رغم كل هذا التنوع الموجود، ومن هنا قد يسأل سائل كم نوع الآن يدب على وجه الأرض؟ علماً بأننا نتحدَّث عن وجه الأرض بما فيه من مُحيطات وبحار طبعاً، وعلى كل حال لا يُوجد رقم ثابت – Fixed – أو مُؤكَد، لكن العلماء يتحدَّثون عن رقم يتراوح بين عشرة مليون إلى مائة مليون نوع، فعلماء الأحياء يقولون أن عندنا أو لدينا ما بين عشرة ملايين من الأنواع إلى مائة مليون، فمن المُمكِن أن يكون العدد عشرين ومن المُمكِن أن يكون سبعين ومن المُمكِن أن يكون خمسة وخمسين ومن المُمكِن أن يكون غير ذلك، فنحن لا بنعرف، لكن هم قالوا ما بين عشرة مليون ومائة مليون نوع لأن من الصعب الإحصاء، فالإحصاء صعب جداً جداً جداً،

سفينة البيغل
سفينة البيغل

وسوف نرى في رحلة البيجل Beagle الخاصة بداروين Darwin كيف أنه رأى في مكان واحد في البرازيل وفي يوم واحد وفي ساعة واحدة عدداً كبيراً لأنواع من الخنافسBeetles، حتى أن داروين Darwin تعجَّب من هذا، وكان مُؤمِناً طبعاً بالله ، ومُؤمِناً بالتصميم – Design – وبخطة الله في الخلق، فقال هذا شيئ عجب مثلما يقول أي شيخ اليوم أو قسيس أو حاخام اليوم أن هذا شيئ عجيب، فهكذا كان داروين Darwin أيامها، وهذا شيئ لا يُصدَق، لكنه رأى مكان مُحدَد أنواعاً كثيرة من الخنافس فقط، وكل نوع يختلف عن الثاني من حيثية ما, وعلى كل حال واحد في المائة هو الباقي فقط، ونحن كلنا – كل المخلوقات وليس البشر فقط، أي سبعة ملايير البشر وكل المخلوقات الأخرى أيضاً – أنسال وأخلاف الكائنات المُنتصِرة التي فازت في معركة صراع البقاء – Survival – وصراع الوجود، فنحن انتصرنا ولكن طبعاً الكثير منا تساقط، فأي أحد فينا لا يُقضى له بأن يُعقِّب الأولاد من بعده سوف ينقرض وبالتالي سوف يسقط هذا الفرع – إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ۩- وينتهي ولن يبقى ما يُذكِّر به، وهناك آخرون يتركون نسلاً وأولاداً وبالتالي سوف يمتدون إلى أن ينتهوا في يوم من الأيام أو يظلون إلى ما شاء الله، وعلى كل حال هذا هو لكن طبعاً لا يُوجَد شيئ يبقى إلى ما لا نهاية، فكل شيئ له نهاية، فالإنسان له نهاية والأرض لها نهاية والكون كله لابد أن تكون له نهاية، فعلى الأقل العلم نفسه هو الذي يتحدَّث ويقول هذا.

إذن هذا هو العامل الخامس والأخير من العوامل التي تعمل على إحداث التطور، فكأن هذا العامل الخامس هو تتويج للعوامل الأربعة التي يشتغل عليها، فهى مادة خام له – Raw Material – له، وبغير هذه المادة الخام لا يُمكِن للانتخاب الطبيعي – Natural Selection – أن يعمل شيئاً، لكن بغير الانتخاب الطبيعي – Natural Selection – سوف تكون هذه العوامل الأربعة غير مُفيدة في إحداث التكيف – Adaptation – وفي إحداث التلاؤم، فأنت لكي تعيش وتمتد لابد من أن تتلاءم وأن تتكيف مع بيئتك، والذي يقوم بهذه العملية هو الانتخاب الطبيعي – Natural Selection – الذي يقول أنا أُفضِّل المُتكيِّف ومن ثم أستبقيه، لكن هناك سؤال مُهِم يجب أن ننتبه إليه وهو هل يشتغل الانتخاب الطبيعي على أجسام أم على على خطط الأجسام؟ والجواب هو أنه يشتغل على خطط الأجسام، فهو لا يهتم بالجسم نفسه، كما أنه لا يهتم بالفرد – علماً بأننا سوف نختم بهاتين المُلاحَظتين لكي ننتهي من تعريف التطور، لأننا حتى الآن في تعريف التطور علمياً – ولا بالنمط الظاهري، لكنه يهتم بالمجموع، وذلك لأن التطور أصلاً لا يُفهَم إلا في إطار جماعات طبعاً، فلا يُوجَد تطور على مُستوى فرد واحد، هذا كلام فارغ، فلابد من مجموعات وعشائر – Population – كما رأينا، فلا يحدث تطور لفرد واحد، هذا أمر مُستحيل، أما الشيئ الثاني فهو أن الاعتبار ليس بالنمط الظاهري أو بالجسم أو بالهيئة الظاهرية كالسرعة والقوة، لكن كيف هذا؟ قد يقول لي أحدكم أن هذا يتعارض مع مثال الغزال الأسرع، ولكن نحن قلنا أن التطور لا يكون لأنه فقط الأسرع من خلال طفرة ما، فلابد أن يُورِّثها لكي تستمر، أي أن يعني يعمل لها تمريراً – Passing On – إلى غيره، فهذه الطفرة يجب أن تمر، ولكن قد تسألني عبر ماذا سوف تمر؟ هل هى تمر عبر العضلات واليدين والرجلين وما إلى ذلك؟ هل تمر عبر وصية تُكتَب مثلاً؟ الصحيح هو أنها تمر عبر الجينات DNA StrandsGenes، فهى لا تمر إلا عبر الـ DNA وعبر الجينات Genes، ولذلك الشغل كله سوف يكون على الجينات Genes، فالمُهِم في الموضوع هو الجينات Genes، ومن هنا خطرت لعلماء التطور فكرة فظيعة وغريبة بل ومُؤذية أحياناً، فهم قالوا أن الإنسان والحيوان بل وحتى النباتات وكل المخلوقات التي تحمل الجينات Genes – حتى النباتات عندها DNA وحتى البكتيريا والفيروس Virus – كلها مُجرَد عربات ومركبات للجينات Genes، فنحن مُجرَّد مراكب للجينات Genes، وهذه الجينات Genes تمتطينا لكي تبلغ أجلاً هى بالغته، فهى تُريد أن تبلغ محطات مُعينة وبالتالي تركبنا من أجل هذا، وفي هذا الإطار ألف عالم الأحياء التطوري المشهور عالمياً طبعاً – علماً بأنه ليس مشهوراً فقط بفضل علمه العظيم والمُتقَن طبعاً بلا شك في الأحياء التطورية ولكن بإلحاده طبعاً بشكل أكثر وبتحديه للأديان وللآلهة – ريتشارد دوكنز Richard Dawkins، فله كتاب مشهور جداً – هذا الكتاب الذي شهره في العالم، وهو إلى الآن أشهر كتاب له مع أنه تقريباً أول كتاب نزل له في السوق وذلك في سنة ألف وتسعمائة وسبع وسبعين تقريباً ، وهو كتاب – إسمه الجين الأناني The Selfish Gene، أي المُورِّثة الأنانية، وطبعاً الكتاب أعمق مما ذكرت وهو يُفسِّر أشياء كثيرة وعجيبة جداً جداً، فهناك علم جديد في الستينيات إسمه علم الأحياء الاجتماعية Sociobiology، ولكتاب الجين الأناني The Selfish Gene إسهام كبير وبسط كثير لهذا العلم ولكن بلغة يفهمها العامة أو الجمهور.

ريتشارد دوكنز
ريتشارد دوكنز

على كل حال قالوا نحن مُجرَد مراكب، والانتخاب الطبيعي عندما يشتغل لا يشتغل على الأجسام وإنما يشتغل على الجينات Genes من الداخل وعلى الخارطة الجينية، ثم يقوم يعمل شيئ مثل الـ Tickling الخاص بالسمكرة وليس بكرة القدم طبعاً، فهو نوع من السمكرة، لذا مُعظم علماء التطور تقريباً يستخدمون هذا المُصطلَح ويتحدثون عن الـ Tickling وعن السمكرة وكيفية حدوثها، فالسمكرة لا تتم على الأجسام وإنما تتم على الجينات Genes، وهذا شيئ مُهِم جداً لكي نفهم التطور.

فأولاً هو يشتغل على مُستوى المجموعات وليس على مُستوى الأفراد، وثانياً هو يشتغل على النمط الجيني وعلى الجينات Genes وليس على النمط الظاهري.
بعد إذ انتهينا من تعاريف التطور وكيف يتم التطور بالتغير الواقع أو الحاصل والحادث في تواتر المُستودَع الجيني عبر عوامل خمسة أوأربعة يتوجها الانتخاب الطبيعي وهو أهمها سنذكر هذه العوامل سريعاً، فهذه العوامل هى تقليص عدد العشيرة أو الجماعة والتزاوج والطفرة والانسياب الجيني – Genetic Flow – ثك الانتخاب الطبيعي، فنحن فهمنا التطور إلى هنا، وإلى الآن هو تطور ميكروي – Micro – طبعاً، فمن المُهِم جداً أن نعرف أن هذا التطور – ميكروي – Micro – لكن كيف نتحول إلى التطور الماكروي – Macro – الآن؟ قالوا يتم هذا بنفس الطريقة ولكن مع تراكم التغيرات في زمانية أطول جداً، فإذا أمكن هذا وتغيَّرت صفات الكائن مثل لونه وحجم عضلاته وحجم جسمه وحجم القدرة على – مثلاً – التهام الطعام وطريقة التعايش والكثير من الأشياء التي تتعلق به وبمسلكياته لكن عبر أجيال – في آلاف الأجيال أو عشرات آلاف الأجيال أو مئات آلاف الأجيال مثلاً – سوف ينتهي الأمر في النهاية الأمر إلى ظهور أنواع جديدة.

تشارلز داروين
تشارلز داروين

فهذه فرضية إذن، ومن ثم سوف ندرسها في وقتها وسوف نرى ما هى أدلتها وهل عليها أدلة وهل عليها بيّنات أم لا، لأنها طبعاً بالأسلوب التجريبي – Empirical – غير قابلة للتجريب، لكن التطورالميكروي – Micro – قابل للتجريب وقابل للمُلاحَظة – Observable&Testable – وبالتالي تستطيع أن تلاحظه وأن تجربه لأنه قابل لهذا، وخاصة في عالم الكائنات الأولية كما قلنا، وهذا مُمكِن حتى تطبيقه على السمك والفراشات وما إلى ذلك بخصوص أشياء مُعينة، وسوف نرى تجارب من أجمل ما يكون – لأنها تُدغدِغ الخيال – قام بها علماء في عشرين سنة وفي ثلاثين سنة، فهك قاموا بتجارب مُتواصِلة على أسماك مُعينة وعلى أشياء كثيرة، وهذا شيئ عجيب مُمتِع، لكن كله ميكروي Micro – في نهاية المطاف، فهذا يحصل إذن وهو قابل للمُلاحَظة وقابل للاختبار، لكن الماكروي – Macro – غير قابل للاختبار، لكن هل يقبل المُلاحَظة؟ علماء التطور يُؤكِدون بحماس أنه يقبل المُلاحَظة ويقولون “لدينا عشرات الأدلة تُؤكِد هذا، لكن عليك أن تُلاحِظها بدقة وذكاء وسوف تفهم ، وهذه لا يُوجَد له أي تفسير معقول أو أكثر معقولية من نظرية التطور الماكروي Macro- – طبعاً”، فهم يقولون أن هذا من نظرهم يُعَد تطوراً، وهناك صلة نسبية حقيقية بين الكائنات تُؤكِد أن بعضها تطور من بعض، علماً بأننا سوف نرى أدلة حقيقةً من المفروض ألا يُستهان بها لأن دلالتها ليست سهلة، ولكن سنتركها لوقتها إن شاء الله.

جان بابتيست دي لامارك
جان بابتيست دي لامارك

طبعاً لاحظوا معي أننا إلى الآن نحن في هذه المُحاضَرة اليوم بل وربما في المُحاضَرة السابقة لم ندخل بعد إلى المُؤيِدات، طبعاً نحن دخلنا في صلب الموضوع لأننا نحاول أن نتعرف على ما هو التطور لكننا لم ندخل إلى المُؤيِدات، فنحن نُريد أن نذكر المُؤيِدات وأن نُسلسلها – إن شاء الله – في حلقات لكي نشرحها مثل هذا الشرح المُسهَب والمُفصَل والمفهوم، وذلك لكي نفهم التطور بعمق ولكي نعرف ما هو التطور، لكن قبل ذلك علينا أن نعود إلى صاحب الفضل وصاحب النظرية – تشارلز داروين Charles Darwin – لكي نرى كيف توصل إلى بناء نظريته وما الذي ألهمه نظريته وكيف استلهم هذه النظرية وكيف توصل إليها، وخاصةً أن فكرة التطور ليست من ابتداعاته أو بنات أفكاره، فقبله علماء كبار يفوقونه شهرةً بمراحل – طبعاً آنذاك – وتحدَّثوا عنها، مثل الفرنسي جان بابتيست دي لامارك Jean-Baptiste Lamarck كما قلنا، فهذا عالم كبير وواحد من كبار علماء الأحياء في فرنسا على الإطلاق، وله نظرية مشهورة جداً في التطور، وهى النظرية المعروفة باللاماركية Lamarckism – أي نظرية دي لامارك Lamarck de في التطور – وهى نظرية الاستعمال والاهمال، فتحدَّث لامارك Lamarck عن التطور إذن، وأيضاً يوجد الفرنسي الآخر الذي يُعتبَر من الرادة والقادة العظام بل هو أول عالم في التاريخ الطبيعي في العصر الحديث تحدث عن التطور من زاوية علمية وهو   جورج دي بوفون

جورج دي بوفون
جورج دي بوفون

Georges de Buffon، فضلاً عن أن فولتير Voltaire تحدَّث عن التطور وكذلك سانت أوغسطين Saint Augustine تحدَّث عن التطور، وعندنا في الإسلام – كما قلنا – ابن سينا والجاحظ ومسكويه صاحب تجارب الأمم وإخوان الصفا وابن خلدون، وهناك عدد من فلاسفة اليونان تحدَّثوا عن التطور، وكذلك الحال مع الرومان حيث أنهم تحدَّثوا عن التطور، فهذه الأحاديث موجودة ولكنها أحاديث فلسفية وبعضها أحاديث دينية وتأملات روحية، وهذا على عكس العالم الفرنسي أيضاً بوفون Buffon – جورج دي بوفون Georges de Buffon – الذي تحدَّث في القرن الثامن عشر عن التطور من زاوية علمية، وتحدَّث عن خروج الأنواع بعضها من بعض، وعلى كل حال لن أُفصِل في نظرية بوفون Buffon لأنها موجودة في أي كتاب في تاريخ علم الأحياء، لكن القصد هو أن أقول أن داروين Darwin لم يبتدع أساساً فكرة التطور لأن الفكرة موجودة والفكرة شائعة في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر وهو قرن داروين Darwin طبعاً، فداروين Darwin وُلِدَ في ألف وثمانمائة وتسع، وهذا هو القرن التاسع عشر طبعاً وليس الثامن عشر، وكانت مألوفة جداً، وكان جده إراسموس داروين Erasmus Darwin – كما قلنا – عنده كتاب إسمه Zoonomia، وكان عالماً وفيلسوفاً وشاعراً، فهو عالم حتى في النباتات – Botaniker – أيضاً، وتحدثعن تطور الأنواع وخروج نوع من نوع، وعنده نظرية في هذا الكتاب قد قرأها داروين Darwin حين كان صغيراً، وقال “أُعجِبت وملأني الإعجاب بهذه النظرية – أي بنظرية جدي – لكن الحق هو أنني بعد فترة طويلة – ربما زهاء بضع عشرة سنة – عُدت إلى الكتاب فخيب أملي – أي قرأتZoonomia مرة أخرى فخيب أملي – لأنني قرأته بعيني طفل أو شاب مُراهِق طبعاً، والآن أقرأه بعين كهل”، علماً بأن الكهل يُراد بها مَن هو فوق الثلاثين طبعاً، وليس ابن الخمسين أو الستين، ومن هنا يُقال أن عيسى كان كهلاً، فعيسى لما مات مات كهلاً، وكان عمره أربع وثلاثين سنة، فهذا هو الكهل إذن، لأن الشباب يكون حتى سن الثلاثين، لكن بعد سن الثلاثين تدخل في الكهولة، فيا كهل انتبه لحالك.

Erasmus Darwin
إراسموس داروين

على كل حال حين قرأ داروين Darwin هذا الكتاب مرة أخرى وهو شاب ناضج في العقد الثالث من عمره قال “لقد خيب أملي، لأنني وجدته مليئاً بالتخمينات وليس بالأسلوب العلمي، فالكتاب كله تخمينات لأنه يقول أنا أعتقد وأنا ظننت – I Think & I Thought – وما إلى ذلك، وهذا لم يُعجِبني لأن ليس هكذا هو الأسلوب العلمي”، وصحيح الأسلوب العلمي لا يكون هكذا، لكن الفكرة الموجودة، فبلا شك أن هذه المصادر مثل لامارك Lamarck وبوفون Buffon وإراسموس داروين Erasmus Darwin وغير هؤلاء وهؤلاء فضلاً عن الحديث الفلسفي عن التطور بلا شك كان حاضراً في ذهن الشاب داروين Darwin الذي يمتطي متن سفينة البيجل Beagle في رحلة حول العالم السُفلي – أي الجنوبي المداري وما دونه لأنها ليست رحلة حول العالم كله حقيقةً – طبعاً، لكن على كل حال نُريد أن نتساءل كيف وصل داروين Darwin إلى هذه النظرية بالضبط؟ ما الذي ألهمه هذه النظرية؟ أي نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي تحديداً وليس كلام بوفون Buffon أو كلام نظريةUse And Disuse Theory ومثل هذا الكلام ،وإنما نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي وبالتالي البقاء للأكثر تكيفاً، أي للأصلح Fittest، فكيف هذا إذن؟

سوف نرى هذا، ولكن سنرجع الآن إلى رحلة البيجل Beagle مرة ثانية لكي نرى أهم المُلاحَظات اللي لاحَظها داروين Darwin في هذه الرحلة، فأنتم تعلمون أنه خرج من المملكة المُتحِدة عبر الأطلسي إلى الأسفل، فعبرت السفينة الأطلسي وجاءت إلى قارة أمريكا اللاتينة أو الجنوبية، ثم دارت السفينة بعد فترة طبعاً حول كايب هورن Cape Horn، أي حول آخر نقطة وأقصى نقطة في الأسفل عند كايب هورن Cape Horn، ثم ذهبت مُصاعِدةً في تشيلي Chile إلى الأعلى، ووصلت الآن إلى جزر جالاباجوس Galápagos Islands عند الإكوادور Ecuador وخط الاستواء، فالجالاباجوس Galapagos هى آخر شيئ هناك من فوق،ومكث داروين Darwin في الجالاباجوس Galapagos   خمسة أسابيع، ثم رجعت السفينة إلى المُحيط الهادي وأستراليا Australia ولفت حول القارة الأسترالية والمحيط الهندي وعادت، فهذه هى الرحلة التي يُمكِن أن تراها على الخارطة، علماً بأننا ذكرناها في الحلقة الأولى أو أتينا بها في الحلقة الأولى، وسوف نرى أشياء عجيبة في هذه الرحلة التي استغرقت من حياة هذا العالم المُجتهِد المُثابِر خمس سنوات، فهو ذهب وهو في الثانية والعشرين من عمره وعاد وهو في السابعة والعشرين، أي أنها استغرقت خمس سنوات، وطبعاً هو ذهب في رحلات كثيرة لكنه قال “هذه الرحلة بالذات غيرت مساري المهني والعلمي، فمساري العلمي كله يدين بالفضل لهذه الرحلة” كأنه يقول لولا البيجل Beagle ما كان داروين Darwin وما كانت نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي، فلماذا إذن؟ ما الذي رآه في رحلة البيجل Beagle؟ ما هى المُلاحَظات التي سجَّلها؟ والعجيب أنه رأى ما رأى عبر تقريباً خمس سنوات – أربع سنوات ذهاباً، ورحلة الإياب استغرقت سنة واحدة، فلك أن تتخيَّل أن آخر سنة كانت للإياب – لكنه بدأ يُفكِر تفكيراً غامضاً غير مُتضِح وهو عائد، لأن الآن لا يُوجَد نزول كثيراً ولا يُمكِن المكوث بالأسابيع أو أكثر أو أقل على السواحل أو في الدواخل أبداً كما كان في السابق، فكان يمكث في السفينة وقتاً طويلاً ومن ثم بدأ الآن يُفكِر في مُلاحَظاته وفي تسجيلاته، فبدأ يُعيد النظر وبدأت تتضح معالم أشياء بشكل غامض جداً وبعيد، وذلك إلى أن عاد إلى بريطانيا وعاش في لندن – كما قلنا – إلى ألف وثمانمائة وتسع وثلاثين، وبعد ألف وثمانمائة وتسع وثلاثين تزوج، وظل كذلك إلى ألف وثمانمائة واثنين وأربعين ثم انتقل فيما بعد إلى داون Down في كينت Kent، حيث منزله المعروف بداون هاوس Down House في مُقاطَعة كينت Kent بالمملكة المُتحِدة.

بعد أن عاد الرجل بدأت تتضح له أشياء، فأي شيئ تقرأونه أو ترونه في حلقات وثائقية مُتلفَزة تتعلَّق بأن داروين Darwin لاحَظ كيف تتغير الأنواع في ذلك الوقت فهذا كذب وكلام غير علمي، فداروين Darwin لم يُلاحِظ هذه الأشياء في البيجل Beagle أبداً، فكان يُسجِّل مُلاحَظات وأشياء مُعينة لكن لا يُوجَد إطار تفسيري نظري يربط المُلاحَظات، وبالذات يربطها بالموديل Model الجديد الذي ابتُدِعَ فيما بعد عن التطور العضوي وعبر آلية الانتخاب، فهذا لم يكن حاضراً لديه بالمرة تقريباً لكن أعداء داروين Darwin خاصة من المُدافِعين عن التصميم الذكي – ID – يتكلمون بغضب ويقولون “هذا كلام غير صحيح وهذه كلها أكاذيب، فداروين Darwin قبل أن يبلغ كايب هورن

إدوارد بلايث Edward Blyth
إدوارد بلايث Edward Blyth

Cape Horn كان لديه نُسخة من نظرية العالم الإنجليزي بلايث   Blyth – إدوارد بلايث Edward Blyth – الذي تحدَّث بشكل واضح عن الانتخاب الطبيعي، فداروين Darwin كان لديه ملزمة فيها نظرية إدوارد بلايث Edward Blyth”، وهذا الكلام يحتاج إلى تحقق حقيقةً، لكن نحن رأينا في الحلقات السابقة حقيقةً عبر المدى الطويل لحياة هذا الرجل المُثابِر الصبور المُجتهِد أن الرجل كان يتوفر على مصداقية عالية جداً جداً، فالرجل ليس مُخادِعاً وليس كذّاباً وليس مُفتعِلاً، فهذا ليس من طبعه، روأينا هذا بالتفصيل في حياته حقيقةً، وهذا ثابت تماماً، فأن يكون لديه نُسخة من نظرية بلايث Blyth وقرأها وألهمته لكنه أخفى هذا وخمس سنوات وسبع سنوات ثم ادّعى أنه بدأ يهتدي لما عاد ليس من طبيعة داروين Darwin، فربما بعث مَن قال هذا على هذا الكلام – كما قلت لكم – المُعاداة، أي كنوع من المُعاداة النظرية أو حتى الأيدولوجية أحياناً، تماماً كما أن من التطوريين يُوجَد عدد لا يُستهان به الآن وخاصة المُتحمِسين مثل دوكينز Dawkins وأمثال دوكينزDawkins عندهم نزعة أيدولوجية أيضاً في عرض المسائل، فيستغلون الأشياء بسبب وبغير سبب لتمرير رسائل أيدولوجية، فالواحد من هؤلاء طبعاً يستغل العلم والنظريات العلمية دائماً لكي ينال من الكتب المُقدَسة ومن الأديان ومن إيمان المُؤمِنين ومن قضايا الإيمان والسخرية بهذا، فواضح أن لديه نزعة أيدولوجية ونزعة تبشيرية، وأنه يستغل العلم لكي يُبشِّر بأشياء أخرى ليس لها علاقة بالعلم، لكن داروين Darwin كان واعياً بهذا، وهذا هو الجميل في داروين Darwin، فهو إلى آخر لحظة لم يستخدم نظريته ولم يستخدم المعلومات التي تحصلت لديه لكي يُبشِّر بشيئ مُعين أو لكي ينتقم من القدر أو من الدين و من الكنيسة، لم يفعل الرجل هذا أبداً وكان حريصاً على ألا يفعل وألا يقترب من هذه المنطقة المحظورة حتى آخر حياته، فكان حريصاً الحرص كله على هذا، لكن هؤلاء أصحاب الحماس المشبوب ليسوا كداروين Darwin، فهم يُمرِّرون دائماً رسائل عقدية ومبادئ عندهم في اعتقادات إلحادية طبعاً بسبب وبغير سبب، وعلى كل حال نترك هذا لنرى ماذا فعل داروين Darwin في هذه الرحلة وما الذي لاحظه في هذه الرحلة المُمتَدة على مدى خمس سنوات.

بعد يوم من عيد الميلاد من سنة ألف وثمانمائة وإحدى وثلاثين – كما ذكرنا في الحلقات السابقة – انطلقت البيجل Beagle – HMS Beagle – وهى سفينة تابعة للبحرية الملكية طبعاً، وهى سفينة استكشاف علمية وإسمها الكامل هو HMS Beagle، والبيجل Beagle طبعاً نوع من الكلاب الإنجليزية إسمه البيجل Beagle، فهى انطلقت لكي تمخرعُباب المُحيط الأطلسي وتركت شواطيء المملكة المُتحِدة، وكان على متنها طبعاً الكابتن Captain أو القبطان روبرت فيتزروي Robert FitzRoy الذي حدثناكم عنه وعن مصيره البائس في الحلقات السابقة ومعه الشاب الموهوب الطُلعة ذو المزاج العلمي والمُتعشِق الشفوف للعلم والإطلاع والمُقارَنة تشارلز داروين Charles Darwin صاحب الخيال الواسع أيضاً.

طبعاً هذه النظرية حين تقرأها وتستوعبها سوف تقول هذا أمرٌ عجيب، فهذه النظرية فعلاً تحتاج ليس إلى عبقرية فقط في المُلاحَظة والمُراقَبة والتفسير ولكنها تحتاج إلى إلى خيال أكثر من خصب وأكثر من مُجنِح وأكثر من خيال الفيلسوف، لكن هل تعرفون لماذا؟ لأن الذهن الإنساني والعقلية الإنسانية والخبرات البشرية -خبراتنا التي نمر بها – محدودة، فنحن كائنات مُتوسِطة الأعمار جداً ومُتواضِعة الأعمار، فنعيش سبعين أو ثمانين أو مائة سنة مثلاً، وفي هذه المائة سنة بلياقاتنا الذهنية والفكرية والتذكرية والأبداعية نعيش ونخبر خبرات مُعينة، هذه الخبرات في مدى هذا العمر المحدود نسبياً لا تسمح للإنسان أن يُفكِر على النحو الذي فعل داروين Darwin وأن نحاول أن نُلقي نظرة على الأنواع وكيف يُمكِن أن تكون تناسلت وتطورت عبر عشرات وملايين السنين، فهذا شيئ غير طبيعي، والإنسان العادي لا يُفكِر بهذه الطريقة وضمن هذه المدايات الواسعة جداً طبعاً، لذلك تجد الآن كثيرين من مُناهِضي التطور يقول لك بسذاجة هذا كلام فارغ، كيف خرج هذا من هذا عبر عشرة مليون سنة؟ وهل رأى هذا هو؟ ومَن يراه؟ لكن المسألة ليست مسألة رؤية، لكن المسألة في الأصل تكمن في أن تتخيل إمكان حدوث هذا، فهل يُمكِن أن يحدث هذا؟ وإذا تخيلت إمكان حدوث هذا ما هى الآليات التي تضمن حدوث هذا الشيئ؟ هل هناك قرائن تدل عليه ولو من وراء وراء؟ فعقل داروين Darwin كان يشتغل بهذه الطريقة، وهو عقل – كما قلنا – بطيء، لكن واضح إنه عميق جداً -Very Deep – ومُمتَد أيضاً، فيذهب إلى المدايات الأقصى لأنه عقل مُحيطي، فالناس تتحرك في حدود جزيرة صغيرة لكن هذا الرجل – أي داروين Darwin – يمخر عُباب مُحيطات من الخيال والافتراضات، فهو عقل ضخم بلا شك وعقل هائل، وليس من السهل لإنسان أن يُساير عقلاً كهذا، لكن أعتقد بعد أن تسمع كل ما يتعلق أو الكثير مما يتعلق بهذه النظرية وتحدياتها – طبعاً – وصعوبتها – Difficulties – سوف تقف على هذا، فهو عنده الفصل السادس عن الصعوبات – Difficulties – التي كانت أمام النظرية وكيف تُغلِبَ عليها عبر مائة وخمسين سنة، وكيف أن هناك مُشكِلات حُلَت وأصبحت محلولة بعد أن كانت مُشكِلات حقيقية لكنها حُلَت، ثم بعد عشرين سنة حُلَت مُشكِلة ثانية، وكذلك ظهرت مُشكِلات وحُلَت بعد أربعين سنة وبعد سبعين سنة وبعد مائة سنة وبعد مائة وأربعين سنة، وهناك مُشكِلات ظهر حلها بعد مائة وخمسين سنة بشكل ساحر، فأنتم ستصدمون حين تقفون على هذا الحل وحين تعلمون كيف حُلَت هذه المُشكِلة بالطريقة هذه، والعلم انتصر أيضاً في هذه المسألة مثلاً للتطور، وهذا شيئ عجيب جداً، ومع ذلك الرجل كان مُتواضِعاً جداً في تقرير ما وصل إليه وفي التعبير عنه، وقد تحدَّثنا عن أسلوبه في الكتابة، ونحن لا نُريد فقط الأسلوب الكتابي – أي الأسلوب الصياغي – وإنما نُريد روح الرسالة التي يُعبَّر عنها بهذا الأسلوب، وهذا الكلام لخصته ابنته عندما قالت “حين تقرأ لأبي أنت تقرأ لرجل يُؤمِن بما يقول”، فواضح أن عنده قناعة بنظريته، وهذا أيضاً يُشكِّل عليه علامة استفهام وسوف نرى لماذا، فداروين Darwin كان كالمُتردِد ولم يكن دائماً قاطعاً في إعرابه عن إيمانه بنظريته، وأحياناً تقرأ له وتشعر كأنه كان مُتردِداً في الإيمان بها، وأحياناً تشعر أنه شديد الإيمان ومُمتليء حتى نُخاعه إيماناً بالنظرية، فمثلاً حين رسم أول مُخطَط لشجرة الحياة – المُخطَط البسيط المشهور Tree Of Life – أصبح هذا المُخطَّط وهذه الصورة أيقونة Icon، لكن ماذا كتب بخطه – علماً

Tree Of Life
Tree Of Life

بأن خطه كان أقرب إلى الرداءة – فوق الصورة؟ كتب I Think…، أي أنني أحسب أو أظن، فواضح أنه كان مُتردِداً وأنه كتب هذا في الأعلى بتردد، لكن حين تقرأ – مثلاً – للألماني هيكل Haeckel – إرنست هيكل Ernst Haeckel وليس هيجل Hegel، فهناك بعض علماء البيولوجيا Biology العرب يكتبون هيجل Hegel، وهيجل Hegel هو فيلسوف مثالي ليس له علاقة بهيكل Haeckel ، لكن إرنست هيكل Ernst Haeckel هو عالم إمبريولوجيا Embryology وعالم تشريح، وهو مُلحِد ألماني طبعاً عارم النشاط، ويعتبر نفسه من تلاميذ داروين Darwin الفكريين، فهو تطوري ومُتعصِب ومُتحمِس جداً، وعنده خيال أيضاً واسع جداً، علماً بأننا سوف نتحدَّث عنه أيضاً عندما نتحدَّث عن مصاعب النظرية وتطور النظرية – سوف تجد أنه عمل عدة أشجار للحياة، وهى أشجاؤ مُعقَدة مُفصَلة جداً لكن كان عنده نوع من القطع بأن هكذا تطورت الأنواع وأن هذه شجرة هذا المخلوق وهذه شجرة هذا المخلوق وهذه شجرة هذا المخلوق وهكذا، وكلها أشجار دقيقة جداً جداً جداً عن تطور كل مخلوق، وكلها مشمولة بنظرية واحدة، وسوف نُحدِثكم عنها بالتفصيل لما نصل إلى هذه النظرية، لكن داروين Darwin لم يكن هكذا، ولذا تقول ابنته “أسلوبه حين تقرأ له هو أسلوب رجل يُؤمِن بما يقول لكن بالكاد – أي Hardly كما يقولون بالإنجليزية – لديه راحة أو أمل أن يُقنِع من يقرأ له”، أي أنه يشعر أن من الصعب أن تقتنع حين تقرأ له فهو يعلم هذا.

إرنست هيكل (1834-1919)
إرنست هيكل (1834-1919)

داروين Darwin لم يكن – كما قلت لكم – مُبشِّراً، لأنه لا يُحِب التبشير وإنما هو فقط باحث علمي، ولذا قال “هذا علم وهذه محاولات علمية، فسواء ثبتت أم لم تثبت أنا مُؤمِن بها إلى الآن”، وحين تحدث عن صعوبات نظريته لم يقل هذه الصعوبات من المُمكِن أن تقضي على النظرية، فدائماً كان يُعبِر في أكثر من مُناسَبة عن أمله في مَن يخلفه أنهم سيتغلبون عليها، فهو يأمل في أن العلماء الذين سوف يأتون من بعده – أي أخلافه – سوف يتغلبون على هذه الفجوات وبالتالي يقوموا بسدها، فهو مازال عنده إيمان بنظريته وعنده إحساس يُفيد بأن هذه النظرية صحيحة، فهو يشعر بوجود شيئ ما كالإلهام الماورائي وإن كان لا يُؤمِن بالقوى الماورائية، لكن هناك شيئ في هذه النظرية جعلها قادرة على أن تُفسِّر أشياء كثيرة، فهذه النظرية يبدو أنها جميلة وبديعة وعجيبة وخلافية – Controversial – طبعاً، ونحن نُريد أن نعرف كيف توصَّل داروين Darwin إلى هذه النظرية، لكن هذا سيكون في الحلقة السادسة إن شاء الله، فسوف نعرف ما الذي جعله يحدس بها وما هو أول الحدوس بهذه النظرية وهل لو كنت أنت مكانه وعندك بعض المواد الأولية وعندك أفكار بوفون Buffon وعندك أفكار لامارك Lamark وعند أفكار جده إراسموس داروين Erasmus Darwin كان من المُمكِن أنت تفكر على هذا النحو أو غير مُمكِن بالمرة، على كل حال سوف نرى هذا لكن في الحلقة المُقبِلة إن شاء الله تعالى، فأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: