شواهد التاريخ الباقية – الجزء الأول

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المُرسّلين سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمين وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً.

أما بعد، أحبتي في الله، إخواني وأخواتي: السلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته، ومع الحلقة الثالثة والعشرين من سلسلة التطور ضمن السلسلة الأولى التي تتعلَّق بالدلائل والمُؤيِدات، حديثي إليكم في هذه الحلقة عن بقايا التاريخ أو عن شواهد التاريخ، فبخصوص التاريخ البشري يُقال “التاريخ شخوصٌ وأحداثٌ تقع في أزمنةٍ ما وفي أمكنةٍ ما”، أما الزمان فسيلٌ مُنساب لا يتوقف، وأما الشخوص فيهلكون – كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۩ – بلا شك، وأما الأحداث بحد ذاتها فأعراض، ولا يبقى إلا شواهد التاريخ التي تدل عليه ونستوثق بها على ما وقع منه.

شواهد التطور شواهد محفورة في البنى للمتُعضِيات في هياكل وأعضاء الكائنات الحية، وهى شواهد باقية من التاريخ – أي من تاريخ التطور – طبعاً، فإذن طبيعة هذا النمط أو هذا النوع من الأدلة ليس من طبيعة الأدلة الأحفورية مثلاً، إنه من طبيعةٍ مُختلِفة، ولا نتحدَّث عن أحافير إنما نتحدث عن كائنات حية بما فيها نحن، أي النوع الإنساني الخاص ببني البشر، وهذه الشواهد كثيرةٌ ومُثيرة ولكن أُريد أن أمهد وأن أُقدِّم بين يدي حديثي عن هذه الشواهد التاريخية على التطور بتفرقة سريعة بين مُصطلَحات ثلاثة أعتقد أننا ينبغي أن نكون على دراية واعية ودقيقة بالحدود الفاصلة بينها: مُصطلَح التشاكُل ومُصطلَح التناظر ومًصطلَح السيمترية.

كلمة Homology تعني التشاكُل، وكلمة Analogy تعني التناظُر، وكلمة Symmetry تعني السيمترية، لكن ما الفرق؟ أحياناً نرى بعض الناس – بل حتى بعض الدارسين والكاتبين – يُعادِل بين هذه المُصطلَحات الثلاثة فيقول “يُشاكِله ويُناظِره وفيه مُشاكَلة وفيه مُناظَرة وفيه سيمترية” كما لو أن هذه الكلمات بنفس المعنى وهذا غير صحيح، فهى مُصطلَحات مُختلِفة إلى حدٍ بعيد، ونبدأ الآن بالمُصطلَح الأول وهو التشاكُل لأنه يهمنا في حلقتنا هذه وربما في حلقةٍ أخرى تتلوها، فالتشاكل – Homology – يُشير إلى الأصل المُشترَك للأنواع المُتعدِّدة المُتفرِّعة من هذا الأصل المُشترَك، بمعنى أنه يُشير إلى المُخطَط العام، وهذا المُخطَط العام يأبى إلا أن يفرض بصمته وطابعه في الأنواع المُختلِفة التي تتشاركه، فمثلاً إذا تحدثنا عن يد الإنسان فإننا سوف نقول إنها تُشاكِل – إذن هنا مُشاكَلة – جناح الخُفاش Bat، وبالتالي هذه مُشاكَلة، لكن لماذا؟ لأن الإنسان ثديي والخُفاش ثديي، وفي نهاية المطاف لهما أصل مُشترَك، كما هناك أصلٌ قريب يجمعنا بالشِمْبانزِي Chimpanzee مثلاً وأبعد منه قليلاً يجمعنا بالغوريلا Gorilla وأبعد منهما قليلاً يجمعنا بالأورانجوتان Orangoutan هناك أصل أبعد من هؤلاء جميعاً يجمعنا بالخُفاش، لكن علينا أن ننتبه إلى أن الخُفاش ليس طائراً، فهو ليس طائراً بمعنى أنه من الطيور، وإنما هو من الثدييات، وهو الثديي الوحيد الذي يطير، فيُوجَد على هذا الكوكب ثديي واحد وحيد يطير وهو الخفاش، وطبعاً الأهم هو الإنسان، فهو أيضاً ثديي يطير ولكن بأجنحة صناعية وليس بأجنحة هيكلية – أي بأجنحة في هيكله – طبعاً، فهو يطير بطريقة أخرى، أي أنه يطير مجازاً، وعلى كل حال هذا ثديي، والخُفاش من الثدييات وليس من الطيور، فإذن يد الإنسان تُشاكِل جناح الخُفاش، علماً بأن العوام يقولون عن الـ Bat الخَفاش لكن الأفصح أن يُقال الخُفاش بالضم، لكن كيف تُشاكِله؟ هناك نوع من الخفافيش تُسمى خفافيش الفاكهة المصرية Egyptian Fruit Bats، وابحثوا عن خفافيش الفاكهة المصرية في النت Net وسوف ترون بعض المقاطع الموجودة على موقع اليوتيوب YouTube ) وبعض الصور التشريحية طبعاً الخاصة بهذه الخفاش، فهو كائن عجيب، حيث أن جناحه شفاف – Transparent – ويُمكِن أن ترى وجه المُشاكَلة فيه، ولديه خمسة عظام بدل الأصابع الخمسة تم مطها على مدى هذا الجناح غير المريش، لأنه جناح جلدي وليس جناحاً من ريش، إذن نستطيع أن نقول أن الأصابع الخمسة موجودة لكن تم تمطيطها وتمديدها أو حتى اختزالها بطريقة أو بأخرى، وهذه مُشاكَلة طبعاً، فإذن يد الإنسان تُشاكِل جناح الخُفاش.

لكن المُناظَرة – Analogy – مُختلِفة، فإذا كان لدينا جناح الخُفاش وجناح الحمامة   فإننا سوف نقول أنهما مُتناظِران وليسا مُتشاكِلان، علماً بأن الحديث ليس لغةً وإنما هو حديث علمي، فهذه تفرقة علمية هامة، وهذا ليس كلام على مُستوى المُعجَم في اللغة العربية وإنما هو كلامي علمي، وهذه التفرقة مجلوبة طبعاً من هذه الدوائر العلمية وهذه هى مُصطلَحاتها، فإذن المُناظَرة يا أحبتي في الله تكون على مُستوى الوظيفة Function، لأن هذا جناح للطير- Flying – وهذا جناح للطير، فإذن الوظيفة واحدة لكن لا تُوجَد مُشاكَلة، يعني لن تجد أصابع خمساً أو عظاماً لأصابع خمس أو شيئاً شبيهاً بهذا في حين أن في جناح الحمامة يُوجَد ريش بالطريقة المعروفة، لكن هذا جناح وهذا جناح، وبالتالي هذه مُناظَرة، وهذه المُناظَرة على مُستوى الوظيفة، وعلى مُستوى الوظيفة لا تُوجَد مُناظَرة بين يد الإنسان وجناح الخُفاش، فيد الإنسان للقبض والتصرف والإمساك، وجناح الخُفاش للطيران، فهذا طيران وهذا قبض، وبالتالي لا تُوجَد مُناظَرة على مُستوى الوظيفة، لكن هناك مُشاكَلة – Homology – بين جناح الخُفاش وبين يد الإنسان – علماً بأننا شرحناها – يُوضِّحها علماء الأحياء وخاصة علماء الأحياء التطوريين، فلو أننا افترضنا أن هذه البنية مرسومة على مطاط – أي على سطح مطاطي – فإنه يُمكِن بقليل من المط أو قليل من الضغط أن يحدث تشويه وتغاير لهذا الشكل، بحيث يطول هنا قليلاً أو يقصر هنا قليلاً، فنحن نتصرف فيه كيفما نُريد لكن في نهاية المطاف البنية واحدة والمُخطَط واحد، فهناك طير مُنقرِض مثلاً – هو لم يكن يطير في الحقيقة وإنما هو زاحف لكن كان له ريش، أي أنه مُجنَّح مُنقرِّض – إسمه Pterodactyl، وهذا الـPterodactyl يُوجَد عنده نفس الشيئ، فحين تنظر إلى جناحه – كما تعرضه الأحافير – سوف تجد أنه يُشاكِل جناح الخُفاش ويُشاكِل يد الإنسان، وفيه عظام لأصابع خمسة، لكن يبدو أنه تم التمديد تطورياً طبعاً بالـ Tinkering، فهذا ما يُسميه علماء التطور المُحدَثون الآن بالـ Tinkering، أي السمكرة، لأن التطور يعمل مثل السمكرة، والتطور لا يشتغل على خُطَط مُجدَّدة أو جديدة، فلا يُوجَد أبداً في كل مرة خَطة جديدة يبدأ منها، وإنما هى خُطة واحدة قديمة ويتم دائماً العمل عليها كنوع من السمكرة، ومن هنا تأتي العيوب – Imperfections – طبعاً، فلا نجد الأشياء كلها دائماً كاملة Perfect، وإنما تكون غير دقيقة وغير كاملة Imperfect، وذلك لعدم وجود تصميم كما يقولون، حيث يقول علماء التطور “لا يُوجَد أي تصميم حقيقي كالذي يتحدث عنه رجال الدين من المسيحيين واليهود والمسلمين، فليس هناك أي تصميم ذكي مُسبَق على يد خالق” وطبعاً نحن لا نُوافِق على الكلام هذا، فيجب أن ننتبه إلى أننا نعرض الأشياء كأننا نتقمصها في هذه المرحلة من مراحل الشرح العلمي، وهذا ما أُنبِّه عليه دائماً، وعلى كل حال يبدأ الشغل – كما قلنا – عليها، فكأنها مصنوعة على مساحة مطاطية، ومن ثم يُمكِن أن نمدها هنا أو نبسطها هنا أو نخبطها هنا أو نضغطها هنا، فهذا الـ Pterodactyl عنده الخنصر – أصبعه الصغير – ممدود بشكل عجيب جداً، وهو طويل وعليه يقع عبء حمل الجناح وتدعيمه، أي على أصبع واحد تقريباً، والأربعة أصابع موجودة لكنها أقصر بكثير، وهذا أطول أصبع في هذه الأصابع، وهذا خلاف ما في الإنسان والخُفاش مثلاً، لكنها خمسة أصابع أيضاً على كل حال، فإذن هذه هى السمكرة Tinkering، فقد حدثت له سمكرة ومُشاكَلة أيضاً، فجناح هذا الحيوان المُنقرِّض الزاحف المريش المُنقرِّض أيضاً يُشاكِل يد الإنسان ويُشاكِل جناح الخُفاش.

إذن هذه هى المُشاكَلة وهذه هى المُناظَرة، بقيَ أن نشرح السيمترية، السيمترية تكون في الكائن الواحد، فنحن لا يُمكِن أن نتحدَّث عن سيمترية بين كائنين أبداً، لكنها تكون في الكائن الواحد، فنقول أنه شمال يمين مُتناظِر – Right Left Symmetrical – لأن شمال كيمينه، ولذلك نقول – مثلاً – هو شمال يمين مُتناظِر، فالإنسان مثلاً كائن سيمتري، لأننا نستطيع أن نشقه وهماً بشكل طولي فنجد عيناً في ناحية الشمال وعيناً في ناحية اليمين، ومنخراً في ناحية الشمال ومنخراً في ناحية اليمين، وأذناً في ناحية الشمال وأذناً في ناحية اليمين، وكذلك الحال مع الرجل والفم الذي ينفسم إلى نصفين وإلى آخر هذه الأشياء، فهو شمال يمين مُتناظِر، ومن ثم نقول أن الإنسان فيه سيمترية، وكذلك مُعظم الحيوانات فيها سيمترية، فالكائنات البحرية المشهورة المعروفة بالقشريات فيها سيمترية مثلاً، لكن قنديل البحر – مثلاً – ليس فيه سيمترية، أما نجوم البحر فإلى حدٍ ما ليس فيها سيمترية، لكن القشريات فيها سيمترية على كل حال وسوف نشرحها ربما في حلقات مُقبِلة، فهذه هى السيمترية إذن، وبهذا نكون قد مهدنا لحلقة هذا المساء وربما لحلقة تاليها إن شاء الله تعالى.

نعود إلى التشاكُل، فالخلاف إذن في التشاكُل يكون في التناسب Proportion أو في النسب Proportions، فالأصبع الصغير – كما قلنا قُبيل قليل – هنا يكون – مثلاً – أصغر لكنه في الحيوان المُنقرِّض – Pterodactyl – يكون أطول بكثير، لكنه موجود أيضاً، وأحياناً قد تختفي عظمة أو عُظيمات، وقد تزيد في كائن ما عظمة أو عُظيمات، فهذا موجود ويحدث، فليس شرطاً دائماً أن يكون هناك نفس العدد من العُظيمات أو العظام، لكن الخُطة – Plan – العامة هى نفسها، حيث واضح أن لدينا نفس المُخطَط، وأحياناً تتساوى حتى في الأعداد، لكن هذا ليس بالضرورة، فهذا لا يُؤثِّر على التشاكُل ولا على وقوع وصحة المُشاكَلة لأن الخُطة العامة هى نفسها.

إذن أعتقد أننا من خلال مثال الخُفاش نكون قد ضربنا مثلاً للمُشاكَلة، وهو مثال نمطي يتكرر كثيراً في كتب التطور، لكن ما سبب هذه المُشاكَلة؟ هو ما ذكرته قُبيل قليل، وهو اشتراك هذه المُتشاكِلات في جد واحد أو في سلف بعيد مُشترَك – Common Ancestor – كما يُقال، ونحن نعلم طبعاً أن الثدييات ظهرت على وجه البسيطة قبل مائتين وخمسين مليون سنة، ولحقتها بعد ذلك الطيور بخمسين مليون سنة، أي أنها ظهرت قبل مائتين مليون سنة، وهذا الذي يجعل بين الطيور تشاكُلات وبين الثدييات تشاكُلات، وفي نهاية المطاف نحن سنجد بين كل المخلوقات تشاكُلات، فهناك أنواع من التشاكُلات تزيد وتنقص وتنجلي وتضح وأحياناً تغمض وتختفي بحسب درجة البعد والقرب، فلماذا إذن؟ لأنها في نهاية المطاف تنحدر كلها من سلف واحد وحيد، ففي نهاية المطاف هى من أصل واحد، يعني لو تحدثنا الآن – مثلاً – عن الطيور وعن الثدييات وعن الزواحف فإننا سنجد أن كل هذه المخلوقات – طبعاً كل الثدييات مُنحدِرة من زواحف – بدورها مُنحدِرة من كائنات مائية، أي مُنحدِرة من سمكة، فالسمكة جد بعيد لكل هذه المخلوقات، ولذلك يُمكِن أن نجد تشاكُلات بين هذه المخلوقات وبين الأسماك، وحدثتكم غير مرة في

نيل شوبين
نيل شوبين

أكثر من حلقة عن كتاب العالم نيل شوبين Neil Shubin سمكتك الداخلية Your Inner Fish، فهذا الكتاب بديع ولطيف ومُبسَّط إلى حد بعيد، وهو يُوضِّح وجوه المُشاكَلة بين مخلوقات كثيرة في رأسها الإنسان وبين جدها المُشترَك السمكة، فنحن كلنا أبناء السمكة، وهذا شيئ غريب وهذه تشاكُلات عجيبة، وفي الحلقات المُقبِلة سنذكر بعض هذه التشاكُلات فيما يخص مثلاً العصب الحائر Vagus، علماً بأن العصب الحُنجري هو أحد الفروع الأربعة للعصب الحائر طبعاً وهو عصب قحفي جمجمي لمَن درس التشريح، وحين نتحدَّث عن العصب الحُنجري الراجع أو المُرتَد سوف نرى تدخل الأصل السمكي هنا في القصة، وهذا شيئ لا يُمكِن فهمه إلا بالعودة إلى أمنا أو جدتنا السمكة، فلا يُمكِن فهمه إلا بهذه الطريقة، ولذا هذا شيئ عجيب وبديع .

تحدثنا الآن عن التعديل وعن السمكرة، فما هو الشيئ الذي تم تعديله في الخُفاش إذن؟ هو الشيئ الذي يُشاكِل الأصابع في الإنسان، وهناك نوع من السحالي لسحلية ما مُعينة تُسمى السحلية أو العظاءة الطائرة Flying Lizard، وهذه السحلية الطائرة لا تطير في الحقيقة ولكنها تنزلق مثل الكولوجو، علماً بأنني حدَّثتكم عن الكولوجو وعن الليمر – Lemur – الطائر، فحتى الكولوجو يُسمى أيضاً بالليمر الطائرة – Flying lemur – أيضاً، فهو من أنواع الليمورات كما يقول العرب، وعلى كل حال هذه السحلية تنزلق بطريقة مُشابِهة، فهى لا تطير حقيقةً ولكنها تنزلق وتُسمى السحلية الطائرة Flying Lizard، والذي تم تعديله فيها ليس اليد – أي ليس عظام اليد – وإنما الأضلع Ribs، حيث تم تعديلها وتمطيطها بحيث تُصبِح شبيهة بالأجنحة، فتدعم أغشية مثل أغشية الخُفاش ومثل أغشية الكولوجو، علماً بأن الكولوجو – هذا الليمر Lemur الطائر – له غشاء واحد – كما قلنا – من رأسه إلى مُؤخِرته وهو بلا ذيل ، فالتعديل هنا جرى ليس على عظام اليد وإنما على عظام الصدر وعلى الأضلع Ribs، وبالتالي هنا لدينا نفس الشيئ، فهذه مُشاكَلة أيضاً، والخُطة العامة محفوظة وموجودة، فنحن لدينا نفس الخُطة لكن – كما قلنا – مع نوع من التعديل ونوع من البسط والمد أو القبض والتكثيف.

الجمجمة – Skull – لدينا – أي الجمجمة البشرية – تتكوَّن من ثمان وعشرين عظمة، هذه الأعظم أو العظام ترتبط ببعضها بدروز صلبة مثل السوستة، هناك عظمة وحيدة كبيرة ومُتحرِّكة هى عظمة الفك السُفلي في الإنسان، وهى عظمة واحدة وكبيرة هائلة ومُتحرِّكة، فهى التي تتحرك عند الفك السُفلي، وعلى كل حال يُوجَد ثمان وعشرون عظمة، وفي الحيوانات الفقارية وخاصة الثدييات في كثير جداً منها الجمجمة تزيد هنا وتنقص هنا، وتختلف بعض العُظيمات ولكن في النهاية المجموع هو ثمان وعشرون عظمة، وهذا شيئ عجيب، ويحدث تحوير في بعض الأجزاء من عظمة الفك السُفلي مثلاً، بحيث يدخل بعضها ليكون في الأذن الوسطى كما في التماسيح، وفي نهاية المطاف المجموع واحد وهو ثمان وعشرون عظمة، وكل هذا نوع من الدلائل ونوع من القرائن على حصول ووقوع التطور Evolution، فإذن التطور واضح أنه وقع، وطبعاً لو أخذنا هذه الدلائل وحدها هكذا واكتفينا بها أو وقفنا عندها سيقول أي خلقوي أو أي تكويني – Creationist “هذا غير صحيح، فما المُشكِلة إذن؟ هناك طريقة لله في الخلق اعتمدها الله هنا وهنا وهنا وفي كل مكان، وبالتالي ما المُشكِلة؟ هذه الأمور ليس لها علاقة بالتطور ولا بغير التطوير”، لكن إذا جمعنا هذه الاشياء – الأدلة التي سبق ذكرها والأدلة التي ستأتي وخاصة في حلقة اليوم – سوف تُصبِح هذه المُقارَبة الخلقوية ضعيفة جداً، لأنها لا تستطيع أن تُفسِّر شيئاً، وسوف نرى أشياء كثيرة وهى الأشياء التي تختص أو تتعلق بعيوب التصميم، فلو هناك تصميم فيه عيوب ولا يُمكِن أن يُنسَب العيب إلى الله بتارك وتعالى كيف تقول لي أنه مُصمِم وذكي وأنه إله وقادر على كل شيئ في ظل وجود هذه العيوب الحقيقية الواقعية التي تلمسها بيدك؟ هذه عيوب، وما من عالم مُحترَم إلا ويقول لك هذه عيوب، زلكنها في الحقيقة ليست عيوب تصميم، وإنما هى منتوجات التطور ومنتوجات السمكرة وهكذا، فالتطور هنا يستطيع أن يُقارِب المسألة بطريقة مفهومة ومعقولة وعلمية لكن النظرية الخلقوية لا تستطيع وتفشل تماماً، وسوف نرى هذا – إن شاء الله – بُعيد قليل.

الآن قد يتساءل بعض الناس قائلاً هذا الخُفاش الثديي تطوَّر بحيث يطير بجناحين جلديين وليس بجناحين مريشين فلماذا لم يتطور في اتجاه أن يكون له ريش؟ هذا سيكون أفضل له وسيكون أكثر رشاقة وأكثر لياقةً في طيرانه وأكثر كفاءةً، فلماذا لم يتطور في هذا الاتجاه؟ وبلا شك طبعاً إذا ذُكِرَ الطيران يُذكَر الريش، وهذه حالة نادرة لأن – كما قلنا – في الثدييات لا يُوجَد إلا هذا الثديي الوحيد، علماً بأننا ذكرنا كائنات أخرى تنزلق في الحقيقة ولا تطير طيران حقيقياً بمثل هذه الجلديات – بمثل هذه الإغشية الجلدية – لكنها على كل حال لا تطير كما تطير الطيور، فلماذا لم يتطوَّر الخُفاش في هذا الاتجاه؟ هذا السؤال يُعجَب به التطوريون ويرون أنهم أسعد بالجواب عنه من الخلقويين أو التكوينين، فهم يقولون ببساطة لأن الخفاش ليس مُنحدِراً من الطيور، فجده البعيد لم يكن طيراً وإنما كان حيواناً ثديياً، ولذلك كان ينبغي أن يكون التطور في هذا الاتجاه، فهذا هو المفهوم وفعلاً هذا هو المعقول، لكن لو كان طيراً عادياً أو ينحدر من طيور لانتهي طبعاً إلى جناحين بريش ويطير مثل كل الطيور، لكنه في الحقيقة ثديي، وطبعاً هذه ليست العلامة الوحيدة على أنه ثديي، فهو فيه سائر العلامات، فالخُفاش يلد ولادة ولا يبيض، والخُفاش يُرضِع صغاره، فواضح أنه حيوان ثديي، فهو لا يبيض كما تبيض الطيور، وهذا النسر العظيم – إمبراطور السماء – يبيض، لكن الخُفاش يلد تماماً كما تلد ثدييات البر وكما تلد الأطوم أو خنازير البحر والدلافين والحيتان، لأنها ثدييات أيضاً وفيها أيضاً سائر صفات الثدييات، وهذا يُؤكِّد أنها ثدييات وأنها مُتطوِّرة – كما قلنا في الحلقات السابقة – عن أصول ثديية برية، فالمسائل واضحة، بل بالعكس هذا السؤال يكون التطوريون أسعد بالجواب عنه مُؤكِدين بكلمة واحدة أن التشابهات أو التشاكُلات مسألة عائلية، فمن أي عائلة أنت؟وبالتالي أنا أستطيع أن أحدس بالاتجاه الذي ستذهب إليه في التطور – أي في تطورك ولكن من أي عائلة أنت؟ هل أنت من الطيور أو من الثدييات؟ الخُفاش من الثدييات، فإذن انتهى الأمر، نحن نسنطيع أن نحدس أين ينبغي أن يذهب، وهو ذهب في الاتجاه الصحيح، ولا يُمكِن إلا أن يذهب في هذا الاتجاه، أما أن يتحوَّل إلى طائر بريش ويلتحق بالطيور بالكامل فلا لأنه ثديي، هو حيوان ثديي وإلى الآن تطوره منطقي تماماً.

pill-bugsلدينا دُوَيْبَّة صغيرة عجيبة أعتقد أننا جميعاً رأيناها ونحن صغار طبعاً وهى تمشي في طين الأرض وما إلى ذلك، فهى مشهورة جداً ومعروفة بحمار قبان Pill Bug، علماً بأن كلمة Pill تُكتَب مثلما نكتبة كلمة حبة الدواء بالإنجليزية، وكلمة Bug تعني البقة يعني، فكلمة Pill Bug تعني حمار قبان، وحمار قبان هذا يُوجَد منه نوعان، حمار قبان قشوري له أصول مائية ومُتطوِّر من قشريات مائية، وحمار قبان آخر ولكنه بري وله نفس الشكل تقريباً ويصعب على غير المُتخصِص لأول مرة أو لأول حتى مرات أن يُميز بينهما، فهما لهما نفس الشكل ويتكوران بنفس الكيفية، فيكون الواحد من هذه الكائنات مفروداً ثم يُصبِح مثل الكرة تماماً، واكتبوا هذا في اليوتيوب YouTubeوسوف ترون أفلام كثيرة جداً عن الـ Pill Bug، فهذا يتكور وهذا يتكور، وإذا رأيتهما وهما مُتكوِرين لم تستطع أن تُميز بينهما تقريباً إلا أن تكون مُتخصِصاً، لكن هذا الحيوان أو هذه الدُوَيْبَّة برية، أي أنها من البر، فهذه أرضية فعلاً وتلك مُتطوِّرة من سلف مائي، لكن كيف عرفنا هذا؟ وما هى الدلائل؟ حمار قبان القشوري الذي له أسلاف حديثة مائية يتنفس بالخياشيم Gills، فهو لديه خياشيم Gills، أو يتوفر على خياشيم Gills كما يُقال، وهذا دليل كبير وقوي على أنه ينحدر من سلف مائي، أما حمار قبان الثاني أو الآخر فإنه ينتمي إلى الدودة الألفية، وحين ينفرد أو ينتشر ويمشي تستطيع أن تُلاحِظ هذا، وحمار قبان الدودة الألفية له في كل حلقة – هى حلقات طبعاً – من حلقاته أو في مُعظم الحلقات أربعة أزواج من الزوائد – Appendages – أو الأطراف – ليس زوجان وإنما أربعة أزواج، أي اثنان في جهة واثنان في الجهة الأخرى، وطبعاً علينا أن ننتبه إلى أننا في اللغة الفصيحة نقول زوجان للاثنين، فالزوج هو واحد فقط، فالرجل والمرأة مثلاً هما زوجان وليسا زوج واحد، ولكن نحن لا نقول هذا، وهذا من الأخطاء الشائعة أيضاً في الحديث وفي الكتابات العلمية، فهذه أخطاء كبيرة طبعاً، فإذا أردت طرفين ينبغي أن تقول له زوجان، وإذا أردت أربعة أطراف تقول له أربعة أزواج Pairs، فالرجل زوج والمرأة زوج وهما زوجان – الخاصة به، أما حمار قبان البحري فله فقط زوجان عند كل حلقة، وهذا فرق كبير، لكن ليس هذا هو الفرق الوحيد بين هذا وهذا، فحمار قبان الدودة الألفية – على ذمة علماء الأحياء – بينه وبين الدودة الألفية مئات وليس عشرات المشابه كما يكتبون، وطبعاً هذا درس تخصصي عميق جداً وبعيد ومُفصَّل، لكن ما هذه المشابه؟ قالوا هناك مئات، وواضح أن حمار قبان الدودة الألفية هو فعلاً من جنس الدودة الألفية، لكن ما علاقة هذا بموضوعنا اليوم وبالتطور وبالتشاكُل؟ علاقته واضحة طبعاً، فنحن نتحدَّث عن حمار قبان في الشكل الظاهري وفي الصفات وفي السلوك وأنه يُشابِه تماماً حمار قبان الدودة الألفية حتى يصعب التفريق بينهما مع إنه حمار قبان قشري، بمعنى أنه مُتطوِّر من قشريات مائية، فنحن لا نجده يعوم في الأنهار والبحار مثلاً، هذا غير موجود طبعاً، وهو يعيش في البر مثل حمار قبان الدودة الألفية، لكن هذا مُتطوِّر – أي جرى عليه التطور – وخرج من الماء وأصبح يعيش على البر، لكن ما هى الدلائل؟ الدلائل – كما قلنا – أن له خياشيم Gills، وهو ليس حمار قبان الدودة الألفية بدليل أنه لا يتوفر على أربعة أزواج عند كل حلقة، بينما الأول يتوفر على أربعة أزواج وليس على زوجين فقط، وهذا شيئ عجيب، إذن رغم المُشابَهة الظاهرية هناك فرق لا يُفسَّر إلا بالتطور، فما هو جده الأصلي؟ جده الأصلي كائن بحري، وهذا مُنحدِر من كائنات أرضية برية تعيش في البر ولا تعيش في البحر، وبالتالي هنا يُوجَد شيئ غريب، لكن أيضاً التطور ينجح ويُفسِّر ويستطيع أن يُفسِّر هذا، وعلى ذكر القشريات أُحِب أن أقول أن من القشريات طبعاً الجمبري، ومنها السرطانات – Crabs – المُختلِفة، ومنها السرطانات الناسكة Hermit Crabs، فالسرطان الناسك يُسمونه Hermit Crab، وهو مشهور جداً وكبير، وفي اليابان يهتمون به جداً، وهناك أصناف كثيرة منه، فهو كائن عجيب، وهناك حتى نوع من السرطانات اليابانية تُشابِه أوجه مُقاتلي الساموراي، وهذا شيئ غريب ولذا حير العلماء، فحين تراه تجد شيئاً غريباً، فهو مثل مُقاتِل الساموراي لأن له نفس الشكل، فلماذا إذن؟ كيف هذا؟ ما الذي حصل؟ هنا أصبح نوع من الانتقاء ليس الطبيعي وإنما انتقاء من خليط بين الطبيعي وبين الصناعي، ومن المُؤكَّد أن عبر الأزمان – مثل مئات ألوف السنين – كان الصياد الياباني حين يصطاد هذا النوع من السرطان يهابه طبعاً ويُكرِمه ثم يتركه، أما الأخرى فتُؤخَذ وتُؤكَل، وبمزيد من الزمان تكاثر هذا السرطان، وطبعاً قد يكون أفراد معدودة أو حتى فرد واحد لأول مرة بالطفرة أخذ هذا الشكل، فبهذه الطفرة وبهذا الانتخاب الصناعي أعطيناه فرصة أن يمتد وأن يستمر وأن يعيش، وعلى كل حال يُمكِن أن تذهبوا وأن تبحثوا عن هذا الشكل، وهو شكل عجيب ومُثير، ولكن هم يُفسِرونه بأساطير طبعاً مُعينة ويتحدَّثون عن أن روح الساموراي دخلت البحر وما إلى ذلك، وهذا كله يُعَد كلاماً فارغاً، لكن العلماء لهممُقارَبات طبعاً علمية وأكثر موثوقية من مثل هذه اللغة الأسطورية، وعلى كل حال القشريات – كما قلنا – تكون كالجمبري وأنواع السرطان المُختلِفة، وجراد البحر أيضاً من القشريات، فما الفرق إذن إذا قارنا بين الهياكل العظمية وبين الهياكل القشرية؟ هناك فروق عديدة، فالفرق الأول هو أن الهيكل العظمي في الفقاريات – مثلاً – البرية يكون داخلياً، ويتم حمل البدن الرطب غير الصلب عليه، مثل الهيكل العظمي لدينا، لكن الهيكل القشري عكس هذا تماماً، فهو هيكل صلب خارجي، ويحتوي سائر البدن اللزج الطازج في داخله لحمايته، فإذن هذا هيكل داخل الصلب ويعتمد عليه سائر البدن الطري، وهذا هيكل قشري صلب خارجي يحتوي بداخله سائر الجسم الرطب الطري، أي أنه على العكس منه، لكن – كما قلت في بداية الحلقة – هناك سيمترية في القشريات، فنحن فعلاً لدينا الخُطة الحلقية، ومثل تقريباً ما في الهيكل العظمي يُوجَد في الهيكل القشري لدينا أنابيب صغيرة وصلبة تُشكِّل دوائر أو حلقات، وكل حلقة منها ترتبط بالتي قبلها وبالتي بعدها، تماماً كما ترتبط العظام في الهيكل العظمي بطرقها الخاصة، فهذه مُرتبِطة وهذه مُرتبِطة أيضاً، ثم هناك الخيط العصبي من البداية حتى النهاية لكنه يختلف من جهة أنه يسري في الجهة البطنية وليس في الجهة العلوية وإنما في الجهة البطنية، والـ Spinal Cord لدينا معروف كيف يجري، لكنه في القشريات يكون العكس، حيث يجري في الجهة البطنية، ثم أن هذه القشريات إذا ذهبنا إلى رؤوسها – مثلاً – كأنواع السرطانات والجمبري وما إلى ذلك سوف نجد زوائد كما يُسميها بعضهم أو لواحق أو أطراف، وبعضهم يستسهل ويُسميها قرون استشعار – Antennae – لكن هى في الحقيقة زوائد – Appendages – خمسة دائماً، نعم تطول هنا وتقصر هناك ولكنها خمسة، وهذه مُشاكَلة تُؤكِد أن كل هذه القشريات على اختلافها ينميها جدٌ مُشترَك واحد، حيث يُوجَد نفس الهيكل ونفس النظام، وهناك خمسة زوائد – Appendages – أو أطراف في رؤوسها من هنا ومن هنا، فيُوجَد قرن أو قُرين الاستشعار الأول ثم قُرين الاستشعار الثاني ثم الفك السُفلي ثم الفك العُلوي الأول ثم الفك العُلوي الآخر، فهى خمسة إذن، وفي كل القشريات نفس هذا النمط يتكرر، وهذا بحد ذاته يُؤكِّد أنها – كما قلت – تنتهي إلى جد مُشترَك وأنها تطورت من جد مُشترَك واحد، إذن لدينا مُشاكَلة على مُستوى الهيكل العظمي ولدينا مُشاكَلة على مُستوى الهيكل القشري، والآن لدينا مُشاكَلة على مُستوى الـ DNA، أي على المُستوى الجيني وعلى المُستوى الوراثي، وهى مُشاكَلة قوية وعميقة، فنحن بدأنا الآن ندخل في الأعمق والأعمق Deeper، فهى مُشاكَلة على المُستوى الجيني، لكن ما معنى مُشاكَلة على المُستوى الجيني؟ طبعاً هذه تكون بين كل المخلوقات الحية، فتكون في الحيوانات على اختلافها وفي النباتات أيضاً، والمُشاكَلة الجينية ليست فقط بين الإنسان والشِمْبانزِي Chimpanzee أو الإنسان وقرد البابون Baboon، وإنما بين الإنسان والتفاحة، والإنسان والذرة، والإنسان والقرنبيط، والإنسان والموز، وكل المملكة الحية سواء كانت نباتية أو حيوانية، لكن تقترب وتبتعد بحسب ابتعاد واقتراب الأنواع، فالمفروض إذن إذا كان هناك أي تطور وأن التطور وقع وحصل بالفعل أن تكون هذه المُشاكَلة أقرب كلما اقترب نوعان من بعضهما أو أحدها من الأخر تطورياً، فالمُشاكَلة الجينية بين الإنسان والشِمْبانزِي Chimpanzee ينبغي أن تكون أقوى مُشاكَلة، وفي الحقيقة إلى الآن هذا هو الثابت وبأدلة كثيرة بما فيها المُشاكَلة على مُستوى الـ DNA، لكن بعض الناس يقول كيف تُحسَب هذه المُشاكَلة؟ كيف تُتقصى هذه المُشاكَلة على مُستوى الـ DNA؟ لها مُستويات كثيرة وطرق التحقق من هذا المُشاكَلة في كل مُستوى تختلف تجريبياً من مُستوى لآخر، ونحن سنُحاوِل أن نشرح بعض هذه الطرق إن شاء الله.

طبعاً المُشاكَلة مُمكِن تكون على مُستوى عدد الكروموسومات Chromosomes – مثلاً – لكن هذه خُطة غير مُعتمَدة، لأن الاختلاف في زوج واحد فقط يضرب المُشاكَلة، وبالتالي ينتهي كل شيئ ولن يُوجَد لدينا أي مُشاكَلة، ومن المُمكِن أن تكون المُشاكَلة على مُستوى عدد الجينات Genes، ولكن نفس الشيئ سوف يحدث، فسوف تكون مُقارَبة ضعيفة، لأن الاختلاف في جين Gene واحد من ثلاثين ألف جين Genes يُنهي المُشاكَلة، لكن العلماء لا يعتمدون المُقارَبة على هذين المُستويين – عدد الكروموسومات Chromosomes وعدد الجينات Genes – طبعاً، وليس هذا هو المُهِم الآن، فما هو المُهِم إذن؟ أول شيئ وأول مُستوى هو مُستوى المُشاكَلة الجينية أو الوراثية المُتعلِّق بالشيفرة، فكيف يتم التشفير – Codering – للبروتينات Proteins المُختلِفة؟ يتم التشفير باللغة التي نعرفها جميعاً ودرسناها في الثانويات، حيث يتم التشفير بهذه اللغة، إذن المُشاكَلة على مُستوى التشفير وأسلوب التشفير ولغة التشفير الآن وليس على مُستوى ما يُشفَّر له، فالآن لن نهتم بالبروتينات Proteins نفسها – علماً بأن هذا طبعاً وجه آخر من المُشاكَلة وهو مُهِم أيضاً – ولكن الآن سنهتم بالمُشاكَلة على مُستوى لغة التشفير وأسلوب التشفير وكيفية التشفير، فهى واحدة في الحيوان وفي النبات وما إلى ذلك، حيث يُوجَد نفس الأسلوب ونفس اللغة في النبات كما في الحيوان، أي أن لدينا نفس طريقة التشفير، وعندنا بعد ذلك حروف الـ DNA وتتابع القواعد النيتروجينية أو تتابع القواعد الآزوتية، وهذا في كل الكائنات بنفس الطريقة، وطبعاً مرة أخرى نقول أن الخلقوي أو التكويني سيأتيك لكي يقول “هذا يحدث طبعاً لأن هذه طريقة الله تبارك وتعالى، فهذا أسلوب الله عز وجل، وهذا الأسلوب مُعتمَد دائماً، مثل – ولله المثل الأعلى – كاتب أو شاعر يكتب قصائد شعرية مُختلِفة، فهو لا يستنسل واحدة من أخرى أبداً، ولكن هذه قصيدة رثائية وهذه حماسية وهذه ملحمية وهذه غزلية وهكذا، فلا تُوجَد أي علاقة بين هذه وتلك، لكن فقط المُشابَهة على مُستوى التشفير، فهو يُشفِّر لهذه المعاني الشعرية بنفس اللغة، أي بنفس أحرف اللغة العربية الثمانية والعشرين، ويكبتها بالقلم – إذا افترضنا أنه كتبها – فقط، لكن هذا لا يعني بالمرة أن هذه القصيدة خرجت من رحم هذه القصيدة، وأن لولا هذه القصيدة ما خرجت هذه القصيدة، فلا تُوجَد أي علاقة بين هذه وتلك أبداً، وكذلك الحال مع كاتب مُتخصِّص في تخصصات عديدة، فهو قد يكتب كتاباً – مثلاً – في الفلسفة وكتاباً في الوراثة الجزيئية، وهذا حقل وذاك حقل آخر ولا تُوجَد أي علاقة بينهما، أو أن يكتب كتاباً في النقد الأدبي وكتاباً – مثلاً – في الرياضيات العلوية، فلا تُوجَد أي علاقة على الإطلاق، لكن لغة التشفير واحدة”، فإذن هذا الخلقوي قد يقول “هذا ما حصل، فالكاتب هنا هو الله – تبارك وتعالى – وهو الخالق – لا إله إلا هو – الذي استخدم لغة واحدة”، وإلى الآن هذا مقبول، لكن هذا سيعجز أن يُفسِّر مسألة الاقتراب والابتعاد التي يُفسِّرها التطور، فالتطور يقول لك لماذا هذا أقرب ولماذا هذا أبعد، وذلك لوجود التطور، وهو يقول لك أيضاً هذا يشترك مع هذا في جد قريب عمره فقط خمسة مليون سنة، لكن هذا يشترك مع هذا في جد أبعد عمره سبعة مليون، فهذا يكون على المُستوى الجيني أقرب إلى هذا من هذا، ولذا هنا التطور يشتغل، فإذن يُوجَد منطق آخر غير منطق اللغة الواحدة أو الأسلوب الواحد أو الأداء الواحدة، فهما منطقان حتى نفهم بعمق طبعاً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: