د. عمرو شريف
د. عمرو شريف

١) تتبني نظرية التطور لتشارلز داروين أن الكائنات الحية كلها قد نشأت من سلف مشترك واحد ، وهو الخلية البكتيرية ، او بضعة أسلاف قليلة ، تطورت منها الكائنات الحية ببطء شديد حتي وصلت الي الانسان .
وتقوم ادلة النظرية علي أربع مجموعات من العلوم ، وهي : الحفريات ، الأجنة ، التشريح المقارن بين الكائنات ، وأخيرا البيولوجيا الجزيئية ( علوم الوراثة او الجينات ).
وتتغير حجية هذه العلوم من وقت لآخر تبعا للاكتشافات العلمية ، فنقصت حجية ادلة علوم الحفريات بعد اكتشاف الانفجار الكمبيري ، بينما أصبحت ادلة البيولوجيا الجزيئية ذات الحجية الاكبر حاليا .

٢) تتكون النظرية من شقين رئيسيين : الاول ، حدوث التطور – والثاني ، ان هذا التطور عشوائي .
وقد اثبت العلم يقينا استحالة ان تكون العشوائية هي قائدة قطار التطور ، وذلك لما يحتاجه التطور ( ان كان قد حدث ) الي منظم حكيم قادر .
اما الشق الاول ، وهو حدوث التطور ، فتعتبره الأوساط العلمية اهم مفهوم يقوم عليه علم البيولوجيا ، مثل أهمية دوران الارض حول الشمس بالنسبة لعلوم الكون .
وهناك اجماع علمي (99.9 % من علماء العالم ) علي حدوث التطور . كما اصدر الاتحاد الامريكي لتقدم العلوم ، اكبر جهة علمية في العالم ( 150.000 عالم من أنحاء العالم ) عام 2006 بيانا يؤكد حدوث التطور ومحوريته في علم البيولوجيا .

٣) من الشقين السابقين ، يتأكد علميا حدوث التطور مع استحالة عشوائيته ، واحتياجه الي الحكمة والذكاء ، وهو ما جعل الكثيرون يطرحون ( كبديل ) مفهوم ” التطور الموجه ” او ” التطوير الالهي ” . والذي يعني قيام الاله الخالق عز وجل بتوجيه حدوث التطور .
ومعني هذا ، ان سواء خلق الاله الكائنات والإنسان خلقا خاصا مباشرا او خلقا تطوريا ، فهو الخالق في الحالين . وبذلك يتهاوي استدلال الملاحدة بالتطور لنفي وجود الاله الخالق .

٤) لا تصل ادلة التطور به الي مصاف الحقائق العلمية ، فما زال هناك معارضات للنظرية . لذلك يعتبر العلماء المنصفون ان القول بالتطور هو ، ” لجوء الي أفضل التفسيرات Inference to the best explanation ” لما لدينا من ادلة ؛ اي ان القول بالتطور هو أفضل التفسيرات التي تربط بين هذه الادلة .
والفرق بين الحقيقة العلمية وأفضل التفسيرات ، ان الاولي غير قابلة للتبدل ، بينما الثانية قابلة للتبدل مع المزيد من ادلة العلم .

٥) عندما نقول بالتطور ، فنحن نعني جسد الانسان ، اما عقله فقد اثبت العلم استحالة نشأته تطوريا ، بل أرجعوه الي الانبثاق ، الذي هو قريب جدا من الخلق ، كما قال فيلسوف العلوم الأكبر كارل بوبر .
لذلك فنحن نتبني الان ان جسد الانسان قد خلق تطورا ، اما الانسان ككل ( جسد وعقل ) فهو خلق خاص .

٦) لاشك ان الفكر المادي كان في شبق لدليل علمي علي ان الحياة والكائنات الحية منظومة مادية ، لذلك تلقفوا النظرية بشغف كبير ليستدلوا بها علي ذلك ، مما ادي الي تعَصّب تجاهها لا يقبله العلم من قبل الماديين .
لكن وجود هذا التعصب لا ينبغي ان يتخذ دليلا عل زيف النظرية.

٧) يرجع ما يثيره البعض من هجوم ومحاولات تفنيد النظرية الي خطأين منهجيين .
الخطا الاول ، عدم فهم المنهج العلمي ، لذلك اذا وجد هؤلاء بعض المعارضات للنظرية ، فرحوا بها واعتبروها دليل علي كذب النظرية .
ان هذا لا يتمشي مع المنهج العلمي ، الذي يتبني ان لكل نظرية مؤيدات ومعارضات ، ويقوم أهل العلم بوزن حجية هذه الادلة وقبول النظرية ، بالرغم من وجود ادلة معارضة لها . والمثال المهم هو الانفجار الكمبيري ، الذي يضعف من ادلة علوم الحفريات لكنه لا يقوض النظرية .

٨) الخطا المنهجي الثاني ، هو تحكيم البعض للفهم التراثي لآيات خلق الانسان في القران الكريم علي المفاهيم العلمية ، وهذا خطا فادح ، اذ ان هذه الايات الكريمة من المتشابهات التي تحتمل اكثر من تفسير كما هو واضح في كتب التفسير التراثية ، كما ان العلم في قضايا الخلق يتغير ويتطور ، اي ان كلاهما غير جازم ، فكيف نضرب احدهما بالاخر ،وليعي الجميع ان مصادمة العلم بالقران سيكون الخاسر فيها هو الدين ،وبالفعل خرج الكثير من شبابنا من الدين وتبني الالحاد بسبب اصرار البعض علي الاستهزاء بالعلم انطلاقا من فهمهم الديني .

٩) ان قضية نشاة الانسان قضية علمية بأمر القرآن الكريم ( قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق ) ، اما كل ما يخص نبي الله ادم فالعلم ليس له كلمة فيه ، وهو قضية إيمانية نأخذها من القران الكريم حسب فهم كل منا.
يستنكر البعض ان نحيا بقناعتين ، احدهما علمية والاخري دينية :
حملت هذه المشكلة لأستاذنا في الطب النفسي. د احمد عكاشة ، فقال : النفس البشرية مطالبة بقبول قدر من عدم التجانس وعدم اليقين Tolerence of uncertainty ، ويعتبر هذا من علامات الصحة النفسية ، وان عدم القدرة علي ذلك دليل علي عدم الثبات النفسي . وأضاف د عكاشة ، ان ليس هناك يقين في اي شئ الا في الموت .

١٠) ارجو قبل إرسال المداخلات دراسة هذه الرسالة جيدا ، مع الأخذ في الاعتبار ان الصفحة لن تقبل مداخلات من نوعين :
– – من يدعون ان العلم اثبت خطا التطور ، او يحاولون بقراءاتهم القاصرة للغاية وغير المتخصصة إثبات خطا الاجماع العلمي !!!
— من يحاولون إثبات خطا النظرية انطلاقا من فهمهم الديني !!!
ومن ثم فمثل هذه المداخلات سيتم محوها من الصفحة ، فكفانا ما ال اليه حال الاسلام بسبب هذه الأخطاء المنهجية الفادحة .

للمزيد عن موضوع التطور ارشح فصل ” التطور الدارويني بين الاله والالحاد ” من كتابي ” خرافة الالحاد”
وللدكتور مصطفي محمود حلقتين متميزتين علي اليوتيوب بعنوان ” غلطة داروبن
وللمزيد عن ادلة التطور ، حلقات د عدنان ابراهيم ، وعلى من يريد ان يفند هذه الأدلة ان يشاهد الحلقات اولا …

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

تعليقات 6

اترك رد

  • لا يوجد في صدري أي حرج فيما يخص هذا المقال والعقل يقبله بكل سعة و منطقية. بارك الله فيكم.

  • مقال متّزن وواقعي … شكرا لكم و يعطيكم الف عافية
    من المهم ان نقلل من الضوضاء المستثارة بين الناس و خصوصا غير المتخصصين في هذا المجال
    وعلينا ان نعي خطورة الإلحاديين الجدد مثل دوكينز والذي يبرع في مجاله التطوري كأحد ابرز العلماء عالميا. لكنه مناهض لكل الأديان وللإسلام بشكل خاص و عمله تبشيري الحادي يلقى الكثير من القبول لدى الملاحدة الجدد من ابناء العرب والمسلمين ضعيفي الإيمان والعلم. وهو يرتكز بشكل اساسي على قدراته في تفسير كل الحياة بشكل تطوري وله سلسلة طويلة جدا من المناظرات والبرامج التي لم يتورع ان يدس فيها افكاره مع انها برامج علمية و مدعومة من مؤسسات محايدة علميا في هذا الموضوع.
    من الضروري ان نتبنى نظرة شمولية لهذا الموضوع وعمل توعية على مستوى الأمة … والطلب من الشيوخ الأفاضل غير المتخصصين الصمت او دعم هذه الجهود فالبديل مرعب لمستقبل هذه الأمة!
    وقليل من الشك … هو ما يفصل بين الإيمان واليقين! ولا يوجد يقين الا بعد الموت
    تحياتي الحارة و تقبلوا مشاركتي المتواضعة بكل ود

  • اذا كان هنالك تطور من جنس لجنس اخر ….. فلماذا اذا وضعنا تفاحة في خل وحجبنا عنها الضوء والهواء لمدة معينة خرج لنا ديدان جية فيها روح؟… هل تطورت التفاحة الى دوده؟…هل هذا تطور ام خلق جديد؟

  • 1) نظريّة التطوّر هي نموذج يصف حقائق حادثة على الأرض … يعني أن التطوّر هو حقيقة في أصله, بينما نظريّة التطوّر هي تفسير لتلك الحقائق.
    2) تطوّر العقل البشري له تفسيرات تطوريّة.. لمعرفة تلك التفسيرات أنصح بالإطلاع لى هذا الكتاب
    The Origin of Mind: Evolution of Brain, Cognition, and General Intelligence

  • العلم حتى الآن عاجز عن معرفة الآلية التي تضاف بها معلومات جينية جديدة متكاملة لتنشئ نوعا جديدا من آخر قريب منه ولا بد من معرفة هذه الآلية ثم استخدامها في انشاء انواع جديدة قابلة للتزاوج لتصح فرضية التطوير الموجه

    لا يوجد تطور عشوائي فلا صدفة في الكون تعمل كمبدأ ولو كان هناك صدفة كمبدأ ومنهج لانتهى العلم لانه لن يكون هناك معنى لاي شيء بل لو صح التطور فإنه يكون تطوير مقصود وموجه بخلق خاص بإضافة معلومات

    كلما كانت الفرضية تفسر عدد اكبر من الحقائق وتلتئم مع ما قد يفهم من الآيات القرآنية بما لا يخرج عن معاني اللغة كانت اكثر قبولا واقرب للصحة من غيرها

    فرضية التطور تفسر اشياء وتعجز عن تفسير اشياء ونظرية الخلق الخاص تفسر اشياء أكثر ولكن لا تتجلى لنا الحكمة بوضوح في تفسير بعض الامور فهل هناك مجال لدمج فرضية التطور او بمعنى ادق اجزاء منها في نظرية الخلق الخاص بحيث نخرج بفرضية واحدة قد تكون اقرب للصحة ؟ الجواب على هذا السؤال قد يكون نعم وذلك اذا حاولنا فهم آيتين من القرآن فهما بسيطا ظاهريا دون تأويل وهما ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) و ( وربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) فإذا أخذنا الاية الثانية على ظاهرها فيمكن فهمها كالتالي : هي خطاب للبشر بأنهم معرضون للفناء ومجيء قوم خلفاء من بعدهم على الارض من ذريتهم ولكنهم سيكونون نوع آخر من جنس آخر كما أن البشر هم أنفسهم تم انشائهم من ذرية نوع آخر غير بشري ثم صاروا هم بالتسوية ونفخ الروح نوع آخر مختلف عنه وصاروا الجنس البشري

    والآية الاولى اذا أخذناها على ظاهرها فيمكن فهمها كالتالي : هي ببساطة معادلة تسوي بين آدم وعيسى نعلم منها ان عيسى مخلوق من تراب ثم تم تكوينه على هيئة وصورة بشرية ونحن نعلم من آيات أخرى انه من مريم من لحمها ودمها دون أب فإذا كان هذا طرف للمعادلة فإن الطرف الآخر وهو آدم لكي يحقق المثلية يلزم منه أن يكون هو ايضا مخلوق من أنثى نوع ما ربما شبيه بالبشر ثم تم تكوينه على هيئة وصورة بشرية ويكون التراب هنا سواء في حالة آدم او عيسى المراد به أصل العناصر الكيميائية المكون منها جسد آدم او جسد عيسى وهي عناصر الارض من تربتها

    وهنا قد يمكن ان نقول الفرضية الاتية وهي أن عيسى كان طريقة خلقه بالتطوير الموجه لخلية في رحم مريم مع الخلق الخاص بوضع معلومات جديدة خاصة بالذكورة وغيرها مما يتميز به عيسى ثم خرج عيسى من مريم متمايزا عنها في الجنس وفي صفات أخرى وينسحب نفس القول على آدم فتم خلقه بالتطوير الموجه لخلية من انثى من نوع شبه بشري مع الخلق الخاص بإضافة معلومات جينية جديدة خاصة بهيئته البشرية وذكوريته ولكن على الارجح لم يتم تكوينه على الارض في رحم تلك الانثى ولكن تم في الجنة ( وهذا من مميزات آدم ) وكذلك تم بعد ذلك تكوين حواء من آدم بنفس الطريقة ولكن بإضافة معلومات مختلفة ومنها صفات الانوثة وحذف المعلومات الخاصة بالذكورة ونحن اذا استلهمتا طريقة خلق عيسى كطريقة لخلق الانواع المختلفة وحاولنا تعميمها على الانواع المختلفة من الكائنات نجدها تفسر لنا كثير من الاشياء فهي تفسر اشياء لم تفسرها نظرية الخلق الخاص بشكل يقنع الجميع الا اذا سلموا بعدم معرفة بعض الحكم وراءها فبداية هي تحل معضلة البيضة والدجاجة ايهما اولا فالبيضة اولا لانها كالبذرة او الخلية الواحدة التي تحمل المعلومات الكاملة والمخطط الكامل للدجاجة كما ان البذرة تحمل المعلومات الكاملة للشجرة وتكون هذه البيضة نشأت من مبيض كائن قريب من الدجاجة ولكنه ليس دجاجة وهكذا بالتسلسل الى اول كائن متعدد الخلايا نشأ من كائن وحيد الخلية تم تطويره تطويرا موجها وتم خلق معلومات جديدة فيه عند انقسامه تحمل صفة الكائن الجديد وهي تفسر لنا لماذا نجد ان الجنين سواء كان ذكر او انثى ينشأ ظاهريا كأنثى الى ان تعمل هرمونات الذكورة ان كان ذكرا لكي تعطيه صفة الذكورة والا بقى على ظاهره كأنثى ولذلك نجد في بعض الحالات انثى كاملة الانوثة في الظاهر الا انها لا تحيض ولا تنجب ثم نجد انها تحمل الكروموسوم اكس واي ولكن الكروموسوم واي تعطل عن العمل لسبب ما في المرحلة الجنينية مما أخرج الجنين كأنثى رغم أنه يحمل جينات الذكورة وهي تفسر لنا ما السر في ارتقاء الكائنات في سجل الحفريات كلما تصاعدنا في طبقات الارض وهي تفسر لنا سبب ان انعزال مجموعات معينة من الكائنات في بقعة جغرافية معينة نجد انها تختلف في صفاتها عن انواع اخرى انعزلت قي بقعة أخرى رغم تشابه الظروف البيئية والمناخية بين البقعتين ويفسر لنا سر التشابه الجيني بين انواع الكائنات كثرة وقلة والقرابات بين الانواع ومسألة السلف المشترك وهي تفسر اشياء لم تفسرها نظرية التطور كمسألة عدم وجود ملايين الانواع الانتقالية المفترضة بين الانواع المختلفة سواء في السجل الاحفوري او الاجناس الحية وعدم كفاية الزمن المفترض لحدوث التطور التدريجي فالزمن اللازم هو تريليونات السنوات وليس بضعة مليارات من السنوات وهي عمر الارض او حتى خمسة عشر مليارا وهو عمر الكون وهي تفسر لنا سر التفاوت الهائل بين الانسان واقرب الانواع له وبينه وبين سائر الكائنات مما يدل على اصطفاء خاص وسر خاص وهي تفسر لنا الآليات المعقدة العجيبة لدى بعض الكائنات سواء للحماية من الاعداء او لجلب الرزق او غير ذلك وتفسر لنا وجود بعض الكائنات ذات الجمال الرائع العجيب او الصفات المخالفة لمتطلبات الانتخاب الطبيعي والبقاء للاصلح وتفسر لنا كيفية نشأة الخلية الحية ( عناصر من تربة الارض والماء تم ترتيبها بطريقة معينة وفق معلومات معينة وخلقها خلقا خاصا في صورة خلية حية ) ووجود الكائنات المتعددة الخلايا ووجود الكائنات الاجتماعية في مجتمعات معقدة كالنمل والنحل …..وغيرها الكثير من الاشياء التي تعجز نظرية التطور عن تفسيرها بطريقة مقنعة

    وبالنسبة للقرآن تفسر لنا كيف ان كل ما في السموات والارض مخلوق من اجل البشر فيكون المعنى ان كل هذه الكائنات بدءا من عناصر التربة وهي الاصل المشترك لجميع الكائنات مرورا بالانواع المختلفة المرتقية تصاعديا هرميا من نبات ثم اسماك ثم زواحف ثم ثدييات ثم تم اصطفاء الانسان من اعلى شيء في هذا الهرم ثم تم تسويته وتعديله على الصورة البشرية ثم النفخ فيه من الروح ليكون هذا البشر المكرم ويفسر لنا لماذا قال وبدأ خلق الانسان من طين بعد ذكر خلق السموات والارض فكلمة بدأ تدل على مراحل في الخلق قبل خلق الانسان كلها كانت تمهيد لخلقه في النهاية فرغم ان الحيتان والافيال مخلوقة من طين الا انه خص الانسان بالذكر لانه كل الكائنات قبله خلقت من أجله فكأن المعنى خلق الانسان عن طريق خلق الكائنات الارضية قبله بالتسلسل بداية من الطين حتى أرقى الثدييات وقال بعدها ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وهنا ذكر قانون التناسل الذي اودع معلوماته فيه والذي يضمن استمرار البشرية وحفظ النوع البشري حتى قبل ذكر تسويته والنفخ فيه لأهمية هذا القانون في استمرارية الخلافة البشرية وتحقيق المقصود من قوله ( اني جاعل في الارض خليفة ) فهنا كلمة ثم ليست للترتيب الزماني ولكن للاهمية الاعتبارية كما انها اشارة لان ذريته من بعده ستأتي بقانون مغاير للقانون الذي جاء هو به بل ستأتي بقانون التناسل الذي يحكم النوع الواحد وتفسر لنا معنى التسوية والتعديل (فسواك فعدلك) فكأن ادم تم تعديله بتعديل معلومات ومخطط مخلوق آخر نشأ منه (من ذرية قوم آخرين) وتفسر قوله ( امم امثالكم ) فقانون انشاء الانسان كنوع جديد من نوع سابق هو نفسه قانون انشاء الانواع الجديدة مما سبقها

    وتفسر لنا أمر الله لنوح بأن يحمل من كل نوع زوجين اثنين في السفينة فلو كان الامر في كل المخلوقات بالخلق الخاص وحده دون وجود لانواع سابقة لما جاء الامر لنوح بحمل زوجين من كل الانواع التي يستطيع حملها معه ونلاحظ أن القرآن لم يشر الى التطوير الا اشارة واحدة في الاية ( كما انشأكم من ذرية قوم آخرين ) وذلك لان ومعارف اهل ذلك الزمان لم تكن لتطيق ذلك فهم يرون الكائنات الحية امامهم على اختلاف مراتبها معا في آن واحد فلم يكونوا ليتصوروا انها نشأت تدريجيا عبر زمن طويل لان ذلك لا يتأتى الا بعلم الجيولوجيا ولذلك فنحن نجد ان الملاحظات التي بنيت عليها نظرية التطور واهمهما اختلاف الانواع في البقاع المنعزلة عن غيرها من الانواع وهذه لا تتأتى الا برحلات تجوب الارض وهذا لم يكن متاح لاهل الازمنة الماضية الا بعد اختراع المحرك البخاري للسفن والملاحظة الاخرى الهامة هي ملاحظة سجل الحفريات في طبقات الارض وهذا لم يكن متاح لاهل الازمنة الماضية الا بعد تطور علم الجيولوجيا وطبقات الارض وادوات الحفر

    ونجد ان أكثر الايات في القرآن كان الاهتمام بذكر عناصر اصل الخلقة الانسانية من تراب الارض ومن الماء ( اكسجين وهيدروجين )ثم خص بالذكر أهم العناصر في تركيب الانسان من عناصر الطين الاسود واهمها كاربون ( حمأ و صلصال ) ومن مواد عضوية متحللة تطلق النيتروجين ( مسنون ) و عناصر تكسبه صلابة كالكالسيوم والكاربون (كالفخار) او نجدها تذكر اهم الروابط بين الاحياء التي تدب على الارض وهو الماء بعنصريه كما ان هناك حكمة أخرى من عدم ذكر تطوير وانشاء الانواع من بعضها وخاصة الانسان وهي القطع بين كل نوع وآخر جديد نشأ عنه ولأنه طالما صار نوع آخر مستقل ومتميز في خصائصه صار خلقا مستقلا فلا يصح خلطه بغيره ولاجل القطع بين الانسان المكرم الذي حظى بتسوية مخصوصة ونفخة الهية وبين سائر الكائنات الحية وذلك تكريما للانسان وتشريفا له فلا يقال أصله كذا وكذا وهذا ايضا سر عدم العثور على سلف مشترك حي للانسان مع اقرب الاحياء له ويفسر سر افناء كل اشباه البشر من اول حفرية شبه بشرية الي ما يسمى بانسان نياندرتال وهذا التكريم للانسان يقتضي عند الحديث عن خلقه ان يكون الرد دائما للعناصر الاولية المحايدة في صفاتها فلا تحمل وجها للانتقاص او الذم بينما هناك كائنات حية بها أشياء مذمومة من جهة الانسان وان كانت محمودة من جهة الكائن نفسه ووظيفته وبيئته كصوت الحمير مثلا او نعيق الغربان

    أما بالنسبة عن بعض التساؤلات الاخرى حول هذه المسألة مثل1- ( لماذا لم يستخدم كلمة جعل بدلا من خلق في ذكر خلق الانسان او غيره من الكائنات رغم أن جعل فيها معنى التحويل ؟) فالجواب ان الخلق اعم من الجعل والجعل يأتي في الغالب مع الاشياء التي لا تنفك عن مصدرها ولا تقوم بدونه فهي أثر له او جزأ لا يتجزأ منه او امتداد له ولها نفس ماهيته فالنور اثر لوجود الشمس والظلمات اثر لغيابها وليسوا كائنات مستقلة عنها فبدون شمس لا نور وبوجود شمس لا ظلمات وكذلك الظل اثر لسقوط اشعة الشمس على الجسم المعتم فبدون جسم معتم لا ظل والجبال جزء من القشرة الارضية والواحها وبدون القشرة لا جبال والسمع والبصر والفؤاد جزء لا يتجزأ من الانسان فبدون انسان لا سمع ولا بصر ولا فؤاد وذرية آدم ونسله هم أثر منه وبدونه لا وجود لهم وهم امتداد لنوعه بنفس خصائصه وهكذا .. اما الخلق فيأتي في الغالب مع الكينونات المستقلة المتمايزة عن غيرها او عن اصل نشأتها بخصائص جديدة تنفرد بها وفيه معنى التقدير والتخطيط واضافة المعلومات المخصوصة ولهذا جاء خلق الانسان من طين او تراب او ماء او … لانه انفرد بخصائص كثيرة عن هذه العناصر وبخطة معلوماتية متكاملة ترتب هذه العناصر وفق تراتيب معينة لتقوم بوظائف معينة وكذلك عن انواع الأحياء الاخرى وكذلك خلق الدواب من الماء لانها تميزت عنه وصارت لها خصائصها المميزة

    2- هل هناك اشارات اخرى من القرآن والسنة على التطوير؟ الجواب نعم توجد آيات في القرآن ولكن دلالتها خفية ا مثل (والله انبتكم من الارض نباتا ) ففيها اشارة للاصل النباتي للانسان وقوله تعالى ( سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ) فالسير في الارض وملاحظة الحفريات في طبقاتها والارتقاء في تعقيد الانواع كلما تصاعدنا في الطبقات يعين على فهم قوانين الخلق والكيفية التي تمت بها

    ( وقد خلقكم أطوارا ) بفرض أن آدم يدخل في الآية كما ان اطوار الجنين تدل على امكانية حدوث التطوير ( خلقا من بعد خلق )

    3- هل الحكمة من التشابه التشريحي والظاهري والجيني الجزئي بين الانواع وبعضها هي فقط في الدلالة على وحدة الصانع ؟ والجواب هو لا لان وحدة الصانع يستدل بها اساسا من وحدة القوانين التي تحكم كل شيء في الكون ولذلك نجد الجن مثلا لا يشابهوننا من حيث عناصر الخلقة او الجينات ولكنهم يدلوا على وحدة الصانع لانهم يخضعوا لنفس قوانين الخلق ونفس قوانين الكون فلا يستطيعوا مثلا النفاذ من اقطار السموات والارض ويتزاوجون ويتناسلون ويأكلون ويشربون وغير ذلك وينطبق عليهم قانون الفناء وكذلك الملائكة ينطبق عليها قوانين الكون ومنها قانون الفناء ( كل من عليها فان ) والسؤال الآتي هو ما هي الحكم الاخرى من هذا التشابه بجانب الدلالة على وحدة الخالق ؟ والجواب هو الاشارة الي نشوء بعضها من بعض او القرابة فيما بينها وعدم غرابتها عن سيدها الانسان وعدم غرابة الانسان عنها مما يحقق الانسجام ويلفت الانسان الى محاولة الاستفادة منها في الابحاث العلمية والطبية وما ينجم منها من فوائد لا تكاد تحصى (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه )

    4- حديث خلق ادم ستين ذراعا الا يناقض فرضية التطوير ؟ الجواب هو لا لان هذا الطول كان بمقاييس الجنة ليتناسب مع اشجارها وثمارها وجاذبيتها وقوانينها فهو تفعيل لقانون التكيف في جيناته فلما اهبط على الارض وتعرض لقوانين اخرى نقص طوله وطول ذريته ليتناسب مع حجم شجر الارض وثمارها وتم تفعيل قانون التكيف في جيناته مرة أخرى ليلائم الحياة على الارض ولهذا نجد ان رواد الفضاء الذين يستمرون عدة اسابيع في الفضاء يعودون الى الارض وقد ازداد طولهم ببضعة سنتيمترات بسبب انعدام الوزن في الفضاء ويحتاج الامر عدة اسابيع ليعودوا لطولهم الاول وهذا ايضا دليل على ان جنة الاختبار كانت جنة سماوية وليست ارضية

    5-
    ان الحفريات تثبت وجود اقوام يشبهوا البشر وان كانوا اقل منه رقيا ثم اختفوا فجأة مثل انسان نياندرتال رغم بقاء من هم دونه من المخلوقات كالقردة وغيرها دون انقراض فما تفسير ذلك ؟ تفسير اختفائهم قد يكون بابادتهم بعد ان تم المقصود باصطفاء آدم خاصة ان الحفريات تدل على صغر حجم مخهم مقارنة بالانسان المعاصر مما قد يشير لعدم قدرتهم على ضبط افعالهم وقد يكونوا هم المعنيين بقول الملائكة ( اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فتم ابادتهم وافنائهم حتى تكون هناك مسافة كبيرة وقطع كامل بين الانسان واقرب المخلوقات الارضية الحية اليه .

    6-

    اليس معجزة عيسى الخاصة بالنفخ في الطين فيكون طير ومعجزة عزير بإنشاز الحمار بترتيب ذكرها وقوله تعالى كما بدأنا اول خلق نعيده وبعث الناس بتجميع العناصر بمعلومات عجب الذنب وناقة صالح بدون اب وام تناقض فرضية التطوير الموجه كقانون للخلق؟ والجواب ان المعجزة التي يتحدي بها الانبياء اقوامهم تكون خرق للقانون فلا تقاس عليه وخلق آدم كان وفق لقوانين خلق الانواع الجديدة وليست معجزة تحدي وقانون البعث غير قانون الخلق الا في بدء خلق الخلية الحية الاولى من عناصر الارض الميتة فيخلق البشر عند البعث من عناصر الارض الميتة حسبب المخطط الجيني لكل واحد منهم كما نشأت اول خلية حية

%d مدونون معجبون بهذه: