جواب عن سؤال حول نظرية التطور وتعاطي المسلمين خصوصا معها
نشرت بواسطة عدنان إبراهيم
هوامش | لا هنا ولا هناك…بل هنالك | الدكتور عدنان ابراهيم
موقف الدكتور عدنان ابراهيم من أحداث اليمن وعاصفة الحزم. ورسائل لكل من يسيئ الظن بالدكتور عدنان إبراهيم ويرميه بما هو بريئ منه ولكل من يعمل على توسيع رقع بؤر التوتر بخطاب طائفي.
الصفحة الرسمية على الفايسبوك
https://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan
محاضرة | الاعتدال في التدين (مسجد سيرجي – باريس )
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، لك الحمد بما أنعمت علينا بنعمة الإسلام، ولك الحمد بما أنعمت علينا بنعمة الإيما ، ولك الحمد بما أنعمت علينا بنعمة القرآن والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفوته من خلقه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ورشداً.
أما بعد:
إخواني في الله وأخواتي في الله، أحبتي في الله: أُحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، استمعت في مُقدَّمة أخي الفاضل كلمة الحب، الحب في الله، وفي الحقيقة أنا أستشعر بفضل الله – تبارك وتعالى – بهذا الحب الذي أسأل الله أن يكون صادقاً وخالصاً لوجهه لكم يا شباب فرنسا ويا مسلمي فرنسا، ويشعر قلبي أن فيكم حباً صادقاً لدينكم وفيكم إقبالاً لافت مُتعشِّق على الله – تبارك وتعالى – وعلى ما يُرضيه إن شاء الله تعالى، فهنيئاً لكم على هذا، وأسأل الله – تبارك وتعالى – بأسمائه الحسنى وبلطفه وبكرمه أن يزيدكم من توفيقه ومن محبته حتى يُبلِّغكم في رضاه عز وجل أقصى أمانيكم. اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
رغب إلىّ أحبتي في الله الإخوة المسؤولون عن هذا المسجد الذي أسأل الله أن يُبارِكه وأن يُنزِّل عليه السكينة لذا نتحدَّث إليكم في موضوعٍ تمس الحاجة إليه، إنه موضوع الاعتدال أو التوسط في التدين، لكن ابتداءً حُقَّ لنا أن نتساءل ما المُراد بمُصطلَح الاعتدال في التدين؟ هل يُراد به – أيها الإخوة والأخوات – أن يكون مسألة انتقاء وتخير بحيث يسوغ ويجمل بالمُؤمِن والمُؤمِنة أن يتخير من الدين ما يرى أنه أقرب إلى الاعتدال وإلى خُطة التوسط حسبما يراه هو؟ مُحال أن يُراد بالاعتدال هذا المعنى، لأن هذا المعنى يُوشِك أن يكون افتئاتاً وكذِباً على الدين وتملصاً منه، الاعتدال ليس مسألة تخير وانتقاء وما ينبغي له، فهل الاعتدال هنا مسألة الاقتصاد في التطبيق بمعنى مُجافاة الغلو أوالغلواء بحيث لا يغلو المُتدين في الأخذِ بعزائم الدين ومحاب الدين فيُصلي باقتصاد – بخلاف الفروض يتطوع مُقتصِداً ولا يُغالي – وحتى إذا أراد أن يتصدق وأن يرضخ من ماله فعل هذا على وجه الاقتصاد؟ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، في حديث جابر – رضيَ الله تعالى عنهما – حين أتى أحد الصحابة الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – ببيضة من ذهب – قطعة ذهب كبيرة – وقال له خُذها يا رسول الله وضعها حيث شئت، تبيَّن للنبي أن هذه هى جُملة ماله، هى كل ما يملك، هذا هو المال الذي تأثله، يقول فأخذها فحدفه بها، ولو أصابته أوجعته، وقال يأتي أحدكم بكل ماله ويقول خُذه يا رسول الله وضعه حيث شئت إلى آخر الخبر، فحتى الصدقة هنا تكون باعتدال، هل هذا هو المقصود؟ هذا المقصود بحد ذاته من حيث الأصل صحيح ومشروع ودلت عليه الأدلة الشرعية، ولكن ليس هو المُهِم، ليس هو من همنا، هذا لا يُشكِّل مُشكِلة للمُسلِمين.
إخواني وأخواتي:
أحسب أن الاعتدال المفهوم والذي ينبغي أن يكون مدار همنا ووكدنا هو فهم الدين كما هو، كما أنزله الله وكما أراده الله، المسألة الآن مسألة فهم، لماذا؟ لأن الدين حريٌ كما أنزله الله – تبارك وتعالى – أن يكون ديناً مُعتدِلاً وسطاً، ليس فيه مُغالاة، ليس فيه تطرف، دين اليسر ورفع الحرج الموصوف على لسان الصادق الأبر – عليه الصلاة وأفضل السلام – بالحنيفية السمحة، لذلك مسألة الاعتدال مسألة فهم نعود به إلى أصل الدين كما أراده الله – تبارك وتعالى – وكما هيأه، ربما يقف أو يمثل في أول هذا الفهم تنزيل الأمور منازلها وإعطاؤها أوزانها النسبية بحيث لا نُعظِّم ما صغَّر الله ولا نُصغِّر ما عظمه الله، لا نُقدِّم ما أخَّر الله ولا نُؤخِّر ما قدَّم الله، بعض المسلمين – إخواني وأخواتي – يتدينون ويفهمون الدين على نحوٍ يُعظِّمون فيه حظ بعض الأمور الصغيرة الظاهرية، مثلاً بعض الناس قد يتشدد جداً في قضية اللباس، كيف تلبس أيها المُسلِم؟ يتشدد جداً في هذا، ويرى أن هذا من صميم الدين في الوقت الذي نراه يستسهل كشرب الماء غيبة المسلم مثلاُ، والغيبة من أكبر الكبائر، ذنبٌ مُخيف ومُرعِب في القرآن وصحيح السُنة، ما بالنا إذن نتساهل مع هذا الذنب الكبير ونتشدد ونتشنج مع أشياء تُعتبَر أشياء بسيطة ذا وزن بسيط كمسائل اللباس والهيئة مثلاً؟ هنا لأننا نفتقد إلى ميزة الاعتدال، لا نفهم الدين باعتدال، هذا فهم مُختَل، الاعتدال هو التوازن، ولا يحدث التوازن إلا أذا أعطينا كل شيئ وزنه النسبي، هناك أشياء لا أُحِب أن أُمثِّل بها درءاً للفتنة، تقريباً لا تجد ولن تجد مُفسِّراً لكتاب الله – تبارك وتعالى – أو فقيهاً يعرف ماذا يقول – فقيهاً أصيلاً حقيقياً – إلا وهو حاكم بأنها من صغار الذنوب، هى ذنوب وآثام لكنها من صغار الذنوب، في مخيال المُسلِم المُعاصِر هذه الأشياء ربما تكون من أكبر الكبائر، يراها أشياء فظيعة على أنها باتفاق العلماء من صغار الذنوب، لا نُمثِل بها درءاً للفتنة، ولكن كما قلت لكم هناك كبائر واقع الاتفاق على أنها كبائر يتساهل فيها المُسلِم ولا يتخالجه حرج أو تأثم – شعور بالذنب – أنه أتى عظيمة من العظائم تقطعه عن الله تبارك وتعالى، ومسألة الذنوب يا أحبتي ليست مسألة عابرة، إنها مسألة الطريق إلى الله، هل تسلك أو لا تسلك؟ هل تصل أو لا تصل؟ هل تُقبَل أو لا تُقبَل؟ هل يرضى عنك لا إله إلا الله – لا إله إلا هو – و يُحِبك أو لايرضى عنك؟ المسألة خطيرة، هي مسألة الدين!
الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – صح عنه يا إخواني وأخوتي في الله أنه قال أنه لَيُغانُ على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة، ورد أنه قال أكثر من سبعين مرة وورد مائة مرة، هذا الحديث استفاد منه السادة العلماء والصلحاء أن عين البصيرة – القلب يا إخواني والبصيرة الداخلية – حساسةٌ جداً، أكثر في حساسيتها من العين الباصرة، العين الباصرة حساسة جداً، أي ذرة غبار تدخل فيها تؤذيها وتستثير ردة فعلها، عين البصيرة أكثر حساسية من العين الباصرة، ذنب يسير يُمكِن أن يُخاطِب القلب يُمكِن أن يُشوِّش عليها، مثل الغفلة، لكن النبي – عليه السلام – ليس لع غفلة لأنه معصوم ومع ذلك يقول قلبي هذا يُغانُ عليه – يتغشاه شيئ مثل الغيم – حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة، مُجرَّد الغفلة البسيطة تُحدِث هذا الأثر، فكيف بالذنب العظيم؟ كيف بالكذب؟ كيف بالغيبة؟ كيف بالنميمة؟ كيف بالحقد؟ كيف بالكره؟ كيف تكره الناس وتكره إخوانك في الملة والدين أيضاً؟ الآن المُسلِمون – أصلحنا الله وإياهم جميعاً يا إخواني – بينهم قدر من الكره والتكاره عجيب سوَّغ لهم التدابر والتقاتل واستحلال الحرمات، وهذا مُخيف يا أخواني، كأنهم لم يقفوا على قول المعصوم – عليه الصلاة وأفضل السلام – والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة – يُقسِم النبي – حتى تُؤمِنوا – وهذا صحيح، مُحرَّم على المُشرِك الجنة وعلى الكافر – ولن تُؤمِنوا حتى تحابوا، عجيب هذا الحديث، هذا الحديث لن يُفرَغ من شرحه، لو أردنا أو أراد غيرنا أن يشرحه ما فُرِغَ من شرحه، ما هى فلسفة ومغزى ربط الإيمان وتشريط الإيمان بالمحبة؟ شيئ عجيب جداً، وهذا المعنى في مُنتهى العمق أيها الإخوة، لن نخوض فيه الآن لكن فقط نحن نتلقاه، النبي يقول الإيمان مُشرَّط بالمحبة، ايئس أن تكون من المُؤمِنين حقيقة الإيمان وأنت كاره لإخوانك وكاره للمُوحِّدين وكاره لهؤلاء الناس، هذا مُستحيل، لا يُوجَد إيمان، المُصيبة يا إخواني أنه ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ، يوم يموت القلب ويوم تعمى عن البصيرة – حين تُصبِح عمياء، قال الله كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۩ – لا يعود صاحب القلب الميت يشعر بورطته أو يشعر بمُصيبته التي أصابته، يشعر إنه بخير، ويقول هذا عادي، لكن انتبهوا إلى أن المُراقِب الخارجي والإنسان السليم والإنسان السوي يشعر أن هذا المُتدين ليس بخير، هذا المُتدين فيه غلط كبير، فيه غلط غير عادي، وبالحري لا يكون مُتديناً صحيح التدين، لماذا؟ التدين لا يُنتظَر منه إلا المحبة والتسامح والتواضع والإخبات والربانية والالتزام بالصدق والالتزام بالحق يا إخواني، كل المعاني والقيم الجميلة والنبيلة والجليلة يعكسها التدين الحق، وبالتعبير الإلهي – وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ۩ لا إله إلا هو – الربانية، قال الله وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ۩، يُصبِح العبد ربانياً، من أوضح ومن أجل ما فُسِّرَ به هذا اللفظ الإلهي الجليل وهو الربانية – كون العبد ربانياً – أنه يُصبِح مجلىً لجملةٍ من صفات الله، الله هو الرحمن الرحيم، تجد هذا العبد مرآة تعكس هذه الرحمة الإلهية، إن شئتم يُصبِح إنبوباً تتدفق من خلاله الرحمة إلى العباد، والرحمة ليس فقط بالمُوحِّدين من إخوان الملة والدين وإنما بالبشر أجمعين، الرحمة حتى بالعدو، حين يقع تحت رحمتك في ساحة الحرب وهو مُعتدٍ باغٍ – والعياذ بالله – قد ترحمه، الرحمة بالدابة وبالحشرة الصغيرة كالنملة وبأقل من هذا، يُحكى عن إمامنا أبي حامد الغزالي – حُجة الإسلام رضوان الله تعالى عليه – أنه كان يكتب مرةً فوقعت بعوضة أو ذبابة – لكن أنا أذكر إنها ذبابة – على سن القلم أو على سن الريشة فتركها حتى ارتوت، فعرض له في المنام – سنح له في المنام – مَن يُخِبره أن الله غفر له برحمته هذه الذبابة الضعيفة، قال يا رسول الله إنني أُريد أن أذبح الشاة فأرحمها أن أذبحها، هذا ما ورد في رواية، قلبه لا يُطاوِعه، فقال الرسول – عليه الصلاة والسلام – والشاة إن رحمتها رحمك الله، هذا أمرٌ عجيب، وهو يُريد أن يذبحها لمأكل، وربما شاة أُضحية، وربما شاة هدي في حج مثلاً، يقول لا أستطيع ، قلبي لا يُطاوِعني على أن أذبحها وأؤلِمها، لو سُئل الآن أحد هؤلاء المُتشدِّدين كما يُقال أو الذين لا يفهمون صحيح الدين هذا السؤال عينه لانبعث في وجه السائل غاضباً بقول يا مُتنطِّع ويا صاحب الورع الكاذب والبارد أتتنزَّه عن ما لم يتنزَّه عنه رسول الله؟ رسول الله ذبح النوق وذبح الشياه وذبح الجديان وأنت تدّعي أنك لا تقدر، لكن النبي علَّمنا درسان، الرحمة لا يُقال أن فيها تفريقاً، لا تفريق في الرحمة، كما قلت لك حتى أمام عدوك إذا عفوت عنه رحمك الله بذلك، هذا معنى الربانية، تُصبِح مرآةً و تُصبِح إنبوباً لرحمة الله – تبارك وتعالى – وأيضاً لكرم الله، نُترجِم هذا ثم نعود إلى حديثنا.
إذن يُصبِح العبد – إخواني وأخواتي – مجلىً لرحمة الله ولكرم الله تبارك وتعالى، ما معنى هذا؟ أعتقد أن كلاً منكم أسعده الحظُ ولو مرة في العمر فالتقى بأحد المسلمين الوادعين الصالحين الذين تبدو مخايل الصلاح والاستقامة على وجوههم النيّرة ولاحِظ شيئاً عجيباً، كل هؤلاء بينهم جامع مُشترَك ليس فقط محبة العباد وإنما إرادة الخير وبذل الخير للناس بلا شرط، عندهم قدرة على الكرم في العطاء، قدرة على الاهتمام بالآخرين، قدرة على مواساة الآخرين وعلى التعاطف – كما يُقال Empathy – مع الآخرين بشكل غير محدود، وأنت تستغرب أن إنساناً من البشر يكون بهذه الكيفية، ما سر هذه الطيية الفائقة؟ ما سر هذه التعاطفية المُثيرة جداً يا إخواني؟ الإيمان، الربانية، لأنهم ربانيون، لأن الله – تبارك وتعالى – كساهم من نوره وأقبل عليهم، تواصلوا مع الله عز وجل، سأشرح لكم بعض عمق هذا المعنى الجميل والجليل يا إخواني، هناك أنفار – اللهم اجعلنا منهم – من عباد الله المُؤمِنين الصادقين والأولياء الصُلحاء الله – تبارك وتعالى – لا يُخيِّبهم، كما قال النبي فيما صح عنه لو أقسم أحدهم على الله لأبره، تقول يا رب أُقسِم عليك أن تفعل هذا والله يفعل مُباشَرةً، كما قال صهيب الرومي – رضوان الله عليه – نعم الرب ربنا، لو أطعناه ما عصانا، هذا أمرٌ عجيب، هذه العبارة فيها جرأة ولكن حقٌ، نعم الرب ربنا، لو أطعناه ما عصانا، يقول النبي – عليه السلام – لو أقسم أحدهم على الله لأبره، هؤلاء الصُلحاء العرفاء الطيبون الوادعون يُقال لأحدهم أن فلاناً مريضاً وقد أشفى على الموت – يُوشِك أن يموت – فادع له لله، يرفع يديه يدعو، كأنما شوكة ونُقِشَت، في ساعة أو ساعتين أو في ليلة واحدة يقوم الرجل وليس به بأس والناس يتعجبون، قد يُطلَب منه أن يرقي – والرقية من السُنة – فيضع يده المُبارَكة على هذا العبد العليل، في ثواني قليلة أو دقائق كل شيئ ينتهي، كيف يحصل هذا؟ عرفنا على ماذا يدل لكن كيف يحصل؟ ما شرطه؟ أنا أقول لكم شرطه أيها الإخوة بعد الاستقامة التامة – بإذن الله تبارك وتعالى – والتحقق بالربانية أن يكون العبد مجلىً لكرم الله، الله – تبارك وتعالى – لا يُعطينا ولا يمنحنا فقط بل خلقنا من عدم وأعدنا وأمدنا من عُدمٍ بلا مُقابِل، قال الله وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ۩، كل هذه النعم من الله، طبعاً المُتزوِّجون – زوَّج الله عزّابنا رجالاً ونساءً، شباباً وشواباً – يُدرِكون هذه النعم بتعمق أكثر وبعمق أكثر من خلال الأولاد، يرى كيف أن الله لم يُعطه فقط الصحة والمال والعلم والاستقامة والزوجة الطيبة والمسكن المُريح والسيارة المُريحة أيضاً وإنما أعطاه الولد، الولد الذي لا يُمكِن أن يُشترى بمليارات الدُنيا، أعطاه بنتاً صغيرة صحيحة أيضاً مُعافاة أو ابناً صغيراً، وهذا من كرم الله، يُعطيك ولد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو كما يشاء – لا إله إلا هو – بلا مُقابِل، أنت لم تدفع له شيئاً لتستحق شيئاً من هذا، هذا الكرم الحقيقي أيها الإخوة، الصالح – أصلحنا الله وإياكم بما أصلح به عباده الصالحين – فيه شيئ من هذه الربانية يا إخواني، يبذل الخير للناس والعطاء والدعاء والتعاطف دونما انتظار لمُقابِل من أحد، لا يُريد لا جزاء ولا شكوراً ولا مالاً، لا يُدكِّن – لا يفتح دكاناً بالقرآن وبالسنة وبالرقية – أبداً، الصالح لا يفعل هذا البتة، وقد يُكلِّفه هذا أن يُسافِر سبعين كيلو أو مائة كيلو أو خمسمائة كيلو وأحياناً من بلد إلى بلد لكي يدعو إلى عبدٍ ويرقيه بيده المُبارَكة لوجه الله، قال الله إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ۩، وانتبهوا إلى هذا، هؤلاء المُطعَمون منهم كفار مُشرِكون أسرى، كما قال أبو عُبيد ما نعلم هؤلاء الأسرى إلا كانوا مُشرِكين، هنا الرحمة يتلوها الكرم، رحمة تتظاهر بالكرم، نفعل هذا بكرم حقيقي، لا نُريد – مثلاً – أسيراً أن يتملقنا أو أن يُقبِّل أيدينا أو أرجلنا، لا نُريد منه شيئاً، نفعل هذا لوجه الله، قال الله يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۩، هذا الذي يُثبِّت الذات، هكذا يُصبِح العبد مجلىً أيضاً بعد الرحمة للكرم الإلهي، هذا معنى أن يكون العبد كريماً كرماً ربانياً.
أحد كبار الصالحين وهو من المُعاصِرين وقع فيه أحد الناس وشتمه وأساء إليه إساءة بالغة لا تتناسب مع مقامه العلمي والعرفاني، ولم يعتذر هذا المُذنِب وظل سائراً في ظلمة للرجل الصالح، بعد سنين قيل له يا فلان اعف عن فلان الذي سبك ووقع فيك، فأطرق برأسه حياءً وقال الله – تبارك وتعالى – وحده يعلم أنني لم أزل أستغفر له من تلك الساعة، هذه هى الربانية يا إخواني وليس حقد، ليس لأن أحدهم أساء إليّ أحمل الحقد في قلبي ويتقادم هذا الحقد حتى يُصبِح سُماً يقتلني أنا أولاً ويقتل العلاقة بيني وبيني إخواني وبيني وبين الآخر، العفو مظهر رباني، هذا دليل على الربانية، لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى – وهو مَن هو لا إله إلا هو، هو رب العالمين – يُلحِد ويكفر ويُشرِك العبد معه وبه ويُجدِّف عليه ستين أو سبعين سنة وهو يُحييه ويُعطيه ويرزقه ويُكثِر له، ثم إذا تاب قبل أن يموت تاب عليه، الله أكبر، الله رب العالمين يفعل هذا، ولذلك أمر نبيه وصفوته من خلقه وحبيبه – عليه الصلاة وأفضل السلام – قائلاً فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ۩ وقال أيضاً فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ ۩، أمره دائماً بالعفو، لذا كان النبي كثير العفو، دائم العفو عمَن أساء إليه عليه الصلاة وأفضل السلام، هذا العفو مظهر الربانية، عكسه الذي لا يستطيع أن يعفو، مَن هو؟ الإنسان الممرور، الإنسان الذي أكل الحقد قلبه وفؤاده، والنبي أخبرنا أنه من شر عباد الله، حتى وإن صلى وصام وظن أنه مُتدين تديناً جيداً، النبي يقول هذا من شر عباد الله، ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا بلى يا رسول الله، رتَّب قوله على أربع مراتب، لكن كان من ضمن ما قال حتى لا أُطوِّل عليكم يا إخواني الذين لا يُقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة، إذا أخطأت في حقه لا يغفر لك، إذا جئت تعتذر لن يقبل عذرك، ويبقى مُصِراً على حقده، هو من شر عباد الله، المسلم لا يكون كذلك بالمرة، المسلم بارئ وطاهر الباطن بإذن الله، قال تعالى وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ ۩، نحن نُعنى كثيراً – ويجب أن نُعنى – بالإثم الظاهر، لكننا نُغفِل كثيراً خطورة الآثام الباطنة، مثل الغرور، العُجب ، الحقد، الكره، وإلى آخر هذه الذنوب المُهلِكة المُردية.
إخواني وأخواتي:
ونحن بصدد الحديث عن الاعتدال بمعنى إعادة فهم الدين كما أراده الله – تبارك وتعالى – في سعته وفي تسامحه وفي رحمته وفي كل هذه القيم والجوانب المُضيئة والنبيلة له ، لابد أن نتذكر في هذه اللحظة من حياة الأمة بل من حياة الناس والبشرية أن العالم أصبح كالزجاج شفافاً، كلٌ ينظر فيه إلى عمل ومسار وأقوال الآخر، كما نحن كما غيرنا، تقريباً لم يكد ولا يكاد شيئ الآن يخفى، مثل هذه الجلسة – مثلاً – تبلغ الآن أقاصي المعمورة بسبب وسائل الاتصال ويطلع عليها المسلم وغير المُسلِم، أفعال المُسلِمين الآن التي شوَّهت صورة الإسلام وشوَّهت مُحَيَّا الإسلام ووجه الإسلام على أنها تُرتكَب وتُجترَم باسم الإسلام – أنه هذا هو الإسلام – العالم شرقه وغربه يقف عليها ويستعملها مادةً دعائية وإعلامية على مدى أربع وعشرين ساعة حتى صرنا إلى حالة لا نُحسَد عليها، وهى حالة زرية جداً، فإذا ذُكِرَ المُسلِمون أو ذُكِرَ الإسلام مُباشَرةً يُذكِّر بالكفر، بالتعصب، بالانغلاق، بالجريمة، بالقتل، بالتفجير، بالذبح، وبكل المعاني الرهيبة المُخيفة، والإسلام ليس أيدولوجيا كالأيدولوجيات الشمولية المعروفة، الإسلام دين وليس أي دين، إنه الدين الخاتم، إنه الكلمة الأخيرة للسماء أيها الإخوة، وهذه الكلمة لا أقول المدعو أو المأمول بالعكس هى كانت وأُنزِلَت لكي تكون لإنها كذلك كلمة الرحمة، قال الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩، أول سورة تبدأ بقول الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۩، اختلفنا أو لم نختلف في آيويتها تتلوها مُباشَرةً الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۩، هذا عنوان الإسلام مُباشَرةً، إسمه – أي الإسلام أيها الإخوة – يعكس طبيعة هذا الدين، الإسم يعكس طبيعته وجزءاً كبيراً من أهدافه، الإسلام مُشتَق من نفس الجذر الذي أُخِذَت منه كلمة السلام والسلم، حتى أن أنفاراً كثيرين من المُفسِّرين ذهبوا في تفسير قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ۩ في سورة البقرة إلى أن المقصود هو الإسلام، الله سماه السلم، هذا دين السلم، هو دعوة للسلم العالمي، كيف؟ كيف يُمكِن أن يكون الإسلام فعلاً دعوة للسلم العالمي؟
العلاقة يا أحبتي – إخواني وأخواتي – بين السلام وبين الإسلام واضحة جداً، ومن هنا – كما قلت لكم – سماه الله سلماً، الإسلام هو السلم، لماذا؟ الإسلام هو من إسلام الوجه لله، في سورة آل عمران فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ ۩، هو إسلام الوجه لله، معنى إسلام الوجه لله أيها الإخوة أن نتحقق بأوصافنا، لسنا آلهة، لسنا أرباباً، نحن عبادٌ لمعبود واحد لا إله إلا هو، هو الرب ونحن المربوبون، يجب إذن أن نبرأ من كل آثار الكبرياء والعجرفة وإرادة الهيمنة والسيطرة والتربب على العباد، هذا لا يليق بنا، لا يليق بالعبد إلا أن يكون مُتواضِعاً للربوبية، ما الذي يحصل أيها الإخوة؟ قال ابن عطاء الله – رضوان الله عليه – تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه، أنت تحقق بكونك عبد يُعزِّك الله تبارك وتعالى، عز الإيمان، ليس عز الطغيان والعجرفة والقسوة،وإنما عز الإيمان، فتكون ملكاً في عزك وأنت من أفقر الفقراء بلطف الله تبارك وتعالى، تحقق بفقرك إلى الله تبارك وتعالى، حتى وإن كنت تملك الملايير يجب أن تعلم أنك فقير وأنه ما بك من نعمة فمن الله تبارك وتعالى، تحقق أيضاً بفقر العباد، انظر إلى العباد – كل العباد – على أنهم فقراء إلى الله وإن كانوا ملوكاً وأن الغني وحده هو الله تبارك وتعالى – أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ ۩ – يُغنك الله، تُصبِح غنياً وإن كنت فقير المال، غنياً بقلبك، غنياً بالقناعة بالقليل، غنياً بالعفة وعزة النفس، غنياً بالبركة التي يُودِعها الله في مالك وفي كل ما خولك وآتاك، فتحقق بأوصافك يكسك تبارك وتعالى أوصافه، وهذا أمرٌ عجيب، إذا فعلنا هذا وأسلمنا وجهنا لله بهذا المعنى وصرنا ربانيين هل يُمكِن أن منا غيرنا – قريباً كان الغير أم بعيداً – طغياناً أو ظلماً أو عدواناً أو اجتيافاً أو ميناً أو غبناً؟ يستحيل، لن يرى منا يا إخواني إلا كل عدل ورحمة وإنصاف حتى وإن خالفنا في الدين والمُعتقَد، هنا عظمة القرآن التي ينبغي أن يُحسَن الإفراغ عنها، أي أن يُحسَن فهمها وتصوير وعكس منطقها، ومن ثم التمثل بها في حياتنا، ليس لكي نكن مُمثِّلين وإنما أن نتمثَّل لكي نكون ربانيين، لكي نُحسِن التواصل مع الله أكثر وأكثر، لكي نقترب منه أزيد وأزيد لا إله إلا هو، نسعد في الدنيا والآخرة، وقبل الآخرة نسعد هنا بإذن الله، نسعد الآن وهنا، بعد ذلك نُبشِّر بهذا المنطق عالمياً، نُبشِّر بهذا المنطق على مُستوى العالم، وسيرى العالم حقيقة الدين الخاتم وحقيقة الشريعة المُصطفوية وحقيقة القرآن العظيم في بشر يُستدَل به كأمثلةً حية، من عجيب القرآن الكريم يا إخواني – هذا من أعاجبه – أنه تحدث عن التقوى من منظور مُختلِف، الآن اسأل أي إنسان من المُسلِمين العاديين وقل له ما هى التقوى؟ هو سيرى التقوى في الابتعاد عن الذنوب من زنا وشرب للخمر وقتل وسرقة وما إلى ذلكم، ولزوم أبواب وعتبات المساجد وكثرة السجود، وبلاشك هذا كله من التقوى، لكن قد لا يخطر على بال منه أن من التقوى – هذا من صميم التقوى – أن تُنصِف عدوك الكافر المُحارِب في ميدان المعركة، وهذا أمرٌ عجيب، كافر بالله وبالرسول وبالقرآن وبالشرائع وجاء يعتدي علىّ ويُقاتِلني فهل مطلوب مني أن ألتفت إلى أن من التقوى إنصافه والعدل معه؟ نعم بنص القرآن الكريم، قال الله في سورة المائدة – في أولها – وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ – أي ولا يحملنكم ولا يلزنكم – شَنَآنُ – أي بغضة، بغض وكره – قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ – الله لا يقبل العدوان على هؤلاء الكفار المُعتدين المُبغِضين لكم – وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ – من التقوى أن تكون كذلك -وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ۩، ثم قال بُعيد قليل في السورة ذاتها – في سورة المائدة – وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ ۩، هذا عجيب، مع الكفار المُحارِبين المُشرِكين تتدخل التقوى هنا، هنا التقوى، أما القول بأن هؤلاء ليسوا مُسلِمين وهؤلاء كفار فخذوهم واذبحوهم ليس من الدين، وهم أبرياء، أبرياء تماماً، هذا لم يأت ليُقاتِلك، هو جاء ليُساعِدك، جاء ليُقدِّم لك الغذاء والدواء، كيف تأخذ رهينة ثم تنحره وتقول هذا من الدين؟ والقرآن يقول لك بعبارة واضحة تماماً لو جاءك كافراً مُشرِكاً واعتدي عليك وأنت تُبغِضه أنت مأمور أن تتقي الله فيه، لا تُجاوِز حد التقوى، القرآن عجيب، أنا أقول لكم هذا القرآن والله – أُقسِم بعزة جلال الله – تحتاجه البشرية اليوم بعد كل المشوار الطويل المقدور والمشكور الذي قطعته في سبيل تعزيز وتأكيد وتكريس حقوق الإنسان لكن ينقصها الكثير، ينقصها مثل هذا المنطق، أن يعدلوا فينا أيضاً وأن يعدلوا معنا ولو كرهونا أو كرهوا أنفاراً منا وطوائف فينا، لا بأس أن يحدث لكن قبل ذلك وقبل أن ندعوهم إلى هذا علينا نحن أن نُجسِّد القرآن، في الأول قبل حتى أن نُبشِّر به ينبغي أن أن نُجسِّده، حتى إذا سُئلنا قلنا نحن كذلك لأن هذا قرآننا، نحن مأمورون أن نكون قرآنيين، نحن لا نتصرف بعقلية ردود الأفعال أو بالمنطق الثأري أو بدوافع الكراهية والأحقاد أو بدوافع الغلبة والإرهاب – لكي نُرهِب الآخرين ونغلبهم بأي ثمنٍ كان – أبداً، المُؤمِن لا يفعل هذا بفضل الله تبارك وتعالى.
إخواني وأخواتي :
في القرآن العظيم النظام الكوني – الكون كله بهذه الساحة السحيقة المُخيفة المُرعِبة – قائم ومُعتدِل بفضل ميزان، هناك ميزان، في الأثر ورد بالعدل قامت السماوات والأرض، ليس العدل الاجتماعي أو العدل حتى السياسي فحسب، العدل روح التوازن بالاعتدال، قال الله وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۩، هناك ميزان ولذلك كل شيئ بحسبان، كل شيئ محكوم بقانون صارم، رياضياً، هذا هو العدل والاتزان، إذن اتزان المعمار الكوني روحه ماذا؟ هذا العدل والاعتدال، العجيب أن القرآن – هذا هو كتاب ربنا تبارك وتعالى – يُشير بنفس الوضوح والصراحة ذاتها إلى أن الاجتماع البشري والمعمار البشري – إن جاز التعبير وهو معمار من الصعب أن تحكمه قوانين رياضية صارمة لأنه عالم من الحريات وعالم من الاختيار – لابد له من خُطة يتزن وفقها، ما هى هذه الخُطة؟ قد تفشل كل العلوم الإنسانية للوصول إليها لكن القرآن أعطانا المفتاح فقط حين قال وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۩ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۩ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ۩، يقول أيضاً المعمار البشري والاجتماع البشري لا يعتدل أمره إلا باتباع الميزان أيضاً، إلا باتباع روح العدل ولذلك ورد في الحديد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ۩، هذا ليس ميزاناً كونياً، هذا الميزان الشرعي، لا إله إلا الله، هناك الميزان الكوني الذي اعتدل به معمار الكون، الكون – الكوزموس Cosmos – كله اعتدل، ولك أن تتخيَّل هذا، يأتي الآن المعمار البشري، الاجتماع الإنساني له ميزان أيضاً، هذا الميزان الشرائع الإلهية، روح الميزان ماذا؟ حقيقة الميزان ماذا؟ العدل، لماذا؟ قال تعالى وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، من أجل العدل ومن أجل الإنصاف، انتبهوا مرة أخرى إلى أنه ليس العدل وليس الإنصاف مع المُوافِق – المُوافِق في الملة أو في الدين أو في المذهب أو في الطائفة أو في الطريقة وإلى آخره – وإنما العدل مع الخلق جميعاً، مع مَن أحببنا ومَن كرهنا، مع مَن وافق ومَن خالف، لا نصدر عن منطق لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ۩، لا نقول لأنهم ليسوا منا نستبيح منهم كل شيئ، هذا ليس منطق المُسلِمين هذا، هذا منطق قوم قال الله عنهم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ۩، يُنكِر ويُبكِّت ويُثرِّب عليهم لا إله إلا هو، سبحان الله، ويح هذه الأمة الآن صار من أبنائها من يصدر عن منطق ليس علينا في الآخرين سبيل، والله يقول غاية الشرائع كل الشرائع – وشريعة محمد خاتمة الشرائع، النسخة الجامعة الكاملة التامة، الكلمة الأخيرة للسماء في الأرض – لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩.
انتهى تقريباً الوقت إخواني وأخواتي، أُريد أن أختم هذه الجلسة التي أسأل الله أن يتقبلها مني ومنكم بأحسن القبول وأن ينفخ فينا وفيها من روحه – تبارك وتعالى – بكلمات قصار، مجموعة جُمل إن شاء الله أقولها ويُترِجمها أخي الفاضل الدكتور، أبدأ أيها الإخوة لأقول لكم هذه مُهِمتكم جميعاً وجمعوات، ليست مُهِمتي وحدي أو مُهِمة أخي أو أخي أو أخي أو علماء الدين أو رجال الدين وإنما مُهِمة كل مُسلِم ومُسلِمة، أن يُعيد إلى الإسلام شرفه، أن يُعيد إلى الإسلام اعتباره، أن يُبرهِن بكل ما يستطيع أن الإسلام هو دين الرحمة – كما قال الله رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩ – ودين السلام ودين الانفتاح ودين التسامح ودين المحبة، ليس دين الكره، ليس دين الانغلاق، ليس دين الجمود، ليس دين الإرهاب والجريمة، هذه مُهِمَتكَ ومُهِمَتكِ ومُهِمة كل واحد، لن تبرأ ذمتك حتى تُؤدي ما عليك في هذه السبيل، هذا ليس ترفاً وليس خياراً، ستقول لي كيف أفعل؟ ماذا يجب أن أفعل حتى أُساهِم – أيها الإخوة – في إعادة الاعتبار إلى ديننا لأُصورِه كما هو؟ سأحكي لك القصة التي حكاها لي أخي فيصل هنا، أخت مسلمة – ما شاء الله – من أخواتكم التي تعيش هنا أيضاً في باريس كانت حاملاً، وجاءت من بلد عربي لتضع هنا في مشافي باريس، سبحان الله وهى في الطريق تعود سيدة فرنسية عليها لم ترها بالسيارة وتطأها أرضاً فتقع على بطنها ويُصاب الجنين بالتشوه وينزل فعلاً مُشوَهاً، الشرطة من أول ساعة قالت لها لديكِ الحق مُباشَرةً أن نُحرِّر لكِ محضراً في هذه السيدة، وعرضوا عليها هذا عدة مرات، قالت لا، وزوجها قال لا، هى لم تفعل هذا مُتعمِدةً، طبعاً السيدة المسكينة تأسفت كثيراً وحزنت على ما جرى، وهى لم ترها، لذا قالت هى لم تتعمدها ولن نُكلِفها هذا العنت، وعفت عنها في نفس الساعة، أقول لهذه الأخت – ربما ستسمع – بارك الله فيكِ، كثَّر الله من أمثالك، أنتِ سفيرة حقيقية للإسلام، هكذا يجب أن يكون المُسلِم، سبحان الله قبل تقريباً ثلاثة أشهر حدث مع ابني نفس الشيئ، دعه زميله في المدرسة فوقع على يده وكُسِرَت يده كسوراً صعبة جداً، وإلى اليوم يُعالَج ابني، بعثت لي الدولة وقالت لي من حقك أن ترفع قضية ومن حقك أن تُقاضيهم، ستربح القضية وستُحصِّل أموالاً، قلت لا، لا أُريد ولن أفعل، على أنهم – عائلة هذا الولد – والله لم يتصلوا بي مُجرَّد اتصال ليقولوا مُتأسِفون، ونحن لا نُريد، نحن نفعل هذا لوجه الله، لا نُريد لا جزاءً ولا شكوراً، ولا نُريد أموالهم، إذن لماذا نفعل هذا؟ لأننا مُسلِمون، هذا ديننا ولذا نحن نُسامِحهم، أنا أضرب أمثلة يسيرة وهناك آلاف الأمثلة، لكنها أشياء توحي بأشياء إن شاء الله، تفعلين هذا يا أختي وتفعل هذا يا أخي وأنت في السوبر ماركت Supermarket – مثلاً – ولديك بضاعة كثيرة وترى خلفك امرأةً أو شاباً كبيراً أو صغيراً ومعه أغراض بسيطة، بكل أريحية وطيبة وسعة صدر تبسم في وجهه وقل له تفضل أولاً، وقعد فعلت هذا مائة مرة، قل له لماذا تنتظر؟ أنا أغراضي كثيرة فتفضَّل أولاً، ومن ثم يبدأ يشكرك وما إلى ذلك، وجميل أن يحدث هذا حين تكون مع زوجتك المُحجَّبة أو ابنتك المُحجَّبة، سوف يُقال أهذا مُسلِم؟ عجيب، هل هذا مُسلِم؟ أنا أقول لك هذا الفعل البسيط سيجعله يقطع مئات الألسنة التي تُحِب أن تنال من المُسلِمين، يقول له لا تُعمِم، التعميم خطيئة، المُسلِمون ليسوا سواء، والله منهم أناس أفضل منا، أشياء بسيطة تُرسِل رسائل طيبة، وأنت تفعل هذا لوجه الله، كذلك الحال مع البسمة، تبسم في وجه الناس، لا تكن مُكفهِراً، إذا كان عليك سِماء الإيمان يجب أن يكون عليك رضا الإيمان، يجب أن تكون دائماً تكون راضياً ومحبوباً، لذا تبسَّم في وجوه الناس، اتفق للعبد الفقير أكثر من مرة أن أطرح السلام على إخوة مُسلِمين لي فينظر إليَ بغضب ولا يرد السلام لأنه يعتقد أنني كذا وكذا وكذا، أمشي أنا على طيتي وأتبسم، عندي حلم -Dream – أعربت عنه أكثر من مرة، أنا أحلم باليوم الذي يأتي ويكون المُسلِم – بإذن الله تعالى – والمسلمة بحيث إذا رآه غير المسلم يستشعر مُباشَرةً الراحة والرضا أول ما يراه، ويقول أنا بإزاء مُسلِم فلن أُهضَم ولن أُظلَم ومهما احتجت إلى وجه من أوجه الدعم المساعدة فهذا الذي سأُهرَع إليه، حين نُترجِم هذا عبر عقود من السنين – بإذن الله – وعبر مئات آلاف الأفعال الصغيرة والكبيرة نكون يومها وضعنا بصمة جديدة ورسمنا وجهاً جديداً للإسلام، هذا هو حلمي، أرجو أن تُشارِكوني فيه وأن تعملوا على تحقيقه، كونوا يوسف هذا الحلم إن شاء الله تعالى .
نختم إذن بالآية التي في بدايتها كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ۩، هذه ليست دعوى ندّعيها ونقول نحن خير أمة، لسنا خير أمة بالقطع، قال الله كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ۩، قال أبو هريرة – رضوان الله عليه – وغيره من الصحابة والتابعين الآية معناها أنتم خير الناس للناس، ليس خير الناس بين الناس، ليست دعوى فسواء أحسنا أو أساءنا نقول نحن خير أمة، هذا غير صحيح، معنى قول الله خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ۩ أي خير الناس للناس، يوم نُثبِت أننا – إن شاء الله – خير الناس للناس لن نحتاج أن نقول للناس نحن خير أمة، هم سيشهدون بهذا لنا، سيقولون تالله أنتم خير أمة، حين يحصل هذا يكون الحلم قد أستوى على سوقه بإذن الله تعالى، قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ۩، ويومها – أنا أقول لكم ستذكرون هذا بإذن الله، وأسأل الله أن يُحيينا حتى نرى هذا، وأستطيع أن أُقسِم بالله عليه – سيدخل الناس في دين الله أفواجاً، سيدخلون في الدين أفواجاً بلا قتل، بلا ذبح، بلا تكفير، بلا كره، وبلا قطرة دم، سيدخلون أفواجاً – بعون الله تعالى – في شتى أصقاع المعموة.
نسأل الله تبارك أن يغفر لي ولكم وأن يتجاوز عني وعنكم، رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ۩، اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين برحمتك يا أرحم الراحمين، تقبَّل عنا أحسن ما عملنا وتجاوز عن سيئاتنا فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ۩، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باريس 22/ 4/ 2015
شكر خاص للإخوة القائمين على المسجد وللذين قاموا بتسجيل المُحاضَرة
طواغيت الفكر
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۩ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ۩ وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
التأمل في المُعطيات القرآنية ليس كما يُخيَل لبعض الناس يُمكِن أن يتأتى على مُستوىً واحد وبالتالي بمعنىً واحد، هذا غير صحيح البتة، فحقيقٌ بهذا الكلام العلوي الجليل أن يصلح دائماً وأبداً لأن يُنظَر إليه ويُتعاطى معه على مُستوياتٍ مُختلِفة، ومن ذلكم إصرار القرآن العظيم في غير ما موضعٍ على نفي سماع قبيل من الناس أو أنفار من الناس كنفيه إبصارهم، فهم يسمعون ولا يسمعون، قال الله كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۩، وقد آيس القرآن العظيم رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – من إسماع هؤلاء واصفاً إياهم بالموتى وبالصُم على أنهم عضوياً لم يكونوا صُماً ولم يكونوا من الأموات بالمعنى المطروق للموت، كانت آذانهم تعمل ميكانيكياً وعضوياً لكن القرآن يُؤكِد أنهم لا يسمعون، وفي الحقيقة هذا ليس مجازاً وهذا يقع مع أكثر خلق الله وقوعاً حقيقياً، فتجد الواحد منهم يسمع ولا يسمع، لأنه مُتورِطٌ في وهم امتلاك الحقيقة، ولذلك مَن امتلك الحقيقة ما علاقته بالسماع؟ ما حاجته إلى السماع والاستماع؟ لماذا يستمع؟ إنه لا يُريد أن يستمع إلى جديد، لأنه لا جديد تحت الشمس، فالحقيقة في حوزته، ولا يريد أن يستمع إلى جديد في القديم، وكل من استمع إما أن يستمع إلى موضوعة جديدة وإما أن يستمع إلى جديدٍ في قديم، موضوعة قديمة لكن تُتنَاول من زاوية جديدة بأدلة جديدة ووجهات نظر جديدة، لكن الذي يمتلك الحقيقة ويحتازها لا يحتاج لا إلى هذا السماع ولا إلى هذا السماع، لا يُريد أن يستمع إلى جديد ولا إلى جديدٍ في قديم، وهذه ورطةٌ كُبرى.
يُمكِن أن تختبروا صحة هذا التقرير القرآني العظيم بالدخول مثلاً على أي مادة مسموعة أو مرئية شرط أن تكون إشكالية وتطرح موضوعاً ينشب الخلاف حوله أو الخلاف ناشب أصلاً حوله لتروا كثيراً من التعليقات وردود الأفعال – Feedback كما يُقال – التي تُؤكِد أن هؤلاء لم يسمعوا أصلاً، لأنهم يدخلون كما قلت مُتورِطين في وهم امتلاك الحقيقة، فما يُريده سيجده، هو يُريد أن يسمع كفراً وسيسمع كفراً، يُريد أن يسمع حكمةً مُستقَطرة وسيسمع حكمةً مُستقطَرة، هنا كان مُوافِقاً وهنا كان مُخالِفاً، أما المُتحدِث المسكين فله الله حيث أنه يقف أحياناً في البيداء وحده تقريباً، فمَن معه لا يرونه ينطق إلا بالحكمة ومَن ضده لا يرونه يفوه إلا بالكفر وانتهى الأمر، فلا هؤلاء سمعوا ولا هؤلاء سمعوا لكن فقط تعطل الإنسان هنا.
أعظم لياقات الإنسان الوعي، وأعظم لياقات الوعي النقد، فوعي بلا نقد لا قيمة له ولا يجد نفسه، فليس ثمة وعي هناك، وليس ثمة وعي أصلاً هناك بلا ناقدة، للأسف في الأدبيات الحكمية الإسلامية يتحدَّثون عن الحافظة وعن المُخيِلة وعن الواعية وإلى أخره لكن لا يتحدَّثون عن الناقدة وهى أهم لياقات الوعي الإنساني.
الخطير في كل الأفكار والأديان والأيدولوجيات عير التاريخ أن الذين يتورطون في وهم امتلاك الحقيقة يتألهون، فسواء أكانوا ملاحدةً أو مُؤمنين، مليين أو غير مليين فإنهم يتألهون، وواضح أن هؤلاء آلهة زائفة وآلهة كاذبة طبعاً، لكنهم يتألهون دون أن يفوهوا بهذا أو حتى إذا فاهوا به، بلغ بهم الجنون أعلى سعاره المرحلة مُتقدِمة في السعار الجنوني فيُعرِب بعضهم عن إنه إله أو حلت فيه روح إله، وكان الدجاجلة من أهل الأديان في القديم يزعمون هذا ويدّعون أن أرواح الآلهة تحل فيهم، فشكلهم بشري وجوهرهم إلهي ليستعبدوا الناس وليستعبدوا الخلق.
حين تقدم الفكر البشري وجاءت الأديان كما يُقال التوحيدية – على أنها في حقيقتها دينٌ واحد، توحيديٌ واحد لا يتعدد وإن تعددت الشرائع – ارتقى الفكر البشري وتقلص ظل هؤلاء الدجاجلة، ولكن المُمارَسات لم تتقلص فادّعوا لأنفسهم وانتحلوا ما هو من صلاحيات الرب لا إله إلا هو، أي من صلاحيات الله!
القرآن طافح وملآن بالآيات التي تُؤكِد أن الفصل بين العباد ليس في هذه النشأة، لكن الفصل في الآخرة والحكم في الآخرة، قال الله إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ۩ وقال أيضاً اللَّه يَحْكُم بَيْنكُمْ يَوْم الْقِيَامَة ۩، أي في الآخرة، فمن المُستحيل أن يكون الفصل النهائي هنا، لكن هؤلاء – وبالضرس القاطع كما يُقال – يتحدَّثون بلغة من يفصل فصلاً نهائياً يصل إلى حد فصل الأعناق، بل بالعكس أحياناً يكون فصل الأعناق في المراحل الأولى مباشرةً مُلصَق – Sticker – تكفير ثم إفتاء بالتلغيم أو بالتفجير أو بالقتل وينتهى كل شيئ، فهذا فصل نهائي لأن الحقيقة طوع بنانهم، فهم يحتازونها في جيوبهم مع الأموال طبعاً التي يتاجرون بالحقيقة من أجلها، فهم يحتازون الحقيقة في جيوبهم مع النقود التي باعوا بها الحقيقة، وهذا شيئ غريب وشيئ مُثير جداً، لكن هذا يحدث يومياً في ألف صورةٍ وصورة، ومن ثم يفصلون فصلاً نهائياً، فكيف لا يفصلون وهم يقطعون في باب الحقائق والأوهام وهم يملكون الحقيقة المُطلَقة القطعية؟
قد يقول أحد هؤلاء التائهين: أولا تُؤمِن أيها الرجل – طبعاً هو يستكثر هذه الكلمة وربما يستبدل كلمة زنديق بها – بأن هناك حقائق قطعية؟!
كلا، نُؤمِن لأن نحن من أهل الإيمان، ولكنها منزورةٌ جداً وقليلة جداً ومُحدَدة في كتاب الله، لكنهم جعلوا وقائع التاريخ وأحداث التاريخ والخلافات الطائفية والمذهبية والفلسفية والكلامية من القطعيات، وهو ما جعل هذه الأمة تنحط ولا تزال تهوي وتنحط طبعاً، فقد يُختلَف على شخص مُعين فيُجعَل هذا من قطعيات الدين ومن معاقد الولاء – والله شيئ مُضحِك فاعذروني – والبراء، فعن أي دين نتحدث؟ عن أي قطعيات وعن أي عقائد وعن أي سفه وسخافة ورقاعة نتحدث؟ هذه رقاعات بإسم الدين.
بالأمس كتبت في صفحتي في الفيس بوك Facebook أيها الإخوة “أنا أدرِك تمام الإدراك الخطر الماحق بل الراهب الراعب الذي يتهدد الأمة وقيمها ومبادئها من جراء تعريض رموزها الكبار ومبادئها العظيمة الخالدة للتشكيك والتسخيف” وطبعاً قد يقول بعض الناس – وقد قال بعض الإخوة الفضلاء – أن هذا غير صحيح، فهم لا يعنيهم الأشخاص وإنما تعنيهم المبادئ، لكن نحن لنا تعليق مُسهَب هنا لابد من الانتباه إليه، وهو أن في اليوم الذي تكفر الأمة أو تزهد في أبطالها وشهدائها وأوليائها وعظمائها اعلموا أنها قد انسلخت من إنسانيتها، فلا يُمكِن الحديث عن مبادئ وعن قيم وعن نُبل لحماً بلا عظم أو لحماً بلا هيكل، والهيكل هو البشر، فالقيم والمبادئ يُمكِن أن يُتحدَث عنها كتجريد نظري جميل، لكن لابد أن ننتيه إلى أنها تفتقد إلى قوة الإيحاء والإلهام ما لم يُترجِمها بشرٌ مثلنا من لحمٍ ودم، فحين يُترجِم هذه القيم يستطيع أن يُلهِمنا بإمكانية هذه القيمة، أي أن يُلهِمنا بإنها عالم من الإمكان فيُمكِن أن نكون – مثلاً – في مثل عدل عمر بن الخطاب، لم لا؟ عمر ليس مُعجِزة وليس خارقاً للقانون البشري، عمر بشر من البشر ولكنه ضرب أروع الأمثلة في العدالة، إذن يُمكِن أن نكون مثله إذا أردنا وجاهدنا جهاده وسعينا سعيه وصدقنا صدقه، لم لا؟ ويُمكِن أن نكون في مثل نزاهة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لم لا؟ عليّ ليس شيئاً خارقاً للبشرية، إنه بشر من لحمٍ ودم، فهذا مُمكِن لكن لو سعينا سعيه أيضاً وصدقنا صدقه.
هذا معنى الرموز الكبيرة في حياة الأمة، فلابد أن نستعصم برموزنا وأن نُدرِك هذا تمام الإدراك، لكن بالقدر نفسه نُدرِك تمام الإدراك أن أكثر ما يُعرِّض مبادئ الأمة ورموزها الكبار للتشكيك والتسخيف هو خلط المُقدَس بغير المُقدَس وخلط النبيل بغير النبيل وخلط الجليل بالحقير ولبس الحق بالباطل، ويُقدَم هذا كله على أنه مبادئ الأمة ورموزها الكبار، لكن يسهل على أيٍ كان حتى من ذوي النوايا الحسنة والطوايا الطيبة أن يقول هذا ليس مبدأً صالحاً، هذا مبدأ ضد العدالة، هذا شيئٌ مقبوح، ثم أن هذه الشخصية أو هذا الرمز – كمعاوية مثلاً لأكون صريحاً معكم – شخصية كريهة وشخصية مقبوحة، وأتحدى أن تنزعوا خصائص هذا الرجل وتاريخ هذا الرجل على نبي مزعوم – ادّعوا أن هناك نبياً ما وادّعوا أن أوصاف هذا النبي وخصائص هذا النبي هى هذه الخصائص – وسوف يكفر به العالمون ولن يقبله أحد، وأنا فقط لطفت العبارة فلا أحب أن أقول لو نسبنا هذا إلى النبي نفسه سوف نحمل الناس على أن يكفروا بديننا، فلم نحمل الناس على أن يكفروا بديننا من أجل غير نبي ومن أجل رجل يجب أن يخضع هو وغيره للمعيار الديني ولمعيار القيم الإسلامية؟!
قطعاً لابد أن يخضع له لأنه ليس معصوماً وليس فوق البشر وليس استثناءً، لكن أنى لنا أن نفهم هذا؟ من الصعب جداً أن نفهم هذا، وأنا قلقٌ جداً – والله العظيم – على مُستقبَل العقلية الإسلامية ويُؤسِفني جداً العقلية الإسلامية، فأنا أقرأ أشياء كثيرة وأسمع أشياء كثيرة وأُصادِف أسئلة كثيرة تُؤكِد لي تقريباً أن عدداً كبيراً – لا أقول هائلاً ساحقاً – من أبنائنا وبناتنا يفتقرون إلى الحد الادنى من الشروط المنطقية للتفكير – مُؤسِف جداً – وهم جامعيون وأكاديميون بل وبعضهم ، ومع ذلك الحد الأدنى من التفكير ممسوح عند هؤلاء، وليس الذنب ذنبهم المُباشِر إنما ذنب التنشئة والثقافة التي سُمِمنا بها والتي زورت وعينا والتي اغتالت ناقدتنا.
أنا سأقول لكم ما هو أخطر وأفظع من هذا بمراحل، وهو أن صورة الله مُشوَهة في أذهان كثير من المسلمين، وطبعاً لا أحد يتعاطى مع الله كما هو في ذاته، فلا يُمكِن لأحد أن يفعل هذا، لأن الله في ذاته – لا إله إلا هو – هو عالم من الإطلاق، هو عالم الجلال والجمال والكمال المُطلَق – لا إله إلا هو – وبالتالي لا أحد يقترب منه، لكن نحن نتعاطى مع الله تبارك وتعالى كصورة عقدية حسبما فهمناه وحسبما عُلِمنا أن هذا هو الله، لكن علينا أن ننتبه إلى أن صورة الله تم تحريفها عبر التاريخ وعقدياً ودينياً وتربوياً ووعظياً ونصوصياً،هناك نصوص تُؤلَف وتُوضَع وتُخترَع، والمُصيبة هذا يحدث لصالح مَن؟
صدقوني عبر مئات السنين وإلى اليوم هذا يحدث لصالح الحاكم الظالم فقط، ليس لصالح الجمهور، ليس لصالحي أو صالحك وإنما لصالح الطاغية الضاغط على أنفاس الناس والمُصادِر لحرياتهم، فهذا كله لصالح الطاغية!
ستقولون “هات البيان، اضرب مثالاً، هذا كلام خطير جداً جداً ومُخيف” وهذا صحيح، والأمثلة كثيرة جداً على هذا، فنحن عُلِمنا منذ نعومة الأظفار أشياء غير صحيحة، وأنا قرأت وسمعت عشرات المرات حديثاً يكاد يرسخ في ذهني يقول “إني أنا الله أرضى وإذا رضيت باركت ولا حد لبركتي – أي أُبارِك بركة عظيمة تُلحَق الأحفاد بالأجداد -، وإني أنا الله أغضب وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابعة من الولد”، ما هذا؟ أهذا الله؟ ولذلك نستمع إلى أمثال ستيفن واينبرج Steven Weinberg وهو يقول “أنا لا أؤمِن بالإله”، وهو رجل مُلحِد وحاصل على جائزة نوبل Nobel في الفيزياء، وطبعاً أنا قلت أن حكمه صحيح مائة في المائة، فالإله الذي كفر به واينبرج Weinberg ينبغي أن نكفر به نحن أيضاً، فهو قال “أنا لا أُؤمِن بهذا الإله الدموي النزق والغضوب وغير العادل والمُستعجِل والندمان دائماً، فهو يتصرف ثم يندم”، وطبعاً هذا الإله ليس إله المسلمين وليس إله القرآن، لكن علينا أن ننتبه إلى أنه قد يكون إله بعض المسلمين مثل هذا الإله الذي وصفته قبل قليل والذي قال “أغضب وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابعة من الولد”، فاللهم إني أبرأ إليك من هذا الكذب والإفك المُبين على جلال قدسك يا رب العالمين ومن هذا الإلحاد في إسمائك وصفاتك، قال الله وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ ۩.
قد يقول لي أحد هؤلاء أيضاً “يا رجل هذا الحديث أين وجدته؟ هذا حديث موضوع”، وأقول أنني أعلم أنه موضوع، وطبعاً لابد أن يكون موضوعاً، هذا طبيعي جداً، وقد يكون صحيحاً عند بعضهم وهذا الصحيح موضوع أيضاً، فهذا الحديث موضوع ومكذوب ولكنه يملأ كتب الوعظ والإرشاد للأسف، والمُغفَلون من الوعاظ يكررونه، وعلى كل حال رغم كونه موضوعاً إلا أنه يتعزز بعشرات النصوص والأدلة الأخرى الحديثية – ليست القرآنية – الصحيحة والحسنة، فما رأيكم؟ هناك أدلة كثيرة في الصحاح وفي السُنن وهى أدلة مقبولة من صحيحٍ وحسن تُؤكِد أن معنى هذا الكذب صحيح ، وفي الحقيقة لا يُمكِن أن يكون معناه صحيحاً، فمعناه باطل قولاً واحداً بلا مثوية، فلا ثانية في المجال أبداً.
عند إخواننا الشيعة – علماً بأنني ذكرت هذا من قبل لكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا ليس فقط عند الشيعة فقط وليس عند السُنة فقط، وإنما عند الشيعة وعند السنة معاً – ترون دعاء في كتبهم يُوصى به ويُتلى في المزارات، فيُقال إنه مُهِم جداً وينبغي أن نستعصم به، فهو دعاءجميل جداً ودعاء عظيم، علماً بأن هذا الدعاء بسيط وفيه تمجيد ورثاء لأهل البيت عليهم السلام، لكن الإشكالية في أنهم يقولون “ومَن قال هذا الدعاء أتاه الله أجر سبعين ألف نبي”، أي أنك سوف تأخذ أجر سبعين ألف نبي بكلمات تقولها في نصف دقيقة، فما هذا العبط؟ كيف يُمكِن للإله أن يفعل هذا؟ هذه ليست رحمة، إنما عبط وكذب، ومع ذلك يقولون: ومَن قال هذا الدعاء أتاه الله أجر سبعين ألف نبي وسبعين ألف شهيد وسبعين الف ولي وسبعين ألف ملك وسبعين ألف …. والله نسيت هذه السبعينات وهذه الألوفات، وواضح أن الذي كذب هذا الكذب المُبين هو أحد الزنادقة – أقسم بالله – لأنه أراد أن يُدمِر ضميركم الإسلامي وحسكم الروحي بالكامل، كأنه يقول لك عليك أن تزني وأن تقتل وأن تسرق ثم اذهب واتل دعاءً مثل هذا وسوف تفوق سبعين ألف نبي، فأي دين هذا؟ وأي تربية هذه؟ هل يُمكِن أن يُستَل من هذا مناهج تربوية؟ علماً بأننا نتربى على أمثال هذه الأفكار، ولكنني سأخص موضوع الشفاعة بحلقة أو بحلقات، فموضوع الشفاعة لابد أن يُخَص بحلقات مُوسَعة مُسهَبة ومُقارَنة، لكن باختصار الله يقول وَلَا يَشْفَعُونَ – عن الملائكة – إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ۩، فحتى الملائكة يشفقون خشيةً لله تبارك وتعالى، أي يشفقون من خوفهم لله تبارك وتعالى، على أنها كائنات لا تأثم ولا تتورط في الحرام ولا في المعاصي، فهى كائنات مُنزَهة عن هذا.
قال الله وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ۩، إذن اللفظ يحتمل أن يكون معنى وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ۩ أي لمن كان مرضياً من عباده، ولكن يُمكِن أن يكون المُراد من وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ۩ أي الشفاعة فيه حتى من غير المرضيين، ونحن نُدرِك هذا، لكن أنا أسألكم الآن كمسلمين ومسلمات ومَن سيسمعني ومَن بلغ كما يٌقال: هل عن لكم حين تلوتم سورة الأنبياء وقرأتم هذه الآية أن تتساءلوا عن معنى الآية أم إنكم افترضتم افتراضاً قطعياً أن المعنى هو معنى واحد مُحدَد وهو أن المُراد من قوله وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ۩ أي الشفاعة فيه، على أن هذا الذي يُشفَع فيه قد يكون احتطب في حبل الكبائر ما الله به عليم لأن النبي صح عنه قوله شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فيسعد بهذه الشفاعة أهل الكبائر من أمة محمد، فإذا فعل الكبائر بشرط أن يكون من هذه الأمة مُوحِداً فإنه سيسعد بشفاعة محمد؟!
هذا شيئ خطير مُخيف، لكن هذا الموضوع سوف نعود إليه فيما بعد لأنه يحتاج إلى بحث على كل حال، ولن أجيب عن السؤال لكن القرآن يقول إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ۩، إذن ما حاجة المرضي إلى الشفاعة؟!
حاجته إليها في مواطن كثيرة، لو لم يكن بالمرضي الذي رضى الله عنه من حاجةٍ إلى الشفاعة إلا أن يُعجَل حسابه بدل أن ينظر خمسين ألف سنة لكانت أعظم شفاعة، فليس شرطاً أن يدخل النار بالكبائر ثم يخرج منها لكي يحتاج إلى الشفاعة.
علينا أن ننتبه إلى أن هذا الإله الذي يتصرَّف بهذه الطريقة العجيبة الغريبة والذي يُمكِن أن يكيل لك ملايين ملايين ملايين الحسنات من أجل كلمة قلتها هو نفسه الذي يُمكِن أن يقذف بك في نار جهنم من أجل كلمة بسيطة قلتها عن غير عمد أو عن غير وعي أيضاً في سخط الله وأنت لا تدري فتهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، وهذا غير معقول، فما الذي يحدث؟!
القرآن الكريم لا يُقدِم مثل هذه النظريات أبداً، وهذه في الحقيقة ليست نظريات وإنما هُتامات وشذرات غير مُترابِطة، وأنا سأعلِجها بعد قليل بنيوياً، وعلى كل حال من غير المُمكِن أن يُقدِّم القرآن هذا، لكن القرآن يُقدِم لك نظريات مُتكامِلة على أنها نظريات إلهية طبعاً، ونحن نُسميها نظريات لكن هى تقريرات إلهية، فالقرآن واضح جداً وعادل ويُمكِن أن يُقدَم للعالمين دونما اعتراض إذا قُدِم بالشكل الصحيح، غير مشفوع بهذه البيانات المُضلِلة التي منها ما نُسِب إلى النبي ومنها ما نُسِب إلى سيدي فلان وإلى العلّامة فلان وإلى الإمام فلان وإلى المذهب الفلاني، فالقرأن كما هو الكافي المُبين، قال الله مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩ وقال أيضاً إِنَّ هَذَا الْقُرْآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم ۩، والقرآن يقول لك أن المسألة تخضع للميزان، قال الله فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۩ وقال أيضاً وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۩، فهو عادل تماماً، والله يقول أيضاً وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۩، فماذا عن قضية التضعيف إذن؟!
قُصار ما يُفهَم من قضية التضعيف لمن تأمل آيات كتاب الله – بل بأدنى تأمل يحصل هذا الفهم والإدراك – أن لكل عملٍ سواء في الخير أو الشر أجراً وجزاءً، فجزاء الخير خير وجزاء الشر شر، وهذا من باب المُشاكَلة لكن هذا الجزاء يتوقَّف على العمل وعلى طبيعته وحجمه، وهذا هو العدل الإلهي، فهذا فرقٌ واضح جداً إذن، ولذلك قال الله إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ۩، فالله سماها سيئات، وهى الصغائر التي تُكفَر بمُجرَد اجتناب الكبائر بإذن الله تعالى، فالقرآن فَرَقَ بين الكبائر والصغائر، وداخل الكبائر يُوجَد كبائر فاحشة جداً جداً، وهناك كبائر أكبر وهناك كبائر أصغر، فواضح أن تراتبية مُعينة، وهذا طبعاً من العدل.
إذن كل عمل له جزاء مُعين، والآن العمل الخيّر والعمل المبرور المُبارك له جزاء بحسبه، فمُستحيل أن يكون أجر الحاج كأجر إنسان قرأ جملتين أو سطرين – مثل هذا الدعاء الذي يقولون عنه – لوجود فرق كبير جداً، ولكن كل أجرٍ قابل للتضعيف، فأجر الحاج يُمكِن أن يُضاعِفه الله، وأجر من تلا دعوةً في عشر ثواني يُضاعَف أيضاً، لكن يُضاعَف هذا بأصله وهذا بأصله لأن هذا أصله كبير وهذا أصله، وهذا هو العدل، لكن لا تقل لي “ألعن وإذا لعنت بلغت لعنتي السابعة من الولد، فما ذنب الأول؟ما ذنب الثاني؟ ما ذنب السابع؟ حاشا لله أن يكون قال هذا، قال الله وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ۩ وقال الله أيضاً كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۩ فضلاً عن أنه قال وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۩، فكيف نتلوا هذه الأشياء؟ هذا أمر عجيب جداً.
إذن صورة الإله تشوهت، لكن هل تعلمون لماذا؟!
لكي تُطابِق – كما قلت لكم – صورة الإله صورة الحاكم النزق الظالم الذي يُعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً ولكنها هانات من وساوسه.
أحد الوزراء العباسيين كان دائماً في حالة خوف دائمة كالمرأة الماخض التي تكاد تضع، فالمسكين كان خائفاً وهو وزير، فقيل له: لم أنت يا رجل في هذه الحالة من القلق والخوف والفزع؟ فقال “لأن هذا الخليفة إذا رضيَ يعطي مائة ألف في لا شيئ وإذا غضب يقتل – أي أنه يغضب في أمر تافه فيقتل، وإذا رضيَ فإنه يرضى في أمر تافه أيضاً فيعطي مائة ألف في لا شيئ – فلا أدري أي الرجلين أكون”، ولذلك هو حالة خوف شديد، فهل نحن نتعامل مع الله بهذه الطريقة؟ طبعاً للأسف، فنحن عُلِمنا أن نتعامل مع الله على أنه كذلك، فمن المُمكِن أن يغضب عليك ربنا يغضب لشيئ بسيط جداً جداً فيقول لك اذهب فقد أوجبت لك النار دون أن تدري، لكن – حاشا لله – هذا غير صحيح، هذا كذب.
المسكين محمد بن كعب القرظي لا أدري مَن ضلله أو مَن كذب عليه ليضللنا، فقد كان يبكي بُكاءً مُراً، فتقول له أمه “يا بُني ارحم نفسك وارفق نفسك، فوالله ما عرفتك – علماً بأنني أقتبست هذه المقبوسة مرة قبل سنين وأستغفر الله، وأنا قلت لكم طبعاً إن كادوا ليضلونا – صغيراً ولا كبيراً إلا رجلاً صالحاً”، أي أنك عابد وصالح وبعيد عن المآثم والمغارم، فلم تبكي هذا البكاء كله على نفسك؟ فقال “إليك عني يا أماه،إليك عني لا أدري، لعل الله – تبارك وتعالى – أن يكون اطلع عليّ مرةً وأنا على ذنب – ذنب صغير، أياً كان ما هذا الذنب لأنه ليس من أصحاب الكبائر – فقال لي يا محمد – أي محمد بن كعب القرظي – افعل ما شئت فقد أوجبت لك النار”، ثم يبكي الرجل، فإن صح عنه هذا فالسؤال هو: مَن ضلله؟ مَن سمم فكره؟
العقائد الأموية، عقائد هؤلاء الحكام الظلمة، وحاشا لله أن يكون هذا صحيحاً، ولذلك نعود إلى انتحال صلاحيات الله، فهم يقطعون ويفصلون في الدنيا قبل الآخرة، بل قد يفصلون الرؤوس عن أبدانها، فهم يستسهلون التحليل والتحريم، وخاصة التحريم لأن أسهل كلمة على أطراف ألسنة وأسلات هؤلاء هى حرام، فالكرافتة Cravatta حرام والبنطلون حرام وهذا حرام وهذه حرام وقيادة المرأة حرام والموسيقى حرام والغناء حرام وأن تلبس كذا حرام وأن تفعل كذا حرام، فكله حرام في حرام، حرموا كل شيئ لأن أسهل شيئ عليهم الحرام، على الرغم من أن كلمة الحرام كلمة مُخيفة جداً، وحكى القرآن أن الذين كانوا يستسهلون التحريم هم المُشرِكون، المُشرِكون هم الذين كانوا يستسهلون التحريم دائماً، قال تعالى وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ ۩، لكن هؤلاء أسهل شيئ عليهم الحرام، وأسهل شيئ عليهم الحكم على نوايا العباد بدون تفتيش، فيقولون بكل سهولة هذا كافر وهذا زنديق وهذا ملعون وهذا باطنه خبيث.
هم يغتصبون – ما شاء الله – صلاحيات الله، لكن هذه صلاحيات رب العالمين ولا يستطيع أحد فينا أن يقول “أنا أُنبئ عن بواطن الخلق وأعرف أن هذا خبيث وهذا طيب”، وهذا شيئ غريب، فما الذي عرَّفك يا مُتربِب، يا مُتأله، يا كذوب، يا مُزيف، الآن هم يتساهلون ويفترقون عن الله ولا يتألهون ولا يسرقون صلاحيات الله، لكن هل تعرفون أين؟
في العدل والرحمة.
الله – تبارك وتعالى – حين يُعامِل الواحد منا يعامله بكليته على أنه بشر يُخطئ ويُصيب، وعلى أن فيه خيرٌ وفيه شر وفيه نورٌ وفيه ظلام، ولا أحد يستطيع أن يُمسِك الخير والشر بيده، فلا أحد يستيطع أن يقول هذا هو الخير بعد أن ضبطته مُتلبِساً أو هذا هو الشر بعد أن ضبطته بيدي، فنحن لا نستطيع هذا ولن نستطيع، لأننا نسيجٌ من خيرٍ وشر ومن نورٍ وظلام، لكن هذه ليست دعوة للعدمية والتقيمية، لكن في النهاية سيكون الحكم على الناس بالطابع العام وبالغالب، فهذا يغلب عليه الخير فهو خيّر، وذاك يغلب عليه الشر وعنده خير لكنه شرير، وهذانفس منطق الميزان، قال الله فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۩ وقال أيضاً وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۩، لذلك كان يكثر في كلام الصالحين “إني إذن لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة”، أي لو أنني قلت هذا أو فعلت هذا فأنا سأكون خفيف الميزان، فالمُهِم هو الميزان إذن، لكن هؤلاء لا يتعاملون بمنطق الميزان الإلهي أبداً، وإنما يتعاملون بمنطق عجيب، وهو منطق الآلهة الزائفة النزقة ومنطق الحاكم الظالم الذي يُعطي مائة ألف في لا شيئ ويقطع الرأس في لا شيئ، فعلينا أن ننتبه إلى أن هؤلاء هم الذين يسرقون صلاحيات الله بإسم الخطاب الديني وبإسم المشيخة وبإسم الدين وبإسم سُنة محمد – صلى الله على محمد – وهذا شيئ عجيب، فمحمد براء من كل هذا الخلط والخبط والإفتراء والزيف.
في القرآن الكريم مَن الذين تسلحوا بمنطق القتل والتشريد والتذبيح والرجم؟ قولوا لي بالله مَن؟
الكفار، ولذلك كان دعاة الحق وأتباع الحق تقريباً على الدوام هم الضحايا، قال الله قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ ۩، وحتى لا يحدث أي لبس لديكم لابد أن نقول يبدو أن نوحاً – عليه السلام – كان في مرحلة ربما كان مجتمعه هو كل البشرية – المُجتمع الصغير – لذلك هنا لا يليق أن يُقال من المُخرَجين، وإلا أين سوف يُخرِجونه؟ لا يُمكِن أن يكون من المُخرَجين لأن هذا هو العالم كله، فكان من الأنسب أن تقول الآية مِنْ الْمَرْجُومِينَ ۩، أي تُقتَل في مكانك.
هذه كانت فقط مُلاحَظة تفسيرية تتعلَّق بمنطق الرجم, وآزر يقول لابنه أو لابن أخيه إبراهيم على اختلاف المُفسِرين لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ۩، فالله ذكر إذن أنه قال لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ ۩، وهذا يدل على أن الرجم كان منطق الكفار، فنفس الشيئ يحدث في زمان نوح وفي زمان إبراهيم وهكذا، فكان يقع دائماً الرجم والقتل، ولذلك في غافر تقول الآية الكريمة قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۩، أي قتل واستحياء أيضاً، بمعنى اتركوهن أحياء واقتلوا الأطفال الذكور، فهذا هو منطق القتل مرة أُخرى، وتقول آية كريمة أُخرى لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ۩، أي أنه يستنكر فكرة العودة إلى الملة مع الإكراه، فكيف نعود في ملتكم على أننا كارهون؟ نحن نكره هذا!
الآن يقولون لي يجب أن تُحب مثلاً معاوية، لكن أنا لا أحبه، هذه قضية عجيبة، فالإيمان بالله وبالرسول وبالقرآن قضية اختيارية لأن الله قال فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ، فإذا قال أحدهم أنا اقتنعت بدين محمد سوف نقول له تفضل يا أخانا، أنت أخٌ لنا – إن شاء الله – وبالتالي لك ما لنا وعليك ما علينا، لكن إذا قال أحدهم أنني غير مُقتنِع بدين محمد لأنه لم يدخل في رأسي فإننا سوف نقول له أنت حر، فلا تُروَع ولا تُفزَّع وإنما سوف نتركك وما أنت.
أما هؤلاء فيقولون “لك لا يا حبيبي، موضوع معاوية مُختلِف، ورغماً عنك وعن عقلك وعن دراستك وعن فهمك وعن قدرتك وعن حججك سوف تضرب له تعظيم سلام”، فأي منطق هذا؟ نُريد أن نفهم المسألة في حقيقتها، أي منطق يتسلح به هؤلاء؟ هذا شيئ غريب وغير مفهوم لأنه لا منطق أصلاً لديهم في القضية كلها، فقط يُوجَد الإقصاء والكره وخطاب أعداء الحق وأعداء الدين، فالآن صار هذا الخطاب يُقال بإسم الدين بعد أن تلبس بلبوس الدين، فأصبحنا نرجم ونقتل ونمنع دخول البلاد بإسم الدين.
إذن منطق هؤلاء هو نفس منطق أعداء الحق، فلا يُمكِن أن يتسلَّح أصحاب الحق بهذا المنطق، حاشا لله أن يحدث هذا، قال الله لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ۩ وقال أيضاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ ۩ وقال أيضاً وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ۩ فضلاً عن أنه قال لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩ وقال أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ۩ وقال أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ۩، فهذا هو منطق دعاة الحق ومنطق أصحاب اليقين، لكن منطق “نخرجنك ونرجمنك ونقتل ونذبح ونفعل” فهو منطق أعداء الحق، ولذلك تقول الآية الكريمة قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ۩ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا ۩، وظل هذا المنطق باستمرار يتكرر إلى أيام رسول الله وإلى يوم الناس هذا تقريباً، فهذا هو منطق أعداء الحق وأعداء الحقيقة وأعداء الإيمان، لكن القرآن الكريم وهو كتابٌ رباني كامل تام مُتكامِل شامل لم تفته الإشارة إلى أن من رجال الدين الزائفين المُزيَفين من تسلَّحوا بنفس هذا المنطق الخائب الخاسر، فجعلهم الله تبارك وتعالى من الذين يصدون عن سبيله ويقطعون الطريق على عباد الله، قال الله إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ ۩، إن من المشايخ اليوم – ولن أقول إن كثيراً من المشائخ اليوم بل سأقول إن من المشايخ حتى لا يُقال هل عندك دراسة أو إحصائية؟ لأنني أحب أن أكون علمياً – مَن يأكل أموال الناس بالباطل ويصد عن سبيل الله، فلينتظر عذابه إن لم يتب توبةً نصوحة.
فكثير منهم يفعلون هذا تماماً، والنبي طبعاً للأسف الشديد أخبرنا أننا سنسلك سنن الأمم التي كانت قبلنا من اليهودي والنصارى وسنفعل مثل ما فعلوا، وها نحن نفعل ونُصدِق كلامه، فنأكل الأموال بالباطل ونصد عن سبيل الله ونقف ضد مصالح الجماهير وضد مصالح الشعوب من أجل حاكم طاغية، ولم لا يفعلون وطغاة الحكم وطغاة الفكر بنية واحدة وعقلية واحدة ومزاج واحد ومنطق واحد إما الوسائل فمُختلِفة؟ لكن كيف هذا؟
طاغوت الحكم أو الحاكم الطاغية يقول لك إن لم تتطايق معي تماماً قطعت رأسك، وطاغوت الفكر يقول لك إن لم تتطابق معي تماماً كفرتك وقطعت رأسك لكن بفارق يسير، وهو أن طاغوت الحكم لديه الإمكانية أن يُنفِذ تهديده فيقطع الرأس فعلاً ويودعك في السجن لمدة تصل إلى عشرين وثلاثين سنة بهذه التهمة وهى أنك تختلف معه وتنتقده وتمس جنابه الإلهي والعياذ بالله – وهذا شيئ مُخيف – لكن طاغوت الفكر ويا لأسفه الشديد المسكين ليس دائماً عنده إمكانية أن يُنفِذ تهديده، وبالتالي يتحسر على هذا ويقول “لو كان الأمر لي لطهرت البلاد منهم”، لكن يا للخسارة، فالأمر ليس بيد، ليس عنده جيش وشرطة ومُخابرات لكي يذبح كل المُخالِفين.
إذن هؤلاء طواغيت أيضاً، فهذا طاغوت الحكم وهذا طاغوت الفكر، وهما لا يتقابلان أبداً بل يتآزران ويمشيان سوياً في نفس الخط ، فهما ليسا طرفين مُتقابِلين بل هما طرفٌ واحد، فما الذي يُقابِلهم إذن؟!
البشر الأحرار، فالناس الأحرار يُقابِلون هؤلاء وهؤلاء معاً، علماً بأنه لا يُمكِن التخلص من طواغيت الحكم إلا بعد أن نتخلص من طواغيت الفكر والأفكار، وهذا الأمر يجب أن ننتبه إليه طبعاً، لأن بعض الناس لا يعي هذا ويقول يا أخي لماذا تنبش التاريخ؟ وكأنه غير منبوش ورائحته فائحة، ولذلك مما يغيظ – هذا يغيظني بشكل شخصي – ويُحنِق أنهم يُمجِدون التاريخ تمجيداً غريباً، على الرغم من أن مُعظم دروسهم الهزلية والمشرحيات الفضائية هى قصص وحكايات مثل ألف ليلة وليلة، لكن ألف ليلة وليلة في طراز إسلامي، فهم يحكون قصصاً ويقولون أنهم جاءوا وذهبوا وقطعوا رؤوساً وفعلوا وإلى آخره، ونحن لسنا ضد القصص ولا مُشكِلة لدينا في هذا، لكن هم يُمجِدون التاريخ من الجانب الإيجابي كما يرونه أما الجانب السلبي فيقولون اسكت قطع الله لسانك، إذن المُصيبة الآن ليست فقط في أن الصحابة يُعتبَرون معصومين لديهم لأن الأمة كلها على ما يبدو أصبحت معصومة وكذلك التاريخ الإسلامي أيضاً أصبح معصوماً، فتاريخ بني أمية وتاريخ العباسيين وتاريخ المماليك وتاريخ الأتراك يُعتبَر معصوماً كله، فممنوع أن تتحدث عن أي شيئ يشين هذا التاريخ، ثم يقولون أنهم يُزهِّدون في درس التاريخ وهذا غير صحيح، فهم يحبون التاريخ، ولكن تاريخ المُخدرات والماريجوانا والأفيون، أما تاريخ النقد والوعي والدرس والتحليل وإعادة الفهم مُحرَم علينا ومُحرَم على الأمة.
لكن فات القطار، فالآن الفرصة فقط للأذكياء، صدِّقوني الحقيقة لا تجد نفسها دائماً في أحضان الأذكياء الأيقاظ، وتذوب وتضيع وتضل بين الأغبياء البُلداء الذين يتمعيشون بتعزيز مزاج البلادة وأجواء الجهل والامتثالية.
هنا يُوجَد سؤال يطرح نفسه وقد ثار في ذهني الآن، لكن قبل أن أذكره أود أن أقول أن من الواضح جداً نظرياً وعملياً أن هذا النمط من البشر أبعد – لا أقول من أبعد وإنما أبعد – خلق الله من إرادة السعادة والخير والنجاة لعباد الله، فلا يُمكِن أن يُريد السعادة والنجاة لعباد الله مَن يفرح فرحاً مجنوناً بتكفير الناس، فيُكفِّر هذا ويُزندِق هذا ويقول على هذا مُشرِك وعلى هذا مُبتدِع.
فهؤلاء يفرحون بالتكفير بشكل غير طبيعي حتى لم يكد ينج منهم أحد، فالشيخ القرضاوي كفروه والشيخ الشعراوي كفروه والشيخ الألباني قالوا عليه – كما قلنا – مُرجئ، وسلمان العودة حكوا فيه ما شاء الله كلاماً لا يُحكى، وكذلك الحال مع عائض القرني ومع غيره، فلم ينج منهم أحد حتى ولو كان من أبنائهم، فهذا كافر وهذا زنديق وهذا إبليس وهذا ملعون وهذا عميل وهذا مدفوع وهكذا، وهذا شيئ غريب جداً جداً، لكنهم يفرحون فرحاً مجنوناً بتكفير الناس، وطبعاً هم لا يعيشون بغير تكفير وبغير كفار وبغير كفر، هم يعيشون بهذا أصلاً، ثم يفترون الكذب على عباد الله البرءاء ويُؤلِفون من عندهم تأليفاً ويقتطعون الكلام، علماً بأن كلام الله يُمكِن أن يٌقتطَع، وسيخدم أهداف نقيضة لأهداف كلام الله وبسهولة، كما قال أبو نواس الحسن بن هانئ:
ما قال ربك ويلٌ للذين سَكروا ولكن قال ويلٌ للمصلينا
والله قال فعلاً فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۩، لكن أنت اقتطعت الكلام، وهكذا سوف تأتي من القرآن بمُقتطَعات كثيرة تخدم أهداف ضد القرآن الكريم، فلا أحد ينجو من هذا، وهذه عملية سهلة جداً وسخيفة ورقيعة ويُحسِنها كل أحد، فهم يفعلون هذا ويكذبون ويعلمون أنهم يكذبون ويعلمون أن الناس يعلمون أنهم يكذبون ولكنهم رغم ذلك يكذبون، لكن هل تعرفون لماذا؟!
لأن الانهيار ليس في العقل والمنطق فقط بل في القيم أيضاً والسلوكيات، فلا حياء لديهم، هم لا يخجلون ويكذبون على الجماهير ويُقسِمون الأقسام المُغلَظة ثم يظهر كذبهم بالألوان وبالصوت والصورة، ثم يزعقون في نفس اليوم بإسم الدين، فأين الحياء؟ أين الخجل؟ لو كان عند هؤلاء ذرة حياء لدفنوا أنفسهم بالحياة كما يُقال، لدفنوا أنفسهم في بيوتهم ولكن “إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت”، فالانهيار إذن على كلا مُستويي العقل والمنطق والقيم والسلوك أيضاً.
طبعاً هناك قصص وأشياء تصلنا من أشخاص ثقات لا أستطيع على منبر رسول الله أن أذكرها أصلاً لأن – والله العظيم – تقشعر لها الأبدان، فهناك انحرافات مسلكية خطيرة بل من أخطر ما يكون، وهى بنسب مدروسة، فتوجد انحرافات بنسبة ستين في المائة أو سبعين في المائة في دولهم وهكذا، وهذا شيئ مُخيف جداً جداً جداً، لأن هؤلاء – كما قلت – يكذبون حتى على أنفسهم، ليس على الناس فقط بل يكذبون على أنفسهم ويُصدِقون أنفسهم بكذبهم والعياذ بالله.
السؤال الآن: إذا كان هؤلاء بهذه المثابة أو منهم من هو بهذه المثابة فلم يحرصون الحرص الشديد المسعور على دعوة الناس وتحشيد الناس؟!
علماً بأن هذه ليست دعوة وإنما هى تحشيد وتعبئة، فهى أشبه بتعبئة الجيش، فهم يجعلون الناس حشداً Crowd، فلماذا يفعلون هذا إذن؟!
هم يفعلون هذا لا رغبةً في خير الناس أبداً، لأنهم – والله – ما رغبوا خير الناس ولا يرغبونه إلا من رحم الله منهم، ولكنهم يفعلون هذا رغبة في خلق هيراركية – Hierarchy – وتراتبية يتسنمون هم فيها ذُرا الحكم والتوجيه، ليكونوا هم الشيوخ وهم العلماء وهم القادة والمُوجِهين، ولذلك علينا أن ننتبه إلى أن هذا يستحيل أن يتم لهم بغير التحشيد، والتحشيد لا يتم بغير الامتثالية والعبودية، والامثثالية تكمن في أن نقول لهم سمعنا وأطعنا، فإذا قالوا هذا كفر وهذا إيمان فإننا نقول سمعنا وأطعنا، وإذا قالوا افعلوا هذا ولا تفعلوا ذلك فإنا نقول سمعنا وأطعنا، فهذا مُمتاز جداً جداً جداً لأننا سنكون كالقطيع!
فأنت الآن أمام قطيع، وهذا القطيع يُمكِن حشده في ساعات أو في أيام بأكاذيب باهتة صفراء لا طعم لها ولا لون، وبعد ذلك تستطيع أن تعتلي ذروة التوجيه على أنك شيخ المشايخ وعالم العلماء، وهذه كارثة حقيقية من الكوارث ولكنها تحصل.
قبل أكثر من نصف قرن – لعلي ذكرت هذا مرة – قال المُفكِر الألماني الكبير ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer “المُستقبَل سيكون للأديان الأخلاقية”، وهذه عبارة ذكية جداً جداً جداً وأنا أحدس بصوابها، وقبل ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer كان يُوجَد ألبرت أينشتاين Albert Einstein – صاحب النسبيتين – الذي كتب يقول “أنا أُرشِح الديانة البوذية لتكون ديانة المُستقبَل الكونية”، وهذا شيئ عجيب، فلماذا يقول أن الديانة البوذية هى ديانه المُستقبَل رغم أنها ليست ديانته لأن ديانته اليهودية فضلاً عن أنه لم يستثن أي ديانة أخرى طبعاً؟!
قال “أنا يُرشِّح الديانة البوذية لتكون هى ديانة المُستقبَل الكونية لأسباب، أولاً لأنها تتجنب الإله الشخصي – وهذا الكلام يحتاج إلى نقاش طويل- وثانياً لأنها تتجنب الخلافات اللاهوتية – هناك خمسون ألف فرقة وخمسون ألف نقاش في الديانات الأُخرى، البروتستانت Protestant ألف فرقة في أمريكا الآن، فضلاص عن نقاشات الكاثوليك Catholic وغير هذا من الأشياء عجيبة، وفي الإسلام طبعاً يُوجَد مُعتزِلة وخوارج وغير ذلك – وثالثاً لأن يجتمع فيها ويتضافر فيها الروحي مع الطبيعي”، علماً بأن هذه المُلاحَظات قابلة للنقاش!
لكن قد يقول لي أحدكم: وماذا عن الإسلام؟
أنا أقول لكم باختصار كما أُلاحِظ على الأقل – قد تكون هذه مُلاحَظة انطباعية – أن أكثر أُناس يُفلِحون الآن في نشر الإسلام هم جماعة الدعوة والتبليغ، فهذه جماعة تضم عدد من المسلمين الغلابة الطيبين، وهؤلاء على باب الله كما نقول، ولديهم علم قليل ودعاوى يسيرة جداً لأنهم أُناس بُسطاء جداً جداً جداً، ولكن الإسلام انتشر كثيراً بسببهم لأنهم يفعلون هذا على أسس أخلاقية، فالغربي يرى التواضع والربانية وخدمة الناس والابتسامة الدائمة على الوجوه، ومن ثم يقول لك ببساطة أن هذا دين عظيم جداً وبالتالي سوف يدخل هذا الدين ويتوكل على الله، فجماعة الدعوة والتبليغ الآن لهم أكبر الفضل في نشر الإسلام وليس أقطاب السُنة أو أقطاب الشيعة من الذين يُفتي بعضهم بكفر بعض وذبح بعض، فهؤلاء غلابة ويعملون ببساطة من غير عجيج ومن غير طحن كبير وجعجعة.
نعود الآن إلى المسألة، نحن تحدثنا عن ديانات شرق أقصوية وذكرنا البوذية، لكن لماذا لا تنتشر الهندوسية؟ أين الهندوسية إذن؟
الهندوسية من أكثر أديان العالم تسامحاً، والهندوسية تقبل الجميع وترى كل الأديان والملل والأفكار كطريق إلى الله، فهى ديانة مُتسامِحة تماماً، ومع ذلك لا يُمكِن أن يكون المُستقبَل لها إذا كان الكلام عن الديانات الأخلاقية وفقاً لتعبير شفايتزر Schweitzer، وذلك لأن الهندوسية تسامحها لا إنساني، فهو تسامح لا أخلاقي – علماً بأن هذا تحليلي الشخصي – لأنه مُوسَس على اللأخلاقي وعلى اللإنساني، فالمُؤسِس شنكرا Shankara في الهندوسية وافق أن يستعبد البشر بعضهم بعضا وأن يتملك البشر بعضهم بعضا وقال “هذا أمرٌ عادي، هذا أمرٌ أخلاقي”، وهذا غير صحيح، فهذا لا أخلاقي وهذا لا إنساني، لكن كان هناك نظام الطبقات المُخمَسة الصارم جداً جداً الذي يمنع أن يتحرك أو يتزحزح أي أحد من طبقة إلى طبقة أعلى ومع ذلك قال شنكرا Shankara “هذا شيئ طبيعي ومُمتاز”، مثله مثل أرسطو Aristotle وأفلاطون Plato وهذا لا ينبغي أن يحدث.
لكن البوذية على العكس تماماً، فهى تخففت من هذا ولذلك جاءت كنُسخة مُنقَحة بعد أن تخففت، والآن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عن الإسلام؟!
الإسلام عنده عطاء أكثر من كل هذا الكلام – ليس لأنني مسلم ولكن هذه هى الحقيقة – والله العظيم، لكن المُشكِل ليس في الإسلام كما هو، المُشكِلة في الإسلام كما يُنتَج في خطاب المسلمين اليوم أو في خطاب الإسلاميين وفي خطاب هؤلاء النفر من الناس بالذات، فلا يُمكِن أن يكون هذا الإسلام صالحاً للتعميم والكوننة والعولمة، لا يُمكِن أن يكون كذلك، فهذا الإسلام الذي يُسيء إلى أمك وأختك ستقشعر منه أبدان العالمين.
اتصل بي أحد هؤلاء المساكين وهو شاب مُتعلِم وأمه ناشطة قائلاً “أقسم بالله أمي فاضلة ولا تقطع فرضاً، وهى التي علمتني الدين وحببتني في الدين، ولكنها قالت سأقود السيارة بنفسي، فقيادتي لسيارتي أشرف لي من أن يقودها فلبيني أو هندي ليس من محارمي فيخلو بي، لكن خرج الشيخ فلان الفلاني – نعرفه وأنا لا أذكر أي أسماء والحمد لله – يقول عنها الفاسقة”، وأنا سمعته وهو يقول أقل ما أقول في هذه المرأة إنها فاسقة، فهل هكذا تُتنهَك أعراض المسلمات المصونات يا رجل، يا شيخ ، يا صاحب الفتاوى؟!
هذا الرجل له ألوف الفتاوى في موقعه على الإنترنت Internet ومع ذلك يقول “أقل ما نقول فيها إنها فاسقة”.
أنا وهذا الرجل الذي يجلس أمامي الآن “أبو محمد” كنا في حجة مرة معاً، وتركنا صحن الكعب المُشرَف بعد صلاة الفجر ساخطين غاضبين، هل تعرفون لماذا؟!
جلس أحد هؤلاء المشايخ – لا أقول أحد هؤلاء العلماء – لكي يُدرِّس عن النقاب – هذه وجهة نظر يا سيدي، كُن مع النقاب لكن نحن مع الحجاب أو مع الجلباب بلا نقاب، ولا مُشكِلة في هذا لأن العلماء في هذه الأمة اختلفوا ولا يزالون في هذه المسألة – وقال “وكل من لا يُنقِب زوجته ولا يُلزِمها بالنقاب ديوث”، فقلت له “اخرج يا فوزي، نحن ديوثين، ما عُدت أجلس في هذا المكان، سأهرب من هذا المكان، لقد سُبِبنا”، فأي منطق هذا يا أخي؟ هل ستُصدِّر الدين بهذه العقلية وبهذا الانغلاق وبهذا التعصب وبهذه القطعية؟ لقد سببتمونا وسببتم أعراضنا وسببتم شرفنا، فماذا بقيَ للناس؟
ليفيناس Levinas كتب مرةً يقول “الإنسان ما يُفرِق بينه وبين غير الإنسان أن الأول هو مَن يكترث بالأخرين”، فكل من عنده اكتراث بالأخرين – اكتراث بمشاعرهم وبأحاسيسهم وبأوضاعهم وبظروفهم وبشروطهم – هو إنسان لأنه يستطيع أن يتفهَّم هذا، فأي خطاب غير إنساني يُنتِجه ويمضغه هؤلاء البشر وهؤلاء الأنفار من الناس؟!
نسأل الله لنا ولهم وللمسلمين والمسلمات أجمعين الهداية والتسديد والتوفيق وأن يجعلنا الله مِمَن يسمع ويُبصِر ومِمَن يفقه ويعقل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
(الخُطبة الثانية)
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
وعدتكم إخواني وأخواتي في الخطبة الأولى أن أحلِل هذه الأشياء التي لا أُسميها نظريات وإنما أفكار وهُتامات – هكذا وصفتها – وشذرات تحليلاً علمياً قوياً، وهو ما سأختم به إن شاء الله خطبة اليوم.
المُفكِر الحق والناقد الحق لا يُسِف مثل بعض الناس في الجزئي والعابر والمُبتذَل، فهو دائماً يسمو إلى النمط وليس فقط إلى الفكرة سواء كانت مُبتذَلة أو غير مُبتذَلة، فهو يعلو على هذا كله لأنه يريد أن يعرف النمط Pattern، فهذا هو المُفكِر المُفكِّر أذن، لكن هذا الكلام غير واضح ومن ثم سوف نوضحه بالمثال.
نأخذ اللغة الآن – أي لغة وليس فقط اللغة العربية، ولكن اللغة بما هى – كمثال، فاللغة فيها الوحدات الصُغرى أو الصُغراوية، أي الـ Phonemes، وفيها المجاميع أو المجموعات، أي الكلمات، وفيها النمط وهو الذي يتعاطى معه النحو Grammatik.
الكلمة أو المجموع يتكون من جزئين فأكثر، فهذا اسمه مجموع، لكن الكلمة بحد ذاتها ليس لها أهمية نهائية، ولكن لها أهمية محدودة ووسلية، أي وسيلة لشيئ هو الذي يتعاطى معه علم النحو وهو الأنماط، فالأنماط هى التي تسمح ببناء جُمل مفهومة خبرية وإنشائية من هذه المجاميع.
طبعاً الفاعل قد يكون زيداً وقد يكون عمراً وقد يكون جون John وقد يكون سلوى وقد يكون سوزي لكن النمط دائماً يُفهِمنا أن هذا هو الفاعل الذي يُسنَد إليه الفعل، فتختلف المضمونات دائماً لكن يبقى النمط حاضراً دائماً.
فهذا هو النمط إذن، والحديث عن المجموعات بغير حديث عن نمط لا قيمة لها، فشأنه بالضبط شأن الحديث عن الطوب اللبن – أي حجارة البناء – مع الإمساك أو مع عدم الحديث عن بناء مسجد – مثلاً – أو مدرسة أو مشفى أو روضة وإلى أخره، فأنت تتحدث عن طوب – عن ألف طوبة أو عن عشرة آلاف طوبة أو عن مائة ألف طوبة مثلاً – بدون قيمة، فماذا نفعل بها بدون بناء؟ ما الفائدة إذن؟ فأهم شيئ هو البناء.
هذا كان على مُستوى اللغة، سوف نأخذ الآن مُستوى الفكر، سواء كان الفكر ديني وغير ديني، فقد يكون هناك فكرة مُعينة مثلاً، وهذه الفكرة يُعبِّر عنها نص يُنسَب إلى النبي أو إلى الولي أو إلى الإمام الفلاني أو العلاني، لكن علينا أن ننتبه إلى أن هذه فكرة وليست نمطاً، هذه تُعتبَر مجموعة مُعينة فقط، لكن متى يبدأ النمط؟!
إذا أمكن حشد مجموعة من الأفكار قد تنتمي إلى قطاعات مُتقارِبة أو مُختلِفة نسبياً بحيث يُمكِن استخلاص في النهاية ما يُشبِه نظرية، فالآن يُمكِن أن أتحدَّث هنا عن النمط، لكن النظرية لا تكون بناءً من مجموعات أعتباطياً أبداً، وإنما تكون بناءً محكوماً بمنطق، هذا المنطق هو نفسه النمط.
أعتقد أنني الآن أصبحت واضحاً أكثر من ذي قبل، لذلك – كما فعلت في الخطبة الأولى – لو تأملتم في مجموعة أفكار مثلاً عن الحاكم الطاغية في تاريخ المسلمين أو الطاغية بشكل عام – مثل مَن هو الطاغية والموقف منه ومن طغيانه الذي يتخذ شكل فتوى أو شكل سلوك مُعين في التقرب منه أو الدفاع عنه وإلى آخره – سوف تجدون – في نظري – أن المواقف من هذا الطاغية تحكي نمطاً مُعيناً، فبعض الناس ينطلقون من نمط أن الحاكم – أستغفر الله العظيم – هو صورة من الله مثلاً، لكن علينا أن ننتبه الآن لكي نسأل أنفسنا هذا السؤال: ما هو الترتيب في ذهن مَن يقولون أن الحاكم هو صورة من الله؟ هل الله في ذهن هؤلاء على صورة الحاكم الظالم أم أن الحاكم الظالم على صورة الله في ذهنهم؟
هذا سؤال حرج ويحتاج إلى تدقيق، وعلى كل حال أنا أعتقد كما قلت في الخطبة الأولى أن الله – والعياذ بالله – مُسِخَت صورته – أي تصوره والاعتقاد فيه – حتى أصبح مُتطابِقاً مع الحاكم الظالم، لأن الحاكم الظالم من الصعب جداً أن يُرفَع إلى مُستوى إله عادل – هذه عملية مُستحيلة – ولكن يُمكِن تقزيم ومسخ تصور وعقيدة الله – تبارك وتعالى – كما ضربنا ببعض الأمثلة بحيث يصبح هذا الإله الظالم النزق الغضوب الذي يفعل أشياء لا يُمكِن التنبؤ بها لأنها غير منطقية وغير عادلة ومن ثم يرفضها ضمير الإنسان لأنه مخلوق لله، قال الله وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۩ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۩، كما قال كانط Kant “الله خلق لنا محكمة للأفكار والقيم في نفوسنا”، فهذا ليس على ألسنة المشايخ والقسس والرهبان والأحبار وإنما في نفوسنا، ومن ثم يستطيع الإنسان أن يعرف أن هذا الأمر يُعتبَر مقبولاً أو غير مقبول خاصة في الأشياء الأصلية الأساسية كالتي تتعلَّق بالعدل والظلم.
إذن هذا هو النمط الحاكم في تفكير هؤلاء، ومن هنا – وأختم بهذه الجُملة – تقديسهم وولاؤهم المُطلَق للحاكم أياً كان هذا الحاكم، سواء كان ظالماً أو عادلاً أو مسلماً أو حتى كافراً وهذه هى المُصيبة الأعظم، فهم قالوا “وإن كفر فالمفروض لا نثور عليه ولا نخرج عليه ولا نُحدِث فتنة وشغب، ولكن ننصح له ونُنكِر عليه بالتي هى أحسن دون أن نخرج عليه”، ونحن نسأل مَن يقول هذا كيف لا تخرج عليه؟ ألا تخرج على كافر؟ كيف يُمكِن لكافر أن يحكم في مسلمين؟
هذا النمط مع أنماط أخرى هو الذي يُفسِر لنا لُغزاً مُحيراً ويكشف لنا لماذا يُجَن جنونهم من أجل رجل يلبس كرافتة Cravatta ويخطب على منبر رسول الله، ولكن هم في مُنتهى السعادة والتوافق والانسجام مع حاكم – لن أصفه فأنتم تعلمون ماذا يفعل هو وعائلته وحاشيته وأعوانه وأخدانه، فهم يقومون بأشياء فظيعة ومُخيفة في الداخل وفي الخارج – ظالم، فكل هذا يُسكَت عنه ويطوون عنه كشحاً وكأنها صغيرة من الصغائر، ورحمة الله على العلّامة المصري الكبير الشيخ محمد الغزالي يوم كان في الجزائر وقال “هؤلاء أُناس عجيبون، فهم يُوصِلون مسألة الحجاب والنقاب إلى مجلس الأمن، لكن مسألة اختلاس أموال الأمة والذهاب بها إلى جيب حاكم ظالم رقيع يعتبرونها صغيرة من الصغائر”، فالشيخ الغزالي لاحظ هذا وعبَّر عنه بهذه الطريقة، فمسألة الحجاب يرون أنها كبيرة من الكبائر التي ينبغي أن تصل إلى مجلس الأمن لكن سرقة أموال الأمة التي تُساوي في نهاية المطاف مزيداً من الجهل ومزيداً من الأُمية ومزيداً من حالات الزنا ومن زنا المحارم ومن السرقة – لعدم وجود أموال واقتصاد في حين أن المُجتمَع يُريد أن يعيش ومن ثم يُجَن لعدم وجود توافر حد الكفاية – يرون أنها صغيرة من الصغائر!
(انتهت الخُطبة بحمد الله)
فيينا 20/01/2012
في سبيل أنسنة الفهم الديني – الجزء الأول
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۩ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۩ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۩ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ۩ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ۩ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:
قبل أيام حدَّثني أحد إخواني في الله وأحبابي عن مجلس عزاء في رجل أنهى حياته مُنتحِراً، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، قال وهالني أن الجلّاس أو الجلوس في ذلكم العزاء – أي مجلس العزاء – أزجوا الوقت في الإعراب عن رد فعل ناقم وقاسٍ وشامت جداً بهذا الميت، هذا يُذكِّر بجهنم، وهذا يتوعَّد بالخلود فيها، وهذا يحرمه من رحمة الله، وذاك وذلك… إلى آخر ما هنالك.
فأثار هذا في نفسي تساؤلاً مُهِماً – أيها الإخوة والأخوات -، من أي زاوية نظر هؤلاء إلى هذا الحدث المُفجِع الأليم؟ من أي زاوية؟ طبعاً حين يتحدَّثون يتحدَّثون كلهم ويُفرِغون عن منطق ديني كما يفهمون الدين، عن منطق ديني! هم الآن ينتصرون لله – تبارك وتعالى – ولدين الله ولشرع الله إزاء هذا المُجرِم الأثيم، الذي أنهى حياته مُنتحِراً، تخلَّص من حياته!
فالسؤال يتعلَّق إذن بزاوية النظر التي اصطنعوها في تعاطيهم مع هذا الحدث الأليم المُفجِع، بل الكارثة والمُصيبة، زاوية النظر – ولنا فيها كلام كثير في مُناسَبات سابقة – لا تأتي هكذا عفواً، ولا يُمكِن لأحد أن يزعم أنها تُجسِّد وتُترجِم الدين نفسه أو تُفرِغ عن المنطق المُباشِر للنصوص، غير صحيح بالمرة!
مُشكِلة الأديان والإسلام من بينها والشرائع أنها تُغتصَب، وأن الكل يتسوَّر على حماها، ويأتي بموروثه وخلفياته وإشكالاته وتعقيداته ومعارفه، ليزعم بعد ذلك أن هذا هو الفهم السديد، بالعكس! كثيرٌ منهم لا يزعم أن هذا فهم، بل يزعم أن هذا نص، النص يقول هذا، ألم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – أن مَن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مُخلَّداً فيها وأن مَن وجأ بطنه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في جهنم خالداً مُخلَّداً فيها – الحديث –؟ النص إذن يقول هذا، انتهى! هذا له جهنم خالداً مُخلَّداً فيها.
ورب العصور الوسطى كانت تتعاطى مع هذا الحدث الفاجع – أي الانتحار – من نفس الزاوية، كان المُنتحِر ملعوناً، وكما لدى بعض الفئات من المُسلِمين يُحرَم ويُحرَّم تحريماً مُؤكَّداً جازماً أن يُدفَن هذا المُنتحِر في مقابر الناس، في مقابر العامة، لأن اللعنة التي حاقت به ونزلت عليه ولا تزال ستمنع الآخرين من أن يرقدوا بسلام.
كان من جُملة المسائل التي أُنكِرت على المُصلِح الديني الشهير مارتن لوثر Martin Luther أنه صلى على مُنتحِر واحتفر قبره، كيف تفعل هذا؟ هذا مُخالِف للدين وللنصوص وللشرائع الكنسية وللبابا نفسه، ممنوع! هذا ملعون، لا تزال أمتنا تنظر من نفس الزاوية، هذا ملعون!
ليست المُشكِلة مُشكِلة فقط الانتحار والموقف من الانتحار، الموقف من المُذنِبين بعامة، الموقف من الخاطئين، الموقف من ضعفنا، من ضعف الإنسان، ومن زلات الإنسان، نفس الزاوية! الشماتة ورد الفعل الناقم والشديد، وهذا الذي يبلغ ببعض الناس إلى دركة أن يلتمسوا العيب للبرآء حتى، مَن يلتمس العيب للبرآء لا يُمكِن أن يرحم المعيبين، هو يلتمس العيب للبريء، فكيف إذا سنحت له فُرصة ووجد أحدهم قد عثر أو وقع أو زلت به القدم؟ لن يرحمه، وباسم الدين، باسم الله، باسم القرآن والسُنة، دفاعاً عن حُرمات الله، هكذا يظنون، هكذا يُصوِّرون لأنفسهم.
ومن هنا لابد أن نُصارِح أنفسنا بأننا في هذا الميدان، وهو ميدان خطير جداً، إنه الميدان الأكثر اندياحاً وسعةً للتواصل الإنساني، هكذا نحن نتواصل، وإذا كنا نتواصل بمثل هذه الكيفية ومن هذه الزوايا فهذا مُنذِر بخطر ماحق، إفقار علاقاتنا الاجتماعية، علاقات فقيرة ضحلة، إفقار أيضاً مُكتسَباتنا الروحية والنفسية، سنكون مُتصحِّرين وضحلين وفقراء مُجدِبين وقُساة، أصحاب جفاف وجفاء وقسوة وإبعاد، لا خير فينا، كالعود الجاف، كالعود الجاف لا ماء فيه، لا نداوة، ولا رطوبة، والكارثة كما سمعتم أن يكون هذا باسم الدين، دائماً باسم الدين.
بعض الناس يقول كل هذا الكلام الذي تفوه به فلسفة فارغة، أنت ذكَّرت بالحديث المُخرَّج في الصحاح، انتهى! النبي قال هذا، مسكين هذا، أنا سأُذكِّره ليس بحديث مُخرَّج في الصحاح، سأُذكِّره بآية قرآنية، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ۩، هذه آية، وليست حديثاً، لكن هناك الحديث أيضاً المُخرَّج في الصحاح أو في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخُدري، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، وللاختصار هو في قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، قتل تسعة وتسعين نفساً وأكملها بمائة، بالعالم الجاهل، الذي قنَّطه من رحمة الله، أنى لك التوبة؟ كيف تتوب؟ أقتلت تسعة وتسعين نفساً؟ انتهى كل شيئ، فقتله، فأوفى به على المائة، المُهِم للاختصار نتيجة أو نهاية مشوار هذا المسكين الذي أرَّقه الذنب وقلقله وزلزله أنه أصابته رحمة الله تبارك وتعالى، تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، بعد أن تاب توبةً قلبيةً، إلى الآن لم يفعل شيئاً ذا بال، لا يزال هو المُجرِم فيما يظهر، لكنه تاب بقلبه، أقلقه حاله، بسبب هذه التوبة مشفوعةً بخُطوات إلى أرض الصالحين – إلى أرض الصلاح، إلى أرض فيها خير – تنازعت فيه الرحمة، فكان من حظه ونصيبه الطيب أن نالته رحمة الله.
حديث البطاقة وهو حديث صحيح نعلمه جميعاً، وهو في مُوحِّد لم يلق الله – تبارك وتعالى – إلا بالتوحيد، واحتطب في حبل المعصية كل معصية وخطيئة، شاء الله – وهو في خطر مشيئة الله – أن يستنقذه على رؤوس الخلائق يوم القيامة بتوحيده، بالبطاقة! هذا حديث البطاقة، ذكرنا هذا وذكَّرنا به مرات عديدة، لكن أنا أعتقد أنه يجب دائماً أن نُذكِّر به وأن نُبدئ فيه ونُعيد، لماذا؟ هذا لا يُشكِّل ثقافةً لدينا، أنا أقول لكم بوضوح ولنفسي هذا لا يُشكِّل ثقافةً لدينا، نصوص مُفرَدة ومُبتسَرة ومُجتزأة لا تُسوَّق – إن جاز التعبير – أو لا تُسيَّق، أي لا تُوضَع في سياق، من ساق يسوق فنقول يُسوَّق، لا تُسوَّق، لا يُوضَع لها سياق ثقافي، ليست عقلية أمة، ليست مِزاج أمة.
عقلية الأمة اليوم هي عقلية بعيدة من هذا المنزع الإلهي الرباني الرحموتي، عقلية تقوم على الشماتة، على النقمة، على التشديد، على التشهير – والعياذ بالله تبارك وتعالى -، وعلى الإسقاط، وشرحناه قبل أسبوعين، رمتني بدائها وانسلت، كلنا ذلكم الخاطئ، كلنا ذلكم الضعيف، لماذا نجلد هؤلاء الضعفاء – ضعفاء الخطيئة والذنب -؟ لماذا؟ لنُبرئ أنفسنا، نشعر بأننا فوقهم، بأننا أحسن منهم، والنبي حذَّر من هذا، وقال لنا قبل أن يُعلِّمنا علماء النفس هذه الحيل اللا شعورية، قال لنا انتبهوا من الذي يُكثِر من الشماتة بالناس ورمي الناس بالعظائم والصغائر والبوائق والقبائح ويقول لناس هلكى والناس فسقة والناس فجرة والناس لا خير فيهم والناس… والناس… النبي قال اعلموا أنه شرهم، ما معنى هذا؟ ما معنى أنه شرهم؟
هذا يُمكِن أن يُفهَم فهماً مُستقيماً جيداً في ضوء ما فهمناه من الحقائق النفسية، خاصة فيما يتعلَّق بحيلة الإسقاط أو الإلصاق، أي الــ Projection هذا، النبي يقول فهو أهلكهم، كأنه يقول لنا بل هو يقول لنا بعبارة واضحة لو لم يكن هو كذلك لما رأى الناس كذلك، لأنه هو هالك ومُجرِم وفاسق وكذّاب ومُنافِق ومُرائٍ، وهو يرى الجميع كذلك، وهو خوّان أثيم، النبي قال انتبهوا، احذروا منه، هذا شخص خطير، إنه كذلك، قال مَن قال هلك الناس فهو أهلكهم، لأن الإنسان في نهاية المطاف لا يعيش في عالم تجريدي، إنما يعيش في عالم عياني، عالم مُشخَّص، من لحم ودم، من أحداث وشروط وظروف، من بشر ضعاف مثله، عالم جدلي، بل مُعقَّد إلى أبعد حدود التعقيد، لا يسير في خطوط مُستقيمة محسوبة أو قابلة للحساب حتى، ولذلك النبي يقول الإنسان ينظر إلى الآخر – إلى المُجتمَع وإلى الناس – من خلال منظاره الذاتي، من خلال نفسيته، إذا كانت صافية سيرى صفاءً، إذا كانت مُعتكِرة سيرى اعتكاراً وغبشاً وسواداً، وسيحكم على الجميع.
أبو الطيب المُتنبي صاغ هذا المعنى في بيت شعر من أروع شعره حين قال:
إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ – أي في الآخرين – وَصَدَقَ مَا يَعتَادُهُ من تَوَهُّمِ.
قال لأنه هو الخائن يرى الناس خونة ويُخوِّن، يُخوِّن حتى الأمناء الكبار، يُخوِّن النبي، وقد خُوِّن النبي في حياته من الخونة، لم يُخوِّنه الأمناء، الأمين لا يُخوِّن، الأمين المسكين يظن أن كل الناس أمناء، يفهم بالعقل – العقل المُجرَّد – أن هناك خيانةً، لكن لا يكاد يُصدِّق، حتى إن رآها ولمسها يعتذر عنها أحياناً، يقول لا، لعله – أي هذا الرجل – مُتأوِّل، لعله مُشتبِه، لديه شُبهة، لم يقصد الخيانة، لعله أراد، لعله يُريد، لعله سيُريد، أمين! لا يتصوَّر الخيانة في الناس.
الطاهر العفيف لا يتصوَّر ولا يستطيع أن يُفرِغ عن منطق العهّار الدعّار، لا يُمكِن أن يفهم هذا، وحين يرى في الحياة عُهراً ودعارةً وزعارةً وشيئاً مُشيناً قبيحاً يكون من الصعب عليه أن يستوعبه، هذا المسكين أسهل عليه أن يستوعب في أُفق مُجرَّد أن هناك إثماً، أن هناك انحلالاً، لكن لا يستطيع أن يُجسِّده في أشخاص، لا يستطيع أن يصف به أشخاصاً، من الصعب عليه هذا.
أعود، إذن زاوية النظر إلى أمر من الأمور، إلى معنى من المعاني، إلى شخص، إلى حدث، وإلى ظرف، هذه الزاوية ليست مسألة بسيطة، مسألة مُركَّبة ومُعقَّدة، تُفسَّر بأشياء كثيرة، تُفسَّر بمخاوفنا، بطموحاتنا، بأحلامنا، بضعفنا، باشتراطاتنا، بسياقنا، سواء منه السياق الاجتماعي الثقافي الواسع، أي الحضاري، أو السياق الفردي الذاتي، أي سياقي كفرد أنا، بخبراتي، بتجاربي، بنجاحاتي، بضعفي، بقوتي، بحلمي، بأملي، وبألمي كفرد، كل فرد منا عالم قائم بذاته، كون، أُفق، ومُحيط كبير قائم بذاته، هذا الذي يُحدِّد لك تلقائياً زاوية النظر.
وفي سبيل التبسيط نقول حين يركب أحدنا عربته أو سيّارته كما نقول، حين يركبها يشعر بالنقمة وبإثارة الأعصاب على أصحاب الدرّاجات، لأنهم يعوقونه ويُثيرون أعصابه، تباً لهم! ما الذي يجعلهم يُشارِكونه النصف الأيمن للطريق؟ فليذهبوا إلى الجحيم هم ودرّجاتهم، بعد ساعة يضطر إلى أن يمتطي درّاجته، فيشعر بالغضب والتغيظ والنقمة على أصحاب السيّارات المغرورين بقوة مُحرِّكاتهم، فليذهبوا إلى ألف جحيم، لماذا لا يتريَّثون قليلاً؟ يُريدون أن ينهبوا الأرض في لحظة، فليُعطونا المجال، هذا هو الإنسان، هو نفسه! قبل ساعة ينقم على أصحاب الدرّجات، بعد ساعة ينقم على أصحاب السيّارات، هو نفسه! حين يمتطي سيّارة يختلف منظوره، حين يمتطي درّاجة يختلف منظورة، ببساطة! هذا للتبسيط، ليس المُخِل، بالعكس! بل المُبين والمُوضِّح، إن شاء الله، هكذا! هكذا نحن، حين نغتني لنا منطق، حين نفتقر لنا منطق مُختلِف تماماً، انتبهوا! هذا هو المنظور.
كل هذا لا يحل المُشكِل، هذا يصف، لكن لا يحل، أين الحل؟ الحل لابد أن نقف وأن نتريَّث وأن نُطيل الفكرة، لأن المسألة جد، وليست بالهزل، ووجه الجدية فيها أن الإنسان ما لم يستثمر في أرض نفسه يبقى فقيراً ضحلاً مُجدِباً مُتصحِّراً، يخرج من الحياة أسوأ مما دخل فيها، وأفقر مما دخل فيها، يدخل الحياة بفطرة إلهية سوية، ويخرج من الحياة ويُغادِرها بنفسية وحصيلة شعورية وعقلية – تجربة حياة – من أسوأ ما يكون، من أكثر ما يكون ضحالةً ورقةً وسذاجةً، ليس هكذا الإنسان، لا ينبغي أن يكون الإنسان هكذا.
صارحتكم وصارحت نفسي أكثر من مرة، أشعر حقيقةً – وهذه ليست مسألة شعور فقط، بل وتحليل وتفكير أيضاً – أننا نُعاني ضحالة حقيقية في فهم ديننا، وفي خبرته، وفي العيش به، ضحالة حقيقية أشعرها في العلماء قبل العامة، حين أستمع إليهم أحياءً أو أحياءً حتى في الفضائيات وحين أقرأ لهم، ضحالة! هناك ضحالة، ويحتار المرء في البداية، ما سر هذه الضحالة؟ ما سر هذا الموقف من الحياة والأحياء والناس وضعف الإنسان؟ ما السر؟ وأستطيع أن أعزوه إلى جُملة أسباب مثلكم جميعاً، جُملة أسباب! ولكن في رأس وفي مُقدَّم هذه الأسباب ضحالة التجربة الإيمانية الذاتية، أنت تعيش ما تفقه وما تفهم، الكيفية التي تفقه بها إيمانك إن عشتها ستعيش وفقها، إذا كانت هذه الكيفية مُسطَّحة وبسيطة وساذجة وأشبه بالطقوسية – كالصلاة بالذات – فستعيش بتسطيح وبساطة وسذاجة وطقوسية، معيار هذه السذاجة والتسطيح صلاتنا، صلاة الطقوس، الصلاة الثقيلة على أفئدتنا وعلى أرواحنا، التي نشعر أننا بعدها تماماً كما كنا قبلها، وأحياناً أسوأ، لا نشعر بترقٍ روحي حقيقي، لا نشعر! ثلاثون سنة نُصلي ولا نشعر، لا نشعر بهذا، بالعكس! بعض الناس يقول أنا قبل ثلاثين سنة كنت خيراً بمراحل مني الآن، إذن ماذا علَّمتك الصلاة؟ ماذا علَّمك الدين؟ علَّمك أن تُدجِّل باسم الدين، علَّمك قسوة القلب وجمود العين، علَّمك العُجب والغرور بهذا الإنجاز الطقوسي التافه جداً، هذا يستوي فيه الجميع، إلا مَن رحم الله، وقليلٌ ما هم، جعلني الله وإياكم من ذلكم القليل.
بالكيفية التي نفقه بها ديننا نستطيع أن نعيش حين نعيش، فإذا كانت الكيفية بسيطة ومُسطَّحة فلن نجد هنا عزاء، هنا لا عزاء! لذلك علينا أن نكون جادين في إعادة طرح سؤال فهم الدين – كيف نفهم الدين؟ وكيف نُمارِسه؟ – وفق هذا الفهم الجديد.
أعتقد أنني عقدت خُطبتين قبل ربما نصف سنة عن أنسنة فهمنا للدين، هذه الخُطبة ستكون تواصلاً من جوانب أُخرى أيضاً مع تينك الخُطبتين، تواصلاً بوجه واضح جداً، إن شاء الله تبارك وتعالى.
ونعود، إذن زاوية النظر يُحدِّدها السياق، السياق الفردي والسياق الثقافي المُجتمَعي، هذا هو! لذلك علينا ألا نكون ضحايا لهذا السياق، وأن نُحاوِل أحياناً – وهذه مُحاوَلة صعبة جداً – أن نتعالى عليه، أن نكسره، أن نُعيد النظر فيه عبر السؤال، عبر طرح السؤال.
يسمع أحدنا بأن الرسول – عليه السلام – مات ودرعه مرهونة عند يهودي في خمسة أوسق من شعير، كلنا يفقه هذا الحديث من زاوية واحدة، وهي زُهد النبي، الفقر الاختياري للنبي، وهذا جميل، لأن السياق عموماً يُشير إلى هذا، الآن هنا سياق الحديث – سياق الخطاب المُباشِر، بمعنى سياق خطاب خُطبة أو مُحاضَرة أو درس أو صحيفة تُكتَب في علم الوعظ والتذكير – يكون مُتسلِّطاً ومُنصَباً على ماذا؟ على زُهدية النبي وفقره الاختياري، هكذا نفهم الحديث! لكن هناك زاوية فاقعة جداً.
لو جاء غربي – مثلاً – ليس يُعنى كثيراً بالزُهد والتقلل من الدنيا ولا يرى هذا نمطاً في الحياة سيُعجِبه الحديث جداً، ويُثير فيه أريحية، ويقول هذا نبي عظيم ومُتواضِع وكريم، سيفهم الحديث من زاوية سياسية اجتماعية، حرص النبي على الإدماج، إدماج الآخر المِلي في منطومة المُواطَنية، لماذا؟ لأن النبي كان بكل بساطة قادراً على ومُستطيعاً أن يقترض هذه الأوسق الخمسة من صاحب من الصحابة، هناك أغنياء الصحابة، أليس كذلك؟ هناك الزُبير وابن عوف وعثمان، قطعاً كانوا يستطيعون أن يمدوه بخمسة أوسق من شعير، لكن النبي لم يفعل هذا.
بعض الناس تكلَّف وقال متى كان هذا؟ وفي أي موسم؟ ولم تكن هناك حبوب، لكن كل هذا كلام فارغ، انتبهوا! ذكره بعض العلماء لكن كله كلام فارغ، مُستحيل أن المدينة خلت من الحبوب وخاصة من الشعير إلا عند هذا اليهودي، هذا كلام فارغ، انتبهوا! هذه تمحلات باطلة، النبي تقصَّد هذا تماماً، هو الزعيم السياسي والروحي لهذه الأمة، تقصَّد أن يقترض من يهودي، يُريد أن يُفعِّل هذا الإدماج، وهذه زاوية أُخرى.
إخوانان الشيعة يدلون بالحديث الذي يُردِّده وعاظهم ومُذكِّروهم كثيراً أمام عوامهم، بأن الإمام عليّاً – عليه السلام – تصدَّق وهو راكع – أي في حال ركوعه – بخاتمه على فقير جاء يسأله ولم يُعطه أحد شيئاً، تصدَّق بخاتمه عليه، ولكن ما أدراكم ما هذا الخاتم؟ لم يكن خاتماً من حديد أو من تنك كما نقول، بل كان خاتماً جوهرياً، تُعادِل قيمته خراج الشام أو العراق كذا وكذا مرة، جميل! إنهم يُريدون أن يفرضوا على العوام والمُستمِعين زاوية نظر تتعلَّق بالندى والكرم الحاتمي الذي متَّع الله به الإمام الجليل، بلا شك كان هو كذلك، ولكن هناك زاوية أُخرى يُمكِن أن يُنظَر إليها لهذه الرواية المكذوبة المصنوعة التافهة، وهي كفيلة مُباشَرةً بأن تجعلنا نحكم سراعاً أو مُسرِعين على الرواية بالوضع والكذب والاختلاق، إنها زاوية الترف والإسراف، أين زُهده؟ ضاع زُهده الآن، ضاع زُهد عليّ في مُقابِل كرم عليّ، ليكون كريماً الآن سيكون مُترَفاً ترفاً مُسرِفاً مُتلِفاً، أتضع خراج الشام أو العراق كذا وكذا سنة في خاتم واحد؟ سُليمان بن داود لم يفعلها، وعليّ لم يفعلها، هذا كلام فارغ، لكن هكذا الزوايا.
يقول مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – عمل الدنيا عند الأنبياء جبر – بمعنى أن الأنبياء في عمل الدنيا جبريون -، وعمل الآخرة عند الكفّار جبر، عمل الآخرة لدى الأنبياء اختيار، وعمل الدنيا لدى الجهّال اختيار، إنها زوايا النظر طبعاً، ما معنى الكلام هذا؟ نفس ما أقول تماماً، يتحدَّث مولانا – قدَّس الله سره – عن النبي، وفي حكُم النبي الصُلّاح والمُوحِّدون العارفون والمُؤمِنون الصادقون الجادون الساعون إلى رحمات الله ورضوانه، يقول هؤلاء لأن وكدهم الآخرة وعمل الآخرة فإنهم يرون أنهم مُختارون في هذا، وأن عليهم أن يسعوا وأن يجدوا، لذلك يرون أن بإمكانهم الطاعة وأن الطاعة والإمهاد أو التمهيد للآخرة هو اختيار، لا يعتذرون عن تقصيرهم لأنهم ليسوا مُقصِّرين هنا، هم جادون في أن يصلوا إلى الله.
أما فشلهم أو تأخرهم في قضايا الدنيا فهم يرون أنفسهم في قضايا الدنيا مُجبَرين، يرون أنهم أنفسهم مُجبَرين! هذه زاوية نظر، والكافر العكس تماماً، إذا سألته عن الصلاة وعن الصيام وعن عبادة الله فسيقول لا، هذا جبر، لو شاء الله لهداني، لو شاء الله ما أشركت، لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۩، الله يقول دائماً هذه حُجة الكفّار، نحن مُجبَرون، نحن أشركنا وكفرنا وتركنا العبادة والتوحيد والإخلاص بجبر إلهي، لكن – ما شاء الله – ما أشطرهم! ما أحذقهم! ما أذكاهم! وما أزكنهم في شؤون الدنيا! إنهم هنا مُختارون، لا يعتلون بعلة الجبرية هذه، لا! الآن تسقط كل هذه الشقاشق والسفاسف والسفسطات الكلامية واللاهوتية، إنهم في عمل الدنيا الآن أهل اختيار، انقلبت الصورة، بحسب الزاوية وبحسب السياق الذي تُوضَع فيه والذي يُفسِّر وهو القادر على تفسير الزاوية التي تصطنعها في النظر إلى الأمور، هكذا!
من على هذا المنبر مرةً ذكرت مثال سعد بن الربيع، رضيَ الله عنه وأرضاه، ظللنا نسمع هذا المثل تقريباً أربعة عشر قرناً، وننظر إليه من زاوية واحدة، سعد بن الربيع يُخيِّر أخاه عبد الرحمن بن عوف في أحب نسائه الأربع إليه، ليُطلِّقها وينزل عنها له، ويتزوَّجها ابن عوف، من زاوية ماذا ننظر كلنا عبر أربعة عشر قرناً؟ من زاوية الإيثار، أليس كذلك؟ والغيرية والأخوة وصدق البذل والتضحية في سبيل أُخوة الدين، لكن هناك زاوية أُخرى، زاوية أُخرى ليست تُشرِّف، ليست جيدة بغض النظر عن أي شيئ، هذا صحابي، ليس ملكاً هذا، ليس إلهاً، ليس مُشرِّعاً، انتبهوا! ثقافتنا تفترض الآتي، بما أنه صحابي وأسلم فلابد من أول ساعة من ساعات إسلامه أن تغدو أفعاله تشريعاً، لكن هذا كلام فارغ، ثقافتنا تفترض أن كل مسالكه ستغدو حميدة، وهذا غير صحيح يا أخي، ما هذا؟ لأنه صحابي وفعل هذا من هذه الزاوية فالأمر مُنتهٍ، وهذا غير صحيح، هناك زاوية هي في مُنتهى الفقر والبؤس هنا، وهي مكانة المرأة، مكانة المرأة في نظرهم! ما هذا؟ هل أنت تتحدَّث عن أمة أو عن خادمة أو عن سلعة تشتريها وتبيعها؟ هذه امرأة حرة، وقد تكون سيدة بنت سيد وكريمة بنت كرام، هل أنت تُطلِّقها وتُزوِّجها دون حتى أن تأخذ خيارها؟ ما هذا؟ غير مقبول هذا، لكن هكذا كان مُجتمَعهم!
فإيانا وإياكم أن نظل نُردِّد هذا في عصرنا هذا بعد أن وعينا أشياء وفقهنا أشياء دون أن ندري ما نقول، انتبهوا! طبعاً هذا لا ينقص الإسلام شيئاً، هذا ليس الإسلام، هذا تصرف صحابي، وهذا الصحابي لا يزال يحمل بعض مواريث الجاهلية، وهذا شيئ طبيعي، شيئ طبيعي جداً أنه لا يزال يحمل بعض مواريث الجاهلية، النبي قال هذا لأبي ذر، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هذا أبو ذر الذي حلاه بتاج بل بجوهرة التاج وواسطة العقد، ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة – أو من ذي لهجة أصدق – من أبي ذر، أبو ذر هذا، الصادق المصدوق، خليلي! خليل رسول الله هذا، ومع ذلك قال له لا، في هذه استثناء يا أبا ذر، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هذه جاهلية، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، وهذا شيئ طبيعي، لكن يُراد لنا بأمثلة كل تاريخنا وكل وقائعه أن نعتقد أن حتى الصحابة غدوا بمثابة أنبياء – عملياً وليس نظرياً -، كل ما يفعله وكل ما يقوله الصحابي هو الصحيح، وهذا غير صحيح، حتى في علم المُصطلَح غير صحيح، حديث الصحابي الموقوف في حُكم الضعيف، هذا في علم المُصطلَح وفي علم الحديث، مثل ماذا قال الصحابي وماذا فعل وماذا أقر، هذا ضعيف، له حُكم الضعيف، ما لم تشهد له الأدلة من كتاب وسُنة هو ضعيف، أي لا اعتبار له، خاصة إذا لم يُوافَق عليه، انتبهوا! لكن الحديث ليس عن هذه المسألة، عن زاوية النظر، أي الحديث عن زاوية النظر.
ولنعد إلى موضوعنا، كيف نتعاطى مع هذه الشؤون؟ كيف نتواصل؟ كيف نتواصل كبشر خاصة في لحظات ضعفنا وزللنا؟ نحتج بحديث، وفي المُقابِل عشرات الأحاديث وعشراتها تشهد لشيئ مُختلِف، لا! نحتج بأننا ننتصر للخير إزاء الشر والمكر والخطيئة، إذن سأسأل سؤالاً هنا دينياً بدرجة أولى ثم هو فلسفي بدرجة ثانية، هل هناك أولاً من مُعادَلة بين حُب الخير وكُره الشر؟ هذا سؤال، هل هذه مُعادَلة؟ إن كانت مُعادَلة فهي كارثة، انتبهوا! هذا أولاً، وسأُوضِّح هذا، ثانياً هل نُحِب الخير أكثر من كُرهنا للشر أم نكره الشر أكثر من حُبنا للخير؟ هذا سؤال ديني، الجواب عنه بحذق وذكاء وفهم وتجربة تعيشها أنت كمُؤمِن، انتبه! هذا الجواب سيتكفَّل – أنا أقول – بإعادة تصورك للدين، بإعادة تصورك لنفسك كمُتدين، ما أنت ومَن أنت كمُتدين؟
بعض الناس يقول الآتي، يُسارِع على طريقة بعض الظاهرية ويقول لا، كُرهنا للشر أكبر من حُبنا للخير، لماذا يا فيلسوف الإسلام؟ يقول أولاً القاعدة الفقهية تقول درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، إذن الأولوية لكُره الشر، لمنع الشر، قبل استجلاب الخير، وهذه قاعدة مُؤسَّسة على مئات النصوص الفرعية المُفرَدة، وهذا جميل! وبعد ذلك يقول في الحديث الشهير – وهو من أحاديث الأربعين – إذا أمرتكم بشيئ فأتوا منه ما استطعتم – حُب الخير هذا، هذا في الخير – وإذا نهيتكم عن شيئ فانتهوا، قال لا تساهل مع الشر، لا تساهل! ولذلك كُرهنا للشر أكبر من حُبنا للخير، هذا الصحيح، لكن هذه قسمة وهذا جانب من جوانب مُصيبة المُسلِمين المُعاصِرين ونحن منهم في فهم الدين، نحن نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير، وسأجعل البداية من هنا، وهذه إن كانت مُعادَلة فهي خطيرة جداً، هي ليست مُعادَلة، لأننا نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير، المُعادَلة ينبغي أن يكون طرفاها ماذا؟ مُتعادِلين، أن نُحِب هذا بمقدار ما نكره هذا، وهذه كارثة أيضاً، لكن أن نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير فهذه كارثة الكوارث في فهم الدين، هذه مُصيبة المُسلِمين، هذا ما يُمكِن أن يُفسَّر به دينياً وروحياً وفلسفياً هذا الاستعداد الكامن لدى المُسلِمين، Potential هذا، هناك استعداد كامن لدى المُسلِمين، وهو مُخيف، وهو لدى كثير – ليس لدى البعض أو القلة وإنما لدى كثير – من المُسلِمين، استعداد كامن مُخيف جداً، أنه في اللحظة المواتية المُناسِبة التي تسوقها الظروف والسياقات يُمكِن لبعضنا أن يقتل بعضاً، وأن يذبح بعضنا بعضاً، وأن يحرق بعضنا بعضاً، وأن يخزق ويُثقِّب بعضنا بعضاً بالمثاقيب الكهربائية كما حدث ويحدث في العراق وغير العراق، شيئ مُخيف! وأن يُهشِّم بعضنا بعضاً في الشوارع العامة، وأن يُفجِّر بعضنا نفسه في بعض، استعداد مُخيف جداً!
ويُنبئ عنه ويدل عليه ويُؤشِّر إليه هذا الاندلاع العجيب وراء الرغبة في دينونة الناس والحُكم عليهم بالكفر والشرك والمروق والردة والخروج عن الدين وكذا وكذا، إلى آخره! بالجُملة وبالتفصيل أحياناً، أحياناً بالجُملة وأحياناً بالتفصيل، شيئ مُخيف جداً في فهم الدين، لذلك علينا أن نكون واقعيين، وأن نكون عادلين ومُنصِفين في تفهم مخاوف الآخرين، من أبناء الأمة، من علمانيين، ليبراليين، ومُسلِمين غير إسلاميين، هناك مُسلِمون يصلون ويصومون يا أخي لكنهم غير إسلاميين، ولا ينتمون إلى أحزاب وجماعات وتنظيمات وتشكيلات إسلامية، وليس عندهم قناعة ببعض ما تعتقده هذه الجماعات والتشكيلات، هم أحرار في هذا، وبالمُناسَبة عندهم مخاوف حقيقية من اليوم الموعود، يوم يحكم الإسلام بهؤلاء المُسلِمين، عندهم مخاوف، وأنا منهم، أنا عندي مخاوف حقيقية من هؤلاء وأمثالهم إذا حكموا، ولأكن واضحاً وصريحاً مع نفسي ومعكم، مخاوف حقيقية! كل السياقات والوقائع تدل عليها، لا تستبعدها بل تُؤكِّدها، شيئ مُخيف! علينا أن نكون واضحين، حتى لا نندم ندامة الكُسعي، ولات حين مندم! ويدفع الإسلام الضريبة، وتدفع حضارتنا ونهضتنا المأمولة والمرقوبة – إن شاء الله – الضريبة، وتتأخَّر هذه النهضة ربما ثلاثمائة أو أربعمائة سنة قادمة، علينا أن نكون واضحين.
طبعاً ضحالتنا أيضاً تُوجَد في جانب آخر، ضحالتنا المعرفية – غير الضحالة الروحية – تُساهِم في هذا، لا نستطيع أن نكون جرآء وجسراء وواضحين تماماً ومُتعمِّقين في طرح إشكالاتنا ومُواجَهتها، عندنا منطق عجيب في مُجامَلة الذات، يُجاوِره منطق عجيب في جلد الذات، ولا أدري كيف، تناقضات! تناقضات مُؤسَّسة على فهم غير مُستقِر وغير سليم وغير دقيق.
إذن لتكن هذه البداية، لتكن من هنا البداية، سأفتح مُزدوَجين ناعياً أختنا الشهيدة مروة الشربيني رحمة الله تعالى عليها، التي طالتها يد الغدر والخسة والدناءة والجنون التعصبي بلا شك، عاتباً على الجهات الرسمية في ألمانيا، التي لم تفه إلى اليوم باعتذار أو بتصريح يمسح أو يأسو جُرح المُسلِمين والمصريين بالذات، للأسف لم يفعلوها، نتأمَّل أن يفعلوها ولو في وقت قريب، أفضل للجميع هذا، لكن ما أُحِب أن أُذكِّر به في هذا السياق – لأن الخُطبة ليست عن هذا الموضوع المُؤلِم جداً للأسف والفاجعي، لكن أُحِب أن أهتبلها فُرصة لأُذكِّر – هو الآتي.
(انظروا إلى كم الغيظ والحنق والمرارة والألم الذي يعتصر قلوبنا بشهادة هذه السيدة الشهيدة! شهيدة الظلم والعصبية والعنصرية، أليس كذلك؟ كم عجيب جداً، تأدى بنا إلى الآتي، أنا استمعت في شاشات فضائيات مصرية إلى مُذيعات لسن مُلتزِمات حتى دينياً، لسن مُحجَّبات، علمانيات مُتبرِّجات على أحدث طراز، تصم الواحدة منهن ألمانيا كلها بالعنصرية والعصبية، وتُريد أن نُعيد طرح السؤال، مَن الإرهابي إذن؟ ما شاء الله! ما هذا؟ أي منطق هذا؟ انتبهوا، علينا أن نتفهم إذن وبوضوح منطق الآخر، نحن ضربنا ضربات إرهابية في أماكن كثيرة من العالم بلا رحمة، لم نستثن أحداً، لا الشيوخ ولا الذكور ولا الإناث، ضربنا الــ Subway أو الــ Underground في لندن، أليس كذلك؟ ذهب في هذه الضربات المُسلِم مع غير المُسلِم والكبير مع الصغير، في مدريد نفس الشيئ، وفي أماكن أُخرى، ثم بعد ذلك كبارنا قبل صغارنا قال نُطالِب الغرب بأن يكون مُنصِفاً وعادلاً، وألا يكون مُتعصِّباً إلى هذه الدرجة، وألا يُعمِّم، والضربات ذهب ضحيتها آلاف يا حبيبي، آلاف من البرآء، نحن الآن أمام ضحية واحدة، واحدة وحيدة، أليس كذلك؟ ذهبت ضحية التطرف، نُريد أن نصم الغرب كله وألمانيا بكل ديمقراطيتها وعراقتها، وهناك أربعة ملايين وثلاثمائة ألف مُسلِم يعيشون فيها بسلام ووئام، بلا شك يُعانون من بعض الأشياء، والكل يُعاني، كل إنسان يُعاني، يُعانون من أشياء بسيطة، ولكنهم يعيشون في الجُملة في وضع أكثر راحةً – لنكن واضحين – من أي بلد عربي أو إسلامي، وأتحدى! أتحدى مَن يقول لي لا، هذا غير صحيح، يعيشون في مصر أو في السعودية أو في فلسطين أو في تونس في وضع أريح وأحسن، أتحدى مَن يقول هذا، يعيشون في وضع أريح وأكثر احتراماً وأكثر مُوقَّريةً، بسبب ضحية واحدة نُريد أن نصم الغرب كله وألمانيا كلها، وليس فقط المُلتزِم منا، بل حتى غير المُلتزِم، حتى المُتبرِّجات قلن هذا، ألمانيا أصبحت عندهن هكذا، وهذا من الغيظ، الغيظ! هكذا تُفكِّر الشعوب، وهكذا تُفكِّر القُطعان، لأن هذه طبيعة الشعوب، فانتبهوا.
هناك فُرصة لكي نُحاوِل أن نمشي في حذاء الآخر، أن نصطنع منظور الآخر، إذا نحن بضحية واحدة عندنا الحق فهم إذن بخمسة آلاف ضحية عندهم خمسة آلاف حق أن يصموا العرب والإسلام والمُسلِمين بأنهم قتلة وإرهابيون ووحشيون، أليس كذلك؟ طبعاً هم ليس عندهم حق، وطبعاً من باب أولى خمسة آلاف مرة ليس عندنا الحق أن نتهم حضارات وسياقات ومُجتمَعات ودولاً بكذا وكذا من أجل شخص مجنون، هذا مجنون، فعله الذي فعله فعل جنون، هو دمَّر نفسه ودمَّر غيره طبعاً، واستل خنجره يضرب شمالاً ويميناً، ضرب تقريباً ثلاثة أو أربعة أشخاص، يضرب في كل مكان كالمجنون، كأبي لؤلؤة المجوسي حين اغتال سيدنا عمر، هذا شخص واحد، وهو مُختَل بطريق ةمُعيَّنة من طرق الاختلال، فلماذا نُعمِّم؟ انتبهوا.
ولذلك علينا أن نتفهَّم مخاوف الآخرين، لكي نستطيع أن نُفهِم الآخرين أيضاً مخاوفنا، انتبهوا! ينبغي أن نكون هكذا، إذا لم نكن هكذا فالآخرون ليسوا هكذا، جميل! هم على الأقل لا يتبجَّحون بدين كما نتبجَّح نحن بدين نزعم – وهو الحق – أنه أمرنا بالعدل حتى مع العدو وحتى في ساح الوغى، هذا دين عجيب بفضل الله، هذا الدين إلهي، نحن نقصر عنه، نصغر عنه، نحن أصغر منه بكثير، هذه مُشكِلتنا، ليست مُشكِلة الدين، وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۩، حتى مع العدو، مع المُقاتِل، ومع الحربي اعدل، أنت مُطالَب بالعدل، كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۩، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ۩، هذا هو! شيئ عجيب، أين تجد مثل هذا النص؟ في ديننا هذا موجود، في قرآننا بفضل الله تبارك وتعالى).
إذا أردنا أن يفهمنا الآخرون لابد أن نتفهَّم أيضاً مواقف الآخر، الآخر المِلي والآخر خارج المِلة، المُسلِم غير الإسلامي – بغض النظر عن أي شيئ هذا مُسلِم -، المُسلِم العلماني، والمُسلِم الليبرالي، لابد أن نتفهَّم مخاوفهم من اليوم الموعود، يوم يحكم الإسلام، انتبهوا! هذا شيئ مُخيف، أصبح يُنذِر بأشياء مُخيفة، طبعاً – كما قلت – من السهل إذن أن نعتذر عن هذه الزاوية واصطناعها وعن هذا المنطق بأحاديث من جنس كذا وكذا، إذن لنأخذ الطرف المُقابِل.
في الحديث الصحيح إن الله – تبارك وتعالى – كتب كتاباً قبل خلق الدنيا، قبل خلق السماوات والأرض، فهو عنده تحت عرشه، إن رحمتي تسبق غضبي، إذن حُب الخير أكثر أو كُره الشر؟ حُب الخير، إذا أردنا أن نكون إلهيين ربانيين علينا أن نتشبَّع وأن نُستهتَر بحُب الخير أكثر بكثير من كُرهنا للشر، أكثر بكثير! خاصة في العلاقات الإنسانية والعلاقات البشرية.
أحد الفلاسفة الإنسانيين قال – وما أبدع ما قال! – حاول ألا تفتقد الإنسان الذي أمامك، هذا إنسان، زميل في العمل أو جار في الجوار أو أخ في الدين أو أخ في النسب أو صهر أو صديق أو معرفة أو زميل دراسة، أياً كان! حاول ألا تفتقده، لأنك في مائة مليار مجرة لن تجد إنساناً آخر، الإنسان عملة نادرة، انتبهوا! الإنسان كونياً عملة نادرة جداً، هو يقول في مائة مليار ونحن نقول في مائتي وخمسين مليار، لأن في أحدث التوقعات العلمية النظرية الكون يعج بمائتي وخمسين مليار – وبعضهم يقول أكثر – مجرة، كل مجرة في المُتوسِّط يكون فيها أيضاً من مائتي وخمسين إلى ثلاثمائة مليار نجم، وفي كل خمسين ألف نجم نجم واحد له كوكب، مثل الأرض، أي بلايين الكواكب، بلايين إلى الآن! إلى الساعة لم يثبت أن هناك حياةً وأن هناك بشراً آخرين في مُستوانا في أي كوكب آخر، لم يثبت، ربما هذا موجود وقد يكون مُرجَّحاً لكنه لم يثبت، فيقول إذن في هذا الكون العجّاج السحيق البعيد الوسيع المُخيف الذي يحتوي على مائة مليار – هذا في ظنه والآن أكثر – مجرة لا يُوجَد بشر إلا هذا، إذن قليل جداً جداً أن يُوجَد كوكب عليه ستة مليارات، والله هؤلاء قليلون جداً هؤلاء يا أخي، الستة المليارات قليلون جداً جداً جداً، كل واحد هو مشروع خلافة عن الله في الأرض، كل واحد عالم مُكرَّم، عالم كبير، لزوال السماوات والأرض – النبي يقول – أهون من قتل امرئٍ بغير حق، الآدمي بُنيان ربه ملعون مَن هدمه، أعظم بنية هذه، أعظم تكوين هذا، نادر جداً هذا، ليس موجوداً في كل مكان، احتفظ به، احتفظ!
بعض الناس سريع التفريط بأقرب الناس إليه، بصديقه أو بأخيه أو بنسيبه أو بصهره أو بزميل دراسته أو بأخيه في المسجد، ببساطة! هل تعرفون لماذا؟ لأنه ضحل، هذا المُفرِّط إنسان ضحل، فقير، لم يفهم الحياة، إلى الآن لم يفهم الحياة، يظن أن اليورو والدولار والذهب والفضة أغلى من هذا الإنسان، لا يُوجَد ما هو أغلى من الإنسان، قد يقول لي أحدكم ما معنى أنه لا يُوجَد ما هو أغلى من الإنسان؟ هل ينبغي أن أُحِب الناس كلهم؟ طبعاً، لأن هذه المُشكِلة، لا تستطيع أنت تفعل هذا لأن لديك فقر وضحالة، أنت فقير وضحل.
انتبهوا يا إخواني، بعض الناس يظن أنه يُمكِن أن يُحِب الله أو يُمعِن في حُب الله بل قد يظن نفسه محبوباً لله ومن أحباب الله لكن من غير أن يعبر محطات حُب البشر بتجارب حقيقية صميمة مع البشر، أنا أقول لكم هذا مُستحيل، أنا شخصياً لا أستطيع أن أفهمه، ولن أستطيع، يستحيل أن تقول لي أنا أُحِب الله من غير محبة البشر، يستحيل! هذا غير مفهوم، لذلك انتبهوا، يُوجَد جُزء كبير قد يُفسِّر أيضاً الضحالة التي نُعانيها الموقف من المرأة، نقول المرأة، ولا تُوجَد مرأة مُجرَّدة، هناك المرأة، تلك المرأة، وهذه المرأة، وأختي، وزوجتي، وابنتي، وعمتي، وخالتي، وجدتي، هذه المرأة التي أعرفها، أليس كذلك؟ التجريد يخدعنا، الموقف من النساء إذن – هذا أحسن من أن نقول من المرأة، أي أن نقول الموقف من النساء – هو أيضاً أحد أسباب ضحالتنا الروحية، لماذا؟ لأنه موقف يقوم على التنكر لها ومُجافاتها وظلمها، وأنها الشر الذي لابد منه، وأن الشيطان أعارها عقله، وأنها كذا وكذا، وأن النساء كذا وكذا، وهذا كله غير صحيح، غير صحيح بالمرة! وطبعاً هذا نفاق، جُزء من النفاق الذي تعيشه العقلية العربية والإسلامية، نتبنى هذه الأشياء – في نفس الوقت – ونحن لدينا ولوع وتعلق عجيب بجوانب مُعيَّنة في المرأة، للأسف طبعاً ليس بالمرأة كإنسان، لا تستطيع أن تشعر شعور الإيمان ولا أن تخوض تجربة الإيمان – أنا أقول لك الكاملة التامة – إلا عبر المرأة أيضاً، لأنها شطر الإنسان الآخر، الإنسان هو رجل وامرأة، إذن عبر الشطرين تستطيع أن تعرف نفسك كإنسان لتعرف ربك، إذا عرفتَ نفسكَ كذكر فقط أو كرجل وإذا عرفتِ نفسكِ كامرأة فقط فستخوض نصف تجربة الإيمان أو أقل حتى، أقل من هذا، انتبه! هذه مسألة مُهِمة جداً جداً بعيداً عن التسييقات الاجتماعية والأنثروبولوجية، أنا أتحدَّث عن الأُفق الروحي الآن للمسألة، الأُفق الروحي! الموقف من المرأة بما له علاقة بمسألة التجربة الروحية، يجب أن نكون واضحين هنا مع أنفسنا، التجربة الروحية!
إذن كُره الشر وحُب الخير، بعض الناس يقول لا، أيضاً هذه سفسطة عقيمة، لماذا يا سيدي؟ يقول المسألة واضحة، إذا كنا نكره الشر بالحري فنحن نُحِب الخير، واضح جداً! بمقدار كُرهنا للشر نحن نُحِب الخير، لماذا تُجادِل يا رجل؟ أقول له أنت لا تفهم الأمر جيداً، المسألة غير واضحة عندك، أنت تظن أنها واضحة، لكنها ليست واضحة بالمرة، ونُمارِسها في التباسها واشتباهها وفي لا وضوحها، كيف؟
يُمكِن أن نتقبَّل هذا لو كنا نعيش – أيها الإخوة والأخوات – في عالم منطقي، عالم مُجرَّد، يخضع للحساب الدقيق، محسوب ومُقدَّر بتقديرات صارمة، أي عالم الحواسيب، ويُمكِن تقبَّل هذا في المنطق، في المنطق الأرسطي – أي في الــ Formal logic هذا، في المنطق الأرسطي صحيح – لو قلت لي أكره الشر لانبغى بمقدار ما تكره الشر أن تُحِب الخير، ولو قلت لي أُحِب الخير لانبغى بمقدار ما تُحِب الخير أن تكره الشر، هذا واضح جداً، لكن أنت لا تعيش في هذا العالم، وأنت لست كمبيوتر Computer، لست حاسوباً، ولست ملكاً، ولست كائناً مُجرَّداً كالعقل الفعّال والعقل الفيّاض والعقل الكذائي – عقول الفارابي وابن سينا والكلام الفارغ هذا -، لا! أنت بشر من لحم ودم، ابن نفسك، ابن تجربتك، وابن المُجتمَع، وسأُوضِّح لك حتى لا أكون مُلتبِساً أيضاً.
مَن منا يُحِب الجهل؟ لا أحد، مَن منا يُشرِّفه أن يُنسَب إلى الجهل – نقول له يا جاهل -؟ الكل يغضب من هذا حتى الجاهل، طبعاً هو جاهل، وحتى لا يفك الخط، لا يعرف كيف يقرأ الكلام العادي، يغضب إذا نُسِب إلى الجهل، حين تقول له يا جاهل يقول لك لماذا تقول لي يا جاهل؟ ويزعل، ويُمكِن أن يحدث بسببها أشياء أكبر من هذا، أي من الزعل أو الغضب، جميل جداً! كلنا نكره الجهل، أستطيع أن أجزم بهذا، صحيح! لكن مَن منا يُحِب العلم؟ أرني هذا، أين البراهين يا أخي؟ حُب علم ماذا؟ بعض الناس الآن حتى الخُطبة هذه تثقل عليه، يقول لك يا أخي أُريد ما قل ودل، هلكتنا يا رجل، اختم، لا يُريد! علم ماذا؟ وكلام فارغ ماذا؟ لكنه يكره الجهل، فانتبهوا! هل تعرفون لماذا؟ لأنه ليس حاسوباً، ليس كائناً أرسطياً، ليس عالماً من منطق وحساب، هو بشر بكل تعقيداته، بكل تجاربه، بكل هشاشته، بكل دوافعه الواعية واللا واعية، انتبهوا! هو يكره الجهل ويكره أن يُنسَب إليه لاعتبارات نفسية، يعي بعضها ويجهل أكثرها، ولذلك هو يكره الجهل ولا يُحِب العلم، واضح! يُمكِن في عالمنا هذا أن يحدث، يحدث! في عالم المنطق والحساب هذا لا يحدث، انتبهوا! هذا يحدث في عالمنا.
ولذلك سأُوضِّح لكم ما نحن بصدد شرحه وتبيانه، يقول أكره الشر، تكره الشر ولا تُحِب الخير، كيف يا سيدي؟ نعم، تكره الشر، أنت لا تكره الشر لذاته، أنت تكرهه لكرهك البشر الذين تود أن تنعتهم دائماً بالأشرار، لكي ترى اعتذاراً وتبريراً، لكي تُترجِم عن اعتذار وتبرير، تُوجِد وتُبلوِر اعتذاراً وتبريراً لكُرهك للبشر، بعض الناس لا يُعجِبه العجب ولا الصوم في رجب، وهو غير مشروع، أي الصوم في رجب، خلافاً للعامة، على كل حال مشروعاً كان أو غير مشروع – أي الصوم في الرجب – لا يُعجِبه أي شيئ، وطبعاً يتوسَّل الحُجة الدينية والنص الديني وكُره الشر، يكرههم لأنهم لا يُصلون، يكرههم لأنهم… لأنهم… لأنهم… إلى آخره! ويقضي عليهم، ويحكم عليهم، ويا ويل أحدهم – كما قلنا لكم – إذا ضُبِط مُتلبِّساً بكبيرة، خاصة كبيرة الانتحار هذه أو غير الانتحار، انتهى! هذا من أهل جهنم، هذا لا أمل له، لعنة الله على هذا البعيد، انتهى، والأحسن ألا يُصلى عليه، فظاعة! فظاعة مُخيفة جداً جداً، أين هذا؟ أين العشق؟ أين الحُب؟ أين الرحمة؟ وأين التحنان؟ مَن لا يَرْحمْ لاَ يُرْحَمْ، هو غير مرحوم، انتبهوا! هو غير مرحوم، صدِّقوني! هو فقير حتى من كثير من رحمة الله، قد يقول لي أحدكم كيف؟ كلنا في رحمة الله! طبعاً هذه الرحمة العامة، وهو رحمن رحيم، بالمُؤمِنين رحيم، ورحمن بالدنيا وما فيها – بكل ما فيها – وبالأكوان كلها، صحيح! لكن هو فقير إلى رحمات خاصة من رحمات الله، في رأس هذه الرحمات رقة القلب، جودة العين التسكاب الهتون، هذا ليس عنده، لا يمتلك عيناً هتوناً سكّابةً بالدمع، لا! أين هو؟ جافة، قلبه قاسٍ غليظ والعياذ بالله، لسانه سليط كالمبرد أو كالسكين الماضية والعياذ بالله، غير مرحوم! من أين أخذت هذا المعنى؟ من قول النبي عليه السلام، النبي قال هذا، حين رأوه يبكي على ابنه قالوا له أتبكي وأنت رسول الله؟ أي كأنهم رأوا أن هناك تعارضاً بين أن يكون رسولاً يُناجي الملأ الأعلى ويُنادِم الصفيح الأرقى وأن يسكب الدمع على ابنه إبراهيم عليه السلام، قال هذه رحمة، ولا تُنزَع الرحمة إلا من شقي، رحمة! جعلها الله في قلبي وفي عيني، فأنا أحمد الله عليها.
لذلك لو سألنا سائل ما هو أنبل شيئ في الإنسان؟ لقلنا دموعه، أنا أقول لكم إنها دموعه، دموع الرحمة فيه، أنبل شيئ في الإنسان! لا تقل لي عقله، إياك أن تقول لي عقله، كيف تقول عقله؟ هذا العقل وصفه فيلسوف الإسلام محمد إقبال، رحمة الله عليه، وروَّح الله روحه، هذا العالم الكبير من الفيوضات والرحمات والشعر الإلهي الرائق الإنساني، في أعمق مُستويات الإنسانية! قال المرض العضال الشيطاني للغرب – الغرب هذا المُعاصِر- هو العقل بلا عشق، نعم! هذا هو، طبعاً هو استمد هذا واستفاده من أستاذه الروحي الكبير جلال الدين الرومي، الذي قال العقل والذكاء والدهاء بضاعة إبليس، العشق رأس مال أبينا آدم، الله أكبر! الله أكبر! هذا هو، إياك أن تجعل خُطتك في التواصل مع البشر العقل والحساب، إياك! هذا أقبح ما فيك.
بعض الناس يظن أنها خُطة ناجحة وطيبة وتُعلي من شأنه في المُجتمَع، إذا جلس يتحدَّث مع الناس – مثلاً – تقريباً لا يكاد يترك مجالاً لأحد، لأنه يعرف كل شيئ، حين تتكلَّم يقطع عليك، ويقول لك هذا صحيح ولكن… أكثر شيئ نكره كبشر نحن هذه الــ لكن من هؤلاء المُتمعقِلين، انتبهوا! بعض الناس يفعل هذا، هؤلاء اللاكنيين يقول الواحد منهم هذا صحيح ولكن… أي دائماً أنا أذكى وأنت أنقص، دائماً بــ لكن هذه أنا أكمل وأنت أنزل، دائماً أنا أعلم وأنت أجهل، دائماً أنا ذكي وأنت غبي، ما هذا؟ لعنة الله على لكن هذه، هذا صحيح ولكن… أو هذا غير صحيح ولكن الصحيح هو… ما هذا يا رجل؟
يأتيك أحدهم ليُحدِّثك عن شيئ آلمه وأحزنه وربما كرثه فيقطع آخر حديثه، والله بعض الناس – أُقسِم بالله – هكذا، أنا رأيت بعض الناس يأتي ليتحدَّث عن مُصيبة أصابته – مُصيبة يا أخي، يا أخي فقد عزيزه وفقد حبيبه، اتركه يتحدَّث – فيقطع عليه مُباشَرةً، يقول له نعم، وأنا قبل عشرين سنة حين ماتت عمتي حدث كذا وكذا، هل صدعت قلبك عمتك؟ أصدعت قلبك؟ ما هذا الكذب؟ ما هذا الدجل؟ يا أخي اتركه يتحدَّث عن ابنه الذي مات، اتركه يا رجل، يقول هذا صحيح، هذا صحيح لكن – والله – قبل عشرين سنة حين ماتت جدتي أو أخت بنت عمتي حدث لي كذا وكذا، أنت ماذا؟ هل أنت محور الكون؟ عجيب! هذا الرجل عجيب.
ستقول لي نعم، أخشى أن أكون مثل هذا، لكن هذا شخص عجيب مُخيف فقير وضحل جداً، في كل شيئ يتحدَّث، تُريد أن تُدلي بشيئ في السياسة فيقطع عليك، يقول هذا التحليل غير صحيح، أنا قرأت في تقرير سري – لأنه محمد حسنين هيكل – كذا وكذا وكذا، يقطع عليك! أنت لا تفهم شيئاً، انظر إلى هذا الضحل الفقير الذي يتواصل بالعقل والحساب، عنده حساب بنكي، ولذلك التواصل بالعقل هو تواصل بالمحسوب، انتبه! أين إذن التواصل بغير المحسوب؟ أين التواصل بالمُشاع؟ أنا لست مع ديكارت Descartes الذي قال العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر، غير صحيح! هذا كلام فارغ تجريدي، لا! الصحيح هو أن القلب أعدل شيئ قسمة بين البشر، هناك العشق، الحُب، والضعف الإنساني الذي فينا، الضعف! قد يقول لي أحدكم هناك الرحمة، ما علاقة الرحمة بالضعف؟ طبعاً هناك علاقة، الرحمة تكون لماذا؟ للضعف، نقول ارحم ضعفنا، ألا ندعو بهذا على المنابر؟ نقول ارحم ضعفنا، الرحمة تكون للضعف، أليس كذلك؟ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ۩، أي في كبرهما، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ۩… أصبحا كبيرين هرمين مُتهدِّمين ضعيفين، يحتاجان الآن إلى ماذا؟ إلى الرحمة، قال وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ۩، حين كنت صغيراً ضعيفاً، أحتاج أيضاً إلى ماذا؟ إلى الرحمة، الضعف هو ما يستدعي الرحمة، انتبهوا! الضعف، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ۩، وهذه فلسفة إنسانية، فلسفة تواصل، كيف؟ انتبهوا!
كل ما يُمكِن أن يُخفِّف عن الإنسان الذي أمامك والذي هو مكروث بفشل – بفشل في الحياة أو في الزواج أو في الدراسة أو في التجربة الروحية، أو بفشل في أي شيئ – أو مكروث بفقد حبيب وديد – من أودائه ومن أحبائه – أو مكروث بأي معنى من المعاني هو رحمة، كل ما يُخفِّف عنه هو رحمة، لماذا؟ لأنه يجبر كسره ويُقوِّي ضعفه، المسكين يأخذ ضعفه بكل عين اعتبار، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ۩، فخفِّف عن الضعفاء، خفِّف دائماً، خفِّف! خفِّف ولا تُطلِق اللسان ولتكبر أُذناك، الأفضل أن يكون لنا آذان كبيرة من أن تكون لنا ألسنة طويلة.
النبي – عليه السلام – من أعظم سماته التواصلية البشرية على الإطلاق أنه كان يستمع كثيراً للناس، لمشاكلهم، لآهاتهم، لتأوهاتهم، لتطلعاتهم، لإشكالاتهم، ولضعفهم، النبي كان يسمع كثيراً جداً، هل هناك مَن هو أذكى منه؟ هل هناك مَن هو أعلم منه؟ حاشاه وكلا، لو كان النبي على طريقة هؤلاء الفقراء الضحلين المُتصحِّرين لما ترك أحداً يتكلَّم، مَن يتكلَّم في حضرتي؟ سيقول، أنا أعرف كل شيئ، سيقول هذا ويتكلَّم في كل شيئ، لكن المسألة ليست مسألة معلومات، نحن نظن أن مسألة التواصل مسألة معلومات ومعارف، هذا الذي آتاك يبكي أتظن أنه يُريد منك معلومات؟ للأسف علماء الدين يقومون بهذا الدور، كيف؟ طبعاً يقومون به، إذا أراد أن يُعزيك أحدهم كيف يُعزيك؟ يُعطيك المسكين معلومات، يُذكِّرك بآيات وأحاديث أنت تحفظها أحسن منه، نحن نعرف الآيات هذه يا حبيبي، ونعرف الأحاديث، بالعكس! هل تعرف كيف يكون العزاء أحسن من أن تُذكِّرني بهذه كله؟ ذكِّرني – لا بأس – سريعاً بآية واحدة وبحديث، واتركني أبكي، لابد للمصدور أن ينفث، اتركني أنفث، اتركني أتكلَّم وأنت تستمع، ابك معي، ابك لبكائي، ادمع بدمعي، أيها العالم وأيها الشيخ الجليل والوقور اترك الكلام، اترك الخطابة والوعظ، اجلس واستمع وابك، دموعك هذه أحسن من الدنيا وما فيها، أعظم عزاء بإذن الله تعالى، مَن عزى مُصاباً فله مثل أجره، بمثل هذا العزاء، لا بالمواعظ واستجلاب النصوص، يعرفها المسكين المكروث هذا.
ولذلك يقول الله تعالى وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۩، من كثرة ما كان يسمع ويسمع للكل ويُطيل الاستماع – يُطيل جداً – قالوا هُوَ أُذُنٌ ۩، هو مُجرَّد أذن، آذان فقط! كله آذان، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ۩، هو خير يا جهلة ويا مُتصحِّرون، الله يقول لهم – للمُنافِقين هؤلاء يقول – يا جهلة ويا مُتصحِّرون هو خير لكم لو كنتم تعلمون، لكن كيف نُمارِس هذا في الحياة؟
ولذلك أنا أقول لكم من تجربتنا الشخصية فرداً فرداً لا نُحِب ولا نرتاح لهؤلاء المُتعالِمين، أصحاب المعلومات الغزيرة، الذين ليس عندهم لا وقت ولا طوق نفسي لكي يستمعوا إلينا، لا نُحِبهم، ونُحِب البُسطاء الوادعين الجهلة الأُميين الذين يبكون معنا ويستمعون إلينا، أليس كذلك؟ نُحِب هؤلاء جداً ونُحِب أن نلتقي بهم، فكُن من الثاني ولا تكن من الأول، لا تكن جاهلاً، لكن كُن مُستمِعاً تماماً، تواصل بالقلب، لا بالعقل، تواصل بالمُشاع هذا، تواصل بالشركة الإنسانية التي بيننا، لُغة العشق بضاعة أبينا آدم، بل رأس مال آبينا آدم، العشق هذا رأس مال أبينا آدم، ثم إن هذا الرأس مال هو رباني، انتبه! والله العظيم هذا لا يُشترى بمال، ولذلك أنا قلت لكم أنبل ما في الإنسان دموعه، دموع الرحمة على وجنتيه، أنبل ما في الإنسان على الإطلاق والله العظيم، أنبل من أعظم مُحاضَرة يُلقيها أحدهم في فلسفة النفس، دمعة تتحدَّر على وجنته الطيبة الكريمة، شيئ كبير هذا، شيئ كبير!
النبي كان كذلك، يبكي لأبسط الأمور في نظر الناس، يبكي مُباشَرةً ويستعبر، ونحن نرتاح لهؤلاء البشر، يجفوهم فقط الجُفاة الغلاظ، لا يُحِبون هذا، يُحِبون الاخلاق النيتشوية، أخلاق القوة والجبروت، يُحِبون السوبرمان Superman، وهذا غير صحيح، هذا الإنسان التاعس، هذا الذي سينتهي في الأخير بالجنون كما انتهى نيتشه Nietzsche، لا! ليس هذا الإنسان، انتبهوا.
ولذلك أقول لكم هذا الجانب هو جانب إلهي رباني، قال هذه رحمة، ولا تُنزَع الرحمة إلا من شقي، لا تُنزَع الرحمة إلا من هذا، فالبكاء رحمة، وكذلك حنين القلب والرقة وقشعريرة البدن وألم الفؤاد وانصداعه على مصائب الناس وأحزانهم وضعفهم وهشاشتهم وذنوبهم وتدليهم وعثارهم، سيقول لي أحدكم ما هذا؟ هل أنت صوفي؟ كيف هذا؟ هل أنت صوفي؟ هل تُريد أن تُسوّي بين الخطيئة وبين العبادة؟ انتبهوا! هنا يُوجَد خلط بين أمرين، نحن لا نتساهل مع الذنوب، لا! لا ينبغي أن نتساهل مع الذنوب، لسنا وحدويين ولسنا إباحيين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن نتساهل مع المُذنِبين، نتساهل مع الخاطئين، نتساهل مع العاثرين، نتساهل مع أصحاب الزلل، ولا نتساهل مع الذنب، ولا مع الزلل، ولا مع الخطيئة، انتبهوا! إذن كيف؟ الحرام حرام، السرقة سرقة، الفاحشة فاحشة، الكذب كذب، والانتحار انتحار، لا يُمكِن أن يأتي أحد ويُحسِّن هذه الأشياء، يقول هذه أشياء طيبة، تطيب بها الحياة وتحسن بها وتجمل بها الدنيا، مُستحيل، أعوذ بالله، بالعكس! هذه تُفسِد أشياء كثيرة، ولكن لو وقع فيها أحدهم وابتُليَ بها علينا أن نتساهل معه، وعلينا أن نرحمه.
ماذا قال النبي حين شُهِد على ماعز الأسلمي؟ جاء قريبه هزّال وشهد عليه، قال أنا الذي أغريته، وذكرت هذا في الخُطبة السابقة عن الأنسنة، النبي قال له ماذا؟ قال له يا هزّال لو أنك سترته بطرف ردائك لكان خيراً لك، هل شاطر – قال له – أنت؟ هل تظن أنك شاطر جداً بهذا؟ هل أنت انتقمت لحدود الله؟ هل أقمت حدود الله؟ النبي قال له، لماذا لم تستره؟ قال، أنت رأيت أنه تاب، انتهى إذن الأمر، عليك أن تستره، لكنك أتيت به حتى وقع ما وقع، انتبهوا إلى هذا، نحن لسنا كذلك، نحن لدينا عقلية قانونية، عقلية تشريعية، ليست عقلية ربانية، ليست مزاجاً ربانياً، ليست ثقافة ربانية، فيكف هذا؟ كيف هذا الأمر يكون إلهياً ربانياً؟ كذلك!
في الحديث المُخرَّج في الصحيحين من حديث أبي هُريرة – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين – يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – إن لله مائة رحمة، وهذا الحديث معروف لكم جميعاً، أنزل منها فيها – في هذه الأرض، في هذه النشأة، في هذه الدنيا – رحمة واحدة، رحمة من مائة! فبها تتراحم الخلائق، ترحم الأم ابنها أو أولادها والأب كذلك، هذا المعنى يفقهه تماماً أب له أولاد وأم لها أولاد، يقول هذا صحيح فعلاً، يقول أنا أنطوي على رحمة لأولادي، ووالله – يقول هذا وهو صادق – أنا مُستعِد في كل لحظة من حياتي أن أُضحي حياتي في سبيل بقائهم وهنائهم، وهذا صحيح، نقول يا سلام! شيئ جميل، ما هذه الرحمة؟ من أين؟ من أين هذا الفيض؟ النبي قال وليس هذا فحسب، قال هذا ليس في عالم الإنس والجن فقط، لا! قال حتى ترفع الفرس حافرها، لئلا تطأ ماذا؟ فصيلها أو مُهرها أو ابنها، لا تُريد أن تطأ عليه، الفرس هكذا، وأي دابة هكذا، الدواب كلها طبعاً تفعل هذا، حتى الذئبة، الذئبة شديدة الحُب لابنها الذئب الصغير، واللبؤة شديدة العشق لليثها الصغير، الكل هكذا، كل الحيوانات تفعل هذا، حتى الحية، كل شيئ! فهل هذا كله من رحمة الله؟ كل هذا من رحمة الله، كل هذه أنابيب، أوعية، ووسائط تنساب منها رحمة الله، الله يرحم أبناءنا بنا وعبرنا، نحن أنبوب ووعاء يتقبَّب الرحمة، وتنساب منه الرحمة إلى الأبناء وإلى الناس وإلى الضُعفاء، عبرنا!
قال وادخر تسعاً وتسعين رحمة، قال ادخر تسعاً وتسعين رحمة! فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إليها، فعُدنا كم؟ مائة رحمة، يرحم بها خلائقه أو خلقه، الله أكبر! لذلك كل الصحابة الذين قالوا أبشِروا فسوف ترون من رحمة الله ما لم يخطر على بال بشر صدقوا، هذا الله! كل الوجود من تجلي رحمته يا إخواني، كل هذا الكون وكل الوجود – ما علمنا منهم وما لم نعلم – هو من تجلي رحمته، لا إله إلا هو! فالآن هذا الجُزء رباني فينا، كيف هو رباني فينا؟ حين تكون رحيماً يعني ذلك أنك تكون وعاءً يَفيض أو يُفيض الله – تبارك وتعالى – عبره رحمته على خلقه، عبرك أنت! يرحمهم بك، ويرحمهم عبرك.
ولذلك سأُلخِّص مذهب الإنسية أو الإنسانية الإسلامية – أي الـــ Islamic Humanism – بهذه الجُملة التي أختم بها هذه الخُطبة، وهي من الإنسان إلى الإنسان عبر الله، هذا جوهر إنسانيتنا، إذا سألك فيلسوف أو مُستشرِق أو رجل دين غربي أو أياً كان وقال لك ما هي الإنسانية في الإسلام كما تفهمها؟ قل له أنا أفهمها تماماً وأرجو أن أعيشها على أنها مني إلى أخي، مني كإنسان إليك كأخ في الإنسانية، إليك كإنسان، عبر الله وبالله، الله أكبر! وما كان بالله وعبر الله هل ينفصم؟هل ينقطع؟ هل يضعف؟ وهل يخيب؟
نسأل الله أن يُفقِّهنا في دينا وأن يُعلِّمنا وأن يرحمنا ويرحم بنا، اللهم ارحمنا لترحم بنا، يا غفور، يا رحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الخُطبة الثانية)
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد، أيها الإخوة:
نتساهل مع المُذنِب ولا نتساهل مع الذنب، وقد ورد وصح أن الله غفر لبغي بسقياها كلباً، وغفر لرجل بأنه نحى من سابلة الناس غُصن شوك، فرآه النبي يتقلَّب في بحبوحة الجنة بغُصن شوك نحاه من طريق الناس، أحب أن يُخفِّف عن الناس، أن يدفع عنهم الضر، وغفر الله لرجل بالتوحيد، يا ابن آدم لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا – أي بما يقرب من ملئها، ملأت الأرض خطايا – ثم لقيتني لا تُشرِك بي شيئاً غفرت لك ولا أُبالي.
إذا كنا نعلم هذا وهذا ما أتت به النصوص فالآن يأتي السؤال الذي أختم به، وهو ما الباقي؟ لكن هذا لابد أن يأتي بعد إضافة أُخرى، انتبهوا! يُمكِن إذن أن يُغفَر لأحد بتوحيده، مع أنه فعل ما فعل، يُمكِن! لا أحد يقول لا، لن يُغفَر له، مَن يقول هذا مُمكِن أن يدخل النار، مَن ذا الذي يتألى علىّ ألا أغفر لعبدي؟ اذهب فقد أوجبت لك النار وغفرت له، أخرجه مُسلِم، إياكم! إياكم أن تقولوا هذا، والنبي قال والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يُفعَل بي، لا تستطيع أن تضمن الجنة لأحد ولا تستطيع أن تُدخِل أحداً النار من هذه الأمة، لا تستطيع! اترك الخالق للخالق كما يقول السادة العارفون، لكن الآن لم يبق مجال لتفسير هذه العبارة المُلتبِسة أيضاً، لكن إذا كان الحال كذلك وإذا كان الأمر كذلك فما الباقي؟ وفي نفس الوقت الغيبة مُحرَّمة، مُحرَّم أن تغتاب الناس، لا تقل هذا البعيد سرّاق، هذا من الزُناة، هذا سكّير، هذا كذا وكذا، ممنوع الغيبة، ما الفائدة منها؟ ممنوع! هذه من الكبائر، والشماتة مُحرَّمة، لا تُظهِر الشماتة بأخيك، فيُعافيه الله ويبتليك، ممنوع أن تشمت، لا تقل هذا البعيد في الأخير هو كذا وكذا، ها قد رُميَ في السجن لأنه كذا وكذا، ها هو يفعل كذا وكذا، إياك! الشماتة ممنوعة، الغيب ممنوعة، إشاعة الفاحشة بذكر أخطاء الناس في الناس ممنوعة، أليس كذلك؟ الحُكم عليهم بأنهم من أهل الجنة أو من أهل النار ممنوع، ما الذي يبقى؟ أنا أسألكم، هذه فلسفتنا هنا، ما الذي يبقى إذن؟ يبقى أن ندعو لأنفسنا ولإخواننا بالصلاح والعافية والخير، وأن نكل أمر المدينين إلى الديّان، لا إله إلا هو! لسنا الديّانين، الديّان هو الله، انتبهوا!
هذا لا يعني أن نقول عن الحرام إنه حلال، الحرام حرام، الحلال حلال، والفواحش فواحش، لكن مَن ارتكب شيئاً منها أمره إلى الله، نسأل الله أن يغفر له وأن يرحمه وأن يُصلِحه.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وأصلِحنا وأصلِح بنا واهدِنا، اللهم لا يهدي إلى أحسن الأخلاق إلا أنت فاهدِنا إلى أحاسينها، ولا يصرف سيئها إلا أنت فاصرف عنا سيئها، لبيك وسعديك والخير كُله بين يديك، إنا بك وإليك، لا إله إلا أنت سُبحانك…
(ملحوظة هامة) للأسف هذا المقطع غير مُكتمل.
(10/7/2009)
http://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan