بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ

وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين

اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط أمين اللهم آمين الحمد لله ربّ العالمين , يا رب لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما تحب وترضى والصلاة والسلام على أشرف خلائق الله أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمين وعلى اله الطيبين الطّاهرين وصحابته الميامين المباركين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين إخواني وأخواتي اخرج الإمامان الجليلان في صحيحيهما البخاري ومسلم من حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال :قال صلى الله عليه وسلم “إنّ رجلا ممن كان قبلكم رزقه الله مالا فلمّا حضر قال :أي بنيّ أيّ أب كنت لكم قالوا خير أب قال فإني لم اعمل خيرا قطّ فإذا انأ متّ فخذوني واحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في ريح يوم عاصف فلان قدر الله علي ليعذّبنّي عذابا شديدا .ففعلوا به مثلما أوصاهم فجمعه الله تبارك وتعالى قال ما حملك على ما فعلت ؟ قال خشيتك يا رب .قال وتخشاني؟ قال نعم. فاستقبله برحمته .رحمه الله على انه لم يعمل خيرا واصرف على نفسه . نسأل الله ان يوسع لنا في رحماته في الدنيا والآخرة انه الرؤوف العفوّ الكريم البرّ الواسع الرحمان الرحيم . مازلنا في مسألة تجلي الله بالرّحمانية يوم القيامة وقد وقفنا في الحلقة السابقة عند مسالة الورود وفي ظن الكثيرين ان الورود هو المرور على السّراط وهو الجسر المنصوب على ظهر جهنم ومن الناس من يقع ومنهم من يجاوزه الى الجنة وكنا قد قلنا ان المرور على الصّراط ليس للمسلمين وليس للمؤمنين بل للكافرين وانا في هذه الحلقة نحاول التوسع للبرهنة على ما ذهبنا إليه . إخواني وأخواتي قلنا إنّ قوله تبارك وتعالى “وإن منكم إلاّ واردها ” يخصّ به الكفار والمشركين ولا يشمل عموم الخلق بما فيهم المؤمنين فالآية تقول ” وإن منكم ” فالسياق الكريم يدور على الإخبار على الكفار “فوربك لنحشرنهم ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشدكم …” كل ذلك إخبار عن المشركين وقوله تعالى “وإن منكم ” هو التفات . إنّ طرائق الحديث في اللغة العربية ثلاثة :التكلم (أنا نحن) والخطاب (انت، انتِ، انتما، انتم، انتن) والغيبة (هو ،هي ،هما ،هم ،هن ) والالتفات في علم المعاني هو تغيير وجهة الحديث وطريقة الكلام فبدل الاستمرار في الحديث عن الغائب بصيغة الغائب يخاطبه بصيغة المخاطب .وأقسام الالتفات ستة كلها موجودة في كتاب الله (التفات من المتكلم إلى المخاطب ومن المتكلم إلى الغيبة /ومن المخاطب إلى المتكلم ومن المخاطب إلى الغيبة /ومن الغيبة الى المخاطب ومن الغيبة إلى المتكلم /) إنّا أعطيناك الكوثر فصلي لربّك وأنحر.فالله سبحانه لم يقل فصليّ لنا وانحر بل قال فصلّي لربّك)هو:غائب) وهذا التفات من المتكلم إلى الغائب .وقال سبحانه :قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم (المتكلم هو الله) لا تقنطو من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا (التفات إلى الغائب) ولم يقل لا تقنطوا من رحمتي فإني أغفر الذنوب جميعا .والالتفات متواتر في لغة العرب مثل كاميرا التصوير التي تتحرك من جهة الى اخرى لتلتقط مساحات أوسع كذلك اللّغة العربيّة لغة تصويرية ومن أعجب الالتفات وأظهره في كتاب الله ما جاء في سورة يونس ” هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرينا بهم (لم يقل سبحانه وجرينا بكم بل قال وجرينا بهم ، فالتفت من المخاطب إلى الغائب) يتكلم معنا ثم يتكلم عنا كأننا غائبين وهو يخبر عنا وفي سورة مريم كان الحديث عن الكفر بصيغة الغائب ثم التفت يخاطبهم فانتقل من الغيبة الى الخطاب يقول”وان منكم إلا واردها “وهذا أبلغ في التخويف والترويع والترهيب وهو ترقّ في التهديد وإمعان في الوعيد.وقد يعترض بعض الناس فيقول”ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ” فأفادت أن المخاطب هم المشركون والمتقون لكن المتقين ينجيهم الله تبارك وتعالى وهذا الفهم مجانب للصواب لان “ثم” في هذا السياق لم ترد للدلالة على الترتيب الزمني بل هو ترتيب رتبيّ اي ترتيب في المكانة كأن تعاتب أحدا فتقول “أنت اليوم فعلت كذا وكذا ثمّ أنت بالأمس فعلت ما هو أشنع ” ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أراد ان يلمح الى هذا المعنى في حديث أم مبشر الأنصاريّة الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه تقول أم مبشر رضوان الله عليها كنت في بيت حفصة وكان عندها رسول الله صلى الله عليها وسلم فسمعته يقول “لن يدخل النار أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها” ويقصد بالشجرة السّمُرا في بيعة الحديبية فقالت له حفصة”بلى يا رسول الله فانتهرها النبي وقال لها :”صه” فقالت “قال الله تعالى وإن منكم إلاّ واردها ” فقال لها صلى الله عليه وسلم :” قد قال الله تعالى ثمّ ننجّي الذين اتقوا ونذروا الظالمين فيها جثيّا ” والجاثي هو القاعد على ركبتيه .فكأن النبي هنا يقول لها ان هذه الآية ليست في المؤمنين المتقين كأنما أشار إلى أن الترتيب هنا رتبي وليس زمنيا . ذهب كل علماء المسلمين ذهبوا الى ان الورود هو ورود في حق الجميع أما المؤمن فينجو وأما الكافر فيهوي في نار جهنم وأما بعض المؤمنين فيقع وينهض حتى يتطهر من ذنوبه إلا أن العلماء لم يجمعوا على ان هناك صراطا وجب ان نجتازه وصولا إلى الجنة وهذه ليست عقيدة ملزمة لا تخرج غير المعتقد فيها من المؤمنين وهي غير مذكورة في كتاب الله ولم تجمع عليها الأمة ولذلك أبو محمد علي بن حزم الظاهري لم يذكر عقيدة المرور على الصراط في كتابه مراتب الإجماع وليس في كتاب الله ذكر للصراط على انه صراط جهنم وهناك إشارات ضعيفة لم يتفق حولها على أنها صراط جهنم على ان العلماء الذين قالوا إن الورود هو في حق المؤمنين أيضا اختلفوا في تحديد معنى الورود .فبعضهم قال الورود هو الدخول في نار جهنم وهذا مجانب للصواب .والعلامة أبو حيان الأندلسي استشنع القول الذي يقر بسقوط المؤمنين في نار جهنم ثم تكون عليهم بردا وسلاما وترفع عن ذكره في كتابه .وهناك من قال في الورود هو المرور على جسر جهنم وهناك كمن فسّر الورود بمعنى مقاربة جهنم اي مشاهدتها عن بعد والإشراف عليها .ثمّ ينجي الله المؤمنين مما شاهدوه وهذا ما ذهب إليه فريق من المفسرين . أمّا مجاهد بن جبر وهو شيخ من شيوخ التابعين الذي اخذ التفسير عن ابن عباس مرتين فقد فسر الورود بالحمّى التي تصيب المؤمن في الدنيا .وقد اعتمد على حديث رسول الله صلى الله عليه واله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا عندما زار شابا في وعك (وقد توعك واعتل) فقال له ابشر فإن الله تبارك وتعالى يقول هذه اجعلها على عبادي وهي حظهم من جهنم .حظ المؤمن من جهنم هي الحمى التي تصيبه في الدنيا وقد ذهب ابن جبر إلى اعتبار هذا هو الورود والقول الأخير في الورود عند جمع من العلماء انه مشاهدة نار جهنم في القبر حيث تفتح نافذة للميت يرى من خلالها نار جهنم ويقال له هذا مقعدك منها قد أبدلك الله به خيرا منه مقعدا في الجنة .وهناك أحاديث لرسول الله تؤكد على أن هناك جسرا ينصب على متن جهنم ويؤمر كل الناس بالمرور عليه والأحاديث واردة حتى في الصحاح وقد أفادت هذه الأحاديث أن جهنم أشبه بالخندق هي حفرة كبيرة مستطيلة وعريضة يعلوها الصراط الذي يقع يهوي فيها هذا بظاهرة معارض لقول الله فجهنم في القران الكريم مغلقة ولها أبواب وقد قال تعالى في سورة الحجر ” لها سبعة أبواب وفي سورة الزمر ” حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها ” “قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها “أنها عليهم موصدة في عمد ممددة” .وأحاديث المرور على الصراط تفيد أن المرور أحادي كل فرد يمر لوحده في حين أن القران يفيد أن المرور على الصراط جماعات “وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ” وأعظم معارضة لهذه الأحاديث قول الحقّ “إن الذين سبقت لهم منا الحُسْنى أولئك عنها مبعدون ” والحسنى هي التديّن الجميل/الوعد الحسن والوعد الحسن هو ألا يرهق وجوه المؤمنين قتر ولا فزع فلا خوف ولا رهق بل هم عن جهنم مبعدون بمنجاة منها لا يسمعون صوتها “لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر ” فالورود للكفار وليس للمؤمنين الذين لا يفزعون يوم البعث بل هم مطمئنون غير محزونين ولا مفزوعين قال تعالى في سورة الأنبياء ” ان الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون “أي مبعدون عن جهنم أي لا يدركونها حتى حسيسها “لا يحزنهم الفزع الأكبر ” لان المؤمن يعرف حسابه ” تتلقاهم الملائكة ” ترحب بهم الملائكة وتطمئنهم “لا خوف عليكم ولا انتم تحزنون هذا يومكم الذي كنتم به توعدون ” وهذا من احسن البشريات الاسئلة : جوابا على سؤال سابق :كيف نتعامل مع فقير النّفس؟ الجواب : إذا كان هذا الإنسان يعاني حالة مرضية سيكوباتية فمن المستحسن تجنبه والابتعاد عنه أما إذا كان ما ياتيه صفات لازمة له لقسوة في قلبه وتشدد لعلاجه كن له قدوة وبين له ان في الناس الكرماء واللطفاء والرحماء فحتما سيتأثر بك ويحذو حذوك سؤال :هل الرحمة طبيعة أم ثقافة ؟ منبع الرحمة فطرة الله التي فطر الناس عليها لكنها قد تتأثر بالبيئة الثقافية الجغرافية في أخلاق الناس فقد تزهرها وقد تكبتها وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع .وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا على تأثير البيئة الجغرافية في أخلاق البشر في حديث له في الصحيح رواه أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم “أتاكم أهل اليمن ارق الناس أفئدة وألين الناس قلوبا الحكمة يمانية والإيمان يمان ورأس الفتن من جهة المشرق …الجفاء في أهل الوبر الفدادين(أهل البقر أهل الحرث )” ويقول احدهم من بدى جفا :أي كل من يعيش في البادية يتصف بالقسوة والجفاء يتطبعون بطبع الصحراء وكان الرسول صلى الله عليه ويسلم لا يعامل أهل البادية بمثل ما يعامل أهل الحضر سؤال “معنى قوله “الرحمان على العرش استوي الجواب :هناك تقريبا سبع ايات يذكر فيها سبحانه وتعالى استواءه على العرش وهذه الآية معترك الأنظار ومزلقة بين الصفاتية والمؤولة وما ارتاح أنا إليه استنادا إلى القران الكريم العرش في اللغة هو سرير الملك وهو أيضا السقف “خاوية على عروشها ” فالعرش الذي استوى عليه الله هو سقف الوجود والعرش هو الذي يدبر منه الوجود تدبيرا وهذا المعنى استقيناه من اقتران العرش بالتدبير فلا تحكم في الكون إلا بالاستواء “الآية 3من سورة يونس “ان ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوي على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه” العرش إذن سقف الوجود استوى عليه ليدبر الوجود ….والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: