المدرسة الإجمالية ضياء الدين سردار – العلم والدين – الحلقة 16

https://www.youtube.com/watch?v=-TczJ3uqyqM

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

إخوتي وأخواتي/

قد ترون أن موقفي من مدرسة سيد حُسين نصر – بارك الله في عمره، ومد في فُسحته – اتسم، أي إلى حد كبير، بالقسوة، ربما! وربما يراه بعضهم غير مُنصف، له الحق في ذلك، ليس لدي اعتراض، لكن أُريد فقط أن أقول شيئا واحدا!

هذا الشيء ربما أشار إليه المرحوم البروفيسور محمد عبد السلام النوبلي، الفيزيائي النوبلي الباكستاني، حين قال في تقديمه طبعا لعمل برويز هودبهوي Pervez Hoodbhoy – بمعنى الكلام قال – هنيئا! هنيئا للمسلمين بعمل سيد حُسين نصر، وبعمل ضياء الدين سردار! 

بهذه الطريقة – أي المعنى على ما ذكر – هما أديا أسوأ خدمة يُمكن أن تؤدى للعلم في عالم المسلمين! أبدا! هكذا قال البروفيسور محمد عبد السلام. قال بهذه الطريقة – ما شاء الله – فعلا هذا! 

أي هما فتا – يُريد أن يقول باللُغة العربية – في عضد المسلمين، إزاء العلم الحديث. كأنهما يقولان لنا لا تحتاجون هذا العلم، إليكم عنه، اتركوه! إذن، ريثما ماذا؟ ريثما نُعطيكم البديل. أين البديل؟ وهل تنظيراتكم هذه قادرة أن تُعطي البديل؟

فأُريد أن أقول بمُناسبة ربما ما لمستموه من قسوة في نقدي وفي تقييمي لعمل هذا الرجل المُحترم والفيلسوف الكبير حين كنا صغارا ومُراهقين وأغرارا، كنا ننحاز بطريقة نرجسية إلى كل شيء يبدو أنه ينحاز إلى ديننا وأمتنا المسلمة! 

لكن حين شببنا عن الطوق، وقطعنا علائق الطفولية والصبيانية، وبدأنا نتعانى مُعاملة الواقع والأحداث والظروف بحس عملي – بحس عملي، لا بحس هوائي مثالي نظري -، أدركنا أن مثل هذه الخُطوات وهذه المواقف تضر، ولا تنفع! تضر بالأمة والدين! تضر بالدين وحملته! وأننا يجب أن نكون أكثر وفاء لمُتطلبات التحديات، في وجه الأمة، وفي وجه دينها وعقيدتها، وبالتالي أن نتخذ مواقف أكثر عملية وجدية ووضوحا في الملفات الكُبرى، وهذا من أكبر ومن أهم الملفات: ملف العلم والدين، والموقف من العلم الحديث!

تعرفون لماذا؟ لأن الأمة تأخرت. وهذا مبحث وحده، والحمد لله مكتوب فيه كُتب ودراسات وإحصاءات كثيرة، من أهمها كتابات الفلسطيني – هو لُبناني، فلسطيني الأصل – أنطوان زحلان المسيحي.

هذا الرجل أوفى على الغاية، له أكثر من عمل أكاديمي مُحترم، عن وضع العلم والتقنية في بلاد العرب، وهو وضع غير مُفرح، وغير مُبشر، بالمرة! وهناك أرقام وأشياء وإحصاءات، والله صادمة! أنا سأخجل الآن من ذكرها؛ لأنها تقوم على المُقارنة، بين إنتاج العرب العلمي، مُقارنا بإنتاج إسرائيل. خزي! أُقسم بالله العظيم خزي! شيء يجعلك تشعر أنك ستذوب!

ولا عليك من هذه النزعة الاستعلائية، التي تجدها عند بعض المُثقفين العرب، وكأنه يظن أن العرب هؤلاء أعظم أمة، وأعظم علماء! وطبعا مثل هذه النزعات يتسم بها فقط الجهلة، الذين ليس لديهم مُعطيات حقيقية، عن الواقع والوقائع! فلذلك عندهم هذه الثقة المُفرطة.

الوقائع تتكلم بلُغة مُختلفة تماما. انظر، حتى الباكستان! والمُسلمون الباكستان هم هنود، أي نفس العرقية! وهؤلاء بالذات، هذا الشعب الهندي عموما، من أذكى الشعوب في باب الرياضيات، أليس كذلك؟ والرياضيات هي مادة الفيزياء! عندك رياضيات قوية، أنت فيزيائي ناجح. لا تُوجد رياضيات، لا تُوجد فيزياء، انس! انس! تبقى هناك فلسفة فيما بعد، وليس فيزياء!

مع ذلك هودبهوي Hoodbhoy يذكر – وصدمني – أن أحد العلماء الأمريكان، من الحائزين على جائزة نوبل Noble، أعتقد اسمه تينك Tink، صمم امتحانا في مُنتهى اليُسر والقُرب، لطلبة باكستانيين، على أن مَن نجح في هذا الامتحان، يأخذ منحة ليدرس في الإم آي تي MIT؛ معهد ماساتشوستس Massachusetts للتكنولوجيا! شيء من أحلى ما يكون! 

الامتحان بالطريقة الأمريكية، مئتا سؤال، فقط! في خمس ساعات! مئتا سؤال، أربعون دقيقة حتى كثيرة عليهم! لأنه خيارات ثلاثية فقط، وليست خُماسية! أربعون دقيقة كافية جدا! خمس ساعات! 

وصُمم الامتحان من هذا العالم النوبلي الفيزيائي، صُمم بأن الاختيارات العشوائية فيه – عشوائيا ضع خيارات -، تُكسب صاحبها حظا بنسبة سبعة وستين في المئة للنجاح!

العجيب؛ المُتقدمون – يقول هودبهوي Hoodbhoy، أستاذ الفيزياء الكبير! وهو فيزيائي كبير أيضا – كانوا بضع مئات، لم ينجح منهم أحد! نعم، نعم! هذا ليس العقل العربي، العقل الهندي الرياضياتي! لم ينجح أحد! 

لذلك دقوا ناقوس الخطر! أين الخطأ؟ أين الغلط؟ لماذا؟ هل نحن مُعوقون إذن؟ ليسوا مُعوقين، بالعكس! الهنود من أذكى الناس في الرياضيات! مناهج التعليم، مناهج الدراسة، العبث الذي نحن فيه هذا، الاستسهال والاستسخاف، عدم الجدية، هو هذا! موضوع ثان، ملف آخر. 

واضح أن حالتنا العلمية يُرثى لها، وحالتنا الثقافية عموما يُرثى لها! حالتنا الثقافية عموما يُرثى لها! وحالتنا العلمية أشد مرثوية – إن جاز التعبير -، أشد مرثوية – إن جاز التعبير -! فلا بُد أن نكون صادقين مع ضمائرنا ومع أمتنا، حين نتناول هذه المسائل. 

لو كنت مُقتنعا، سأقول لكم أنا مُقتنع تماما، ووجدت أن هذا الأسلوب وهذه الطريقة ستشتغل – بعون الله تعالى -. لا، لم أجد شيئا من ذلك! واضح أنها لن تشتغل. 

ولو قُدر لها أن تشتغل، لاشتغلت، عبر حوالي أربعين، خمسين سنة! لم تشتغل! لم تُنتج شيئا له قيمة حقيقية! فلماذا نظل مُتشبثين؟ لا بُد أن نرى بديلا آخر الآن. وسوف نرى ماذا يُمكن أن يُقترح طبعا!

فالآن أُريد أن أتكلم سريعا عن مدرسة ضياء الدين سردار؛ المدرسة الإجمالية. للأسف وجدت بعض المُترجمين العرب، ترجم الإجمالية بالجمالية! ثم كُتب نسبة إلى جمال الدين الأفغاني! غير صحيح، أبدا! لا تُوجد أي علاقة، وسردار كتاباته موجودة، وهو الذي ذكر لنا لماذا سماها إجمالية! مكتوب في كتاباته! 

حتى مُظفر إقبال، هذا الباحث الباكستاني، المُقيم في تورونتو بكندا – أعتقد بتورونتو -، وله أعمال كثيرة عن العلم الإسلامي، ومؤتمرات، وعنده كُتب، حررها في مُجلدات! ألوف الصفحات! تكلم عن الإجمالية، ولم يذكر هذا.

المُهم، قال لك هي إجمالية، نعم، إذن جمال الدين الأفغاني وكذا! ما علاقة هذا؟ لا، هو قصد أن يُسميها الإجمالية فعلا من شيء له علاقة بالجمال، باللفظ العربي، تخيل! وربما أُفهم أن الإجمال له علاقة بالتعميم. 

فهذه المدرسة تقصدت ورمت إلى أن تستوعب أكبر عدد مُمكن من الإيجابيات، في النظرة للعلم والتنظير للعلم، بحيث يكون العلم في أحسن أوضاعه! هذا سر تسميتها Ijmalism! النزعة أو المدرسة أو المذهب الإجمالي! جميل جدا! 

كما قلت لكم التوجه الأساسي لدى السيد ضياء الدين سردار توجه عملي، اجتماعي. هو ينظر إلى العلم، لا من زاوية ميتافيزيقية، بقدر ما ينظر إليه من زاوية اجتماعية! طبعا واقتصادية، وسياسية! زوايا عملية!

وأكثر تنقيده على العلم، من هذه الزاوية أيضا! أن العلم أثر على الأمن، أثر على الصحة، أثر على أخلاق الناس، أثر على البيئة وحماية البيئة وإفساد البيئة. العلم – يقول لك – والبيئة! العلم يُهدد المُستقبل البشري أيضا.

أشياء عامة، لا يُمكن إلا أن تُوافقه عليها. وكما قلت لكم قبل سردار، وقبل الدكتور نصر، مئات من المُفكرين والمُثقفين الكبار الغربيين، هم الذين بلوروا هذه الأفكار أصلا النقدية للعلم! وهذا جانب إيجابي، لا يُمكن إلا أن نُباركه.

لكن انتبهوا الآن، حين يتحدث سردار ومدرسته وأشياع مدرسته وأتباعها! خاصة في بريطانيا وفي باكستان وكذا! وفي ماليزيا أيضا، عندهم تأثير! وحتى – نفس الشيء – سيد حُسين نصر عنده تأثير كبير في ماليزيا أيضا! 

حين يتحدثون عن قيمة التوحيد، قيمة الخلافة، قيمة العمارة، قيمة العبادة، قيمة المصلحة، أُحب أن أُعلق بشيء:

الكلام النظري العام حول هذه القيم جميل جدا ومقبول وطيب! وأعتقد لو سمعه حتى غير مسلم مبدئيا، سيُوافق عليه، لكن الذي أُريد أن أُشير إليه بأُصبع النقد، ما يقع حين يكون الإطار الذي تُصوره لنا إطار عمل للعلم غير مُناسب! 

وهذا هو الإطار! مؤطر بقيم – قال لك -، هذه خمسة منها! أهمها، رأسها! حين يكون الإطار واسعا على هذا النحو، تقريبا لن يشتغل. وحين يكون الإطار؛ ال Framework، ضيقا، بقدر العمل، أو أضيق، تقريبا لن يشتغل، وإن اشتغل، فشُغله مجهوض أو جهيض؛ Aborted، ومبتور، أبتر!

لذلك دائما أُطر العمل لا بُد أن تكون وسطا بين الواسع جدا والضيق جدا. ولذلك إطار العمل – انتبه – لكي يشتغل ويُشغَّل، لا بُد أن يكون مُجانسا لموضوع العمل، ما رأيك؟ لموضوع العمل!

مبدئيا، من ناحية فلسفية وفكرية، أعتقد أن أي مُفكر غربي، وأي فيلسوف مُتعمق في هذه المسألة، سيقول لك هذه القيم تصلح أن تكون على طريقتكم إطارا للعمل؛ لعمل الفيزيائي، لكن أيضا بالقدر نفسه لعمل الكيميائي، وبالقدر نفسه لعمل الأحيائي، ولعمل الرياضياتي، ولعمل الفلكي، ولعمل غيرهم! لكل الأعمال، الفكرية حتى وليس العلمية! لذلك ما الذي ستُضيفه؟ أليس كذلك؟ أبدا! 

ولذلك لا يُمكن أن تُعينها كإطار لعمل الفيزيائي! أوسع من هذا بكثير! لكن انظر أنت الآن، اختبر نفسك، لو كنت عالما فيزيائيا، أو عالما في الأحياء، أو عالما في الأحياء الجُزيئية، وتُريد إطار عمل، تبحث عن إطار عمل! 

حتما سيكون إطار العمل هذا مُجانسا للموضوع نفسه. وهو موضوع بيولوجي، أو موضوع فيزيائي، أو موضوع كيميائي! من هذا الإطار سيكون، من هذا الفضاء. ليس إطارا عاما، يتسع لكل شيء!

لذلك الذي يتسع لكل شيء، لا يُضيف أي شيء، بصراحة! تعرفون متى يُضيف؟ على المنابر، وفي كُتب التنظير، وفي كُتب الفلسفة، ليس في العلم والمسعى العلمي! 

أي يُمكن أن يأتي أي مُنظّر، ويتكلم عن كلام علماء، في أي حقل كان إنجازهم! يتكلم عليه بصيغة فلسفية، سواء هذه الفلسفة فلسفة دينية لاهوتية أو حتى فلسفة إلحادية، مُمكن! عادي، مسموح! يُمكن ذلك! لكن لا يُمكن أن يكون كلامه هذا إطارا لعمل فيزيائي أو كيميائي يشتغل! لا يشتغل. فهمتم ما قصدت؟ هو هذا! 

لذلك نحن لا بُد أن ننقد فلسفيا، وبدقة: لماذا تفشل هذه النماذج والمدارس؟ تفشل؛ لأنها واسعة جدا، واسعة جدا! تماما! انظر بالله عليك، نُطبق على أشياء أبسط من هذه: 

الآن انظر، ما الفرق بين طبيب نفسي مُختَص، وواضح أنه يشتغل، وأن مناهجه فيها كثير من الخير، أليس كذلك؟ وبين واحد واعظ، ويدّعي أنه يشتغل شُغل الطبيب، وأحسن منه؟ 

تعال وانظر إلى كلام الواعظ، تجده أُطرا واسعة: عليك أن تتقي الله، وأن تكون دائما مُنتظرا للفرج، وخير العبادة انتظار الفرج، وعليك أن توقن بأن ما تأخر عنك لعله خير لك، وأن ما أصابك لم يكن ليُخطئك. 

ونصوص كلها صحيحة، ومئة في المئة! وتشتغل مع المُصاب بمرض نفسي، ومع الصحيح نفسانيا أيضا، أليس كذلك؟ لكن بصراحة، لا تُفيد في هذه الحالة الخاصة!

الشخص الذي أمامي عنده حالة خاصة دقيقة جدا، أنت كواعظ أصلا لا دراية لك بها، ولا تعرف ما هي! ليس عندك تصور لماهية هذه الحالة! مَن عنده تصور للماهية؟ الطبيب النفسي. 

والطبيب النفسي حتما لا ينطلق من أنها حالة من الاضطراب العقلي. هذا لا يكفي! قد يُشخص الحالة بأنها اضطراب عقلي واحد غير مُختَص، وهذا لن يُقدم شيئا. الطبيب النفسي يعرف بالضبط هذه الحالة تحت أي فئة من فئات عديدة للاضطرابات، ويبدأ يتنزل!

ويبدأ مُباشرة من هذا التقسيم الفئوي، لا يبدأ من الإطار الأعم، الذي هو يخضع كما قلنا حتى للخطاب الوعظي: أنك في حالة غير سوية، أنت تُعاني من القلق، تُعاني من تشظي الشخصية! كلام عام هذا، إنشائي يا رجل هذا، يكتبه الأديب والواعظ الديني، لا يُفيد أي شيء.

نفس الشيء؛ لو استعنت بواعظ أو رجل مُختص، في قضية تربية أولادك، أو مُعاملة أولادك، والله لن تخرج بأي شيء. بعضهم أولادهم من أسوأ الناس تربية، ويلتوون على آبائهم، الذين هم المشايخ والوعاظ، بل بعضهم يخرج به الأمر إلى حد الإلحاد والتجديف على الدين كله! 

إذن هيا يا سيدي، بما أن نماذجك الواسعة هذه في تربية النفوس والدلالة على الله تشتغل، شغّلها على أولادك. لا تشتغل، لا تشتغل! بخلاف عمل المُحلل النفسي، والطبيب النفسي، والمُختص بالتربية، لا! عنده نماذج أكثر تواضعا.

لذلك العلم مُتواضع، العلم مُتواضع! والعلم يا إخواني تخصصي، تخصصي على فكرة بدرجة من التقسيم والتخصص مُرهقة بالنسبة لكم! ما رأيك؟ أي حتى الفيزيائي، أي فيزيائي مُحترم، تقول له الفيزياء، تقريبا يقول لك أنا لا أكاد أفهم شيئا! ما الفيزياء؟ حدثني بالضبط! عن ماذا بالضبط تتحدث! وكذلك عالم الأحياء المُختص المُحترم، كذلك الذي أخذ شهادة دكتوراة في الجهاز التناسلي للبرغوث! 

تعرف البرغوث؛ ال Floh؟ الجهاز التناسلي! ماذا؟ قسما بالله! شيء لو لم يكن حقيقة، لما صدقت! دكتوراة في الجهاز التناسلي للبرغوث؟ ال Floh هذا! ما هذا؟ هذا تخصص! العلم هكذا! لذلك يشتغل.

المُجتمع البشري حين تخصص – سموه ال Labor division؛ تقسيم العمل -، بدأ يشتغل! أي مُشكلة، إن لم تعمل لها هذا ال Division أو التقسيم، لا تحلها. هو هذا! 

الإسلاميون عموما – ما شاء الله – يشتغلون على الأُطر الواسعة! قال لك التوحيد – ما شاء الله -، العبادة، الخلافة، العمارة، المصلحة، اللا اختزالية، النزعة الإنسانية – هكذا، هكذا – الرحيمة! ما هذا؟ ما هذا؟ 

هذا كلام كبير، كبير ولا يقول شيئا في الأخير، ويصلح لكل شيء، ويصلح في كل محفل ومع كل تخصص ومع كل ثقافة! ليس هكذا يا جماعة، بالله عليكم، هلكتمونا، ما طريقتكم في التفكير هذه؟ قال لك هو هذا! 

لذلك لا يُمكن أن يُضيفوا شيئا، لا يُمكن أن يُضيفوا شيئا! طبعا ستقول لي أنا الآن صرت محتارا! إذن ماذا لو أردنا أن نُضيف؟ أي هل مُحرّم علينا أن نُضيف؟ لا، ليس مُحرّما، لا عليك ولا على الصين ولا على الهند، والكل يُمكنه أن يُضيف! 

إذن نحن كمسلمين بالذات، لو أردنا أن نستثمر تُراثنا الإسلامي، قرآننا، سُنة نبينا، وتُراثنا الحضاري، أين يُمكن أن نتجه؟ سوف نرى! أنا سوف أُحاول أن أقترح أشياء، ونرى كيف! سوف نرى! لا أزعم أن عندي صورة مُكتملة ولا حتى قريبة من ذلك، لكن سوف نرى! مُقترحات، عصف فكري هكذا!

فهذه الإجمالية كما قلنا أو Ijmalism، وهذه مُبتنياتها! وذكرت لكم أهم أعمدتها، هو حددها بعشرة! كلها واسعة، وواسعة جدا! لا تكاد تشتغل. 

بالله عليك كيف يُمكن لرجل يبحث في موضوع التعالق – الذي في هذه السنة أخذ عليه ثلاثة نوبل Noble في الفيزياء! Entanglement، Verstrickung بالألمانية! يبحثون في ال Verstrickung -، كيف يُمكن أن يستفيد من مبدأ التوحيد، أو مبدأ العبادة، أو مبدأ الخلافة، أو مبدأ العمارة، أو مبدأ المصلحة، أو مبدأ الإنسانية؟ كيف؟ كيف إذن؟ هيا، تفضل، هيا شغّل لي، أرني! لا يشتغل، كله لا يشتغل. 

العلم! العلم مُتواضع، وقال لك أنا لا أخلط الحابل بالنابل، ولا أخلط الغيب بالشهادة، وأنا واضح. وعلى فكرة، المبدأ الطبيعاني، أي ال Naturalism، لم يؤسسه الغربيون! وهنا الصدمة! فنحن تقشعر أبداننا، وكما يقول إخواننا التوانسة نتقنفذ – حلو التعبير الخاص بهم هذا! نصير مثل القنفذ -، حين نسمع طبيعة وطبيعاني! ومعناها إلحادي كفري! لا، ليس بالضرورة، ليس بالضرورة بالمرة! الطبيعة ماذا؟ الطبيعة كافرة إذن، وفهمها كافر؟ لا.

المبدأ الطبيعاني، لعل أول مَن أشار إليه، البيروني – رحمة الله عليه -، في حوار له مع ابن سينا. ستقول لي هما التقيا؟ طبعا، كانا مُتعاصرين! والبيروني أكبر سنا من ابن سينا. التقى به في بلاط أحد الملوك الأعاجم هناك! قبل أن يهرب ابن سينا التقى بالبيروني، صار هناك حوار بينهما. البيروني أعرب عن قناعته بالمبدأ الطبيعاني!

ما المبدأ الطبيعاني؟ أن لفحص وتقصي وتفسير الظاهرة الطبيعية، لا بُد أن تشتغل وتقتنع وتجعل مرمى بصرك كيانات طبيعية. لا تُدخل كيانات روحية ونفسانية ورمزية وغيبية، لا! 

ستقول لي والله؟ ماذا؟ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ *. إذا أردت أن تُفسر بالله، فكل شيء مُفسر، وانتهى! ولا نُريد علما، ولا فلسفة، ولا أي حاجة! مَن خلق؟ الله. مَن عمل؟ الله. لماذا حصل هذا؟ الله يُريد هذا. وانتهينا! 

وهذا كلام صحيح، لكن هو صحيح إلى الدرجة الواسعة جدا جدا جدا، التي لا يكاد يُضيف معها أي شيء! أليس كذلك؟ لأن هو صحيح! بالقطع صحيح! بالقطع الله أنزل المطر! أليس كذلك؟ الله كوّن الماء! لكن كيف كوّنه؟ نعم، نُريد لافوازييه Lavoisier إذن! كيف كوّنه؟ وما هذا ال Molecule وكذا؟ الله لم يقل لك! لذلك سيدنا إبراهيم ربما يكون من مؤسسي الطبيعانية! قال له أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ *.

لذلك سؤال العلم، ماذا يُسمونه؟ يُسمونه ال Objective why أم How؟ How! ليس Why! ليس لماذا، دعك من لماذا، Objective how question؛ سؤال كيف الموضوعي. مَن سأله هذا؟ إبراهيم. أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ *، سؤال علمي هذا، طبيعاني! طبيعاني!

مَن خلق الماء؟ الله. الماء مُركب؟ نعم، مُعظم الظن أنه مُركب. هكذا سنقول! لماذا؟ لأن سيد أرسطو Aristotle وأوروبا والعالم الإسلامي، إلى القرن الثامن عشر، كانوا يعتقدون أن الماء بسيط! 

ستقول لي طبعا! نعم، هم كانوا يظنون أصلا أن العناصر كلها أربعة! فليأتوا ولينظروا إلى الجدول الدوري اليوم، كم عُنصرا! الطبيعي! تخيل! قال لك أربعة: التراب والماء، النار والهواء! والسلام عليكم! قال لك العناصر أربعة! أربعة ماذا؟ 

وبعد ذلك اتضح أن التراب ليس عنصرا، وأن الماء ليس عنصرا، مُركب! مُركبات هذه يا حبيبي! الماء من هيدروجين، من عنصرين، ومن أكسجين! اتضح أنها مُركب! 

فستقول نعم، والله أغلب الظن – طبعا أنت تعيش في الكُتب الحمراء والصفراء القديمة – هذا! أغلب الظن أنه مُركب، سمعت هكذا تقريبا! نعم، كيف مُركب؟ إذن مَن ركبه؟ الله. لماذا ركبه؟ لمصلحة العباد. حلو! سؤال غائي، Why! هذا سؤال غائي، Why question! ليس عندنا مُشكلة! 

كيف ركبه؟ كيف هو مُركب الماء؟ هذا سؤال إبراهيم! أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي *، العلم! انظر؛ ها هو العلم داخل في الدين! اتضح أن هذا معناها! هو ليس ضد الدين، ولا الدين يمنعك أن تطرح أسئلة الكيف الموضوعية! قال لك اطرحها. الدين قال لك اطرحها، ليس عندي أي مُشكلة.

إذن لما تطرحها، أنت ستتقصى بها ماذا؟ ستتقصى بها الطريقة التي شاء الله أن يفعل بها الأشياء. لا إله إلا الله! شيء جميل! أليس كذلك؟ لماذا؟ رحم الله أينشتاين Einstein، كان يقول أنا هذه كل قضيتي! 

ومَن الذي سار في آثار أينشتاين Einstein؟ ستيفن هوكينج Stephen Hawking. يا ليته مات على الإيمان! مسكين! قال لك أنا كل هدفي هدف أينشتاين Einstein! وهدف أينشتاين Einstein ما هو؟ 

قال لك أنا كل مسعاي العلمي، أُريد أن أنفذ إلى عقل الرب. أُريد أن أرى، لما هو خلق وعمل، كيف خلق؟ كيف؟ كيف؟ كيف؟ أنا عندي اعتقاد أنه هو عمل، نعم، لكن كيف؟ حلو! هذا العلم! ما له العلم بهذا المعنى؟ ليس فيه أي مُشكلة، والله! شيء جميل جدا!

ولذلك بدءا من إبراهيم الخليل، أبي الأنبياء، المذهب الطبيعاني أهلا وسهلا به، ليس عندنا مُشكلة معه! ومرورا بالبيروني، مع ابن سينا، وأكثر من أبي الريحان البيروني: ابن رُشد، أبو الوليد محمد بن رُشد – رحمة الله عليه -، الحفيد، وليس الجد طبعا، الفقيه! عنده كلام واضح جدا في المذهب الطبيعاني، وإن لم يُسمه بهذا الاسم! هو قال لك هو هكذا! 

ولذلك عنده ميزة عجيبة، ابن رُشد! لما نرى التأويلية الخاصة بابن رُشد، وتأويلية الغزّالي، نفهمها. والغزّالي عنده تأويلية أيضا! Hermeneutics خاص بالغزّالي، وتأويلية خاصة بابن رُشد! 

الغزّالي قال لك لما حقائق الطبيعة، حقائق العلم الطبيعي – يُمكن أن تُسموه علما، وكله فلسفة -، لما هذه الحقائق تتعارض مع الدين، ماذا نفعل؟ وطبعا هو كان من الذكاء واللوذعية، بحيث يفهم أنه لا يُمكن هذا! كمؤمن طبعا، لاهوتي مؤمن! لا يُمكن لحقيقة طبيعية أن تتعارض مع الدين في نفسه! ستتعارض مع ماذا إذن؟ مع فهمنا نحن للدين، مع تأويلنا نحن للدين.

بالله عليك، بالله عليك ماذا لو جعلت كل مُنطلقاتك دينية – تقول لي أنا أُريد مُنطلقات دينية -؟ هذه المُنطلقات، هل تظن أنها ستُفيدك؟ وعلى فكرة، يُزعجني في كلام سيد حُسين نصر، وآخرين أيضا، لكن ليس لهم مدارس، ما يقولونه، حين يتكلمون عن أن العلم نسبي، والدين مُطلق! 

الدين مُطلق بأي معنى بالله عليك؟ بالله عليك! اغتصاب كلمة مُطلق هذه هكذا، واللعب عليها، وركوب متنها، شيء مُضر جدا جدا جدا! المُطلق موجود؟ موجود، طبعا! بلا شك موجود! لكن ليس عندنا. نحن لا نتسع إلا للنسبي، انس! 

القرآن في ذاته مُطلق؟ هو مُطلق في ذاته! أما قرآني أنا نسبي، قرآنك أنت نسبي! لأنك تنال من القرآن بقدر فهممك وتأويلك له، وهذا نسبي، انتهينا، هذا هو! مُجرد أن يتعامل النسبي مع المُطلق، مُباشرة نكون دخلنا في ساحة النسبية! فلا تتكلم لي عن المُطلق والمُطلق والمُطلق! ما هذا؟ مُطلق ماذا بالله عليك؟

فماذا إذا أردت أن أنطلق من مُنطلقات دينية (وإياك أن تُسميها مُطلقة! تكذب على الحقائق! دائما تبقى نسبية)؟ بالله عليك، حدود الفهم الديني مفتوحة أو مُغلقة؟ ستقول لي مفتوحة. طبعا مفتوحة، مفتوحة اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها! أليس كذلك؟ أحد الأسباب والمُتكئات التي تبسطها وتفتحها العلم الطبيعي، ما رأيك؟ أحد، أحد الأسباب! 

الآن نحن تأويلنا لبعض الآيات الطبيعية والكونية، بالله عليك، ألم يعمق؟ ألم ينبسط ويمتد؟ ألم يدق ويلطف، ويُصبح دقيقا – فيه دقة غير طبيعية -، بالقياس إلى فهم أسلافنا الكبار؟ 

ستقول لي نعم. سأقول لك الفضل بعد الله لمَن؟ ستقول لي للعلم. للعلم! العلم اليوم أعطاك صورة عن الطبيعة والكون وكذا، شيء مُذهل مُخيف! أليس كذلك؟ العلم يفعل هذا! 

أما إذا شئت أن تُقيد نفسك ابتداء بمبادئ لاهوتية وفهوم لاهوتية مُعينة للنص الديني، فأنا أقول لك قد يكون كل ما يُعطيه هذا أن يعوق حركتك! للأسف الشديد! بحيث أنه يشل خيالك.

والعلوم اليوم يا أخي – وخاصة العلوم الفيزيائية هذه، وكذا! وحتى الكونية! لا إله إلا الله -، تحتاج إلى قدر كبير من الخيال المجنون! أنا أُسميه هكذا: المجنون! ليس المُحلق، المجنون! تحتاج إلى خيال مجنون! وللأسف هذا الخيال المجنون يشتغل كثيرا، وينجح! فقط!

ولذلك قيل الفرق بين الموهوب أو المُبدع والعبقري، أن المُبدع الموهوب يستطيع أن يُنجز وأن يعمل ما لا يعمله غيره – صح -، أما العبقري، فيستطيع أن يرى ما لم يره غيره. هذا من ألطف وأدق التفريقات بين المُبدع وبين العبقري!

والعباقرة قلة قليلة في مدى تاريخ البشر، على أصابع اليدين ربما، أي بضع مرات، وينتهي الأمر! قلة قليلة! اليوم هذه طبعا كلمة مجانية: هذا عبقري! وليس عبقريا، وليس له علاقة بالعبقرية. 

العباقرة قلة، يتركون العالم بعدهم غير ما كان قبلهم! هؤلاء قلة في تاريخ البشرية كلها! لأنهم يرون هذا! وعلى فكرة هذا التعريف ليس لي، هذا لآرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer، وهو تعريف جميل جدا جدا! 

المُبدع يستطيع أن يُنجز وأن يعمل ما لم يعمله غيره! أما العبقري، فيستطيع أن يرى ما لم يره غيره! لأول مرة رأى ذلك! لا إله إلا الله! لذلك لما عمل توماس هكسلي Thomas Huxley، لما عمل Review لل Origin الخاص بداروين Darwin، لأول مرة، ورأى ما الفكرة الخاصة بداروين Darwin، خبط رأسه!

قال ويحي! كيف لم أعرف ذلك؟ كيف لم أره؟ قال! الفكرة بسيطة، ورهيبة! لم أرها أنا! كيف؟ لم ترها! هو رآها؛ لأنه عبقري، أنت لم ترها! بعد ما جعلك تراها، صارت سهلة! سهلة! ها هي! نعم، بعدما جعلك تراها. قبل أن يُريك إياها، لم يرها أحد، كما رآها هو! أليس كذلك؟

أسطورة التفاحة الخاصة بنيوتن Newton على الأرجح غير دقيقة، وغير صحيحة! لم يحصل الكلام هذا! وما أحلاه، وهو نيوتن Newton، أكبر فيزيائي في تاريخ البشرية، وقد استيقظ، وعلى الجاذبية، من تفاحة! 

لا! من قبلها كان يشتغل عليها ومن بعدها! ولكن هذه أسطورة لها دلالتها. فإن مشيناها؛ هذه الأسطورة، كم وكم من الناس، قبل وبعد نيوتن Newton، رأوا تفاحا، ورأوا شُهبا ونيازك، ورأوا صواريخ، تنزل وتُفجر! ولم يهتدوا، كما اهتدى نيوتن Newton، إلى الجاذبية وقوانينها وكذا! لأنه عبقري، نحن لسنا عباقرة، نحن (غلابة). واضح؟

فنرجع ونقول لا بُد وأن تنتبهوا إلى الناحية هذه. الآن قد سجلنا أكثر من نُقطة على هذه المدارس كلها، Collective هكذا! هناك نقد إجمالي لها، يُخوف:

أولا طريق ملكية مُعبدة، ربما على الأرجح، نحو الشمولية! تبدأ بالرقابة! قال لا بُد وأن تذهب وتقدم بحثك الكيميائي والفيزيائي والبيولوجي والكذا! لمَن؟ لشيخ! لا يا حبيبي، غير مُستعد، غير مُستعد ولن أفعلها. 

لن أُقدم بحثي العلمي المُحترم لواحد جاهل، مع احترامي لعلمه الديني، أعترف له به، ليس عندي مُشكلة، لكن بصراحة هو جاهل في هذه العلوم، ولا يعرف فيها كوعه من بوعه! 

وقد رأينا في الباكستان أنهم مرروا لنا زاوية الله، مرروا الكفر! أليس كذلك؟ أي حتى دينيا المفروض ألا يُمرروا. مرروا كل الهبل الذي سمعتموه هذا، أليس كذلك؟ لجنة علمية، ليس واحدا واثنين، علماء، وكلهم دكاترة في الشريعة!

لكن هم طبعا مُغتبطون، هم مُغتبطون بأن لهم سُلطة التفتيش! وستقول لي هذا تفتيش؟ والله شبه تفتيش! هو هذا! أليس كذلك؟ فأنت تبدأ بالرقابة، وبعد ذلك تنتهي بماذا؟ بالتفتيش! هات، أرني ماذا عندك، انظروا ماذا عنده هذا، ماذا يكتب هذا، ماذا ينشر هذا، أليس كذلك؟ 

إلى اليوم نحن عندنا لجان تفتيش، على فكرة! في مصر مثلا أي كتاب ديني، لا يُنشر، لا يُسمح بنشره، إلا بعد أن يأخذ موافقة، من الأزهر، ومجلس البحوث، وكذا! إلى اليوم نعيش في الأشياء هذه؟ هو هكذا! شيء عجيب يا أخي! أين نعيش نحن؟ كيف سنتقدم يا رجل؟

المُهم، لا علينا! فتبدأ بالرقابة، التفتيش، وبعد ذلك تصير هناك المُحاسبة، تصير هناك المُعاقبة! هكذا تُشل حركة الفكر والعلم! وعلى يد مَن قال؟ علماء الدين! لأن – انظر أنت، انتبه إلى النقد! على فكرة مُهم، ركز معي – العالم الطبيعي كعالم طبيعي ليس عنده أهلية أن يُعطي سمة المرور الدينية لبحثه! أليس كذلك؟ سنُضطر رُغما عنا أن نعمل ماذا؟ نستعين برجال الدين! 

رجال الدين ليس عندهم إمعان في العلوم الطبيعية، غير مُتخصصين! فسنُضطر أن نُعطيهم فكرة إجمالية، على قدر ما تتسع أذهانهم، للأفكار العلمية المُعقدة، والتي عندها في بعض المرات بنية رياضية في مُنتهى التعقيد! لن يفهمها في حياته؛ لأنه لا يعرف رياضيات! كيف سوف نُفهمه؟ لن يفهمها! 

وأنا ذكرت لكم في المُحاضرات السابقة أن الآتي من سمات العلم، عكس ما ظن ألفريد نورث وايتهيد Alfred North Whitehead، وعكس ما ظن توماس هنري هكسلي Thomas Henry Huxley، وعكس ما ظن حتى ألبرت أينشتاين Albert Einstein! ما رأيك؟ 

حتى أينشتاين Einstein عنده عبارة، يا ليته ما قالها! لأنه غلط فيها! قال ما العلم إلا التفكير اليومي المصقول. غير صحيح، هذا كله يمتح من نفس المعين، أن العلم بدهي! Common sense! غير صحيح. على الأقل، تسعون في المئة من العلم ضد البداهة، العلم ضد البداهة! يا رجل العلم مُختلف. 

تعرفون مونتي هول Monty Hall؟ البرنامج الأمريكي القديم! المونتي هول Monty Hall هذا! وباختصار صار يُوجد عندك Monty Hall problem؛ مُشكلة مونتي هول! في الرياضيات. 

دعونا نحكيها لكم سريعا هكذا، وسأُريكم أن هذا صحيح؛ لكي تفهموا إلى أين أنا ذاهب! باختصار، مُشكلة مونتي هول Monty Hall في الرياضيات، كالآتي: 

يقول لك عندك كمُتسابق ثلاثة أبواب، خلف باب منها سيارة! بمئة ألف دولار ربما! سوف تكون من نصيبك، أي لو الله أسعدك. وخلف البابين الآخرين عنزتان! خرب الله بيت العنز! أي ليسا خروفين أيضا؟ هيا! عنزتان. قال لك! سوداوان! جيد!

قال لك أنت الآن مطلوب منك أن تحزر أين السيارة. ستقول لي والله حلوة اللعبة هذه؛ لأن بنسبة ثلاثة وثلاثين في المئة سأفوز! أليس كذلك؟ صح! واحد من ثلاثة! عندي احتمال؛ ثلاثة وثلاثون في المئة، أن أفوز! إلى الآن الموضوع عادي، موضوع عادي هذا، Common sense تقريبا، هذا عادي، حس مُشترك هذا، منطق سليم، هكذا يُسمونه! 

قال لك جميل! الآن طبعا أنت ستختار، ولن نفتح الباب. ستقول لي اخترت الباب الوسط. دعه مسكرا! سيأتي مُدير البرنامج، ويختار بابا آخر، ولن يفتحه! سيختار بابا آخر، ولن يفتحه! واضح؟ أنت الآن أمامك خيار: تبقى على ما أنت فيه، أو تُغيّر! 

فهو اختاره، ولم يفتحه. هو اختاره، ولم يفتحه! طبعا السؤال: هل مُدير البرنامج يعرف أين السيارة؟ يعرف. ال Losers يقولون لك هو يعرف أين السيارة. إذن يُمكن أن يختار باب السيارة! طبعا؛ لكي يضيعه عليك! يُمكن أن يختار باب العنزة!

للأسف هنا كبار علماء الرياضيات في أمريكا قالوا لك لا، ابق على اختيارك، ابق على اختيارك! جاء عالم رياضيات لوذعي أيامها، من هؤلاء المجانين، وقال له لا! هو لما يختار أي باب، أنت غيّر، وقل أنا أُريد الباب الثاني. تحت كل الظروف، سترتفع حظوظ نجاحك إلى الثُلثين! ليس الثُلث! لا إله إلا الله! كيف؟ 

جاء علماء رياضيات كبار، وقالوا له لا، غلط كلامك! ليس صحيحا! ذهبوا وبعد ذلك أتت دراسات مُعقدة، وSimulation، وكمبيوتر Computer، واتضح أن كلامه صحيح! لا إله إلا الله! 

لن أشرحها لكم طبعا؛ لأن هذه تحتاج إلى شرح طويل الآن، ويُمكن أن تجدوها في النت Net. اكتب Monty Hall problem، وانظر ما القصة! هذه مثال أيضا جديد على ماذا؟ على أن العلم يعمل ضد البداهة. 

طبعا أكبر الأمثلة – أنت يُوجد عندك حقل أمثلة، لا أول لها من آخر – فيزياء الكم. كل فيزياء الكم: العلم ضد البداهة. حتى نسبية أينشتاين Einstein ضد البداهة! أليس كذلك؟

فلماذا أقول هذا؟ أقول هذا؛ لأنك إذا جعلت مُنطلقك مبادئ لاهوتية ومبادئ تأويلية دينية في العمل العلمي، فحتما هذه المبادئ اللاهوتية الدينية المُعتقدية – مبادئ Rational، أليس كذلك؟ وتعمل في ظل الفكر العقلاني، والمنطق السليم، أليس كذلك؟ – ستُقيدك! آخر ما يحتاج إليه العالم المجنون – جعلنا الله علماء مجانين؛ لكي نقدر على أن نُبدع -، هو مثل هذه المبادئ! ما رأيك؟

هل فهمتم كيف هذا؟ وهذا أيضا نقد لم أُسبق إليه، ومُهم جدا جدا! ويعرفه مَن يعرف طبيعة العمل العلمي، والعمل أيضا الفكري عموما. ليس من مصلحتنا! 

ولذلك على فكرة ما منبع التخوف من التقصي العلمي؟ أنت خائف من ماذا؟ هل تظن أن التقصي العلمي لأي ظاهرة طبيعية أو حيوية أو كونية أو حتى رياضية مُخيف؟ انظر حتى إلى الرياضيات!

حدثتكم مرة، بل أكثر من مرة، عن مُبرهنة غودل Gödel – النمساوي غودل Gödel – لعدم الاكتمال! هذه المُبرهنة – أي ال Theorem. ليس Theory، Theorem! هذه مُبرهنة – في الأخير أنا أقول لك تخدم مبادئ دينية أيضا! ما رأيك؟ مع أنها طبعا ضد نظرية كل شيء! إذا أخذنا مُبرهنة غودل Gödel لعدم الاكتمال، فسنقول Bye-bye يا نظرية Everything، لن تصل لها في حياتك!

فما أُريد أن أقوله أنت خائف من ماذا كمسلم؟ تُريد أن تُقيدني! من ماذا؟ هو هذا باحث، أيا كان! مسلما أو غير مسلم، مُلحدا أو مؤمنا، يبحث في طبيعة الله، في كون الله! أي تقص في هذه الطبيعة، في هذا الكون، لن يُسفر عن شيء يُهدد إيماننا، أليس كذلك؟ 

كل ما سيُسفر عنه، تعرف ما هو؟ جواب سؤال كيف! كيف فعلها الله؟ الذي كان (ممخمخا) في عقل أينشتاين Einstein، والذي دغدغ خيال مَن؟ ستيفن هوكينج Stephen Hawking! كان يُحب أن يعرف كيف يفعل الله؟ كيف خلقها؟ 

نعرف أنه خلقها، لكن كيف؟ هذا العلم! ليس عندي أي شيء يُخوفني منه، وسأُعطيه أنا فيزا Visa أو سمة دخول مفتوحة، وممنوع أن يرجع لي. يرجع لي لماذا؟  

ستقول لي ليست هنا المُشكلة يا عدنان، كُن واقعيا. المُشكلة لما هذا العالم يصل إلى نتائج تتعارض مع الدين! أقول لك انتبه! اليوم على فكرة صعب أن تتكلم عن عالم، تتكلم اليوم عن علم، بصراحة! أنت فهمت ما قصدت؟ 

اليوم تتكلم عن علم، ليس عن عالم! لأن اليوم العلم تقريبا مؤسسة International! تعرف مُراجعات الأقران! والمُجتمع العلمي كله يُلقي بثقله، أول ما يأتي واحد بفرضية جديدة، نظرية جديدة، طرح جديد! الكل ينزل، مُباشرة!

وطبعا بالطريقة البوبرية، يكون هدفهم ماذا؟ إثبات أنها غلط. على قدر ما تصبر وتُثبت أنها ليست غلطا، تظل صحيحة، وأهلا وسهلا بها. لو ثبت أنها غلط، تُستبعد. 

إذن كيف؟ أول إثبات أنها غلط، أي غير علمية، أنها تكون غير قابلة للتفنيد. معناها – يقول لك – هذه ليست علمية، حتى لو كانت صحيحة! أما إذا فُندت، واتضح أنها غلط، فهي علمية، وهي غلط! ما رأيك؟ هناك ناس لا يفهمون المسألة هذه! 

أي الشيء يُمكن أن يكون علميا وغالطا. نعم، الشيء يُمكن أن يكون عنده سمة علمي، وثبت أنه غالط! وسنستبعده. ليس معنى أنه علمي، أننا سنستبقيه، لا! هو علمي. إذن كيف علمي؟ علمي معياريا، منهاجيا! لأنه قابل للتكذيب. وقد كذبته التجربة! إذن فليخرج! هذا علمي. نحترمه؛ لأنه علمي. هل فهمت قصدي؟

مثل واحد عنده القدرة على أن يجتهد، يجتهد فيُخطئ، نقول له أخطأت، ولك أجر. الدين حتى قالها! لكن ممنوع أن واحدا ليس عنده أهلية الاجتهاد من أصله، أن يأتي ويجتهد. تعرف لماذا؟ 

ليس عندنا ثقة أنه سيمشي في الخُطوات المطلوبة في الاجتهاد! أليس كذلك؟ سيتحدث بغير علم، في النحو والصرف والأصول! ويقول لك أنا مُجتهد وكذا! وسيخربط الدنيا كلها! ممنوع، ممنوع، ممنوع. 

هذه أهلية الطرح العلمي، في الأصل! أنه يكون قابلا للتفنيد. وليس كل طرح علمي قابلا للتفنيد على فكرة، هذا معيار غير مُطلق. 

حلو جدا! فنرجع مرة أُخرى؛ لكي أُكثف نقدي هذا، أُريده يكون واضحا. أُريد نقوي هذه تكون واضحا تماما، أنا آخذ كذا وكذا وكذا، ونرى فيما بعد مُقترحات، ماذا يُمكن أن نقترح؟

أنا ليس عندي أي مُبرر للتوجس والتخوف من أي تقص علمي. ستقول لي لا! تقع أخطاء. أنا أقول لك هذه ليست أخطاء علماء، أخطاء العلم! لأن المُجتمع العلمي كله لا بُد وأن يبدأ يشتغل عليها! 

إذا المُجتمع العلمي حصل فيه نوع من الإجماع، أو نوع من الاتفاق – أي Consensus! نوع من الاتفاق -، على صحة هذا الطرح، صحة هذه النظرية، فهنا اختلف – الحمد لله، لم نُكمل الجُملة، وأتينا بها الآن – ابن رُشد عن الغزّالي – لما قلت هذا عنده تأويلية، وهذا عنده تأويلية. ولم أُكمل الجُملة للأسف الشديد! طريقتي اللعينة هذه في الاستطراد -.

الإمام الغزّالي قال لك إذا كان هناك خلاف بين حقائق طبيعية أو كونية، وبين الدين، فطبعا حتما لن يكون مع الدين نفسه، وإنما مع الفهم. جميل! وهو يُدرك هذا تماما! 

لكن للأسف الشديد قال لك هنا لا بُد على العلم أن يُراجع نفسه. نحن لا نتفق مع الخُطة هذه، هذه الخُطة غير دقيقة، والعلم أيام الغزّالي لم يكن مُستبحرا كالعلم الحديث يا حبيبي، ولم يُنجز واحدا على مئة ألف مما أنجزه العلم الحديث اليوم! العلم اليوم سُلطة، سُلطة غير عادية، لا يُستهان بها بالمرة!

وعلى فكرة، كما قلت لك، إياك أن تخوض معها معركة تكسير رؤوس، وأنت واثق! على الأرجح أنك ستخسر. انتبه! يُمكن أن تُضيف في أشياء أُخرى. لا بُد أن تشتغل بذكاء وبمصداقية؛ حتى لا تخسر!

أما أبو الوليد بن رُشد – رحمة الله عليه – فيختلف، لذلك قلت لكم هو أقرب إلى المنهج الطبيعاني، من المؤسسين الأوائل له! قال لك إذا وقع الخلاف، بين هذا وهذا، فعلى علماء الدين أن يُعيدوا تأويل النص مُجددا. يا سلام! معناها هو عنده مبدأ تأويلي هنا، مبدأ خطير! 

ما المبدأ الخطير هذا؟ أن تأويل الظاهرة الطبيعية، المادية، أصعب بكثير، من تأويل النص. مَن أسهل؟ تأويل النص. لماذا؟ لأنه مُجرد فهم، وغير قابل للاختبار. هذا الآن كلامي، أُريد أن أُفلسف كلام ابن رُشد. 

تعرف أين يُختبر تأويلك للنص؟ بقياس هذا التأويل على موضوعه الخارجي، وهو الظاهرة الطبيعية! فالظاهرة الطبيعية اتضح أنها تُناقض تأويلك، معناها تأويلك غلط، Bye-bye! تأويلك غلط، تخل عن تأويلك. كلام جميل! مئة في المئة! أنا مع ابن رُشد هنا. فهمتم ما قصدت؟

ستقول لي مثالا يا عدنان، بالمثال يضح المقال. المثال الذي أُريد أن آتي به، هو أكثر الأمثلة تفجرا، وأكثر الأمثلة حسّاسية وحراجة: مثال التطور العضوي للإنسان! ليس حتى للكائنات الحية، وإنما للإنسان! أننا تطورنا من أجناس أدنى منا.

وطبعا الموقف الديني العام عند مُعظم العلماء والمشايخ أنه كلام فارغ، ولا يُوجد تطور! لن نُناقشه الآن. والموقف العلمي شبه الإجماعي – شبه الإجماعي، بنسبة ساحقة مُخيفة – أن التطور حاصل حاصل، وأدلته صعب إبطالها. 

وطبعا لا تُوجد نظرية مُكتملة من جميع الجهات، لا بُد وأن تجد مؤاخذات! لكن ليس معناها، إذا سجلت عليها بعض المؤاخذات، بعض التراجع، بعض العجز عن التفسير، أن النظرية باطلة! كل نظرية، كل سعي بشري، هكذا! كل سعي بشري غير مُكتمل، هذا هو! ولكن نسبة نجاحها ونسبة مردوديتها التفسيرية عالية جدا جدا جدا، وقد نجحت! وكما قلنا هي البارادايم Paradigm.

هل يُمكن تفسير النص؟ بسهولة! يُمكن – بفضل الله تبارك وتعالى – تفسير النصوص القرآنية في هذا الباب بسهولة! والعجيب، كما قلت ألف مرة قبل ذلك، والشيء الصادم في هذا الباب أن النصوص، لو أولت حتى قبل داروين Darwin، بطريقة مُنفتحة، وبطريقة موضوعية – جُمعت كل النصوص وكذا -، فأنا أزعم أنها كانت كفيلة بإلهام مَن سيؤولها نظرية التطور! 

ما رأيك؟ إلى هذه الدرجة! فمعناها المسألة ليست مُستحيلة، بالمرة ليست مُستحيلة! لكن تجد مواقف الجمود والإصرار والتحجر، تحكي في باطنها تصورا ساذجا لصفات الله أو بعض صفات الله! 

أي هؤلاء الخلقويون – ال Creationists هؤلاء – يظنون أن الله يخلق على نحو ما يخلق البشر! يأتي بطينة فعلا، ويُشكلها بيده هكذا، وينفخ فيها، فتصير بشرا! كما عيسى فعل في الطين! 

لا يا حبيبي، الله لا يفعل على هذا النحو. والأدلة على أنه لا يفعل على هذا النحو تزحم الكون! ما رأيك؟ والله العظيم! بدءا من خلق حتى الجنين في رحم أمه! لا يُخلق بهذه الطريقة الساذجة البسيطة، بخُطوة واحدة، أي One-step process، أبدا! إنما بطريقة مُمتدة، تناسخية! تناسخية حتى على المُستوى الجيني، أي Genetically تناسخية! وهنا يأتي علم الجينات الجنيب Epigenetics، لا إله إلا الله! شيء لا يكاد يُصدق! 

وإليه الإشارة بقوله يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ *، لا إله إلا الله! فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ *. هذا القرآن! هذه عظمة القرآن الكريم! فبالله عليك، نحن لسنا مُلزوزين ولا مُضطرين أن نُتابعك على جمودك وضيق خيالك وضيق وعيك وزعمك أن هذا مُخالف للنصوص، ومُخالف للقواطع! قواطع ماذا يا رجل؟ قواطع ماذا؟ تقطع بقطعية ما ليس بقطعي أصلا؟ هو ليس قطعيا، قابل للتأويل.

فنحن هنا مع تأويلية إذن ابن رُشد، نحن المدعوون أن نُعيد النظر في تأويلنا للنص. مرة ثانية؛ التبرير الفلسفي، لماذا؟ أنا أُحاول أن أفهم ابن رُشد، قفوا معه جيدا! لأنه رأى – وإن كان رأى هذا، فهو حاذق ومُصيب، إن شاء الله – أن تأويل الظاهرة الطبيعية أصعب من تأويل النص. ظاهرة طبيعية! واضحة أدلتها! أحيانا تكون شبه ملموسة الأدلة، شبه ملموسة! 

ستقول لي حتى في التطور؟ حتى في التطور. لن نقول كيف، موضوع ثان، لا نُريد أن ندخل في أشياء علمية! لو أردت دليلا واحدا فقط، هل معقول أن داروين Darwin فهم، وشايعه كل مَن أتى بعده، أننا، وال Great apes؛ القردة العُليا: أورانغوتان Orangutan، وال Gorillas، وال Chimpanzees – الشمبانزي هذا! أي نحن، والشمبات هذه، أو الشنابز كما يُسمونها! شمبات أو شنابز، Chimpanzees! والأورانغوتان Orangutan، والغوريلات – جئنا كلنا من سلف مُشترك – One common / One single common ancestor، من سلف مُشترك -، وأن أول فرع تفرّع من حوالي خمسة عشر مليون سنة الأورانغوتان Orangutan، من حوالي عشرة مليون سنة الغوريلات، من حوالي ستة أو سبعة ملايين سنة الشمبانزي Chimpanzee، وبعد ذلك جاء الإنسان؟ 

معقول يا جماعة أن علماء الأحياء الجُزيئية يجدون طفرة، عطبا مُعينا، في Locus – يُسمونه ال Locus، الموضع الجيني! موقع جيني! في Locus مُعين، والجمع لها Loci -، في Locus جيني مُعين، في كروموسوم Chromosome مُعين، ولا يجدون هذا العطب عند الغوريلا Gorilla، يجدونه في الشمبانزي Chimpanzee، في نفس المكان؟ 

لأن آخر Cousin لنا قريب، كان مَن؟ الشمبانزي Chimpanzee. هذا ليس عبثا! هذه أشياء عند العلماء تُعتبر أشبه بالقطعيات! أن هناك دليلا ملموسا! ويتفق هذا الدليل مع كلام داروين Darwin! أن أبعدهم عنا أورانغوتان Orangutan، ثم الغوريلا Gorilla، والأقرب الشمبانزي Chimpanzee!  

معناها هذا العطب الجيني، أو الطفرة، أين حصلت؟ في ال Common ancestry لمَن؟ لنا وللشمبات. الجذع الذي خرج منه الشمبانزي Chimpanzee والإنسان، هو هذا الذي وقع فيه العطب هذا، فأورثه لأولاده! أي شيء لا يكاد يُصدق يا أخي! هذا دليل من مئات الأدلة فقط!

فالعلم يشتغل بطريقة ثانية، والعلم ليس عنده هذا! ونحن المُسلمين عندنا مُشكلة مع نظرية المؤامرة! عندنا مُشكلة مع نظريات المؤامرة! العلم كله يتآمر علينا، أُقسم بالله شيء عجيب يا أخي! الشرق والغرب، وطيلة حياتنا في مؤامرات نحن!

مساكين! مُتضخمون كثيرا في نظرية المؤامرة هذه، مُضخمون لها كثيرا جدا جدا جدا جدا! ليس هكذا يا رجل! والعلم أيضا مؤامرة علينا إذن وعلى القرآن وعلى الإيمان؟ انس الكلام الفارغ هذا الذي لديك، لا علينا منه.

فنرجع، إذن هذا النقد مُهم أن نُسجله تماما ونفهمه، مع نقد أن – كما قلنا – الانطلاق من مُسبقات دينية وكذا كذا يُقيد الخيال! يجعلك عالما في حدود معيارية عادية، لن تُضيف أبدا أشياء حقيقية، ستبقى ضعيفا. 

أي يقمع عبقريتك، دون أن تدري! وخاصة، تعرف ماذا؟ الذي قمعك ليس الدين، فهمك وفهم أسلافك للدين. فهمت ما قصدت؟ لا يُمكن أن يقمعك القرآن، لا يُمكن! بالعكس! القرآن ليس كذلك. 

لا أعتقد أن هناك كتابا على وجه الأرض، كتاب ديني، حث على الذهاب إلى الكون، مُعانقة الكون، الانفتاح على الكون، النظر في الكون، تدبر الكون، التفكر في الكون، مثل القرآن العظيم! أليس كذلك؟ 

وهذا يكفينا، فقط! هذا يكفينا. ليس مطلوبا من القرآن الكريم أن يُقدم لنا نظريات علمية، لا في علم كذا وكذا، ليس مطلوبا بالمرة! يكفي أنه استفزني، واستحثني، ودفعني إلى أن أُسائل الكون مُباشرة، وجها لوجه!

قال له اذهب إليه، واسأله! سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ *. يا الله! والله لو قرأها لايل Lyell، أو لو قرأها داروين Darwin، لسعد بها جدا جدا! 

تشارلز لايل Charles Lyell يُعتبر من كبار علماء الجيولوجيا، بل من المُؤسسين للجيولوجيا حقيقة، الجيولوجيا الحديثة! هذا كتابه ال Principles، هو مؤسس! تشارلز لايل Charles Lyell! وهو يُعتبر أستاذا لداروين Darwin. 

لو قرأ هذه الآية، لقال عجيب! قرآنكم يقول امشوا وسيروا في الأرض، وانظروا كيف بدأ الخلق؟ خلق الأرض، وخلق الأحياء والنبات والحيوان! في الأرض سوف ترونها؟ في الطبقات، وفي كذا، وفي ال Strata؟ قال لك نعم، القرآن يقول هذا! لا إله إلا الله! 

وبعد ذلك – يا الله! اقشعر بدني – انظر؛ كَيْفَ *، الله! كَيْفَ *، كيف سؤال العلم! سؤال العلم الموضوعي How؛ كيف! قال لك أنا لا أقول لك كيف، أنت مَن سيصل إلى جواب كيف. وأين؟ حين تسير في الأرض. اذهب، سر، ونبش، وابحث، يا جيولوجي، وسوف ترى كيف! لا إله إلا الله! 

ماذا أُريد أحسن من هذا؟ لكن هذه أمة كسولة، تُريد أن تكتفي بسب الآخرين، وتنقص أعمالهم – والله العظيم -، وإلصاق مُلصقات، وإعطاء – ما شاء الله – برامج واسعة جدا جدا للعمل!

بالله عليك – خطر لي الآن وأنا أتكلم – لو أعطاك أحدهم بنطلونا، وأنت وسطك مثلا مئة وتسعة، لكنه أعطاك تسعمائة وعشرة، هل تقدر على أن تمشي فيه؟ بالله عليك! لن تمشي. ولو مقاس وسطك مئة وتسعة، وأعطاك تسعة عشر، هل هذا مُمكن؟ شرابة هذه! لن ينفع! 

هذا تأكيد لكلامي عن إطار العمل! إطار واسع جدا جدا، لن يشتغل، لن تمشي فيه، انس! إطار ضيق، لن ينفع. لا بُد وأن يكون الإطار مُناسبا. حين يكون أوسع قليلا، يكون هذا عاديا، بالحزام! نضعف قليلا، نسمن قليلا، ليس عندنا مُشكلة، تُوجد إمكانية للمُناورة.

هو هذا! فهذا وجه للنقد مُهم جدا، والوجه الثاني أيضا ذكرته، فنُريد أن نُجمعهما.

نكتفي بهذا القدر، وأستودعكم الله، الذي لا تضيع ودائعه.

 

العلم المقدس – انفثاء البالون – العلم والدين – الحلقة 15

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

إخوتي وأخواتي/

كما وعدتكم، وإن شاء الله لا أصدمكم، أنا سأبدأ حيث، أو من حيث، انتهيت في المُحاضرة السابقة، مع المُفكر الكبير السيد ضياء الدين سردار، الذي أبدى استنكاره وشجبه لقسوة العلم والأبحاث في فيزياء الجُسيمات الدقيقة، التي تُعجّلها إلى طاقات عالية، وتضرب بعضها ببعض! لا يجوز هذا! 

ما معنى هذا؟ السؤال الأول هل أنت يا سيدي أو مَن اقتنع بهذا المنطق وأفرغ عن هذا المنطق ستمتنعون بعد ذلك عن بناء مُعجّلات مثل مُعجّل سيرن CERN مثلا بسويسرا؟ لن تُتابعوا الأبحاث والتجارب في فيزياء الجُسيمات الدقيقة؟ 

مرحبا! اتركوا هذا لغيركم، وسوف نرى مَن يحظى بالطاقة حقا، ومَن ربما تتفتق أمامه مصادر جديدة للطاقة، تجعل ربما ما عُرف منها إلى الآن في حُكم الماضي المنسوخ!  

ما هذا؟ ماذا تُريد بهذا النقد؟ يا رجل قبل أن تتكلم عن تسريع جُسيمات دون ذرية، حرّم وأبد الأسف والرثاء لإراء النار! العرب تعرفون كيف يؤرثون النار، يقدحون الزناد، يقدحون خشبة بحجر، أو حجر بحجر! حرام! قسوة شديدة! أليس كذلك؟ 

يا رجل هل أنت مِمَن يأكل اللحوم؟ هل ستبقى مُعتصما بتحليل الله ورسوله لذبح الحيوانات المُباحة؟ هنا ذبح، إزهاق نفوس! سأمضي معك خُطوة إلى الأمام؛ لكي أكون أكثر جدية: 

بالله عليك، بمثل هذه المثالية الإسلامية المُفرطة، التي واضح أنها لن تشتغل – الآن يخطر لي! وأنا أتكلم، خطر لي مثال آخر -، ما كان يُمكنك أن تكتب بقلمك حرفا واحدا؛ لأن الضغط على رأس القلم، والضغط على سطح الورقة، مؤذ جدا جدا! أكثر أذية من مُصادمة الجُسيمات! 

ستقول لي لا، أنا أطبع على الكمبيوتر Computer. أكثر أذية! النقر على الكيبورد Keyboard هذا أو على الأزرار المسكينة الغلبانة هذه أكثر أذية! وطبعا هناك أكثر من مقطع في اليوتيوب Youtube عن هذا. 

أنا لا أُحب أن أسخر، لكن أُحب أن أقول لكم فعلا كيف يُمكن أن يُواجه النقد، فهذه أشياء حقيقية. أنت قُدتنا إلى الجُسيمات الدقيقة! أنا سأقودك إلى لوحة المفاتيح، التي يُوجد أكثر من مقطع على اليوتيوب Youtube يُوضح فعلا كيف تحفرت، تحفرت! تعمقت الأزرار هذه!

طبعا مُحيت الأحرف، وتعمقت؛ لأن يبدو أن الذي يستخدمها، ويستخدمها من عشرين سنة، لم يستبدلها، لم يستبدل غيرها بها. فما هذا الظلم؟ ما هذا الظلم في حق الأزرار؟ أهكذا جعلتها خمصانة، جوعانة إلى هذه الدرجة؟ أما تتقي الله يا رجل؟ 

ثم، ثم بالله عليك، ماذا أنت قائل في تاريخ الحروب بين المسلمين والمسلمين؟ بين ذبح الصحابة أنفسهم لبعضهم! المسلمون الذين علموك الدين وأورثوك الدين! ستقول لي لا، هذا ملف معروف، ولنا موقف منه.  

لا، ماذا ستقول في الحرب حول الكشمير بين الباكستان، وأنت من أصل باكستاني، والهند؟ ستقول نحن لنا الحق والكشمير لنا. مثلا! لا أعرف موقفك من القضية الكشميرية. هل ستمنع مؤسسة الحرب بالكامل، حتى الحرب العادلة؛ نُصرة للمظلومين؟ ماذا ستفعل؟ 

ليس هذا فحسب، طبعا أنا أعلم ما سيحصل يوم يُتاح لأمثال هذه المشروعات وهذه المدارس والأفكار أن تتسيد ثقافة أمة مُعينة، في بلد مُعين، مهما كان صغيرا! 

إن تسيدت، وأخذت طريقها إلى مناهج التعليم المدرسي والعالي – جميل! المدرسة الإجمالية؛ Ijmalism، أخذت طريقها! وقرأ أبناؤنا أمثال هذه الأفكار -، فهذا لا يمنع بالمرة افتراض أن هذه الدويلة المسلمة الإجمالية ربما تقع في خصومة وسوء تفاهم مع جارتها المسلمة!

ماذا أنت فاعل؟ وكيف ستحل المدرسة الإجمالية هذه العلاقات الأكبر بكثير من علاقات جُسيمات دون ذرية؟ علاقات بين بشر، كائنات الله المُستخلفة المُكرمة، ومسلمون أيضا!  

في هذه الحالة سوف ترى يا سيدي كيف تعمل آلة التأويل أو آلة التأويلية مُباشرة لنزع صفة الإسلام عن الإخوة الجيران، وجعلهم ضمن مُعسكر الكفر الذي يجوز مُحاربته وهتكه واجتياحه! 

ما هذا؟ علينا أن نكون عمليين. على فكرة، هذا الذي أقوله أكثر عملية مما يقترحه سردار! أليس كذلك؟ مُقترح سردار وقف البحث في فيزياء الجُسيمات، انتهينا! هذا هو! 

مُقترحي هو ما حصل من أيام اقتتال الصحابة، على أنهم لم يُكفروا بعضهم بعضا – بحمد الله تبارك وتعالى -، لكن ظل يحصل بعد ذلك بين الممالك الإسلامية، وبين المسلمين وبعضهم البعض، وبمنطق التكفير واجتياح الآخر! 

هذا حدث مع المُرابطين من جهة المُوحدين، الذين قتلوا منهم أكثر من ثمانمائة ألف! وحدث مع إسماعيل الصفوي، الذي قتل أكثر من مليون، من أهل السُنة، في إيران وفي العراق! باسم أيضا الإسلام والتأويلية!

هكذا تشتغل الحياة للأسف الشديد، وهكذا يشتغل اللعب! هذا منطق أقرب إلى أن يشتغل على أنه مُجرم، مما تقترح من منطق لا يُمكن أن يشتغل! يجب أن نكون واضحين. 

ولذلك على فكرة، كما لاحظ ربما البروفيسور نضال قسوم – بارك الله في عُمره -، لاحظ أن مدرسة سردار يبدو أنها مُنيت بالخيبة، وأُصيبت…ماذا نقول إذن؟ تكسرت طموحاتها! تكسرت طموحاتها حين لم تؤت أُكلها، لا المُرتقبة، ولا حتى قريبا مما كان يُقترب، بالمرة! 

لماذا؟ السبب الرئيس – لما رأيتم الآن -؛ لأنها ليست عملية. كما قلت بيير بورديو Pierre Bourdieu! الحس التطبيقي! ليس لديهم الحس التطبيقي!

الجميل في الإسلام المُحمدي هو الآتي! هنا تُدرك عظمة نبيك – عليه الصلاة وأفضل السلام -! عظمة نبيك! تعرف الفرق بين سيد حُسين نصر وسردار وعدنان إبراهيم وسيد قطب وحسن البنا والخُميني، وبين محمد بن عبد الله – صلوات ربي وتسليماته عليه -! 

في عشر سنين أنجز كل ما أنجز! وترك تُراثا للأمة، فتحت به ثلاثة أرباع المعمور، في تسعين سنة! عظمة محمد! تعرفون لماذا؟ محمد – عليه السلام – من أول يوم كان رجل الأعمال، مع كونه رجل الأقوال الصحيحة، المقولة له! رجل الأعمال!

لما جاء إلى المدينة، ومعه عشرات، مِمَن تركوا ديارهم وأملاكهم وأهاليهم، وكل ما تأثلوه! لم يدع إلى الإحسان وال Charity والعطاء، وأعطوا وأحبوا بعضكم وكذا، أبدا، أبدا، أبدا! حوّل مفهموم الأخوة إلى مؤسسة اجتماعية، تنظيم اجتماعي، Association! تنظيم اجتماعي! 

آخى بين المُهاجرين والأنصار! هذا أخوك، وهذا أخوك! وكانوا يتوارثون! ما رأيكم؟ إذا مات أحدهم، يرثه الآخر! كأنه أخوه، من لحمه ودمه! الله أكبر! ما هذا يا محمد؟ محمد هذا، ليس أي كلام يا حبيبي!

ذكرت لكم مرة مُلاحظة العبقري الكبير علي عزت – رحمة الله تعالى عليه -، حين قال لِمَ فشلت الثورة الفرنسية؟ ولِمَ أكلت أبناءها؟ طبعا! هي عبر مئة وخمسين سنة تُدمر في نفسها، وتُدمر في شعبها! 

لا تظنوا أنها نجحت من أول يوم! لم تستقر الأمور، إلا بعد مئة وخمسين سنة! ما الثورة هذه؟ هناك ناس يُريدون أن يجعلوها نموذج للثورة! أي نموذج؟ 

قال لأني أرى أنها دعت في شعاراتها الثلاثة إلى الآتي: دعت إلى الحرية، نعم! أمكن مأسسة الحرية، صحيح. دعت إلى المُساواة، حتى المُساواة يُمكن مأسستها. ودعت إلى الأخوة، فشلت في أن تُمأسسها، فقتل الإخوة الأعداء بعضهم بعضا! روبسبير Robespierre ودانتون Danton وميرابو Mirabeau! ذبحوا بعضهم! أليس كذلك؟ هو هذا!

انظر إلى رسول الله إذن – أنا أضفت من عندي، هذا قادني إلى نبيي -؛ رسول الله لم يدع إلى الأُخوة مفهوما، مواعظيا. حوّلها إلى مؤسسة اجتماعية. 

لذلك حين سُئلت قبل بضع سنوات، وكنت في عُمان، في الراديو العُماني، عن مُشكلة الثقافة، قلت بصراحة أنا أرى أن الموضوع أقرب بكثير مما نُحاول أن نُعقّده! وكأن فينا خطأ بنيويا، نحن العرب والمسلمين، يجعلنا لا نحترم الوقت، غير مُنضبطين، غير نظاف أيضا! 

نعم، ليس عندنا نظافة، فانتبه! ستقول لي كيف؟ لسنا نظافا! انظر إلى الحج، لسنا نظافا، نحن المسلمين! لذلك علي عزت، أيضا مرة أُخرى، العبقري قال أنا أُرشح لنيل جائزة نوبل Noble مَن يدلني على سبب أن الإسلام لم تُوجد مِلة ولا شريعة ولا دين حض على النظافة مثله، حتى جعل النظافة من الإيمان، تخيل! ومع ذلك الأمة الإسلامية من أوسخ الأمم! 

وسخون نحن، للأسف! لسنا نظافا! والله العظيم! أنا قلت لا، أنا آخذها؛ جائزة نوبل Noble! أعطني حتى مئة ألف دولار، أعطني ألف دولار! أعطك الجواب مُباشرة، يا علي عزت. لا! المسألة ليست مسألة مُعقدة، ولا صعبة!

قبل أن أقول لكم الجواب – وقلته، وعملت عليه خُطبة – بفضل الله عز وجل -، وأجبت في الراديو العُماني أيامها -، أُريد أستشير الآن مهاتير محمد Mahathir Mohamad، العبقري الكبير! الذي عمل في ماليزيا تلك النهضة الكبيرة!

وعنده الجانب السيء مهاتير محمد Mahathir Mohamad! عنده الجانب غير المُشرف، أمام الملايويين أنفسهم! أبناء الملايو! قومه! وهو منهم! عنده كتاب اسمه مأزق الملايو، أي The Malay Dilemma! The Malay Dilemma؛ مأزق الملايو! 

للأسف يصدر فيه عن خلفية عرقية، يتبنى مفهوما عرقيا عُنصريا، ضد عرقه نفسه الملايوي! ويصدر فيه أيضا – وهذه أيضا مما أُخذ عليه – عن نزعة داروينية اجتماعية! تخيل! ال Social Darwinism! وهذا شيء خطير ومُخيف! أين نحن؟ للأسف! 

فللأسف يزعم أن الملايويين – أي أبناء الملايو – بطبيعتهم (أي عرقيا! يا الله! بنيويا، هم هكذا! عرقيا، خلقيا! بطبيعتهم) لا يعرفون معنى للوقت! وLazy؛ كُسالى. يقول كُسالى! غير عمليين، وغير مُنظمين!

ويحكي عبارة، أنا نفسي أساءتني، وأنا لست من أبناء الملايو، لكن هؤلاء إخواني المسلمين أيضا، أي لماذا أنت هكذا شديد على قومك بالدرجة هذه؟ إهانة هذه، وليست هكذا المُقاربة! 

ماذا قال؟ الصيني أيا كان – هم المُهاجرون الصينيون هؤلاء! تعرف لم يكونوا Indigenous هؤلاء، كانوا مُهاجرين، هؤلاء Migrants! والملايو هم أبناء البلد. قال الصيني أيا كان -، وأيا كان العمل الذي يُزاوله، سيخرج من تحت يده أفضل من أي واحد من أبناء الملايو!

أف! تعرف ترجمة هذه العبارة ما هي؟ أردأ صيني إنتاجه أفضل من أفضل ملايوي! يا رجل لماذا؟ هم هكذا فعلا؛ أبناء الملايو؟ ها أنت منهم! وأنت طبيب، وعالم اجتماع، واقتصادي، ورجل دولة، وفيك أبهة يا رجل! ها أنت ملايوي! من أين خرجت؟

اضطر سيد حُسين العطاس – ليس سيد نقيب العطاس، المُهتم بأسلمة المعرفة، لا! أخوه. وقلت لكم هذا أحد مؤسسي الأبحاث التجريبية في الاجتماع، في جنوب شرق آسيا! سنغافورة وماليزيا – أن يؤلف كتابا اسمه أُسطورة الأصلاني الكسول!

مَن ال Native؟ مثل Indigenous! لكن هناك فرق بينهما، لا أُريد أن أخوض فيه؛ لأن أباظة لما كتبت كتابها، تخربطت! تخربطت بين ال Native وال Indigenous وما إلى ذلك! المُهم، ضمن موضوع ثان هذا! وهناك فرق بينهما! 

فهو قال ماذا؟ أُسطورة ال Native الكسول! مَن ال Native؟ الملايوي! يعني الملايوي! ابن الملايو! رد عليه بكتاب كامل! قال له مُقاربتك غير علمية، وتفكيرك غير علمي. وقال له يا فرحة الاستعمار بك! الذي هو مَن؟ الاستعمار الأجنبي هذا! الهولندي وكذا! يا فرحتهم بك! والإنجليزي! 

أنت عملت على تبخيس قومك، وتحقيرهم، وتكريس تخلفهم، بما لا يحلم به المُستعمر! ما الخطاب – قال له – هذا؟ حتى المُستعمر ليس عنده القدرة على أن يحكي عنا بمثل هذا! لماذا تعمل هكذا؟

هذا كله شيء خطير يا إخواني، انتبهوا! على فكرة؛ فكلمة علي عزت – رحمة الله عليه – العبقري في نفس المصب على فكرة! لا تُفهمني أن عندنا حالة مُستعصية، نحن ناس وسخون! 

وسخون ماذا يا حبيبي؟ نحن نعرف حالنا الآن كمسلمين نعيش في أوروبا هنا، ونعرف أزواجنا وأولادنا وحياتنا! نحن مُمعنون في النظافة، إلى حد هوسي! Obsession! 

ادخل بيوتنا، تجد عندنا عشرين نوعا من الغرغرة، عشرين نوعا من أغلى فُرش الأسنان، تخيل! بيوتنا نظيفة! نظافة غير طبيعية في حياتنا! لماذا أنت هكذا؟ 

أنا أقول لك ما القضية كلها إذن والحل. الحل بسيط جدا جدا، بكلمة واحدة، والله العظيم! وأيضا الذي ألهمني إياه رسول الله:

لا يكفي لكي تُشيع ثقافة مُعينة أن تعظ بها: النظافة، النظافة، النظافة، وقال الله، وقال رسوله، والشعر، والقصص، والحكايات! لن يعمل شيئا! حوّل هذا إلى إجراءات، إجراءات! 

أول الإجراءات تشريعية، قوانين! قوانين: ترمي ورقة في الشارع، مُخالفة خمسة عشر يوروا، مُباشرة! تدوس على كذا كذا كذا كذا، سجن ثلاثة أيام! إجراءات! هذا أولا. 

ثانيا مُباشرة هذه الأفكار تُدعّم بالمسرح، تُدعّم بالتلفزيون Television، تُدعّم في الشبكة العنكبوتية! الأهم من هذا: تُدعّم في الحضانة، تُدعّم في المدارس، تخيل! 

هذا الذي يحصل! أولادنا نحن، الذين وُلدوا هنا، مُستحيل أن أحدهم يرمي…تعرف ماذا؟ قُلامة ظفر! من السيارة، وهو حتى على ال Highway، لا أحد يراه! يستحيل أن يفعلها ابني أو ابنك، أليس كذلك؟ 

واسأل نفسك! مُستحيل! ولو عملتها، ينظر إليك نظرة فيها تحقير! لو أنت أبوه، ورميت قُلامة ظفر هكذا – عملت هكذا، ورميتها -، ينظر إليك! أي ما هذا؟ مَن المُتخلف هذا؟ أبي هكذا؟ وتجده يشعر بالخزي. 

هذا ابني! ما الذي حصل؟ نعم، رُبي في مؤسسات عندها النظافة ليست مواعظ، أبدا! ثقافة معمولة مُجراة، فقط! هذا الذي نُريده! نحن أمة الوعظ، أُقسم بالله! منظورنا على فكرة مُختلف. 

انظر؛ المدارس حتى الإسلامية هذه، مُعظمها تنظير! ونرجع مرة أُخرى إلى بورديو Bourdieu والحس التطبيقي! هذا التنظير يُشبه في الأخير وعظا، أليس كذلك؟ يا أخي انتهى الأمر، كفى وعظا، تفضل شغّل لي بديلك، أنا أنتظر! شغّل لي، أرني! أرني كيف يُمكن أن تُقدم لي علم أحياء إسلامي.

على فكرة – ودعونا نقفز للنقد، ليست مُشكلة – يُقال علم أحياء إسلامي، وعلم فيزياء إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وعلم قانون إسلامي، وعلم زراعة إسلامي، وعلم بستنة إسلامي، وعلم فلك إسلامي!

يا رجل أول ما يخطر بالبال أن هذا هو الطريق الملكية – ال Royal road هذه -، الكأس المُقدسة، للتسلطية والشمولية! أليس كذلك؟ والله العظيم! الطريق الملكية للتسلط والشمولية.

شمولية مَن؟ الإسلاميين، رجال الدين، علماء الدين. ما شاء الله على رجال الدين، أو الذين ينطلقون من مُنطلقات دينية محضة! والواحد منهم يُريد أن يُحدد لي كيف تكون الفيزياء إسلامية! ستقول لي أنت تُخربط! لا أُخربط، أنا أحكي لك عن وقائع!

هناك مؤتمر في الثمانينيات، من أقوى المؤتمرات عن العلم الديني والعلم الإسلامي، وقع في إسلام آباد، وقُدمت له أبحاث من العالم الإسلامي، وخاصة من الباكستان نفسها طبعا، ومن خارجها! ومن ألمانيا حتى، مسلمون ألمان جاءوا وقدموا.

والله هناك مسلم ألماني قدم بحثا فيه، مسلم ألماني! عن ماذا كان؟ حدثتكم عنه قبل حوالي خمس عشرة سنة هنا على المنبر، شيء مُضحك! عن زاوية الله؛ Angle of God! 

أستغفر الله العظيم، زاوية الله؟ أنا أُريد أن أعرف كيف أُجيزت هذه الورقة الملعونة، ال Anthropomorphic paper هذه! هذه الورقة اللعينة، الوثنية هذه! مَن الذي أجازها؟ 

قال لك انتبه، كل الأعمال، التي هي في حدود سبعين عملا، نوقشت في هذا المؤتمر، وصُفق لها! ومسألة كبيرة! وكان الرئيس؛ رئيس هيئة أو وكالة الطاقة الذرية بالباكستان بشير الدين محمود، أحد المُشاركين، بل أحد كبار المُشاركين؛ لأن هذا رئيس الهيئة كلها في الباكستان! 

مهزلة! مهزلة! دعونا نُواجه الحقيقة كما هي بصراحة، وهذا شيء يؤسيني، لكن هذا الذي يحصل لنا! نحن أمة مسكينة، والله العظيم، ما زلنا! ما زلنا مساكين!  

فقال لهم زاوية الله! هيا يا أخي، كيف نقيس – أستغفر الله العظيم – زاوية الله؟ أنت مجنون؟ قال لك هناك الباي Pi π! تقول لي الباي Pi π التي هي ال ط؟ نعم، هي ال ط! التي هي نسبة ماذا؟ نسبة المُحيط إلى القُطر! أكثر من ثلاث مرات بقليل، اثنان وعشرون على سبعة! هذه اسمها ماذا؟ باي Pi π! الباي Pi π! 

قال لك نعم، الباي Pi π على ال N. إذن ما ال N؟ قال لم يذكرها لنا! والله العظيم! قسما بالله شيء لا يكاد يُصدق! الباي Pi π معروفة! قال وأما قيمة الباي Pi π، فواضح أنها ثلاثة، واحد، أربعة، كذا، كذا، كذا. حلو! وبعد ذلك؟ وال N ما هي؟ لم يذكر! الورقة لم تذكر ما ال N! وتكون زاوية الله هذه! 

نحن أين نعيش؟ المُصيبة – لا تزال المصيبة أيضا مُثلثة ومُربعة ومُخمسة، لا نكذب – أن بشير الدين محمود – رئيس وكالة الطاقة الذرية الباكستانية، دكتور في الفيزياء – قدم ورقة! 

وانبسط هو، وانزعج من الذين نقدوه! تنزعج ماذا يا حبيبي؟ أنت عالم؟ أنت درست العلم؟ أنت تعرف كيف يشتغل العلم؟ أشك في ذلك كله طبعا، أشك في ذلك كله! وسأقول لكم لماذا.

قال لك أنا ورقتي: كيفية تسخير الجن! الجن؟ الجن الجن؟ أولاد عمنا هؤلاء؟ من الثقلين؟ نعم، الثقل الثاني! تسخير الجن لاستخراج الطاقة! وأفضل لنا من الطاقة الذرية! ما شاء الله، شكر الله سعيك، يا مُدير وكالة الطاقة الذرية الباكستانية، شكر الله سعيك. 

واضح أنه لا يعرف يُدير الطاقة الخاصة به هذه في الوكالة، ولا يعرف يحل مشاكل الطاقة الباكستانية، قال لك أحسن شيء أن نميل قليلا على أولاد عمنا الجن! 

كيف إذن بالله عليك؟ والله أنا معك، هيا، تفضل! حاول أن يُقدم – قال – تحليلا مُعينا للتركيب الكيميائي لهم! هكذا سماه؛ التركيب الكيميائي! التركيب الكيميائي للجن! وبالتالي بعون الله هي خُطوات بسيطة، وإن شاء الله الأمور قريبة، وكله (زي الفل) كما يقول المصريون، وسنُسخر الطاقة الجنية هذه، ونُدير المصانع!

يا جماعة أنتم تمزحون؟ والله هذه حقيقة! وهذا واحد من أكبر العلماء في الباكستان! لكن لا تنسوا على فكرة، لا تنسوا أن الآتي في الباكستان نفسها! مثلما ذكر البروفيسور برويز أميرالي هودبهوي Pervez Amirali Hoodbhoy، وأنصحكم أن تقرأوا كتابه! 

سوف تشعرون أن عنده لهجة صعبة، وهو الذي ذكر هذه الحقائق، في المُلحق! عمل Appendix! قال العلم الذي يُسمونه إسلاميا! وأتى بالأوراق الخاصة بهم، وقال تفضل، تفضل، تفضل!

الكارثة؛ كيف مُررت هذه الأوراق؟ طبعا انظر: بطبيعة العمل، لا يُمكن أن يُمررها علماء؛ علماء طبيعيون طبعا! لماذا إذن؟ لأننا سندور في حلقة مُفرغة! هذه أبحاث في العلم الطبيعي، وأنت تقول لي أنا لا أُريد علما طبيعيا Pure، أو Mere science! أُريد Islamic mere science! Sacred science! حلو! مَن الذي سيُعطيها الفيزا Visa، سمة الدخول، أن هذا والله إسلامي؟ المشايخ! هذا الذي حصل!

الأبحاث العلمية الرياضية الفيزيائية الجنية الكيميائية الباذنجانية هذه مرت على لجنة من العلماء، أجازوها! وأنتم تفهمون شيئا يا علماء؟ أنتم تفهمون الهبل هذا الذي تقرأونه ما هو؟ عندكم أي Base في الرياضيات والجن والتركيب الكيميائي للجن؟ وتعرفون ما الباي Pi π حتى؟ 

والله العظيم تجده مُفتي الباكستان ولا يعرف، ولم يسمع في حياته بالباي Pi π! يقول لك ما الباي Pi π هذه؟ لعلها تكون نصف الباي باي Bye-bye إذن؟ لا! هذه الباي Pi π شيء ثان، في الرياضيات. يقول لك لا، لا أعرفها! 

ولذلك أنا قلت لكم هذا، ولم أُبالغ! صح أنا أيضا قاس في أسلوبي وطريقتي، لكن والله يا أخي…ماذا أُريد أن أقول لك؟ حاولت أن أكون هادئا، في تلك الحلقات التي خلت، مرارتي كادت تُفقع! تمتعت وأنا أُحاضر فيكم عن المواقف الغربية، رأيتموها كيف كانت؟ معقولة، وفيها بُعد لاهوتي وفلسفي، كان شُغلا عميقا! 

دخلنا على الوضع الإسلامي، وجدنا الجن هذا طلعت منه طاقة، وزاوية الله – أستغفر الله العظيم -! ورجل ثان أيضا قدم Equation؛ مُعادلة! وكاتبها! Equation! نعم، ما هذه؟ 

قال لك هذه تقيس النفاق في الأُمم! والله العظيم! Hypocrisy! قياس Measurement، تعمل قياسا للنفاق! فهل قستها على الباكستان؟ قال لك لا! قاسها على الإنجليز.

السيد حُسين العطاس، الشقيق الأكبر لمحمد نقيب، تعرف ماذا قال؟ قال هؤلاء؛ دُعاة أسلمة المعرفة، باحثون عن عمل في سوق العمل! يُريدون رزقا! يُريدون أن يأكلوا! 

أكلوا أو لم يأكلوا؟ والله أكلوا الشهد، أُقسم بالله! أكلوا الشهد! ومؤسسات في السعودية، وفي إسلام آباد، وفي ماليزيا! ولا نُريد أن نحكي! وكتب ويوتيوب YouTube! واستهبال ليس له أول من آخر! وعلم الحيوان، الإعجاز في علم الحيوان، في علم النبات، في علم السُحب والأمطار، في علم الأرض، في علم كذا!  إعجاز ماذا؟ 

ورجل رابع قدّم مُعادلة ثانية! لا تزال هناك مُعادلة؟ والله مُعادلة! مُعادلة تقيس الأجر، الذي تحصل عليه، بحسب عدد الصفوف في الصلاة! كيف أعرف يا أخي؟ أقيس الأجر؟ 

والله العظيم لو صليت وحدي في جوف الليل، فليس عندي أي ميزان أعرف به كم حسنة سوف آخذها، أو سوف آخذ أم لن آخذ أصلا! إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * يا أخي، بالله عليك القرآن قال هذا؟

انظر؛ على فكرة هذا العلم ال Sacred اللعين، سيُحوّل الدين إلى لعنة! سيُعلمك الكذب، والرياء، والنفاق، والسخافة! سنترحم على أيام العلم الغربي! تعرف لماذا؟ والله العظيم! قال لك أنا أُعطيك هذا: حين تُصلي، تقدر على أن تعرف الحسنات التي سوف تأخذها، بحسب موضعك، وكم واحدا عن يمينك وعن شمالك، وبمُعادلة! 

القرآن علمني لما أُنهي الصلاة غير هذا! النبي قال أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله! أليس كذلك؟ القرآن علمني وقال لمحمد خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا *، وقال له ماذا أيضا؟ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ *. القرآن علمني لما أحج وكذا كذا: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ *. أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ *. لماذا؟ 

لأنه يُريد أن يُعلمك أنك لا تقدر على أن تعرف عملك هذا مُخلص أو غير مُخلص! أي أخلصت فيه أو لم تخلص! مقبول، أو غير مقبول! إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ *. تظل بين الخوف والرجاء: يا ربي تقبل، يا ربي أعطني. 

هذا ليس كذلك، قال لك أُعطيك مُعادلة، تعرف بها كل شيء! تعرف بها الصالح من الطالح، وما مقدار الأجر الخاص بك! وتذهب يوم القيامة، وأنت تحمل صحيفة: يا ربي عندي سبعة ملايير حسنة! يُقال لك مُتأكد؟ المُعادلة! ما الهبل هذا؟

ستقول لي طبعا بصراحة – من غير أن تُناقش، ومن غير أن نقول – يا سيدي هذا الكلام، بحد ذاته، ليس عملا علميا! فعلا هنا نحتاج إلى معيار التكذيب البوبري! Popperian falsifiability principle نحتاجه! نحتاجه تماما! كيف سأعرف أنا؟ لا تُوجد إمكانية للتنبؤ، لإطلاق نبوءة! أليس كذلك؟ لا تُوجد! لا أقدر على أن أطلق أي نبوءة.

لذلك هذا لُب كلامي بصراحة، في موقفي من المدرسة الإرثية والعلم المُقدس، بطريقة سيد حسين نصر، على فكرة! ليس العلم الديني، بطريقة آخرين! مهدي جولشاني Mehdi Golshani؛ عالم الفيزياء الإيراني، وغيره، وكذا! ليس عنده مدرسة، لكن هو في الاتجاه نفسه! معقول قليلا، أكثر! ومن العلم العلماني إلى العلم الديني! عنده! والقرآن ومعرفة الطبيعة! 

لماذا؟ لأن ما دمت أدخلت لي الجانب الروحاني، وعلوم الأسرار، وجوهر الحكمة الخالدة، ومبادئ المدرسة الإرثية العميقة، فأنت أدخلتني في مجال لا يُمكن اختباره تزييفيا! انس! يخضع للذوق. 

كما قال الصوفيون علمنا هذا ذوق، مَن ذق عرف، ومَن اعترف اغترف! انتهينا! لا تُوجد إمكانية لاختباره؟ قال لك لا تُوجد إمكانية! هو بطبيعته هكذا! على فكرة، انظر: إذا ضربت هذا المبدأ، بهذه الطريقة، فأنا أضمن لك كعدنان الآني: 

إقحام عالم الروح، وعالم الجواهر هذه المُقدسة؛ لكي تكون أساسا لعلم مادي، أو لعلم نُريد أن نصل به إلى تفسير الظواهر الطبيعية المادية الكونية! تعرف ماذا سيفعل في النهاية، وبعد خُطوات يسيرة؟ 

سيضرب مصداقية الإيمان! قل لي كيف؟ سيضربها! سيضرب مصداقية الإيمان! لأن إذا تكلمت عن دلائل الإيمان، وتكلمت عن تجربة الإيمان، فسوف تخلص من قريب، إلى أن تجربة الإيمان بطبيعتها، تجربة شخصية، ذاتية! مثلما قال الصوفيون علمنا هذا ذوق، مَن ذاق عرف.

هذا، إذا عشت الحالة هذه، وشعرت بالتواصل مع السماء، وشعرت بأن الله فعلا يسمع ويُلبي، وعنده قدراته – عز وجل – وطرقه الكثيرة؛ لكي يستجيب لك، وبطريقة كما قلت في المُحاضرات السابقة ضرورية! تورثك حسا أو معرفة ضرورية! وقد تُنقذ حياتك، وقد تُصلح أشياء كثيرة في حياتك. وهذا يحصل مع كل مؤمن، له تجربة إيمان. واضح؟

انتبهوا، مثل هذه التجارب بطبيعتها لا يُمكن لواحد مادي، فيلسوف أو عالم أو مُلحد أو شكوكي أو Agnostic مادي، أن يقول لا، باطلة، وأكاذيب! لا يُمكن له أن يقول ذلك. لماذا إذن؟ 

لأن سيُقال له هي بطبيعتها لا تخضع لمنهجية التقصي المادي، بطبيعتها! أي لا ينفع أن تأتي وتقول لي هذا رجل من الصالحين، عنده تجربة خاصة، عنده كرامة على الله، سأُخضعه للتجربة! لا يصلح، لا يصلح! تعرف لماذا؟ 

لأن هذه التجربة من ضمن سماتها الأصيلة الأساسية أنها تجربة ذاتية. بمعنى أنها لا تحصل، ولم تحصل له حتى هو شخصا، إلا ضمن شروطها الذاتية. أي هو كان، في حالة روحية مُختلفة، لما حصل معه هذه الكرامة – هم يُسمونها مُعجزة -، أو هذا الفعل الخارق! 

لما حصل معه هذا الفعل الخارق، والكرامة العجيبة، كان في حالة روحية لا تتسنى له كل يوم، ولا كل حين! لكن لاحظ من نفسه عبر السنين كلما بلغ هذه الحالة تقريبا أو عاشها، ظهرت له الخوارق! تحصل معه! خوارق عجيبة! 

لا أُريد أن أتكلم أكثر من هذا. أنا أتكلم، والذي عاش هذه الحالات يعرفها، الذي لم يعشها هو حر! لكن الذي عاشها على فكرة يعرف أنها حالات غير موهومة! لأن عندها استنادات مادية، وتظهر آثارها في عالم المادة، وفي أحيان كثيرة يشهدها شهود، يعيشونها! وأنا أتحدث عن تجارب دقيقة، وأفهم ماذا أقول تماما، فانتبه! والذي مر يعرف ماذا أعني.

هذه الحالات الإيمانية بطبيعتها غير قابلة للتقصي المادي، بطبيعتها! لماذا؟ جُزء منها كبير، الإنسان إزاءه في موقف سلبي! كيف في موقف سلبي؟ أي هو لا يستطيع أن يُنتجها كلما أراد. 

وعلى فكرة، هذا من أيام أبحاث فرانك ألين Frank Allen – إذا لم تخني الذاكرة في اسمه، وهذا من أوائل العلماء الأمريكان الكبار في الباراسيكولوجيا. أعتقد كان اسمه فرانك ألين Frank Allen! هذا عالم أمريكي كبير، من رواد الباراسيكولوجيا الأمريكية! فرانك ألين Frank Allen -! 

وحتى آرثر كوستلر Arthur Koestler المجري المشهور في كتابه جذور المُصادفة Coincidence؛ The Roots of Coincidence، تكلم عنه، وتابع بعد ذلك الحديث.

فرانك ألين Frank Allen قال لك نحن لما جربنا أن نتقصى، وضح أن الظواهر الباراسيكولوجية بالذات، غير الظواهر المادية. أي إذا أردت أن تختبر الشخص، بمزيد الاختبار، وبإلحاح الاختبار، تتراجع قدراته! اتركه وحده، تظهر – سُبحان الله – في مُستوى مُختلف! أخضعه للتجربة، مرة، مرتين، ثلاثا، تتراجع! 

كأن عندها هذه الصفة الذاتية، وكأن الشخص – هكذا الغيب رسالته – يقول لك لست أنا مَن أولدها. لذلك سُبْحَانَ الَذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ *، حتى المُعجزات النبوية! هل هناك نبي يجترح مُعجزة؟ أبدا! النبي تُجترح له المُعجزة، واضح؟ تُجترح! 

لَوْلَا أُوتِيَ *، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ *! لَوْلَا أُوتِيَ *، ليس أتى هو، لا! حتى لو أتاها، فهذا إسناد مجازي، مجازي! ليس حقيقيا! لكن تُجترح له. وكذلك الكرامات، والأحوال الإيمانية، والكشوفات، والفيوض، والحدوس العجيبة هذه! كلها أنت فيها تقريبا شبه مُتلق! وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ *، مَا يُقَالُ لَكَ *، أليس كذلك؟ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ *! بطبيعتها!

فما شاء الله يا جماعة إسلامية المعرفة والعلم المُقدس والعلم الكذائي، بهذه الطريقة (المُخلبطة طبعا) غير المُنضبطة منهجيا، والتي تُريد أن تخلط الغيب بالشهادة، والشهادة بالغيب، ومناهج هذه بمناهج هذه! ما الذي سوف يحصل في الأخير؟ 

سوف يحصل في الأخير أن الإيمان سوف يتزحزح عن موقعه، سوف يتراجع، سوف يفقد موقعه! سوف يكون هناك حرب انسحاب، للإيمان، كل يوم، كل يوم، كل يوم! سوف تكون ضربة للإيمان، ليس تدعيما للإيمان، أبدا! وإنما بكل بساطة ضربة. 

لذلك القرآن الكريم فيه هذه الروح العجيبة! هي ليست لا مُبالاة، فقط أول أمس أحد أحبابي الفضلاء يسألني، يقول لي ما معنى أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ *؟ قلت له أنا لا يُعجبني التفسير الشائع – والتفسير هذا موجود -: أي تحسبون أنكم تنجون من العذاب وكذا؟ لا! قلت له ليس العذاب! 

قلت له العكس! قلت له الآية، سباقا وسياقا ولحاقا، فيها تلطف إلهي كريم! فيها لمسة حانية رحموتية من أعجب ما يكون! الله يقول لهم تظنون بسبب إعراضكم ومُجافاتكم واستكباركم، أننا سنُبهرجكم ونُهملكم، ولن نوالي عليكم المواعظ والتذكير؟ بلى، سنفعل! 

يا الله! كأنه يقول أنتم أعزة علينا! الله يقول للكفار! أنا أعزكم، أنا أُحبكم، أنا أُريد مصلحتكم، لآخر لحظة سوف أُلاحقكم بالتذكير وبالموعظة؛ لعلكم تهتدون! شيء جميل! قال لي الله! وقال لي هذا هو الذي ارتحت له! الأخ الفاضل هذا.

فإذن لا يُمكن لأحد أن يزعم أن القرآن فيه روح اللا مُبالاة. بمعنى ماذا؟ مَن اهتدى، فله ذلك. ومَن لم يهتد، ففي ستين داهية! هذه نحن نقولها، وليس الله. حيث ألقت! لا! ومع ذلك هناك شيء آخر قد يشتبه علينا: أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ *، فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا *، لَسْتَ عَلَيْهِمْ *…بكذا! ما المفهوم هنا؟ 

كأن الله يقول له هناك جنبة للموضوع، أنت ربما لا تشغل نفسك بها! جنبة للموضوع ذاتية، شخصية! هل الشخص يُريد أو لا يُريد؟ نحن نُريد، وأنت تُريد! وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ *. قال له! فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ *! لكن هم لا يُريدون، ماذا تعمل؟ 

والدليل أيضا على أن القرآن مُندك جدا، بل مُمعن، في هذا التلطف الإلهي والحنان الرباني، كما قلت مرة في خُطبي، وهذا الشيء مُهم جدا، مُهم جدا! لما فكرت فيه، وجدت أنه مُزلزل بالنسبة لي، مؤثر جدا جد! أن رب العالمين – لا إله إلا هو -، بصفته رب العالمين – أي الغني عن العالمين، أليس كذلك؟ الغني عن كل شيء، لا إله إلا هو! لا يحتاج لأي أحد أبدا، أبدا، أبدا -، كان قادرا مُباشرة على أن يبعث لنا شرعه أمرا ونهيا: افعل، ولا تفعل. وإن فعلت، فلك كذا. إن لم تفعل، فعليك كذا وكذا. والسلام عليكم! هيا! بالطريقة القانونية! القوانين هكذا، أليس كذلك؟ 

بالله عليكم هل هناك قانون في العالم يبدأ هكذا مثلا: إلى السادة المواطنين الأعزاء، حرصا منا على سلامتكم، وكذا كذا كذا، وقد قال أرسطو Aristotle، وجاء في مواعظ جلال الدين الرومي، وقال الشاعر كذا كذا؟ أبدا، لا يُوجد هذا يا حبيبي! براجرافات Paragraphs وراء بعضها: واحد، اثنان، ثلاثة! واحد، اثنان، ثلاثة! هو هكذا! انتهينا! سُلطة الدولة! لا يُوجد إلا هذا. 

إلى الله يُدعى بالبراهين مَن أبى…….فإن لم يجب بادته بيض الصوارم.

هذا في القانون فقط، ليس في الدعوة! هو هكذا! لا، الله ليس كذلك! أمر، ونهي، وقصص، وحكايا، ومواعظ، وترغيب، وترهيب، وتحنن، وتذكير، و: يَا عِبَادِيَ *، و: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ *، و: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ *! هذه الآية تُدمرني! الله يتحسر! لا إله إلا الله! الله يقول يَا حَسْرَةً *! يَا حَسْرَةً *عليكم! يَا حَسْرَةً *! لماذا أنتم هكذا؟ لا إله إلا الله! ماذا تُريد أكثر من هذا؟

ومع ذلك كله، كما قلت لكم هناك الروح التي يُمكن أن تشتبه عليكم؛ اتركهم، انتهى، دعك عنهم! أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ *. هذه ليست روح لا مُبالاة، أبدا! هذه الروح فقط كأنها تربت على كاهل رسول الله! 

كما قلنا فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ *، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ *، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ *، ولكن هم لا يُريدون! حاولنا معهم كل شيء، وأنت تُحاول، لا يُريدون! لماذا؟ لأن فعلا الإيمان فيه هذه الجنبة والجهة الذاتية، الشخصية! 

ولذلك أنا أحترم كل مُهتد، ولم أجد مُهتديا مسلما كبيرا؛ مُفكرا، فيلسوفا، عالما، أكاديميا مُحترما، والله العظيم، سُئل كيف اهتديت، إلا يشير إلى هذا الجانب! أن المسألة ليست علما، ولا فكرا، ولا شهادات، ولا فلسفة، ولا أي شيء! هناك إشارة إلهية، جاءتني من الغيب، وأنا كنت باخعا لها، بكل تواضع تقبلتها. لم أستكبر. 

نقلتني من عالم إلى عالم، وكلفتني الكثير! فقدت أصدقائي! وبعضهم فقد زوجته وأولاده، وفقد كل شيء، مسكين! وفقد عمله! ولكن أنا لم أستكبر، رضيت بهذا الحق، الذي لاح لي لأول مرة، لم أكن أتوقعه!

أي هناك تواضع شخصي، هناك نقاء، هناك إرادة في معرفة الحقيقة! واضح؟ إذا هذه الإرادة غير موجودة، فانس! انس! لو اصطكت أمامك الجبال، فلن تهتدي، والله العظيم! ولذلك أنت رأيت والله ما هو أصعب من اصطكاك الجبال! 

ما هو؟ عند اصطكاك الجبال، يقول لك نعم، ألواح تكتونية، محمولة عليها الجبال، تحركت! نعم، هذه تحصل فعلا! يميل جبل على جبل، عادي! لكن الأصعب من هذا: ولد عُمره ثلاثة أو أربعة أيام، يقول إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ *! ما هذا؟ 

بعد ذلك اتهموه، واتهموا أمه أيضا! لا إله إلا الله! ماذا تُريدون أنتم؟ قال فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ *، ويل لهم! ويل لهم! فهذا الإنسان، هذا استكبار الإنسان وعتو الإنسان! 

فالذي أُريد أن أقوله؛ لكي تلتقطوا فكرتي، هو الآتي:

انتبه من هذه العملية، التي قد تبدو نبيلة في ظاهرها؛ أننا نُريد علما مُقدسا، وله أُسسه الميتافيزيقية الروحية العميقة! ستقول لي لكن هذا لا ينطبق على إسلاميي المعرفة؟ صحيح. ولا ينطبق على مدرسة سردار، التي هي أقرب إلى النزعة الاجتماعية؟ صح. وإسلامية المعرفة أقرب إلى النزعة الإصلاحية الفقهية؟ صح.

ينطبق بدرجة أولى، وربما حصرية، على مدرسة مَن؟ نصر؛ سيد حُسين نصر! المدرسة الميتافيزيقية، الفلسفة الخالدة، أو الفلسفة القديمة هذه، المدرسة الإرثية! صح، هذا ينطبق عليها، وهذا خطير، وخطير جدا!

أُريد أن أُعلق بشيء مُهم جدا أيضا، ذكرته قبل أيام لبعض أحبابي – وأعتقد أن هذه التعليقة تُبرئ ذمتي قليلا، وتجعلني أشعر بنوع من الراحة والإنصاف -، ما هو؟ 

أحيانا تجد بعض الصالحين، أو أحد الصالحين، فإن لم تجده هو، وجدت بعض تلاميذه ومُريديه، يزعمون له أشياء، لا تنسلك في الذهن العقلاني العادي! أنه مثلا كان مُحيطا بعلوم كذا، كذا، كذا! بكذا ألف علم! 

تقول ألف علم ماذا؟ وهو عاش ومات بيننا! وكان شيخا يصعد على المنابر، وألف كُتبا، ورأيناها! رأينا علمه وكذا، ليس عنده! وغيره أعلم منه في علوم الظاهر نفسها! من أين تزعمون له أنه كان عنده ستة آلاف علم؟ 

أنا أتحدث عن رجل مُعين في بالي، زُعم له أن كان عنده ستة آلاف علم! هذا أولا. ثانيا – لأننا دخلنا في العلم المُقدس الآن، والجوانب الغيبية هذه، والروحية والرمزية – هناك مَن قال لك أنا صرت إلى حالة – بفضل الله – ما! حين دخلت في طريق الله، كنت أقرأ القرآن مثلا في ثلاثة أيام، وأنا اليوم ربما أسلخ النهار كله، لا أُغادر شطر آية! 

إذن لماذا شطر آية؟ قال لك كلما تلوتها، تبدى لي منها علم! علم جديد، معنى جديد! أي معناها مئات، إن لم يكن ألوف، المعاني! كلما قرأتها، علم جديد، علم جديد! حلو، حلو! هذا قاله الشخص نفسه، وهو كان عالما كبيرا – رحمة الله عليه -، وصوفيا خطيرا، بنفسه قال عن نفسه! 

لكن رأينا كتبك أيضا وتعليقاتك، عادية! أقل من العادي! لا تُقاس بكلام الشيخ الأكبر، ولا بكلام الإمام الغزّالي، ولا بكلام حتى ابن عجيبة – رحمة الله عليه -، في البحر المديد ولا في شرح الحكم! ما الذي يحصل؟

انظر؛ الله يُحب الإنصاف، ونسأل الله يفتح علينا! تعرفون ما الذي يحصل؟ الذي يحصل أن هؤلاء صادقون، ولم يكذبوا، ولم يُبالغوا، والله! مساكين! ولكن حين يكونون تحت سطوة الروح، في فضاء الروح، وملكوت الروح، تبدو لهم تلك المعارف والعلوم العجيبة! 

ويستوعبونها، ويُدركونها، ويفهمون بها أمورا كثيرة جدا جدا! في عالمنا هذا، ذي سطوة البدن والمادة، تبدو مُغلقة، مُبهمة، غير مفهومة! إذا صاروا إلى ذلك العالم، فهموا كل شيء! 

المُشكلة إذا عادوا إلى هذا العالم، لم يعودوا يذكرون! ويبقى لهم ذكرى غائمة فقط! أنهم عرفوا سر هذه الأمور، لكن كيف؟ لا يعرفون! وعرفوا لها أكثر من وجه، وأكثر من تأويل، وأكثر من فهم، لكن ما هي؟ وأين هي؟ لا يستحضرون! 

لا إله إلا الله! إذن صدقوا، وما كذبوا! أرأيت؟ ولا كُذب عليهم، أحيانا! وأحيانا يقع الكذب عليهم، هذا شيء ثان! لكن أتحدث بالذات إذا صدقوا هم. 

الشيء العجيب هو الآتي! ولذلك فعلا كما قال أكثر من فيلسوف – أي ليس نيتشه Nietzsche وفقط -، قال ماذا ترك أفلاطون Plato؟ أفلاطون Plato مُذهل على فكرة! وفلسفته لها جانب روحي وميتافيزيقي مُخيف! مُحاوراته إرث عجيب!

قال ماذا ترك أفلاطون Plato؟ هل غادر الشعراء من مُتردم؟ وهل غادر أفلاطون Plato من مُتردم لفيلسوف؟ ترك شيئا لفيلسوف ثان؟ حتى هايدغر Heidegger! كان يراه شيئا عجيبا! وهايدغر Heidegger مُلحد. قال لك أفلاطون Plato هذا شيء عجيب! 

محمد إقبال ترجم أفلاطون Plato، وإن كان لسردار طبعا تنقيد على ترجمة إقبال لأفلاطون Plato، لا علينا! لماذا الآن استذكرت أفلاطون Plato؟ أفلاطون Plato قال لك، وهو يتحدث عن عالم المُثل، قال لك الذي حصل أن الروح، أو النفس، قبل أن تلج البدن، في هذه النشأة، في هذا العالم المُظلم، كانت عارفة وعالمة بكل شيء! كل المعارف عندها، وكل العلوم! 

وهذه يُسمونها نظرية الاستذكار الأفلاطونية في العلم والتربية، نظرية مشهورة! في التربية موجودة، وموجودة في الفلسفة طبعا، في الإبستمولوجيا! قال لك وحين جاءت الروح، أو النفس، ودخلت البدن، حدث لها ماذا؟ صدمة! بالصدمة هذه، نسيت كل علومها! لم تعد تعلم شيئا تقريبا! إلا أصول الأشياء. 

وفي الحقيقة، تذهب وتجيء، فعلا لا بُد أن تُسلّم، إلا أن تكون ماديا، مُغرقا في المادية (حتى الإلحادية)، حتى تُنكر، وتكون مثل جون لوك John Locke! مع أنه لم يكن مُلحدا، لكن هذه فلسفته! وديفيد هيوم David Hume من بعده، وتقول بنظرية التابولا راسا Tabula Rasa، باللاتيني! اللوحة البيضاء! 

وآخرهم ستيفن بينكر Steven Pinker! ها هو ألف كتابه الضخم، من ثمانمائة صفحة: الصفحة البيضاء! آخر نُسخة من الإنكار العلمي للطبيعة البشرية! قال لك أنت تابولا راسا Tabula Rasa، وليس عندك شيء! كل المعارف تتأدى إليك من الحس. 

كلام باطل، وموضوع ثان هذا، هذا طبعا يحتاج إلى مُجلدات، قصة! هذا النزاع الرهيب الإبستمولوجي، عبر العصور! أفلاطون Plato قال لك بالصدمة هذه تنسى كل شيء! وترجع تتعلم من أول وجديد الأشياء المُتاح لك أن تتعلمها. أما إذا نميت الروح، تنفتح على أبواب للإدراك مُختلفة. وهذا حين تخرج الروح، أو النفس، من البدن. يقول ببقائها! 

لذلك النظرية هذه؛ نظرية الثنائية، ليس أول مَن قال بها ديكارت Descartes. لا، ديكارت Descartes استحياها، ودعّمها فلسفيا، لكن قال بها أفلاطون Plato، قال بها أرسطو Aristotle، قال بها سقراط Socrates! أي حتى أرسطو Aristotle المادي قال بها! قال بالثنائية! تُوجد عندنا ثنائية! لم يقل بالواحدية المادية، قصة!

فنرجع، فإذن يبدو أن هذه نظرية هؤلاء العارفين. ولذلك انظر إلى هذه الحدود. وأنا أقول لك على فكرة إياك أن تشعر باليأس، أو يُخامرك الشك، حين تقرأ، كما حدث معي، أعمال سيد حُسين نصر مثلا! وخاصة فيما يتعلق بالموضوع هذا، قرأتها! والحاجة إلى علم مُقدس! تكاد لا تُمسك شيئا! الكلام نفسه يُعاد ويُكرر بأكثر من صيغة! لا يُوجد مُحصل حقيقي، تقدر على أن تُمسكه! 

الأعجب من هذا: لو قرأت أعمال جينو Guénon أيضا! عبد الواحد يحيى! فيما عدا النقد للحضارة المادية وبعض أوضاعها بطريقة علمية عقلانية مفهومة، حين يدور الأمر على الروح والعلم الإرثي وكذا، لا تخرج بكبير غناء! وأنا أتفهم هذه الحالة. تعرف لماذا؟

من طبيعة هذه المعارف والأسرار والعلوم أنها ماذا؟ أنها تشتغل في أُفق آخر! ولذلك الشيخ الأكبر – انظر، نرجع إلى الشيخ الأكبر، شيء عجيب الرجل هذا! الشيخ الأكبر، قدس الله سره -، حين تحدث عن علوم الأسرار، ماذا قال؟ 

قال وعلوم الأسرار إذا عُبّر عنها، خشنت. أي إذا وضعناها في قالب العبارة الآن، نُريد باللُغة! ونحن كل علومنا باللُغة! مكتوبة أو منطوقة. إذا عُبّر عنها، خشنت! تصير خشنة! غير لطيفة! تخيل! وكأنها تُشل، تُصاب بحالة من الشلل، وحالة من العوق! 

لأنها إذا كانت في حالتها العادية، تكون لطيفة! ما معنى لطيفة؟ مساربها دقيقة جدا جدا، تدخل وتخرج في مسارب لا تُلحظ. هنا قال لك خشنت. هكذا قال! لم يقل سمجت وما إلى ذلك. قال خشنت! كأنها (تتبرجل) هكذا، وينتهي الأمر! وانظر، تعبير عميق! قدس الله سره الكريم.

وفعلا هذا صحيح. لذلك أنا، مرة ثانية هنا، أُريد أن أُسجل نقدا، ولم أر واحدا سجل هذا النقد! أُريد أن أُسجل للمرة العاشرة الآن نقدا جديدا على مدرسة سيد حُسين نصر، لأقول هذه المدرسة بالذات، وهذه المواريث بالذات، لا تصلح لتأسيس علم يشتغل! لماذا؟ 

لأنها في أصولها كما قلت لكم علوم أسرار. بمُجرد أن تُعبّر عنها، لا تشتغل! وأنا لا أُريد أن أُعبّر، أُريد أن أجعلها ملكية عامة للبشرية، يشتغل عليها الهندوسي والبوذي والمسلم والكافر والمُلحد! انس! ولن تشتغل، ولن تُعطيك أي شيء.

ففي الأخير، سينفثئ البالون هذا الإرثي – إن جاز التعبير – النصروي، سينفثئ وتكون خُلاصته البسيطة بعض المبادئ الأخلاقية والميتافيزيقية، التي بلا شك نوافق نصرا وغير نصر عليها، ونقول يا حيهلا، نحن مع ذلك! 

نحن لا نُريد أن يكون العلم مُنفكا عن القيمة! ولأنه في الحقيقة غير مُنفك عنها، وإن زعم العلمويون ذلك، هو غير مُنفك عن القيمة. ونُريد استبدال هذه القيم التالفة؛ قيم الغزو والسيطرة والاستعمار والإمبريالية والطبيعانية الميتافيزيقية، نُريد استبدالها كلها، هناك أشياء أُخرى! نُريد أن نستبدل بها أشياء أُخرى، سوف نتكلم عنها ربما سريعا. 

هذا الحد مقبول، ولكن ضمن هذا الحد المقبول، لا يبقى شيء يُميز مشروع سيد حُسين نصر! لا يصير له أي امتياز، ولا أي إضافة مُختصة به! فهمتم قصدي يا إخواني؟ فقط!

أعتقد هذا يكفي – إن شاء الله -، نختم به هذه الحلقة؛ لكي أُتابع في الحلقة المُقبلة؛ لكي أتكلم عن المدرسة الإجمالية، وعن مدرسة إسلامية المعرفة. 

ربما لا نحتاج إلى الكلام عنها كثيرا؛ لأنها معروفة لدينا كعرب، ومطبوعاتها كثيرة، وقرأنا الكثير منها، وعندهم موقع على الشبكة، والمجلة عندها موقع على الشبكة، كان اسمها إسلامية المعرفة، والآن اسمها الفكر الإسلامي المُعاصر، وموجودة على الشبكة، كل هذا مُتاح! 

فهذا ربما لا يُحوجني إلى الكلام الكثير عن إسلامية المعرفة، فإن شاء الله أُقرمط الكلام وأختزله كثيرا فيها، وأستودعكم الله، الذي لا تضيع ودائعه.

مدرسة حسين نصر – العلم والدين – الحلقة 14

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المُرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. 

إخوتي وأخواتي/

أعتقد أنني مهدت بدرجة، وإن لم تكن طبعا كافية، للتعريف بالمدرسة الإرثية، التي يصدر عنها كثيرون، وهي طبعا ربما تكون نوعا من التسمية للحكمة الخالدة. ويعود هذا النوع واستحياؤه والتعريف به إلى المرحوم عبد الواحد يحيى أو رينيه جينو René Guénon. 

أي طوّفنا تطوافة سريعة، غير كافية بلا شك، بهذه المدرسة، وبأكبر مبنيين لها، ولها مبان أُخرى، لكن طبعا ربما يُصدم أحدكم، حين يبدأ يتقصى حول هذه المدرسة، حين يقف على أنها تُعنى بالعلوم الخفية! 

لها علاقة وعناية خاصة بالعلوم الخفية، مثل الخيمياء، وإن كانوا يُسمونها الكيمياء، لكن هي ليست الكيمياء المُعاصرة، وعلوم أُخرى كثيرة، عُرفت في التراث الإسلامي، مثل الليمياء، والهيمياء، والسيمياء، والريمياء، وعلم الحروف، وعلم الرموز، وحساب الجُمل! 

حتى السحر، للأسف الشديد! الحكمة الخالدة والمدرسة الإرثية تعتني حتى بالسحر، وبالتنجيم، وبالخيمياء، وبالرمزيات، وما إلى ذلك! حتى نكون واضحين، ونعرف أين نحن، هو هذا!

وفي ظني الكثير، في ظني! لكن أحسن أن أُرجئ هذا إلى وقت النقد، حين نقول رأينا في هذه المدرسة، وفي منزعها، وفي موقفها من العلم الحديث، هذا الذي يهمنا طبعا، نحن لا نتكلم عنها كمدرسة، هذا موضوع آخر، لكن في موقفها من العلم الحديث.

فكما قلت لكم سيد حُسين نصر هو أحد، بل الآن تقريبا هو أكبر علم، من أعلام هذه المدرسة حول العالم! مشهور جدا! طبعا مشهور في العالم الغربي أكثر منه في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي أكثر منه في العالم العربي! معروف جدا عند الغربيين! لأن مُعظم كتاباته الغزيرة والكثيرة جدا يكتبها باللُغة الإنجليزية، على أنه يُجيد عددا من اللُغات.

وطبعا كان سيد حُسين نصر أول مسلم يُدعى لإلقاء مُحاضرات جيفورد Gifford! حدثتكم عنها – سُبحان الله – في الحلقات السابقة! مُحاضرات جيفورد Gifford! سواء في اسكتلندا أو في أيرلندا أو في المملكة المُتحدة أو في غيرها! هو أول مسلم دُعيَ لإلقاء هذه المُحاضرات! وألقاها فعلا، ثم طبعها في كتاب اسمه تقريبا المعرفة والمُقدس، أي Knowledge and the Sacred! 

وهو كتاب مُهم، أي بدرجة أهمية كتابه الحاجة إلى علم مُقدس، الذي يشرح فيه أيضا هذه المدرسة، ومبانيها، وموقفه، وهو قدر ليس كبيرا، من العلم الحديث، بناء على مباني وتوجهات هذه المدرسة.

الشخصية الثانية التي دُعيت إلى مُحاضرات جيفورد Gifford محمد أركون، المشهور! نعم! لا أعرف أن هناك شخصية ثالثة دُعيت. 

كنت في البداية، في الحلقة الأولى، قلت لكم سأذكر لكم شيئا ربما يلفتكم بخصوص المدارس الثلاثة: مدرسة حُسين نصر، ومدرسة ضياء الدين سردار، ثم مدرسة إسلامية المعرفة!

المُلاحظة أن ثنتين من الثلاث المدارس تتبع مسلمين غير عرب، مما يؤكد أن المسلمين غير العرب لهم مزيد عناية بقضية العلم والدين وقضية الفلسفة العلمية وفلسفة العلم، أكثر من العرب، وهذا صحيح بلا شك! 

طبعا مدى عُمق سيد حُسين نصر في فلسفة العلم وتراثه المكتوب في هذا الباب، هذا مشهود به عالميا، حتى ضياء الدين سردار! على أنه أصغر في السن بحوالي عشرين سنة على الأقل، أو أكثر؛ ثلاثين سنة! ثنتان وثلاثون، وإحدى وخمسون، نعم! قريب من رُبع قرن، لكن على الأقل له ستة كتب، حول قضايا العلم والعلم في الإسلام والعلم الغربي ونقد كذا! 

ناس – سُبحان الله – عندهم اهتمام حقيقي بهذه المجالات! لذلك استحقوا أن تتبعهم مثل هذه المدارس، في حين أن العرب لهم مدرسة واحدة، وهي الأقل والأضعف من حيث التأصيل؛ مدرسة إسلامية المعرفة، وسوف نقف على بعض ذلك – إن شاء الله تعالى -.

نعود الآن إلى سيد حُسين نصر – بارك الله في عُمره – ومدرسته التي تدعو إلى علم مُقدس Sacred science، علم مُقدس! طبعا بعض الناس يأخذ الاسم ويطير به! 

يقول لك أرأيتم هذا الموقف الاختزالي البسيط الساذج؟ علم مُقدس؟ وهل يُوجد علم مُقدس، وعلم Profane – أي علم مُدنس -؟ هل العلم الغربي مُدنس، وعلمكم الموعود الذي لم نر وجهه حتى – أى أين إنجازاته؟ أين عطاءاته؟ أين كشوفاته؟ أين فتوحاته؟ – مُقدس؟  

لا، المسألة ليست بالطريقة هذه، وموقف سيد حُسين نصر أصلا من العلم ربما يكون مُشتبها قليلا عند بعض الناس الذين تعجلوا قراءة بعض مقالاته، ليس بعض كتبه وأعماله! 

أي لو سألت هل سيد حُسين نصر مثلا ضد أن نتعلم هذا العلم، الذي تعلمه هو؟ لقيل لا، ليس ضده، بالعكس! ويقول لك تعلم، ولا بُد أن نتعلم هذا العلم الغربي، وأن نُمعن فيه. إذن أين يختلف معه؟ ما مُشكلته؟ وما هو العلم المُقدس الذي يُطالب به؟ 

نعم، سيد حُسين نصر قال لك أنا حين بدأت في دراسة تاريخ العلوم الإسلامية، وقرأت فلسفة العلم، وأمعنت فيها، تبيّن لي أن العلم في حضارة المسلمين تأسس على مهاد فلسفي ميتافيزيقي، ورؤية كونية – أي Worldview؛ رؤية كونية -، تمتح من معين العقيدة الإسلامية، من الروح الإسلامية، تجعله يختلف إلى حد بعيد – غير واضح قال للأسف الشديد -، لدى مُعظم المُسلمين، الذين يتكلمون في هذا المجال ويكتبون في هذا المجال! 

وأحيانا يشتد في وصفهم، أي يصفهم أحيانا بأنهم بُسطاء أو سُذج! ليس عندهم أي دراية بالموضوع! ويظن واحدهم أن العلم الغربي هو العلم الإسلامي كما قلنا، بضاعتنا رُدت إلينا! قال لا، يُوجد فرق كبير جدا جدا بينهما، يُوجد فرق كبير جدا بينهما!

إذن – لكي نُلخص فقط، وبعد ذلك نبدأ نُفصّل – ما الذي ترمي إليه يا سيد نصر؟ وما الذي تبغيه؟ يقول أنا أبغي إلى إعادة تأسيس العلم على المُسبقات وعلى الأسس الميتافيزيقية الإسلامية؛ لأنها في نظري، وحسب درايتي بالعلم وبالعالم وبالإسلام، هي الأوفى والأفضل والأكرم والأضمن لمُستقبل العلم ومُستقبل البشرية.

عنده مُبرراته، ويُمعن في ذلك هو. هذا مُلخص موقف هذا الرجل. إذن هو ليس ضد العلم في ذاته، وليس ضد حتى أن نُحصّله، لكن ضد أن نكتفي به، وأن نأخذه على علاته كما هو؛ لأنه يرى في الأخير – وله طبعا تصريح في هذا – أن من المسلمين مَن يُحسن الظن فيه! 

(وأيضا لبساطته؛ لأنه مسلم ساذج! ويظن أننا بمنجاة وبمأمن من أن نصير إلى المصير الذي صارت إليه الكنيسة في الغرب الأوروبي! بسبب تعقد علاقتها واشتباكها مع الدين. قال نحن بمأمن! قال لا، لسنا بمأمن! بل نحن أقرب أن نصير إلى هذا المصير مما تظنون!)

أنا في هذه النُقطة تقريبا أتفق معه، أظن أنني أتفق معه مبدئيا، لسنا بمأمن ولسنا بمنجاة، وواضح على فكرة أننا بدأنا نُعاني الآن، نُعاني من اشتباك العلاقة بطريقة غير مفهومة!

وندفع الثمن من إيمان أولادنا؛ أبنائنا وبناتنا، وإخواننا، دون أن يكون لدينا الجدية في فتح هذا الملف ومُعالجته، على نحو ما حصل حتى في الغرب الأوروبي! لسنا جادين إلى الآن! لسنا جادين!

أعتقد على الأقل يُعترف لأمثال سردار، وأمثال جماعة إسلامية المعرفة، وأمثال حتى الدكتور البروفيسور نصر، بأنهم جادون، أخذوا الموضوع فعلا وحملوه على محمل الجد، لكن قوى الأمة بشكل عام، أجنحتها الثقافية والفكرية – نتكلم في المجال الديني – بشكل عام، لا، لم تُناصرهم، ولم تستجب لهم! 

ولذلك هذا التأثير! كما قلت لكم نحن العرب، أي أربعمائة وخمسون مليونا تقريبا، ونحن مهد الإسلام، وقلب الإسلام، ولُغة الإسلام! تقريبا لا دراية لنا، لا بمدرسة سردار، ولا بمدرسة نصر! نعم؛ لأننا لسنا جادين في أن نتعاطى مع هذا الملف حقا!

على الأقل بداية الجد أن نعرف أين وصل إخواننا، الذين هم منا وإلينا! هؤلاء مسلمون، مُفكرون مسلمون كبار! ولهم مدارس، ولهم أتباع، ولهم إنتاج فكري غزير، يعرفه الغربي قبل حتى المسلم! لماذا نجهله نحن العرب؟ ما مُشكلتنا؟ ما الخطب مع العرب؟ هو هذا! ما الخطب مع العرب؟ لماذا هذه الأُمية الثقافية لدى العرب تقريبا؟

حقيقة أنا لم أر دراسة عربية حاولت أن تُعرّف بهذه المدارس، إلا ما كتبه البروفيسور نضال قسوم – بارك الله في عُمره -، هذا العالم الفاضل الجزائري، المُقيم الآن حسبما أعتقد في الشارقة أو في الإمارات بشكل عام.

عنده كتاب مُمتاز أهدانيه – بارك الله فيه – قبل حوالي ثماني سنوات، مع رسالة لطيفة ورائقة جدا منه إلي! اسمه سؤال الإسلام الكمي Islam’s Quantum Question، وحاول أن يقوم فيه بنوع من التوفيق، بنوع من التوفيق بين العلم وبين المنظور الإسلامي.

هذا الكتاب عرّف فيه بالمدارس الثلاثة هذه، وبطريقة مُكثفة وجميلة، والله! هناك طبعا دكتورة مصرية، قامت بشيء مُشابه، مع تفصيل طبعا أكبر، أعتقد أن كتابها كان رسالة دكتوراة، لكن هذا الكتاب رسالة دكتوراة بالإنجليزية! اسمها مُنى أباظة.

المُهم، هو عن الجدل حول الإسلام والمعرفة في ماليزيا ومصر، في عوالم مهزوزة Shifting worlds! تقول Debates on Islam and Knowledge in Malaysia and Egypt: Shifting Worlds، في العوالم المُهتزة لماليزيا ومصر. أنا قرأت الكتاب بطوله – بفضل الله -.

عرّفت تعريفا مُسهبا، وطبعا ونبشت تحت الخلفيات! مع أنني لاحظت على الدكتورة مُنى أباظة أنها في العموم غير مُتعاطفة مع الطرح الإسلامي. واضح أنها ليبرالية، وعلمانية، أي لديها…لا أدري! ما يُمكن أن يُشتم منه أنه نوع من عدم التعاطف أو الانحياز، ضد أي طرح إسلامي تقريبا! 

هكذا أنا رأيت، وقرأت كتابها بطوله، نعم! وعُدت إلى بعض مصادره أيضا، وهي كثيرة جدا! فهذا الكتاب تعريف أيضا، تعريف مُعمق، وعمل علمي أكاديمي مُسهب!

فيما عدا ذلك للأسف، العرب غير معنيين كثيرا! لا أدري لماذا! ليس عندنا إنتاج في هذا الباب، ولا حتى مُطالعات جدية! الله المُستعان، إن شاء الله يتغير هذا الشيء، وتكون هذه المُحاضرات أيضا دعوة إلى التغيير، وتُعطي ربما أخطوطة عامة، نعرف أين نتجه! اذهب وتعمق في هذه المدرسة، وفي هذه المدرسة؛ لكي تكون على دراية بما يحدث.

فسيد حُسين نصر قال لك لا، المُشكلة قائمة، والخطر يتهدد الإسلام والعالم الإسلامي، ولا بُد من مُعالجة هذا الملف بجدية حقيقية. هو ساهم بطريقته، وحسب موقعه الفلسفي، جميل!

إذن هو يُريد ماذا؟ يُريد إعادة النظر في الأُسس الرؤيوية الميتافيزيقية الحاكمة على العلم والنشاط العلمي والبحث العلمي والسعي العلمي. المُشكلة الآن بعد أن نفرغ من هذه المُحاضرات، أنكم سوف ترون الآتي!

ومهما قرأت، وجدت أن ما يُميز مدرسة نصر ومدرسة سردار ثم مدرسة إسلامية المعرفة، هو ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيير بورديو Pierre Bourdieu، ما سماه Le Sens pratique، أي The Practical Sense، غياب الحس العملي، الحس التطبيقي! 

بمعنى أنك سترى تضخما في خطاب المدارس الثلاثة التنظيري! كتب ودراسات وأشياء! موجود، موجود، موجود، موجود! إذن والجانب العملي؟ أين؟ هل أنجزتم شيئا؟ هل جربتم أن تُشغّلوا هذه النماذج التي لديكم، الجديدة المطروحة كبديل، مثلا؟ 

ربما أكثرهم جدية مدرسة سردار؛ Ijmalism! أذكر أن أحد أعلام هذه المدرسة، واسمه منور أحمد أنيس Munawar Ahmad Anees – هو يبدو أنه هندي أو باكستاني -، ألف كتابا عن المُستقبلات – Futures سماه، ليس حتى مُستقبلا -؛ المُستقبلات البيولوجية! 

الكتاب هذا مُعظمه كأنه بديل طبعا لعلم الأحياء، طبعا! وتكلم حتى عن موقف المدرسة الإجمالية من التكنولوجيا وكذا. لما تقرأ هذا الكتاب وتقرأ عنه، تجد الآتي! أعتقد أن مُنى أباظة لم تظلمه كثيرا، حين وصفته بما يُشبه بأن يكون متنا بورنوجرافيا هكذا أو إباحيا! 

طبعا هو عمل علمي، على أساس هذا، يستخدم لُغة عجيبة، صادمة، جارحة، أي تجرحك، حين تقرأ! لا أستطيع أن أُمثّل هنا، خاصة معنا أخوات، لا أستطيع! عناوين لبعض الفقرات عناوين جنسية فاضحة! لكي يُعالج – قال – أمورا علمية!

فتجد كما لاحظت الدكتورة مُنى أباظة في كتابها هذا المُنوّه به قُبيل قليل، أن كتابه أصبح أشبه بالكُتب الصفراء، التي كانت تُوزع ربما أمام التكايا والمساجد! كتاب الباه ورجوع الشيخ إلى صباه، ونواضر الأيك للسيوطي إلى تكملة الاسم القبيح جدا! 

قالت مثل هذا هو! قالت أين يُريد أن يبلغ هذا العمل؟ ماذا يُريد أن يقول هذا العمل؟ لم يُقدم أي شيء حقيقي في علم ال Biology! أنت تتكلم عن بديل في ال Biology! أي بديل؟ أين البديل؟ ماذا فعلت أنت يا رجل؟ شيء غريب جدا!

وطبعا هناك النمطية التسطيحية أو التنميطية! يبدأ كل فصل دائما بشجب الأخلاق الغربية، وطبعا يتحدث – هذا أكثر شيء – عن أخلاق أو بيولوجيا التناسل، بيولوجيا التناسل! هو هذا! 

فكل فصل لا بُد أن يبدأ بشجب الحالة الغربية، وكيف أنها مُنحلة وموغلة في الإسفاف الأخلاقي والإسفاف الجنسي، ثم في الأخير – لينتهي إلى النهاية ذاتها في كل مرة -: نحن الأطهار، هم الأقذار ونحن الأطهار، نحن الجميلون الطيبون الأطهار الأنقياء.

تبسيط عجيب وغريب جدا جدا! وما هكذا تكون الأعمال العلمية! وعلى فكرة، لاحظ أكثر من ناقد، خاصة من الغربيين، لأعمال كل دُعاة العلوم على أساس ديني إسلامي، سواء سردار أو نصر أو إسلامية المعرفة، لاحظ فيها شيئا يُشبه أن يكون مُشتركا! ما هو؟ 

وهو أنها تتعامل بحس لا تاريخي! كأن الأمور أنماط ثابتة، ماهوية! نحن هكذا وهم هكذا، الإسلام هكذا والمسيحية هكذا، القرآن هكذا وال Bible هكذا! والأمور ليست كذلك، بالمُطلق ليست كذلك! إطلاقا! 

مَن الذي يُمكن أن يتحدث عن إسلام هكذا بالمُطلق، إسلام محض؟ أبدا! إذا أردت إسلاما محضا، فقط اتل الآيات، كما هي. أما إذا أردت أن تذهب خُطوة إلى الأمام؛ لكي تؤول الآيات، فهنا سندخل في إسلامات! أليس كذلك؟ هناك التأويل الكلامي، والتأويل العرفاني الصوفي، والتأويل اللُغوي، والتأويل الفلسفي، أليس كذلك؟ 

وهنا طبعا نستعير ابن رُشد، شيخنا الكبير – رحمة الله عليه -، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال! وهذا الفيلسوف عنده طريقته الخاصة في التأويل – رحمة الله عليه -. وبعد ذلك الآن هناك السلسلة التي صدرت في تونس من سنوات: الإسلام واحدا ومُتعددا! 

على فكرة، الإسلاميون عموما، أي أعمال علمية، بغض النظر عن قيمتها الذاتية، لا تتسق مع نزوعاتهم واتجاهاتهم العامة، يتجاهلونها، كأنها غير موجودة! مع أنها لو تعوطي معها، فحتما كانت ستُحدث بعض الآثار! شمال، يمين، ستُحدث أثرا، أكيد! 

فسلسلة – أعتقد أشرف عليها عبد المجيد الشرفي، الأكاديمي التونسي المشهور – الإسلام واحد ومُتعددا، من العنوان، فيها قضية لافتة! عدد إسلام الفقهاء، إسلام المُتكلمين، إسلام المُتصوفين، إسلام الأكراد، إسلام العرب، إسلام كذا! وهكذا إلى آخر السلسلة! 

أنت الآن تعال، قارن عموما بين الخطاب الإسلامي في العالم العربي، والخطاب الإسلامي الجنوب شرق آسيوي، هناك خلافات! هناك مُشتركات مُعينة، وهناك اختلافات.

وحين أُحدثكم عن مدرسة إسلامية المعرفة، سأتحدث عن طبعا العلم الثاني من أعلامها، بعد إسماعيل الفاروقي، وهو السيد محمد نجيب/ أو محمد نقيب العطاس.

مشهور جدا! مُفكر إسلامي أيضا. هذا مشهور جدا، وعلم كبير! أخوه سيد حُسين العطاس! أخوه الأكبر! شقيقه الأكبر! يتجاهله الإسلاميون! مع أنه أحد مؤسسي البحث السوسيولوجي التجريبي في جنوب شرق آسيا، وخصوصا سنغافورة وماليزيا! يُتجاهل بالكامل! وهو أخو نقيب العطاس! لماذا؟ 

لأنه بدأ بنزوعات إسلامية، ثم في الأخير انتمى إلى المُعسكر الليبرالي! ظل مسلما، لكن صار مسلما ليبراليا! ولم يُبارك، ولم يتعاطف، مع مشاريع أسلمة المعرفة هذه الإسلامية، وشجبها، وسخر منها. فتُتجاهل أعماله وكتاباته، إلى آخر ما هنالك! هذا موجود! 

وهذه الحالة أيضا غير صحية. ينبغي ألا يُتجاهل خطاب الكبار، أيا كانوا! حتى لو كانوا ملاحدة، وأن يُتعاطى معه! لأن على فكرة تجاهل الخطاب، صدقني، سيُساهم في تكوين جُزر فكرية وثقافية مُنعزلة، وهذه لا تكون في صالح ثقافة الأمة! 

أي في الأخير الخطاب لا يموت، وسيكون هناك مَن يتفاعل معه، ومَن يستجيب له، ومَن يبسطه ويمده أو يختلف معه نسبيا. هذه حالة غير صحية، حالة مرضية، أليس كذلك؟

فنعود إلى ما كنا فيه، فسيد حُسين نصر – أيها الإخوة – كما قلت لكم ليس ضد العلم كعلم، لكنه ضد الاكتفاء به، وضد أيضا تسليم ماذا؟ تسليم مفروضاته الميتافيزيقية كما هي! لا يُريدها. أي يُريد أن يُنقيها.

أعتقد أن سيد حُسين نصر في هذه النُقطة بالذات يتوافق مع مدرسة إسلامية المعرفة، للتو فرغت من القول بإن الذي يدّعي فضل الأسبقية في التأسيس لتيار إسلامية المعرفة، هو سيد محمد نجيب أو نقيب العطاس، الماليزي، من أصل طبعا حضرموتي يمني، من مئات السنين! 

وهو سيد مشهور جدا جدا، وعنده معهد كبير للفكر والحضارة في كوالالمبور، وشخصية هائلة! أي معروف الرجل هذا! بدأ عسكريا! وبعد ذلك سنتكلم عنه. 

هذا الرجل صك مُصطلح اسمه نزع الغربنة، نزع غربنة العلم، أي نزع تغريب العلم، نزع الصفة الغربية عن العلم. طبعا يبدو أنه استلهم فيه ماكس فيبر Max Weber؛ نزع السحر عن العالم! Entzauberung! Die Entzauberung der Welt؛ نزع السحر عن العالم. هو قال ماذا؟ De-westernisation of knowledge؛ نزع الصفة الغربية عن المعرفة. 

وصك مُصطلح أيضا إسلامية وأسلمة المعرفة، الذي بعد ذلك نُسب – وهذا أحزنه وأغضبه – إلى إسماعيل الفاروقي! قال لا. قال قبل إسماعيل الفاروقي ومؤتمر مكة، أنا في سنة تسع وستين تكلمت عن الموضوع، أنا أول واحد! 

هناك مُنازعات في هذا الباب! سيد حُسين نصر قال مع احترامي لسيد نقيب العطاس، أنا قبل ذلك في الخمسينيات كان لدي كتابات مُتواضعة في هذا الموضوع. قال أنا أول واحد!

لذلك سيد حُسين نصر مبدئيا، عنده تعاطف مبدئي، مع إسلامية المعرفة، وطبعا هو رجل مُهذب جدا على فكرة، عكس هذا سردار! سردار عنيف جدا وحاد، غير مُجامل في نقوده، صعب!

البروفيسور نصر مُهذب ولائق جدا، وهو شخصية هادئة أصلا، شخصية هادئة ووقورة ورزينة! ولذلك حتى في كتاباته يُظهر أو يَظهر أثر هذا الهدوء وهذه السكينة، ولا يُحب النزاع، أي الصدامي، لا يذهب إلى آخر الشوط، وسوف نرى طبعا! 

ولذلك هو كما قلت لكم مبدئيا مع مدرسة إسلامية المعرفة، ويرى أن له الفضل في اللفت إليها، وربما حتى التأسيس البدائي لها. وهو يقول إنه يؤمن أنها ستؤتي أُكلا طيبا! مدرسة إسلامية المعرفة! 

إذن في ماذا يتفق معها؟ يتفق معها في هذه النُقطة؛ في أنه لا بُد من نزع صفة الغربية عن العلم الغربي. لكي يكون علما حقيقيا عالميا، ويشترك فيه كل العالم، لا بُد ألا يبقى مُتغربنا. فيتفق! 

إذن وما البديل؟ هنا يُوجد شيء جدلي قليلا، Dilemma! تُوجد Dilemma هنا! البديل إسلامي! ولماذا يا حبيبي؟ لماذا تفترض أن إسلامك هو العالمي والكوني؟ أليس كذلك؟ مُشكلة على فكرة! 

ردة الفعل البسيطة الأولية لكل واحد غير مسلم، هنديا كان، يابانيا، صينيا، أوروبيا، مسيحيا، يهوديا: ولماذا الإسلام – يقول لك – إذن؟ لماذا أنت تفترض أن دينك ورؤيتك الكونية الإسلامية عالمية؟ لماذا؟ وسوف يُناقشك نقاشا حادا.

طبعا هنا تجد أن كل هذه المدارس تكاد تُجمع على أنه التوحيد! لأننا أهل التوحيد، نحن دين التوحيد، نحن دين التوحيد! الخالق واحد، العالم واحد، الحقيقة واحدة! إذا ماذا يعني هذا؟ المعرفة واحدة. هنا يُوجد خلاف، هنا تُوجد مُشكلة، هنا يُوجد شيء غير مُحقق، غير مُحرر! 

على فكرة، حين تقرأ أنت كثيرا من أعمال حتى الدكتور نصر، يروعك أنها تفتقر إلى عُمق يتلاءم مع مكانة الرجل نفسه وسُمعته في العالم! لا يُوجد! إذن أين العُمق؟ لم نر أن هناك عُمقا رهيبا ونقاشا عميقا! 

لذلك الذين يتعاطون مع أعماله، على أنه قد يكون الأعمق من بين كل المذكورين، يتعاطون معه وقد – كما يقولون – تراجعت أو اضمحلت الهيبة الأكاديمية للرجل، بسبب السُمعة العالمية وبسبب كثرة أعماله! لا، يرون أن أشياء كثيرة، تُمرر في خطابه، تحتاج إلى تحرير! 

هل تظن أنت لأنك مؤمن مُوحد، ترى أن الله هو خالق العالم – وهو كذلك، سُبحانه وتعالى -، وأن العالم واحد، مُرتبط بواحد، أن الحقيقة واحدة، وبالتالي المعرفة لا بُد أن تكون واحدة؟ مسألة خطيرة جدا جدا جدا! الحقيقة هل هي ناجزة، أم غير ناجزة؟ هل تُبنى الحقيقة أم لا تُبنى؟ 

وذكرنا في الحلقات السابقة بعض المفاهيم السريعة في فيزياء الكم مثلا، تعليقا على كلمة برتراند راسل Bertrand Russell في الواقع، وهنا سنرجع مرة أُخرى نستشهد بالكانطية، وأمثال هذه الأشياء، وحتى بالهوسرلية، والمناهج الفينومينولوجية، قصة كبيرة مُعقدة! وطبعا إذا أدخلنا أيضا المدارس الاجتماعية – علم اجتماع المعرفة، وعلى وجه الخصوص علم اجتماع العلم أو ال Science هنا -، دخلنا في ورطة كبيرة! وأن هذه الحقائق، لا يُمكن أن تُوصف بأنها موضوعية هكذا، بقدر ما يُمكن أن تُوصف بأنها حقائق تُبنى، في سياقات مُحددة، ومرهونة أيضا بالأسئلة التي يُراد منها أن تكون جوابا عنها، قضية جدلية مُعقدة جدا! 

ولذلك العالم سيقول لك مسكين أنت! أنت تدمغنا بما تقع فيه! أي أنت الصورة المُعاكسة لنا! تتهمنا بأننا كذا كذا، وأنت مثلنا! في نهاية المطاف سيقولون – في نهاية المطاف! وهذا الكلام أنا أعتقد أنه سيكون مُقنعا أكثر حتى لأبناء المسلمين -، سيقولون له على كل حال هذا ما حصل! هذا العلم الذي أنجزناه، ونجحنا في إنجازه، ولا يستطيع أحد أن يُكابر أنه ناجح جدا، وأنه له فتوحات رهيبة، وأن فتوحات هذا العلم يتمتع بها ويستفيد منها وخضع لها العالم كله، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا.

وما من أحد، ما من أحد يُمكن أن يُغامر بدعوى أنه قادر على الاستغناء عن هذا العلم، أليس كذلك؟ إلا أن يزعم أن لديه البديل، الذي عليه أن يُثبت كيف يشتغل، وأن يُشغّله؛ لكي يُنجز! لكن ليس على نحو كتاب منور Munawar هذا – نعم، اسمه منور Munawar – عن بيولوجيا التناسل، الذي هو متن في البورنوجرافي Pornography تقريبا، ليس هكذا! 

وليس على نحو ما ألف أكبر أحمد كتابه نحو أنثروبولوجيا إسلامية؛ Toward Islamic Anthropology! أنا قرأته، هذا قبل حوالي عشرين سنة، كتاب بسيط جدا جدا، لم يترك في أي أثر. بعض الأنثروبولوجيين الغربيين قرأوه، قالوا كتاب يتسم بالضحالة! ضحل! قال لك أنثروبولوجيا إسلامية! ما هذا؟ ما هذا؟ ليس هكذا!

المُهم، كما قلت لكم بيير بورديو Pierre Bourdieu صاحب مُصطلح الحس التطبيقي، يبدو أنهم في هذه المشاريع الإسلامية، يبدو أنهم لم يكتسبوا هذا الحس التطبيقي. تضخم في التنظير، إلى حد بعيد! مع ماذا؟ مع تطبيق ضعيف جدا، أو غير موجود حتى أحيانا! وضعيف! 

وقلنا أكثر هذه المدارس الثلاثة في التطبيق جدية مدرسة سردار! على أنها لم تنجح، ولم تُثمر! وسردار طبعا نشط، هو نشط بمقدار سيد حُسين نصر! هذان الاثنان – ما شاء الله عليهما – خدما مشاريعهما، ولذلك تحولت إلى مدارس، خدمة مُتفانية! 

كل يوم في قارة، كل يوم في دولة، مُحاضرة هنا، مُحاضرة هنا، باستمرار! حتى سماهم أحد المُفكرين الغربيين، ووصفهما بأنهما Jet set! Jet set هذه معناها عابرو القارات! 

هؤلاء الأشخاص الأثرياء، من المُعاصرين، الواحد منهم عنده فلوس، وعنده فضلة وقت دائما، ودائما راكب الطائرة النفاثة؛ ال Jet، ومن مكان إلى مكان، يطلب ماذا؟ الإبهاج وال Pleasure والمُتعة وكذا! 

فقال هذان الاثنان؛ سيد حُسين نصر وضياء الدين سردار، Jet set! بمثابة Jet set! Muslim jet set. قال! عابرات قارات مسلمة! كل يوم في مؤتمر، كل يوم في بلد، كل يوم في كذا كذا! نعم، ومع ذلك لا يُوجد مردود حقيقي إلى الآن، قريب من أربعين سنة! مرت أربعون سنة أو تزيد، قريب من نصف قرن! لا يُوجد أي شيء.

على فكرة هنا؛ حتى لا أنسى، يطيب لي أن أُلاحظ شيئا عجيبا جدا! ال Renaissance الغربية؛ النهضة، كانت في القرن الرابع عشر، أليس كذلك؟ والخامس عشر! المُصطلح نفسه متى صُك؟ في القرن الثامن عشر! 

طبعا! كلمة Renaissance هذه في القرن الثامن عشر، بعد أربعمائة سنة! هيا نُسمي هذه الحقبة، بعد أن درسناها ورأيناها، وأنتجت كذا وكذا وكذا، وابتعثت الآداب اليونانية والرومانية، إلى آخره! واهتمت بالإنسان، وجعلته المركز بدل الله، وما إلى ذلك! هيا نُسميها Renaissance! أي البعث الجديد، الميلاد الجديد! 

نحن – ما شاء الله – العرب قبل أن نخطو خطوة في النهضة، نقول لك النهضة العربية! إذن هل نهضتم؟ هل نهضتم أصلا؟ هل مشيتم؟ قال لك النهضة العربية – إن شاء الله -، النهضة العربية، هيا! النهضة، ننهض! 

لا إله إلا الله! يُوجد تعجل، عكس آبائنا! وعلى فكرة، هنا ترى خطاب الأزمة وخطاب الانفعال من الخطاب الصح – إن جاز التعبير – وخطاب الفعل، خطاب أجدادنا! وستقول لي أكيد أجدادك هم فاعلون! طبعا فاعلون، طبعا هم فعلوا وأنتجوا وألفوا وأنجزوا وأسسوا، ما شاء الله عليهم! 

لذلك أنت تُلاحظ التنظير؛ التنظير للعلم وفلسفة العلم، شبه معدوم! في أعمال ابن النفيس وابن سينا وابن الهيثم وفلان وعلان، شبه معدوم! يُوجد عندك مُنتج، انس! مُنتج، خُذ. تُريد حسابات مُثلثات، تُريد جبرا، تُريد خوارزميات، تُريد فلسفة طبيعية طبعا، علم حيوان، علم نبات، علم كذا! شيء لا يُصدق!

إن أنسى لا أنسى، حين كنت صغيرا – ولعلي قرأت هذا في موسوعة أحمد أمين! لم أُراجع هذا من حوالي خمس وثلاثين أو أربعين سنة، كنت في غزة، قبل أن أخرج أصلا – قرأت لمَن يتحدث عن موسوعة في النبات، ألفها عالم مسلم أندلسي في مئتي مُجلد، والله العظيم! شيء لا يُصدق! إن أنسى لا أنسى هذا الرقم! مئتا مُجلد في النبات؟ لا إلاه إلا الله! مئتا مُجلد؟ شيء عجيب! 

لذلك على فكرة، في الفترة نفسها مثلا، كان لديك في مكتبات الأندلس، خاصة قرطبة وكذا، قريب من بضعة ملايين كتاب! تخيل! في بعض المرات تتكون مكتبة فرد واحد من مليون ونصف كتاب! والله العظيم! شيء لا يُصدق! 

أعظم مكتبات أوروبا، إذا جُمعت أعمالها في الحقبة ذاتها؛ الوسيطة، لوُجد أنها تتكون من ثمانمائة كتاب! ونحن عندنا بضعة ملايين! شيء مُذهل حضارتنا! حضارة عمل حقيقي وإنجاز! ناس عشقت العلم، وعشقت المعرفة، وعشقت الإضافة! لم يعشقوا الكلام والتنظير.  

نحن اليوم نُنظر، نُنظر، نُنظر، ولا يُوجد أي منتوج، لا يُوجد موقف سليم! سوف نرى في الأخير! ستقول لي إذن موقفك أنت؟ ماذا سنعمل مع العلم الحديث هذا؟ ما القصة؟ ما كذا؟ سوف نرى، سوف نرى كل شيء في وقته – إن شاء الله تعالى -، وسوف نرى هل الشيء الذي نقترحه يُمكن أن يشتغل؟ هل هو شيء عملي؟ أي ما القصة؟ 

نرجع، طبعا هذه خُلاصة موقف سردار. ستقول لي أنا ربما أتعاطف مع النقاد، الذين ينتقدون نصرا، على خلفية فلسفته الخالدة هذه، أو الفلسفة الإرثية، التي أنجزت له مُصطلح العلم المُقدس هذا! لماذا؟ 

أولا مبدئيا أنت تذكر يا بروفيسور نصر أن جانب الروح أو النفس فينا مُتمايز من جانب البدن. بالفعل مُتمايز! غير مُستقل؟ غير مُستقل. يُوجد تحالف بينهما، طالما مع بعضهما، يُوجد تحالف! صحيح! نعم، إذا كان ذلك كذلك، فهل العلم المُقدس هذا – أيا كان وأيا كانت قواعده وخلفياته الميتافيزيقية، إلى آخره -، عنده القدرة على أن يتعاطى مع عالم الطبيعة، بنفس المردودية والنجاعة والجدوى، التي برهنها العلم الطبيعي المادي هذا؟

ستقول لي ما هذا السؤال؟ طبعا هذا السؤال مُهم جدا في فلسفة العلم! لماذا؟ لأن بناء على مبناك أننا كائنات ثانوية ومُكونانا مُتمايزان، التمايز هذا يطرح تحديا كبيرا! أن معناها الوسيلة المعرفية التي يُمكن أن نتعاطى عبرها مع جانب النفس أو الروح فينا لن تصلح لجانب المادة! 

ولكي نُبسط، نقول الآتي! على فكرة أنا دائما وأنا أعد هذه المُحاضرات، دائما يثور في دماغي مثل هذه الأسئلة! دعك من ال Subatomic particles هذه، دعك منها؛ لأنهم سوف يُناقشون فيها! تعال إلى شيء أقرب من هذا، إلى ال DNA molecule! جُزيء الحمض النووي الريبوزي منزوع الأكسجين؛ Deoxyribonucleic acid هذا! 

هذه بنية ثابتة! انس! ثبت وجودها وواقعيتها بدقة شديدة! تم الكشف بعبقرية مُذهلة! على فكرة من أعظم فصول الفتوح العلمية في تاريخ البشرية: كيف وصل بنو الإنسان إليها؟ الذين هم طبعا الغربيون! كانوا هم بلا شك! واتسون Watson، وكريك Crick، وروزاليند Rosalind هذه، هم كانوا جماعة! وإن كانت مظلومة هذه السيدة الألمانية (الغلبانة)، ولها فضل كبير! لكن المُجتمع ذكوري بطريركي، قصة ثانية! 

كيف توصلوا إلى بنية الحمض النووي هذا؟ شيء لا يكاد يُصدق! وهذا أعطانا فتحا أكبر مما تتخيلون! نحن في ألفين وواحد أنجزنا مشروع الجينوم البشري! ما كان لهذا أن نحلم به أصلا، لو أننا لم نتوصل إلى بنية الحامض النووي، مادة الوراثة الجوهرية! 

بالله عليك، مادة الوراثة الجوهرية هذه، كيف يُمكن لعلم الأسرار، أو لعلم روحاني، أو علم خفي، أو علم مُقدس، أن يتدخل فيها؟ هذه قضية مادية! الله شاء ذلك! 

تماما ستقول لي هناك ما هو أبسط من هذا، لا نُريد أن نبعدها! أبسط من هذا: حتى أمراض البدن! اليوم هناك الطب الحديث. ستقول لي الطب الصيني، والطب الهندي، وطب الأعشاب، والطب ال Alternative هذا – يُسمونها Alternative هنا -، وطب ال Acupuncture، وما إلى ذلك! 

حلو، حلو، حلو! نعم، ولكن بصراحة رُغم كل عطاءاتها وكل كذا كذا، لا تُقاس في الأخير، في نهاية المطاف، بالطب الحديث، المادي، الطبيعاني! أليس كذلك؟ شيء مُذهل يا أخي! 

ولذلك مُستحيل أن زعيم حزب صيني مثلا أو هندي أو رئيس أو حتى رجل دين كبير، يُصاب بمرض عضالي مُعين، يحتاج إلى جراحة، أو نوع من العلاج الإشعاعي، ويذهب يأخذ وصفات طب بديل! يُمكن أن يموت، قبل أن يشفى! لكن هذا الطب شيء عجيب! 

ورأينا المُحاولة – آخر شيء – التي لم تتم: تركيب رأس إنسان على بدن إنسان آخر. لم تتم؛ لأن المُتبرع تراجع. قال لك أنا تزوجت في الفترة هذه. وهو شخص مسكين طبعا، أي الجسم طبعا جهيض بالكامل! الرأس عنده سليمة تماما، والعقل والقدرات العقلية، لكن الجسم تقريبا غير موجود. الجسم جهيض بالكامل، مُتقزم، تعبان تماما! 

وجد مَن تتزوجه، وهي حسناء جميلة. قال لك لا، أنا لا أعملها! وإلا كان البروفيسور هذا الإيطالي يُريد أن يُجري العملية! وقال لك ستنجح بنسبة تسعين في المئة. شيء مُذهل! هذا التقدم مُخيف!    

نحن الآن يُمكن أن نجد في بعض الجلوس، في هذه المُحاضرة، الآتي: يكون أحد إخواننا أو أخواتنا، جالسا معنا بقلب إنسان آخر! هناك طبعا مَن هو جالس مع كبد آخر، موجود! مع كبد إنسان آخر، كبد فرنسي! 

أحد إخواننا هنا يعيش بكبد شخص فرنسي لا نعرف مَن هو! شيء لا يكاد يُصدق! أحياء يعيشون بقلوب أموات! يعيشون بأكباد أموات! هذا العلم الحديث! هذا لا يلعب، هذا ليس لعبة.

العلم الذي فجر طاقة الذرة، وصنع القنابل الهيدروجينية والذرية، هذا علم لا يلعب، وعلم لا يُمكن أن يُستخف به، وبالقليل من التنظيرات الفلسفية والدينية والروحانية والرمزية تقول لي إنه انتهى، وسأُقدّم بديلا! تفضل، قدّم. البشرية تنتظر مَن يُقدّم! أليس كذلك؟ الأفضل! عندك سباق محموم ومفتوح، تفضل، قدّم! أرني كيف يشتغل بديلك هذا الإسلامي. 

علينا أن نكون جادين، لا يُمكن تتعاطى مع هذا الملف بهذا الاستخفاف وهذه البساطة، أليس كذلك؟ وعلى فكرة، ستقول لي كيف يقع؟ أنا أقول لك، انظر؛ هذا لأن الإنسان محدود! إياك أن تطلب من إنسان يشتغل فلسفة – فيلسوف هو -، وخاصة إذا كانت فلسفته ذات طابع روحاني أسراري ألغازي، أن يُقدّم حلولا عملية حقيقية، لمشاكل المُجتمع والبشرية. 

صدقني، بطبيعة تكوينه، وطبيعة ثقافته، ونزوعاته الشخصية، هو غير مؤهل لذلك! سيبقى يُقدّم لك تنظيرات بسيطة، على الورق! تقريبا مبتوتة الصلة بواقع الناس! 

الآن على فكرة ما الفرق بين فيلسوف سياسي وبين سياسي؟ الفرق كبير جدا جدا جدا! هذا يتكلم ولا يشتغل، كلامه حتى لا يشتغل! أما السياسي، الذي خاض غمار السياسة، ورُبي فيها ونُشئ فيها، هو الذي يستطيع أن يعرف ما هي السياسية، وكيف تشتغل السياسة! ويُشغّلها ويُنتج! أنت فيلسوف، تأتي من خلفه؛ لكي تُعلق فقط! فربما أصبت، وربما أخطأت! هو هذا!  

لذلك على فكرة، إياك أيضا أن تستعين في مشاكل الاقتصاد، والسياسة، وإلى حد ما في الاجتماع، بالناس الذين تغلب عليهم التأملية والانطباعية والإغراق في التفكير الفلسفي! لن ينجحوا، سيُتعبونك، سيُصدعون رأسك، دون أن تأخذ منهم شيئا قابلا لأن يُترجم إلى نتيجة عملية، هو هذا! فهذه قضية خطيرة!

لذلك على فكرة، سوف ترون هذه الحالة من الاحتراب بين هذه المدارس الثلاثة، وطبعا ضياء الدين سردار شديد النقد لمدرسة سيد حُسين نصر، وإلى درجة أنا أرى أنها جاوزت حدود اللياقة! 

قال ما شاء الله! البروفيسور سيد حُسين نصر، واضح أنه رجل تائه! ماذا؟ تائه؟ قال نعم، Nowhere man! Nowhere man! لا يعرف أين هو! نحن بالعامية نقول (مش عارف وين ربنا حاطه). هو سماه هكذا: Nowhere man!

طبعا ضياء الدين سردار كاتب بالإنجليزية عميق، وأديب كبير أيضا طبعا هو! ألم أقل لك إنه واحد من المئة الأكثر تأثيرا في بريطانيا؟ مقروء عند غير المسلمين! رجل كبير! ونشأ في بريطانيا طبعا، هو وُلد في الباكستان، في البنجاب، لكن نشأ من طفولته في بريطانيا، وتعليمه في بريطانيا. 

والعجيب أنه درس، مثل سيد حُسين نصر، درس الفيزياء في البداية! وبعد ذلك انفتح على النقد والتاريخ والأدب والمُستقبليات والسياسة والإسلام، إلى آخره! لكن بدأ بالفيزياء أيضا، نفس الشيء! 

فنرجع، فقال Nowhere man هذا! قال وواضح أنه سيأخذنا الآن في كتبه هذه وتنظيراته في رحلة الألغاز الغامضة! Tour هكذا! سيعمل معنا Tour هو! جولة، كلها ألغاز! سماها Magical mystery tour.

قال هذا! هو سيأخذنا في رحلة الألغاز هذه! أي السحرية! رحلة الغموض السحرية! عجيب! قال هكذا هو. وفي الأخير قال هو رجل ليس عنده ما يقوله! كلامه فارغ! الكلام هذا ليس له أي معنى!

لماذا طبعا هنا؟ انظر؛ خلاف! وهؤلاء مسلمون، وهذه مدرسة إسلامية، تُريد أن تُقدّم بديلا لهذا العلم، وهذه مدرسة إسلامية – قال – تُقدم بديلا آخر! انظر إلى الورطة التي نحن فيها، للأسف! 

لكن على الأقل بارك الله فيهم جميعا، أي اجتهدوا! يُحاولون، يُحاولون! مُهتمون، ليس لازما أن نقتنع بكلامهم، ولا نُباركه، لكن لا بُد وأن نقف عليه، ونعرفه، ما هو!

فقال هو رجل ليس عنده ما يقوله. كلامه كله ليس له معنى! لماذا؟ النزوع مُختلف. ضياء الدين سردار شاب كما قلنا، إحدى وخمسون! بعد الحرب العالمية الثانية! 

عقلية الذين وُلدوا بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة تختلف عن عقلية الذين وُلدوا قبل ذلك. وهذا بعد الحرب العالمية الثانية وُلد! إحدى وخمسون، تخيل! ونشأ في هذا المُجتمع، الذي هو بعد حداثي الآن، بعد حداثي! مُجتمع ضياع المعنى، وضياع الهدف، وضياع كذا! المُهم، ومن خلفية طبعا إسلامية. 

ضياء الدين سردار عاش في هذا المُجتمع، ودرس فيه، ونشط فيه! يظهر في التلفزيون، في ال BBC، طبعا! عنده وجوه! الإسلام! ويأتي بناس ويستضيفهم وكذا، ورجل يُتابع، يُتابعه الملايين! 

بعد ذلك يكتب في Nature، يكتب في العالم الجديد، في ال Independent، عجيب! اشتغل فترة مُراسلا صحفيا، رجل نشيط، يعيش بين الناس، ينشط بين الناس، يُخاطب الناس، الكبار والصغار، السياسيين، العلماء، المُفكرين، النقاد!

ويتحداهم بأبحاثه، وهم أيضا يقرأون له، ويكتب كبار الأكاديميين في الحقول التي تطفل عليها هو، في حقولهم! ويقولون عنده كلام جميل، وقلم سيّال، وفكر خصيب! وإن كان يفتقد إلى الدقة الأكاديمية. طبعا هم أكاديميون! 

تأتي وتُناطح واحدا في تخصصه؟ لن تقدر! دائما سيظل يُسجل عليك أشياء. دعه يُسجل، لكن أيضا فرضت احترامك أنت! أن أنا عندي ما أقول، حتى في حقلك، عندي ما أقوله! وهو عنده ما يقول في حقول كثيرة!

لذلك تحس أنه الآن مسموع! وهكذا نكون حتى تقريبا لخصنا الكلام في ال Ijmalism هذه! قال لك أنا طريقتي ليست النظر العميق في المُسبقات الفلسفية والميتافيزيقية، لا! ليس هذا، يهمني شيئا أنا أقرب من هذا بكثير. 

ما الذي يهمك يا سردار؟ قال هذا الذي لا يهتم به سيد نصر، ولم يُلق إليه بالا! ولذلك مدرسته – قال – في نظري مدرسة لن تشتغل، لن يكون فيها خير! لماذا؟ قال لك كان أولى بسيد حُسين نصر وأمثاله أن يُنظر في العواقب الاجتماعية للعلم.

ماذا يفعل العلم في البيئة؟ ماذا يفعل في التربية؟ ماذا يفعل في الاقتصاد؟ ماذا يفعل في الصحة؟ ماذا يفعل في الأمن؟ ماذا يفعل في العسكرية؟ تحالف العلم مع المؤسسة العسكرية! هذه الأشياء التي يهتم بها مَن؟ سردار! على فكرة، ويكتب فيها دائما.

طبعا وهناك مُشتركات بينهما، هما الاثنان يشتركان في أن العلم من جهة التطبيقات عنده وجه سيء. إذن من جهة حتى المهاد الميتافيزيقي؟ أيضا تُوجد مُشتركات. لا نقول إنها لا تُوجد! لا! تُوجد مُشتركات. 

سردار نفسه يقول إن العلم الغربي أيضا نعم له فلسفة خاصة، نحن لا نُوافق عليها، نطرح فلسفة ثانية! لخصها هو في عشر نقاط. نحن سنذكر منها جماعة من النقاط. 

وطبعا واضح الآن أن المُقاربة كلها مُقاربة نافية، مُقاربة سلبية، وليست إيجابية، وهذا عجيب! قال لك أنا العلم الذي أطرح هو العلم الذي لن يكون – لن يكون – هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وهكذا! كله بالسلب، بالسلب، بالسلب!

على فكرة، هذه الطريقة ليست مُناورة، لا! هذه الطريقة أنا أعتقد أنها تتسق مع طبيعة الموقف الإسلامي هذا المدرسي، من العلم الحديث. ما هي طبيعة الموقف هذا؟ طبيعة الموقف هذا أنها طبيعة مُتحفظة، لم تُعط الأمان لهذا العلم! لماذا إذن؟ ونحن نعرف طبعا لماذا! والكنيسة هنا تعرف لماذا! 

لأن بصراحة هذا العلم، وخاصة في آخر العقود، أي في القرن العشرين، هذا العلم بشكل عام مُتحالف مع الإلحاد! اليوم عندنا الإلحاد العلمي، الإلحاد العلمي! سواء في باب ال Cosmology، أو في باب ال Biology، وخاصة التطورية! واضح أنه مُتحالف مع الإلحاد والملاحدة، والملاحدة يمتحون منه! 

لو نرجع، ونقول لهم، من أول وجديد، إذن يا جماعة هل العلم هو هكذا، بنفسه يقتضي هذا، أم هذه تداعيات – مثلما شرحنا موقف الفيلسوف الإنجليزي الكبير والتر ستيس Walter Stace -؟ فسيقول أحدهم لك هذا لا يعنيني، أنا يعنيني ما قد حصل. 

وصح! إذا كنت تُريد ما قد حصل بنظرة وضعية، ليست معيارية، فهذا الذي حصل، وهذا هو الحاصل! لكن انتبه! هنا أنا أعتقد الآتي! أُريد أنا كعدنان أن أدخل، أجد لي مدخلا ضيقا جدا، بين كل هذه الفئات المُتصارعة؛ لكي أقول كلمة أرى أن لها بعض الوجاهة وبعض الحقانية! ما هي؟ 

ليس طبيعيا أن تكون هذه مُنطلقات إسلامية المعرفة وسردار وسيد حُسين نصر، وفي الوقت ذاته لدي علماء مُحترمون كبار، مثل محمد عبد السلام، وله الكثير من الأمثال! ليس في العُمق العلمي، على الأقل في المنهج نفسه، وفي الموقف الفكري! 

أنه بالعكس؛ أنا مسلم، وأحترم ديني، ولم أر أن العلم الغربي هز في مُعتقداتي الدينية قيد شعرة! بالعكس! أنا جربت – عبد السلام أو غيري -، ورأيت أن هذا العلم أعانني على تمتين عقيدتي، على ترسيخ إيماني بالله. وهذا صحيح! حصل! حصل معه، وحصل مع غيره! إذن ما الذي يحصل؟ سوف نرى ما الذي يحصل! هذا مُهم جدا على فكرة.

انظر، هذه الحالة الواقعية، وتحصل معنا نحن أيضا، ومعكم! الكثير منا درسوا طبا، ودرسوا هندسة، ودرسوا فيزياء، ودرسوا رياضيات! والواحد منا عنده إيمان عميق جدا بالله، ويُدلل عليه حتى ببعض الحقائق العلمية مثلا! لا يُوجد أي تناقض. 

هذه الحالة الواقعية، والتي نعيشها، للأسف أغمض البروفيسور سيد حُسين نصر عينيه إزاءها، وكأنه لا يراها! وقدّم لنا تمثيلا آخر، أنا وجدته ساخرا! بالله، لو لم أقرأه له في أكثر من موضع من أعماله، لظننت أنه دُس عليه! تعرف ما هو؟ شيء فعلا شبه ساخر! 

قال أنا وجدت أن الطالب المسلم، التلميذ المسلم، في الصباح يذهب إلى المدرسة. وضرب هذا المثال في أكثر من عمل من أعماله، وفي أكثر من مُحاضرة، وواجه بها الناس أيضا! أي لا أدري، لا أدري! أنا لو كنت مُستشارا له أو زميلا، لقلت له أنصحك يا أستاذي لا تفعل هذا، أطال الله عمرك، تُشمت بنا الأعداء، تُشمت بنا الناس، غير معقول هذا المثال الذي تضربه أنت! هذا يضربه دائما!

قال في الصباح يذهب إلى المدرسة، ليقرأ عن تركيب الماء، وأن جُزيء الماء مُركب من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأُكسجين! ثم؟ قال فإذا عاد في المساء إلى بيته، تركه فروضه الدينية، ولم يعد يُصلي! 

أين حصل هذا؟ قال لك هذا يحصل! طبعا أنا أعلم أن هذا الرجل أركز وأصدق من أن يفتري، مُستحيل! هو لا يفتري! قطعا يتحدث عن حالة أو حالات عايشها، لكن أنا أفهم أنه عايشها في الغرب الأمريكي، وليس في الشرق الإسلامي أو العربي، مُستحيل أن تحدث هذه الحالة! في الغرب الأمريكي، صح! 

وسوف أقول لكم لماذا؛ لكي نكون واضحين! لكن هل هذه الحالة وهذا المثال مُعمم فعلا؟ وهل يحدث طيلة الوقت؟ وهل يحدث كثيرا؟ وهل عندك يا بروفيسور نصر إحصائيات عن الذين ألحدوا من أبناء المسلمين؛ بسبب دراستهم لتركيب الماء، أو لتركيب حتى ملح الطعام؛ كلوريد الصوديوم، أو تركيب الذرة؟ يا رجل شيء غريب الذي تقوله أنت هذا! شيء غريب!

انظر، هذا مثال…لا أعرف، صفه كما تُريد! سردار من جهته يتهم العلم الغربي باللا إنسانية، وأنه منزوع الرحمة، وليس عنده تعاطف مع البيئة. طبعا عموما -عموما وطبعا حتى لا أنسى – هذه الأفكار لم يبتدعها سيد نصر، ولم يبتدعها سردار، الذين ابتدعوها غربيون! 

الرومانسيون الألمان المُحدثون في القرن العشرين، جماعة تيودور روزاك Theodore Roszak، الذي كان يرتاد حلقته سيد حُسين نصر، في شبابه! ارتادها لفترة طويلة نسبيا في حياته! مدرسة فرانكفورت Frankfurt، اليسار، ما بعد الحداثة! وأيضا مَن انتموا إلى بعض التيارات الفلسفية الرمزية والاستخفائية! موجود كثيرا كثيرا في الغرب، وهم أيضا أعادوا إنتاج هذا الخطاب.

على فكرة، الأجيال الأحدث والأصغر وال Currental الآن يعتمدون أكثر شيء على خطاب ما بعد الحداثة ضد العلم! وخطاب ما بعد الحداثة مُفرط في مُحاربة العلم وتتفيه العلم وتسخيف العلم، وأعتقد أن منهم فايراباند Feyerabend النمساوي، صاحب ضد المنهج!

والذي لخص طريقته بكلمتين – بالعربية طبعا يقول لك بأربع كلمات؛ لأنها تُترجم بأربع كلمات -: Anything goes! كله ماش، كله يشتغل! فلا تقل لي المنهج. هذا مَن؟ فايراباند Feyerabend. فايراباند Feyerabend؛ بول فايراباند Paul Feyerabend، قال لك لا تقل لي المنهج. 

نمساوي طبعا هذا! هذا فيلسوف، اعتبروه لعنة على العلم! قال لك إياك أن تقول لي يُوجد منهج ومناهج! كلام فارغ! مع أنه بدأ بوبريا، بدأ مُاشيعا لكارل بوبر Karl Popper، ومُقتنعا بمبدأ القابلية للدحض! إلى أن اشتد عوده كما يقولون، وطار! وصار له ريش، وطار! 

قال لك لا، لا يُوجد منهج، ولا يُوجد أي منهجية حقيقية، في العلم، أبدا! كلها مسائل تشتغل على نحو سواء! شغّل هذا يشتغل، شغّل شيئا ضده يشتغل، كله يشتغل! نوع من الفوضوية! لذلك يُعتبر منهجه أو طريقته طريقة أناركية فوضوية! وهو لخصها: Anything goes! كل شيء يمشي، كل شيء يصلح، كل شيء يشتغل، تخيل!

فالذي أُريد أن أقوله إن هذا الرجل جاء في عصر ما بعد الحداثة، طبعا! كتابه هذا في مُنتصف الثمانينيات، أعتقد في خمس وسبعين أو ست وسبعين نشره! Against Method أو ضد المنهج! بالضبط أنت في عين العاصفة! لأن الستينيات والسبعينيات هذا ما بعد الحداثة، وبعد ذلك بدأ يعم! سُبحان الله! عم طوفانها كما يُقال. 

فالجيل الأصغر – الذي مثلنا هكذا، والأصغر منا – من الإسلاميين الذين عندهم خطاب ضد العلم الحديث، يعتمدون مقولات ما بعد الحداثة، والنقد الما بعد حداثي! أحيانا يُظهرونه، وأحيانا يُخفونه، وكأنه أفكارهم! لا، ليست أفكاركم هذه! هذه أفكار ما بعد الحداثة. حدث هذا مع سردار، وحدث هذا مع نصر.

فقط أختم بمثال سردار أيضا الذي قد يبدو كما بدا مثال نصر! قال لك العلم هذا غير رحيم، منزوع الرحمة، قاس، عنده دائما نزعة هيمنة وإخضاع للطبيعة. هذا صحيح، وهم يعترفون بهذا. قال لك نحن علاقتنا مع الطبيعة علاقة هيمنة – وهذا صحيح -، وغزو؛ Invasion، وإخضاع! وهذا تضررت به الطبيعة، وتضرر به الكوكب! 

لكن انظر أنت ما مُبالغات سردار! يُريد أن يُضيف شيئا جديدا! وأنت لم تُضف شيئا جديدا، هم الذين قالوا الكلام هذا! أي أعتقد أنا أن كارسون Carson هذه قالته! السيدة كارسون قالته في كتابها ال Silent Spring؛ الربيع الصامت! في الستينيات هذا الكتاب! 

هذا من الكُتب التي أدعوكم لقراءتها، وطبعا الذي ترجمه المرحوم العلّامة أحمد مُستجير، الربيع الصامت! ترجم النُسخة السبعينية منه، لكن هو صدر في الستينيات، تخيل! كتاب عظيم، هذا أكثر كتاب أثر في الوعي ال Ecology والبيئي لدى الأمريكان، تخيل! 

ولها أعمال أُخرى هذه السيدة؛ راشيل كارسون Rachel Carson! المُهم، في الربيع الصامت، في النُسخة القديمة – أنا عندي نُسختان منه، هذا في النُسخة القديمة – هي احتجت بأحد المُفكرين القُضاة الأمريكان الذي قال علاقتنا مع الطبيعة تقوم على الإخضاع والقهر، فُرصة الحياة لنا كانت ستكون أكبر، لو أقمنا علاقتنا بالطبيعة على مبدأ الاحترام والتوقير والاستفادة المعقولة. 

كلام سليم! هذا الغرب هو الذي أسس لهذه الأفكار، هذه الحركة النقدية للعلم وكذا هي في الغرب، غربية أصلا! فتُريد أن تُضيف ماذا يا سردار إذن، وهذه أفكارهم هم أيضا؟ هم يُصلحون حالهم، يُحاولون أن يُصلحوا حالهم! 

قال لك لا، أنا أيضا أرى أن تجارب التشريح على حيوانات حية (مثل ماذا إذن؟ الضفادع بصراحة! ونحن من الذين درسنا – وهو درس الطب – على الضفادع! كنا نأتي بها حية ونُشرحها. فهو قصده الضفادع إذن، أكيد ليس الشمبات ولا البونوبوز ولا الغوريلا، أليس كذلك؟ الضفادع) أمر فظيع وبالغ القسوة!

قال لك تجارب التشريح على كائنات وهي حية أمر فظيع وبالغ القسوة! وأيضا تعجيل جُسيمات دون ذرية؛ Subatomic particles – تعجيلها إلى سرعات وطاقات عالية جدا جدا -، لضرب جُسيمات أُخرى بها، أمر بالغ القسوة! نعم؟ أنا قلت معقول؟ ارجع اقرأ النص مرة ثانية! لا، هو يقصد، نعم! قال لك هذه قسوة العلم الغربي. وأنتم ستضحكون!

وأنا شخصيا قرأت لغربيين أبدوا تعاطفا مع المكورة العنقودية! ما رأيك؟ والله العظيم! وكتبوا شعرا في ذلك! أنه لا يجوز نجتاح بالبحوث الكيميائية الحيوية هذه الكائنات الدقيقة، وخاصة هذه البكتيريا وكذا! ما هذا؟ كائنات هذه يا أخي، عندها الحق في الحياة يا رجل! 

أي أيضا لم يقف عند القرود، وعند الكلاب، وعند القطط! حتى المكورات العنقودية وكذا! لا بأس، سوف نُمررها! لكن يا ضياء الدين سردار حتى الجُسيمات دون الذرية هذه، إذا عجلناها وسرعناها وقذفنا بها جُسميات أُخرى، نكون قد أصبحنا قُساة وظلمة؟ 

لا أُريد أن أُطيل؛ لأن انتهى وقت المُحاضرة. إن شاء الله – لا أزال أذكر هذا – سأستهل المُحاضرة المُقبلة بالتعليق على هذه الناحية بالذات، وسيكون تعليقا جادا أيضا، يفتح أمامكم كوة لكيفية توجيه النقد لمثل هذه الطروحات، التي مع جديتها عند تفتيشها، يبدو أنها تفتقر إلى التماسك والجدية! مع أنها جادة، هم لا يمزحون، بذلوا أكثر ما عندهم! فأستودعكم الله، الذي لا تضيع ودائعه. 

 

المدرسة الإرثية – العلم والدين – الحلقة 13

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه. 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

إخوتي وأخواتي/

وعدتكم في نهاية الحلقة السابقة أن أستهل حلقتي هذه الثانية بحكاية البروفيسور سيد حُسين نصر، وكيف تحول من دراسة العلم المحض، العلم المضبوط كما يُسمونه – أي ال Exact هذا -، إلى فلسفة العلم وتاريخ العلم. 

في نهاية المطاف الآن إذا ذكرت أمام أي مُفكر، وأي مُثقف كبير، اسم البروفيسور سيد حُسين نصر، فمُباشرة سيطفر إلى ذهنه: فيلسوف العلم، مؤرخ العلم، وليس العالم! مع أنه بدأ حياته سنة ألف وتسعمائة وخمسين، كما قلت لكم، وهو من مواليد ثنتين وثلاثين. 

هاجر من إيران إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وألف وتسعمائة وخمسين التحق بمعهد ماساتشوستس Massachusetts للتكنولوجيا، المعروف بالميت أو إم آي تي MIT.

Massachusetts Institute of Technology: MIT، التحق به – طبعا هذا من أفضل، إن لم يكن أفضل، معهد في بابه في العالم! شيء عجيب! – ألف وتسعمائة وخمسين؛ لدراسة الرياضيات والفيزياء، بمنحة، وكان طالبا مُتفوقا! ولما أنهى الثانوية، حصل على المركز الأول على المدرسة! رجل عنده ملكات عقلية مُذهلة! بارك الله في عُمره.

فيحكي حكايته، يقول أنا كنت في السنة الأولى، في الميت MIT هذا؛ معهد ماساتشوستس Massachusetts! يقول وأتى إلينا الفيلسوف البريطاني الكبير – الشهير عالميا طبعا، نجم في سماء الفكر والفلسفة في العالم – برتراند راسل Bertrand Russell. 

أتى إلينا هناك – إلى إم آي تي MIT -؛ لكي يُلقي سلسلة مُحاضرات. حلو، جيد! معروف طبعا! برتراند راسل Bertrand Russell مُعتن كثيرا بفلسفة العلم، وعنده كتب كثيرة في فلسفة العلم! 

وطبعا ليس له وجهة نظر واحدة كما ذكرت أكثر من مرة، وأنا من قارئي برتراند راسل Bertrand Russell – بفضل الله – من صغري، قرأت له الكثير!

فيقول جاء الفيلسوف الشهير برتراند راسل Bertrand Russell، وطبعا احتشدنا! وكنت أحد الذين شاركوا لكي أحضر هذه المُحاضرات! لأن العدد محدود! الكل يُريد أن يحضر! 

فأنا – قال – طلبت. سُمح لي، فكنت أحضر، مع مَن يحضر، هذه المُحاضرات، لهذا الفيلسوف العظيم. قال فذكر ذات مُحاضرة الآتي! في إحدى المُحاضرات قال ليس للعلم ما يفعله في موضوع أو موضوعة اكتشاف الواقع! 

ماذا؟ هذا عكس ما يظنه الآن أي مُلحد وأي شكوكي وأي واحد من المؤلهين للعلم والمُتعبدين في محرابه بخشوع! أن العلم هو الذي يكشف عن حقيقة الواقع وال Reality! 

قال لهم راسل Russell انسوا الكلام هذا، هذا كلام فارغ! العلم أبعد ما يكون عن أن يكون ضمن مساعيه وأهدافه وحتى مؤهلاته، أن يكشف عن حقيقة الواقع! وطبعا هذه واضح أنها – الفكرة هذه – ترسخت لديه، بعد أن فهم النسبية! 

وعنده كتاب ABC النسبية! عنده ألف باء النسبية! وتُرجم هذا الكتاب، جيد! مدخل جيد، يُفهمك النسبية، أي بطريقة لطيفة! وعنده ABC الذرة! ألف باء الذرة أيضا! 

وطبعا درس الكم هو، فيزياء الكم! وهو رجل رياضياتي ضليع! فليس عنده مُشكلة أن يفهم الكم كما يفهمه أو يفهمها – ميكانيكا أو فيزياء الكم – العلماء الكبار والرادة، ولا النسبية! 

فرجل مؤهل، وهو فيلسوف! إي عنده رياضيات، وعنده فلسفة! يقدر على أن يتكلم، هذا مجاله! لذلك هو فيلسوف علم مُحترم ومُعتبر، ليس أي كلام!

فقال لهم هذا! وطبعا في ضوء الكم بالذات هذا، في ضوء الكم بالذات! وإذا أردت أكثر؛ ففي ضوء حتى نيلز بور Niels Bohr بالذات! على شكل أكثر خصوصية!

نيلز بور Niels Bohr كان عنده منزع مثالي، لا نُريد أن نتكلم عنه، وسخر منه أينشتاين Einstein مرة! قال له ما شاء الله يا سيد بور Bohr – كان صديقه، مع الفارق في السن بينهما -! الآن القمر هذا لا يُوجد إلا حين ننظر إليه؟ إذا أعرضنا عنه، فلا يعود موجودا؟ 

لأن نيلز بور Niels Bohr كان يؤكد أن العلم أيضا ليس له هذا! هذه عبارة نيلز بور Niels Bohr على فكرة! العبارة هذه نفسها هي عبارة نيلز بور Niels Bohr! اقتبسها راسل Russell، ويبدو أنه لم يُشر إلى نيلز بور Niels Bohr؛ لأنه يُوافق عليها! 

وهي ليست اكتشافا، وجهة نظر طبعا فلسفية! لكن هي – أعلم هذا جيدا أنا، قرأت أيضا لبور Bohr بعض الكتابات – له! هذه وجهة نظره، وعبّر عنها بشكل واضح! قال العلم غير معني بالمرة بأن يكشف عن الواقع، وهو أعجز من أن يكشف عن الواقع. 

العلم لا يكشف عن الواقع، أبدا! العلم يطرح أسئلة، تحكي ماذا؟ تحكي نطاق الجهل لديك، نطاق التساؤل لديك! ثم يُحاول بآلياته التقصوية أن يُجيب عنها، فقط! لو طرحت أسئلة مُختلفة، أضيق أو أوسع، فسيُجيب العلم، وستختلف الصورة! أين الواقع؟ لا يُوجد واقع. الواقع كموضوع نهائي غير موجود، انس! انس! أسئلة، وجوابات.

نفس المنظور لفيرنر هايزنبيرغ Werner Heisenberg! نفس المنظور كان عنده! فأصلا هي؛ فيزياء الكم، ميكانيكا الكم، تؤكد هذا في الأخير! أن الواقع شبه بناء فكري للعلماء، ليس أكثر من هذا! وهذا البناء يتطور، ويتناسخ، باستمرار! هو هذا! 

وهذا كله من تأثيرات – وذكرات هذا في حلقات سابقة – مَن؟ من تأثيرات مَن؟ كانط Kant؛ إيمانويل كانط Immanuel Kant! أننا غير مؤهلين أصلا للوصول إلى الأشياء في ذواتها، أبدا! 

نصل إلى الظواهر، والظواهر موضوع مُتحرك، ومرهون بالحس أولا! ومرهون بعد ذلك بماذا؟ بالانشغالات الفلسفية لدى العالم أو كذا، قصة كبيرة! 

على كل حال، فقال أنا حين سمعت هذه الجُملة من برتراند راسل Bertrand Russell صُعقت! صعقتني! العلم لا يُعلمنا كيف يكون الواقع؟ وكيف نكتشف الواقع؟ وإنما اخترت أن آتي إلى الإم آي تي MIT؛ لكي أفهم الواقع! 

قال لم أستطع أنام تلك الليلة. سيد حُسين نصر! قال لم أنم أنا. لم أستطع أن أنام تلك الليلة. وعرفت طريقي! قال من تلك اللحظة قررت أن أزاوج وأن أجمع بين العلم المحض؛ رياضيات، فيزياء، في الإم آي تي MIT، وبين فلسفة العلم – ضروري أن أفهم فلسفة العلم إذن -، وتاريخ العلم. 

قال وسجلت في هارفارد Harvard. لذلك هو درس الفيزياء في إم آي تي MIT، وأخذ الدكتوراة من هارفارد Harvard أيضا بالتفوق والامتياز، في فلسفة العلم. واضح؟ وألف بعد ذلك كتابه عن تاريخ العلوم في الإسلام. الكتاب العظيم الضخم، الذي طُبع طبعة أنيقة!

على فكرة، أذكر حتى من باب الاعتراف بالفضل لأهله: تونس، تونس قبل حوالي ربما أربعين سنة، في أواخر السبعينيات، طبعت هذا الكتاب مُترجما، وطبعته طبعا من أجمل ما يكون! مثل النُسخة الإنجليزية! على ورق صقيل أيضا، بلوحات جميلة جدا! أي لم تشنها بطباعة رديئة.

فهذا يؤكد لك أن العلم وحده غير قادر على أن يُفهمك ما ذكرت، كسعي علمي! يُمكن أن تُصبح عالما كبيرا، وتأخذ نوبل Nobel، لكن العلم وحده غير كفيل أن يُعطيك فلسفته. 

فلسفة العلم حقل آخر؛ Field آخر! يشتغل عليه فلاسفة، يُسمونهم فلاسفة العلم، والمُشتغلون بالفلسفة العلمية لديهم شيء آخر! هناك فلسفة علمية، وهناك فلسفة العلم! حقلان مُختلفان، وبينهما مُشتركات.  

فهذا الذي أراد أن يجمع بينهما سيد حُسين نصر! يجمع بين العلم المحض المضبوط، وبين فلسفة العلم! لكي تصير له بعد ذلك فلسفة علمية! هو عنده فلسفية علمية طبعا، سنستعرضها الآن، عنده فلسفة علمية! 

وبما أننا وصلنا مُستهل أو مطلع هذه الحلقة، بمقطع أو نهاية الحلقة السابقة، فلنمض على بركة الله، لنذكر ما يتعلق – بما يتسع له المقام – بالمدرسة الأولى؛ مدرسة سيد حُسين نصر، في العلم! أي موقف المسلمين، موقف الأمة الإسلامية، من العلم الحديث، عبره. 

قلنا مُمثلة هذه المواقف في ثلاث مدارس رئيسة، وتيار رابع، صعب أن نُسميه حتى تيارا أو مدرسة كما قلنا، وهو العلماء النظاميون، الذين ليس لهم تنظير واضح، موجود! 

أما الجماهير والبشر العاديون أمثالنا، فأنا أتقبل فيهم تصنيف أحد المُفكرين الهنود الكبار. صنفهم تحت عنوان: العمليون، أي البراجماتيون، العمليون! وماذا أراد من ذلك؟ 

أراد من ذلك أن المسلم العادي، المسلم العادي المعياري، يعيش حياة مُزدوجة! عنده رؤية كونية، ومُعتقدات، وDoctrines، ومبادئ دينية، وفي فيها لدينه بالكامل، أي من حيث الأصل على الأقل، أو يُسمونها من حيث المبدأ!  

أما العلم، فهو يقبله، دون أن يدخل في تفاصيله، التي لا يعرفها، ولا علاقة له بها، فيما يُمكن أن يخدم حياته العملية، وخاصة في المجال طبعا التقني هذا! المُنبني على العلم، أهلا وسهلا! 

ويحترم العلم، ويحترم العلماء، ويُوجد عندك الطب، ويُوجد عندك الهندسة، ويُوجد عندك الرياضيات! وجيد، كله جيد هذا بشكل عام! ولا يوغل، ولا يدخل أصلا، في ماذا؟ في مناطق الاشتباك، بين العلم والدين! وهو لا يعرفها أصلا! لا يعرف أين تشتبك! 

قصاراه أن يعرف أن العلم يقول الإنسان أصله قرد! وهو يكفر بذلك! تخيل! لا نعترف بالكلام هذا! بعضهم يظن أنه يكون وفيا لدينه، إذا كان وفيا لنظرية الأرض المُسطحة! الأرض الصحن هذه، ال Flat هذه، Teller هي! أنها؛ الأرض، صحن! ومُسطحة! 

وأنها كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز، المُفتي العام للمملكة السعودية – رحمة الله عليه -، ماذا؟ لا تتحرك! وثابتة! ابن باز لم يقل إنها مُسطحة، ولم يُنكر كرويتها؛ لأنه اعترف بها مُعظم علماء المسلمين، حتى بعضهم حكى فيها الإجماع! وإجماع حقيقي ليس فيها! لكن بعضهم قال لك هذه القضية إجماعية! أن الأرض كروية! 

صح، مُعظم علماء الأمة قالوا بكروية الأرض، لم يقولوا إنها مُسطحة ولا كذا! ولكن الموضوع أين؟ في الحركة! ابن باز قال لا، ممنوع! وأفتى بكفر مَن يقول إنها تتحرك! هذه هي، تُوجد مُشكلة، لا تقل لي لا تُوجد! أي ليس التطور أيضا، ها هو التطور، وها هي المُشكلة هذه أيضا! هناك مشاكل تقع! فلا تقل لي الأمور كلها جيدة. 

وطبعا لو المسلم العادي هذا، البراجماتي، تقول له هذا، يقول لك لا، هذا ليس علما، هذه فرضية! داروين Darwin والتطور! هذه فرضية! طبعا لو كنت عالما، ودرست مساقا مُتواضعا في علم الأحياء التطوري، فستعلم أن التطور ليس فرضية، وليس حتى نظرية! بارادايم Paradigm! ربما لأول مرة أقولها! بارادايم Paradigm! 

أنت عندك البارادايم Paradigm؛ النموذج الإرشادي، في الأحياء، قبل داروين Darwin شيء آخر! ما هو؟ بصراحة، أي حسب تقصي أنا الشخصي، البارادايم Paradigm الذي كان حاكما في الأحياء والحياة قبل داروين Darwin هو بارادايم Paradigm سلسلة الوجود العُظمى؛ ال Great chain of being!

هو هذا! من أيام أرسطو Aristotle وأفلاطون Plato، مرورا بإخوان الصفا والجاحظ وابن رشد والغزّالي وابن خلدون، كله! هو هذا! سلسلة الوجود العُظمى! 

وهي سلسلة ماهوية! وترى أن هذه الأشياء، وإن تدرجت، وكان بعضها فوق بعض هرميا وهيراركيا، إلا أنها ماهيات ثابتة، لا يتحول بعضها إلى بعض! هذا بارادايم Paradigm! ألوف السنين البشرية عليه، مسلمون وغير مسلمين!

جاء تشارلز داروين Charles Darwin لأول مرة وعمل زحزحة لهذا البارادايم Paradigm، قال له إلى اللقاء، أو إلى لا لقاء! أتينا ببارادايم Paradigm جديد، اسمه التطور، بالانتخاب الطبيعي. هذا بارادايم Paradigm! 

أي أين أنت يا مسكين؟ لذلك لكي ترى؛ مُشكلة المسلمين اليوم، ومَن يتكلمون، هي نفس الشيء أيضا! يُوجد ضعف باد جدا في الفلسفة العلمية، وفي فلسفة العلم! لو كانوا أيضا تحصلوا على حد معقول من فلسفة العلم، لعلموا أن المُشكلة ليست في مُناطحة فرضية أو نظرية، يا ليت! بل في مُناطحة بارادايم Paradigm!

وأنّى لنا ذلك أو لغيرنا؟ مسألة أصعب مما تتخيل! وكل مَن يُناطح البارادايم Paradigm الآن، مقضي عليه بالفشل والخُسران. سوف تخسر، سوف تخسر! سوف تخسر المعركة! يحق لك أن تؤمل في ربحها، إذا كنت لوذعيا، بقدر داروين Darwin، أو أكثر منه! 

وطبعا المُشكلة ليست مع داروين Darwin، المُشكلة مع ألوف العلماء، الذين تابعوا داروين Darwin، ولا زالوا! وهم بالألوف! وفي تخصصات كثيرة، وشديدة التعقيد والدقة، تخيل! وبعضهم يحمل نوبل Nobel، وهم يصدرون عن هذا البارادايم Paradigm، ويؤيدونه، ولا يرون غيره حقيقا بأن نصدر عنه.

لا بُد وأن تكون لوذعيا، أكثر من كل هؤلاء، وتفرض ماذا؟ بارادايما Paradigm جديدا! أيها اللوذعي، حين تفعلها – إن شاء الله -، يُمكن أن نقتنع أنك ربما، ربما تستحق أن يُستمع إليك. قبل ذلك، انس! لا نُريد أن نأخذ مُحاولات انتحارية.

تذكروا كلامي هذا، حاولوا أن تفهموه في حدوده؛ لكي تفهموا أوصافي هذه! مُحاولات انتحارية! كمَن يضرب رأسه بالحائط الخرساني، لن تنجح! تنجح مع ال Followers الخاصين بك، والخاصين باليوتيوب YouTube هؤلاء، والشباب الذين لا يعرفون تقريبا أي شيء في هذا الحقل! 

كما أنت – المُتكلم – تقريبا مُدع، ولا تعرف شيئا حقيقيا له قيمة! تدّعي أنك عارف، وأنت لست كذلك أبدا! أنت لا تعرف، أبدا! وأنت لست حُجة، ولست خبيرا مُحترما في هذا الباب! ليس مُعترفا لك بالشيء هذا على فكرة! لكي لا يظل كل واحد يدّعي!

فنرجع إلى ما كنا فيه، نرجع إلى ما كنا فيه:

فنرجع إلى سيد حُسين نصر، هذا الإيراني، أعطيتكم نُبذة بسيطة عن أوائل حياته، كيف هاجر إلى ال USA، تحصل على الثانوية هناك بتفوق وامتياز، بذ فيه زملاءه، دخل إم آي تي MIT! رياضيات، فيزياء! التحق بهارفارد Harvard، تحصل على الدكتوراة، وبدأ مساره العلمي والأكاديمي! 

يكتب في تاريخ العلوم، وخاصة تاريخ العلوم الإسلامية، بنفس جديد، بنفس جديد غير النفس الغربي، وغير النفس الشرقي العربي والإسلامي والإيراني! سوف نرى طبعا، سوف نأخذ عنه بعض اللمحات.

إذن هذا الرجل كما قلت لكم ينتمي إلى مدرسة – لا بُد أن أُعطيكم فكرة عنه -، ينتمي إلى مدرسة في الفلسفة، تُسمى الفلسفة الخالدة؛ Perennial philosophy! Perennial! ال Perennial philosophy؛ الفلسفة الخالدة! 

هو الذي افتجرها؟ لا طبعا! هي خالدة، اسمها اسم على مُسمى، أي على هذا الأساس، فلسفة خالدة! من أين؟ مَن الذي عرّف بها؟ مَن الذي استبعثها وأحياها في القرن العشرين؟ 

بصراحة أكبر شخصية وأظهر شخصية: المُهتدي إلى الإسلام، الرجل العارف بالله، والمُفكر الكبير، الذي لا يُوافق على نعته بالفيلسوف – أنت تُحب أن تتكلم عنه، وتقول عنه الفيلسوف! قال لك لا، أنا لست فيلسوفا، لا! لا تغلط، أنا لست فيلسوفا. وسوف نقول لكم لماذا – عبد الواحد يحيى، الذي اسمه قبل ذلك رينيه جينو René Guénon. 

رينيه جينو René Guénon الفرنسي! المُفكر الكبير والخطير! ليس الفيلسوف، يرفض الفلسفة! وسوف نرى لماذا! هو الذي أحيا هذه الفلسفة، وأصبح مُبشرا بها، أيام كان في أوروبا – تخيل -، قبل أن ينتقل إلى مصر – على ما أذكر – ألف وتسعمائة وإحدى وثلاثين، ويُتوفى – رحمة الله عليه – ألف وتسعمائة وإحدى وخمسين أو ثنتين وخمسين! أعتقد إحدى وخمسين تُوفيَ إلى رحمة الله.

عاش عشرين سنة في مصر! وطبعا أعلن إسلامه، وتزوج بنت شيخ طريقة صوفية كبيرة؛ محمد إبراهيم – رحمة الله تعالى عليه -. وترك تراثا كبيرا نسبيا، لا زال يُتجاهل في أوروبا إلى اليوم! 

تراث رينيه جينو René Guénon مُتجاهل في أوروبا إلى اليوم! لأسباب كثيرة! ليس فقط لأنه أسلم، وهو مُفكر خطير، لا! السبب الأساسي والرئيس أن نفسه في نقد الحضارة الغربية والفكر الغربي والعلم الغربي حاد جدا، وصارم، وغير مُجامل!

وقلت لكم ربما في خُطبة قريبة رينيه جينو René Guénon – رحمة الله عليه – يرى أن الحضارة الغربية من لحظة ما يُسمى بال Renaissance أو النهضة بدأت في الانحدار! 

خلافا لأوسفالد شبينغلر Oswald Spengler والآخرين الذين ظنوا أنها تنحدر من القرن التاسع عشر مثلا. قال لك لا، هي مُنذ البداية بدأت مرحلة الانحدار أصلا! في الغويط، في العميق! 

لا تصعد هي، تنحدر! مكاسب البشرية الحقيقية ضحت بها – يقول – هذه الحضارة! عنده نقد قوي، لا أُريد أن أتكلم عنه الآن. كتبه كما قلت لكم أيضا قبل أسبوعين – بفضل الله – تُرجم مُعظمها، بسعي الأستاذ الصوفي، والرجل الصالح – نحسبه كذلك، والله حسيبه -، الأستاذ عبد الباقي مفتاح الجزائري – شكر الله سعيه -، والباحث الذي…ماذا نقول؟ على طريقة المُعتزلة اختُرم، اختُرم – رحمة الله عليه – مُبكرا، المصري، الشاب الصالح، والعالم الكبير حقيقة، والعقل الجميل: أسامة شفيع السيد – رحمة الله تعالى عليه -. 

مات شابا بالكورونا! تبا لهذه الكورونا! هذا ترجم ثلاثة أعمال تقريبا رينيه جينو René Guénon، وكان في باله أن يُترجم سائر الأعمال، بطريقته الخاصة! وهو أيضا باحث مُحقق، ورجل جميل – رحمة الله تعالى عليه، وشكر الله له -!

فالحمد لله، تُراث جينو Guénon الآن – بفضل الله – في السنوات الأخيرة أصبح مُتوفرا بالعربية، يُمكن أن تقرأوه، وخاصة كتابيه – اقرأوا كتابيه -: الشرق والغرب، ترجمه أيضا الأستاذان المذكوران، ثم كتابه أزمة العالم الحديث، الذي شرّق وغرّب، هذا الكتاب! وأيضا ترجمه الأستاذان! لدينا ترجمتان الآن! وهناك ترجمة ثالثة لشاب عراقي أو لباحث عراقي. 

المُهم، والترجمات موجودة، ومُتاحة على الشبكة – بفضل الله تبارك وتعالى -! أزمة العالم الحديث، أما كتابه الشرق والغرب، فهو كما ذكر المرحوم الدكتور أسامة بمثابة فهرست للتالي من أعمال جينو Guénon! كأنه فهرست، سُبحان الله! سيبدأ يُفصل في كل أفكاره، بشكل أعمال مُستقلة بعد ذلك، إلى أن يلقى الله! فمُهم من هذه الزاوية كتاب الشرق والغرب.

إذن جميل، فهمنا! ما الفلسفة الخالدة هذه؟ طبعا المدرسة هذه كانت تُسمى بالمدرسة التراثية! ناس سموها التراثية! لا! لما تقول تراث، نقول لا! ماذا؟ Legacy إذن؟ لا! 

إذن تقليدية؛ Traditional، Traditionell؟ Traditional. قال لك! ليس مفهوما. أحسن شيء أن نُسميها المدرسة الإرثية؛ لكي نفهما هكذا! المدرسة الإرثية؛ Traditionalist School. ما المقصود بها؟ هكذا سماها هو – رحمة الله عليه -.

قال لك لأن الحكمة، الحكمة في أصلها، إلهية. الحكمة إلهية، لها أصل إلهي. وبما أن الحكمة ذات أصل إلهي، فنقطع بأنها تامة وكاملة. انس! ليست شيئا نأخذه بالاستنباط والاستدلال وال Deduction وال Induction وال Invert، لا! شيء إلهي، ناجز وتام وكامل! الحكمة! ما هذا؟ موضوع ثان!

هذه الحكمة ظلت تتوارث، إلى أن ضحى بها الغرب وداسها، وظلت أجزاء منها في التراث الإسلامي. هذه الأجزاء التي سيُسميها فيما بعد أحد تلاميذ جينو Guénon! على الأقل تتلمذ على مدرسته، وليس على شخصه! 

هو تتلمذ على تلميذه! لأن التلميذ المُباشر لرينيه جينو René Guénon، الذي هو سويسري، سويسري ألماني: فريتيوف شوان Frithjof Schuon! فريتيوف شوان Frithjof Schuon! هناك ناس يكتبونها فريتجوف، لا! بالألماني فريتيوف.

شوان Schuon هذا كان تلميذ رينيه جينو René Guénon، وتتلمذ عليه سيد حُسين نصر. وهذا؛ شوان Schuon، قصة كبيرة! اكتب فريتيوف شوان Frithjof Schuon، وانظر! لأن هذا عمل في الأخير طريقة صوفية، اسمها المريمية؛ نسبة إلى مريم! حدث له واقعة رؤية العذراء، يقظة! وحدث له تحول روحي، مع أنه مسلم! مسلم! وسوف نرى هذا! لكي لا نتعجل!

لا أُريد أن أتكلم كثيرا عن المدرسة الإرثية، لكن أُعطيكم فكرة عامة عنها! مُهم؛ لكي نفهم طريقة سيد حُسين نصر! كي يكون عندنا انطباع عام حولها، وربما، ربما، أهلية بسيطة لتقييمها، مبدئيا! أي نعرف مواقع أقدامنا. هذا الذي أُريده، ليس أكثر من هذا – إن شاء الله -! لكي نكون مُتواضعين أيضا في مطالبنا، لكي نقدر على أن نفي بها.

إذن فاسمها المدرسة الإرثية. لماذا اسمها الإرثية؟ والفلسفة الخالدة! الخالدة معناها قديمة! ولن تزول! كونها خالدة وPerennial وقديمة وعتقية، لن تزول! وسوف يبقى يحمل مشعلها، ولو آحاد الناس! رينيه جينو René Guénon اعتبر نفسه منذور القدر! القدر نذره ليحمل مشعل هذه الفلسفة.

على فكرة، هو لما حضر رسالته للدكتوراة، حضرها في فرنسا، قبل أن يأتي إلى مصر، أعتقد سبعة وعشرين! أنا من قديم لم أُراجع، المُهم – لأنني حدثتكم عنه حتى قبل سنوات! عن جينو Guénon تحدثت – ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين عمل الدكتوراة، عن ماذا؟ عن تراث الهند. هو يبحث عن المدرسة الإرثية هذه، في التراث الهندوسي بالذات، في التراث الهندوسي!

المُشرف رفض الرسالة ومَن معه، ورفض أن تُناقش، ولم يحز رينيه جينو René Guénon الدكتوراة! واعتبروها عملا غير أكاديمي! وفيها أجزاء انطباعية، وأجزاء غير علمية! طبعا! 

لأنه أصلا يتبنى فلسفة تختلف تماما عن نظام التفكير العقلاني؛ ال Rational، الغربي هذا، تماما! وهم هذا يغيظهم! طبعا! تُريد أن تُعيدها جذعة، وتُرجعنا شبه تلاميذ، ومُتواضعين، وجهلة أيضا، للهنود، ومَن تلا؟ هم لم يستوعبوا! عندهم هذا! فرفضوا.

وهذا العمل نُشر بالعربية أيضا، قبل أن تُنشر كل أعماله، نشره المجلس الأعلى؛ المجلس الأعلى في مصر، ضمن المشروع القومي للترجمة! المجلس الأعلى للثقافة نشر هذا العمل، بترجمة الدكتور الفاروق عمر، المؤرخ! 

المُهم، نعود. فهو يرى أن هذه الفلسفة أو الحكمة الخالدة أو القديمة أو العتيقة موجودة. أنقى صورها في التراث الهندوسي! عجيب! وطبعا ستنزعج كإسلامي وكذا كمسلم. قال لك لا، أنا رجل باحث، أنا باحث عن الحقيقة. 

قال لك أنقى صور هذه الفلسفة الخالدة؛ ال Perennial، في التراث الهندوسي! يُعلق جينو Guénon أكثر من مرة (الذي أُسيء فهمه من الجميع). من المسلمين، ومن الأوروبيين، ومن اليهود! ونُسب إليه أشياء كثيرة! هذا التراث الهندوسي بريء منها! 

قال لك هذا التراث الهندوسي في عُمقه على العكس! تتمثل فيه أنقى صور هذه الحكمة الإلهية الخالدة، التي نحتاجها! والتي سنجدها تتكرر بعد ذلك، مع موسى، مع عيسى، ومع محمد، ومع كل العارفين – قال – إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها! 

دعوى كبيرة وخطيرة ومُخيفة! لا نُريد أن ندخل في هذه الملاحج والمضائق، لكن هو يقول لك هذا! هو هذا! تقرأ كتبه، وترى أنت المقصود التفصيلي بهذه المسائل! 

مع أن الرجل كما قلت لكم أعلن إسلامه، طبعا! أسلم! معناها رأى أن الإسلام لا يتعارض ويتضاد في الجوهر مع هذه الحكمة، بالعكس أيضا! هو تمثيل صاف جدا ومُركز لها! 

لذلك هنا يُوجد شيء خطير، الأمانة العلمية تقتضيني أن أُشير إليه، وهذا الذي جعلني أُحجم من سنين عن أن أتواصل مع هذه المدرسة أو حتى مع أعلامها، وكان لدي الفُرصة! لا أُريد أن أتكلم أكثر من هذا! 

لا أُريد أن يُساء فهم موقفي، أو أن أتورط في أشياء قد لا تُفهم على وجهها، دعني في السليم! وهناك أشياء لا أعتقد أنها واضحة حتى لي أنا شخصيا بالدرجة الكافية، وربما تحتاج إلى سنين طويلة من الدرس والعمل والبحث والترجمات؛ لكي يُصبح لك موقف علمي دقيق! فنحن نطلب السلامة إلى الآن، لا نزال! ما زلنا نطلب السلامة، نسأل الله السلامة، وألا يرفع يده.

لماذا؟ لأن هذه المدرسة بعد ذلك بتشعباتها المُختلفة يُلاحظ عليها أو على بعض تشعباتها تساهلا في الناحية الشعائرية والعبادية، وبأوسع بصراحة (في الناحية الشرعية). 

ليسوا كثيرا مُهتمين بهذا الشيء، ليسوا كثيرا يُحرجون عليه! ولذلك سيد حُسين نصر أيضا – انظر؛ تلميذ تلميذ رينيه جينو René Guénon – قال لك هذا الإرث الخالد من الحكمة الخالدة موجود، جُزء منه في التراث الإسلامي. وقال وأنا أُسميه هذا؛ هذا التراث الحقيقي. 

وجُزء آخر من تراثنا لا يحتوي على هذه الحكمة الخالدة، أو أجزاء منها، وأنا أُسميه الجُزء الزائف؛ السودو Pseudo! طبعا الP: Silent. سودو Pseudo! هذا السودو Pseudo! زائف! عجيب!

ولذلك يُحدد حُسين نصر موقفه! قال لك أنا أيضا مبدئيا ضد الأصوليين! الأصوليين؟ طبعا لما تسمع كلمة أصولية، انتبه! يُوجد عندك مُصطلح أصولي، وقريب جدا منه – كان قبله يُستخدم -، مُصطلح ماذا؟ أرثوذوكسي.

طبعا ليس الأرثوذوكسية بمعنى المسيحية، لا! بشكل عام مبدأ، الأرثوذوكسية! أرثوذوكسية؛ يهودية، مسيحية، إسلامية، هندوسية، أيا كانت! التمسك بالأصول، والتمسك بالأُسس، والتمسك بالنصوص! 

في الأول كان مُصطلح Orthodoxy، بعد ذلك جاء عندنا مُصطلح Fundamentalism، هذه هي المذهب الأصولي، أو النزعة الأصولية، التوجه الأصولي. 

المُشترك بينهما بصراحة أن الأصولي أو الأرثوذوكسي دائما يعتصم بماذا؟ بالأُسس. في الأديان الوحيانية الكتابية، ما الأُسس؟ الكتاب المُقدس. طبعا! عندهم التوراة، الإنجيل، عندنا القرآن الكريم. وطبعا يُضم إليه الأحاديث، على الأقل الصحيحة! ثم، ثم بالفهم العام؛ ال Mainstream، لسلف هذه الأمة، لهذه النصوص!  

هذه النزعة قال لك أصولية! سيد حُسين نصر قال لك أنا ضد النزعة هذه، لا تُعجبني. نعم، طبعا لا تُعجبه! لأنه لا يُوجد توافق. 

يُوجد شيء لا أعرف، مُتردد أذكره أو لا أذكره! لا أُريد أن أُسيء، ولست مُتحققا منه بالكامل، لكنه مذكور في عدة مصادر، على الأقل غربية! لن أذكره بالتحديد؛ لكي لا أغلط، لا أُحب أن أكسب إثما أمام الله.

فريتيوف شوان Frithjof Schuon، تلميذ جينو Guénon وأستاذ سيد حُسين نصر، أُخذت عليه مآخذ مسلكية. ابحثوا، وبعد ذلك تحققوا، الله أعلم! لكن الرجل فيما عدا ذلك كان يُعتبر مُعلما روحيا كبيرا. 

وعلى كل حال، يُعتبر رينيه جينو René Guénon أو عبد الواحد يحيى – رحمة الله عليه -، وفريتيوف شوان Frithjof Schuon، أول الشخصيات الغربية الأوروبية، التي تحولت إلى مشايخ طرق صوفية، تُعطي الإجازة! في تاريخ أوروبا! لأول مرة! 

تقول لي شخص أوروبي، أصبح شيخ طريقة! مَن هو؟ عبد الواحد يحيى. ويُعطي الإجازة! التسليك! مَن الثاني؟ تلميذه فريتيوف شوان Frithjof Schuon. الثاني! هذان أول اثنين! مع أن كما قلت لكم طريقة عبد الواحد يحيى الطريقة الشاذلية بشكل عام، فرع منها طبعا، لكن هو شاذلي – رحمة الله عليه -، وتلميذه كان مَن؟ شيخ الأزهر عبد الحليم محمود. 

تتلمذ عليه! ولما تقرأ كتاب الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، المدرسة الشاذلية: قضية التصوف – المدرسة الشاذلية، تجد أنه كتب – إذا لم تخني الذاكرة – زُهاء مئة صفحة أو مئة وعشرين صفحة عن عبد الواحد يحيى وما يتعلق به – إن لم تخني الذاكرة -! من أوائل ما قرأت أنا قبل سنوات طويلة عن عبد الواحد يحيى لعبد الحليم محمود، البداية كانت هناك، وبدأت بعد ذلك أُعمّق دراساتي عنه.

على كل حال، فكان تلميذه، وكلاهما شاذليان! أما شوان Schuon، فأسس طريقة خاصة به، سماها الطريقة المريمية؛ نسبة إلى مريم! بعد حادثة ماذا؟ رؤيته لها عيانا بيانا جهارا! حدث له تحول، وعمل هذه الطريقة، وصار له أتباع!

والرجل كان من الباحثين ومن المُعجبين بالديانات الأمريكية الأصلانية، ال Native أو ال Indigenous، أي Religions! أي ديانات المايا Maya والآزتيك Aztec، والشعوب الثانية، النافاجو Navajo وغيرها! يهتم! 

وهم يُحبونه، وكان يذهب إلى هناك في رحلات، تستمر إلى أسابيع وشهور! يجتمع بالهنود الحُمر، ويعيش معهم، وهكذا! ويستقطر من حكمتهم! لأنه يرى أيضا أن الحكمة الخالدة لم يخل منها أيضا ثقافات الأصلانيين في أمريكا، موجودة! عندهم هذا الشيء! 

إذن ما أهم معالم هذه الفلسفة الخالدة؛ لكي نبدأ نفهم طبعا؟ أهم معالمها أن الحقيقة واحدة. ماذا ستكون؟ رب العزة، لا إله إلا هو! وهذا نحن مبدئيا نُوافق عليه، وسوف تجد هذا المعنى موجودا عند كل العارفين والمُتصوفين الكبار، كلهم! 

لا يُوجد مُتصوف، إلا يقول لك الحقيقة واحدة. ما معنى الحقيقة واحدة إذن؟ ليس أن الكل واحد، لا! الحقيقة واحدة! التي هي رب العالمين، لا إله إلا هو! عندنا آيات قرآنية: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ *، هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ *! الله قال أنا الحق، غيري، من كل ما يُدعى، من آلهة وكذا، من شمس وقمر وحجر وبشر، كله باطل.

بعد ذلك هو القيوم، وكما تعلمون قيوم: قائم بذاته، غني مُطلق، لا إله إلا هو! وكل شيء عداه قائم به! إذن ليس هناك وجود لأي شيء إلا بالله، أما الله، فهو موجود بذاته، لذاته، من ذاته، مُطلقا، وفي المُطلق، لا إله إلا هو! 

ولذلك تقول المدرسة الإرثية والحكمة الخالدة الحقيقة واحدة، وهي الرب الجليل، لا إله إلا هو! كل ما عداه تجلياته. جميل! مقبول هذا، لا نرفضه. كل ما عداه تجلياته، كل شيء تجليات لله، وهذا صح! مبدئيا صح! 

جيد، الآن حقيقة هذه التجليات، حقانية هذه التجليات، لن نبحث فيها، موضوع آخر، وهو مزلة أقدام ومضلة أفهام، القضية مُعقدة وكبيرة، ومسألة ثانية هذه! دعونا منها!

ثانيا الوصول لهذه الحقيقة لا يتم عبر الآليات الإدراكية العادية. لا تصل إليها لا بالحس، ولا بالعقل! أن أصل بالعقل، عن طريق المنطق، والمنطق الأرسطي، أو المنطق الرياضي الحديث، أوغيره: كلام فارغ! المنهج التجريبي، الإمبريقي: مُستحيل! عشر مستحيلات! 

إذن كيف؟ قال لك تصل إليها بمعرفة أُخرى. بمعرفة أُخرى! أنا مؤهل لها؟ قال لك كل بشر بما هو بشر لائق بها ومؤهل لها، لكن يعتمد: هل يُريد أو لا يُريد؟ لماذا؟ نحن هكذا سنُلخص المدرسة كلها في ثلاث عناصر، وننتهي منها! لماذا؟

قال لك أنت مؤهل لها ولائق بها لأنك كائن ثانوي – كما أقول أنا دائما كائن ثانوي -، كائن مُزدوج! تتكون من جبهتين، نعم مُتمايزتان – انتبهوا، هذا كلامهم بدقة، أي هكذا نُحاول أن نُلخصه نحن، تلخيص هذا! لكن دقيق التلخيص هذا -، نعم جبهتان أو مُكونان أو ضفتان مُتمايزتان، ولكن ليستا مُستقلتين. كل واحدة ليست مُستقلة عن الثانية بالكامل! 

كيف طبعا؟ ها أنا، أنا كائن كامل! كيف؟ أنا بغير هذا البدن، لا أستطيع لا أن أذهب، ولا أن أجيء، ولا أتكلم، ولا أسمع، ولا أُسمع، أبدا! أبدا! لكن في الحقيقة الروح عندي أو النفس – سمها ما شئت – مُتمايزة عن البدن، هي شيء غير البدن! 

وحين ينحل هذا البدن، ويزوي ويضمحل بالموت، تتحرر الروح، وتبقى موجودة، بذاتها. وتُدرك وتفهم وتسمع وتُبصر، بلا آلات بدنية، بذاتها. وهذا صحيح، وثابت، الحمد لله! هم كانوا يعتقدون هذا بالحكمة الخالدة، وعاشوه طبعا!

على فكرة، هؤلاء الحكماء الكبار والعارفون الخطيرون يعيشون هذه الحالات، أي بسهولة عندهم ظاهرة ما تُسمى الآن بال Out-of-body، بسهولة! يخرج من بدنه، يترك البدن هنا، يذهب إلى أمريكا اللاتينية، نيوزيلندا، أستراليا، فلسطين، مكة، مصر! يأخذ معلومات، يُشارك في شيء، ثم يعود، عادي عندهم! يفعلون هذا دائما! 

لذلك عبد الواحد يحيى – رحمة الله عليه – يوم وفاته قال الآتي! طبعا مات وهو يُردد الاسم الأعظم المُفرد: الله، الله، الله، الله! وطبعا تبكي زوجته وأولاده، وقال لهم لا تبكوا، كونوا على يقين، لن أُفارقكم، وأنا سأكون معكم دائما! 

هذا مُجرد ارتحال! وهم أيقنوا بهذا! قال لهم لا تظنوا هذا، أنتم لا تفهمون! ولا يقدر على أن يحكي لهم كل شيء هو! لكن كونوا على يقين بهذا. وهذه ذكرها الشيخ عبد الحليم محمود – رحمة الله عليه -، ذكرها – على ما أذكر إن شاء الله -، ذكرها في كتابه عن المدرسة الشاذلية. 

كونوا على يقين، أنني سأكون معكم، وأرقبكم، ولن أتخلى عنكم! هو يعيش هذه الحالة – رحمة الله عليه -. على فكرة، يُعجبني ويُدهشني ردة فعل بعض المُفكرين الأوروبيين، على كتابات عبد الواحد يحيى؛ رينيه جينو René Guénon!

كانت غريبة قليلا! وفي رأسهم أندريه جيد André Gide، الأديب الشهير جدا جدا! هذا الأديب مُبتذل، وعنده للأسف مسالك غير حميدة وكذا، لكن أديب كبير! أندريه جيد André Gide أديب كبير! 

حين قرأ بعض تراث وأعمال رينيه جينو René Guénon – وفي حياته؛ رينيه جينو René Guénon -، ماذا قال؟ قال إن حُجج – براهين، أدلة – رينيه جينو René Guénon غير قابلة للنقد! إذا فهمتها، لا يُمكن أن ترد عليها، ولا يُمكن إلا أن تخضع لها! 

فقيل له إذن يا سيد جيد Gide ولماذا لا تصدر عنها وتتبناها؟ قال تأخر بي العُمر! كبرت أنا! كبرت! وحياتي التي عشت وأدمنت عليها لا أستطيع أنخلع منها! والسُكر والعُهر والنسوان والبنات والخمر وكذا! لا أقدر – قال – للأسف! أنا انزلقت هذا المُنزلق، غير قادر. قال! وكان صريحا على فكرة، ويُحمد له أنه كان صادقا وصريحا معنا ومع مُعاصريه.

قال أما حُجج جينو Guénon نفسها حين تقرأها، غير قابلة للنقد. لا تستطيع أن تنقدها! مع أنه؛ أندريه جيد André Gide، كان عنده حوارات مع بعض رجال الكنيسة واللاهوتيين الغربيين، ويرد عليهم، وقوي! ومُفكر كبير هو أيضا، ليس فقط أديبا! لكن أمام جينو Guénon، قال لا، هذه غير قابلة للنقد. تخيل! 

فنسأل الله مرة أُخرى الإسعاد والتوفيق، وألا يرفع يده عنا. نعوذ بالله من خذلانه، نعوذ بالله من خذلانه! مُصيبة أن ترى السُعد أمامك، وترى الرُشد أمامك، ثم تزور عنه! لا إله إلا الله! شيء مُخيف مُرعب!

فنعود، فقال لك ماذا؟ قال لك أنت تستطيع بالمُكون الآخر – المُسمى بالروح، المُسمى بالنفس. سمه ما شئت -، تستطيع بلوغ الحقيقة! هناك آليات مُعينة، وهناك شُغل، وهناك اجتهاد، وهناك تسليك، ومُجاهدة كبيرة؛ لكي تُطالع النفس أو الروح الحقائق. 

طبعا ستقول لي هذا النفس أفلاطوني مُحدث؟ صح! هذا النفس هكذا! وعلى فكرة، هم مُتعاطفون جدا مع الأفلاطونية المُحدثة. المدرسة أو الفلسفة الخالدة هذه مُتعاطفة جدا! الذي أكثر من هذا، وهذا سيُزعجنا طبعا: مُتعاطفون مع الماسونية. هذا الشيء مُزعج! 

لماذا؟ لأننا طبعا حين نسمع ماسونية، نحن كل ما يخطر ببالنا أن هذه الجمعية السرية اليهودية الصهيونية! طبعا كونها يهودية صهيونية، هذا كلام باطل، غير صحيح! كون بعد ذلك أن الصهاينة ربما بعضهم شارك فيها، نعم، لكن هي جمعية أوروبية، من العصور الوسطى! 

ودعك من الكلام الفارغ: أنشأها الملك سُليمان – عليه السلام – بن داود -، وأنشأها صلاح الدين الأيوبي! وكلام فارغ! لا، هي جمعية أوروبية، وفعلا كانوا بنائين، تقريبا في القرن السادس عشر، هناك خلافات طبعا! 

ولكن حسب عبد الواحد يحيى أو رينيه جينو René Guénon، هو كان مُتعاطفا أيضا مع الماسونية! وطبعا المدرسة الإرثية عموما، المدرسة الإرثية هذه عموما، مُتعاطفة معها! قال لك الماسونية أفلحت ونجحت أن تستبقي أجزاء من الحكمة الخالدة، وأن تتواصى بها، ولم تُضح بها! في هذا الإطار نحن – قال لك – نقبلها. 

أنا شخصيا هذا الأمر أتوقف فيه، وغير مُرتاح إليه مبدئيا، ولا أُشجع عليه. الماسونية كما نعلمها ونشاطاتها حول العالم وكذا ليست كذلك! وبالذات طبعا حين تقول ماسونية، مُباشرة هي الماسونية الفرنسية، رقم واحد! لا تقل لي بريطانية وكذا، رقم واحد الفرنسية! 

والماسونية الفرنسية بصراحة من القرن التاسع عشر، أصبحت حليفة الإلحاد! وعندها نشاطات محمومة لدعم الإلحاد والملاحدة. فكيف تقول لي تجمعها مع الحكمة الخالدة وكذا؟ وعندها موقف في مُنتهى السوء من الأديان، أليس كذلك؟

لذلك كما قلت لكم أنا أحمد الله أنه وفقني، أنني لم أتورط، ولم أُحب أن أُستغرق، في هذا الطريق، وفي هذه المباحث، وأتواصل مع هذه المدرسة، ومع بعض أعلامها الآن. لا أُريد؛ لأن الموضوع ملغوم، وخطير، وغير مضمون العاقبة، بالمرة! فهذه إحدى مثلا الورطات! كما قلت لكم التساهل في القضايا التشريعية!

لذلك أحيانا تُوجد مسالك غير حميدة، ليس للكل، لبعضهم! كما يُذكر عن شوان Schuon مثلا، للأسف الشديد! هناك أشياء ضُبط بها الرجل مُتلبسا، الله أعلم! يُسعدنا أن يكون بريئا مما نُسب إليه. فأشياء تُخوف! 

عندهم نوع من التساهل في قضايا الطقوس والشعائر والعبادات والتشريعات. عندهم تركيز طبعا بلا شك مُكثف وكبير على الناحية الباطنية والروحية وكذا، وهذا طيب، ولكن ليس على حساب ماذا؟ الظواهر والعبادات والشعائر! كله مطلوب! نتورط!

على كل حال، سوف نجد عند هذه النُقطة بالذات أن هؤلاء الناس هدونا بطريقة ما إلى أن الشيخ الأكبر مُحيي الدين بن عربي فيما يبدو كان أحد أقطاب مدرسة الحكمة الخالدة، طبعا! وكان يُشكل تواصلا معها.

الآن الدراسات حول العالم، يُسمونها الدراسات الأكبرية، الدراسات الأكبرية! وعلى فكرة، مِمَن فتح باب الدراسات الأكبرية نجوم في المدرسة الإرثية، ومنهم شوان Schuon! وهم رادة في الدراسات الأكبرية، ثم فتحوا الغرب عليها! وعندنا الآن تراث كبير غربي، غير الشرقي أيضا، في باب ماذا؟ دراسات الشيخ مُحيي الدين بن عربي. يُوجد تأثر كبير! وحين تقرأ الشيخ مُحيي الدين، تعلم هذا.

على فكرة له تأثير كبير هذا الرجل، أي أكبر مما أُعطي واعتُرف له به، في أشياء كثيرة! مثلا تأثير الشيخ الأكبر في مدرسة الحكمة المُتعالية – مُلا صدر الدين الشيرازي – كبير جدا جدا، يُمكن أن يبلغ نسبة سبعين إلى ثمانين في المئة، تخيل! 

وحدثتكم مرة أن فلاسفة إيران المُعاصرين، ثلاثة منهم، الذين هم مُتخصصون في الدراسات الصدرائية، قرأوا الفتوحات المكية وأعمال ابن عربي، وهالهم أنه لولا الشيخ الأكبر، لا ذهب مُلا صدرا ولا جاء! 

قال لك عالة في مُعظم فلسفته على ابن عربي! وهذا غير واضح حين تقرأ لمُلا صدرا مُباشرة هكذا! قالوا هذه الحقيقة. هذا أولا! ثانيا، ثانيا حين تقرأ عبد الواحد يحيى؛ رينيه جينو René Guénon، وتكون قرأت الفتوحات المكية، سوف تجد تطابقات كثيرة جدا جدا! 

فيما يخصنا الآن أنا قلت لكم هناك نفس في هذه المدرسة للأفلاطونية المُحدثة! ومن ثم للفلسفة الإشراقية. أي شهاب الدين السهروردي – رحمة الله عليه -. صح! موجود! 

ولكي أُلخص لكم، تعرفون الفلسفة الإشراقية بكل بساطة، تقول لك لكي تُطالع الحقيقة، وتُكاشفها، وتُكافحها – أي عينا لعين هكذا -، لست مُحتاجا، لا إلى فلسفة، ولا إلى منطق، ولا إلى أصول فقه، ولا إلى Hermeneutics، لا! أنت مُحتاج أن تشتغل على نفسك وقلبك، أن تُطهر باطنك، من كل الخزايا والدنايا والسفاسف والمعاصي والأباطيل الزائلة الممحوقة، بالكامل! 

إذا فعلت ذلك، فستصل إلى مرحلة تُصبح أو يُصبح قلبك بمثابة مرآة عاكسة، صقيلة جدا، تعكس صورة الحقيقة، كما هي! من غير أي إجهاد. ويضربون لهذا مثلا، وضحوا به طريقتهم:

وهو أن جماعة من الفنانين العظام ذهبوا إلى حائط، وجعلوا يُعربون ويوظفون أقصى إمكاناتهم الفنية، في رسم لوحة فنية، في مُنتهى الروعة والإبداع! وفعلوا هذا في وقت طويل! جماعة من الفنانين!    

وأما الآخرون، الداخلون في المُسابقة، ويدّعون الفن أيضا والإبداع، لم يفعلوا شيئا، إلا أنهم أتوا إلى الحائط المُقابل، وجعلوا يصقلونه! لا يرسمون، لكن يصقلون: (بردغ، بردغ، بردغ، واصقل، اصقل، ونعّم، ونعّم). قال لك ما هذا؟ ماذا يفعلون هؤلاء؟ 

وبعد أن انتهى هؤلاء، واستخدموا كميات كبيرة من الأصباغ والألوان، وتعب وكذا، برزت اللوحة الجميلة، فنظر المُحكّم إلى الطرف الآخر، وإذا باللوحة ذاتها، تماما، ولا تقل جمالا، معكوسة على الحائط! قالوا هذه طريقتنا. 

أي هكذا يُمهد ويُبرهن الإشراقيون، أصحاب الروح الأفلاطونية المُحدثة، على منهجهم وطريقتهم. لذلك المدرسة الإرثية فيها هذه الروح الإشراقية.

أختم هذه المُحاضرة، بما قاله الشيخ الأكبر، وتقرأون هذا في مُقدمة الفتوحات؛ مُقدمة الفتوحات المكية! الفتوحات ربما قريبة من ستمائة فصل! في المُقدمة هذا! طبعا عنده الإهداء وكذا بأقسامه، ثم في المُقدمة هذا! 

في المُقدمة ذكر الشيخ الأكبر – رحمة الله عليه – مراتب العلم، مراتب العلم! ورتبها ثلاث مراتب. تجدون هذه المراتب ذاتها، مع اختلاف التسميات، في المدرسة الإرثية، عند عبد الواحد يحيى، ومَن تلاه! نفسها! فقط الأسماء مُختلفة، أما المضمون هو هو، هو هو! 

عندك علم – رقم واحد هذا – عقلي! العلم العقلي، الذي يؤخذ بالتعليم والتعلم هذا، سواء منطق، سواء فلسفة، سواء طبيعة، سواء دين، سواء لُغة، وهكذا! هذا علم عقلي، عادي! طرق الاستنباط وطرق الاستقراء وطرق الخبر أو النقل والرواية!

علم عقلي. قال لك! علم عقلي. هذا أدنى المراتب عندهم. ثم علم الأحوال، وهو اسم على مُسمى! علم الأحوال هو العلم الذي لا يُصاب إلا بالتجربة الشخصية، المُسماة الآن تجربة ماذا؟ الوعي؛ Consciousness.

أي الآن لا يُوجد علم على وجه الأرض على فكرة يُمكن أن يُفهمك كيف يكون طعم العسل، مُستحيل! ولو قرأت مليون مُجلد! كيف طعم العسل؟ وماذا يعمل؟ وماذا يفعل فيك؟ أبدا، أبدا، أبدا! لن تخبر طعم العسل كيف يكون، إلا أن تطعمه. هذا علم حال!      

الشيخ الأكبر ذكر أعتقد مثال العسل، وذكر مثال الجماع، لا مؤاخذة، وهذا مثال مثّل به من قبل أبو حامد الغزّالي. على فكرة، أنا وجدت الشيخ الأكبر أيضا مُتأثرا بدرجة وواضحة بالحُجة الغزّالي – رحمة الله عليه -!

ويُحمد للشيخ الأكبر أنه في مواضع كثيرة يُصرّح، يقول الإمام الغزّالي، الشيخ الغزّالي. يُصرّح، أن هذه فكرته، لا يستنكف. والغزّالي مات صغيرا، عن أربع وخمسين سنة، سُبحان مَن أعطاك ذلك العقل وذلك الجمال وتلكم الشخصية الموسوعية العجيبة! رجل عجيب! ليس في العقل فقط، حتى في التجربة الروحية والعرفان الإلهي، مدرسة! قدس الله سره الكريم. 

فالمثال نفس الشيء هذا، لو وصفت بكل ما أمكنك، من قوة الفصاحة والبلاغة والبيان وضرب الأمثال وتقريب البعيد وكذا، لطفل صغير، كيف يكون إتيان الأهل، ما نجحت! مُستحيل! مُستحيل أن يحصل له علم ذلك. لماذا؟ لأن هذا علم حال، علم حال! كما قلنا اليوم تجربة الوعي، تجربة الوعي! 

بالضبط هذا العلم هو الذي قصده أحد أعمدة فيزياء الكم؛ إرفين شرودنغر Erwin Schrödinger، حين قال في كتابه الطبيعة والإغريق والعلم والمذهب الإنساني – مطبوع بالإنجليزية -، حين قال العلم صامت تماما صمتا مُريعا فيما يتعلق بمعنى اللون الأحمر، واللون الأخضر، واللون الأزرق، وتجربة اللون! 

كيف إذن؟ نعم طبعا! تجربة معنى الأحمر: هذا علم حال. لا يُوجد علم يقدر على أن يشرح لك ذلك! لو كتب عشرة آلاف مُجلد، ما استطاع أبدا، أبدا!

وعلى فكرة، هذه يُسمونها ماذا؟ يُسمونها الجُزء الأصعب في موضوع الوعي. تشالمرز Chalmers سماها ماذا؟ سماها مسألة الوعي الصعبة. ما عداها، هذا الفيلسوف الأسترالي، اعتبرها مسائل الوعي السهلة، على أنها ليست سهلة، أي في ذاتها، صعبة، لكن من ناحية فلسفية هذا الأصعب، المُعبّر عنه بالكواليا Qualia.

الكواليا Qualia بكل بساطة هي التجربة الشخصية الحالية لهذه المعاني! تجربة الألم، تجربة اللذة، تجربة القلق، تجربة اللون، تجربة كذا! الذوق، المذوق، المشموم! 

بالله عليكم: هل يقدر أحد على أن يُقيم لك بُرهانا قطعيا نهائيا على أن الأحمر، الذي أراه، هو الأحمر الذي تراه أنت؟ مع أننا نتفق، نحن الاثنين، ونحن الثمانية ملايير، على أن نُسميه أحمر! وإذا أردنا أن نضرب له مثلا، نقول مثل هذا السجاد، أو حُمرة الشفق! أليس كذلك؟ 

ولكن هذا ليس فيه أي بُرهان ولا أي عصمة ولا أي ضمان أن الثمانية ملايير يخبرون هذا المُسمى بالأحمر، والمُمثل له بهذا السجاد أو بحُمرة الشفق، على ثمانية ملايير حالة مُختلفة، ويطلع عندنا ثمانية ملايير لون! وكله اسمه الأحمر! لا أحد يقدر على أن يُثبت لك أن ليست هذه هي الحالة! لا إله إلا الله! وسوف تُدخل براهين فيها!

المُهم، لا نُريد أن نُطوّل، هذا لا يزال موضوعا ثانيا! إذا تكلمنا في يوم من الأيام عن موضوع الوعي، فسنبدأ نتكلم في المسائل هذه طبعا من ناحية فلسفية! الكواليا Qualia! هذه مُشكلة الوعي الصعبة، تشالمرز Chalmers! فيُسميها الشيخ الأكبر علوم الأحوال. وأخيرا علوم الأسرار، نختم بها – إن شاء الله -.

علوم الأسرار ما هي عند الشيخ الأكبر؟ علوم الأسرار يا سيدي العلوم الإلهية، وتُعطى بطريقة لدنية، من لدن الله، مُباشرة، بغير تعليم مُعلم، ولا يُمكن أن ينالها إلا مَن يستحقها.

وفتح لنا الشيخ الأكبر باب بركة، وإن شاء الله يكون الأمر كذلك، من أجمل ما يكون! قال أو مَن سلّم وصدّق بأهلية مَن أوتيها. نتبارك بهم، ونقول بعون الله، نحن نؤمن بالأشياء هذه. قال لك ببركة هذا التصديق، قد تؤتاها، أو تؤتى شيئا منها! لا إله إلا الله! مع أنك لا تستحق، لكن التصديق له بركة عظيمة! 

وما سمة هذه العلوم؟ قال لك سمة هذه العلوم؛ علوم الأسرار، أنها علوم يقينية، قطعا! لا يعتريها لا شك ولا حيرة ولا تردد، ولا تقبل ذلك. انس! لما الله يمن عليك بهذا العلم؛ علم الأسرار، أو بشيء منه، هذا العلم لا يُمكن أن يدخله شك، لا يُمكن لك أن تشك فيه أصلا! ولو اجتمع مَن في السماوات والأرض على أن يُشككوا فيه، ما شككت! لأنه علم من عند الله.

ستقول لي معناها أن هذا العلم هو جوهر الحكمة الخالدة؟ بالضبط! لذلك أنا أتيت لكم بهذا التقسيم. هذا هو جوهر ال Perennial philosophy أو الفلسفة الخالدة! علوم ماذا؟ الأسرار. ليس علوم الأحوال، ولا علوم العقل.

ولذلك علوم العقل لها مُشبهات، أشياء مُشتبهة بها، وهناك قواعد ومعايير لتمييز الصحيح من الغلط. علوم الأحوال لها مُشبهات أيضا. علوم الأسرار لا يُوجد شيء يشتبه بها، أبدا! ولذلك قد يشتبه عليك أن ما لديك علم أسرار، وفي الحقيقة يكون من علوم الأحوال أو غيرها، أو من علوم العقل، وليس علم أسرار! 

أكتفي بهذا، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

مدارس لا أشخاص – العلم والدين – الحلقة 12

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المُرسلين؛ سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

إخوتي وأخواتي/

بعون الله تبارك وتعالى بدءا من هذه المُحاضرة، سيدور الكلام على الموقف الإسلامي، في قضية أو ملف العلم والدين. 

الموقف الإسلامي؟ نعم؛ لأن المسلمين تقريبا رُبع البشرية، ولهم نص مُقدس، ولهم تاريخ حضاري باذخ وشامخ وماجد، أسهموا به في الحضارة المُعاصرة، بعلومها وأفكارها وفلسفاتها، بلا شك! 

فلذلك حري بهم أن يكون لهم موقف في هذه القضية! ثم لا يخفاكم أنهم كسائر البشر يعيشون في هذا العالم، تأثروا كثيرا أو قليلا بهذه الحضارة، وبهذا العلم الغربي الحديث، ولا زالوا مُتأثرين به، بلا شك! سلبا وإيجابا. فقمين أو قمن أن يُبلوروا مواقف فكرية فلسفية في ملف العلم والدين.  

حتى أكون واضحا معكم ومُكثفا ومُركزا:

أولا لن أن أتكلم عن الموقف النظري للنص المُقدس، الكتاب والسُنة، من العلم. هذا معروف ومُمهد للجميع تقريبا. ليس هذا ملفنا، هذا ليس ملفنا! 

ثانيا لن أتكلم لا قليلا ولا كثيرا عن تاريخ العلم في الإسلام، ولا حتى عن مُساهمات المسلمين أو العلوم الإسلامية في العلم الغربي الحديث. هذا موضوع آخر، وذو صبغة تاريخية، ذو صبغة تاريخية محضة، تاريخ الأفكار! تاريخ الأفكار والعلوم! وفيه دراسات وكُتب كثيرة، في الشرق والغرب. 

فقط أكتفي بالإشارة إلى أن الموقف الغربي كان إلى مطلع القرن العشرين مُعتصما بالجحود والنُكران! كان موقفا قوامه العنصرية، الممزوجة بالجحود، أو الجحود الممزوج بالعنصرية والنُكران: 

المسلمون لم يكونوا أكثر من ساعي بريد! فقط هم قدموا إلينا الفكر والفلسفة والعلوم الغربية. أي اليونانية! اليونان هذا يُعتبر تابعا للغرب، من الغرب! جغرافيا وتاريخيا.

فقط المسلمون سُعاة؛ سُعاة بريد! هكذا! لم يُقدموا؟ لم يُقدموا أكثر من هذا! ترجموا، ونحن ترجمنا أعمالهم إلى اللاتينية، وأجزاء منها إلى العبرية، فقط! واستفدنا منها في الغرب هنا، ثم واصلنا طريقنا، بمناهج مُختلفة تماما، حتى عن مناهج المسلمين!

للأسف، يؤسف أن تقرأ هذا لأحد أعلام فلاسفة المسلمين في العصر الحديث، وهو المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود! وحتى في المرحلة الإصلاحية الثانية في حياته، التي أعاد فيها بعض أو كثيرا من الاعتبار للتراث العربي الإسلامي، إلا أنه للأسف الشديد تورط فيما لا ينبغي ولا يجمل به كمُفكر وفيلسوف كبير، فادّعى أن العلوم الإسلامية لم تُساهم أيضا في علوم أوروبا الحديثة بشيء ذي بال! 

ماذا؟ قال لم تُساهم! قال وأنتم تُخطئون في فهم حتى مُصطلح العلم! العلم في العصور الوسطى عموما، الإسلامية بشكل خاص طبعا؛ لأن هم أهل العلم، وحتى المسيحية بشكل أقل بكثير، كان لا يزيد – فيما زعم زكي نجيب محمود، كان لا يزيد على ماذا؟ – على تعليق حواش وهوامش على المتون!

عجيب! هذا العلم؟ هذا علم الخوارزمي، وابن النفيس، وأبي الحسن بن الشاطر، والقوشجي؟ وحتى علم ابن سينا في الطب، وابن زهر؟ هذا؟ والبيروني؟ هذا هو العلم يا زكي نجيب محمود؟ لكن – الحمد لله – تصدى له مُفكر، لا يُقرن به زكي نجيب محمود في اختصاصه! 

زكي نجيب محمود فيلسوف، وهو وكيل الوضعية المنطقية في العالم العربي، عاش ومات على ذلك! أما الذي تصدى له، فهو الدكتور العالم – لأنه عالم في الرياضيات، هو! هو عالم في الرياضيات كبير -، العالم ومؤرخ العلوم المُعتمد عالميا؛ الدكتور رشدي راشد – بارك الله فيه -. 

وهذا موسوعاته في تاريخ العلم الإسلامي شيء عجب! فقط عن الرياضات التحليلية خمس مُجلدات كبيرة! ويكتب بنفس أكاديمي صارم، في مُنتهى الجدية والعلمية! 

أنحى باللاءمة بشكل واضح علي زكي نجيب محمود، واعتبر أن كلامه هذا لا قيمة علمية له بالمرة، كلام رجل يتكلم في غير فنه، وفي غير تخصصه، بما لا يدري! كلامه – يقول – كله كلام فارغ هذا، كله كلام فارغ!

ومن أسف أن يكون الدكتور زكي نجيب محمود، فيما يقول الدكتور رشدي راشد، وكلاهما مصريان، أن يكون الدكتور زكي نجيب محمود مُجرد امتداد للنغمة والتيمة الأوروبية العنصرية، وخاصة في المدرسة الفرنسية، لتأريخ الفكر والعلوم! 

المدرسة الفرنسية التي كان يُعد أبا لها، وأبا كبيرا فيها، الفيلسوف والمُفكر والمؤرخ إرنست رينان Ernest Renan! العنصري، المعروف بعنصريته! صاحب الثُنائية المعروفة! أن العقل الآري بطبيعته مُبدع! الآن على فكرة علم الأعصاب ودراسات الإبداع وكذا، لا تؤمن إطلاقا بهذا النفس العنصري. 

الآن لو أي عالم صدر عن هذا النفس، في قليل مما يكتب، ستلحقه معرة عظيمة جدا! وسوف ينقلب عليه المُجتمع العلمي تماما! وحدث هذا مع صاحبي كتاب مُنحنى الجرس؛ لأنهما صدرا عن نفس عرقي قليلا في تقييم الذكاء والعبقريات بين الشعوب! هذا لا علاقة له بالعلم، هذا كلام غير علمي بالمرة! 

لكن في القرن التاسع عشر، الأوروبي بالذات، ما شاء الله! العنصرية كانت في ذروتها، في أوجها! وأحد العنصريين هو إرنست رينان Ernest Renan، وغوبينو Gobineau، توماس كارليل Thomas Carlyle، عصر العنصرية هذا كان! يفتخرون بذلك!

قال لك العقل الآري بطبيعته عقل مُبدع، عقل مُبدع! عقل مُخترع، عقل فلسفي عميق، وRational! منطقي، عقلاني، وواقعي! العقل السامي بطبيعته عقل غير علمي، وغير فلسفي، وغير قادر على التحليل والتركيب والاختراع! ما هو؟ قال لك هو Symbolic، وSpiritual. أي عقل روحاني ورمزي! ليس أكثر من هذا! يا سلام! 

واضح أن زكي نجيب محمود وأمثاله للأسف الشديد ما زالوا بالقصور الذاتي ماشين مع هذه التيمة ومع هذه الثُنائية الساقطة العنصرية! وظنوها صحيحة وأن العرب عجزوا! يا سيدي ليس العرب، يا سيدي الحضارة العربية، التي هي حضارة إسلامية، على فكرة مُعظم أعلامها، الذين ساهموا في العلوم والفنون والأفكار، من غير العرب! ولكي نكون واضحين أيضا بصراحة مُعظمهم آريون. 

إلا تقول لي أعاجم فرس؟ آريون! السلام عليكم. معناها أنت يا إرنست رينان Ernest Renan داخل في ورطة علمية، من جميع الجهات، وعلى جميع المُستويات! 

أي هو ظن، كأنه ظن، أن حضارة المسلمين والحضارة العربية حضارة عرب، والعرب جنس سامي، والساميون من نعتهم كذا وكذا! لا يا سيدي، مُعظم آباء العلوم وأعلام العلوم والفكر في الحضارة الإسلامية ليسوا عربا! مُعظمهم آريون! ما رأيك؟ 

هل يلزك هذا أن تعترف للحضارة الإسلامية بقيمتها؟ لم يفعل، ولا يُريد أن يفعل؛ لأنه مُتعصب ضد الشرق، هو مُتعصب ضد الشرق، مُتعصب ضد الإسلام! 

وعلى كل حال، المُجادلة التي وقعت بينه وبين المُصلح الكبير جمال الدين الأفغاني – رحمة الله عليه – مشهورة جدا، ومطبوعة، وحُققت تحقيقات كثيرة! التي هي مُحاورة حول العلم والدين! بين إرنست رينان Ernest Renan وجمال الدين الأفغاني. وحصلت هذه في باريس! 

والعجيب أن جمال الدين الأفغاني بحسب الظاهر كتب الرد على رينان Renan في الصحف طبعا الفرنسية بالفرنسية! بعض المُفكرين العرب قال لك ما أدرى جمال الدين الأفغاني بالفرنسية؟ هو لا يدريها، ولا يحذقها، ولم يتعلمها! 

بعض المُعاصرين، من زملاء الأفغاني، الذين جالسوه وفاتشوه وكاشفوه، أكد أن الأفغاني هو الذي كتب المُراجعة وبالفرنسية! وربما روجعت له ونُقحت، نعم! ودرس الفرنسية في شهرين! ماذا؟ في شهرين! عبقري! أحد العباقرة! يُوجد! 

قال أنا شخصيا كنت عنده في بيته، وعلى الطاولة إلى جانبه كتاب كبير بالفرنسية! لكن كتاب هو في الفكر الشرق أقصوي، عن الكونفوشيوسية وكذا والبوذية! فقلت له وأنت يا سيد تقرأ مثل هذا؟ قال ولِمَ لا؟ قال فأجلسني عنده، فلم تمض سحابة النهار، حتى كنا أنهينا الكتاب! الأستاذ يقرأ منه بالفرنسية – قال -، ويشرح لي. 

قال وبكل تواضع أقول شرح جُملا وتعابير – أنا الخبير من سنوات طويلة في الفرنسية. قال – لا أعرفها. هكذا يكون فتح الله على العباقرة الكبار! شيء مُذهل! فالأفغاني رد على رينان Renan وألزمه حده، ولن نتكلم عن المُحاضرة هذه، قصة طويلة، وموضوع آخر!

نعود إلى ما كنا فيه، أقول إلى مطلع أو إلى القرن العشرين للأسف الشديد كان الفكر الأوروبي في تأريخ العلوم مزيجا من العنصرية، المُتحالفة مع الجحود والنُكران! نحن لم نُقدم شيئا! متى بدأ التغير؟ 

وعلى فكرة ليس فقط ضد الشرق الأدنى أو الشرق القريب، ضد الشرق عموما! أي حتى الشرق الأقصى. أوروبا لم تكن كذلك! أوروبا كان عندها هذا الضيق على فكرة، وما زالت! 

في أوروبا عندهم ضيق الصدر هذا! نحن وفقط! نحن مُميزون! نحن شعوب الله المُختارة! نحن أذكى، نحن موئل العبقرية، نحن كل شيء! إذا لم نقدر عليه، فلا أحد يقدر عليه. أي نحن وفقط! 

ليس صحيحا، بالعكس! أنتم فترة محدودة وقصيرة جدا في تاريخ الحضارات البشرية، بالمعيار الزمني! الكرونولوجي. انظر، العلم الحديث كم عُمره هذا؟ أربعمائة سنة! في القرن السابع عشر، القرن الثامن عشر، القرن التاسع عشر، إلى آخره! أربعمائة سنة! الثورة العلمية في القرن السابع عشر، أربعمائة سنة!

هناك حضارات عُمرها ستة آلاف سنة، وسبعة آلاف سنة، وهي التي أسست للعلوم، وأسست حتى لبعض الصناعات والاختراعات الكُبرى، وفي رأسها الحضارة الصينية! 

تغير المشهد – بحمد الله تبارك وتعالى – مع مُنتصف القرن العشرين، مع مُنتصف القشرين! مع شخصيتين عظيمتين! أعظم شخصيتين هما على فكرة في باب تأريخ العلوم! 

وهو جورج سارتون George Sarton، المؤرخ الأمريكي، من أصل مجري، جورج سارتون George Sarton! كتابه الشهير؛ تاريخ العلم، في ست مُجلدات ضخمة! مكث فيه زُهاء ثنتين وعشرين سنة، ينشر فيه! عمل جبار! 

هذا العمل أنصف الحضارة الإسلامية إلى حد بعيد جدا، واعترف بمُساهمتها التي لا يُمكن أن تُنكر، بل وصف الحضارة – كما ذكرت لكم من سنوات – الإسلامية بأنها يُمكن أن تُوصف مُنجزاتها ومنتوجاتها، لكن لا يُمكن أن تُفسر تفسيرا مفهوما! بين قوسين، يقول ماذا؟ بإعجازية. 

مُعجزة! يُوجد شيء غير مفهوم فيها! كيف استطاعوا أن يفعلوا هذا؟ قال أنا لا أفهم، أنا مؤرخ العلم الأول في العالم لا أفهم كيف استطاعوا ذلك! يُوجد لُغز كبير! هذا مَن؟ جورج سارتون George Sarton! 

ويأتي إليك الآن بعض أبناء المسلمين، وبنات المسلمين – طبعا يُوجد نفس عجيب جدا! كم يُحزنني! وكم يؤسيني! -، لا يُريدون الاعتراف للإسلام وأعلام الإسلام، حتى بدءا من رسول الله، بأي شيء! قال لك نحن لا نسوى شيئا!

وعلى فكرة، لا يدري الذي يتكلم أن هذا لا يسلخه من حقيقة كونه ماذا؟ عربيا في نهاية المطاف، أو شرقيا إن كان غير عربي! ستظل شرقيا! هذا لن يُلحقك بذوي الجلود الشقراء البيضاء والعيون الزرقاء أو الشهلاء، لا! ستبقى شرقيا، وستظل في مكانك. 

هذا التحقير للذات، وهذا الإزراء على النفس، وجلد الذات هذا، لا يجعلك تُضيف إضافة، ولا يُنظر إليك بعين الرضا. هذا التهديم لا يُمكن أن يعني بناء! أنت تهدم، تهدم في نفسك! 

وعلى فكرة، الحمد لله لسنا ملزوزين أن نستمع إلى أمثالك، لست مؤرخ العلم رقم واحد ولا رقم مئة! أليس كذلك؟ في هذه الأبواب سنستمع نحن إلى الغربيين، غير المسلمين، وهم مؤرخو العلم رقم واحد واثنان وثلاثة في العالم!

فجورج سارتون George Sarton كسر هذا الطلسم اللعين الجحودي العنصري بكتابه وإسهاماته – بفضل الله تبارك وتعالى -. وعلي فكرة، أول ما فتح برنامج رسالات الدكتوراة في أمريكا، أول مُلتحق وأول حائز على دكتوراة كان تركيا، وبأمر أتاتورك Atatürk! 

قال له تذهب إلى هناك، وتتعلم، وتأتي بدكتوراة في تاريخ العلم! من سارتون Sarton. عملها واحد تركي – بفضل الله -، ليس أوروبيا. فعندنا، عندنا – الحمد لله – هذه الإرادة.

الشخصية الثانية: جوزيف نيدهام Joseph Needham. نيدهام Needham هذا المؤرخ العظيم، الذي كتب أيضا مُجلدات ضخمة، في تاريخ العلم والحضارة في الصين، الشرق الأقصى الآن، غير الإسلامي هذا. 

ولأول مرة يفتح الأعين الأوروبية على إسهام الصين المقدور، والذي ينبغي أن يكون مشكورا، لا مكفورا مستورا، في الحضارة أيضا الحديثة الغربية. قال لهم أين؟ الصين. قال لهم! الصين. أفادوا البشرية عموما، ونحن من هذه البشرية.

فالحمد لله صار لدينا خط جديد، مسار علمي، مسار أكاديمي جديد، وبدأت تتكاثر هذه الكتابات. يُوجد منها كتابات لطيفة جدا جدا وجميلة! يُوجد حتى أفلام وثائقية، يُوجد أفلام وثائقية عن إسهام الحضارة الإسلامية، مبنية على بعض الدراسات العلمية! مثل كتاب مصباح علاء الدين.

من أجمل الكُتب التي تُقرأ في هذا الباب الآتي! هذا إذا قال لي أحدهم – وطبعا الكُتب بالعشرات – رشح لنا كتابا نقرأه بسرعة هكذا، في ثلاث أو أربع ساعات، ويكون مُمتعا ولاذا وسهل الهضم والتمثل في هذا الباب؟ 

اقرأ كتاب كيف صنع الإسلام العالم الحديث؟ من أروع ما يكون! كتاب في حوالي ثلاثمائة صفحة أو ثلاثمائة وخمسين صفحة، ويُمكن أن تقرأه في بضع ساعات! كيف صنع الإسلام العالم الحديث؟ 

هذا الكتاب أكد مديونية أوروبا للإسلام، حتى في باب الأزياء، وفي باب الرقص، والغناء، والإتيكيت، وآداب المطبخ، فضلا عن الطب، والهندسة، والحيل، والميكانيك، والفلك، والفيزياء، والرياضيات، شيء عجيب! لمؤرخ أجنبي مُنصف. الحمد لله بدأ هذا يتكاثر، فلا مجال لهذا الجحود أن يُردده بعض العرب وبعض المسلمين.

فكما قلت لكم لا أُريد أن أتكلم عن هذا الباب؛ تاريخ العلوم الإسلامية، لا أُريد! هذا موضوع كبير جدا جدا، فيه مُصنفات كثيرة، وذات طبعا مناهج وأنفاس مُختلفة. اليوم سنتحدث عن شخصية تُمثل مدرسة بحيالها، وهو البروفيسور المعروف على نطاق عالمي سيد حُسين نصر. 

عنده كتاب ألفه قبل زُهاء خمسين سنة، عن العلم في الإسلام! كتاب عجيب! ومُزود أيضا بالصور الجميلة البهية! وله نفس خاص في تأريخ العلوم في الإسلام، سنتعرف عليه حين نتحدث عن مدرسة سيد حُسين نصر – إن شاء الله -، في هذه المُحاضرة، أو التي تليها.

فإذن هذا الموضوع يُترك لمكانه، ليس له علاقة ماسة بموضوع اليوم، ليس له علاقة ماسة! 

ثالثا لن أتحدث أيضا – مع أن الحديث في هذا الموضوع الثالث من أمتع ما يكون! ومن ألزم وأوجب ما ينبغي! – عن موضوعة كيف أستقبل المسلمون العلم الحديث؟ هل استقبلناه بالأحضان من أول يوم؟ هل أخذناه وتمثلناه ولم نُمانعه، أم أننا رددناه وتنكرنا له ورفضناه واشمئززنا منه وازوررنا عنه؟

موضوع مُهم جدا، لا بُد أن يُدرس بشكل سليم وعلمي! وهذه ليست موضوعات إنشائية، هذه موضوعات تأريخ أيضا، موضوعات تأريخ أفكار، وتأريخ استجابات. 

طبعا موجود أيضا دراسات مُحترمة في هذا الباب، وإن كنت ضيقة النطاق! أي بعضها مثلا تتحدث عن موقف السلطنة العثمانية، وفي مرحلة زمانية مُحددة، من العلم الأوروبي. جيد، مُفيد، هذا يُفيدك كثيرا! وطبعا حين تقرأ هذه الدراسات، سينكشف عنك حجاب الوهم؛ أن المسلمين – بفضل الله تبارك وتعالى – ليس لهم مُشكلة مع العلم الحديث.

الآن دخلنا في المواعظيات، دخلنا في اللُغة الوعظية! التي ستسمعها من ألف شيخ وشيخ، ومن ألف إسلامي، للأسف الشديد! وهي لُغة غير أكاديمية، وغير علمية، وغير دقيقة، بالمرة! أن المسلمين ليس لهم مُشكلة مع العلم الحديث، بل هم الذين أسسوا هذا العلم، وما هذا العلم إلا بضاعتهم رُدت إليهم، والقرآن حث على العلم، والنبي حث على العلم، والعلماء كذلك! 

هذه لُغة إنشائية، هذه ليست لُغة علمية. أنا أُريد ليس لُغة معيارية، أُريد لُغة حقيقية تأريخية. كيف استقبلناه حقا؟ لا! الموضوع ليس على هذا النحو الوردي الذي قد تخال وتتوهم! الموضوع علمي دقيق، ولا بُد أن يُبحث فيه، وأن يُتكلم فيه كثيرا! لكي نعرف مواطئ أقدامنا وأين أخطأنا وأين أصبنا! 

لأن في الحقيقة هذه الاستجابة لم تكن على ما ينبغي في كل مرة وفي كل حالة، بل أحيانا كانت استجابات مُتشنجة جدا، أضرت بالعالم الإسلامي، وبوضع العلم والفكر في العالم الإسلامي، إلى اليوم!

سوف تقول لي ما هذه المُبالغة؟ ليست مُبالغة! هذه حقيقة، أو بعض الحقيقة! ولكي أُعطيك مثالا واحدا فقط، اذهب واقرأ كيف استجاب المسلمون لاختراع الطباعة، للمطبعة؟ المطبعة! مُخترع هذا، كان مبنيا على علم! إذن كيف استجابوا له؟ 

أكثر من ثلاثمائة سنة، وهم يرفضون هذا الاختراع، ويُحرمون طباعة المصاحف فيه، وطباعة الكُتب الدينية به، بل صدر قانون يُقال السُلطان نفسه أمر بترسيمه! هذا القانون رسمه! أن مَن يُضبط ومعه منشورات – أي Press – مطبوعة بالمطبعة الحديثة يُعدم! إعدام! لا إله إلا الله! ما قضيتكم؟ 

وتخيل أنت في هذه الفترة طبعا ما حصل! اختُرعت الطباعة، وكانت كُتب العلماء وفلاسفة الطبيعة، مثل بويل Boyle، ومثل نيوتن Newton، وأمثال هؤلاء! وغاليليو Galileo، طبعا من قبلهم، تُطبع بالمطابع، ألوف النُسخ! وتُتاح للناس، بأبخس الأثمان! صار الكل يستطيع أن يقرأ في هذه الثورة الجديدة.

وأما المسلمون، فلا زالوا يستنسخون! إذا أردت كتابا، إما أن تنسخه بيديك، وتقضي فيه شهورا طويلة، إذا كان كتابا كبيرا، أو تستنسخه أحدا من الناس، وتدفع له مالا كثيرا، قد تعجز عنه! 

أخّر حركة العلم لدينا بطريقة مُريعة ومُخيفة! تخيل! من أكبر أسباب استبحار العلم والفكر، وحتى الثورات الفكرية والثورات الحقيقية السياسية، في أوروبا، المطبعة! ما رأيكم؟ تأثير المطبعة فوق ما نتخيل! ثلاثمائة سنة، ونحن نتنكر له!

مرصد تقي الدين في تركيا تم هدمه، وهو آخر مرصد إسلامي! يقول مؤرخو الفلك والمراصد الأوروبيون من أسف أن مرصد تقي الدين كان من حيث الإعدادات أو المُعدات – أي ال Equipments – المُتوفرة فيه، ومن حيث ال Personal أو الصف العلمي أو الكادر العلمي المُتوفر فيه، لا يقل عن مرصد تايكو براهي Tycho Brahe في أوروبا! 

هكذا قالوا! ليس كلامي، أنا ليس عندي هذه الخبرة لكي أعرف ما مرصد براهي Brahe، كيف كان وكذا، ليس عندي! ولا عندي معلومات مُفصلة عن مرصد تقي الدين! مؤرخو هذا الباب هم الذين قالوا! كان لا يُضارعه ولا يُساميه إلا مرصد تايكو Tycho – الدنماركي – براهي Brahe! أستاذ يوهانس كيبلر Johannes Kepler! 

تم تهديمه بأيدي المسلمين – بفضل الله تبارك وتعالى -؛ لأنهم ما عادوا يُفرقون بين التنجيم وعلم الفلك، اختلط عليهم الأسترولوجي Astrology بالأسترونومي Astronomy! كله حرام، هيا كسّر! تخلف! 

ويأتي إليك اليوم شيخ، وقد يكون دكتورا، يقول: والحمد لله الإسلام غير الكنيسة، ونحن مع العلم مُمتازون، وطيلة حياتنا مُمتازون! كلام فارغ، كلام إنشائي، ليس له أي معنى، عيب، والله عيب الكلام هذا! فنحن مُساهمة منا نقول هذا! 

هذه الحلقات كلها مُساهمة بسيطة في شحذ الوعي واستثارته وحفزه؛ لكي نبدأ نرى الأشياء بحجومها القريبة من الطبيعية، حجومها الواقعية، كما هي! لا نُريد أن نُزين ما ليس بزين.

على كل حال، فأيضا هذا الموضوع لا أُريد أن أخوض فيه، وحقه أن يُخاض فيه! موضوع مُهم جدا جدا! لكن هذا له مجال آخر. إذن في ماذا أُريد أن أخوض؟ 

أيضا رابعا – وهذه كلها احترازات – لا أُريد أن أُسجل استعراضا وتقصيا لمواقف مُعظم المُفكرين والعلماء المسلمين، عربا كانوا أم غير عرب، ذا أمر يطول! وآتي بواحد واحد منهم! 

ما موقف – مثلا نفترض – الأفغاني من العلم؟ ما موقف محمد عبده؟ ما موقف محمد رشيد رضا؟ ما موقف السير سيد أحمد خان؟ ضياء كوك ألب في تركيا؟ ما موقف محمد إقبال في الهند؟ ما موقف المودودي؟ ما موقف الندوي؟ ما موقف حسن البنا؟ سيد قطب؟ فلان؟ علان؟ 

لا! ذا أمر يطول جدا، وغير مُفيد لنا هنا! موقف محمد فريد وجدي؟ عبد العزيز البشري؟ مصطفى عبد الرازق؛ شيخ الأزهر؟ انس! الشيخ شلتوت؟ ألوف، ألوف المُفكرين والعلماء! 

ذا أمر يطول جدا، وليس من غرضنا أيضا! تعرفون لماذا؟ لاعتبار علمي أيضا، لاعتبار علمي وجيه فيما أرى، وهو أن الذي يهمنا، وينبغي الاهتمام به مزيد اهتمام، المواقف التي تحولت إلى تيارات Streams! المواقف التي تحولت إلى مدارس فكرية! هو هذا! 

أما مواقف شخصية، فهذه مثل موقفي ومثل موقفك وموقفه، ليست مهمة كثيرا! لا تهمنا كثيرا! إلا بقدر ما تُساعد على إضاءة ما يتعلق بالتيار والمدرسة. فيما عدا ذلك، لا تهمنا! لا تهمنا في هذا الباب! واضح؟

لذلك نحن نعرف في ماذا نحن نشتغل، وفي ماذا نتكلم؛ لكي نُحدد كلامنا. ولذلك على فكرة كلامنا اليوم لا يصح ولا يجمل أن يُعارض بمثل: يا أخي هذا الكلام غير صحيح! إن كان هذا الكلام قال به – مثلا نفترض – سيد حُسين نصر، أو ضياء الدين سردار، أو الفاروقي، وجماعة أسلمة المعرفة، فالأستاذ الدكتور فلان الفلاني، الشهيد فلان الفلاني، قال غيره! 

لا يا سيدي، لا تستطيع أن تُعارض تيارا ومدرسة فكرية برأي فرد، لم ينجح رأيه أن يستحيل إلى شبه تيار أصلا! لا يهمنا! ووضع العلم الآن، وموقف الأمة منه، واضح أنه لم يتحدد برأي هذا الفرد الذي تُعول عليه أنت! 

هل فهمت ما قصدت؟ هكذا التفكير العلمي! مع أنه قد يكون من ناحية نظرية وتنظيرية أقوم قيلا، أليس كذلك؟ وأمتن، وأكثر اتساقا، من الآراء التي بُنيت عليها هذه المدرسة أو ذلك التيار! مُمكن جدا! لكن نحن نتكلم الآن بلُغة علمية؛ لأننا نُريد أن ندرس هذه المُشكلة، ونُريد أن نستشرف وجوه الحل! 

لأن القضية على فكرة ليست ترفا، ليست ترفا وليست خيارا! أن نحن – والله – وما اخترنا! أي الأمر بحسب الخيرة! إذا أحببنا أن نلحق بالعلم، نُساهم، يكون لنا موقف، فنعم. لم نُحب، لا تُوجد مُشكلة! 

ما هذا؟ كيف لا تُوجد مُشكلة؟ يُمكن أن يكون ثلاثة أرباع التخلف الذي تُعانيه، اقتصاديا وتقنيا وفنيا وعسكريا وثقافيا، بسبب تخلفك العلمي، ثلاثة أرباعه على فكرة! سبعون أو خمس وسبعون في المئة! بسبب التخلف العلمي!

وإياك أن تحلم بأنك يُمكن أن تتغلب، وأن تبذهم، وأن تسبقهم، في أي باب من هذه الأبواب، وأنت لا تزال مُتخلفا علميا، مهما صليت، ومهما صمت، ومهما كنت تقيا ومُتصوفا وعارفا بالله! هذا لا يتعارض مع سُنن الله. 

كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ *، كله عطاء إلهي! العلم، والفكر، والكشوفات، والاختراعات، والنظريات، والتقنيات، كلها عطاء إلهي! قال وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا *. هذه الأسباب المؤتاة! العلم والتقنيات هي ماذا؟ الأسباب المؤتاة، التي آتاها الله، رب العالمين، بعض عباده! 

لماذا؟ لا لأنهم كانوا أتقى منا، ولا أذكى منا، ولا أنبل منا، ولا أهدى إلى الحق في باب الديانة والخلاص الأُخروي منا! بل فقط لماذا؟ لأنهم أتوا البيوت من أبوابها، وتوسلوا الأشياء بأسبابها. والله قال لك سُنة كونية! سُنة هكذا من سُنن الله!

على فكرة، حتى كلمة سُنة في كتاب الله ليست كما تظن مدرسة الإعجازيين ومدرسة إسلامية المعرفة أو أسلمة المعرفة تتعلق بقوانين الطبيعة! غير صحيح. حين تقرأ الموارد اليسيرة جدا لسُنة الله – مثل وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ * كذا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا * -، تجد أنها دائما تتحدث عن ماذا؟ عن القوانين الاجتماعية والتاريخية! ليس الطبيعية! 

طبعا هذا ليس معناه أن القرآن لم يتضمن إشارات إلى القوانين الطبيعية! إشارات قوية، لا تقل عن هذه قوة! لكن كلمة سُنة في الاستعمال القرآني، ربنا هكذا أرادها، يُعبّر بها عن ماذا؟ قوانين الاجتماع والتاريخ! ليس قوانين الأجرام والمادة والطبيعة! لا! لكي نكون واضحين. 

فهذه سُنة، ولا بُد أن نحترم السُنن، التي علمنا الله أنها لا تبديل لها ولا تغيير. يأتي ألحد الملاحدة، ويأتي البيت من بابه، ومعه مفتاح القفل، سيُفتح له. ويأتي أتقى الأتقياء، ليأتي إلى البيت من غير بابه، لن يجد بابا، سينطح رأسه بالحيط، أليس كذلك؟ أو يأتي الباب بمفتاح آخر، لن يُفتح له! 

والعالم لا يُدار بالمُعجزات! أليس كذلك؟ العالم لا يُدار بالمُعجزات والعجائبيات! أيضا يُدار بالسُنن. على المسلمين أن يُوقروا السُنن، وأن يحترموا السُنن؛ احتراما لقول مُسننها – لا إله إلا هو – وَلَنْ تَجِدَ *.

وَلَنْ *! انظر، بالنفي، المؤبد عند الزمخشري، خطأ طبعا، لن لا تُفيد تأبيد النفي، لكن هذه صيغة شديدة في النفي، وإن لم تكن تُفيد تأبيده. 

وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا *، وأيضا تَحْوِيلًا *. لا تبديل، لا تحويل! السُنن ماضية، كالسيف القاطع، الصارم، البتار! علينا أن نحترمها، وأن نتعلم أن نحترمها.

فإذن أعتقد الآن أنني أبرأت ذمتي، بإيضاح حدود بحثي، سأتكلم أين؟ وأتكلم في ماذا؟ واضح يا إخواني؟ وما يُتوقع مني؟ سأتكلم في هذه الحدود. فلا تنتظر مني: لماذا لم تتكلم عن وجهة نظر الشيخ فلان، المُفسر فلان، العلّامة فلان؟ 

أنا أتكلم عن التيارات والمدارس، ليس عن الآراء الفردية، التي من الصعب حصرها وعدها! بالمئات! بعدد المُفكرين والعلماء سوف تجد مواقف إزاء العلم الغربي هذا! لا تعنيني الآن، على الأقل هنا، لا تعنيني!

انتهينا. ندخل الآن في موضوعنا: 

سأُحدثكم عن ثلاث مدارس، فقط! وطبعا بمُجرد الآن أن أسرد لكم هذه المدارس، ستُلاحظون مُلاحظة! 

المدرسة الأولى: مدرسة البروفيسور الأمريكي، من أصل إيراني، والذي لا زال مُقيما، ويُدرس إلى الآن – مد الله في عُمره وبارك في فُسحته -، البروفيسور الدكتور سيد حُسين نصر، المولود – على ما أعتقد – ألف وتسعمائة وثنتين وثلاثين، ولا زال حيا – بفضل الله تبارك وتعالى -. 

مُفكر كبير، وفيلسوف، سأُعرف به، حين أتحدث عن المدرسة. هذا عنده مدرسة، سوف أحكي لكم ما اسمها؟ ما مبانيها؟ ما طريقتها؟ أي ما قضيتها؟ والأهم؛ ما موقفها من العلم الحديث؟ 

عندها موقف؟ عندها موقف طبعا! مدرسة هذه، مدرسة! مدرسة وتيار ومُنتشر في البلاد الإسلامية الأُخرى أكثر بكثير مما يعرفه العرب! أي في ماليزيا، إندونيسيا، عند الهنود! يعرفونه جيدا! العرب آخر ناس للأسف يعرفون هذا الرجل، معرفة قليلة شحيحة بهذا الرجل ومدرسته!

المدرسة الثانية: مدرسة ضياء الدين سردار، المُفكر البريطاني، من أصل باكستاني، المولود ألف وتسعمائة وإحدى وخمسين. مُفكر كبير، Polymath! في سنة قريبة – لا أدري ألفين وماذا، طبعا في الألفية الثالثة – صُنف كواحد من أهم مئة شخصية مؤثرة في بريطانيا! ليس بين المسلمين، بشكل عام! 

لأن كتاباته تُغطي طيفا واسعا، في مجالات السياسة، استشراف المُستقبل أو المُستقبليات، العلم وتاريخ العلم وفلسفة العلم، الحداثة وما بعد الحداثة ونقدهما! وكتابات دينية أيضا إسلامية! كتابه عن مكة وغيره! 

رجل Polymath، رجل موسوعي! الدكتور ضياء الدين سردار! مدرسته المعروفة بالإجمالية؛ Ijmali school أو Ijmalism، إجمالي Ijmali! اسمها هكذا Ijmali! إجمالي Ijmali! Ijmali school، أو Ijmali of thought school، اختصارا Ijmalism. 

نفس الشيء أيضا! أي ندر أن تسمع من المسلمين العرب مَن يتحدث عن سردار وعن مدرسته الإجمالية، يندر! يندر بشكل غير طبيعي! حاول تجوجل وتكتب الإجمالية، ربما لا تصدر لك أي نتيجة! شيء مؤسف!

المدرسة الثالثة والأخيرة: مدرسة أسلمة أو إسلامية المعرفة. وعندها طبعا مؤسستان، أو مؤسسة حقيقة أيقونية مشهورة، لها مركزان مشهوران: مركز الزمالك في القاهرة، ومركز فرجينيا! الذي هو المعهد العالمي للفكر الإسلامي. 

أي هذه المؤسسة التي قامت بهذه المدرسة، وتنشر الدراسات فيها والأعمال والناتج الفكري الكبير نسبيا لهذه المدرسة! مدرسة إسلامية المعرفة! والتي أسسها البروفيسور الأمريكي، من أصل فلسطيني، الشهيد – إن شاء الله، بفضل ربه – إسماعيل راجي الفاروقي، المولود ألف وتسعمائة وثنتين وعشرين.

أعتقد استُشهد ست وثمانين أو سبع وثمانين، طعنا بالسكين، هو وزوجته الفنانة والموسيقية لمياء الفاروقي – رحمة الله عليهما -، في البيت، طعنا بالسكين حتى الموت! لن أتكلم عن مُلابسات الاغتيال ومَن الذين وقفوا خلفه، يُمكن أيضا أن تجوجلوا؛ لكي تقفوا على ذلك! فرحمة الله عليه وعلى زوجته، الشهيدين إن شاء الله بفضل ربهما. 

مدرسة إسلامية المعرفة اسمها! هذه هي! هذه هي الثلاث المدارس التي فعلا نجحت أن تكون مدارس! تيارات كبيرة! تُمثل ردة الفعل الإسلامية، إزاء العلم الحديث. 

ستقول لي وفقط؟ لا، هناك مدرسة أو تيار رابع، لكن من الصعب أن نعتبره مدرسة! لماذا؟ ليس له مُنظرون، ليس له بسطة تنظيرية واضحة، كالمدارس هذه! لكنه في الواقع تيار، وينضوي تحته كثيرون جدا! ولعله أوسع التيارات! لعله أوسع التيارات! 

يُسميه بعضهم تيار العلماء النظاميين، أي Conventional scientists، تيار العلماء النظاميين! بعضهم يُسميه تيار الحداثيين، مثل سيد حُسين نصر! يُسميه تيار الحداثيين، Modernists! بعضهم يُسميه تيار التقليديين! ما هو هذا التيار؟ 

على فكرة بعضهم يُسميه تيار البراجماتيين! أسماء كثيرة! مع أن هناك خلافا بينه وبين البراجماتيين. البراجماتيون هؤلاء تقريبا الجمهور، مثلنا، الناس العاديون! وسوف أقول هذا أيضا! هذا تصنيف تصنيف آخر! 

لكن هذا التيار ينضوي تحته مَن؟ العلماء النظاميون الذين تلقوا العلم الغربي؛ لأن في نهاية المطاف العلم الغربي، أي على الأقل إذا نظرنا إلى منشئه ومصدره ومثاراته! سواء الذين قدموه كانوا طبعا هنودا، صينيين، عربا، مسلمين، غير مسلمين! ولكن هذا كله في الغرب!

أي في نهاية المطاف، شئنا أم أبينا، واحد مثل أحمد زويل، علمه لا بُد وأن يُعتبر علما غربيا! ليس علما عربيا، ولا علما مصريا! لأن هذا العلم نشأ في الغرب، الذي وفر له كل الإمكانات وكل المُمهدات هي المؤسسات الغربية الأمريكية. 

لو بقيَ أحمد زويل في مصر، واضح طبعا بنسبة تسعين في المئة لن يُنجز ما أنجزه وهو في الغرب، مُستحيل! على الأقل مؤسستيا! الأمور ليست مؤهلة بالكامل! فهو علم غربي، أي لا تفرح كثيرا!

وعلى ذكر المرحوم أحمد زويل، للأسف الشديد إلى الآن ثلاثة من المسلمين، ليس العرب، وإنما من المسلمين! من اثنين مليار الآن، المسلمين! ثلاثة من المسلمين أفلحوا في الحصول على نوبل Nobel في العلوم! 

ثلاثة؟ فقط ثلاثة! في العلوم، ليس في الأدب، نجيب محفوظ وغيره! والبرادعي للسلام، وأبو عمار، والسادات، وكذا، لا! نحن نتحدث عن العلوم! أولهم المرحوم محمد عبد السلام الباكستاني – رحمة الله تعالى عليه -، وهذا قصته مأساة! هذا عبد السلام مأساة! 

المُهم، محمد عبد السلام كان من طائفة الأحمدية! هذه فرع كبير جدا من القاديانية! فهذا حتى حين مات – رحمة الله عليه -، ماذا حصل؟ وقد أوصى أن يُدفن جُثمانه في بلده باكستان، التي تركها حين صدرت الفتاوى بتكفير الطائفة الأحمدية، في الأربع وسبعين، اضطر أن يترك بلده ويأتي إلى الغرب! 

أكمل علومه، وحاز على أشياء، إلى أن حاز في سنة ألف وتسعمائة وتسع وسبعين، مع جلاشو Glashow، وستيفن واينبرج Steven Weinberg، على جائزة نوبل Nobel في الفيزياء! 

طبعا أوصى بأن يُدفن في بلده. دُفن، ولكن مُنع أن يُكتب على شاهد قبره مسلم! مأساة! رحمة الله عليه. هذا الرجل حين فاز بجائزة نوبل Nobel، لم يأخذ منها فلسا واحدا، لا لنفسه، ولا لزوجته وأولاده. تبرع بها كلها، من أجل دعم الطلاب المسلمين الذين يُريدون أن يُتموا وأن يُطوروا علومهم في معهده في تريستا بإيطاليا! رحمة الله عليه. 

وربما رأيتم صورة لي معه، على موقعي ربما القديم. سبب التعرف البسيط السريع الذي بيننا، أنه استمع إلي وأنا أتلو سورة الفجر، فكان يبكي بكاء أحزن الجلوس! كان يبكي ويهتز من الخشوع! 

وحين فرغت، قام واتجه إلي، فاتجهت إليه، وأخذني، عانقني عناقا حميما! يبكي! وحصل بيننا مُحادثة قصيرة! هذا الرجل يُعتبر كافرا! رحمة الله عليه. وعاش ومات وهو مُعتز بإسلامه وبأمته، ومُتحسر وأسفان، أسيف أو آسف، على أنهم لم يستبحروا في هذا العلم، لم يأخذوا طريقهم إلى العلم بجدية وصرامة! كان يتحسر على ذلك! ويرجو غيره.

كان يرجو حتى من خُطباء المنابر أن يهتموا بالعلم! وكتب هذا في مُقدمته لكتاب مَن يُعتبر أحد تلاميذه أو أحد زملائه الصغار، وهو برفيز أو برويز أميرعلي هودبهوي Pervez Amirali Hoodbhoy! صاحب كتاب الإسلام والأرثوذوكسية الإسلامية – معركة العقلانية.

فكتب قال أنا كلما التقيت بخُطباء المنابر أقول لهم لماذا؟ لماذا لا تستثمرون منابركم للحث على العلم، وتحبيب الناس في العلم، وبيان قيمة العلم للحياة الإسلامية، حياة المسلمين؟ 

قال ومما أسعدني أن مُعظمهم كانوا يُلبونني بأن لديهم الرغبة في ذلك، لكنهم لا يمتلكون من العلوم والمعارف ما يُمكنهم من ذلك! نتكلم في ماذا؟ نتكلم فيما نجهل؟ لا نعرف. قالوا! لا نعرف لا فيزياء، لا كيمياء، لا رياضيات، لا فلك! لا نعرف. قالوا! (غلابة)، نُحب، لكن ليس عندنا هذا. أي لو تكلمنا، نُصبح مسخرة! وكلامهم صحيح. 

فكأنه يقول ماذا؟ كأنه يُريد – رحمة الله عليه – أن يُشير إلى القصور، الذي اعترى، وربما تجذر، في المؤسسات الإسلامية الرسمية – لن نذكر مثل ماذا -، التي تُخرّج العلماء والوعاظ والدُعاة! أن هذه المؤسسات لا تُعلمهم حتى ما يجعلهم مُلمين بعض إلمام بالعلم. المُلم طبعا ليس عالما، المُلم هو الذي عنده المعرفة Silhouette، معرفة بسيطة! هذا الإلمام على فكرة.

فقال هم يُلبون، ولكن قالوا لك ليس عندنا هذا. تماما مثل ذلك الشيخ الذي كان على أعلى، أو في قمة، في رأس، على رأس مؤسسة إسلامية كُبرى، بل الأكبر! ويُسأل، وكان في لندن، في زيارة، لا أدري للعلاج أو كذا، سفرة! عن ال Cloning أو عن الاستنساخ! ال Cloning! فقال له ما له؟ الاستنساخ جيد، خير وبركة الاستنساخ! 

قال له كيف يا شيخ إذن؟ أي حُكم الاستنساخ؟ قال له لا تُوجد مُشكلة! أي لو عندك مثلا شجرة تفاح، وتُحاول أن تُلقحها بعجور أو بكمثرى، فلا تُوجد مُشكلة. وهذا المذيع المسكين كان مذيعا خليجيا، أُسقط في يده! لكي تعرف الحالة! 

ولذلك قلت لكم نهتم بالتيارات، لا نهتم بالأفراد! لأن هذا على رأس أعلى مؤسسة دينية، لم يُكلف خاطره أن يسأل صحفيا عنده، صحفيا! اسأل صحفيا! يسأل واحدا من أولاده يا سيدي، في الجامعة الكبيرة هذه، أو في المؤسسة العريقة! ويقول لهم تعالوا، اشرحوا لي ما ال Cloning هذا، أي ماذا يعني الاستنساخ؟ ما النسيخة أو النسيلة هذه؟ كانوا سيشرحون له! هو يظن أنه تلقيح النباتات! نباتة بنباتة! هذا اسمه استنساخ! 

وضع المسلمين مخز ومُحزن جدا! أنا أُحب أن أكون واضحا مع الحقائق. أعرف أن هذا الكلام يبعث على الاكتئاب، والله! حتى أنا أكتئب منه، لكن هذه الحقيقة!

فنرجع، فالتيار العام هو تيار هؤلاء العلماء، النظاميين بلُغة بعضهم، الذين تلقوا علومهم، سواء في عالمهم الإسلامي أو في العوالم الغربية المُختلفة، بالطريقة الغربية، وفق المناهج الغربية والمُخرجات الغربية، تماما! ولا يرون مبدئيا أن هناك إشكالية في تلقي هذا العلم. لماذا؟ لأن هذا العلم مبدئيا عالمي، وموضوعي، ومُحايد، وخال من القيمة Value free! هكذا! 

طبعا ستقول لي هذه سذاجة؟ وهذا صحيح! أتفق مبدئيا، أنك قد تجد عالما كبيرا، على هذا النحو، وقد يكون حاصلا على جوائز في العلم! من ناحية أنه عالم، عالم! لكن لأن خلفيته في فلسفة العلم ضحلة جدا، أو مُنعدمة، فيُمكن أن يبلع مثل هذه الكليشيهات، التي لا يُمررها أي فيلسوف علم غربي، مُستحيل! 

تقول له العلم موضوعي. يقول لك (صح النوم)، موضوعي كثيرا! تفهم ما هي الموضوعية! العلم عالمي. يقول لك هذه مقبولة إلى حد ما، لكن ليس بالطريقة التي أنت تفهمها. والعلم مُحايد. يقول لك (صح النوم). والعلم خال من القيمة. (صح النومين). مسكين تتكلم كلاما أنت لا تفهمه. يقول لك!

للأسف هؤلاء العلماء النظاميون، أو الحداثيون بلُغة سيد حُسين نصر، ينطلقون ويصدرون عن هذا المنطق! العلم بخير، نحن لسنا بخير. العلم عالمي، موضوعي، مُحايد، خال من القيمة! لذلك لا تُوجد مُشكلة. العلم مثل التلفزيون، مثل السيارة! أي مثل التقنيات جعلوه، العلم! يُوجد فرق كبير بين التقنية وبين العلم. 

مثل السكين، مُحايد، تستطيع أن تستخدمه في الخير، كما تستخدمه في الشر! أنت كمسلم خُذه؛ هذا العلم المُحايد، استخدمه في الخير، السلام عليكم. لا إله إلا الله! هذا هو؟ 

لا، هذا موقف شديد التسطيح، شديد السذاجة والبساطة، إلى حد طفولي! لكن للأسف يُوجد علماء كثيرون، من ذوي الخلفيات الضحلة جدا في فلسفة العلم، يصدرون عن هذا المنطق، ويُرددونه، بين المسلمين. 

لذلك كما قلت لكم هذه فئة رابعة الآن، لا تُشكل تيارا، ولا تُشكل مدرسة؛ لأن تنظيرها تقريبا يقتصر على ما ذكرت! 

لما سُئل البروفيسور محمد عبد السلام – رحمة الله عليه – ما بال المسلمين؟ أي أين الخطأ؟ كما يقول الأجانب! أين الخطأ؟ ما بال المسلمين؟ تعرف ماذا قال؟ قال ما من مُشكلة! كل ما حدث أننا أسسنا العلم! نحن المسلمين أسسنا العلم، في قُرطبة وبغداد والقاهرة ودمشق! أي في عواصم المسلمين، أسسنا العلم! ليُثمر في عواصم أوروبا! قال هذا الذي حصل! نحن الذين أسسنا!

ماذا يُريد أن يقول البروفيسور محمد عبد السلام؟ يُريد أن يقول هذا العلم في نهاية المطاف بضاعتنا، بضاعتنا! نحن أسسناه! فهلموا، هلموا إلى استحيائه واستيراده والإضافة والإبداع فيه من جديد. لا، منظور سطحي جدا جدا هذا! مع احترامنا للبروفيسور الكبير، أول مسلم يحوز جائزة نوبل Noble!

والمسلم الثاني؟ أحمد زويل – رحمة الله عليه -! ألف وتسعمائة وتسع وتسعين! أي ألف وتسعمائة وتسع وسبعين الثورة الإيرانية، أي نفس السنة! محمد عبد السلام، مع جلاشو Glashow، وستيفن واينبرج Steven Weinberg! الثلاثة تقاسموها! وطبعا العجيب الآتي! هذا العجيب! وهو نفسه؛ البروفيسور محمد عبد السلام، تمثل بهذه الحالة! 

قال انظروا مثلا، أنا مسلم، أعتز بديني، وأعبد ربي، وعندي علاقة خاصة بالله عز وجل. هو ذكر هذا! وأنا سمعت هذا بأُذني، أي لما استمعت إلى مُحاضرته، التي التقينا فيها! سُئل، فقال أنا مثل الشيخ الرئيس ابن سينا، استفدت منه! حين تعضل بي مسألة علمية، أفزع إلى الصلاة، وأُهرع إلى الدعاء. 

وقال بفضل الله تبارك وتعالى في مُعظم الحالات يُلبيني ربي! فشيء جميل، أي عنده هذه الروحانية الرجل، وهو يعيش هذه الحالة! وإلا كما قلت لكم ما الذي أبكاه ذلك البُكاء المُر حين سمع سورة الفجر مني؟ أي بُكاء عجيب! جعل الناس يحزنون من أجله! يهتز الرجل! فالرجل واضح أن عنده تجربة روحية قوية – ما شاء الله تبارك وتعالى -.

فكان يقول لك أنا مسلم، وعندي هذه الحالة الدينية، وفي الوقت زميلي وصديقي ستيفن واينبرج Steven Weinberg، شريكي في جائزة نوبل Nobel! مُلحد، ومُلحد عنيد! ألا يكفيكم هذا في التدليل على أن العلم مُحايد؟ 

واشتغل هو وستيفن واينبرج Steven Weinberg في المجال نفسه! الذي كان ضمن النظرية المُوحدة! جهود على طريق الوصول إلى النظرية العُظمى المُوحدة، أو نظرية كل شيء! التي لم نصل إليها إلى الآن.

فقال أنا مسلم، وواينبرج Weinberg مُلحد! طبعا كلامهم كان عن الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة، ومحاولة الجمع بينهما! وأخذوا نوبل Nobel على ذلك الثلاثة! فقال هذا هو! لا تُوجد مُشكلة. 

العلم مُحايد، يحمله مسلم مُوحد، يحمله لا أدري Agnostic، يحمله مُلحد عنيد! لكن هو بحد ذاته ليس مُلحدا ولا لا أدريا ولا مؤمنا! العلم! العلم تقص للطبيعة، وفق منهج مُحدد! فقط، هذا هو كل شيء! الموضوع الآخر موضوع ثان هذا! هكذا هو مُقتنع! لا، الموضوع لا يزال أعمق من هذا، هذه المُشكلة! الموضوع أعمق من هذا، وسوف نرى كيف!

فما أُريد أن أقوله إن هذا ليس تيارا، هذا موجود، وله أتباع كثيرون، أمثال هؤلاء العلماء الذين ذكرت. أي لو سألت أيضا أحمد زويل ما موقفك؟ فسوف يكون موقفه نفس الشيء! كثيرون كثيرون كانوا بالطريقة هذه! عندهم هذا الموقف! لم يُشكلوا مدرسة كما قلت لكم! لماذا؟ لأن البسطة أو المهاد التنظيري غائب تقريبا. وإذا كان هناك تنظير، فهو هذا! ترديد هذه المقولات البسيطة، المُفرطة في العمومية والتبسيط! والتي لا تُسلَّم من أي فيلسوف علم، على الإطلاق! وخاصة من فلاسفة العلم الذين ينطلقون من خلفية سوسيولوجية، أو ما يُعرف بالألمانية – والألمان هم الرواد الكبار في هذا الحقل، وهم الذين بُسمونها هذا – Wissenschaftssoziologie! أي سوسيولوجيا العلم! 

هؤلاء يقولون لك لا، العلم لا هو حقيقة موضوعية، ولا مُستقلة، قصة ثانية! العلم بنية وهيكل اجتماعي! عجيب! يُفبرك العلم أشياء! هكذا يرى هؤلاء، وطبعا هذه نظرة مُتطرفة، لكن موجودة، هذه المدرسة السوسيولوجية الآن في تفسير العلم! يُوجد علم كامل الآن، حقل كامل؛ Field كامل، اسمه علم اجتماع العلوم! سوسيولوجيا العلم! 

هذا يقول لك العلماء والمؤسسة العلمية قد تُفبرك – تُفبرك، تُصنع – ما يُسمى ويُعطى مُلصق حقيقة علمية – نفترض – أو كشف علمي! لصالح ماذا؟ لصالح أهداف اجتماعية مُحددة! سياسية أو اقتصادية أو…أو…إلى آخره! 

وعنده أمثلة على ذلك! لكن ليست هذه الحالة دائما بصراحة! هذا نوع من التطرف، ونوع من الغلواء، من الغلو! ليست هذه الحالة دائما!

على كل حال، للأسف أدركنا الوقت الآن لهذه الحلقة، سنُنهيها – إن شاء الله تعالى -، على أمل أن نستكمل في الحلقات المُقبلة.

في الحلقة المُقبلة، حتى لا أنسى، سأفتتحها بالسبب الذي حمل البروفيسور سيد حُسين نصر، على أن يدرس فلسفة العلم وتاريخ العلم! لماذا؟ لأن هذا السبب وهذه الواقعة لها علاقة كبيرة بما ختمت به مُحاضرتي الآن! 

العلم ليس بتلك الحيادية، وليس بتلك الموضوعية، وليس كما يُصوره هؤلاء العلماء النظاميون، لا! له جنبة أُخرى، مُختلفة تماما أو إلى حد بعيد! 

فإلى ذلك أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.