حرية التعبير

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ۩ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

قبل مُدةٍ وجيزة طُرِحَ علىّ هذا السؤال: لو أُتيحَ لك أن تُنشيء يوتوپيا Utopia أو مدينةً فاضلة مَن كنت ستطرد منها؟ أي تأسياً بأفلاطون Plato صاحب أول يوتوپيا Utopia تقريباً في التاريخ – الجمهورية – والذي شاء أن يطرد منها أصحاب الفن التمثيلي والشعراء، وكان جوابي سأطرد من هذه المدينة الفاضلة مُلَّاك الحقيقة المُطلَقة وحاملي مفاتيح الجنة والنار، أما الشعراء سأبقيهم والمُغنين والراقصين والراقصات وأصحاب الفن التمثيلي وأصحاب الدعوات الدينية وكل هؤلاء، لا مُشكِلة لنا معهم، فقط مَن يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة المُطلَقة لا مكان لهم في مُجتمَع بشري فاضل، لأنهم سيُحيلونه إلى جهنم حمراء، سيُحيلونه إلى كارثة مُمتَدة وإلى لعنة حقيقية، لماذا؟ لأنهم آلهة، الذي يزعم أنه يمتلك الحقيقة وحازها من عند أواخراها وحدودها هو الإله فقط، ولذلك حين يزعم أحد أنه يمتلك هذه الحقيقة ويقطع بأنه يمتلكها فإنه مُتألِّه، هو خطيرٌ جداً، وإذا كان الإله يقودنا إلى ما فيه سعادتنا ومنفعتنا فهذا يقودنا لكي يُحطِّمنا بهوسه المجنون، لأنه من حيث يزعم أنه إله لا يزيد عن أن يكون مُهوَّساً مجنوناً يتعانى من عقد نقص رهيبة نفسية وعقلية وغير ذلك طبعاً، هذا هو الإله الزائف، ولذلك هذا سيُحطِّم كل أتباعه، سيُحطِّم الذين يعبدونه أيضاً، الذين يُصدِّقون بهذا الهوس سيتحطَّمون عند عتبات وتخوم هذا الجنون المُنفلِت العقال والمُطلَق السراح، وكذلك الحال مع حاملي مفاتيح الجنة والنار، ولا يحمل مفاتيح الجنة والنار مِن هؤلاء إلا الذين تألَّهوا أيضاً بالزيف والكذب وزعموا أنهم حازوا لا أقول نصاب الحقيقة إنما حدود الحقيقة المُطلَقة، ليس النصاب الأدنى للحقيقة وإنما الحدود الأبعد والأقصى للحقيقة المُطلَقة، وطبعاً جوابي هذا ليس عجيباً، ليس عجيباً من امريءٍ يعيش في القرن الحادي والعشرين، كل رجل يعيش في هذا العصر – في القرن العشرين أو في القرن الحادي والعشرين أو حتى في القرن التاسع عشر – طبيعي جداً أن يصدر منه هذا الجواب، وإلا فهو الرجعي حقيقةً والمُتخلِّف الذي لا يعيش زمنه، الذي لا يعرف المدى البعيد الذي ذهبت إليه البشرية والشوط الفسيح الذي قطعته في تقرير حقوق الإنسان وفي تقرير كرامة الإنسان وفي تقرير إنسانية الإنسان، لذا هذا الجواب طبيعي.

أفلاطون Plato إلى حدٍ ما طبيعي أن يطرد هؤلاء المذكورين، ولكن غير طبيعي أن يكون هذا الطارد أفلاطون Plato بالذات، لأنه تلميذ سقراط Socrates، سقراط Socrates أستاذه الأكبر وأستاذه الأبرز والأذكى وهو الذي روى لنا عنه في مُحاوَرة الاعتذار – Apology – ما قاله لقضاته ومُحاكِميه في تضاعيف مُحاكَمة طويلة ذكية جداً وإنسانية رائعة تدل على هذه الروح المُتفرِّدة التي لا تلتزم إلا بالحقيقة وإلا بالصدق الذي يُصالِحها مع نفسها ومع البراهين والأدلة، قال لهم وإن قلت لكم إن امتناعي من التخلي عن مُناقَشتي كل يوم وكلما تاحت لي فرصة مسائل الخير وسائر المسائل التي سمعتموني أُناقِش فيها وأُساجِل وأُجادِل وأُدرِّسها أنا ومَن معي – إن قلت لكم إن امتناعي عن التخلي من درس وبحث ونقاش هذه المسائل – هو أجمل ما في الإنسان، هو خير ما يفعله الإنسان – يُريد أن يقول سقراط Socrates لقضاته خير ما يُبرهن إنسانية الإنسان أن يلتزم بالبحث عن الحقيقة وأن يلتزم بأن يكون سئَّالاً مُتشكِّكاً يطرح الإسئلة والشكوك والإيرادات من كل جهة، لماذا؟ لأنه لا يملك ترف أو هوس أو جنون أن يدّعي أنه يعرف الحقيقة، وهذا معنى الفيلسوف، قبل الفيلسوف كان هناك الحكيم السفسطائي، السفطسائي هو الحكيم الذي عرف الحقيقة، سقراط Socrates كان أكبر عدو لهم وحطَّمهم، قال أنا لست حكيماً ، هذه غطرسة لا أدعيه ، أنا مُحِب للحكمة، أنا باحث، وهذا هو معنى فيلسوف، فيلسوف من فيلو Philo أي المحبة والعشق، والسوفيا – Sophy – هى الحكمة، أي عشق الحكمة، فأنا أُحِب وأعشق الحكمة، وهذا أحسن ما يُمكِن أن أفعله أو يفعله أي إنسان أن يلتزم بالبحث دائماً وطرح الأسئلة والشكوك والإيرادات بصدد الموضوعات المُختلِفة المُهِمة كموضوعة الخير والشر والحق والعدل والمُساواة وإلى آخره – ولكنكم لن تُصدِّقوني، لكن هذا ما سأظل مُعتصِماً به، وتلقَّى كأس الموت الزؤام بكل رضا وطواعية وسماح نفس، شربه وأخلد إلى الموت الكريم، فسقراط Socrates علَّم الناس كيف تكون الميتة – ميتة المرء – كريمة ومُشرِّفة، فعجبٌ وأي عجب لأفلاطون Plato ألا يصدر عن مثل هذه الروح، وأن يُقيِّد – يضع قيوداً وتحديدات كثيرة – لأنه يرفض الشعر والشعراء، فلماذا يرفض؟ هو ادّعى أن الشعر والشعراء يُرقِّقون طباع الناس، يجعلونها رقيقة أو طباعاً رقاقاً لا تليق بالإنسان الذي يعيش في هذه المدينة الفاضلة، يُفسِدون الأخلاق هؤلاء الشعراء، غير مُلتزِمين أيضاً باللغة الدقيقة وهى لغة التأمل الفلسفي، لديهم لغة شعرية مُنفلِته خيالية، وماذا عن الفن التمثيلي؟ أرسطو Aristotle عنده نظريات رائعة جداً وسابقة في الفن التمثيلي وفي الفن المسرحي وفي تفسير التطهر – هكذا زعم أرسطو Aristotle – الذي ينتاب الإنسان ويعرض للإنسان بعد أن يحضر – مثلاً – قصة فنية ومن ثم يتطهَّر الإنسان، أرسطو Aristotle كان رائعاً جداً في مُعالَجته لهذه الأشياء، فلماذا أفلاطون Plato يتنكَّر لها؟ طبعاً هناك تبريرات ميتافيزيقة مُعقَّدة جداً، لأن أفلاطون Plato عنده نظرية ميتافيزيقية ترى أن هذا العالم كله ليس عالم الحقائق، هذا عالم الظلال المُشوَّهة، كل شيئ – أنا وأنت وهذا والكل – ليس الحقيقة، هذا ظلٌ للحقيقة وللمثال الذي يقبع في عالم المُثل وفي عالم الحقائق كما شرحت لكم مرة، نحن فقط مُجرَّد ظلال، فأن تأتي تُمثِّل الظلال فأنت تزيدها تشوهاً وبُعداً عن الحقائق بمرحلة زائدة، يقول لا نُريد هذا، وهذا أمرٌ عجيب، نظرية ميتافيزيقية يُريد لها أن تكون لها تدعيمات واقتضاءات حتى في ميدان الاجتماع والفن، ومن ثم هذه أيدولوجية، هذا تصرّف أيدولوجي من أفلاطون Plato، وهو تصرّف غير معرفي، هذا ليس معرفياً تماماً، هذا أيدولوجي أكثر منه معرفياً، وعلى كل حال فيما بين هذا الموقف وهذا الموقف طُرِحَت قضايا شديدة الحساسية ولا تزال خاصة بين الشعوب وفي المُجتمَعات والدول التي لم تأخذ بنصيبها اللائق بها من الحريات ومن حقوق الإنسان.

موضوعة اليوم هى موضوعة حرية القول والكلام والتعبير، حرية الشاعر أن يقول وأن يشعر وأن يقرض الشعر، فهذه حرية للقول، حرية الرسَّام أن يرسم والمُمثِّل أن يُمثِّل على خشبة المسرح، هذه حرية تعبير Expression، فالأول Speech والثاني Expression، وهذه نفس الحرية في النهاية، نطاق واسع يضمن هذه الحريات، حرية القصَّاص الروائي أن يكتب قصة وأقصوصة ورواية، هذه حرية تعبير، حرية أن يرفع المرء شعاراً من الشعارات، هذه حرية تعبير، وأن يحرق شعاراً وأن يحرق رمزاً وأن يحرق علماً أو بطاقة، هذه حرية تعبير، أن يخطب وأن يقول وأن يكتب مقالة في النت Net أو في صحيفة وأن يفوه بشيئ في مُقابَلة إذاعية أو مُقابَلة مُتلفَّزة، هذه حرية قول وحرية تعبير، كلها حريات ولها أساليب كثيرة، أن يصنع تمثالاً – كما قلنا – يحمل رسالة، هذه حرية تعبير وهى قوية، هذه من الحريات المُقرَّرة الآن في عالم الناس، ولكن للأسف الشديد الذي لا تُخطيء العين مُلاحَظته أنه في عالم العرب والمسلمين هذه الحريات ليست منقوصة بل منقوصة إلى حد بعيد جداً فانتبهوا، المُقلِق – وهذا الذي دقع إلى هذه الخُطبة وحثَّ عليها – أنه لا يُمارِس هذا الانتقاص وهذا القمع لهذه الحرية ولسائر الحريات فريق بعينه، كلنا ذلكم الفريق للأسف الشديد على تفاوت، ليس لدينا دراسات علمية وإحصائية تُحدِّد نسب هذا التفاوت لكن كلنا ذلك الفريق، كل فريق هو بانتظار فقط أن يتسلَّط وأن تُواتيه الفرصة – وأعظم فرصة هى السُلطة، أن تصير في السُلطة – لكي يمنع غيره من التعبير، أي عن أن يُعبِّر، وطبعاً وسائل المنع تُناظِر وتُضاهي وسائل التعبير في كثرتها وتعدُّدها وتفاوتها، أنت – كما قلت – تُعبِّر عن رأيك بأشكال مُختلِفة جداً من القول – هذه أول وسيلة تواصل – إلى الرسم والنحت والمسرح والأقصوصة والمقالة وإلى آخره، هناك وسائل كثيرة جداً، وقد يصل هذا إلى الحرق، مثل حرق الأشياء ورفع الأشياء، هذه كلها وسائل تعبير، ووسائل المنع أيضاً تُضاهيها في الكثرة من الرقابة، إشعارك أنك مُراقَب وكل ما تقوله مُسجَّل، وربما تُحاسَب عليه، ربما تُعتقَل، ربما تُسجَن، ربمت تُحاكَم، ربما تُقتَل، ربما تُغتال دون مُحاكَمة، وربما يُصادَر حقك في نشر هذه الأشياء، يُصادَر الكتاب الذين نشرته، قد تُغلَق الصحيفة التي نشرت لك المقالة أو يُغلَق الموقع في النت Net الذي نشر لك الكلمة وإلى آخره، هذه وسائل عبر التاريخ والبشر يستخدمونها للأسف ولا يتورَّعون وخاصة إذا كانوا في السُلطة، وهذه الرقابة والمُصادَرات لا تُمارِسها سُلطة بالمعنى الأخص للسُلطة، فحتى السُلطة المُجتمَعية تُمارَس هذا، المُجتمَع كسُلطة يُمارِس هذا، أليس كذلك؟ المُجتمَع يفعل هذا، كتب مرةً … ماذا أقول؟ لا أقول الروائي وهو روائي ولا كاتب مقالات وهو كذلك، ولكن هو فيلسوف تشريخ السُلطة، فيلسوف تفكيك خطابات القمع، أي الخطابات القمعية، جورج أورويل George Orwell صاحب رواية حديقة الحيوان ورواية 1948، معروف جورج أورويل George Orwell ومعروف مُصطلَح الأخ الأكبر،على كل حال كتب جورج أورويل George Orwell يقول الآراء حين لا تكون شائعة ولا تُهدِّد بالشيوع – آراء يبدو أنها من العمق ومن الغموض ومن الالتباس ومن الغرابة ومن الترف – لن يتأثَّر بها ربما إلا عدد يسير جداً من البشر، وربما حتى فقط لا يتأثَّر بها إلا مَن أنتجها، كما قال النبي ورأيت النبي وليس معه أحد، وهذا صحيح طبعاً، قال النبي عُرِضَت علىّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرَّهْطُ، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن هذا النبي – عليه السلام – أتى بآراء لم يحملها إلا هو، لم يقتنع بها أحد إلا هو، وهذا يحصل طبعاً، هذه حالات استعصاء ثقافي، ونوح تقريباً عانى من حالة الاستعصاء الثقافي، ألف سنة إلا خمسين عام وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ۩، حالة استعصاء لأن المُجتمَع أغلق آذانه – أي أسماعه – وبصره وبصيرته، فهو لا يُريد، لا يُريد أن يسمع ولا يُريد أن يتداول الفكرة، وهذه حالة استعصاء، يكتب أرسطو Aristotle مرة بذكاء مُتألِّق بالغ نافذ – ما أجمل هذه المقولة لأرسطو Aristotle – قائلاً علامة العقل المُتعلِّم تداوله لأفكار رغماً عدم قناعته بها، هذا مُهِم إذا كنت تريد أن تروز عقلك وأن تعرف أن عقلك الموهوب لك هل هو عقل مُتعلِّم أم عقل غير مُتعلِّم، عقل مُستعصٍ جامد، عقل آلي، ليس عقل إنسان وإنما عقل آلي، هو كآلة أو كوعاء لابد أن تُوضَع فيه الأشياء وضعاً، يضعها الأب والأم والمُدرَّس والشيخ والمُجتمَع فقط، أما أن يبتكر هو شيئاً أو أن ينتخب هو شيئاً أو يأخذ شيئاً أو يترك شيئاً فهذا لا يستطيعه، هذا المسكين آلة، هو مُبرمَج يُبرمِجه المُجتمَع، ليس هذا هو الإنسان، آخر شيئ يُمكِن أن يكونه الإنسان هو هذا المُبرمَج، بالعكس النبتة أحسن منك في هذه الحالة، الشجرة أفضل منك، الشجرة ماهيتها ليست في ذهن إنسان يُصمِّمها أبداً كماهية الروبوت Robot أو كماهية الحاسوب، ماهية الروبوت Robot أو الحاسوب أين تقبع؟ في ذهني أنا المُهندِس، في ذهن المُهندِس الذي يُصمِّمها، ولذلك هو يُصمِّمها وفق هذه الماهية – وفق هذا الـ Essence – ثم بعد ذلك يتركها لتعمل وفق ما يُريد تماماً، وكل خطأ واقع أو مُتوقَّع له ما يُستدرَك به، هذه هى الآلة، لكن الشجرة لا يُمكِن معها هذا، لا تستجيب لهذا، الشجرة تستجيب لماهيتها الكامنة فيها وفي بذرتها، ولذلك تنمو باعتمال قوى داخلية فيها من جميع الجهات وتتطوَّر، هذه هى الشجرة، صرنا أقل من شجرة، صار الإنسان أقل من نبتة، انحطَّ عن أفق نبتة ليلتحق بوهدة الروبوت Robot والآلة، لكن الإنسان الحقيقي أعلى من النبتة، هو أعلى حقيقةً، لذلك يُمكِن أن يُعارِض رأي أمة كاملة طبعاً، ليس رأي جماعة وما إلى ذلك وإنما أمة كاملة، هى عندها اتجاه وهو عنده اتجاه آخر، فأمّوا سَمتَهُمْ وأمَمْتُ سَمتي، أنا عندي سمت آخر، هذا هو الإنسان، ليس عناداً وليس تلبيةً لرغبة في التميز أبداً، فقط لأنه غير مُقتنِع، الفيلسوف الإنجليزي الرائع جون لوك John Locke يكتب قائلاً لا يُمكِن إملاء القناعة، افهموا هذا، هذا فيلسوف ليبرالي مُمتاز وهو صاحب رسالة التسامح، هو من الأوائل المُؤسِّسين الواعين، يقول للناس حاولوا أن تفهموا أن القناعات لا تُملى على الناس، لا يُمكِن أن تُملي علىّ قناعة وتقول أستحلفك بالله أن تقتنع بهذا، هذا لا ينفع، لا يُمكِن أن تستحلفني بالله في هذه الحالة، لا يُمكِن أن تقول أنا أُهدِّدك وسوف أقتلك أو سوف أُعطيك فتُرغِّبني و تُرهِّبني، هذا لن ينفع، لابد من أن أقتنع بها ذاتياً، لابد أن أنا أكون مُقتنِعاً، لا تُحاوِل أن تُرهِبني كأن تقول لي وحسبك عنقٌ من النار يخرج لك يوم القيامة وكذا وكذا، لا تُرهِبني يا أخي لأنني لست مُقتنِعاً، حين أقتنع سأفعل هذا من تلقائي وسأصدع برأيي من تلقائي، فالقناعات لا تُفرَض، كل الشعوب المُتخلِّفة لم تفهم هذا بعدُ، تفهم أن القناعات تُفرَض، إذن هى شعوب مُستبِّدة كفراعينتها وكطواغيتها، هذا هو الطغيان، تقول الآية الكريمة مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى – ثم قال لهم فرعون كل ما أراه هو رشاد –وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ۩، أي لا تخافوا، هذا منطق الآبائية أو الأبوية، أي Paternalisme كما سماه جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، قال منطق الأبوية يليق بالأطفال والشخوص غير الناضجين في الأمم المُتوحِّشة، لا يليق بالراشدين في أمم مُتحضِّرة، لا يحق لأحد أن يقول لأحدٍ سأمنعك وسأمُلي عليك، هذا Dictation، كأن يقول أحدهم سأُملي عليك بالأمر بالإرغام لمصلحتك يا بني، لست ابناً لك ولست أبي ولا أعترف بهذه الأبوة الزائفة، هذه الأبوية تليق بالأطفال الصغار، مارسها مع ابنك على أنك ستُدمِّره، إذا كنت دائماً ستكون خُطتك في تربية ابنك أنك تُملي عليه وتُملي وتُملي وتُملي وتُملي من أجل مصلحته فأنا أقول لك أنت لم تُربِّه، أنت تركت هذا المسكين عطلاً وهدراً، أهدرت كل قواه وكل إمكاناته وتركته أشل، سيسير في الحياة أشل بلا قدرة على الاستقلال وبلا قدرة على الانتخاب، ابنك هذا يُمكِن أن يكون صفراً من الأصفار ويُمكِن أن يكون قنبلة مُتفجِّرة، مُباشَرةً يُعبِّئونه في خمس دقائق ويقولون له اذهب إلى الجنة لكن فجِّر أهلك وفجِّر أحبابك، عادي جداً فيُفجِّرهم، يُقال له فجِّر الناس المُصلين في المسجد فيُفجِّرهم، يُقال له افعل هذا وضع يدك مع العميل ومع الاستعمار لكي تأخذ حقوقك فيفعل هذا، لأن هذا لم يتعلَّم أن ينتخب موقفه وأن يصدر عن قناعاته، لم يتعلَّم هذا، هذا المسكين دائماً يُملى عليه، هذا المنطق الأبوي المحقور يليق بالصبيان – كما يقول جون ستيوارت ميل John Stuart Mill – وبالأشخاص البالغين في الشعوب المُتخلِّة الوحشية، لكنه لا يليق بالبالغين في الشعوب المُتحضِّرة.

نعود بعد أن طوَّفنا إلى أرسطو Aristotle وكلمة أرسطو Aristotle الرائعة، ماذا قال أرسطو Aristotle؟ قال علامة العقل المُتعلِّم : تداوله لأفكار رغماً عدم قناعته بها، هذا هو العقل المُتعلِّم، هو عقل مُتحرِّر مُنفتِح واثق، أفكاره التي يقتنع بها لا تأسره بحيث يتشرنق فيها، لا تُمثِّل له شرنقةً تخنقه كدودة القز، لذا هو مُتحرِّر، وهو أيضاً مُنفتِح، عنده استعداد أن يطلع على ما عند الآخرين وعلى أن يسمع ما عند الآخرين وأن يقرأ ما عند الآخرين، وليس بدافع أن يرد عليهم لكن الدافع الحقيقي والرئيس والأصلي الاطلاع، أي أن أطلع، وقد أطلع وأقتنع دون أي مُشكِلة، وسأُعرِب عن هذا، وقد أطلع ولا أقتنع وسأرد، لكن سأحترم الرأي الآخ على الأقل في الحقوق الدنيا، أن من حقه أن يكون ومن حقه أن يُقال ومن حقه أن يُصدَع به، لست مُقتنِعاً به ولكنني أتداوله وأتعاطى معه، إذن علامة العقل المُتعلِّم هى تداوله لآراء رغم عدم اقتناعه بها، تماماً مثل مُوحِّد قد يكون ربانياً مُتألِّهاً ذا صلة خاصة شديدة الخصوصية بالله – تبارك وتعالى – ويطلع على أفكار الملاحدة وعلى نظريات الملاحدة، هذا عقل مُتحرِّر واثق مُتعلِّم، يطلع عليها ويختبر ما فيها من أفكار دون أي مُشكِلة، لماذا لا؟ لكن منطق الوصاية ومنطق سوف تضل وتذل وكذا يليق بالأطفال الصغار أيضاً، إنه منطق إملاء، إذن هذا المُثير للأسف الشديد في الحالة العربية وربما الإسلامية بعامة، لكن نحن الآن كعرب نتحدَّث على الأقل عن الحالة العربية، هناك شعوب إسلامية خير حالة منا ولو نسبياً على الأقل، حتى لا نظلم الآخرين، ليس من باب التعصب العروبي لكن حتى لا نظلم إخواننا المسلمين الآخرين في العالم الإسلامي المُترامي والمُوزَّعين في أمم وفي دول كثيرة، في الحالة العربية الكل يفعل هذا على تفاوت، فقط ينتظر اللحظة التي تُمكِّنه من أن يُقصي الآخر ويقمع الآخر ويقطع لسان الآخر، وهذا شيئ غريب، وهنا قد يقول لي أحدكم ماذا تعني؟ هل الأمر لا يقتصر فقط على الإسلاميين؟ نعم لا يقتصر على الإسلاميين، هذا يفعله الإسلاميون وغير الإسلاميين، وهذا الذي ظهر في الفترة الأخيرة بشكل واضح، وأنا أعني الحالة المصرية، هذا يُوجَد بشكل واضح، تحريض على الإقصاء، تحريض على القتل أيضاً، تحريض على الطرد، وهذا شيئ مُخيف، هذا – كما قلنا في آخر خُطبة – منطق مُخيف جداً، نحن مصدومون، أنا شخصياً – أُحِب أن أحكي كما عودتكم ضميري – مصدوم بكثير من الذين يرفعون راية الليبرالية، العلماني لا يهمني، من المُمكِن أن أكون علمانياً وأكون استبدادياً من درجة أولى، هذا أمر عادي وهو يحصل، هتلر Hitler كان علمانياً، هتلر Hitler لم يكن دينياً، هل موسوليني Mussolini كان دينياً، هل هل موسوليني Mussolini رجل ديني؟ هل موسوليني Mussolini كان ثيوقراطياً؟ لم يكن كذلك أبداً، وإنما كان علمانياً، والنظام النازي نظام علماني، علماني حقيقي حتى النخاع ولكنه نازي، أليس كذلك؟ هذا أمر عادي ويحصل دون أي مُشكِلة، قد يكون علمانياً ونازياً، هذا أمر عادي، لكن أن يكون ليبرالياً ونازياً هذا لا يُمكِن، أن يكون ليبرالياً وإقصائياً هذا لا يُمكِن، أنت ليبرالي، يعني التزامك الأول الرئيس بالحريات، ليس بالحريات لليبراليين وحدهم بل بالعكس، في الموقف الليبرالي المُتطرِّف – هكذا يُسمونه، في كل شيئ طبعاً وسطان وطرف، يُوجَد تطرّف في أقصى اليمين وتطرّف في أقصى الشمال – كل الآراء والاجتهادات عندها الحق أن تكون وأن يُصدَع بها مهما كانت، هل هذا ينطبق حتى على الآراء النازية والفاشية؟ ينطبق حتى على الآراء النازية والفاشية، من حق أصحابها أن يحملوها وأن يُدافِعوا عنها، وهنا يختلف طبعاً الليبراليون، هناك ليبراليون مُعتدِلون مُتوسِّطون يُجادِلون ويٌسائلون، يقولون – وهذا غير صحيح – نحن لا نُعطي أعداء الحرية وهذه المنصة وهذه الفرصة لكي يُعبِّروا عن اغتيالهم للحرية، فنحن نعمل على نقد أنفسنا وعلى نقد دعوتنا وأفكارنا وقناعاتنا لأن هذا غير منطقي، لكن هذا غير صحيح، هذا الدفاع بحد ذاته ضعيف جداً وهش وهذا يُقنِع أيضاً الشعوب غير المُتمرِّسة بالحجاج الصحيح، هناك مُحاجة أقوى من هذه تقول ماذا؟ تقول أنت من أجل أن تحمي هؤلاء المُتطرِّفين العنصريين في الحقيقة كل ما تقوم به أنك تُولي أقل الناس عدداً على الأقل وتعاطفاً معهم حاجة إلى الحماية الحماية في مُقابِل الأكثرية الكاسرة التي ستُكرَث بنتائج هذه الحماية، هذا الكلام فيه منطق، وهذه المُحاجة لفيلسوف أمريكي، بمعنى أن العنصريين قلة مثل مَن يُسمونهم بالنازيين الجدد مثلاً، هؤلاء موجودون في أوروبا وفي أمريكا، كم عددهم؟ مَن الذي يقتنع بهذه الأفكار؟ وهذه الأفكار دفعنا ضريبتها أثماناً باهظة وتكاليف مُؤلِمة مُخيفة من الدموع و الدماء، هؤلاء قلة قليلة، لماذا نحن بهذه الليبرالية المُتطرِّفة نريد أن نحوطهم بحمايتنا وهم أقلية؟ في مُقابِل ماذا؟ في مُقابِل الذين هم ضحايا لعنصريتهم من المسلمين واليهود والسود وإلى آخره، وهؤلاء كثرة، عشرات ومئات الملايين سيدفعون ثمن حمايتك لهذه الأقلية، يقولون غير مُتوازِن الموقف، ومن ثم يرد عليهم أصحاب الموقف الليبرالي المُتطرِّف، انظروا إلى هذه النقاشات في العالم الغربي هنا فانتبهوا، والهاجس عندهم – عند الليبرالي المُعتدِل وعند الليبرالي المُتطرِّف – هو ألا يكون محسوباً على قامعي الحريات، هذا عار عندهم، عار أن أقمع الحريات، هل هذا ينطبق حتى على النازي؟ ينطبق حتى النازي، أخاف أن أكون قامعاً للحرية، لا أريد أن أكون قامعاً، لا أريد أن أُعيد هذا السجل اللعين البغيض الذي يقوم على قمع الإنسان بقمع حرياته وإهدار كراماته وحقوقه، وهذا الشيئ جميل جداً، في بلادنا يُقتَل إنسان بسهولة، البشر لدينا أرقام، يُقال سقط عشرون أو سقط ثلاثون أو سقط مائتان أو فجَّر نفسه فسقط كذا، هذا أمر عادي، يُقال رحمة الله عليهم وهم – إن شاء الله – شهداء وانتهى الأمر، الآن في الغرب من المُمكِن أن تُتابِعوا أشياء وأفلام – Movies – عن هذا، وقد يكون الفيلم طويلاً ويصل إلى ساعتين أو ساعتين وعشر دقائق فقط عن شرطي قتل رجلاً بطريق الخطأ، لو كان الشرطي أكثر تماسكاً لأطلق عليه الرصاص على الأقل في رجله كما أطلق هو عليه، لكن هو ضربه في مقتل، ومن ثم يبدأ التحقيق، والفيلم كله يدور عن الصراع الداخلي الباطني – صراع الضمير وتأنيب الضمير – لدى الشرطي، الشرطي لا يستطيع أن يعيش، لم يعد سوياً عند نفسه، لا يستطيع أن يعيش حياته السوية كما كان يعيشها، مع أنه شرطي وكان يُلاحِق مُجرِماً والمُجرِم أطلق عليه النار، يُقال له هل كان عندك فرصة ألا تُطلِق عليه في مقتله؟ لم فعلت هذا؟ المسألة طويلة، فقلت سبحان الله هؤلاء بلغوا شأواً بعيداً في احترام الإنسان وفي تقديس حاجات الإنسان، أما نحن فما زال الإنسان عندنا صرصاراً من الصراصير أو دودة أو أي شيئ، المسألة مسألة أعداد وأرقام، وهذا ابتذال في ثقافة روحها الدين – ثقافة العرب والمسلمين روحها الدين، وأعني بالدين هنا الإسلام بالذات لأنه أكثرية هؤلاء مسلمون – وهذا الدين لا دين مثله لا تشريع مثله في التحريج في دماء الناس وحقوق الناس وحريات الناس، ولكن هذه المسألة تحتاج إلى مواقف أخرى نُفصِّل فيها القول، لماذا؟ لماذا تبقى هذه النصوص مُجرَّد أشياء تُبتذَل لدينا على المنابر؟ هى تُبتذَل، مُجرَّد كلام لا تأثير له تقريباً في حياتنا إلا في الحدودالدنيا البسيطة، عملياً ليس له تأثير، لماذا؟ هذا لغز لابد أن نُفكِّكه ولابد أن نحله، وإلا في النهاية سوف نصل إلى مرحلة تخف وتبتهت فيها قناعتنا بهذا الدين وقدرته على أن يمدنا بأسباب التغيير نحو الأفضل ونحو الأحسن، وعلى كل حال يرد الآخرون – كما قلت – المُتطرِّفون ويقولون ما تفعلونه في نهاية المطاف هو أنكم تتركون الغضب والقناعات تغلي تحت السطح، أنتم منعتموها من أن تُعبِّر عن نفسها بهذه الحُجج، لكن هل سوف تفنى؟ لن تفنى، هذا الذي يحمل أفكاراً نازية لن يقضي على أفكاره أنك تمنعها أن تظهر إلى العلن، ستبقى في الداخل تعتمل، سيعمل من تحت الأرض ومن خلف الكواليس، سيكون أشد خطورة، علماً بأنه قد يُنظَر إليهم من بعض الناس الذين لديهم استعداد – بعض الناس عندها استعداد لهذا – على أنهم ضحايا، يُقال هؤلاء ضحايا للقمع وضحايا للإقصاء، فتزداد مساحة التعاطف معهم، وهكذا نكون خدمناهم أكثر.

حدَّثتكم مرة قبل أشهر في خُطبة عن الفارق البعيد بين موقف الأمريكان وموقف السوفيت من ضباط وقادة النازيين في الحرب العالمية الثانية، كان رأي ستالين Stalin أن نُعدِم منهم على الأقل خمسين ألفاً كما قال، لابد أن نُعدِم خمسين ألف لكي نُعلِّمهم الأدب، علماً بأن هذا نفس المنطق العربي، هذا منطق العرب اليوم، إعدام واعتقالات واذبح وافعل ومن ثم سوف نقضي عليهم، ما شاء الله، هذا منطق الطواغيت ومنطق العجزة عن التغيير وعن الفهم، هؤلاء لم يفهموا شيئاً ولم يتعلَّموا بل ليس عندهم أي استعداد لأن يفهموا حتى، فيرد عليه فرانكلين روزفلت Franklin Roosevelt وهو يضحك قائلاً هل تسعة وأربعون ألفاً يكفي؟ أنت تُريد إعدام خمسين ألف فهل لو أعدمنا تسعة وأربعين سوف يكفي؟ وفي نهاية المطاف الأمريكان كانت خُطتهم ليست القضاء على النازيين، النازي سوف يموت لا محالة، مُعظَم هؤلاء القادة الكبار كانوا من العواجيز، فهم سوف يموتون وحدهم، لكن الخُطة تتمثَّل في القضاء على الفكرة النازية، أن نُعرِّي هذه الفكرة وأن نفضحها وأن نُفقِدها مصداقيتها بين الألمان، أن يُدرِك الشعب الألماني نفسه أن هذه الفكرة خاسرة وأنها فكرة ملعونة، وقد جرت عليهم اللعنة والدمار وعلى غيرهم، إذا ماتت الفكرة انتهى كل شيئ، لا حاجة لي بقتل هؤلاء الحملة العواجيز، أليس كذلك؟ وفي نهاية المطاف يُعدَم فقط أربعة عشر، وهذا شيئ غريب، من خمسين ألف أعدموا أربعة عشر واحد، وثلاثة أخذوا براءة، والبقية أخذت أحكاماً مُتفاوِتة بالسجن وبالحبس، وهذا شيئ عجيب، هذه عقلية الأمريكان، كانت عقلية ذكية هنا ومُمتازة، وهى عكس العقلية العربية اليوم، يُقال اذبح وامسح بالأستيكة، لكن أنت لا تستطيع هذا، بالعكس أنت تُساعِد هكذا على التطرّف .

أيها الإخوة والأخوات:

إذن موضوعتنا أو موضوعنا – كما قلت لكم – حرية القول وحرية الكلام وحرية التعبير، وأعتقد أن الفرق لاح الآن واضحاً لكم، حرية القول أو الكلام تستخدم الأسلوب الأكثر قِدماً في التواصل عن طريق اللسان، أتكلَّم وأُعبِّر عن رأيي بلساني، حرية التعبير أوسع وأكثر شمولية، فأُعبِّر عن رأيي بكل الوسائل المُتاحة للتعبير سواء أكانت حقيقية أو رمزية، هذه إسمها حرية التعبير، هذا يُسمونه القول الحر – Free Speech – وهذا يُسمونه التعبير الحر – Free Expression – بمعنى أن هذا شيئ وهذا شيئ، لكن الجامع المُشترَك هو حرية التعبير عن موقفي، لنقل أنه موقفي، هذا موقف لي، ليس شرطاً أن أُعبِّر عنه بالكلام، ولكن موقف عبَّرت عنه مرة بالقول ومرة بغير القول، فهذا تعبير عن موقفي، من حق الإنسان أن يُعبِّر عن مواقفه، المرحوم محمد عابد الجابري – مُفكِّر المغرب الرائع – قال طريق الديمقراطية الصحيحة يبدأ بتقرير وتطبيق حق طلب الكلمة، أعطنى الكلمة لكي أتكلَّم فأنا عندي رأي، قال هذه الديمقراطية، إذا ما بدأنا الديمقراطية بحرية القول وحرية التعبير فليس عندنا ديمقراطية، الديمقراطية ليست صناديق وانتخابات وفقط بل هى حرية قول بالدرجة الأولى ، هذا لابد منه للكل، الأعجب من هذا – وهذا فعلاً يُثير العجب والإعجاب – أن هربرت ماركوز Herbert Marcuse – الفيلسوف الألماني اليساري الشهير – يتحدَّث عن التسامح القمعي، أي قمعية التسامح، يُوجَد تسامح قامع ويُوجَد استبداد قامع، الاستبداد القامع مفهوم جداً، لكن كيف يُوجَد تسامح قامع؟قال هذا يُوجَد في شعب غير مُتعلِّم تماماً – هذا الشعب العربي هنا وهناك – وغير مُؤهَّل، لماذا؟ طبعاً لوجود طواغيت ومُستبِّدين حرصوا الحرص كله على أن يأفنوا عقله وعلى أن يجعلوه شعباً غير واعٍ وغير مُتعلِّم، وطبعاً لكي أحكي ضميري أقول لكم نحن دعاة المشروع الإسلامي – نحن الإسلاميين – أيضاً كنا كذلك إلى حد بعيد جداً، أنا لم أر الإسلاميين عملوا عملاً حقيقياً في إنعاش وعي الإنسان، بالعكس خاطبوه تقريباً على الدوام خطاباً عاطفياً وخطاباً وثوقياً عقدياً وأيدولوجياً وليس خطاباً معرفياً، لم يُعلِّموه أن يعرض الشيئ ونظيره والشيئ وضديده باستمرار مع المُقارَنات حتى في وسط الدائرة الإسلامية ذاتها، للأسف دائماً كنا نفعل هذا وما زلنا وبطريقة مُثيرة للقلق وللفزع، يقوم لك إمام على مُستوى الأمة ويقول لك – مثلاً – صدقة الفطر لا يجوز أن تُخرَج إلا عيناً من الأعيان المذكورة في الحديث الصحيح ومَن أخرجها على غير هذه الطريقة فهى باطلة مردودة وسوف تُصبِح صدقة من الصدقات، ويبدأ يتشدَّق، يا أخي تباً لك، يا رجل تباً لك، يا أخي هذا مذهب، نعم هو مذهب الجمهور لكن هناك مذهب مُخالِف وقال به عدد من الصحابة وقال به مذهب الإمام أبي حنيفة، ومُعظم المسلمين السُنة على المذهب الحنفي، لماذا تسكت عنه؟ قل لنا يا أخي المسألة فيها قولان، لماذا تقول قولاً واحداً؟ يُقال الغناء والموسيقى حرام، يُنبِت النفاق في القلب كما يُنبِت الماء البقل، مَن استمع إلى قينة صُبَ في أذنية الآنك، ما الآنك؟ الرصاص المُذاب، هذا حرام وهذا حرام، وتُصبِح عندنا عقيدة أن الموسيقى مُحرَّمة، ويا ويل أي شخص مُتدين ونحن نعرف أنه إنسان صالح أن يستمع إلى الموسيقى، مثل هذا المسكين إذا ركبت معه السيارة يقوم بإخفاء سيديهات – CDs – فيروز ووديع الصافي وما إلى ذلك لأنها حرام، حرام ماذا يا أخي؟ لقد حرَّمتم علينا عيشتنا وحياتنا، حرام ماذا؟ لم يُعلَّم الواحد منا أن هناك عشرات عشرات عشرات الأئمة الكبار وهم أساتذة مثل مالك والشافعي في هذه الرُتبة وبعضهم أساتذة للشافعي وأساتذة لأحمد كانوا مُغنيين وكانوا ضرَّابين على العود وعلى الآلات الوترية،ومن الصحابة وأبناء الصحابة وبنات الصحابة، وهناك أشياء ثابتة لا مجال للطعن فيها، وهناك عشرات الآراء في المسألة، وأئمة كبار قالوا هذا حلال ليس فيه شيئ، قالوا الموسيقى والأدوات والعود كلها حلال، لكن هذا لم نسمعه ولو لمرة واحدة، يعيش الواحد فينا خمسين سنة ويسمع أن الموسيقى والغناء وكل هذه الأشياء مُحرَّمة، يُقال دائماً حرام، حتى التليفون – Telephone – حين يرن تخجل من رنته وكأنه شيئ عيب، لأنه يرن في المسجد فيُقال لك حوَّلها إلى الله أكبر، دائماً نحن نُؤذِّن، نقتل ونُؤذِّن، نأكل ونُؤذِّن، نذبح ونقطع الرؤوس ونُؤذِّن، دائماً نُؤذِّن، وهذه قصة غريبة جداً، فطبعاً ظهر عندك عقل مُسلِم مُسطَّح وهو – كما أقول دائماً – بعمق واحد مللي، هو أنبوبي بؤبؤي وثوقي وجامد، مُستعِد أن يقتل، يُكفِّر ويقتل على آراء مثل هذه، ما هذا يا أخي؟ أنا أقول لكم علينا كإسلاميين أن نُراجِع أنفسنا، نحن أساءنا إلى العقل المسلم، أساءنا إلى العقل العربي، لم نُساهِم في إنعاش هذا العقل والوعي بحيث نكون مُتقدِّمين على غيرنا بخُطوات في هذا السبيل، نقول نحن الذين أسَّسنا للديمقراطية الحقيقية الآن، نحن الذين أسَّسنا قبل الليبرالي وقبل العلماني للانفتاح الفكري وللانفتاح المعرفي للقول بالعدل، قال الله وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ۩، نحن الذين فعلنا هذا، لكن ليس عندنا القدرة أن نقول هذا أبداً، لا نحن نقدر على أن نقول هذا ولا هم للأسف يقدرون على أن يقولوا هذا، هم ظهروا الآن بوجوه أخرى تماماً، شارات وعناوين وللأسف عند أول اختبار سقطوا، إذن كلنا ساقطون، هل تعرفون لماذا؟ لأننا لسنا أصيلين، لسنا أصلاء في حمل هذه الدعوات وهذه الأفكار وهذه النظريات الكبيرة، غيرنا توصَّل إليها من خلال المُعاناة، مُعاناة القرون ومُعاناة الأجيال وعبر عشرات الملايين من الضحايا، ومن ثم فهموا، لكن نحن ما الذي يلزنا أن نسير في نفس الطريق وندفع أيضاً عشرات الملايين حتى نتعلَّم؟ أين عبرة التاريخ؟ أين القدرة على الاستفادة من عبرة التاريخ؟ ليس عندنا هذا للأسف الشديد، هذه الأمة حلفت يميناً على هذا ومن ثم لا فائدة، ولذلك – كما قلت لكم – نحن حلفنا يميناً على أن ما فعلناه في الجزائر سوف نفعله في مصر، ومن ثم لا فائدة، لكن هذا لن يحصل، وأنا – كما قلت لكم – مُستبشِر، هذا لن يحصل، مصر عندها خصائص وعندها استثناءات كثيرة وفيها تجانس مُختلِف قليلاً، فإن شاء الله لن يحصل بعون الله تعالى، لكن – لا قدر الله ولا سمح – لو حصل سوف تجدون مَن كانوا يركبون رؤوسهم يقولون نحن على صواب أيضاً وكان ينبغي أن يحصل كذا وكذا، هل تعرفون لماذا؟لأنهم لا يعرفون معنى للكارثة، الحياة عندهم كارثة، تفكيرهم هو كارثة أصلاً، التفكير نفسه تفكير كارثي، لذلك هم الآن لا يُوقِّرون حتى الموت، الموت عندهم طقس طبيعي كالتنفس، يُقال ماتوا ونحن نقتلهم وهم يقتلوننا، هذا أمر عادي، إن قتلونا فنحن في الجنة، وإن قتلناهم فهم في النار، هل المسألة تقتل وتُقتَل؟ هل هذه القضية؟ هل هذه قضيتك؟ متى سوف تُعمِّر؟ متى ستعكس وتُترجِم دعواك أنك فعلاً داعية دين تتحمَّل وتصبر وتمتص الإساءة وتمتص المظلمة؟ من أجل ماذا؟ ليس من أجل أن عدنان وغير عدنان قال لك مثل هذا الكلام، وإنما من أجل أنه دينك يأمرك بهذا، دينك هو الذي يقول هذا، هذا ليس من عندنا وليس على قدر هوانا، إذا كنت تُريد الدين إياك تسمع المشائخ لن أقول الكذَّابين لكن أقل شيئ يُوصَفوا به أنهم جاهلون للأسف، مثل هذا الشخص جاهل ولا يفهم ماذا يقول، يقول لك مَن قُتِلَ دون مظلمته فهو شهيد وقد ظُلِمنا فنُقاتِل، يا رجل يا جاهل قال الرسول دون مظلمته في نزاع فردي بين واحد وواحد، لكن هناك أحاديث الفتن، وهى أحاديث كثيرة جداً جداً وتقول العكس تماماً، عندما تُوجَد فتنة ممنوع أن ترفع أي شيئ، اقعد في بيتك، هذا الذي قلته فأصابهم الجنون بسببي، هذا الذي قاله الرسول يا حبيبي أصلاً، من أين أتيت بهذا؟ هل أتيت به من بيتي؟ والحمد لله أنا لست مصرياً، يُشرِّفني أن أكون مصرياً، أنا فسطيني ويُشرِّفني أن أكون أي عربي وأي مسلم، لكنني لست مصرياً حتى لا يُقال أن عندي أي مكسب خاص، ليس عندي بفضل الله، لكن النبي علَّمنا هذا، وإذا كنت شرحت هذا الحديث الذي سوف أتلوه قولوا لي، لعلي شرحته فلا أُحِب أن أُكرِّر نفسي، هل شرحت هذا الحديث أم لا؟ إن كنت شرحته لا أُريد أن أُعيده، قال الرسول يا أبا ذر، فقال لبيك يا رسول الله وسعديك، كيف أنت إذا أصاب الناس موتٌ يصير فيه البيت بالوصيف؟ أي لكي تُقبَر في قبر تحتاج إلى ثمن عبد، إن شرحته قولوا شرحته حتى أمضي فالموضوع طويل، وعلى كل حال قال له ماذا تفعل يا أبا ذر؟ في الفتنة الأهلية الموت بالهبل، الناس تموت بالمئات وبالألوف ومن ثم لا تجد مَن يدفنك، لكي يُدفَن الإنسان يحتاج أهله إلى ثمن عبد، لأن الوصيف هو العبد والوصيفة هى الأمة، وثمن العبد قد يصل إلى خمسمائة درهم أو ألف درهم أو ألفين أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وهذا كله لكي يُحفَر لمَن مات ويُوارَى بسبب كثرة القتل في الحرب أهلية، فقال أبو ذر ما خار لي الله ورسوله، أي أنني لا أعرف ماذا سوف أفعل، فنصحه الرسول بماذا؟ قال تجلس في بيتك وتعتزل، إياك أن تُشارِك، وبعد ذلك سكت عنه النبي ثم قال يا أبا ذر، فقال لبيك يا رسول الله وسعديك، قال كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت وقد غرقت في الدم؟ وأحجار الزيت منطقة بالحَرة، أي حَرة المدينة، قال له سوف يكون الدم إلى الركب، تلك الأحجار سوف تغرق في الدم، قال أبو ذر قلت ما خار لي الله ورسوله أو الله ورسوله أعلم، قال عليك بمَن أنت منه، أي كُن مثلي، أنا ماذا حدث معي ومع أحبابي وأصحابي في مكة؟ على مدى ثلاث عشرة سنة كان يُنادي بالصفح والسلام والعفو ويقول كفوا أيديكم، وهنا قد يقول لي أحدكم أنهم فعلوا هذا لأنهم كانوا قليلين وضعاف، وهذا غير صحيح، ماذا عن المدينة إذن؟ كانوا كثرة وكان عندهم دولة وسُلطة، ومع ذلك عاش المُنافِقون وكان هناك خيانات وسب لله وسب للرسول واستهزاء وخذلان وخيانة الوطنية وحدث عود بثلث الجيش – عبد الله بن أُبي – في أحد، أليس كذلك؟ ووصف للنبي بأنه كذا وكذا وكذا وحدثت أشياء فظيعة، ومع ذلك أي نزاع داخلي في الأمة لا حل له بالسلاح، السلاح ممنوع تحت كل الظروف،
والذي يحمل السلاح سوف يتحمَّل عار هذا وإثمه وشناره إلى آخر الدهر، نحن لا نحمله، احمله وحدك واقتلني لكنني لن أحمله، قال الله لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۩، أنا لن أحمله، هذا هو المنطق، والنبي هو الذي علَّمنا هذا، هذا ليس كلامي يا أخي، يتحدَّثون عن الدين، الدين حين يحدث صراع على السُلطة فعلاً – من أجل سُلطة – وتحدث مقاتل ومذابح لن يُؤمِن به بعد ذلك أحد، وكل مَن يُؤمِن به هو يُؤمِن فقط بالسُلطة، هو عنده نظرية أيدولوجية سُلطوية، هو موضوع سُلطة فقط وليس موضوع دين، وهذه لعنة طبعاً، قال أبو ذر يا رسول الله أفلآخذ سيفي – ما دام الحكاية وصلت إلى الدماء – فاجعله على عاتقي؟ سوف أقاتل مع الحق يا سيدي ضد المُبطِّلين، قال له النبي شاركت القوم إذن، أي أصبحت مثلهم ودخلت في الفتنة، لم يقل له خُذ سيفك وكُن مع المُحقين، وإنما قال له شاركت القوم إذن يا أبا ذر، سوف تُصبِح منهم، في الفتنة ماذا أفعل؟ قال له تجلس في بيتك، تكون حلساً – مثل الكساء الذي يُوضَع على البعير – من أحلاس بيتك، أجلس في البيت على مدار الأربع والعشرين ساعة ولا أخرج في الفتنة، قال يا رسول الله فإن دُخِل علىّ بيتي أو قال داري؟ دخل هؤلاء المُتصارِعون في الحرب الأهلية علىّ في بيتي وأرادوا أن يقتلوني، لم يقل له في هذه الحالة ارفع سلاحك كالخرطوش أو الرشاش مثلاً، حتى في هذه الحالة قال ممنوع، يا الله، يا رسول الله، هو هذا، علماً بأن كل مَن درس تواريخ الحروب الأهلية يعلم أن هذا الدرس نفسه يتكرَّر دائماً والله العظيم، هذا النبي يا جماعة، هذا نبي وليس الشيخ فلان والشيخ علان من الذين عندهم بيانات وما إلى ذلك، لا يا جماعة، الآن دخلنا في موضوع ثانٍ غير الذي كنا نتكلَّم فيه، وهو يحتاج إلى وقت له وحده، وعلى كل حال قال له فإن خشيت أن يبرهك شعاع سيفه – خفت يا أبا ذر من هذا الموت الزؤام الأحمر – فألق ثوبك على رأسك يبؤء بإثمه وإثمك، من ثم سوف تكون خير ابني آدم، كُن أنت المقتول ولا تكن القاتل، إياك أن تُشارِك في القتل، إياك أن تفعل هذا، وإياك تُتيح فرصة لمَن يُريد أن يقتل تحت جناحك فانتبه، كأن يُقول لك أحدهم سوف أخرج وأنا مُسالِم، نحن أصبحنا في فتنة الآن، في كل مرة تخرج فيها سوف يدخل معك آخرون لكي يُعمِلوا القتل ومن ثم هذه سوف تُحسَب عليك والقتل سوف يستمر، وهذه أمة – كما قلت لكم – مُتربَّص بها، لها أعداء يُحِبون أن يُفكِّكوها وأن يُدمِّروها، وهؤلاء الأعداء ينجحون، فإلى الآن كل خططهم نجحت، أليس كذلك؟ نجحوا هنا وهنا وهنا، ولك يبق إلا هنا – أي في مصر – لا قدَّر الله، لا قدَّر الله أن تنجح، نحتاج إلى عقل ونحتاج إلى الإخلاص ونحتاج إلى وعي، المسألة ليست مسألة مُحِق ومُبطِل ومظلمتي ودون ماله ودون أهله ودون عرضه ودون نفسه، هذا كله نزاع فردي فافهم حتى لا يضحكون عليك، افهم لأن هذا الحديث في النزاع الفردي – واحد مع واحد – وليس في النزاع الأهلي، هذا هو الدين لكننا لا نتعلَّم، ليس عندنا قدرة على أن نتعلَّم التاريخ، سوف أقول لكم شيئاً ثم نرجع إلى موضوعنا، وهو أنني أستطيع أن أفهم أن هذا يصدر عن المُتطرِّفين المسكونين بالكراهية والحقد والرغبة في التدمير لكن لا يهمني طبعاً موضوع اللحى وحديثهم عن الإسلام، هذا كله ما يهمني ولا يُمكِن أن أغتر به، هل أنا أغتر بلحية؟ لا يُمكِن، حتى الماركسيون عندهم لحية كبيرة وما إلى ذلك، كارل ماركس Karl Marx كان عنده لحية، لا تهمني اللحية والعناوين ولا يهمني قول أحدهم أنا مُجاهِد وأُجاهِد وجاهدوا ثم يأتي بآيات، هذا لا كله لا يهمني، أنا يهمني أن أُحلِّل سلوكك وأن أُحلِّل خطابك وأن أُحلِّل الأهداف التي تذهب إليها والنتائج التي تنجم عن أفعالك ومسالكك، هذا الذي يهمني أنا، أما بالنسبة لنيتك فأنا لست رب، هذه عند الله، لا أستطيع أن أعرفها، مهما تعمل لا أقدر على أن أقول لك أنت قطعاً من أهل النار، أنا لا أعرف، أنت حر لكن المُرجَّح أنك من أهل النار طبعاً، لأنك قتلت شخصاً ظلماً، هذا المُرجَّح لكني قطعاً لا أعرف، ولايهمني هذا الموضوع كله، لكن يهمني فقط أن أحكم عليك – كما قلت – بحسب الأشياء المذكورة وبحسب المعايير المذكورة، هؤلاء بالذات أنا أفهم تماماً لماذا يُكرِّرون أنفسهم ولماذا لا يتعلَّمون الدرس ولن يتعلَّموا، وإلى اليوم وغداً وبعد وغد وإلى عشرة آلاف سنة قادمة ستبقى الأمم – ليس فقط نحن وإنما كل الأمم – تُنبِت أمثال هؤلاء لكن على قلة وأكثر، من المُمكِن أن يصيروا أقل بإذن الله تعالى، من المُمكِن في لحظات حرجة في الأمة أن يكونوا كثرة كئيبة قابضة، لكن لماذا إذن لا يتعلَّمون؟ هل تعرفون لماذا؟ مُشكِلتهم ليست في المعرفة وليست في العلم بمعنى أنه لا يفهم بشكل صحيح وأنه يُمكِن تصليح سولكه بتفهيمه، لا والله، في مُعظَم الحالات ليست هذه مُشكِلتهم، إذن ما هى المُشكِلة؟ المُشكِلة نفسية أخلاقية، هؤلاء أُناس لديهم رغبة في القتل، هناك أُناس عندها استعداد للجريمة، الواحد منهم عنده هذه الرغبة وعنده قدر كبير من العقد ومن الكره للناس، هو يكره الناس، لذلك من المُستحيل أن تجده بسَّاماً طيباً حبيباً، تُوجَد شدة رهيبة يا أخي، شدة في النظرة وشدة في الكلام وشدة في الفعال، عنده شدة عجيبة، هؤلاء الناس مسكونون بطاقة غير طبيعية من الكراهية ومن الأحقاد ومن السودوية ومن المرارات، يُحِبون أن يسيروا في هذا الطريق، أي طريق القتل والتدمير والتخريب، لكن ماذا يحتاجون لأنهم مسلمون في أمة مسلمة؟ التبرير والذريعة، وجدوها عند الشيخ فلان، هل الذي عنده نصف كم؟ بل حتى الذي بلا كم، شيخ ماذا؟ وهباب ماذا؟ هل هو يفهم شيئاً؟ هل هو يعرف كيف يتكلَّم؟ هل يعرف كيف يُفسِّر؟ هل هو يفهم شيئاً يا أخي؟ فقط هو الشيخ أبو فلان، أبو عوسجة وأبو قتادة وأبو مُرة وأبو سمرة، هذا شيئ يُجنِّن، وجد له كُتبيات صغيرة ومنشورات وفي النت Net وتصويرات فكرَّهونا حتى في أشياء كثيرة، وهذا شيئ غريب يا أخي، وآيات قرآنية تُتلى وما إلى ذلك، ويُقال لك هذا الشيخ قال كذا وكذا وانتهى الأمر، الشيخ أعطاه فتوى أن الجندي حلال، قال هم أعطوا الجندي المصري ورجال الأمن المصريين فرصة – مثلاً – لكي يتركوا البلد، قالوا لهم هذه فرصة لكم لكي تتركوا هذا، ما شاء الله، هل يترك بلده لك؟ هل يترك بلده ويترك الأمن ويترك كل شيئ لك أنت ولأمثالك؟ وأنتم عندكم استعداد بعد ساعة فقط من عدم تركنا لهذه المواقع أن تذبحونا وتذبحوا بلادنا وأهلنا، ما شاء الله على الذكاء هذا الفظيع، وهو يعرف أنك لن تترك، ومن ثم يقول أنا أعطيتك الفرصة وقد أعذر مَن أنذر، ما هذا يا أخي؟ من أين أتى هؤلاء الناس؟ من أين نزلوا علينا؟ من أي أرض نبتوا؟ ويقتل لك الواحد منهم الجنود ورجال الأمن ويحرق ويسحل وكأنه أمر عادي وهو مُرتاح جداً، ويُقال جاهدوهم وقاتلوهم فهذا جهاد وقتال، أي فقهٍ هذا يا أخي؟ أي فقه هذا؟ والله لو دُفِعَت الملايين – الملايين المُملَّيَنة وأُقسِم بالله على هذا – لإنتاج مثل هذا الفقه ودسه على الأمة لتدميرها ما نجح هذا النجاح، لا إله إلا الله، لذلك أنا أقول لكم اترطوا قليلاً المشاهد اليومية المُبتذَلة والمشاهد العاطفية، واتركوا حتى الحدث الراهن، وألقوا نظرة طائر، انظروا إلى المشهد البانورامي، سوف ترون أن هذا الخطاب الإسلامي بالطريقة هذه دمَّرنا في الجزائر فذهبت الجزائر، ودمَّرنا في العراق، وهذا بإسم الإسلام، فذهبت الجزائر بإسم الإسلام وليس بإسم أي شيئ ثانٍ، وذهبت العراق بإسم الإسلام والصراع الشيعي والسُني والسُني والشيعي وإلى آخره، وذهبت سوريا بإسم الإسلام ونُصيري وسُني وكذا ونحن وما إلى ذلك، وسوف تذهب مصر – لا قدَّر الله، وإن شاء الله لن تذهب بإذن الله تعالى وبحق لا إله إلا الله – بإسم الإسلام، يا ما شاء الله على الإسلام، وذهبت أفغانستان ودُمِّرَت وذُبِّحَت بإسم الإسلام، ما هذا الإسلام العجيب يا أخي؟ وقُسِّمت السودان وانفصل جنوبها عن شماله بإسم الإسلام أيضاً، ما هذا الإسلام الحلو؟ ما هذا الإسلام الفظيع؟ ما هذا الإسلام الذي ليس فيه أحد لكي يقف ويتساءل ما هو هذا الإسلام؟ مَن وراء هذا الإسلام؟ مَن وراء هذا الخطاب؟ إلى متى سنبقى هكذا صماً بكماً عمياً؟ إلى متى؟ وكان المفروض الإسلام والخطاب الإسلامي والمشروع الإسلامي باستمرار وعلى الدوام – والله العظيم – يُنتِج النتيجة المُعاكِسة – أقسم بالله – ويكون حلَّالاً للمشاكل في الشعب الواحد ويكون – والله العظيم – مُؤلِّفاً للقلوب – لقلب القبطي على المسلم والمسلم على القبطي والشيعي على السُني والسُني على الشيعي – ومُقرِّراً لحقوق الإنسان، ومُتقدِّماً أن يكون الإسلام بخُطوات على كل ما قرَّره الغرب والشرق – وإن قرَّر – من حقوق الإنسان، ولكن هذا ما حصل، ولا يُوجَد إلى الآن حتى إمكانية أن يحصل بسرعة للأسف الشديد، أليس كذلك؟ لذلك أعود وأقول انتبهوا إلى حرية الرأي وحرية القول، تعوَّدوا وتمرَّنوا وتمرَّسوا أن تستمعوا إلى القول الآخر حتى وإن لم تكونوا مُقتنِعين به، أعطوا أنفسكم فرصة أن تستمعوا إليه، أعطوا أنفسكم هذا، نحتاج إلى هذا كثيراً،
رأي واحد يُدمِّرنا، وهنا قد يقول لي أحدكم لقد خضت بنا في أمور ودخلت في أشياء لكن حرية الرأي وحرية التعبير وحرية القول ما علاقتها بالدين؟ هل تتساءل عن علاقتها بالدين؟ نحن – كما قلت لكم – ثقافتنا في الجوهر وفي الأساس دينية، والدين سبق كل مواثيق العالم – وبالذات العالم الغربي – في تقرير هذه الحريات والله العظيم، وسنختم الخُطبة بضرب أمثلة من كتاب الله وسُنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين، وسوف ترون فعلاً كيف كانت الحرية، وخاصة حرية التعبير وحرية القول، هذا رأيي يا سيدي – مهما كان هذا الرأي – وأُريد أن أقوله، ولا أُعتقَل ولا أُقتَل ولا أُروَّع بسبب رأيي، هذا هو الإسلام والحمد لله، يتحدَّثون عن الثورة الفرنسية في ألف وسبعمائة وتسع وثمانين، لكن أصلاً في بريطانيا في ألف وستمائة وتسع وثمانين – قبل مائة سنة بالتمام – تم إعلان حقوق الإنسان البريطاني، وقُرِّر فيه – كُتِبَ فيه هذا – حرية التعبير، الإنسان عنده الحق أن يُعبِّر بحرية عن آرائه دونما إزعاج، هذا كان يُوجَد قبل الثورة الفرنسية، وقبل حتى هذا الإعلان البريطاني في حوالي ألف وستمائة وأربعة وأربعين ينشر جون ميلتون John Milton الـ Areopagitica، وفي الـ Areopagitica يُدافِع عن كل الآراء ويُعطيها الفضاء الذي تصطرع فيه بحيث تنتصر دائماً الحقائق على الزيوف والأكاذيب ويُدافِع عن الطباعة غير المُرخَّصة، هذا هو المقصود بال Areopagitica، المقصود بها أن حتى الطباعة الغير مُرخَّصة لابد أن نسمح بها، والخطاب كان مُوجَّهاً للبرلمان الإنجليزي، لماذا إذن؟ لأننا لو قلنا نُريد أن نُرخِّص سوف ندخل طبعاً في الحدود والتقييدات، أليس كذلك؟وأشياء كثيرة ستُستبعَد ولن تجد فرصة أن تبرز إلى النور، فجون ميلتون John Milton كان يُناقِش هذا بأسلوب عبقري في هذا الكتاب، وهذا الكتاب قد يصل إلى مائة وثلاثين صفحة وهو كتاب عبقري جميل، قال أن الطباعة حتى غير المُرخَّصة لا ينبغي أن تُرخّص، الكل يطبع والكل يتكلَّم فلا يُغلَق فم إنسان، والتعديل الأول في الدستور الأمريكي ألف وتسعمائة وواحد وتسعين كان عن ماذا؟ أول تعديل في الدستور الأمريكي يقول ممنوع على الكونجرس Congress – هذه الهيئة التشرية التسنينية – أن يُدخِل تقييدات وتحديدات على حرية القول والتعبير، هذا ممنوع وهذا أمرٌ جميل، ممنوع أن يُدخِلوا شيئ من هذا، وهذا لا يعني طبعاً حرية مُطلَقة، لكن هذا موضوع ثانٍ، وهنا قد يقول لي أحدكم وماذا في القرآن؟ القرآن فيه ما تلوته عليكم،الملائكة تُناقِش الله، تقول الآية الكريمة قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۩، لم يقل لهم هلكتوا فاذهبوا إلى جهنم يا ملائكة، لم يقل هذا أبداً، تقول الآية الكريمة قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ۩، ولم يُعوِّل على علمه الأزلي السابق فحسب بل أثبت لهم مُباشَرةً صدقية هذا الاختيار، هو اختار ذلك – اختار يجعل هذا الخليفة هذ الآدم وليس ملكاً من الملائكة – وأبرز لهم هذا، تقول الآية الكريمة وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، ثم تقول الآية التي أتت بعدها قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، قال لهم أرأيتم؟ هذا يعني أن تصرّفي صحيح، يا الله، الله – تبارك وتعالى – لا يكتفي بحيثيته كإله – لأنه هو الإله الخالق المُدبِّر لا إله إلا هو – ولم يقل أنا فعلت وانتهى الأمر وممنوع أن يتكلَّم أي أحد، لم يحدث هذا أبداً، ولم يُغضِبه أنهم استفصلوا وأحبوا أن يُناقِشوا ويستفهموا، هم حاوروه – لا إله إلا الله – يا أخي، فلا يقل لي أي أحد أنا فوق الحوار، مَن أنت، لا يُمكِن لأي أحد أن يقول هذا، كل واحد يُمكِن أن يُحاوَر ويُؤخَذ منه ويُرَد عليه، هذا رب العالمين، وهذه آية مفتاحية في حرية التعبير، فما رأيكم؟ لأن الطرف فيها رب العزة لا إله إلا هو، ثم أن القرآن ملآن وغاص – غاص من أوله إلى آخره – بسرد مقولات الكافرين والمُشرِكين والمُشبِّهين والمُشكِّكين، وقالوا ويقولون وسيقولون، أليس كذلك؟ القرآن ذكرها حتى وخلَّدها، هو أثبتها وخلَّدها، وهناك أشياء فيها قدح في الله مُباشَرةً وقدح في الأنبياء وفي الرسل واتهامات لهم بكذا وكذا وكذا، فيُوجَد قدح في محمد – عليه السلام – وقدح في كتاب الله وما إلى ذلك، أليس كذلك؟ هذا شيئ غريب، لكن هذا موجود دون أي مُشكِلة، كل هذا موجود، ثم أن هناك مُحاوَرات مع الرسول، قال الله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ۩، هى كانت تُجادِل وتأخذ وتعطي ولم يقل لها ما هذا؟ لم يقل لها مهْ أو صهْ، لم يقل كفى لأنني رسول الله، لم يقل هذا أبداً، وأنزل القرآن ينتصف للمرأة، فحل لها عقدة مُشكِلتها، القرآن لم يكن ضدها أبداً، لابد من الحوار، هذه حرية تعبير، وهى عندها الحق تُعبِّر عن رأيها يا أخي، ما المُشكِلة؟!وليس هذا فحسب، بل أن ربنا – تبارك وتعالى – نهى جماعة من الصحابة عن مُناداة النبي بإسمه من خلف الحجرات وقال إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ۩، كانوا ينُادون عليه قائلين يا محمد باستمرار، فكانوا يُزعِجونه ويُنادونه بإسمه الفردي، وقبل هذا كان يُوجَد أُناس من الصحابة – ومنهم حتى صحابة أجلاء وأنتم تعرفون القصة – يرفعون صوتهم فوق صوت النبي، قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ ۩ أنت اليوم لا تقدر أمام عالم جليل أو شيخ وقور ن ترفع صوتك كأن تقول بصوت عالٍ لا والله هذا غير معقول وهذا كذا وكذا، لا تقدر على أن تفعل هذا، هذا عيب ومن ثم الكل سوف يزدريك ويقتحمك بعينه، ماذا تفعل أنت؟ هل أنت مجنون؟ لكن ماذا عن النبي؟ ترتفع أصواتهم ويقولون لا يا فلان لا يا علان بين بعضهم عند الرسول، وهنا قد يقول لي أحدكم هذه الآية معروفة وتتعلَّق بثابت بن قيس وأبي بكر وعمر وكل هذه القصة المعروفة في الصحيحين، لكن الدلالة الغريبة لمطلع هذه السورة الجليلة هل تعرفون ما هو؟ أن النبي لم ينهاهم ولو لمرة واحدة، النبي نفسه لم ينههم وكان يسكت وكأنه أمر عادي، يعلون أصواتهم عنده ويتكلَّمون ويصرخون مهُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ع بعضهم ويسكت وكأنه أمر عادي، يُنادون عليه قائلين يا محمد من وراء الحجرات ويسكت وكأنه أمر عادي، فالنبي لم يتكلَّم، لكن مَن الذي تكلَّم الآن؟ رب النبي ورب هؤلاء، قال لهم لا تفعلوا هذا، هذا غلط، هذا أمر لا يليق بمقام النبي الخاتم والرسول العظيم، لكن النبي لم يتكلَّم، أرأيت؟ النبي عنده هذه اللياقات، لياقات الاتساع للجميع والتسامح مع الجميع وسماع الجميع، سواء أخطأوا أو أصابوا هذا أمر عادي ومن ثم يسمع، وليس هذا فحسب، قال الله وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ۩، هل تعرفون اللمز؟ قال الله ۩، وهذا عيب، أي أنه يعيب النبي ويذكره بعيب، هل النبي يُعاب؟ ألا تباً لكم إلى آخر الدهر، قال الله وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ۩، أي أن الله حتى كشف النقاب عن دوافعهم الصغيرة، الدوافع صغيرة، فالدوافع ليست الحق والعدل، والله ،لو ثاروا من أجل الحق والعدل لقلنا قد يكونوا مُحِقين، لكنهم لم يفهموا هذا، ولم يضعوا الهناء موضع النقب، ولكن ثاروا من أجل ماذا؟ من أجل حظوظهم النفسانية، هم لم يأخذوا منها، إذا أعطيتهم سوف تكون أحسن شخص يا محمد، إذا لم تُعطِهم سوف يتهمونك في عدالتك، ولذلك هذه الآية سبب نزولها أن النبي جاءته غنائم – بعض الغنائم – فجعل يُنفِقها ها هنا وها هنا كما يقول الراوي، أي أنه لم يترك لنفسه أي شيئ، جعل يُنفِقها هنا وها هنا، فلم يبق منها شيئ، ووراءه فتىً من الأنصار – شاب أنصاري صغير غير مُؤدَّب – فقال ما هذا بعدلن أي أن هذا ليس من العدل، لأنه لم يأخذ منها، فأنزل الله وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ۩، هل تعرفون إسمه؟ لا نعرف إسمه، هل أخذوه وضربوا على وجهه؟ لم يفعلوا هذا أبداً، لكن القرآن أراد أن يُعلِّمه ويُعلِّمنا من خلاله أن هذا لا يصح أونه غلط ولا يليق أن يُقال في حق رسول الله، وإذا يُوجَد لمز فإن اللمز فيك، موقفك شخصاني جداً، أي ذاتي أو ذاتوي، لأنك لم تأخذ منها، لو أخذت لقلت هذا عدل، ونفس الشيئ حدث في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري ومسلم، عندما انصرفوا من هوزان – أي حنين بعد فتح مكة – جاءته غنائم كثيرة جداً طبعاً، ولعلها أكثر غنائم غنَّمها الله المسلمين، وأنتم تعرفون أيضاً ماذا فعل، النبي كان يُعطي ويتألَّف، يتألَّف أبا سفيان وصفوان ومُعاوية وفلان وعلان، يتألَّف ويعطي هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، وطبعاً مُعاوية أخذ أيضاً وهذا معروف، فهو كان يتألَّفهم لأنه يُريد منهم أن يُحِبوا الإسلام وتطمئن به قلوبهم وتنشرح به صدورهم، فجاء حُرْقُوص – ذو الخُوَيْصِرَة إسمه حُرْقُوص، وذو الخُوَيْصِرَة كان شيطاناً وقد خرج منه الخوارج – وقال أمام الناس اعدل يا محمد، أف، قال هذا لمحمد وليس لرئيس دولة، الآن يقولون تكلَّم في الرئيس فضعوه في السجن، أيام مُبارَك كانوا يُسجنون الشخص بالسنتين وبالثلاث حتى لأنه تكلَّم كلمة في الرئيس، إبراهيم عيسى عندما قال عنه مريض وضعوه في السجن، ما هذا؟ هل هو لا يمرض؟ والله لم نكن نعرف أن مُبارَكاً لا يمرض، هل هو مصنوع من ذهب أم من ماذا؟ قالوا لا يمرض، كيف تقول هو يمرض؟ ولك أن تتخيَّل هذا، فهذه القصة لا تتعلَّق بمُبارَك ومرضه وإنما تتعلَّق برسول الله، هذا رسول رب العالمين، وقيل له أمام الناس وأمام أصحابه وفرسانه اعدل يا محمد فإنك لم تعدل منذ الغداة، منذ الصباح وأنت تُظلِم، كل هذه القسمة لا تدخل في رأسي، فقال له النبي ويلك، خبت وخسرت إن لم أعدل، هل أنا لا أعدل؟ سوف أكون خائباً وخاسراً إن لم أعدل، قال له خبت وخسرت إن لم أعدل، فقالوا له يا رسول الله أفنضربه؟ فقال اتركوه، هذا رأيه وقد عبَّر عن رأيه، ماذا حدث؟ كشف عن سوءته وعن نفسه المُظلِمة المُلتاثة، لكن أنا لن أفعل له شيئاً، هذا الرسول يا إخواني، انظروا إلى الرسول وانظروا إلى العصور الوسطى، وهذه أحاديث صحاح ولها إشارات في كتاب الله تبارك وتعالى، فهذا هو إذن.

في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضوان الله عليهم أجمعين – قال جاء رجلٌ يُطالِب النبي بدينه – أعطى النبي ديناً – فأغلظ له، أي أغلظ للنبي وقال له أنت كذا وكذا، كيف تتكلَّم مع النبي بهذه الطريقة؟ فهمَّ به النبي الصحابة، قال النبي دعوه – اتركوه – فإن لصاحب الحق مقالة، يا سلام، يا سلام يا رسول الله، يا سلام، هذا هو طبعاً يا أخي، الرجل يرى أن هذا وقت دينه، أي وقت التقاضي، والنبي لم يُعطِه، لكن لماذا النبي لم يُعطِه؟ لأن النبي لا يترك في بيته شيئاً واحداً، النبي كان لا يسمح لنفسه أن يبيت عنده طعام الغد، ما رأيكم؟ هذا شيئ غريب، هذا ممنوع وكان يغضب ولا يستطيع أن ينام، لابد أن يُنفَق كله في الأمة وفي الناس لكن لا يُترَك عنده، ويقول ما ظن محمد لو لقى الله وهذا في بيته؟ لكن كم هذا يا رسول الله؟ عشر دراهم أو خمسة دراهم، مثل عشرة يورو أو عشرين يورو، أي كلام فارغ، وكان عنده تلال الذهب والفضة لكنه يُعطيها للناس باستمرار، فمن المُؤكَّد أنه لم يكن عنده ما يدفع به دينه فتأخَّ، لكن هذا الرجل أغلظ للنبي، ما هذه الناس يا أخي؟ سبحان الله، تقول الآية الكريمة أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۩، الله يُريد أن يُعلِّمنا، الله بعثه في أمة غليظة صعبة كالحجر الصوان وكالصلد لكي نتعلَّم، لكي نتعلَّم أن هذه أخلاق الأنبياء وأخلاق أتباع الأنبياء، قال النبي دعوه – لا تُزعِجوه – فإن لصاحب الحق مقالة، وليس هذا فحسب، بل كان هكذا مع زوجاته، وهذا عند مَن؟ عند العرب يا حبيبي، ما أحلى المرأة حين ترد على زوجها في قريش، مَن أنتِ؟ وأصل الحديث في الصحيحين عن سيدنا عمر رضوان الله عليه، هذا حدث حين كان يُآمِر نفسه في أمر، أي يُفكِّر في أمر ويتدبَّره، يقول كنت في أمرٍ أتدبَّره، فقالت لي زوجتي لو فعلت كذا وكذا، فقال لها اسكتِ يا لكاع، ما لكِ ولأمرٍ أتدبَّره؟ أي ما علاقتكِ بالموضوع؟ كما نقول، ما دخلكِ أنتِ وأنتِ امرأة، ماذا يقول سيدنا عمر في أول الحديث؟ إن كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً، أي أنها صفر ساقط كما نقول، المرأة كانت لا تُمثِّل شيئاً، هى صفر ساقط، لا يُمكِن لامرأة أن تقول لزوجها اعمل أو لا تعمل ورأيي كذا وكذا، رأي ماذا؟ تُصَك على وجهها مُباشَرةً، لأن هذه أمة جاهلية، فعمر كان يسير على هذه الأخلاق في ذاك الوقت لأنه ظن أن الأمور كما هى لم تتغيَّر وخاصة في هذا الموضوع بالذات، ولذا قال لها اسكتِ، فقالت عجبت لك يا ابن الخطاب لا تُحِب أن تُراجَع – أي لا تُحِب أن تُراجِعك امرأة – وابنتك حفصة تُراجِع رسول الله حتى يظل يومه غضبان، فقال لها ماذا؟ وتُراجِعه؟ قالت له نعم ويظل طول اليوم غضبا أيضاً، فعمر مُباشَرةً خرج مكانه – كما يقول الرواي – وأخذ ثوبه – لا يُوجَد تأجيل لأنه لا يُصدِّق هذه القصة – وقصد إلى ابنته وقال لها يا بُنية أوتراجعين رسول الله؟ قالت له نعم إنا لنُراجِعه، إلى آخر الحديث، ليس أنا فحسب بل أنا وعائشة وفلانة وعلانة، نُراجعه ونرد عليه وما إلى ذلك، هذا أمر عادي، هذا هو النبي، يا سلام، هو مُعلِّم بل أعظم مُعلِّم، هذه حرية التعبير، هذا لا يعجبني ومن ثم أقول رأيي، أرأيتم؟ هذا هو النبي.

أدركنا الوقت، أبو بكر في أول خُطبة له – رضوان الله على صديق هذه الأمة – قال وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني، يا سلام، هو لا يُعطيهم الحق بل يأمرهم به، قال هذا واجب معصوب بجبينكم ومُناط في أعناقكم، هذا واجب فلا تسكتوا، لأن أمة الخير تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حين ترى غلطاً احكه، حين ترى تقصيراً احكه، لا تقل هذا أمير المُؤمِنين وهذا خليفة بل احك ما حدث، ونفس الشيئ فعله سيدنا عمر، وعمر مشهور بهذا، وإن كان أكثر أحد مشهور في هذا الباب هو عليّ عليه السلام، لماذا؟ لأن زمانه زمان نزاع، مر عليه خمس سنين كلها نزاع وخوارج ومشاكل وفتن داخلية، فسوف يكون مضرب الأمثال هنا عليّ في هذه الأشياء، لأن هناك أشياء كثيرة حصلت له عليه السلام، ولكن سيدنا عمر كان يفعل نفس الشيئ أيضاً، فهو أيضاً مضرَّب الأمثال في هذا الباب، في مرة كان يسير عمروظمأ ظمأً شديداً فاستسقى شاباً من قريش، شاب من قريش كان يجلس فقال له اسقني يا أخي أو يا بني، فجدح له ماءً بعسل، ما معنى جدح؟ خلط، لم يُحِب أن يُعطي أمير المُؤمِنين ماء فقط، فأتى بالماء ووضع عليه العسل وخلطهما ثم قال تفضل، فقال لا أُريده، قال الله تعالى أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ۩، حين يُخلَط الماء بالعسل فإن هذه تكون مسألة رافهة، أي فيها ترف، لو كان ماء فقط لشربناه، لكن الشاب لم يسكت وأفهمه أنه يفهم الآية بشكل غير صحيح وأن كل كلامه غير صحيح وأنه يضع الآية في غير موضعها، فقال له مُباشَرةً – لم يقل أستأذنك يا مولانا أو بعد إذنك أو أعطني الأمان وما إلى ذلك وإنما تحدَّث مُباشَرةً – يا أمير المُؤمِنين ليست هذه الآية لك ولا لهذا القبيل، أي أنها ليست لك ولا للمسلمين كلهم، قال له هى في الكفار، فقال له كيف؟ قال له اقرأ ما قبلها، قال الله في سورة الأحقاف وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ۩، فعمر ضرب كفاً بكف وقال كل الناس أفقه من عمر، كل الناس أفقه من عمر، أي اتضح أننا لا نفهم شيئاً، قال كل الناس أفقه من عمر بكل بساطة، وهو أمير المُؤمِنين، عمر هو إمبراطور المسلمين، وطبعاً قصته مع المرأة التي رواها البيهقي وغير البيهقي وأبو يعلى الموصلي على ما أذكر معروفة للكل، أليس كذلك؟ قال ممنوع أن الشخص يدفع مهراً أو يستدفع مهراً أكثر من كذا وكذا، لابد أن يكون قليلاً وفي الحد الفلاني وكذا وكذا، فقامت له امرأة – يُقال أنها عجوز – وقالت يا أمير المُؤمِنين أكتاب الله أحق أن يُتبَع أو قولك؟ انظروا إلى هذه العبارة شديدة جداً، قالت له نحن نتبع مَن؟ هل نتبع كلام الله أم كلامك؟ فقال لها بل كتاب الله يا أمة الله، قالت له فإن الله – تبارك وتعالى – يقول وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ۩، كم؟ قال الله قِنْطَارًا ۩، إذن يجوز هذا، لأن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ۩، إذن من المُمكِن أن أعطي مهراً يُساوي قنطار ذهب أو فضة، أليس كذلك؟ وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ۩، عمر أول ما سمع هذا رجع إلى المنبر، لأن أين أعلن كلامه؟ على المنبر، فلم يُحِب أن يقول لها بينه وبينها بارك الله فيكِ والله يفتح عليكِ واستري علينا واذهبي، لم يفعل هذا، أنا أخطأت في الاجتهاد على المنبر وسوف أُصحِّحه على المنبر، فمُباشَرةً عاد إلى المنبر، جفل الناس وقالوا ماذا يحدث؟ فقال أيها الناس كنت نهيتكم أن تتغالوا في المهور ألا فليفعل رجلٌ في ماله ما شاء، كلُ أحد أفقه من عمر، قالها مرتين – يقول الراوي – أو ثلاث مرات، افهموا هذا فهو يقول لهم لا تُقدِّسوني، لا تظنون أنني نسيج وحدي، من المُمكِن أن أغلط بل وأغلط كثيراً، وهذه المرأة طلعت أفهم مني، وغيرها أفهم مني فانتبهوا، يا سلام عليك يا أبا حفص، رضوان الله تعالى عليك، هذا هو الذي يُريد الحقيقة، هذا الذي يُريد الحق، هذا الذي يُريد مصلحة الجميع، لا يُريد مصلحة نفسه وحيثيته وسُلطته أبداً، وإنما يُريد الحقيقة للناس، يفنى في الحق رضوان الله تعالى عليه.

بقيَ فقط أن نختم الخُطبة الثانية – إن شاء الله – بنماذج من الإمام عليّ أبي الحسن، وما أروعها وما أحسنها وما أجملها من نماذج إن شاء الله، لكي نرى كيف أسَّس هذا الدين – نصه المُؤسِّس في الكتاب والسُنة – وخلفاؤه الراشدون لحرية القول والتعبير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستعفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

تعرفون قصة الخوارج مع الإمام عليّ – عليه السلام – وقصة التحكيم وأنه حكَّم الرجال بدل أن يُحكِّم كتاب الله وكفَّروه وكل هذه القصة الطويلة البلهاء، فهذا الكلام طبعاً كلام أبله، موضوع التحكيم موضوع أبله وهو كلام أُناس لم يفهموا كتاب الله تبارك وتعالى، تقول الرواية كان الأمام أبو الحسن – عليه السلام – ذات صباح – ذات غداة – يُصلي بأصحابه وأتباعه – أي بأمته – صلاة الصبح في الكوفة، يُصلي وهو إمام في المسجد، ولكم أن تتخيَّلوا إلى أين وصلت هذه السخافة وهذا السخف في هؤلاء الخوارج، فإذا بأحد هؤلاء الخوارج في الصفوف الخلفية ولعله كان لا يُصلي خلف عليّ طبعاً – بما أنه يرى كفر فإذن لا يُصلي خلفه بالحري والله أعلم – يقول إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ۩، أي أنه يُريد أن يُشوِّش عليه، كأنه يقول لهم مَن تصلون خلفه كافر أصلاً، هذا حكَّم الرجال – حكَّم أبا موسى وعمرو بن العاص – في قضية كذا وكذا وهذا لا ينفع ومن ثم هو كافر، فهم كانوا يُشوِّشون عليه، لو هذا حصل اليوم ماذا سوف يحدث؟ قل لي ماذا سوف يحدث؟ لو وقف رئيس الدولة أو الملك أو الشيخ أو الأمير وقام له أحدهم وأراد أن ينكِّت عليه بآية كهذه، ماذا سوف يحدث؟ نُكتة أنك فاسق وضال وكافر، الإمام عليّ لم ينصرف من صلاته، لم ينُبه شيئ غير أنه تلا على البديهة قول الله – تبارك وتعالى – فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ۩، ثم مضى في صلاته، هذا هو فقط، وانتهت القضية، لا طلبه ولا حاققه، لماذا لم يطلبه رغم أنه يقوم بالتشويش عليه؟ هل تعرفون لماذا؟ هذا رأيه، رأيه أنه كافر وكذا، هو لا يقوم بعمل مشاكل عملية ولا يرفع السلاح إذن فليُترَك، ولذلك حين عاد الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – من النهروان بعد حربه الخوارج وقع بأيدي رجاله وكان مُتقدِّماً عليهم في المسير رجل إسمه أبو العيزار الطائي يرى رأي الخوارج، لم يخرج بالسلاح لكنه كان مُتعاطِفاً مع مقولاتهم الأيدولوجية – مثل قولهم لابد من تحكيم شرع الله وأنتم تُحكِّمون الرجال وهذا لا يجوز ولذا هذا كفرٌ بكم – فقالوا هذا مُشكِلة فائتوا به، ويبدو أن أبا العيزار الطائي له يعني قيمة في قومه فأخذوه، أتوا به الإمام عليّ، فقال مَن هذا؟ قالوا هذا أبو العيزار يرى رأي الخوارج، قال الإمام عليّ حسنٌ، ماذا ترون أن أفعل به؟ قالوا اقتله، هو يحمل نفس النظرية، فقال أقتله ولم يخرج علىّ؟ كيف أقتله؟ هل أقتله بالرأي؟ هل لأنه حامل لنظرية الخوارج أقتله؟ هذا مُهِم جداً اليوم، أنا أقوله لكي نسمعه جيداً بسبب هذه الأحداث التي تجري اليوم، هو حامل للنظرية وحامل للفكر، فهل أقتله لأنه فقط يحمل فكر الخوارج؟ قال لهم ما هذا؟ هذا ظلم، أقتله ولم يخرج علىّ؟ هو لم يحمل سيفاً ولم يُقاتِلني، هو حمل فقط النظرية، قالوا له تحبسه، أي ضعه في السجن، قال أحبسه ولا جنايةَ له؟ وهنا قد يقول لي أحدكم هل الرأي ليس جناية؟ ليس جناية، الرأي ليس جناية، يا أخي هذا رأيه وهذه قناعته، قناعته أنك كافر وأنك كذا وكذا لكن لا يفعل أي مشاكل ولا يحمل سيفاً، إذن هو حر يا أخي، فليُكفِّر إذن، ماذا أفعل له؟ أنا عند الله كيف أنا، وهو عند الله كيف هو، أليس كذلك؟ قال أحبسه – أسجنه – ولا جنايةَ له؟ قالوا فماذا نفعل به، قال خلوا سبيل الرجل، أي اتركوه، ما هذا الكلام الفارغ؟ انظرو إلى الإمام عليّ، يا سلام، وهذا مَن ؟ انتبهوا إلى هذا دائماً وتذكَّروه، هو ليس رئيس دولة وإنما هو خليفة المسلمين، كل المسلمين باستثناء أهل الشام تحت رايته، وكانوا يأتمرون بأمره، هؤلاء رعيته وأمته، أي أنه كان إمبراطوراً كبيراً جداً جداً ومُخيفاً، لكن ليس عنده هذا الكلام، هذه ليست جناية، والأعجب من هذا أن الإمام عليّ عنده عبارة مثل التي قالها عمر، عمر قال لا خير فيكم إن لم تقولوها – قولوا وكونوا أحراراً – ولا خير فينا إن لم نسمعها، والإمام عليّ عنده عبارة من أروع ما يكون، ماذا قال؟ قال لا تُكلِّموني – لا تُخاطِبوني – بما تُكلَّم به الجبابرة ولا تتحفَّظوا مني بما لا يُتحفَّظ به عند أهل البادرة – مَن أهل البادرة؟ الحكام الذين عندهم حدة وغضب، ومن ثم أنت تتحفَّظ في الكلام لأنك تخاف منهم – ولا تنثنوا أو كما قال عن أن تقولوا عندي بالحق الذي ترون، فلست بمُعظِمٍ لنفسي، وإن الذي يستكبرُ أن يسمع الحق أن يُقال له أو العدل أن يُعرَض عليه لهما عند العمل بهما أو العمل بهما عليه أثقل أو كما قال، ثم قال فلا تكفوا عن مقالٍ بحق – لمَن؟ لي، دائماً قاولوني وردوا علىّ وكلِّموني وشافهوني، بماذا؟ قال عن مقالٍ بحق، أي شيئ ترونه حقاً تكلَّموه معي بشأنه، قولوا يا أبا الحسن هذا صح وهذا غلط وهذا ينفع وهذا لا ينفع، تكلَّموا معي ولا تسكتوا، هو يُغريهم بهذا ويحثهم عليه – فلا تكفوا عن مقالٍ بحق أو مشورةٍ بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أُخطيء، ولا أملك هذا من نفسي إلا أن يكفي الله ما هو أملك به منها مني، فإنما أنا وأنتم عبيدٌ مملوكون لربٍ لا رب غيره، يا الله، ما هذا الجمال؟ ما هذه العظمة؟ يُغري أمته بحرية الرأي ويقول لهم قولوا، هل تعرفون لماذا؟ لأنه الهدف الأكبر والهدف الأبعد مصلحة الأمة واستقرار الأمة وسعادة الأمة ومن ثم رضاء الله بهذا بإذن الله تبارك وتعالى، هذا شيئ عجيب، كان يخرج أحدهم عنده مئذنة في بيته – أحد أعداء الإمام عليّ صنع له أسطوانة في بيته كالمئذنة – كلما أذَّن مُؤذِّن المسلمين – كأنه مُؤذِّن عليّ، لكنه مُؤذِّن المُسلِمين ويُؤذِّن للصلاة – ويبدأ يسب عليّ، يصعد المئذنة ويقول له فيك وفيك، يقول إنما أنت ساحرٌ كذاب، والناس طبعاً كانت تنزعج، كيف يسب أمامنا؟ لماذا قلة الأدب هذه؟ وعليّ يكتفي بأن يقول له حسبك عنقٌ من جهنم، قال له يُوجَد حساب في الآخرة فقط، هل أخذه؟ هل قبض عليه؟ لم يفعل هذا أبداً، قال له أنت بهذه الطريقة تعرف نيتك، حسبك عنقٌ من جهنم، سوف يطلع لك غداً عنقٌ من جهنم في الآخرة وهذا يكفي، ثم يكف عنه، هذا هو الإمام عليّ، هذه حرية التعبير، وأنتم تعلمون القصص الكثيرة التي تقول كيف كانوا يسبونه وما إلى ذلك ورغم كل هذا كان يعفو عنهم و لا يتكلَّم، لذلك هذا الموضوع طويل، فنحتاج إذن أن نقول وأن يسمع بعضنا بعضاً دون أن نتشنج ودون أن نترامى بالتكفير وبالخيانة، أنا رأيت أُناساً يستسهلون جداً الرمي بشيئين، بالخيانة وبالكفر، يُقال هذا خائن، هذا من الخونة، لقد خان القضية وخان الأمة، يا جماعة هذا بهتان، لا تستسهلوا هذا، هذا الشيئ فظيع، علماً بأن لا يسلك هذا المسلك إلا ضعيف الحُجة، الإنسان غير الواثق في حُجته وغير الواثق في موقفه يفعل هذا، والأسوأ من هذا التكفير، وكم مرة وكأين من مرة سمعتم فيها وعرفتم أن التكفير خُطوة إلى التفجير والقتل، اليوم يُكفِّر وغداً يقتل.

في النهاية لعل من أجمل العبارات التي تُكثِّف موضوع حرية الرأي وقدسية هذه الحرية عبارة الفرنسي المُتشكِّك الربوبي فولتير Voltaire، هذه العبارة للأسف ليست لعربي وليست مُسلِم لكن قالها فولتير Voltaire وشرَّقت وغرَّبت، وفعلاً هى من أجمل ما تسمع في حياتك، قال اختلف معك فيما تقول ولكنني مُستعِد أن أُدافِع حتى الموت عن حقك في أن تُعطَى الفرصة لتقول ما تعتقد، أي أنني أختلف معك ولا أقتنع بفكرتك لكن عندي الحق في أن أُدافِع حتى الموت من أجل أن تُعطَى الفرصة أن تقول ما تعتقد، يا ليت هذه الأمة تبدأ تتعلَّم هذا المنطق الآن، وهذا المنطق منطق الكتاب والسُنة والرسول والخلفاء الراشدين.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً، واغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا وما جنينا على أنفسنا، جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلِح ذات بين المُسلِمين وألِّف بين قلوبهم، اللهم إنا نسألك أنت ترحمنا، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تُعذِّبنا فأنت علينا قادر، اللهم لا تُشمِت بنا الأعداء ولا تجعلنا مع القوم الظالمين برحمتك يا أرحم الراحمين، يا قوي، يا متين، يا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.
(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (13/9/2013)

 

أهل السنة والجماعة … أصك براءة؟

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل من قائلٍ – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ۩ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۩ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ۩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
سؤال اللحظة، ما سؤال اللحظة؟ سؤال اللحظة مَن نحن؟ مَن المُسلِمون؟ مَن المُسلِم؟ سؤالٌ يفرضه الاحتراب الطائفي والتشانؤ والتباغض والتناحر والتدابر المذهبي، هذا سؤال اللحظة.
قد كنا نرمي إلى ما هو أبعد ونطمح فيما هو أشرف ونصبو إلى ما هو أسلم وأغنم لنا ولديننا وللبشرية طرة جمعاء وهو أن نذهب ونصير إلى البحث في المُشترَكات الجوامع بيننا وبين إخواننا في الإنسانية لكي نُبرهِن من هذه الزاوية والحيثية على أن هذا الدين دين العالمين ورحمة للعالمين إلا أننا في لحظةٍ وجدنا أنفسنا مدفوعين لنسقط سُفلىً ودنواً ونُعيد التاريخ جذعاً إن جاز التعبير لنُراوِح مكاننا وكأنه لم يجر في نهر المُسلِمين ماءٌ جديد.
واضحٌ أن المُسلِمين عبر الأعصار يدفعون أكلافاً باهظة وضرائب مُوجِعة لجهلهم بالتاريخ، تاريخ الدنيا وتاريخهم على وجه الخصوص، أنا أزعم بل أنا مملوءٌ يقيناً أن مُعظَم مَن يتصدَّرون في القضايا التي سأُدير هذه الخُطبة عليها – إن شاء الله تبارك وتعالى – من فوري ليس لهم دراية مُحترَمة مقدورة فضلاً عن أن تكون مشكورة بتاريخهم، لأنهم يستعيدون لحظاتٍ مشؤمة من التاريخ ويظنون أنهم يخلقون فهماً جديداً ويُبلوِرون خطاباً مُستجِداً على أنهم يعودون إلى استحياء أجزاء وبُقع من التاريخ على خلفيات مُختلِفة.
بالأمس أُحدِّث جماعةً من إخواني وأحبابي فأقول لهم حين تنازع أئمة وعلماء وجماهير المُسلِمين في الأعصار السابقة على قضايا وحول قضايا دينية أصولية وفرعية كان هناك في الخلفية دائماً بل في المشهد أئمة باذخون أمجاد، أهرام من العلم والتدقيق والبحث والإمامة، اليوم هذه الأهرام غير موجودة والقامات مُتساوية تقريباً على تفاوت ليس بالخطير وليس بالكثير لكن النزاعات عينها والمُشكِلات ذاتها، وهذه واحدة.
ثانياً هذه النزاعات حين ثارت وشبت نارها في الأعصار السابقة كانت بمعنى أو بآخر حية نابضة معيشة، كانت بنت أو بنات أوقاتها، لكن – بالله عليكم – اليوم مَن يُعنى مِن أبناء المُسلِمين – استثنوا أهل العلم فأنا لا أتحدَّث عن أهل العلم وهم يُمثِّلون بلا شك قلة وهامشاً ضعيفاً نحيلاً جداً في الأئمة بالنسبة لعموم الأمة وجماهيرها – من الجماهير بمسألة القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ هو لا يفهمها أصلاً، ومن ثم يقول لك ما معنى أنه مخلوق؟ كيف يكون القرآن مخلوقاً؟ هل له عينان تُبصِران وأذنان تسمعان ولسان ناطق؟ ما معنى أنه مخلوق؟ هل مخلوق حي أم مخلوق ميت أو جماد لأن هذه مخلوقات أيضاً؟ لا يفهم العامي هذا ولا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، هذه المسألة غير معيشة اليوم، تعيش فقط في بطون المهارق وفي بطون الصحف والكتب القديمة الحمراء والصفراء وفي أوهام وأخلاد المُغالين الذين لا يُحسِنون إلا باباً أو أبواباً من العلم يُغالون بها، فالمُشكِلة دائماً وأبداً مع أهل الغلو في كل الطوائف من كل الفرق والمذاهب، لأن المُغالي لديه بضاعة يُريد أن يُروِّجها، وهذه بضاعته لأنه مُتخصِّص في هذه المسائل العقدية ومن ثم يُريد أن يشغل الأمة بها على أن الأمة غير معنية بهذه المسائل، الأمة الآن تدور عليها رحى الفناء، الأمة تُطحَن، الأمة تُخرَج الآن من الجغرافيا، وحتماً ستكون خارج التاريخ، وهى الآن غير فاعلة في التاريخ، هى في تاريخها وفي لحظتها غير فاعلة وإنما مفعول بها.
بالمُناسَبة حتى لا أنسى – وأنا كثير الاستطراد للأسف، هذا أحد عيوبي ولا يخلو أحد من عيب – أُحِب أن أقول بما أحدس به، لا أدري لماذا يتملَّكتي حدسٌ هذه الأيام – مُجرَّد حدس أسأل الله أن يُكذِّبه – بأن هذه الرحى الآن يُعَد لها بل يجري الإعداد الآن لكي تدور على بلد عربي مُسلِم كبير جديد، العراق تقريباً انتهوا منه، العراق حُطِّم، العراق ضاع بين داعش وأخواتها وبين الحشد الشعبي الذين أُسميهم داعش الشيعة،فهؤلاء داعش السنة وهؤلاء داعش الشيعة، هذا يقتل وهذا يقتل وهذا يذبح وهذا يذبح وهذا يتوعَّد وهذا يتوعَّد، وطبعاً سيغضب الآن جماعة أو جماعات من الإخوة الشيعة لكن لا علينا لأننا لابد أن نخضع للوقائع الفاقعة والفاقئة التي تفقأ العينيين، عودوا فقط إلى اليوتيوب YouTube لكي تروا تصريحات لكثيرين من هؤلاء الدواحش – نحن عندنا الدواعش وعندنا الدواحش – يُهدِّدون السنة والسُنيين وأنهم سيأتونهم في بلاد الجزيرة وغيرها ويستأصلون شأفتهم، فهذا موجود وهذا إرهاب، واضح أن هذا إرهاب شيعي أيضاً للأسف الشديد وتُبارِكه بعض الدول وبعض الجهات، والإسلام يضيع والأمة تُطحَن وتغيب للأسف، هذه هى الحقائق الفاقعة والفاقئة كما أقول على كل حال، والله شهيدٌ على كل شيئ وشهيدٌ على لسان كل أحدٍ وقلبه من الجميع وهو المُستعان وعليه التوكلان – لا إله إلا هو – وبه العصمة والحفظ.
إذن العراق انتهوا منها، سوريا تقريباً انتهوا منها لأنها دُمِّرَت، مصر نجت بلطف الله ونسأل الله بلطفه أن تواصل النجاة وألا تتحطَّم وألا تغرق في حرب أهلية – في احتراب أهلي – طبعاً، والآن الحدس لا أدري لماذا عن المملكة العربية السعودية.
طبعاً هذا لا يُعتبَر – أي قولي هذا لكن لابد أن نكون واضحين فأنا أُحِب أنا أكون واضحاً مع نفسي ومع إخواني – صك براءة للسياسة السعودية، أنا لست أتدخَّل في السياسة ولا أُبرِّئُ لا هذه السياسة ولا تلك السياسة، السياسة لها أهلها ولها مَن يتكلَّم فيها، فلا دخل لي بالسياسة، لا أُعطي صك براءة ولا شيكاً على بياض لأي سياسة، لا علاقة لي بهذا لأنني لست سياسياً، أنا رجل مهموم بأمته وبأوطانه وبدينه، هذا همي فقط، وكل شيئ غير ذلك لا يعنيني، وحتى الطائفة لا تعنيني، كأن يُقال أنا سني أو غير سني، فهذا لا يعنيني كثيراً، يعنيني الدين – هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ۩ – وتعنيني أمتي وبلادي وشعوبي وأهلي، والمُسلِمون كلهم أهلي أينما حلوا أو نزلوا أو ارتحلوا، لكن للأسف – انتبهوا – المُسلِمون تقريباً تاريخياً من أيام عليّ ومُعاوية – رضيَ الله عن عليّ وكرَّم وجهه – سطت بهم عقلية ومزاج النكاية وتصفية الحسابات، فقط لأن لفلان طائفةً أو فرقةً أو حتى فرداً مُفكِّراً أو عالماً حسابات مع الدولة الفلانية، وفي الحقيقة ليست له حسابات مع الشعب ومع إخوانه في الدين والملة، له حسابات مع القيادة ومع السياسة، هو لا يعنينه بل يُوافِق مدفوعاً وغير مدفوع ومدفوعاً له وغير مدفوع له أن يصير مسعر حرب على هذه البلدة المُسلِمة أو على هذا الشعب المُسلِم وأن يكون سبباً في الاحتراب الداخلي وفي تفتيته وفي اللعنات التي تحيق بهم، يُصفي حسابات فقط، فهو عنده حسابات مع أشخاص مُتنفِّذين وغير مُتنفِّذين، وهذا شيئ غريب، أين الإيمان بالله؟ أين التقوى؟ أين مُراعاة الله؟ ألا يُؤمِنوا هؤلاء بأن مِن أمامهم يوماً عظيماً يقفون فيه بين يدي الله – تبارك وتعالى – وعن كل شيئ يُسألون؟ ولن يُسألوا لأنهم سيُفضَحون، ستُفضَح نواياهم، سيُحصَّل ما في الصدور، ألا يُؤمِنون بهذا؟ هذه تصفية حسابات وبالتالي فلتذهب العراق ولتذهب سوريا ولتذهب السعودية الآن – لا قدَّر الله – إلى الجحيم، السعودية بلد الحرمين ويُراد أن تذهب إلى الجحيم وأن تتفتت، وحدَّثتكم طبعاً قبل أشهر لعلها لم تُوف على سنة عن حدود الدم، المُخطَّط الاستعماري الجديد الموجود وباللغة الإنجليزية ومُتاح لكل الناس، وهو مُخطَّط واضح، والسعودية إحدى الدول الكُبرى التي يُراد لها أن تُبضَّع وأن تُقسَّم فحذاري من هذا، وحذاري من منطق تصفية الحسابات، كل شيئ له منطق يُعالَج به ويُخاطَب به، نحن لم نرض لسوريا الشام – بلاد الشام باركها الله وأوقف نزيفها ورحم غربة أهلها ومُهاجِريها وردهم إليها أعزاء مُكرَّمين – ولم نُوافِق على الحراك فيها لأننا حدسنا وعلِمنا أنه لن يكون ثورة تُنصِر وتُؤازر بل سيكون مبضعاً تُقسَّم به سوريا وتُلعَن، وسوريا يحكمها مَن يحكمها، سوريا يحكمها مَن تعلمون في ظلمه واستبداده وطُغيانه، تاريخ مُمتَد من الظلم والطُغيان والخنق، ومع ذلك لم نرض بفضل الله تبارك وتعالى، لم نرض وما زلنا غير راضين، فمن باب أولى وأحرى ألا نرضى هذا للمملكة العربية السعودية، لن نرضى وحذاري أن نُشارِك في هذا، وأُطلِقها من هنا وقد برَّأت ذمتي ومن ثم الآن شعرت بالراحة، ولو نزلت من على هذا المنبر ولم أقل إلا هذه الكلمات والله إنني لمُرتاح لأنني بثثت ما لدي، حذاري من أن يُشارِك أحدٌ منكم يا إخواني وأخواتي بالتآمر على المملكة السعودية لتصفية حساباته السياسية أو الطائفية أو حتى المذهبية العلمية للأسف الشديد أو غيرها، لماذا؟ لماذا هذا السؤال بالذات والآن؟ هل هذا هو السؤال الصحيح؟ هل هذا هو السؤال المُناسِب المُلائم في هذه اللحظة الحرِجة؟ مَن هم ليس المُسلِمون؟ وهذا السؤال كان ينبغي أن يُمثِّل ويُشكِّل – المفروض لو كان لدينا وعي بالدين وبالذات وباللحظة وبالمُهِمة التي ينبغي أن نكون منذورين لها – الحد الأدنى، فهذا السؤال – مَن هم المُسلِمون؟ – هو الحد الأدنى، أما ما يتجاوز هذا الحد الأعلى فهو ما هى المُشترَكات بيننا وبين إخواتنا – كما قلت – في الإنسانية؟ فنشتغل على المُشترَك، لكن نحن – كما قلت – انحططنا رتباً عن هذا وهوينا للأسف الشديد إلى هذه الدركة فقلنا مَن هم أهل السنة؟ وهذا سؤال عجيب وغريب، وطبعاً لست أُشكِّك في نوايا السادة العلماء الذين طرحوا هذا السؤال، بالعكس أنا أُحسِن الظن عموماً بأهل العلم وأهل الفضل والخير وأعلم أيضاً أن لهم دوافع وأسباباً، وحتى أكون صادقاً على طريقتي وصريحاً الصراحة المؤذية التي تُؤذي كثيرين من الناس أُحِب أن أقول لأنه قبل أن يجتمع طبعاً هؤلاء وغيرهم ليُمارِسوا هذه المُهِمة الإقصائية الاستبعادية الإلغائية للأسف لفريق مُهِم أياً كان ما يُمثِّله في الأمة كان يحدث شيئاً هاماً، وأُحِب أن أكون مرة أُخرى جديدة صادقاً مع ضميري لأقول بلا شك الحنابلة إلى وقت قريب جداً جداً لم يكونوا يربون على أربعة أو خمسة في المائة، فالمُشكِلة الآن ليست مع الحنابلة، المُشكِلة مع التيار السلفي الذي يتأسَّس أو هو مُؤسَّس ومُستنِد على الميراث الحنبلي في الفروع إلى حدٍ ما وأكثر من هذا إلى حدٍ بعيد في الأصول، في المُدوَنة العقدية، لكن في المُدوَنة الفقهية ليس يلتزم بالكامل بالمُدوَنة الحنبلية، ومعروفة الطريقة السلفية الآن فهم يُرجِّحون أشياء ربما يُوافِقون فيها الظاهرية أو حتى مذهباً غير سني بحسب الدليل، وهذه هى طريقتهم، أي طريقة العلماء السلفيين المُعاصِرين لكن في العقيدة بالذات يلتزمون مُعظَم مُقرَّرات المُدونة الحنبلية وطريقة أهل الأثر، وإمام هذه الطريقة أيضاً وحامل لوائها هو أحمد بن حنبل أيضاً، فإذا ذُكِرَت الحنبلية فإنها تُشير مُباشَرةً إلى الاثنين، أي ألى المُدوَنة الفقهية والمُدوَنة العقدية، الإمام أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة من الشافعية والمالكية تقريباً في آخر حياته بعد أن كان مُعتزِلاً ثم عاد وراجع نفسه وأحدث مُراجَعات حقيقية وأعلن نفسه سنيٌ وصرَّح في الإبانة على مذهب الإمام المُبجَّل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قال لك أنا في الأصول من حيث أتت حنبلي، وهذا أمر عجيب، والآن يُراد أن يُقال الحنابلة في الأصول ليسوا من أهل السنة والجماعة، فكيف هذا؟ أبو الحسن الأشعري نفسه إمام الأشاعرة – مثل الشوافع والمالكية وما إلى ذلك – قال هذا، وتقريباً مُعظَم الشافعية أو كل الشافعية ومُعظَم المالكية على الإطلاق كذلك، هناك بعض الشذوذ حقيقة لأن قد يكون العالم شافعياً وفي العقيدة يكون حتى مُعتزِلياً، القاضي أبو الحسن الماوردي – أقضى القُضاة – عنده – رحمة الله عليه – اعتزاليات، وبعضهم اتهمه بأنه مُعتزِلي، لكن هو عنده اعتزاليات وهذا واضح، وقد يكون حنفياً ولا يكون ماتريدياً على مذهب أبي منصور الماتريدي مثل أبي بكر الرازي المعروف بالجصاص صاحب أحكام القرآن، فهو عنده اعتزاليات أيضاً، والإمام الجليل عبد الحق بن عطية صاحب المُحرَّر الوجيز مالكي ولديه في كتابه اعتزاليات، لكن القول أنه مُعتزِلي كذب ومَين لأن الرجل عارض المُعتزِلة في عشرات المواضع وأبطل مقولات لهم، لكنه وافقهم في مسائل، حتى الأشاعرة أدنى إلى المُعتزِلة في مسائل خطيرة جداً جداً من منظورهم طبعاً وليس الآن في هذه اللحظة التاريخية وربما ليست في حد ذاتها حقيقة ولكن من حيث الفرز والتصنيف والتقسيم ومن حيث الاعتبارات التقليدية والكلاسيكية كانت هذه المسائل خطيرة مثل مسألة خلق القرآن – كما قلت قُبيل قليل – ومسألة رؤية الحق تبارك وتعالى، أي هل نراه في الآخرة أم لم نراه؟ مَن كان أشعرياً ويدري ما هى الأشعرية ويُحقِّق مقالاتهم كما فعل المُحقِّقون أو يقرأ ما فعل مُحقِّقوهم كالفخر والحُجة الغزالي وغير هذين يعلم أن الأشاعرة في هاتين المسألتين أقرب شيئ على الإطلاق إلى المُعتزِلة، بل لو قلت إنهم مُعتزِلة لم تُبعِد النجعة، هذا يجب أن نقوله حتى نكون صادقين، ولذلك حين جاء الإمام الحنبلي الحافظ عبد الغني المقدسي – رحمة الله تعالى عليه وهو حنبلي ومُتوفى سنة ستمائة للهجرة وليس المُوفَّق صاحب المُغني، فهذاك مُتوفى سنة ستمائة وعشرين، وإنما الحافظ عبد الغني المقدسي رحمة الله عليه، العلّامة والرجل الصالح الشهير – كان شديداً أيضاً على الأشاعرة وضلَّلهم وبدَّعهم ونسبهم إلى العظائم كما يفعلون هم طبعاً في حقي وفي حق أمثالي، فهذه معركة قديمة حديثة للأسف ولا زالت مُستدامة وهناك مَن يُريد أن يستديمها، وهذا ليس في صالح الأمة، فهذا لا يعمل في صالح الأمة، وعلى كل حال هذا الإمام – رحمة الله تبارك وتعالى عليه – بدَّعهم طبعاً وصرَّح بأن الأشاعرة من أهل البدع، وللأسف الشديد هذه هى اللغة السيئة التي مزَّقت الأمة، وطبعاً هم فعلوا هذا، وهم بدَّعوه وكفَّروه طبعاً، والرجل امتُحِن ثلاث محن، محنة في بغداد ومحنة في أصفهان ومحنة في الموصل، وهذه قصة كبيرة، مَن يقرأ التاريخ يجد هذه الأمور، الرجل بدَّعهم وصرَّح بأنهم من أهل البدع وعطفهم على الزنادقة، قال ليس أحدٌ مِن أهل البدع والأهواء مَن يكتم مُعتقَدة إلا الزنادقة والأشاعرة، أي عطفهم على الزنادقة، وهذا عطف لا يليق بأي حال من الأحوال، أكثر ناس لهم قدم صدق وقدم راسخة في التصدي للزنادقة والتصدي للبدع الخطيرة في العقيدة – ما يُسمى هنا في اللغات الغربية الثيولوجية بالـ Heresy أو الهرطقات، فبدع الاعتقاد تُسمى هرطقة هنا – على كل حال هم الأشاعرة، وإذا قلنا الأشاعرة والمُعتزِلة أيضاً – المُعتزِلة لهم إسهام على قدم سواء مع الأشاعرة – كنا مُنصِفين، وهذا الإنصاف يتقاضانا أن نقول هذا، فالمُعتزِلة أيضاً فعلوا هذا، وأنا يُعجِبني جداً الإنصاف، كم أُحِب الإنصاف!
الإمام الذهبي حين ذهب يُترجِم للإمام الجليل القاضي عبد الجبار الهمداني – الرجل الزاهد التقي الصالح عبد الجبار المُعتزِلي صاحب المُغني، وهو من أعظم عقليات الاعتزال على الإطلاق، فالمُعتزِلة ليسوا كفّاراً وليسوا ضلّالاً وليسوا كائدين للإسلام ولا يبغونه العنت والشر، حاشاهم بالعكس هؤلاء المُعتزِلة من أهل أمة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، فهم من أهل القبلة – ذكر كتابه الذي دافع به عن كتاب الله تبارك وتعالى – وأثبت إعجازه وصدقيته، وتقريباً على ما أذكر – والآن لست أستوثق تماماً – ذكر عبارة مليحة جداً تقريباً مؤداها أنه ليس لأحد مثل هذا الكتاب لا من السنة ولا من الشيعة ولا الزيدية ولا أحد، لم يؤلِّف أحدٌ كتاباً يُدافِع به عن كتاب الله ويُثبِت حقيته وإعجازه مثل عبد الجبار الهمداني وهو مُعتزِلي، والأشاعرة لا يقلون إن لم يربوا حقيقة لأنهم امتدوا أكثر طبعاً، المُعتزِلة تجمَّدوا وأُلغوا، فهذه حرب انتصر عليهم فيها الحنابلة والأشاعرة، والأشاعرة امتدوا أكثر فربما أربوا على المُعتزِلة في دفاعهم عن الإسلام زمنياً لكن لا من حيث العبقرية الفكرية والقدرات العقلية الحجاجية، فالمُعتزِلة لا يُستهان بهم على الإطلاق، لكن الإنصاف عزيز، وأيضاً أُريد هنا أن أفتح قوسين وأقول مُنبِّهاً فقط إخواني عليكم بالإنصاف، وخاصة مَن أراد أن يتعانى ويتعاطى شيئاً من هذه المسائل العلمية: مسائل الحق مع مَن، مَن أصاب ومَن أخطاً، مَن اهتدى ومَن ضل ومَن الذي ينجو، ونحن لا نُحِب هذه الطريقة، كم أكره هذه الطريقة التي يتحدَّثون بها عن النجاة، وهذه اللفظة كثيرة جداً في كتب الأشاعرة والحنابلة وغيرهم، فهم يتحدَّثون عن النجاة ويقولون أن النجاة لا تكون إلا بكذا وكذا، وتقريباً للأسف في مسائل كثيرة النجاة لا تكون إلا بأن تكون مثلهم وفي مسائل تكون من فروع الفروع ومسائل مدخلية العقل فيها أكثر من مدخلية النص بمراحل، أي أنها مراح ومسرح للاجتهاد والنظر، فكيف تجعلها مسائل إيمان وكفر؟ فمثلاً – بالمثال يتضح المقال كما يُقال – لدينا قضية السببية حتى والخلاف الناشب الشهير فيها بين الأشاعرة وبين خصومهم من سائر الطوائف، والأشاعرة لا يقرون بالسببية كما يفهمها مُعظَم خلق الله، يقولون لك لا يُوجَد شيئ يفعل، وإذا قيل لهم وهل لا يفعل حتى بطبعه؟ قالوا إذا قلت يفعل بطبعه فهذا كفر، وإذا قلنا لهم يفعل بطبعه الذي طبعه الله عليهم – وهذا معنى الطبع، وكل طبيعة لها طابع – قالوا هذه القوة المُودَعة، أي أن هذه اصطلاحات وخلافات أشبه باللفظية، فليست خلافات معنوية حقيقية، وهذه هى القوة المُودَعة، وأنت تقول أنه يفعل بقوةٍ مودَعة فيه، لكن لو قلت هل يفعل بقوة مُودَعة – هناك خصائص الله أودعها في الماء تجعله إذا تناوله أو حين يتناوله الإنسان يشعر بالري، خصائص في المطعومات إذا تناولها الإنسان شعر بالشبع – فيه؟ قالوا إن قلت بهذا فقد ضللت، وهذا رأي الأشاعرة، فهذا ضلال وغلط، لماذا؟ فماذا هو الحكم؟ قالوا لك فيه قولان، القول الأول يكفر، والقول الثاني لا يكفر، لكن كيف يكفر؟ هل هذه المسألة تُكفِّرون بها؟ أنا أتحدَّث عن مَن وأنا أشعري – أنا شافعي أشعري في الجُملة لكنني لست مُقلِّداً في كل شيئ هكذا على عمى، أُعيذني وأُعيذ إخواني من أهل البحث والنظر من هذا- طبعاً؟ هل تُكفِّرون بهذا؟ قالوا لك هذا قول ولكن لا نُرجِّحه، السنوسي في شرحه على الكُبرى لم يُرجِّحه، الإمام إبراهيم الباجوري- رحمة الله تعالى عليه – على أم البراهين لم يُرجِّحه، قال الباجوري الأرجح أنه لا يكفر، فامتنوا – والله – على الناس كثيراً ما شاء الله، فهم مُتسامِحون لكنهم جعلوك على خطرٍ عظيم في مسألة فلسفية كلامية مُعظَم خلق الله سواء كانوا مُسلِمين أو غير مُسلِمين لم يُوافِقهم فيها ولا عليها، فكيف تقول لي فيها قولان؟ كيف تقول لي هناك رأي يقول يكفر؟ هذه طريقة المُتكلِّمين وهذه طريقة النكايات وهذه طريقة تصفية الخصومات وطريقة تحشيد الجماهير، لكن هذا لا ينبغي!
إن أردت وجه الله – تبارك وتعالى – وأنت تتكابد وتتعانى وتتعاطى مثل هذه المسائل فوجه الله – تبارك وتعالى – سبيله الإنصاف والتقوى، إياك والبهت، إياك والكذب، إياك والتحامل، إياك والإفتراء على الآخرين، إياك والتزوير عليهم.
أبو حامد الغزالي قال تقريباً ما مِن فرقة إلا رمت الأُخرى بالكفر والبدعة، وأنا سأقول من ورائها: وتقريباً ما مِن فرقة إلا كذبت على الأُخرى ولم تكن أمينةً على نقلِ مقولاتها وقوَّلتها ما لم تقل وألزمتها بلوازم لا تلتزمها ثم ادّعت أنها تقريرها وليست بتقريرها، وبعضهم يخلط بين القولِ والنقلِ، أي بين مقول الشخص وبين منقوله، هل هذا مقوله أم هذا منقوله؟ هذه أشياء عجيبة، علماً بأنني سآتي بأمثلة يسيرة ثم أمضي إلى موضوعي، فليس هذا موضوعي ولكنه مُهِم للتنبيه، فنتبَّهوا يا إخواني واتقوا الله في هذه المسائل تماماً، قد يقول أحدكم لماذا تُحدِّثني عن التقوى وغير التقوى وأنا لست مُتخصِّصاً؟ إذا كنت لست مُتخصِّصاً فإياك أن تخوض في هذه المسائل أصلاً، لا تتكلَّم فيها، فما هى علاقتك أنت؟ كيف تُكفِّر الحنابلة وتُكفِّر الشيعة وتُكفِّر الزيدية وتُكفِّر الإباضية؟ ما هى علاقتك بهذا؟ اترك هذا للعلماء الذين ابتلاهم الله وربما لعنهم الله أو لعن بعضهم بما ابتلاهم به من الكذب والفري والبهت على إخوانهم في الملة والدين من أهل القبلة، هذه عظيمة من العظائم، وهنا تُسكَب العبرات ويُناح على الإسلام وأهله، فيالله وللمُسلِمين من أمثال هذه الفواقر، الفواقر التي دمَّرت هذه الأمة، ولكن إن أردت سبيل الشيطان ووجه الشيطان والبُطلان فدونك وادي الكذب والفري هِم فيه، اذهب وارتع في هذا الوادي، وربما الذي بعثني على هذا أنني شاهدت قبل يومين مقطعاً لدكتور شيخ أشعري وبيده كتاب للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويقول: هذا من مجموع مُؤلَّفات الشيخ، هذا المُجلَّد السابع – بالضبط السابع ولعله قال السادس ولكن هو السابع – في الصحيفة مائتين سبعة وعشرين، انظروا ماذا يقول الشيخ، فقلنا سنسمع ماذا يقول الشيخ ابن عبد الوهاب الذي لا نميل إليه ولا نستروح لطريقته أصلاً حقيقةً ولنا أئمتنا ولنا سبيلنا، لكن الله يُحِب الإنصاف، فكم نكره الكذب، كم نكره الكذب ولو كان على أعدى أعداء الأمة وليس على رجل من الأمة أياً كان سواء أصاب أو أخطأ، فلابد من الإنصاف، لكن أين الإنصاف – لا إله إلا الله – يا أمة محمد ويا أمة لا إله إلا الله؟ قال أنه يقول بمعنى الكلام: والناس يُخبِرون عنك أنك تروح إليهم وتحضر المولد – مولد رسول الله – وتقرأه لهم – قُصار هذا أن يكون عند عبد الوهاب وغيره بدعة من البدع، فهذا لم يفعله السلف الصالحون، وصحيح لم يحتفل لا الرسول ولا أصحابه ولا أحد من التابعين ولا تابعي التابعين بمولد رسول الله، فهذا الاحتفال لم يكن موجوداً لديهم ولم يفعل أحد هذا الشيئ، هذا حدث بعد ذلك في القرن الخامس تقريباً، وعلى كل حال يُمكِن أن نقول بدعة على طريقتك أيضاً في تعريف البدعة، فهذا أمر مُحتمَل وهو لا يزال مُحتمَلاً، ونحن سنراها بدعةً حسنة ونطمئن بهذا كما رآها جماهير من العلماء على المذاهب المُختلِفة، وهذا نقاش فروعي وفيه حديث عن الحلال والحرام وليس الكفر أو الإيمان – وتُصيب أو تأكل من لُقم الطعام هناك وهذا كفر، فإن كنت تعلم أن هذا كفر – وارتفعت نبرة الشيخ الأشعري وجعل يصيح هذا كفر، انظروا ماذا يقول؟ – فكذا وكذا، لكن وقع في قلبي مُباشَرةً أن هذا كذب على الشيخ، يستحيل أن يقول الشيخ هذا، ابن عبد الوهاب لابد أن يكون مجنوناً وعزب عنه عقله بالمرة حتى يُكفِّر مَن حضر مولداً للنبي وأكل من طعام المولد، ما الكفر في هذا؟ هذا غير معقول، ولا رأس الخوارج يُكفِّر بهذا على ما أعتقد، أكبر خارجي من الأزارقة وغيره لا يُكفِّر بهذا، وأنا عندي مجموعة الشيخ فدخلت مُباشَرةً وأخذت المُجلَّد السابع ووجدت شيئاً هاماً، وعودوا إليه فأنا أعطيتكم الإسم بالضبط، ومجموع مُؤلَّفات الشيخ موجودة ومطبوعة، وهى موجودة على الوقفية بي دي إف PDF ومُتاحة مجاناً، فاذهبوت إلى المُجلَّد السابع في صحيفة مائتين سبعة وعشرين، هل تعرفون ماذا أسقط هذا الشيخ الأشعري؟ كيف بعد ذلك يثق الناس بكم؟ والآن سوف تقول لي هل الوهابية أحسن؟ والله ليسوا أحسن، فأنا مرة أغيظ هؤلاء ومرة أغيظ هؤلاء، ولذلك ملعون أمثالي، فأنا أُحِب الحق إن شاء الله وهذا غير معقول، ولا يعنيني أن يلعنني هؤلاء أو هؤلاء، يعنيني أن يرضى الله عني إن شاء الله، وأسأل الله أن يرضى عني وعنكم بالإنصاف والصدق، وعلى كل حل هم ليسوا أحسن حالاً، لأن مشائخ السلفية – ليس كلهم وإنما منهم – منهم مَن يُبالِغ جداً في الكذب على الآخرين وتقويلهم ما لم يقولوا ونسبة أشياء إليهم لا يلتزمونها ولا يُؤمِنون بها وهم مُفظِعون جداً في هذا، ما رأيكم؟ فهذا موجود عند مُعظَم الطوائف للأسف، والإنصاف عزيز، والله يُحِب الإنصاف، وفي كل شيئ وفاء وتطفيف، لكن على كل حال نقول يا ليت كل أحد يتعلَّم مرارة الذي سقاه للآخرين، أنت سقيتهم مُر الكذب عليهم والافتراء، والآن ذُق هذا والبادئ أظلم، هل تعلَّمت أنت؟ مثل الآن حين تم إقصاؤهم في الشيشان غضبوا غضبة رهيبة، وهذا جميل جداً، لكن اطرحوا سؤالاً: مَن الذي أقصى مَن قبلاً؟ قد يقول لي الآن أحد أنت مع مَن؟ انتبهوا إلى أنني ضد الإقصاء عموماً وضد إقصاء السلفيين والحنابلة، أنا رجل مُجمِّع بإذن الله تبارك وتعالى، وسؤالي أكبر من هذا، هم يقولون مَن السني؟ لكن ماذا يعني هذا؟ هل إذا كنت سنياً فهذا يعني أن عندك صك براءة من النار؟ أنت سني ولكن ماذا بعد؟ هل ستدخل الجنة بنسبة مائة في المائة؟ ما معنى السنية؟ أين إخواننا الزيدية والإباضية والإمامية؟ هل هؤلاء في النار؟ هل هؤلاء كفّار وزنادقة؟ ما معنى أهل السنة والجماعة؟ هم قالوا لك هذه سبيل النجاة وطريق النجاة، ونحن نقول لهم اتقوا الله، القرآن يقول هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ۩، وفي هذا – أي في القرآن الكريم – نحن مُسلِمون وهذا يكفينا، يستطيع كل أحد مِمَن له الحد الأدنى من اللياقة العلمية أن يُعرِّف الإسلام والإيمان بالنظر في كتاب الله، ولا نحتاج إلى كل هذه المسائل مثل القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ وهل صفات الله هى ذاته وعين ذاته أم زائدة على ذاته؟ لأن – والله – مُعظَم العامة لا تفهم هذا ولا لها علاقة به، علماً بأنني سأعود إلى هذا بُعيد قليل، وعلى كل حال هل تعرفون ما هى العبارة التي أسقطها الدكتور الشيخ الأشعري؟ ابن عبد الوهاب قال له أنت تروح إلى المولد وتحضره وتقرأه لهم وتحضرهم حين ينخون ويندبون مشائخهم ويسألونهم الغوث والمدد، مثل يا سيدي فلان اعمل لي كذا وكذا، يا سيدي علان افعل لي كذا وكذا، يا سيدي علان هبني ولداً ذكراً واشف امرأتي من كذا، وهذه أشياء خطيرة، أي الاستغاثات بالموتى، وهذه العبارة الخطيرة التي من المُمكِّن لأي مُسلِم عادي أن يتوقَّف عندها وأن يقول هذه خطيرة أسقطها الشيخ، فخطير أن تسأل غير الله سواء كان حياً أو ميتاً، هل يجوز إذا كان رسول الله حياً أن تقول له يا رسول الله ارزقني ولداً أو يا رسول الله ارزقني كذا مما لا يقدر عليه؟ انتبهوا إلى أن الحي يُسأل طبعاً أشياء ويُستغاث به، فالحي يُسأل ويُستغاث به لكن فيما يقدر عليه بحكم مجرى الأسباب والعادة، مثل أن يُقال احمل عني أو ساعدني في هذا الحمل أو ساعدني في دف ودع هذه السيارة فدعها معي أو ساعدني في قضاء ديني، فهذا أمر عادي، لكن لا يجوز أن تقول له ارزقني ولداً مثلاً، وقد يقول لي أحدهم يا فيلسوف قصَّر بك عقلك، هل يجوز أن تذهب إلى طبيب مشهور جداً عبقري وتقول له اعمل لي عملية زرع؟ نعم يجوز، فهذا يقدر عليه الإنسان، لكن هناك أشياء لا يقدر عليها إلا الله، فهذا الطبيب الذي جاء وأخذ منك هذا الحيمن وخصَّب به البوييضة ثم زرعها في الرحم وإلى آخره يفعل هذا لأن هذا كله الآن أصبح من ضمن العادات والأسباب العلمية، لكن هل يستطيع هذا الطبيب أن يحفظ ابنك حياً في رحم زوجتك؟ لا يستطيع، المُحيي المُميت هو الله تبارك وتعالى، فحين تقول له حافظ عليه حياً حتى تلده فإنه سوف يقول لك لا أستطيع أن أفعل هذا، فهذا لا يُستطاع إلا بالله، فالمسألة الخلافية هى مُنادة الأحياء أحياءاً وأمواتاً واستغاثتهم فيما لا يستطيعه إلا الله، وإلا ماذا أبقينا لله إذن؟ ماذا أبقينا لله إن جاز أن يُسأل غير الله فيما لا يستطيعه إلا الله؟ فإذن ماذا أبقينا لله إذا فعلنا هذا؟ نرفع أيدينا لله في ماذا إذن؟ هذا شيئ خطير، وهذه العبارة الخطيرة والتي تُشكِّل مُستنَداً لا يُستهان به للشيخ ابن عبد الوهاب حذفها الدكتور الأشعري وأفهم جمهوره – الله أعلم كانوا بالمئين أو بالآلاف لكن موجود هذا المقطع على النت Net وهو مقطع جديد جداً نزل في شهر تسعة – أن ابن عبد الوهاب يُكفِّر الناس بماذا؟ أي بحضور المولد وأكل طعام المولد، وهذا لم يحدث، سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۩، وكم لهذه الحالة من نظائر وأمثال من جميع الطوائف، فهى موجودة كثيراً.
في القرن الرابع الهجري كان الإمام أبو عبد الله الهروي الأنصاري – رحمة الله تعالى عليه – الحنبلي الصوفي صاحب كتاب ذم الكلام وأهله وصاحب كتاب منازل السائرين – الكتاب العرفاني الشهير الذي شرحه غير واحد ومنهم ابن القيم الجوزية في مدارج السالكين – كان مُتشدِّداً جداً ضد أهل الكلام، أي ضد المُتكلِّمين، لا تُعجِبه طريقة المُتكلِّمين، التي هى طريقة دفاع عقلي عن قضايا الاعتقاد، فهو يعتمد فقط الطريقة النقلية في الاعتقاد، أي قال الله وقال الرسول وقال السلف الصالح فقط، أما أن تقول له بالعقل وبالمنطق وبالفلسفة فإنه لا يُحِب هذا، وكثيرون مثله حتى من الشوافع ومن المالكية ومن الحنفية، فهم كثيرون على كل حال، والإمام الشافعي كان ضد الكلام وقال قولي في حفص الفرد المُتكلِّم أن يُؤدَّب ويُضرَب بالجريد والنعال ويُطاف به بين الناس – هذا مثل التجريس تقريباً، شيئ من التجريس – ويُقال هذا جزاء مَن اشتغل بعلم الكلام، فهذا هو الشافعي وهو إمامنا وإمام الأشعري – إمام أبي الحسن الأشعري – أيضاً، وأبو الحسن الأشعري مُتوفى سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين، والشافعي مُتوفى في مائتين وأربع، أي بينهما مائة وعشرون سنة بينهما، فهو يُعتبَر إمامه، وعلى كل حال الإمام الهروي كان ضد المُتكلِّمين وكان يُبدِّعهم ويُضلِّلهم وقوله فيهم غليظ خشن خشب، فكافأه الشوافع من الأشاعرة – كافأوه بهذا الموقف العدائي الاستنكاري – بأنه لما قدم السُلطان السلجوقي ألب أرسلان إلى هراة – ومن هنا نقول هروي، وهراة هى إحدى البلدات الفارسية – دسوا في محرابه تحت سجادته – انظروا إلى أين وصل الإجرام الفجور – صنماً من صُفر، أي من نُحاس، فهم دسوا له صنماً صغيراً من صُفر ثم أتوه وقالوا يا شيخ لقد أتى السُلطان فأحببنا أن نُسلِّم عليك وأن تكون معنا في مُقدَّم مَن يُسلِّم على السُلطان – انظروا إلى المكر، لا يكون هذا سبيل الصالحين، المُؤمِن الصالح لا يفعل هذا أبداً، المُؤمِن لا يغدر ولا يكذب ولا يمكر ولا يصنع الحيل ولا ينصب الفخاخ والمصائد ليُوقِع الناس في المرائر والشدائد، المُؤمِن أرقى من هذا وأتقى من هذا لله تبارك وتعالى، لا إله إلا الله – فصَّدق هذا الرجل المسكين وخرج، فسبقوه إلى السُلطان – بعضهم سبقه – واستغاثوا قائلين يا سُلطان، يا سُلطان، فقال ماذا؟ قالوا هذا الرجل الحنبلي مُجسِّم – والعياذ بالله – ويعبد صنماً، يُصلي له ويزعم أن الله على صورة هذا الصنم، أي أنه صورة الله، فقال أعوذ بالله، مَن هذا؟ ائتوني به، هذا فيه القتل مُباشَرةً، وهذا زنديق طبعاً، فأتوا بالشيخ وأرسل السُلطان بعض رجاله لكي يُفتِّشوا محرابه، وفعلاً وجدوا في المحراب تحت السجادة صنماً من نُحاس، فصُعِقوا – لا إله إلا الله – وأخذوا الصنم وجاءوا يسعون به وقالوا هذا وجدناه في محرابه، والسُلطان ذكي طبعاً – هذا حاكم وليس مثل أي رجل أهبل – فنظر – انظروا إلى ردة الفعل – إليه، والشيخ المسكين رآه واندهش واستاء جداً جداً، فقال له ماذا تقول؟ لقد وجدنا هذا في محرابك، فسكت هُنيهة ثم قال سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۩، فأدرك السُلطان بعد نقاش يسير هذا، ويُقال أنه سطا بهم وأدَّبهم وأعاد الشيخ مُكرَّماً، فما هذا؟ هل يُمكِن لمُسلِم أن يفعل هذا في مُسلِم؟ والآن طبعاً مِن المُسلِمين والذين يزعمون أنهم مُهتَدون بهدي السلف وعلى طريقة السلف مَن يستجيزون – منهم ولا أقول كلهم – الكذب على خصومهم مثل الخطابية قديماً لأنهم كانوا يكذبون حتى في الحديث على رسول الله، وطبعاً لم يُقَل لنا أن العصبية التي غلت مراجلها في صدور المذهبيين والطائفيين حملت علماء نبلاء مشاهير على أن يكذبوا حقاً على رسول الله أيضاً، فالأمر لا يقتصر فقط على طائفة الخطابية، وهى طائفة مُبتدِعة ضالة ولا تحل الرواية عنهم لأنهم يستجيزون الكذب نُصرةً لمذهبهم حتى وإن كان على رسول الله، وهذا شيئ فظيع والعياذ بالله، فهم يُؤلِّفون الأحاديث وما إلى ذلك وينسبونها إلى ابن عباس وإلى عليّ وابن مسعود ويقولون انصر نفسك.
الإمام أصبغ بن خليل المالكي لعلكم سمعتم به، مُتوفى على ما أذكر في سنة مائتين وسبعين للهجرة، وهو إمام وفقيه مالكي جليل ولكنه مُتعصِّب، مُتعصِّب جداً للمالكية، ومُتعصِّب ضد الشافعية بالذات، لماذامع أن المفروض الشافعية والمالكية أشاعرة إخوة في الأصول ثم فرَّقتهم المذاهب الفرعية في الحلال والحرام؟ أصبغ بن خليل مُتعصِّب ضد الشافعية في مسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، الشافعية يزعمون أن هذه سُنة ماضية ثابتة مُتواتِرة، التقي السُبكي – أبو الحسن عليّ بن عبد الكافي رحمة الله عليه، مُجتهِد الشافعية ومُجتهِد الإسلام في عصره – ألَّف رسالة ذكر فيها أن هذا ثابت من رواية أربعين من الصحابة فهو مُتواتِر، والجماهير من المالكية والحنفية والحنابلة ضد هذا فقالوا هذا خطأ وهذه بدعة ولا يُوجَد رفع لا عند الركوع ولا عند الرفع من الركوع، بل أن القاضي ابن الأكفاني الحنفي في القرن الثامن الهجري – رحمة الله تعالى عليه – ألَّف رسالة في إبطال صلاة مَن رفع عند الركوع وعند الرفع من الركوع، فهو قال لك صلاتك باطلة إن صليت بهذا الرفع، فصلاتك باطلة يا مُصلي يا شافعي، وهذا تعصب طبعاً، لكن هذا القاضي يُؤلِّف مثل هذه الرسالة، ومن هنا سوف تقول لي لحظة يا عدنان هل قضية أهل سنة وجماعة لا تدل على أننا سمن على عسل ومن ثم هل تُوجَد خلافات؟ تُوجَد خلافات كثيرة جداً جداً جداً، خلافات بين الشافعية وبين الحنفية وبين الحنفية وبين الشافعية وبين الحنابلة وبين الشافعية بالذات وبين المالكية وبين الشافعية وبين المالكية والمالكية وهكذا، وهذه قصة كبيرة، فصك البراءة هذا مُزيِّف – صك البراءة الذي يقول أنك من أهل السنة والجماعة ومن ثم افرح لأنك حنبلي سلفي من أهل السُنة فأنت أهل السنة أو أنا شافعي أشعري أو أنا حنفي ماتريدي ومن ثم أنا أهل السنة والجماعة فافرح بصك البراءة هذا – وهذا ليس صكاً للبراءة، وسوف تجد ما يُخزيك من تاريخك من المُنازَعات بين هذه الفرق السنية، فالقضية أصبحت قضية تسامح وتعصب، هل الآن المُراد التسامح أم التعصب؟ نُريد ونبغي التسامح، هل نُريد أُطراً ضيقة – وقد ضيَّق الله علينا بها ما ضيَّق لا إله إلا هو، وضيَّقنا بها على أنفسنا ما وسَّع الله ورسوله – أم واسعة؟ الذي نُريده بعد التجارب التاريخية والواقعية المريرة الشديدة أُطراً أوسع، لا تسعنا كأهل السنة وإنما تسعنا كمُسلِمين بإذن الله، لكي يقف هذا الاحتراب والجنون الطائفي، وبعد كل هذا الاحتراب الطائفي – سبحان الله – بدل أن نذهب إلى مخرج جديد – كما قلت – ونبحث عن مخرج وإطار أوسع عُدنا – القهقهرة – ونكصنا على أعقابنا نبحث عن أُطر أضيق، وكأن لا يكفينا أن نحترب سنةً وشيعة، والآن ينبغي أن نحترب سنةً وسنةً من أول وجديد، فنُعيدها جذعة ونحترب شافعية ومالكية أشاعرة وحنابلية أثريين، فما هذا؟ لماذا؟ مَن يُريد هذا؟ مَن يبغي هذا؟ مَن يُخطِّط لهذا؟ ما هى القضية؟ ما الذي يحصل في هذه الأمة؟ هذا شيئ يُصيب بالدوار، يجعل الإنسان دائخاً ويجعل عقله يدور.
نرجع إلى أصبغ بن خليل، أصبغ بن خليل المالكي كان يكره طريقة الأثريين، وقال لأن يكون في كتبي – أي كتب الدين، كتب الشرع في الفقه والأصول وما ذلك – رأس خنزير – أكرمكم الله – أحب إلىّ من أن يكون فيها مُسنَد ابن أبي شيبة، وأنت تسمع عن أبي بكر ابن أبي شيبة شيخ البخاري المُتوفى تقريباً أربع وثلاثين ومائتين للهجرة، وابن أبي شيبة هو شيخ الإمام البخاري وعنده المُسنَد وعنده المُصنَّف وهو إمام جليل لكن أصبغ بن خليل قال لك جليل ماذا؟ رأس الخنزير أشرف من كتبه، وهذه الكتب فيها أحاديث عن النبي لكن هذا لا يهمه، فما هذا التعصب؟
أصبغ بن خليل – رحمه الله وعفا عنا وعنه – ألَّف حديثاً ووضع له إسناداً والناس كانت تُصدِّقه لأنه عالم فقيه وعنده مُؤلَّفات وشيخ متبوع، قال لهم النبي نهى عن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه، واكتُشِفَ الأمر فإذا به كذب، فشُنِّعَ عليه، قالوا له إخسٌ عليك، كيف تكذب على رسول الله؟ تأدَّت بك وبلغت بك العصبية إلى هذا؟ وهذا أذكرني بما ذكره العلّامة الإمام ابن حزم الظاهري – رحمة الله تعالى عليه – في الإحكام في أصول الأحكام – كتابه في علم الأصول – الذي ذكر فيه أن أحد المشائخ رُوجِع في آية من كتاب الله كان قرأها بالغلط فقال لا بل هى كذلك، فقالوا هذا مُستحيل، نحن أيضاً حفّاظ لكتاب الله والآية ليست على هذا الوجه وأنت أخطأت وتغلَّطت فيها، فقال لا، فقالوا ائتينا بمُصحَفك، قال آتيكم بمُصحَفي الموجود عندي، وحين دخل وجدها كما يقولون فحكها وزوَّر الكلمة، تفضَّل إذن، وابن حزم هو الذي يروي هذا، فلا تظن أن إذا قال الرجل أنه عالم وكان مُلتحياً ومُؤلِّفاً للكتب أنه ولي من أولياء الله لأن العصبية ملعونة، العصبية تُنسي الإنسان وجه الله والدار الآخرة وتحمله على فواقر مثل هذه الفواقر، والآن العصبية حملت الأمة على أن يُكفِّر بعضها بعضاً.
عوداً إلى حديثنا عن الإقصاء – نحن نُوازِن ونطير والله بطائرة صعبة لكي نُوازِن بين الطرفين لكن يُوجَد اتزان، فهذا صعب جداً – مرة أُخرى، الآن هؤلاء الناس من الأشاعرة والماتريدية والصوفية تعمَّدوا أن يُقصوا الأثريين في باب الاعتقاد، فطريقة أهل الأثر والحديث في الاعتقاد هذه مُقصاة، وقالوا هؤلاء ليسوا يدخلون في مُسمى أهل السنة والجماعة، فماذا فعل هؤلاء السلفيون الأثريون؟ هل تكرَّموا وأنعموا على الأشاعرة والماتريدية بأن ألحقوهم بأهل السنة والجماعة؟ لا يا سيدي لم يفعلوا هذا، إخواننا السلفيون في السعودية وغير السعودية لم يفعلوا هذا، وهم فريقان طبعاً، أكثرهم اعتدالاً كالشيخ العلّامة ابن باز – رحمة الله على روحه – والشيخ صالح الفوزان والدكتور سفر الحوالي لأنه مُعتني كثيراً بقضية الأشاعرة وعنده رسالة مشهورة ولقيت تعقيبات وتعليقات وتنقيدات كثيرة – هؤلاء مُعتدِلون، حيث كانوا أكثرهم اعتدالاً – قالوا الأشاعرة والماتريدية فيما خالفوا فيه أهل السنة من أبواب وبالذات باب الأسماء والصفات ليسوا من أهل السنة والجماعة، وفيما وافقوا فيه نُلحِقهم بهم، لكن فيما خالفوا لا نُلحِقهم بهم، وهذا نص كلام الشيخ ابن باز – رحمة الله عليه – والشيخ الفوزان، أما الدكتور سفر فقال أما أن الأشاعرة والماتريدية من أهل القبلة – أي مُسلِمون مُوحِّدون – فنعم، وأما أنهم من أهل السنة والجماعة فلا، فهو أشد قليلاً، لكن الأشد تماماً قومٌ مِن المخذولين – مِمَن خذلهم الله وأصمهم وأعماهم من هؤلاء المُنتسِبين إلى طريقة السلف – مِمَن زعموا وتندَّموا – أظهروا الندامة – على أنهم خُدِعوا في يوم من الأيام قريب بقول مَن؟ ليس بقول الجويني والرازي وابن فورك والغزالي والنووي وابن حجر والسيوطي وإنما بقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله على الجميع – الذي لم يُكفِّر الأشاعرة وأثنى عليهم في مواضع وإن ذمهم طبعاً وسبهم سباً بذيئاً في مواضع كوصفه إياهم بأنهم – معذرةً أن أقول هذا على منبر رسول الله، لكن هذه طريقة علمائك للأسف، هذا تراثك فخُذه لأنه هو هكذا لكن تنقَّى منه، فينبغي أن تتنقى وأن تتوَّقى، ومن ثم تنَّق وتوقَّ وإلا هلكت وأهلكت وضللت وأضللت – مخانيث المُعتزِلة، قال: كما أن المُعتزِلة مخانيث الجمهية المُعطِّلة، فكيف يُقال مخانيث؟ كيف تصف رجالات الإسلام من كبار أئمة هذه الأمة كأبي بكر الباقِلاني والفخر الرازي والحُجة الغزالي وأبي الحسن الباهلي وأبي ذر الهروي – ليس أبا عبد الله وإنما أبو ذر تلميذ الباقِلاني – وأمثال هؤلاء بأنهم مخانيث المُعتزِلة؟ كلمة عيب هذه، عيب كبير جداً جداً، هذه الكلمة غير لائقة وهى ليست في مكانها مُطلَقاً يا شيخ، لكنه قال هكذا، وضلَّلهم في مسائل ولكن أثنى عليهم وقطع بأنهم من أهل الإسلام ولهم فضل ولهم التلقاء بأهل السنة في أشياء كثيرة، ونقل عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر أنه قال: وإلى ما قبل فتنة ابن القُشيري كان الحنابلة والأشاعرة مُتوالِفين، أي مُتفِقين مُتعاوِنين فيُسعِد بعضهم بعضاً في نُصرة الدين إلى أن ثارت فتنة ابن القُشيري – أبي نصر ابن الشيخ عبد الكريم بن الهوازن القُشيري صاحب الرسالة القشيرية، هذا ابنه، أحد أبنائه السبعة وأنبلهم وأشهرهم – التي لن أتحدَّث عنها، لا يُوجَد وقت يسمح بأن أتحدَّث عن فتنة أبي نصر القُشيري، فهذه أكبر فتنة وأول فتنة شائعة في ذلك الوقت وكانت مُتأخِّرة، أبو الحسن الأشعري مُتوفى في ثلاثمائة وأربع وعشرين، وهذه الفتنة كانت في أربعمائة وتسع وستين للهجرة، وكان لها مُعقِّبات في أربعمائة وسبعين وذهب فيها بعض الناس، فمات فيها زُهاء عشرين في تعقيب الفتنة في أربعمائة وسبعين، وهذه قصة كبيرة، وعلى كل حال قال لك قبل هذه الفتنة كان الحنابلة والأشاعرة – ما شاء الله – مُتوالِفين، وهذا كلام مَن؟ ابن تيمية الذي ينقله عن ابن عساكر ويُوافِق عليه.
أخونا المخذول هذا للأسف – هذا أحد أهل العلم من السلفيين المُعاصِرين الأحياء، هو أحد غِلمان العلم – قال لك أنا نادم ندماً شديداً لأنني اغتررت بكلام ابن تيمية وحكمت بماذا؟ ليس بأن الأشاعرة من أهل السنة وإنما بأنهم مُسلِمون، وإنما بماذا؟ ما الذي أتيت به يا علّامة يا فهّامة؟ ما هو وضع الإمام الغزالي والفخر الرازي والنووي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر بن فورك والإمام الباهلي والإمام الباقِلاني ومن بعد الإمام السُبكي الكبير والإمام تاج الدين السُبكي والإمام ابن جماعة والإمام ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي ومُعظَم أئمة الإسلام إلى العصر الحديث وإلى مشائخ الأزهر العظام وإلى الشيخ العلّامة ابن عاشور وبقية رجالات الإسلام من الأشاعرة؟ قال كفّار، كيف يُقال كفّار؟ قال كفّار ولا يشك في كفرهم، فقلت له حيهلاً بالخذلان، نعوذ بالله من الخذلان، نعوذ بالله أن يتلبَّسنا الشيطان، يستحيل أن يقول هذا مُسلِم مُؤمِن مُوحِّد قرأ كتاب الله إلا أن يكون تخبَّطه الشيطان من بعدما تلبَّسه والعياذ بالله، ما هذا؟ لقد أجَّرت عقلك لإبليس فأصبح ناطقاً بلسانك وعلى لسانك، كفَّرت أنت تسعين في المائة من أمة الإسلام على الأقل، تسعين في المائة من الأئمة الأعلام ورجالات الدين يا رجل من المالكية والشوافع، فما رأيك؟ حيهلاً بهذه الرسالة القميئة البذيئة، وبدأت أقرأ في الرسالة فلم أجد أي دليل حقيقي على الإطلاق ولا حتى شُبهة دليل، عُظم كلامه – مُعظَم كلامه – تعرفون ما هو؟ نقول، يقول قال فلان بتكفيرهم ومُقتضَى قول كلام تكفيرهم وقال علان، وهل هكذا يُكفِّر المُوحِّدون بقال فلان؟ علماً بأن هذه داهية ما لها من واهية، هذه إحدى الفواقر الكُبر، ما هى؟ أنك تُكفِّر أحداً دون دليل، أنا أقول لك هذا لو كنت أصلاً من أهل العلم، ولا ينبغي لك أن تُقلِّد حتى في الاعتقاد، اجعل لك عقل، إما أن تكون عامياً وإما أن تكون عالماً، العامي قد يُقلِّد على قده، فهذا غلبان لأنه عامي، لكن العالم لا يُمكِن أن يُقلِّد، أنا أقول لكم أن في قلب وجوهر مُعظَم كلام مَن يتعزَّى بالانتساب إلى العلم من شتى الطوائف يمثل التقليد والتقليد والتقليد وليس اليقين بالمسألة استدلالاً وبرهنةً واحتجاجاً أبداً أبداً وإنما اليقين بالمتبوع والمُقلَّد، فيقول الواحد منهم أنا هنا أتقلَّد قول الإمام فلان وقول العلّامة فلان وقول الطائفة فإذن أنا أذكى منهم وأشطر منهم وأحسن منهم لأن كلهم قالوا بهذا فإذن انتهى الأمر، وعلى هذا يبدأ يحكم حتى بتضليل الآخرين وربما تأدى به الأمر وانحط إلى الحكم بتكفيرهم، وطبعاً يا فرحةً – إي والله – أعداء الإسلام وخاصة في اللحظة هذه لأنهم سيقولون هذا هو المُسلِم وهؤلاء هم المُسلِمون الذين يُكفِّر بعضهم بعضاً، فالقضية الآن ليست قضية أن الأشاعرة والماتريدية خارج نطاق أهل السنة والجماعة وإنما خارج نطاق الإسلام كله أصالةً ورأساً وأساساً، فهم ليسوا مُسلِمين عندهم، ومن ثم قد تقول لي هل هذا موجود؟ نعم، اكتب على النت Net تكفير الأشاعرة وأول شيئ سوف يخرج لك في أول بند: رسالة – هذه الرسالة القميئة – للشيخ فلان الفلاني في تكفير الأشاعرة، وتقرأها مُباشَرةً من غير بي دي إف PDF فقد وضعها كلها على الصفحة بمراجعها، ينقل عن فلان وعن هيان بن بيان وعن فلان بن علان ثم يخرج لنا في النهاية أن الأشاعرة كانوا كفّاراً، وطبعاً لو سأله أحدهم مُقتضى الكلام هذا على الأقل أن رجلاً مثل ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري – أعظم شرّاح البخاري – سوف يكون كافراً عندك، فماذا تعمل؟ فإنه سوف يقول لك الحق أحق أن يُتبَع، هذا لا يعنيني، كيف لا يعنيك هذا؟ صلى الله عليك، ما كنا نعلم أنه بعد مُحمَّد بُعِث الأنبياء، هذا نبي يعلم الحقيقة المُطلَقة وهو لا يرى لا السيوطي ولا السخاوي ولا ابن حجر ولا النووي ولا الغزالي ولا كل هؤلاء، هؤلاء هباء في هواء أو سراب يحسبه الجاهل من الماء، فهو لا يراهم شيئاً، فانظروا إلى الغرور إذن، أعوذ بالله من العُجب والغرور والكبر والانتفاخ الإبليسي، هذا انتفاخ إبليسي ليس فيه تواضع أهل العلم!
طبعاً – كما قلت لكم – المسألة لا تقف على هذا فحتى داخل المذهب الواحد تُوجَد نزاعات، وقد يقولي أحدهم الآن ماذا تُريد قبل أن تُكمِل؟ هل تُريد أن تُشوِّشنا؟ هل أنت لا تُريد عصمةً لنا نعتصم بها؟ هل أنت لا تُريد منا أن نُوقِن بشيئ؟ أبداً والله، وأحلف باللهِ على هذا، وإنما أُريد فقط أن أُوقِظك وأن ألفتك وأن أنبِّهك إلى أن صك البراءة لا يُحاز ولا يُحتاز بأمثال هذه التعزيات، كأن يُقال أنني شيعي من أهل البيت أو أنني زيدي أو أنني إباضي أو أنني سني أشعري أو سني سلفي وإلى آخره – ليس هكذا أبداً – وإنما بأشياء أوسع من هذا وأرحم وأمتن وأوثق من هذا، لا تجعلوا دينكم هزؤاً، لا تجعلوا دينكم مسخرةً، ولا تجعلوا كتاب الله عضين فتدوروا حوله عزين تائهين ضالين سادرين حائرين لأنكم لم تأخذوه جُمّاعاً جميعاً مُؤتلِفاً مُتصادِقاً مُتآزراً ولم تكتفوا به وأبيتم إلا الزيادة والزيادة والزيادة عليه والإرباء فضللتم في أودية الهلكة والعياذ بالله تبارك وتعالى.
المالكية فيما بين بعضهم البعض – مالكية ومالكية – نزاعات، لديك في القرن الثالث نزاعٌ مرير شب بين طائفتين عُرِفَت إحداهما بالسحنونية – هم أتباع الشيخ محمد بن سحنون رحمة الله عليه المُتوفى في سنة مائتين وست وخمسين للهجرة – والأُخرى عُرِفَت بالعبدوسية – أتباع الشيخ غالب بن عبدوس المالكي المُتوفى في سنة مائتين وستين للهجرة – ورحمة الله على الجميع، فالسحنونية وافقوا الماتريدية – ليس لهم علاقة بالماتريدية ولكنهم قالوا أن هذا هو مذهبهم – وقالوا لا استثناء في الإيمان، والعبدوسية وافقوا الأشاعرة وقالوا ثمة استثناء في الإيمان، فنحن مع الاستثناء ونحن نقول بالاستثناء في الإيمان، فما قضية الاستثناء في الإيمان؟ قضية تافهة وبسيطة وكما حقَّق عياض وحتى الكمال بن الهُمام الماتريدي الحنفي في فتح القدير الخلاف عند التحقيق فيها لفظي لا حقيقي معنوي، كيف؟ واحد يقول أنا مُؤمِن ويقطع فإذن هذا لا يستثني، لأنه يقول أنا مُؤمِن، فأنا مُؤمِن كما أعلم نفسي ومُؤمِن عند الله تبارك وتعالى، أنا مُؤمِن ولست شكّاكاً ولا مُلحِداً، فهذا لا يستثني، الذي يستثني كالشوافع الأشاعرة لكن ماذا يقول؟ يقول أنا مُؤمِن إن شاء الله تعالى، فرماه الآخرون بأنه شكوكي، السحنونية قالوا العبدوسي شكوكي، فما معنى أنا مُؤمِن إن شاء الله؟ لا ينبغي أن تقول هنا إن شاء الله، إذا قلت أنا مُؤمِن إن شاء الله زايلك الإيمان، أنت تشك في إيمانك، فلا نحكم لك بالإيمان ولا نُزوِّجك ولا نتزوَّج منك ولا نأخذ منك ولا نُعطيك، أنت البعيد على شفير الكفر، وبعضهم صرَّح بكفره، لكنك سوف تقول لي هل هذه نفس المسألة الناشبة بين الماتريدية الذين يمنعون الاستثناء والأشاعرة؟ طبعاً هذه هى المسألة وهذا الصراع الحقيقي الذي فيها بين الماتريدية وبين الأشاعرة، والماتريدية أحناف ومن أهل السنة والجماعة، والأشاعرة رؤوس أهل السنة عند أنفسهم على الأقل ويقولون بالاستثناء وبينهم خلاف رهيب ولذلك أحد رؤوس الفقهاء الأحناف قال يحرم – أي محظور ولا يجوز – أن يتزوَّج الحنفي من شافعية، لماذا؟ أليست مُسلِمة مُوحِّدة وتُصلي الخمس؟ قال لك لانها تشك في إيمانها، الشافعية أشعرية وتقول أنا مُؤمِنة إن شاء الله، أي أنها تقول بالاستثناء وهذا لا يُمكِن، ثم جاءه آخر – وهو حنفي أيضاً – وقال له لا يا أخي بالغت قليلاً، نحن نُوافِق أن نُزوِّج الحنفي شافعية لكن نُجريها مجرى الكتابية، أي نعتبرها يهودية أو نصرانية، فما شاء الله تكرَّم علينا، ما هذه القصة؟ ما هذا الكلام؟ هل هذا يُمكِن أن يحدث بسبب مسائل مثل هذه، وعلى كل حال هذه قضية السحنونية والعبدوسية، وانتهت القضية للأسف الشديد بأن جاء أحد العوام من السحنونيين في القيروان إلى مجلس الشيخ غالب بن عبدوس المالكي – هذا المسكين مالكي مثلهم لكنه يقول بقول الأشاعرة – وقال له ما أنت؟ هل أنت مُؤمِن؟ ولك أن تتخيَّل أن رجلاً عامياً يمتحن عالماً، كما يُقال:
إذا غلب الشقاء على سفيه تنطع في مخالفة الفقيه.
وذلك لأنه سفيه وهو لا يفهم شيئاً، فلا تقل له بم يقع الاستثناء في اللغة ولا ما إلى ذلك لأنه – والله – لا يعرف شيئاً مواقع الاستثناء ولا يعرف شيئاً، وعلى كل حال قال له قل لي هل أنت مُؤمِن؟ فقال أنا مُؤمِن، قال له عند الله؟ أي هل تقطع أم تستثني؟ قال له أنا مُؤمِن الآن، أما ما يُختَم لي به الله أدرى به، فبصق في وجهه – لك أن تتخيَّل أن رجلاً من العامة يبصق في وجه هذا الفقيه – ثم ترك المجلس، يموت بعد فترة غالب بن عبدوس – رحمة الله عليه – ويحملون جثمانه إلى مسجد محمد بن سحنون فلا يُصلي عليه الإمام هناك، قال لا نُصلي عليه لأنه شكوكي، هذا شكوكي أي أنه شبه مُلحِد وغير مُتيقن إيمانه فأخرجوه من هنا، ولم يُصل على الرجل، فما هذا؟ علماً بأن هذا داخل المذهب المالكي لكن انظروا إلى أين وصلت التعصبات.
في لقائي مع الأخت بدرية البشر في إم بي سي MBC قبل أقل من سنتين ذكرت لها أن الإمام الحنفي أبا عبد الله البلاساغوني التركي – ذكرت طرفاً من أخباره وذكرت قولاً عن البلاساغوني – قال لو كان الأمر إلىّ لضربت الجزية على الشافعية، هذا حنفي من أهل السنة والجماعة، من أهل النجاة، وقال لك هم مثل أهل الكتاب، الشوافع أهل كتاب مثل اليهود والنصارى وليسوا أفضل، فما هذه القضية؟ في المُقابِل لدينا شافعي إسمه أبو المُظفَّر البوري قال لك هل هذا ومَن مثله أحسن منا؟ لو كان الأمر إلىّ لضربت الجزية على الحنابلة، الحنابلة أهل كتاب مثل اليهود والنصارى، ولا نعتبرهم مُسلِمين.
مثل هذا كثيرٌ، ولن أُحدِّثكم عن الفتن، لن أُحدِّثكم عن مئات الألوف من الأرواح والأنفس التي زهقت في حروب أثارتها هذه الفتن، لكن نسأل الله أن يُطفئ النائرة وأن يُهدِّيء الثائرة، ثائرة القلوب والعقول في البلاد والعباد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وآله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.
الأشاعرة – كما قلت وأنا أشعري – في خلق القرآن تقريباً مُعتزِلة، اثنان منهما صرَّحوا بأن القرآن مخلوق، أما الآخرون فلم يُصرِّحوا لكن قالوا كلاماً تقريباً لا يُفهَم منه إلا أن القرآن مُحدَثٌ مخلوق، ولن أشرح هذه القضية ولن أُصدِّعكم بها ولكن هذا موجود، في باب رؤية الله نفس الشيئ، هم عند التحقيق مُعتزِلة، لم يُنكِروا الرؤية وقالوا نحن نُؤمِن بأن الله يُرى يوم القيامة لكن كيف؟ هل يُرى بالمُقل وبالأحداق ومثل هذه الرؤية؟ قالوا لا، هذا مُستحيل، أن تراه كما ترى أي شيئ هذا مُستحيل لأن الله ليس له حد ينتهي عنده وإليه، إنما هى زيادة معرفة وعلم بالله، أي أنهم أنكروا الرؤية عند التحقيق وأثبتوها لفظياً، أليس كذلك؟ فهم في خلق القرآن مُعتزِلة، علماً بأن كل طوائف الأمة تُنكِر الرؤية إلا أهل السنة وهذا مذهب الأشاعرة من أهل السنة، فيؤول إلى إنكار الرؤية عند التحقيق، أما الإمامية والزيدية والإباضية والمُعتزِلة وكل هؤلاء يُنكِرون الرؤية، وهذه ليست من القضايا الخطيرة، وهذا قال لك أنه سني ولكنه يُنكِر هذا فانتبه إذن، فهو في هذا الباب اعتزالي أو مُعتزِلي، وفي باب خلق القرآن مُعتزِلي عند التحقيق، فلم تُشنِّعون على الناس وتُكفِّرون الناس؟ طبعاً أكثر مَن يُكفِّر ومَن يسب بهذه المسائل وخاصة خلق القرآن هم الحنابلة، وهذه داهية عظيمة، حتى الإمام المُبجَّل الإمام أحمد – رحمة الله عليه رحمة واسعة ورضيَ الله عنه – للأسف لا نستريح ولا نرضى طريقته في التعاطي مع مسألة خلق القرآن التي امتُحِنَ فيها وصبر وأجره على الله، لكنه بالغ جداً جداً جداً وقطع بأن الحق المُطلَق معه، وكان لا يتساهل مُطلَقاً مع مَن يُخالِف طريقته في تقرير المسألة لا في صغير ولا في كبير، وهذه مُبالَغة ما كان ينبغي أن يُجَر إليها، لكن للأسف بالغ جداً الرجل في هذا، نُعيم بن حمّاد – رحمة الله عليه – شيخ البخاري وصاحب الفتن امتُحِنَ في المسألة ومات في سجنه، رفض أن يقول القرآن مخلوق فمات الرجل في السجن، أي مات مسجوناً كالبويطي تلميذ الشافعي، ثم قيل لأحمد بعد ذلك نُعيم بن حمّاد قال لفظي بالقرآن مخلوق – هل بالله عليكم يشك أحدٌ فيكم أن لفظه بالقرآن مخلوق من غير أن تفهموا المسألة؟ أنا حين بدأت وتلوت هذه الآيات فإن هذه الألفاظ ألفاظي أنا، فصوتي هذا أليس مخلوقاً؟ – فقال إن كان قال هذا فلا رحم الله روحه في قبره، ما هذا؟ ما التشدد هذا والتنطع؟ سوف تقول لي هذه مُصيبة، هل هذا يعني أن المئات من الرواة ونقلة الحديث الذين جُرِّحوا لأنهم قائلون بخلق القرآن جُرِّحوا فقط بسبب هذه المسألة وأُسقِطَت الثقة عنهم؟ نعم، وما كان ينبغي أن يكون هذا، لكن للأسف هذه مسائل أُخرى، فهذه المسائل مسائل مُشتبِكة ومُعقَّدة وارتيابية واحتمالية وفيها وجوه للترجيح والنظر والأخذ والقال والقيل، فهى ليست من قطعيات الدين لكن هم أحالوها قطعيات وجعلوها معقد الإيمان والكفر ومعقد الولاء والبراء والحكم بالتضليل أو الحكم بالاهتداء وإلى آخره، في حين أن الإنصاف يبرأ من هذا والدين الصحيح القح الصريح يبرأ من هذا كله، فأين الإنصاف وأين أهل الإنصاف؟
نُحِب أن ننتهي إلى كلمات نُفضي بها عن المقصود من هذه الخُطبة:
أولاً كان ينبغي أن نتجاوز هذه النزاعات التي أكل الدهر عليها وشرب وليست معيشة ولا حية بين الناس، إنما للأسف صرنا إلى إحيائها الآن، تخيَّل – ما شاء الله – أننا الآن نستقبل فترة عشرين أو ثلاثين سنة سوف يخوض فيها الشباب والكبار والصغار والمساجد والمنابر والـ Social media والمُؤلَّفات والمُصنَّفات والصحف وكل هذه الأشياء مع مسألة خلق القرآن والرؤية وباب الأسماء والصفات والاستثناء وإلى آخره، فما هذا؟ هل هذه قضايا المُسلِمين؟ هل هذه قضايا أمة مُتخلِّفة حضارياً وتقنياً وعلمياً ومُتخلِّفة دينياً وروحيا وأخلاقياً واجتماعياً وتدور عليها – كما قلت لكم – رحى الإفناء والإنهاء؟ هل هذا هو الحل؟ هل هذا الذي نُريده؟ ليس هذا أبداً.
ثانياً نحن نقترح ببساطة أن هذه المسائل حتى يشبع المنهومون بها وبتعاطيها -لا بأس في هذا – ينبغي أن تُناقَش ولكن نقاشاً أكاديمياً بين العلماء والأكاديميين في أعمال علمية مُحترَمة لا تُشغَل بها الجماهير أبداً، لا علاقة للجماهير بهذه المسائل، هذه المسائل علمية في ذمة التاريخ، يتناقش فيها المُتخصِّصون فقط وهذا لا بأس فيه، فأهلاً وسهلاً وأنا أُحِب هذا، هل تعرفون لماذا؟ لأن باب عظيم أيضاً من أبواب التدابر ومن أبواب التشانؤ ومن أبواب سوء الظن بالآخرين – سوء الظن بالزيدية وبالإبضية وبالوهابية وبالأشاعرة وبالماتريدية وبالإمامية وإلى آخره – ما يُشاع عنهم أنهم يقولون هذا ويقولون هذا ويقولون هذا ويقولون هذا، وكما قلت لكم الكذب كثير جداً هنا.
الشيخ العلّامة الشافعي مُفتي مكة في وقته أحمد زيني دحلان – رحمة الله عليه – ينقل في كتابه الدرر السَنية – يرد على ابن عبد الوهاب – أن ابن عبد الوهاب كان يُكفِّر مَن توسَّل برسول الله، ونحن نشهد بالله ولله ان هذا كذب على الشيخ ابن عبد الوهاب، فما رأيكم؟ وزيني دحلان شافعي ونحن شافعية وهو أشعري ونحن أشعرية ونحن لسنا على طريقة ابن عبد الوهاب لكن هذا كذب، ابن عبد الوهاب صرَّح – هذا تصريح – أن مسألة التوسل من مسائل الفروع وإن كان الأصح فيها ما عليه الجمهور وأنه يُكرَه التوسل بغير الله تبارك وتعالى، نعم تتوسَّل إلى الله بذاته وبأسمائه وبصفاته لكن بغيره حتى وإن كانوا من الأنبياء وما إلى ذلك فهذا مكروه، ثم قال: فلا يُنكَر فيها على المُخالِف، الله أكبر، فالشيخ ابن عبد الوهاب قال مسألة فرعية ولا يُوجَد فيها إنكار على المُخالِف، ولو أحد توسَّل ماذا نقول له؟ من المُمكِن أن ننصح له ونقول له نحن رأينا كذا لكن هذا عادي، فمن أين يا شيخ دحلان يا مُفتي مكة – رحمة الله عليه وغفر الله له ولنا – نسبت له أن يُكفِّر مَن يقول بالتوسل؟ هذا محض الكذب، كذبٌ صرف، فانتبهوا إلى أن هذه المسائل فيها كذبٌ كثير، ولذلك لكي نسد باب البهت والفري والكذب ماذا نفعل؟ يتناقش العلماء، يأتي رؤوس الزيدية ورؤوس الإباضية ورؤوس الأشاعرة ورؤوس الماتريدية ورؤوس الإمامية ورؤوس الوهابية أو السلفيين الأثريين ويجلسون جلسات مُحترَمة، علماء مشهود لهم هم الذين يأتون وليس أي أحد، ليس حملة الشهادات فقط هم الذين يأتون، وإنما يأتي علماء متينو العلم والتحقيق فيتناقشون ليس ساعة أو ساعاتان في الفضائيات وإنما مائة ساعة ومائتان ساعة وأربعمائة ساعة في أي قضية، ويُكتَب هذا ويُدوَّن كله، ثم يقرأه المُختَصون أيضاً، فأنت إذا كان عندك هُيام بهذا الشيئ وتُحِب أن تعمل دكتوراة في هذه المسائل اذهب واقرأ كل هذا، اقرأ ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف صفحة في مسالة خلق القرآن، تفضَّل هذا كله وسوف ترى كم هى المسألة صعبة وأن في النهاية لا يُوجَد داعي لتشديد النكير على المُخالِفين وغمز هؤلاء ولمز هؤلاء بأنهم كفروا وخرجوا لأنهم يقولون بأن القرآن مخلوق، المسألة أصعب من هذا بكثير ولها أغوار لا تدريها لا أنت ولا أمثالك فاتقوا الله، اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في أهل القبلة.
ثالثاً ينبغي التفكيك بين العلمي الدياني والسياسي، أُعيد للمرة المائة أو الألف القول بأن مُشكِلة الدين الإسلامي من أيام مُعاوية تقريباً إلى اليوم هى أنه مُرتَهن للساسة والسياسة إلا قليلاً، في سنة أربعمائة وسبع يأتي الخليفة العباسي القادر بالله ويُصدِر منشور كبير إسمه المُعتقَد أو الاعتقاد القادري، سوف تقول لي هل هذا موجود في تاريخنا؟ نحن نعرف هذا في تاريخ المجامع المسكونية والمجامع النصرانية العالمية، فهم يقولون لك – مثلاً – قانون الإيمان النيقاوي، مثل مجمع فينيقية وهو مجمع مسكوني كبير وهو الذي قرَّر التثليث – والعياذ بالله – وقرَّر الثلاثة – ثلاثة الأقانيم – وحدتها في النهاية وقرَّر قانون الإيمان النيقاوي، أي أن الروح القدس مُستَلٌ ومُنبثِقٌ من الأب والابن، وبهذا إلى اليوم يقول الكاثوليك، أما البروتستانت والأرثوذوكس قالوا هذا من غير كلمة الابن، قالوا الروح القدس مُنبثِق من الأب، فهم عندهم هذا شيئ جيد وإسمه قانون الإيمان، وعندنا عملنا شيئ مُشابِه إسمه الاعتقاد القادري، فقلنا هذا الدين وهذه النجاة وأي أحد يخرج عن هذا يكون ضالاً – والعياذ بالله – ويستحق النكال والعقوبة وربما القتل، فنعود إلى تاريخ أبي الفرج بن الجوزي المُنتظَم في تاريخ الملوك والأمم ونجده يُحدِّثنا عن مُعتزِلة كثيرين تم قتلهم ومُصادَرة أموالهم وتم أخذ مساجد كثير من الشيعة وغير الشيعة على أثر ماذا؟ الاعتقاد القادري أو المُعتقَد القادري، أي قانون الإيمان الإسلامي السني لأنه كان مُفصَّلاً ضد المُعتزِلة والشيعة في باطنهم، وفي تلك الفترة البويهية بالذات تأثَّر الشيعة كثيراً بأهل الاعتزال في باب الاعتقاد، فهم تأثروا كثيراً وهذا معروف بسبب وجود تلاقح للأفكار، فدارت الدائرة على المُعتزِلة جميعاً بالمُعتقَد القادري، فانتبهوا إلى أن عبر التاريخ كان يحدث هذا وللأسف لا يزال يُمارَس إلى اليوم، فالديني ما زال يرتهن للسياسي، وأنا أقول هذا عيب، عيب على العالم وعيب على ولي الله أن يعبث بدين الله، عيب أن يعبث بالدين وبالعلم وبالفقه من أجل أن يُلبِّي طموحات أو أجندات سياسية، فالسياسي يعمل وحده بقانونه واتركوا العلمي للعلماء، لا يُمكِن لسياسي أن يقترح على عالم، وأنا أُخاطِب هنا إخواني العلماء وأقول لكل أحد يسمعني عيبٌ عليك هذا، عليك أن تستحي من نفسك في نفسك وعند نفسك وأنت تخاف كثيراً من الله إن كنت مِمَن يُملى عليه في باب العلم والاعتقاد والفقه سياسياً، هذا عيب فلا يُمكِن لسياسي أن يُملي على عالم، أنت كسياسي لا تُمل علىّ، لأن هذا علم وهذا دين، سواء أخذتني في بلدك أو أخذتني في مُؤتمَر أو أعطيتني أموالاً أو لم تُعطني فأنا سأتكلَّم بما يُرضي الله تبارك وتعالى.
رابعاً عوداً على بدء حذاري من التأليب على المملكة العربية السعودية، حذاري من المكر بهذه البلدة لكي تُعاني ما عانى العراق والشام، حذاري من أن تُقسَّم، لا تلعبوا هذه اللعبة، كونوا حذرين وكونوا أذكياء، اقرأوا كل شيئ يقع الآن قراءة حصيفة ذكية ولا تُعينوا على بلادكم وأهلكم وشعوبكم فتُعينوا على دينكم بعد ذلك وعلى أنفسكم، فحذاري من هذا لأن المُخطَّط – كما قلنا – واضح طبعاً ومذكور في عشرات المصادر، وهو تقسيم المنطقة من عند آخرها، ولن ينجو أحد، وهم يُريدون هذا، فإن كنتم أذكياء وألباء وصادقين أفشِلوهم، هم يزرعون القنابل وأنتم انزعوا الفتائل، وأنا أنزع فتائل، أنا أزعم أنني العبد الفقير الغلبان الضعيف أنزع فتائل بفضل الله تبارك وتعالى، فأنا لا أزرع قنابل ولن أزرع – ما زرعت ولن أزرع – أبداً، دائماً أنا أنزع الفتائل ولصالح الكل بفضل الله تبارك وتعالى، كثَّر الله نازعي الفتائل وأعدمنا الله زارعي القنابل، لكن بعضهم ينزع قنبلة من هنا ليزرع قنبلة أُخرى هناك، وهذا أحمق كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ۩، فهو يهدم هنا ويبني هناك ويبني هنا ليهدم هناك، وسوف يرى نفسه على مبعدة عشرين أو ثلاثين سنة يُراوِح في مكانه، كما يُقال يداك أوكتا وفوك نفخ!
فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُم المطايا ومُت كمدًا فليس لك اعتــذارُ.
خامساً وأخيراً كلمة حق لابد أن أقولها وهى أنني لم أدع إلى مُؤتمَر الشيشان، انتبهوا لأن لا يجب أن يُقال أنني لم أُشارِك في مُؤتمَر الشيشان فحسب وذلك لأنني أنا لم أُدع أصلاً، لأن مِن بعض الكذبة وبعض أهل الفري والبُهتان مَن قال لك إبراهيم عدنان – حتى إسمي لا يعرفونه – شارك في مُؤتمَر الشيشان، لكن أنا لم أُدع إليه أصلاً، وطبعاً السؤال لماذا لم أُدع؟ الجواب عندكم، الله أعلم لماذا لم أُدع إلى المُؤتمَر، وأسأل الله دائماً ألا أُدعى مِمَن لا يظن أنني لا يُقترَح علىّ وأنني شموس قليلاً ومُتأبٍ وأقول ما عندي دائماً بفضل الله تبارك وتعالى.
اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً ورشداً، اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اهدنا واهد بنا وأصلِحنا وأصلِح بنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحُب المساكين وأن تغفر لنا وترحمنا وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا مُبدِّلين ولا مُغيِّرين، اللهم مَن أحييته فأحيه على الإيمان ومَن أمته منا فأمته على الإسلام، على شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.
_________
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

(16/9/2016)

الإمام علي بين السنة والشيعة !

الشيخ حسن بن فرحان المالكي باحث في الشؤون الشرعية والتاريخ ومهتم بقضايا حقوق الإنسان

الشيخ حسن بن فرحان المالكي
باحث في الشؤون الشرعية والتاريخ ومهتم بقضايا حقوق الإنسان

الإمام علي معنى وليس شخصية تاريخية بارزة فقط هو معنى يجمع كل المعاني الجميلة هو طريق من طرق معرفة الله , هنا سأذكر حسنات السنة والشيعة في موضوع الإمام علي ونقد الشيعة والسنة فيه أيضاً ففي ظني أن الفريقين قد أحسنا من وجه وأساءا من آخر.

الآولى :
وأول مسألة يجب أن أقولها أن الإمام علي عبد من عبيد الله والعبودية لله أشرف ما يصل إليه الإنسان ليس له إلا ما أعطاه الله وتفضل به عليه

الثانية:
أن الإمام علي شخصية لا تقبل التوظيف لا لسنة ولا شيعة ولا حتى مسلمين يتم توظيفه للمعاني والحقائق العميقة والحقوق الإنسانية.

الثالثة :
أن أهل السنة بمعناهم الواسع لهم جهد مشكور في تثبيت فضائل هذا الإمام، فأثبوا فضائله الكبرى بتواتر وهذه حجة الله على الغلاة.

الرابعة:
الإمام علي يعصم من الإلحاد غالباً فمن عرفه بعلم لم تهتز عنده النبوة، ومن لا يعرفه قد يشك في النبوة أو يلحد فهو معنى لا مجرد شخص.

من حسنات أهل السنة أنك لا تتيقن فضائل الإمام علي إلا من طريقهم ومن حسنات الشيعة أنهم أبقوا رايته مرفوعة رغم كل المصائب والمحن والاضطهاد , لابد أن يحصل الخلاف في الإمام علي بين إفراط وتفريط , فالشيعة في الغالب – غالب جمهورهم – ينصرونه في الجانب السياسي ويتنسون بقية الجوانب فالجوانب الأخرى ( الإيمانية والحقوقية والمعرفية والاجتماعية) في الإمام علي، لا تحظى بهذا الاهتمام وتسليط الأضواء والتأسي والدراسات والبحوث , والجانب السياسي ليس الأسف عليه هو ذهاب سلطة كلا …

كان أسف الإمام علي عليه أسفاً على الهدى والمعرفة والإيمان وغيرها من المعاني التي ستتناقص , مثلما يأسف الأكفأ بإدارة مدرسة على حرمانه من إدارتها ليس حباً منه للعلو في الأرض ، فهو مؤمن ويعرف ضرر حب العلو ولكن الأسف على ما سيفوت .. من هذا الباب كان أسفه على فوات الخلافة ليست مسألة عنصرية وسلطة وهذا ما لا يكاد يحسن عرضه سنة ولا شيعة تحليلهم شبه جاهلي إلا في النادر وذلك لأن الإمام علي – كما قلت- هو قصة كبيرة فوق السنة والشيعة نعم يفهمون منه جوانب مع قلة تعمق ويجهلون منه جوانب أخرى أجل وأرفع .

سيطرة ( الجانب السياسي) على السنة والشيعة في موضوع الإمام علي وأسهم هذا في ضياع الإمام علي كمعنى وخسر الفريقان كنزاً معرفياً وإيمانياً , ربما يصعب فهم هذا الأمر إلا بربطه بسنن الله في الخلق ربما كان النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله يتمنى لو لم يكن الإمام علي هاشمياً لكن حكمة الله وابتلاؤه يأبى إلا أن يجعله هاشمياً اختباراً للعصبية القرشية ثم العربية ويمنحه هذه الخصائص من التربية والعلم والهدى , ثم يختبر الله به قريشاً – التي ستقود السياسة والمعرفة الإسلامية إلى يوم يبعثون- لله حكمة في كونه هاشمياً بعد نبي هاشمي
ليكتمل الابتلاء .

نحن لا نفهم سنن الله سنن الله كان سيعرفنا عليها الإمام علي لو أن قريشاً خاصة والعرب عامة رضيت بما اختاره الله لها هنا الابتلاء . الدين يؤخذ بالتسليم الخالص وبعدها أبشر بالله أما أن تأخذ دين الله بشروط فذق أثر شروطك.. حتى تصحو!

معرفة سنن الله هي الأصل وقد حصل عليها تشويش من الشيطان حتى نبقى في صراع عن الأولى بالخلافة والأفضل …الخ وكأن المسألة سلطة فانية هذا وهم .. ما سبب هذا الشقاء والجهل والقتل والكراهية عند المسلمين وفيما بينهم؟ من عرف الإمام علي بحق ومراد الله منه وما جرى بعد عرف هذه الأسرار ….

على كل حال لن أتشعب لأني أخشى على الجميع وقد تفسد القلوب كما فسدت من قبل لأن ابتلاء الله شديد لا ينهض به إلا من امتحن الله قلبه للإيمان …

أعود وأقول :
لأهل السنة والحديث فضل كبير في تثبيت فضائل الإمام علي وهذا من فضل الله وتوفيقه لهم وإلا فقد نشؤوا في دول منحرفة عن الإمام فالفضل لله أن وفقهم لهذا بل حتى النواصب يعترفون أحاط الله بهم وزرع فضائله الكبرى في تراثهم كما زرع موسى في بيت فرعون!

والفرق بين أهل السنة والنواصب يحتاج لطول إلا أنني لا أقصد بالنواصب إلا هؤلاء المعاندين لفضائله والمبالغين في حب من حاربه ولعنه وقتل ذريته ولا عتب على أهل السنة إلا ببرودة عصابهم في نفي النواصب والرد عليهم فقط مما يتيح للنواصب التحدث باسم ( أهل السنة) أحياناً … مثلما العتب على معتدلي الشيعة أنهم يتعاملون مع غلاتهم ببردة أعصاب ويتركونهم يتحدثون باسم الشيعة مع كل المشاهد التي نراها من دماء ونحوه … لكن تعالوا نلملم الموضوع ونذكر بعض جهود أهل السنة ( وهم غير النواصب ، تلك القلة المزعجة المشوهة لأهل السنة) جهودهم في تثبيت فضائل الإمام ..

فأهل السنة مظلومون ليس من الشيعة فقط بل من النواصب الذين يحشرونهم خلف أعداء الإمام علي ولذلك فوجود أحرار أهل السنة ضروري للتصحيح أحرار أهل السنة – وإن شك فيهم من شك، وربما حتى لو تجاوزوا في أمور- إلا أن تصحيحهم لهذا الانجراف خلف النواصب وتنبيههم عليه ونقدهم له نعمة هم نعمة للجميع فهم ينبهون قومهم على أهمية المعرفة والإنصاف وتجنب أثر الخصومة ويطلبون من الشيعة عملاً مماثلاً في النقد الذاتي.

من جهود أهل السنة والحديث المشكورة أنهم رووا فضائل الإمام علي وصححوها الغدير والمنزلة وخيبر والمؤاخاة ولم يفرطوا في فضيلة مهمة إلا دونوها وقطعوا الطريق على النواصب فلم يبق للنواصب إلا التكلف في التأويل والمعارضة والمعاندة والتنقص الخ … فالنواصب تورطوا بتراث أهل السنة لا الشيعة لكن تأتي ظروف يتصور فيها العامة أن النواصب هم أهل السنة فيتيح الله من أهل سنة ( النص) من يقول لهم : لا … تعالوا واقرؤوا؟ فشكراً لأهل النص.

سنة النص غير السنة المذهبية وهذا ما يجب أن يفهمه الأخوة الشباب خاصة إذا أردتم أن تكونوا أهل سنة بحثق فعليكم بالنصوص لا القنوات والخطب ثم آمنوا بالنصوص كما هي .. فهي واضحة جداً وقدموا الأصح على ما دونه والصريح الواضح على ما دون ذلك وسترون السنة أين هي ببساطة شديدة …. ومع أني لا أحب أن أنتقد الأخوة الشيعة لأن منهجي قائم على أهمية النقد الذاتي إلا أنني أقول لهم بحب صححوا الداخل … قللوا من التشبع السياسي …. الإمام علي ليس ( سياسة فضائل) هو معرفة وإيمان وسيرة وتصحيح وثقافة قرآنية مبثوثة اقرءوا الخطبة القاصعة عن إبليس والكبر والعصبية تعلموها ….

للأخوة الشيعة أيضاً:
الإمام علي لا يصلح توظيفه في ردود الأفعال هو الثبات ثبات المعرفة والإيمان والمعلومة.. هو لكل عارف ومحب من اي مذهب.

الشيخ حسن المالكي يكتب: أنا وعدنان إبراهيم

حسن بن فرحان المالكي باحث في الشؤون الشرعية والتاريخ ومهتم بقضايا حقوق الإنسان

الشيخ حسن بن فرحان المالكي
باحث في الشؤون الشرعية والتاريخ ومهتم بقضايا حقوق الإنسان

أنا وعدنان إبراهيم
هل نقود الناس للتشيع كما يقول ياسر الحبيب؟!

انتشر مقطع للشيخ ياسر الحبيب – وهو من غلاة الرافضة حسب اعترافه- يقول فيها أنني أنا وعدنان إبراهيم ندفع الشباب السني إلى نصف الطريق إلى التشيع، بل أنا شخصياً أوصلهم الناس إلى ثلاثة أرباع الطريق… ودعا إلى ترك الناس يصفقون لنا، لأنه في الأخير جمهورنا سيتشيع..
وانتشر هذا المقطع عند غلاة السلفية الذين يكذّبون ياسر الحبيب في كل شيء إلا هذا المقطع!

وعلى كل حال:
أقول عن نفسي – فيما أعلمه عنها- لابد من بيان أمور:
أولاً: عن نفسي شخصياً فأنا أبحث عن المعلومات الصحيحة بعيداً عن مراقبة المذاهب، وإنما أحاول بقدر المستطاع أن أراقب ضميري أثناء البحث، للوصول إلى المعلومة الصحيحة شهادة لله لا لسنة ولا شيعة، ثم بعد ذلك هذه المعلومات قد يستفيد منها السنة في إثبات إنصافهم
وقد يستفيد منها الشيعة في إثبات بعض الحقوق التي ينازع فيها بعض السنة لا كلهم، فالمعلومة قد تبقي السني في سنيته المعتدلة المحبة لأهل بيت النبوة المتبرئة من الظلم ألأموي ونحوه – وما أكثر السنة في هذا المستوى من السنة- وقد وقد تدفع بعض السنة المستعجلين إلى التشيع على طريقة الشيخ ياسر الحبيب أو أقل من ذلك،
وقد نستطيع اختراق الوسط الشيعي – وهذا يحصل وعندي اعترافات- فتدفع بعض الشيعة إلى التسنن المعتدل – على طريقتنا- إذا علموا أن بعض السنة مثلنا في هذا الإنصاف، فالاحتمالات مفتوحة على كل اتجاه.

مثلما غلاة السلفية قد يدفعون السني للتشيع عندما يلحظون منهم تنقص أهل البيت والدفاع عن ظالميهم – حتى أعتى ظلمة بني أمية يدافع عنهم بعض شيوخ السلفية الكبار والشواهد يعرفها الجميع-
وهؤلاء أيضاً قد يدفعون المتشيع المعتدل للغلو وبغض السنة وهكذا..
فالاحتمالات مفتوحة هنا أيضاً..

ولعل قنوات الفتنة كوصال وصفا وشيوخهما هم أبرز من شد العصب الشيعي، وظنوا أن أهل السنة كلهم بهذا النصب والجفاف تجاه أل بيت النبي صلوات الله عليه وآله،
فهم يدعون من فوق المنابر إلى إبادة الشيعة، ومهاجمة المستشفيات وقتل النساء والأطفال والتفجير والمقاطع كثيرة في هذا الموضوع.
وتأثر بهم بعض الشباب السني وانضموا إلى داعش ونفذوا الوصايا والفتاوى..

كما قد ينجح غلاة السلفية في دفع بعض الشيعة للعجلة والتمسلف المغالي كما فعلوا مع حسين المؤيد الذي لا يفهمه سني ولا شيعي ..مقابلات ومفطحات وكلمات فخمة وعلم أجوف..

إذاً فالاحتمالات مفتوحة أيضاً.

ثانياً:
لست مسؤولاً – كشخص – عن سوء فهم سني ولا شيعي، حتى لو تسنن الشيعي أو تشيع السني،
كل هذا ليس مسؤوليتي،
يهمني أن أقدم المعلومة التي أراها صحيحة، ومن مصادر سنية بحتة- فالمصادر الشيعية قليلة ولا أعرف منهجها في الجرح والتعديل إلا بقدر ضئيل جداً- فالبحوث التي أقدمها سنية والسنة واسعة جداً، فيها المحب لأهل بيت النبوة المنصف لهم، وفيها المبغض المنحرف عنهم. فيها السني العلوي والسني الأموي والسني الوسط..

والمهم أنه يجب التأكيد أن السنة ليست محصورة في من يحب بني أمية وينحرف عن بيت النبوة كما يريد البعض، السنة خليط واسع جداً ،
من عباد بن يعقوب الواجني شيخ البخاري إلى معاصره الجوزجاني،
ومن النسائي السني المحب للإمام علي إلى ابن تيمية المنحرف عنه..

وكذلك الشيعة هم طيف واسع جداً من مكفر الخلفاء كياسر الحبيب إلى المترضي عنهم كبعض علماء الشيعة كفضل الله وغيره
بل يمتد التشيع إلى بعض النواصب كحسين المؤيد وبعض آل الخالصي،
فهؤلاء شيعة من حيث المذهب العملي وإن كانوا نواصب من حيث العقيدة.

ثالثاً:
أؤيد حرية التمذهب بعلم وبحث وإنصاف ،
ولا أرى المذهبية، – لكنني بالضرورة سني المولد والنشأة والتعليم والمصادر- ،
وأرفض منهج اللعن والتكفير والاتهام بالنفاق – إلا في حدود ضيقة جداً وبعد عرض البراهين –
فكل السنة والشيعة مسلمون ،
وأرفض بشدة استحلال الدماء وحروب الفتن بين السنة والشيعة،
وأدين كل من قتل مسالماً أو أفتى باستباحة دم المسالم المخالف أو إهدار حق من حقوقه
سواء كان مسلماً أو غير مسلم،
ولا أرى قتال أحد إلا المعتدي وفق قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الين يقاتلونكم) ويتفرع من المعتدي المحارب والباغي بشروطهم الشرعية.

رابعاً:
الإنصاف ليس حجة على المنصف ، حتى لو تأثر به بعض المستمعين سلباً،
فمثلاً لو أن مسلماً ألف كتاباً في خصائص عيسى ومريم عليهما السلام وتنصر بسببه بعض المسلمين فليس هذا حجة لترك الثناء على عيسى وأمه عليهما السلام،
فلو أتى أحد النصارى وقال:
فلان يدفع شباب المسلمين للمسيحية وأوصلهم إلى نصف الطريق، فلن يكون كلامه حجة في وجوب ترك الثناء على عيسى عليه السلام وحبه والتعبد بذكر خصائصه والإنكار على من ظلمه… ومن أنكر هذا من المسلمين تأثراً بقول ذلك المسيحي، يكون أحمق لا معيار له إلا الخصومة والتحريض.

أنت راقب المعلومة وانصر الحقيقة فقط
ولا يهمك رأي المسلمين إذا غضبوا ولا المسيحيين إذا فرحوا…
والمساحة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين تسمح بل توجب محبة عيسى وأمه عليهما السلام والبراءة ممن ظلهم أو كذّبهم أو حاول قتلهم..الخ

وإحياء المساحات المشتركة بين المسلمين وغيرهم واجب معرفي وأخلاقي،
ومن باب أولى إحياء المساحات المشتركة بين المسلمين.

خامساً:
ممكن جداً أن تسهم أبحاثنا أنا أو عدنان إبراهيم أو غيرنا في تحول بعض السنة إلى شيعة، ممكن جداً، ولكن بسبب غلاة السلفية بالدرجة الأولى وذلك من وجهين وهما:
الوجه ألأول:
أنهم يكتمون على أتباعهم فضائل أهل البيت وخصائصهم، وينفخون في خصومهم إلى الغاية، فعندما يقوم بعض الباحثين سنة أو شيعة، بكشف مخبوء الحق، فهنا تحصل الصدمة، ويتفاجأ الشباب بهذه الخيانة العلمية الصادرة ممن كانوا يثقون فيهم من الغلاة االنواصب المندرسين في أهل السنة والذين قد يوهمون الشباب أنهم يمثلوةن السنة، وهم لا يمثلون إلا النصب المتدثر برداء السنة الواسع.
وهنا من الطبيعي أن يشك فيهم الشباب، ثم يذهبون إلى المزيد من الاكتشافات التي يرونها مذهلة وخطيرة.. ولذيذة..
ثم تتوفر عندهم نفسيات قلقة تشك في كل سني وتثق في أي شيعي..
فسبب تشيع من تشيع يتحملها في نهاية الأمر الغلاة النواصب المندسون ال السنة وليس منصفو السنة، لأنهم لو لم يكتموا ما تفاجأ شبابهم ولا شكوا في أمانتهم.

الوجه الثاني:
دفاع غلاة السلفية المبالغ فيه عن الذين ظلموا أهل بيت رسول الله، وإحياء تراث غلاتهم دعم الفصل بين سنة النسة ونواصب السنة، مع نشر مقولات النواصب البشعة في حق أهل البيت نكاية في الشيعة، ومدح ظالميهم نكاية في الشيعة أيضاً، يسبب نتيجة عكسية عند بعض الشباب السني، إضافة إلى أن الفطرة السليمة مازالت موجودة عند شباب السنة، فهم يحبون محمداً وأله، ويبغضون الظالمين ولا يقبلون بالنصب إذا زاد عن حده الطوباوي، فالفطرة السليمة لا تقبل بالنصب حتى لو ادعى أنه سنة! فلا تقبل بالدفاع عن الظالم والتسترعلى جرائمه،
فعندما يكتشف الشباب السني صحة ما نسب إلى الظالمين من مظالم، كلعن أهل البيت على المنابر أو قتل أهل بدر أو استباحة المدينة أو هدم الكعبة أو ما هو أبلغ من ذلك من تنقص رسول الله وتفضيل ملوك بني أمية عليه،… أو محاولة بعض الطلقاء وغيرهم اغتيال رسول الله ..الخ إذا اكتشفوا هذا فمن الطبيعي أن يتفاجؤوا جداً ويقولون:
لماذا علماؤنا ما يكشفون لنا هذه الأمور العظام؟
لماذا ما يبينون لنا ..
لماذا يدافعون عن فلان وفلان الخ
أسئلة لا تجد لها جواباً داخل التيار، وإنما تواجه بالقمع والإرهاب
وبهذا يبدؤون في الشك المضاد ويظنون أن السنة كلهم نواصب كشيوخ الفتنة المعروفين، وهذا مما يدفع شباب السنة للتشيع أحياناً
والحل هنا أن على الحريصين على أهل السنة المسارعة في البراءة من تلك المظالم والظالمين
وإيقاف النواصب عند حدهم،
أو على الأقل السماح بمناظرتهم من سنة معتدلين يكشفون لهم أن ما هم عليه هو نصب وليس سنة، ويبينون أن السنة لا يكرهون الحق والصدق ولا يحبون الظلم والكذب،
مشكلة الشاب السني هنا،
أنه عندما يكتشف الكذب والخداع تكون ردة فعله عنيفة جداً، قد يتحول إلى غلو مضاد.

إذاً ، فالحل ليس في منع منصفي السنة من الإنصاف والعرفة والصدق
إنما الحل في دعوة الظالمين إلى العودة للعدل
والكاذبين إلى الصدق
وفصل النواصب عن أهل السنة حتى لا يشوشوا على منهج السنة = سنة النص لا سنة النصب والتطرف والأحقاد والدعشنة..

فنواصب السنة محرضون على أمرين فقط:
إما التفلت سواء بالتشيع أو العلمانية أو غير ذلك كردة فعل
أوالبقاء في الدعشنة مع نصب،
لا خيارآخر ..

أما المستمعون لي أو لعدنان إبراهيم من يشبهنا
فلن تجدوا منهم مفجراً
ولا قاتلاً لأبويه ولا ابن عمه،
ولا مدني ولا عسكري،،
ولا منكراً لحقوق المواطنة في أي بلد،
ولا عائقاً للتنمية،
ولا ماكراً مخادعاً،
ولا منخرطاً في تنظيم سري ولا علني..

واضحون كالشمس
إلا أننا قد نكتم ما لا يحتمله العامة فقط من حقائق سنية أصبحت من الغرائب بسبب توسع خطابات الغلاة الفارغة التي شكلت لهم جمهوراً نافراً من كل حق جديد، جمهوراً فاقداً للحس النقدي والبحثي.

والخلاصة:
لا يهمني تقييم الشيعة ولا السنة، يهمنا الشهادة لله ما أمكن..
فياسر الحبيب وقناته تصفني بالبكري ( يعني الناصبي) وكذلك تصف عدنان إبراهيم
وكذلك أحد شيوخهم ( الشيخ الشيعي عبد الحليم الغزي يقول عني أنا وعدنان) أننا أخطر من النواصب..
كما أن في الشيعة من يحسن القول فينا أيضاً
وكذلك حال السنة معتدلهم يثني علينا ومتطرفهم يذمنا..
ورضا الناس غاية لا تدرك
ومراقبتها شرك خفي..
ومازال الناس مختلفين إلا ما رحم ربك..

والمهم أن نراقب الله لا البشر، ولا نتتبع أقوالهم فينا، فهي لا تنتهي من جميع الأطراف
المهم أن نوظف المشتركات،
وننصر الحقوق
وننشر السلام
ونشجع التعايش
والحوار والبحث،
ونحترم القناعات الفكرية
وننكر التعديات السلوكية ..الخ.

بقي أن أقول:
أني أنا وأخي د عدنان إبراهيم لسنا متفقين في كل شيء
إنما بيننا المشتركات الكبرى السابقة مع محبة وتقدير ..الخ
لكن قد نختلف في التفاصيل في أشياء كثيرة
وهو أكثر اعتدالاً مني مع سلاسة ولطف وتأله وتعبد وعرفان،
وهو أوسع علماً فيما يخص الثقافات العلمية والإنسانية
لكني أعمق منه فيما يخص جوانب التاريخ المتقدم والثقافة الحديثية والعوامل المؤثرة فيها، والحركة الوهابية ومناهج التعليم المحلية ونحو ذلك..
وأعلم ما لا يعلم من الأسرار الأولى التي حرفت الإسلام عن غاياته العليا ( غايات القرآن الكريم ) ولذلك أنبه على خطورة المشروع الشيطاني والثقافة النفاقية أكثر مما ينبه، فهي المفتاح الإيماني والعلمي والتاريخي لاكتشاف تحول الإسلام من الإسلام الإلهي للإسلام البشري.

ومع أننا مظلومان من غلاة الفريقين سنة وشيعة
إلا أنه من الظلم أن يتهم أخي عدنان بما أتهم به أنا،
هو تراجع كثيراً عن حدته وتصرحاته السابقة..
وما زلت أنا أزداد يقيناً .. و ربما تطرفاً فيه.
– ولكن التطرف هنا إيجابي ثقافي فقط وبدلائل مقنعة جداً إن شاء الله-ولم أظهر كل ما اكتشفته لإيماني بأن المشتركات أهم في التأكيد عليها وبثها
– ولي في حذيفة بن اليمان أسوة في بعض الكتمان، فقد كان يقول :
( لو أخبركم بكل ما أعلم لكذبني ثلاثة أثلاثكم)!

الخلاصة:
انا وأخي عدنان إبراهيم – رغم اختلافنا في التفاصيل- دعاة معرفة لا دعاة مذاهب
دعاة مشتركات وغايات وخطوط عامة عريضة
دعاة عقل وبحث وتعايش وحريات وسلم اجتماعي ووطني وإقليمي وأممي وإنساني
وهو مظلوم أكثر مني ..

أما الشيعة الغلاة كالشيخ ياسر الحبيب والشيخ الغزي فليقولوا ما يشاءون،
سواء اتهمونا بالدعوة للتشيع أو أننا بكريون أو أخطر من النواصب..
نعم تقييمنا الخاص وقراءتنا الخاصة للتاريخ ورموزه قد لا تتفق مع سنة ولا شيعة،
ولكن لعل اعتدالنا اخترق الوسط الشيعي مما جعل غلاة الشيعة يحذرون منا ويحرضون علينا،
مرة بأننا ندعو للتشيع،
ومرة أخرى بأننا بكريون أخطر على جمهورهم من النواصب.
وليكن ..

لا يهم
المهم ماذا نقول نحن، لا ما يقال عنا من غلاة شيعة أو غلاة سنة
اقرءوا وخذوا منا الحق إن وجدتموه ، واتركوا ما ترونه من خطأ أو باطل.

حتى الشيعة والسلفية خذوا ما تجدون عندهم من حق واتركوا ما ترون أنه باطل.
منهجنا اقرأ بصدق وابحث بصدق وحكم ضميرك وعقلك واستعن بالله.

المقال

صحوة – نعم للطوائف لا للطائفية – الحلقة 3

أدار المفكر الدكتور عدنان ابراهيم حلقة اليوم من برنامجه صحوة على قناة روتانا خليجية حول مفهوم “الطائفية”، و انطلق في حديثه محاولا تاصيل مسألة التعدد في القراءات الدينية و انها مسلمة قرآنية و حديثة و تاريخية،فالتعدد الطائفي حاصل حاصل و الاسلام ليس ببدع من الديانات.

بعد هذا الاقرار بالتعدد،عرج الدكتور على مسألة الطائفية و اعتبرها وليدة التعصب، و الاعتقاد ان الإسلام مركز فقط في طائفة معينة دون أخرى،مبرزا ان العلماء المحققين من دائرة أهل السنة كانوا لا يتسرعون في تكفير الطوائف اﻷخرى، و ضرب مثلا بالشيعة و التي أسهب في الحديث عنهم و عن الحماقة الخمينية التي سببت احتقان عند دعوته التوسعية،معتبرا ان ايران تسير بالمنطقة الى الهاوية يوافقها متعصبة السنة،و ان هذه الحرب اتب الطائفية الخاسر الوحيد فيها اﻷوطان و الشعوب لصالح أجندات خارجية،معتبرا ان محاولة ايران رعاية شيعة الخارج هي حماقة فالمفروض في شيعة الأوطان أخرى،المفروض ان ولاءاتهم لأوطانهم ليس لايران،و علق حفظه الله على فيديو لياسر الحبيب معتبرا اياه من متشددي الشيعة الذين يمثلون الحقبة الصفوية،داعيا الشيعة للاخذ على يديه مبينا حقأرة دعاوييه، مستشهدا ببعض المرجعيات التي تمثل صوت العقل في الجانب الشيعي كعلي شريعتي و محمد حسين فضل الله و مطهري و غيرهم مما يتبرؤون من سب الصحابة و تحريف القران و غيرها من العقائد الشيعية الباطلة.
و قد فضيلته خطة ممهدة للتعايش تقوم على :
-التخلي عن الوهم بتحويل السنة الى شيعة و العكس.
-الاعتراف بإسلامية الاخر و تجاوز دعاوى التكفير .
-الوعي بأن اﻷوطان اوسع من دائرة اﻷديان .
داعيا في آخر الحلقة الى العمل لصالح الاوطان قبل خراب اﻷوطان و ذهاب الأديان.