عائشة في النار؟!

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه سبحانه ومُخالَفة أمره لقوله سبحانه من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۩ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۩ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

أودُ في البداية بين يدي خُطبتي أن أُهنّيء نفسي وأُهنّئكم والأمة الإسلامية جمعاء بهذا الفوز المُشرِّف والمُدوّي الذي يسَّره الله – تبارك وتعالى – لشعبنا المسلم العربي الأبي الثائر في تونس، فوزٌ أكَّد المقولة المُقرَّرة بنفسها أن هذه الأمة لا تختارُ إلا الإسلام كما قلنا في الخُطبة السابقة ويتحاورون عن المُستقبَل، لماذا تتحاورون؟ المُستقبَل لأي تيار؟ واضح أنه للتيار الإسلامي، وسبحان مُقلِّب الأيام والليالي والدول، سبحان مَن نقل إخوتنا المسلمين في تونس من المهاجر والسجون والزنازين إلى سُدة الحكم مرةً واحدة بفضل الله – تبارك وتعالى – فهو مالك المُلك، يؤتي المُلك مَن يشاء.

هناك مسألةٌ أخرى عن الحدث الجميل الذي تمَّم الله – سبحانه وتعالى – به ثورتنا في تونس، نسأل الله أن يُتِم لنا ثورتنا في مصر وليبيا وأن يُنجِح سائر ثوراتنا في سوريا واليمن، فالآن بدأت تتم هذه الثورة والآن بدأنا نقطف ثمار هذه الثورة المُبارَكة – ثورة الشعب التونسي العظيم – ولكن وفق أي آلية؟ وفق آلية الديمقراطية، هذه هى حسنات الديمقراطية، الآن بلا دماء وبلا اقتتال وبلا احتراب الصناديق هى التي تحكم، هذا وفيه وفاء لإردات الناس، فالناس تُريد هذا، الشعب التونسي هو الذي قرَّر هذا، هذه ترّجَمة أمينة لإرادة الشعب، لا أحسب مَن يحترم نفسه أو يحترم عقول الآخرين يُمكِن أن يُشكِّك في جدوى وفاعلية ونجاعة الديمقراطية من هذه الحيثية، علماً بأنني أتحدَّث عن الديمقراطية كأيدولوجية – وهى ليست أيدولوجية أصلاً – ولا أتحدَّث عن الخلفيات الفلسفية لها – هذا موضوع آخر – وإنما أتحدَّث عنها كآلية سلمية لتداول السُلطة والاحتكام إلى إرادات الشعب، وهذا شيئٌ جميلٌ جداً ورائع، في أيام تنتهي المُشكِلة، لكن بغير هذه الآلية كان وما زال علينا كأمة أن ننتظر ألف وأربعمائة سنة لكي ندفع فاتورة مُعاوية – أنا حاكم الآن وبالقوة ويأتي ابني ويحكم بالقوة وبالسيف – وظللنا هكذا كما قال الإمام أبو الأعلى المودودي – رحمة الله تعالى عليه – بعد مُعاوية إلى انتهاء الخلافة علي يد المُعثَّر البائس كمال أتاتورك، ظللنا هكذا تتناوب الحُكم فينا وعلينا أُسر، أربع أو خمس أو ست أُسر من بني أُمية وبني العباس وبني عثمان والآن بني هيان وبيان، لكن بالديمقراطية الأمر حُسِم في أيام، ومن هنا يُمكِن أن يضح لنا وأن يستبين بل يُمكِن أن نكشف النقاب عن وجه هذه المُؤامَرة المسعورة على الديمقراطية في جُملة من الخطاب الإسلامي المُعاصِر، الخطاب الذي تدرونه وتعرفونه، الخطاب المُتشنِّج الذي لا يُحسِن إلا التكفير والتشريك والتبديع والإقصاء والشطب والإلغاء حتى وقر في أذهان أتباعهم من المساكين المسحورين بهذا الخطاب على أنه لا سحر فيه ولا جاذبية أنك كلما كنت أكثر تشدّداً وأكثر تعنتاً وأكثر تكفيراً وأكثر نبذاً وإلغاءاً وشطباً للآخرين وأكثر تصنيفاً – هذا سُني وهذا مُبتدِع وهذا زيدي وهذا إمامي وهذا مُعتزِلي وهذا عقلاني وهذا زنديق وهذا هرطيق وإلى آخره – كنت أكثر ديناً، فوقر في أذهان أتباعهم أن الدين هو هذا، أي أن تتشدَّد أكثر وأن تكون لعنة على الناس، فأنت مُتدين إذن، ولكن طبعاً هذا يحتاج إلى بهارات وزخارف، كأن تُطيل لحيتك وأن تحمل السواك دائماً لتشوص به فاك الذي لا يُحسِن إلا التكفير وأن تُقصِّر جلبابك، فأنت الآن – ما شاء الله – صورة من محمد كما يفهمونه – عليه الصلاة وأفضل السلام – والعياذ بالله، العياذ بالله من هذا الفهم ومن هذه الصورة، فهذا شيئ مُخيف، لكنهم يُكفِّرون الديمقراطية – تكفير – ومن ثم مَن قال بالديمقراطية أو احتكم إليها أو كذا فهو كافر،عن أي ديمقراطية تتحدَّثون؟ هل تتحدَّثون عن الديمقراطية التي أنصفت الإسلاميين الآن وأنصفت الشعوب وأنصفت المُضطهَدين والمظلومين ووصلت بهم إلى سُدة الحكم في أيام؟ هذا شيئ غريب، لكن معروف لماذا، لأن هؤلاء يُريدون أن يستبقوا أصحاب السُلطان في سُلطانهم إلى يوم يرث الله الأرض ومَن عليها، ولذلك في الوقت الذي يُكفِّرون فيه الديمقراطية ومَن قال بها لا يُكفِّرون الحاكم الذي أحياناً يظهر كفره بواحاً، أي يسكتون عنه، فماذا لو كفر وصرَّح بكفره؟ ألَّفوا كتباً – وتحدَّثت عنه الآن أكثر من ثلاث مرات – أنه لا يجوز الخروج على الحاكم وإن كفر، فدفعوا في صدر حديث رسول الله منه والأعجاز، النبي يقول يأمر بالسمع والطاعة ما لم تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، لكن هم قالوا وإن كفر، اسكت يا رسول الله، اسكت يا محمد الآن، نحن نتكلَّم لأن الحاكم يُريد هذا الحديث، انتبهوا إلى أن كلما غلّغلتم النظر وعمَّقتم الفكر في الخلفية الحقيقية لهذه المسالك المُريبة وجدتم أنها مسالك تدفعها السياسة فقط وترسمها السياسة وأنا واثق من هذا، فالآن أنا واثق من هذا وإلا غير معقول في بلاد العرب والمسلمين أن الناس يُلحِدون، الآن التيار الإلحادي – كما أقول دائماً وعليكم أن تستوثقوا من هذا – للأسف الشديد يستشري في الأمة العربية الآن والإسلامية، والشباب الذكي هو الذي يُلحِد للأسف الشديد، شباب مُثقَّفون جامعيون أذكياء!

بعد خُطبة “التعصب كبنية” يتصلون بي من مصر في نصف ساعة أكثر من عشرين مرة ويقولون استغاثة، تقول لي السيدة هناك رجل مُثقَّف مُفكِّر لديه ذكاء خطير لكنه مُلحِد من سبع سنوات وقال لم أجد أحد أصلاً يُمكِن أن أتكلَّم معه في هذا الموضوع، لا يفقهون شيئاً إلى أن قدَّر الله له أن يستمع إلى خُطبة “التعصب كبنية”، فقال هذا الإنسان الوحيد الذي يُمكِن أن يُخرِجني مما أنا فيه إن كان عنده الحل، فهو من مصر ويقول هو الوحيد لأن لا يُوجَد مثله لا في مصر ولا في غيرها، إذن المسألة مُقلِقة لأن الأذكياء هم الذي يُلحِدون ولا يجدون جواباً، ونحن نسكت عنهم وكأنهم يقولون هؤلاء ليسوا معركة حقيقية فلا تُكبِّروا من شأنهم، غداً نصل إلى الحُكم ونذبحهم ذبح المُرتَدين، فنحن نعرفهم ما في جُعبتهم ونعرف ماذا يدخرون للناس، كأنهم يقولون غداً نصل إلى الحُكم ونعمل فيهم حكم الله ونذبحهم وينتهى كل شيئ، لأنهم الآن يتوعَّدون بذبح ليس الملاحدة بل بذبح المُخالِفين لهم في الطائفة والمذهب، وقد استمعت إلى أحد هؤلاء ويُمكِن أن تستمعوا إليه في اليوتيوب YouTube وهو يتحدَّث حديثاً غريباً، ذاك الذي لا يُمكِن أن تروه إلا وهو يُقسِم بالله مُثلَّثاً، فيقول أُقسِم بالله ثلاث مرات، وهو دائماً يُقسِم ويُقّلقِل القسم، وهذا شيئ مُقرِف، فأنا أقول هكذا هذا شيئ مُقرِف وهذا يُزعِجهم جداً، الواحد منهم يُقسِم بالله، ويتحسَّر هذا المُقسِم بالله على أن الأمر ليس بيده ويقول بالحرف بطريقته طبعاً المُستفِزة – هذه طريقة مُستفِزة ولا أقول أكثر من هذا – لو كان الأمر إلىّ لطهَّرت مصر – والله – من هؤلاء، فانتبهوا إلى أنه يقول لطهَّرت، إنهم يتحدَّثون بمُصطلَح تطهير، في حين أن ما عاد اليوم أي أحد يتحدَّث عن تطهير ولا الصهاينة، لكنه يتحدَّث عن التطهير فيُذكِّرنا بالقذَّافي وبزنقة زنقة، مُباشَرةً يُذكِّرنا بالقذَّافي الطاغية، طاغوت العصر الذي الآن بدأت دموع الأغبياء تنذرف عليه، فهم يسبون الشعب الليبي العظيم الثائر ويقولون لماذا قتلوه هذه القتلة؟ وأنا تحدَّث في الخُطبة السابقة عن أشياء ثم شاهدت أشياء لم أُشاهِدها حين خطبت الخُطبة السابقة لكنني أقول والله الذي لا إله إلا هو – ولست مُبالِغاً وأقول هذا وأنا على منبر رسول الله – إنك أيها الشعب الليبي لشعبٌ عظيم وكريم ورحيم، وأنا أُريد فقط أن أسأل كل مَن يذرف الدموع الكاذبة والدموع الحمقاء – هذه الدموع الحمقاء – على الطاغية القذَّافي سؤالاً، وليعذرني الإخوة في هذا لأن من الصعب علىّ أن أقول هذا، سنفترض شخصاً خيالياً وسأسأل هذا الشخص سؤالاً وأقول له – هذا صعب علىّ، ماذا أقول؟ – لو أن الأم أو الأخت أو الجدة هى التي أُغتصِبَت أمام عينيك وأمام أبيك وأمام إخوانك وصُوِّرَت بالسليفون Cellphone أو بالموبايل Mobile كما فعلوا في مئات إن لم يكن في ألوف من بناتنا وأخواتنا هل كنت ستذرف الدموع أيها الرحيم؟ هؤلاء لا يرحمون شعباً كاملاً يا أخي يُقتَل في ثمانية أشهر ويُداس بالحذاء من أربعين سنة ويلعنونه الآن ويلعنون ثوَّاره من أجل ذلك القذَّافي، أما يخشون أن يحشرهم الله مع القذَّافي؟ أما يخشى أحد هؤلاء أن يُقيِّض الله له في يوم من الأيام مَن ينتهك عِرضه ويستذل كرامته كما فُعِلَ بالإخوة الليبيين؟ يا أخي اتقوا الله، أنا أعجب وأحياناً أشعر أنه يُخامِرني يأس من هذه الحالة، ولكن الحمد لله ونسأل الله أن يكون هؤلاء قلة وهم قلة بإذن الله، يُخامِرني يأس وأقول هل هذا جيل يُمكِن أن يُعتمَد عليه؟ هل هذا عقل يُمكِن أن يبني حضارة وأن يبني أمة؟

نحن تكلَّمنا عن القذَّافي ولم نلعنه في الخُطبة السابقة بعد أن ذهب إلى لعنة الله، لم نلعنه ولم نُرِد أن نلعنه وتعالينا على ذلك، الشعب الليبي لم يُسطِّره ولم يُبتِّره ولم يُقطِّعه إرباً وهذا بعض حقه – هذا بعض حق الليبيين – طبعاً، أنا لا أدري كيف استطاع الثوَّار أن يضبطوا أعصابهم وألا يُقطِّعوه بعد كل الذي فعل؟ هذا شيئ لا يُصدَّق، والرجل شره وضره لم يقتصر ولم ينحصر في ليبيا الأبية العزيزة – ليبيا الثورة، ليبيا الأبطال الأشاوس الكماة الحماة – بل امتد إلى بلدان أُخرى، وكان شره سيكون عظيماً على السودان المُقسَّمة الآن، السودان الذي يأتمر به الشرق والغرب بما فيهم العُرب، هناك خُطة رهيبة له لتمزيق السودان وتدميره، والقذَّافي دفع فيها الملايير ودفع فيها بأطنان من الأسلحة، فماذا تعرفون عن القذَّافي؟ كيف تبكون عليه؟ كما قلت لكم هذه – والله العظيم – ليست رحمة وليست إنسانية في مَن يبكي، ليست هكذا – والله – أبداً، إنها بقايا عبادة الطواغيت، فمَن يبكي أقول له أنت – والله العظيم – تبكي على طاغوتك، كما يقول إخواننا في سوريا – نصرهم الله على طاغية سوريا وعلى عُصبته من المُجرِمين – القط لا يُحِب إلا خنَّاقه، أصبحنا أمماً من القطط والهررة فنُحِب مَن يخنقنا، وإذا مات هذا الخنَّاق بكينا عليه وتيتَّمنا – نشعر باليتم – فأفٍ وتُف لهذه المشاعر السافلة المُخنَّثة، هذه ليست مشاعر رحمة، مشاعر الرحمة تظهر الآن في أن ترحم نفسك وأمتك وإخوانك وأن تتسع جنابات نفسك لإخوانك ولأهل ملتك ولأهل دينك وألا تُوزِّع التكفير بالمجان على شيعةٍ وسُنةٍ وإباضيةٍ وزيديةٍ وصوفيةٍ وأشعريةٍ ووهابيةٍ، لا تُكفِّر بالمجان، هذه هى الرحمة، فأرني أين رحمتك الآن، هل فعلاً تُفكِّر في أمتك برحمة بجد؟ كُن مُقتصِداً وكُن مُنصِفاً وكُن مُقسِطاً وكُن عادلاً واخش الله تبارك وتعالى، لكن أن تكون غبياً الأبعد أو أن تكون ذكياً فهذا ليس يهم كثيراً في هذا المقام، المُهِم كُن صاحب نية سلمية وقصدٍ مُستقيم.

قد يقولون أنت الآن أفسحت لنا ونفَّست عنا، إذا أردت أن تُحاكمِ إلى النية فالكل يزعم أن نيته سليمة، وهذا غير صحيح يا حبيبي، لا يا أخي ليس كذلك، البواطن والنوايا عليها علائم وأمارات، حين أجد مَن يتكلَّم في شأن الدين وشأن الأمة وشأن مُستقبَل الأمة ويكذب على الآخرين ويفتري عليهم الكذب ويبهتهم ويُقوِّلهم ما لا يقولون وما لم يقولوا أعلم أن نيته ليست سليمة، فنحن سوف يُؤاخِذنا – أُقسِم بالله على هذا وقد قلتها مرة – إن لم نُنصِف أعداءنا وأعداءه، ألسنا قد تلونا اليوم وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ ۩؟

اعْدِلُواْ ۩ في الكفّار، أي في أبي لهب وفي أبي جهل وفي أبي سفيان وفي غيرهم، اعْدِلُواْ ۩ في ماركس Marx ونيتشه Nietzsche والقذَّافي، اعْدِلُواْ ۩ في الكفّار والطواغيت أين كانوا ومَن كانوا، اعْدِلُواْ ۩ وقولوا الحق، ولذلك أنا مرةً لم استطع وأنا في حُمية الانفعال بالثورة وبالحركة الكريمة الأبية العزيزة لشعب مصر العظيم وذكرت قصة الإمام الغزالي – الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه وقدَّس الله روحه الكريمة – مع حُسني مُبارَك وكيف انتهت القصة بأن مُبارَك خرج معه وشيَّعه إلى السيارة وفتح له الباب بيده وقال له أُحِبك يا شيخ محمد، والله أُحِبك، ادع لي.

تأثرت وشعرت أن هذه تدل على بقية خير في حُسني مُبارَك، لم نر مثل هذا الخير في القذَّافي، لم نسمع عنه ولم نره أبداً، حُسني مُبارَك فيه بقية خير ذكرتها على المنبر والخُطبة في لعنه ولعن نظامه وحزبه، فهذا إنصاف لأنني شعر بهذا وبالتالي لابد أن أقوله، وقلت لكم سأحكي ضميري، وهذه في موازين حسنات مُبارَك بغض النظر عن أي شيئ وأنا في قمة الانفعال، فلابد أن نكون مُنصِفين ولابد أن نحكي ضميرنا، فالآن قد أعتقد كفرك ولعنتك ولكن إذا استشعرت بشيئ لابد أن أقوله، لابد أن أقول أنني أشعر أن عنده وأن فيه، لكننا لم نتعلَّم على هذا، نحن لم نتعلَّم الإنصاف وإنما تعلَّمنا الشطب والإلغاء والكذب والبهت، فهم يستحلون الكذب لنُصرة مذاهبهم وطوائفهم وأفكارهم، ومن هنا يتحدَّث الشيخ محمد الفلاني بصيغة التطهير، وطبعاً لفظة التطهير يعرفها كل مُمرِّض وكل طبيب لأنها تُذكِّر بالجراثيم، مَن أنتم يا جُرذان، يا جراثيم؟ فهذا تطهير، والقذَّافي مارس سياسة التطهير – Genocide – طبعاً، تطهير كامل ومسح لكل مَن يقول (لا) أو يُفكِّر أن يقول (لا)، ومولانا الشيخ وهو قذَّافي في مسلاخ شيخ يُريد هذا فانتبهوا، أنا فكَّرت كثيراً في الفرق بين هذا الشيخ وبين هذا الحاكم، فهذا الشيخ هو طاغوت من الطواغيت، هو طاغوت لأنه يقول لو كان الأمر بيدي لطهَّرت مصر من هؤلاء، مَن هم؟ المُتشيِّعون، فهو يتحدَّث عن المُتشيِّعين، أي مصريون تشيَّعوا وهم ربما بضع مئات أو بضعة آلاف يا سيدي، علماً بأن في المغرب العربي – وهذا خبر لا يسر – ألوف تشيَّعوا، وسألت المغاربة فقالوا نعم فعل هذا عشرات الألوف، والمملكة هناك تئن وتقول عشرات الألوف صاروا شيعة، فهل يسرني هذا؟ لا يسرني، وأنا لست مُتعصِّباً ولا تعنيني العناوين – مثل سُنة وشيعة – وإنما تعنيني الحقيقة ويعنيني رضاء الله تبارك وتعالى، ولكن لماذا لا يسرني هذا؟ لماذا لا يسرني أن يتشيَّع السُنة؟ هل تعرفون لماذا؟ وبنفس القدر لا يسرني أن يتسنَّن الشيعة أيضاً، يسرني أن نتسامح وأن نتصافح وأن نفتح عقولنا وتنداح نفوسنا، فهذا الذي يسرني، لا أُحِب لشيعي أن يتسنَّن ولا لسُني أن يتشيَّع، هل تعرفون لماذا؟ لأن السُني هذا إذا تشيَّع على طريقة الشيعة الآن المُعاصِرين انتقل إلى الطرف النقيض وأصبح يحترق تعصباً ويتحدَّث بلغة التطهير ويتمنى لو أن الأمور صارت ليفعل كذا وكذا، فانتبهوا إذن إلى هذا، هناك درس خطير، لكن للأسف المشائخ ليسوا مُتخصِّصين في هذا ولا يعرفون هذا لكي يقولونه على المنابر للناس، درسٌ خطير يُعلِّمه تاريخ الحركات الدينية والدعوات الملية والإصلاحية في العالم وأقرب العوالم إلينا ثقافياً العالم الغربي ومن ثم نعرفه تماماً لأنه فرض نفسه أصلاً بقوته في المجالات المُتعدِّدة، كان هناك الكاثوليك مُستبِدين بالساحة تماماً وجامعين السيفين، أي نظرية السيفين أو السُلطتين: السُلطة الزمنية والسُلطة الروحية، فالسُلطة الزمنية هى المدنية والسُلطة الروحية هى الدينية، فهم كانوا يجمعون هذا، وطبعاً ضجَّ الناس من مظالمهم ومن انحرافاتهم ومن تدجيلهم بإسم الدين ومن أكلهم أموال الناس بإسم الدين وبإسم يسوع وبإسم الرب وبإسم الكتاب المُقدَّس، وضجوا من خمسين ألف شيئ، وبرز مارتن لوثر Martin Luther الذي كتب عريضة من خمسة وتسعين شيئاً يعترض فيها على البابا وعلى كنيسة روما، وكانت حركة الاعتراض البروتستانت، فالبروتستانت تعني المُعترِضين وهى كانت حركة إصلاح، ومارتن لوثر Martin Luther هو أبو هذه الحركة، ويأتي بعد ذلك كالفن Calvin وزْوينگـْلي أو زفنجلى Zwingli وأمثال هؤلاء، لكن مارتن لوثر Martin Luther هو الرأس الكُبرى أو الرأس الأكبر!
مارتن لوثر Martin Luther في البداية كان مع التسامح ومع البرهان والدليل ومع النقاش بالتي هى أحسن ومع حرية ما أسماه هو حرية الضمير، علماً بأن هذه أول مرة يُصَك فيها هذا المُصطلَح، فهذا المُصطلَح لمارتن لوثر Martin Luther، والآن تجد بنود حقوق الإنسان في الأمم المُتحدة والمادة التاسعة وشروح المادة التاسعة في هذا الباب وفي حرية الضمير، لكن أول مَن ابتدع وصكَّ هذا المُصطلَح هو مارتن لوثر Martin Luther، تحدَّث عن حرية الضمير وتكلَّم كلاماً من أروع ما يكون، قال ليست الهرطقة – أي Heresy، التجديف وإنكار بعض العقائد الدينية الراسخة في منظورهم، فهذه إسمها هرطقة Heresy – شأناً مادياً يُمكِن أن يُقمَع بالحديد أو يُحرَق بالنار أو يُغرَق في الماء، إنها شأن فكر وشأن معنوي لا يُمكِن أن يتصدَّى لها إلا البرهان وبآيات الكتاب، وهذا كلام جميل جداً، أنت تستطيع أن تُمزِّقني وتستطيع أن تأخذ مني مليون إقرار بسخافاتك التي تقولها ولكن قلبي لن يخضع لحظة لما تقول، أليس كذلك؟

أيها الإخوة:

ألم يُفكِّر هؤلاء الناس المُنغلِقون أصحاب منطق التطهير – لو كان الأمر إليهم – في سر أن الله ذكر الله في كتابه العزيز نبياً وأبوه كافر – الله ذكر إبراهيم وفي الظاهر أن أباه هو آزر، فهذا هذا ظاهر الآيات – وذكر نبياً وابنه كافر – نوح – وذكر نبياً وزوجته كافرة – نوح ولوط، ذكر الاثنين – وذكر نبياً وعمه كافر – نبينا ورسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى أبد الآبدين – وهلم جرا؟ لماذا؟ ما الدرس؟ إنه درس إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ۩، الدرس هو حرية الإنسان، الله يقول لنا من خلال هذه الوقائع و من خلال هذه الحقائق التي تقول أشياء أساسية أن الشيئ الأساسي الأول هو أن الإنسان حر، هكذا خلقه الله، لا يستطيع النبي أن يغتال حريته ولا الرسول، فهو حر يا أخي، يُريد أن يعيش كافراً وقد اختار هذا فينتهى الأمر ويُصبِح كافراً، في النهاية له النار والعياذ بالله، في ستين داهية ولكنه حر، الله لم يسلبه هذه الحرية، كان الله يستطيع أن يسلبه – كما قلنا دائماً – هذا، قال الله إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ۩، لكن الله يقول لا أُريد هذا، ولذلك ما أجمل ما قال الشاعر المُلحِد بيرسي شيلي Percy Shelley وهو يُدافِع عن توماس بين Thomas Paine من أجل مُحاكَمة الناشر لتوماس بين Thomas Paine حيث يقول إن كان الأمر كذلك فإبليس الأبالسة أقل همجيةً وبربرية من رب هذا المُجتمَع المُتحضِّر، أستغفر الله، فهو قال – وصدق – إذا كان هذا هو ربكم – الرب والإله المُقدَّس – وأنتم تنصبون التفتيش والمحارق والخوازيق لقتل المُفكِّرين وتُريدون أن تُوحِّدوا الناس على رأي واحد وجُملة واحدة رغماً عنهم قسراً وقصراً وإكراهاً فإبليس إذن خيرٌ من ربكم، إذا ربكم يرضى بهذا ويأمر بهذا فإبليس أحسن، وفعلاً إبليس أحسن من هذا الرب، لماذا؟ لأن هذا الرب الكاذب الذي ابتدعوه هم يفعل هذا في حين أن نحن نقول إبليس لا يملك إلا التزيين والوسوسة وليس له سُلطان على أحد، مُستحيل يوم القيامة أن تُفلِج حُجة غاوٍ أو غوي مُبين يقول يا رب غُلِبت على أمري وفقدت حرية إرادتي إزاء إبليس، هذا مُستحيل وهو سوف يقول وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ ۩، فهذه مسألة نقاش، أنا ألقيت بالشُبهة وأنتم تأثَّرتم وابتلعتموها فاذهبوا إلى ستين داهية، اتفضلوا على جهنم من أول طريق على الشمال وانتهينا، أي ليس بالقوة، لكن الرب الإله المُقدَّس – رب الـ Bibel أو الـ Bible – يقول اذبحهم، غرِّقهم، خوزِّقهم.

كتب مونتين Montaigne في القرن السادس عشر – صاحب قصة الشك الكبيرة التي أراد أن يُقابِلها ديكارت Descartes بقصة يقين عظيمة – يقول أما زعم هؤلاء أنهم يذبحون الناس من أجل خلاصهم فيا لها من عقيدة جميلة، يقول ما هذه العقيدة الحلوة؟ ما هذه الأفكار العظيمة؟ أنت تذبحني من أجل أن تُخلِّصني، ما شاء الله عليك، أي طريقة تُفكِّرون بها؟ طريقة التطهير، ونعود إلى مارتن لوثر Martin Luther والدرس الصعب فركِّزوا معي، من سنوات ونحن نقول ونُبديء ونُعيد في أن مَن قرأ سياق تطوّر الفكر الديني وغير الديني في الغرب هنا يرى – والله – أشياء تُستنسَخ الآن بحذافيرها تقريباً في العالم العربي والإسلامي وتتكرَّر كما هى، أشياء كنا نعلمها ونسخر منا – وطبعاً هى محط ومحل سخرية – وتتكرَّر الآن، ونحن صغار في المساجد عُلِّمنا أن نسخر من الحرمان – Excommunication – وقرارات الحرمان وصكوك الغفران، أي الحرم باللغة اليهودية والحرمان باللغة النصرانية، فما هذا؟ يقول لك أنت خارج الكنيسة – Eglise – أو الجماعة، علماً بأن لا يُراد بالكنيسة المبنى – Church – وإنما الجماعة، أي جماعة المسيحيين فانتبهوا، ورأس هذه الجماعة هو عيسى عندهم، ولكن هذا المبنى هو تعبير مادي، فيُراد بالكنيسة – Eglise – ليس المبنى – Church – وإنما الجماعة، لأن جماعة المُؤمِنين بيسوع إسمهم الكنيسة، ومن هنا قد يُقال لك نحن نحرمك ونطردك من الكنيسة، والآن يُقال أنت قلت هذا فلست من الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، بل أنت لست شيعياً وانتهى الأمر، فيطردونه من التشيّع، يُطرَد المسكين من عضو الشيعة مثل عليّ شريعتي وأمثال عليّ شريعتي ومثل حسين فضل الله رحمة الله عليه، لماذا؟ لأنه خالف في معصومية الزهراء وفي مظلومية الزهراء، فقالوا هذا زنديق وانتهينا، وكذلك يُقال أنت من عضو نادي أهل السُنة والجماعة والآن صرت خارجها، لماذا طُرِد؟ طردوه – إنه الحرمان Excommunication – لأنه يتكلَّم في مُعاوية، ما معنى أنه تكلَّم في مُعاوية؟ هل مُعاوية من أسس أهل السُنة والجماعة؟ هل مُعاوية من أسس الاعتقاد في مذهب أهل السُنة والجماعة؟ هل هذا دين مُعاوية؟ هذا هو الحرمان Excommunication، فهم كهنوت إذن، نفس الكهنوت الغربي، ثم أنهم يحكمون على الدين وعلى الإيمان ويقولون أحياناً هذه بدعة وأحياناً هذا شرك وكفر بل وأحياناً يُقسِمون أنك في النار!

بمحض التقدير الإلهي قبل ليلتين – سنذكر هذا ثم نعود إلى لوثر Luther – استمعت إلى أحد هؤلاء وهو عالم شيعي – هدانا الله وإياه – يقول شيئ لا يُصدَّق، فلم أكد أُصدِّق ما أسمع، الرجل باهل – أي جعل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين – سُنياً على أن أبا بكر وعمر وعثمان في النار، وأسأل لهذا العالم الشيعي الله له الهداية، لن أقول كما قال الإخوة هناك السُنة نسأل الله أن يموت على هذه العقيدة وأن يُصليه ناراً، حاشا لله أن أقول هذا، لماذا؟ نحن نتمنى الهداية حتى لماركس Marx وحتى لنيتشه Nietzsche وحتى للملاحدة، فنحن لسنا كذلك، بل أن النبي تمناها لمَن أرادوا قتله وذبحه في أُحد، ولما طُلِبَ إليه أن يدعو عليهم قال إني لم أُبعِث لعنةً إنما بُعِثت رحمة، وأنت تدعو على رجل مُسلِم مُوحِّد يُؤمِن بالكتاب ويُؤمِن برسول الله وبالنبيين عنده اعتقاد جد سيء وجد مرذول في الخلفاء عدا الإمام عليّ في الصحابة الأجلاء وفي مشائخ المسلمين وفي أم المُؤمِنين عائشة – رضوان الله عليها – وفي عِرض رسول الله، فهذا أعتقاد من أسوأ ما يكون، وهو لديه مُحاضَرة استمعت إليها – قلت سأستمع لأنني أُريد أن أرى كيف سيُثبِت هذا العالم الشيعي أن عائشة في النار – إسمها عائشة في النار، فادخلوا عليها واسمعوها، تصل مدتها إلى خمس وخمسين دقيقة وهى موجودة على اليوتيوب YouTube، وقد استمعت إليها من أولها إلى آخرها لأنني أُريد أن أرى كيف سيُثبِت هذا العالم الشيعي أن عائشة في النار وليس لأنني سُني – لا والله الذي لا إله إلا هو – لأن كما قلت لكم هذا لا يعنيني، وكوني لست سُنياً في نظرك هو أمر لا يعنيني أيضاً، في الحقيقة إذا أردت تصنيفي: أنا سُني شيعي ماركسي رأسمالي مُلحِد فيلسوف مُؤمِن كافر – كله مع بعضه – لأن هكذا ستراني إذا أردت أن تُصنِّفني من خلال جزئية واحدة تأخذها مني، فأنا كل هؤلاء لأن من الصعب تصنيف الإنسان الحر، فمَن يُفكِّر بحرية ويتكلَّم بحرية من الصعب أن تُصنِّفه، لكن أسهل تصنيف هو تصنيف الجمادات، إذا ذهبت تُصنِّف النباتات فسوف تجد أن هذا أصعب في التصنيف، وإذا ذهبت تُصنِّف الحيوانات مثلما فعل السويدي لينيوس Linnaeus فسوف تجد هذا أصعب وأصعب، أما أن تُصنِّف البشر وتتحدَّث عن ميادين إنسانية واجتماعية وفكرية فهذا من أصعب ما يكون، لأنني ولأنكَ ولأنكِ ولأننا ولأنهن ولأننا كبشر عوالم وبرازخ تتقاطع لديها معاني الكمال والنقص ومعاني التكامل ومعاني الثبات، أي التغيّر والتطوّر والمصلحة والمعرفة والأفكار والرغائب، فكل هذا يتقاطع في الإنسان وبالتالي من الصعب جداً التصنيف، ولا أشهد لنفسي ومن الصعب أن يشهد أحدٌ مُنصِفٌ لنفسه أنه ينطلق دائماً بلا تحيزات، هذا صعب جداً ومُستحيل، الإنسان هو عالم مُشتبِك من الموضوعية والتحيّز Prejudice، فهذا شيئ صعب جداً جداً جداً جداً، ولذلك ما أجمل ما كتب فولتير Voltaire في هذا الصدد، علماً بأنني لا أحرم نفسي ولا أحرمكم – بحمد الله – ولا أحرم المُستمِعين من أن نتمتع – أنا أتمتَّع حقيقةً -وأنتشي نشوة من أعظم ما يُنتشى به – بروائع حكمة العقول العظيمة في الشرق والغرب حتى وإن كانوا في نظرنا ملاحدة أو غير مُؤمِنين، فهذا لا يعنيني لأن الحكمة ضالة المُؤمِن، لكن هؤلاء يحرمون أنفسهم من أن يتمتَّعوا بروائع حكمة إخوانهم إن خالفوهم بقيد واحد ملليمتر فقط، ينتهي كل شيئ ويشطبوا عليك ولا يُنتفَع منك بشيئ، وهذا غير معقول، لكن أنا أنتفع بنيتشه Nietzsche وبماركس Marx وبفوكو Fuku وبمارتن لوثر Martin Luther وبكل هؤلاء وليس عندي مُشكِلة في هذا طبعاً، وعلى كل حالماذا يقول فولتير Voltaire؟ يقول فولتير Voltaire إذا أردت أن تدرس المسيحية حقاً أنصح لك أن تدرسها كأنك تستمعُ وكأنك ترى وتقرأ لأول مرة، حاول أن تُمثِّل دور مَن لا يعرف شيئاً عن المسيحية لا بالسراء ولا بالضراء ولا بالخير ولا بالشر، لماذا؟ لكي تتخفَّف من أوهاق وسطوة العقل الجمعي ومن أبهاظ التقليد والتكرار والتلقين، فنحن هكذا ضحية بمعنى ما كما يُقرِّر علماء النفس لانطباعتنا الأولى، فللأسف حين ينشأ هذا في مُجتمَع شيعي يكون أول انطباع عنده عن الصحابة – أي في ما يخص الصحابة – أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وحفصة وعائشة والعياذ بالله منهم أبالسة في شكل بشري، فهذا أول انطباع عنده لأن هكذا يُعلَّم، لأنهم ساهموا في ملحمة أهل البيت وفي مظلمتهم وفي تعذيبهم وفي تهجيرهم وفي وفي وفي وفي وفي، فمن الصعب جداً على هذا المسكين الشيعي – وهو مسكين ومن الصعب جداً عليه هذا والله – أن يُدرِك الحقيقة، فإذا أردنا أن نُنقِذه من هذا علينا أن نُدمِن إعطاء دروس مثل هذه الدروس – دروس لكي لا نُخدّع، دروس في المنهجية واختبار المنهجية واختبار الجدية في معرفة الحقيقة – لأن المسألة صعبة جداً جداً جداً، والسُني المسكين الآخر – نحن مساكين أيضاً وعلى باب الله – الذي نشأ وأول انطباع عنده أن كل الصحابة ما شاء الله عليهم هم أحسن ناس وأعظم أمة بعد رسول الله ولا يُمكِن لأحد أن يُصبِح مثلهم وأن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس العظيم الصالح الولي لا يُقارَن بالغبار الذي دخل أنف فرس مُعاوية لا يُدرِك الحقيقة، مُعاوية الذي سوَّى وسوَّى وسوَّى والذي سوف نتحدَّث – إن شاء الله – عنه في حلقات والتي من المُمكِن أن تأتي في عشرين ساعة على الأقل، فسوف نأتي بالأدلة الصحيحة القوية لكي تردوا عن مُعاوية بعد ذلك، لأنكم سوف تفهمون مَن مُعاوية، لكنهم يقولون هذا الكلام عن مُعاوية، وهذا أمر عجيب يا أخي، ماذا عن بُسْر بن أرطأة؟ يقولون رضيَ الله عنه، أليس صحابياً؟ إذن رضيَ الله عنه، لقد ذبح الأطفال ومع ذلك يقولون رضيَ الله عنه، سبى المسلمات في همدان – مسلمات حرائر مثل أمي وأمك وأختي وأختك – وباعهن في الأسواق ويُقال رضيَ الله عنه، كانت تُباع الحرة المسلمة على عظم ساقها، كلما كانت ساقها عظيمة بيعت بثمنٍ أزيد وأبهظ، وقال العلماء والمُؤرِّخون كابن الأثير – المُؤرِّخ السُني في الكامل – فكن أول مسلمات يجري عليهن السبي في الإسلام، ورُغم هذا يُقال رضيَ الله عنه وأرضاه، فما هذا يا أخي؟

أُحِب أن أقول حتى لا أنسى – الأفكار تتلاحق فاعذروني – أن من أسباب انتشار الإلحاد في الغرب شيئٌ مثل هذا تماماً، كيف هذا؟ هناك شخصية إسمها ديفيد David – كينج ديفيد King David أو الملك داود – وهو عندنا نبي لكن عندهم ملك، وإسمه في الكتاب المُقدَّس حبيب الله، فهذا هو لقبه – يُلقَّب بحبيب الله – لديهم،وفولتير Voltaire ألَّف المسرحية الشهيرة Saul and David عن حبيب الله وأبرزه ما شاء الله في صورته الحقيقية المُفزِعة الفظيعة، فقال داود رجل غدَّار، يقتل ضباطه ويسطو على نسائهم، داود بأمر من الله وبوحي علوي إذا تمكَّن من قوم يُحرِّمهم جميعاً، يقتل كبارهم وصغارهم وذكورهم وإناثهم وبريئهم ومُجرِمهم ولا يطرف له جفن، فداود آية من آيات الدموية والبربرية في الكتاب المُقدَّس، فانتبه إلى أن هذا هو حبيب الله، فهل تُريد أن تتقبَّله كما هو أم تكون هرطيقاً؟ أنت هرطوقي وزنديق وتُقتَل عند المسيحيين إذا رفضت هذا، فجنَّ جنون الناس لأن كيف تفرض علىّ هذا؟ ومن هنا كتب أحدهم يقول تتبدى أعلى درجات القداسة والنزاهة في شخصيات الكتاب المُقدَّس الأكثر قسوةً والأبعد عن الرحمة، أجمل وألطف الفضائل في نظر مُفسِّري الكتاب المُقدَّس أبعدها عن مُراد الله، فالله يُحِب هذا، على قدر استطاعتك كُن مُجرِماً وكُن ذبَّاحاً سفَّاكاً بإسم الحق، أي – كما قلنا في الخُطبة السابقة – اقتل الشر يحيا الخير، اقتل الباطل بل طهِّر – بلغة الشيخ في مصر – بالكامل واذبح من عند الآخر ولا تذر منهم دياراً وسوف يحيا الخير ويحيا مذهب أهل السُنة والجماعة، والشيخ الشيعي – هو من شيوخ الشيعة ولأنني لم أذكر إسم السُني فلن أذكر إسم الشيعي – ينطبق عليه نفس الشيئ، يتمنى لو أنه يستطيع أن يُخلي الأرض من كل سُني ناصبي، وهذه كارثة طبعاً، فنحن نقع في كارثة حقيقية، ولذا أنا أقول لكم أن الآن تُلغَّم أرض العرب والمسلمين الآن كما لُغِّمَت العراق قبل أن يأتي الأمريكان، وأنا صرخت من على منبر رسول الله في الهداية بسبب هذا، وإخواني وطلَّابي يعرفون هذا، أليس كذلك؟ كنت أصرخ وأقول إنهم يُلغِّمون أرض العراق، فقالوا هذا غير صحيح، كان السُني يقول الشيعة جُبناء، أي لنا أن نُكفِّرهم ولنا أن نُفتي بذبحهم، وعلى كل حال مهما حصل هم جُبناء ولا يستطيعون أن يردوا علينا، فقلت هلكت العراق وانتهى كل شيئ لأن الأمور واضحة لدي، فبهذا المنطق كنا نتحرَّك وقلنا هلكت العراق، ونحن – والله – لا نُعطي فتوى لا بقتل شيوعي ولا بقتل علماني ولا بقتل لا ديني، وإنما نُعطي فتوى واحدة تقول ناقش، هذا فقط الذي عندنا، نقول ناقش ولا تلجأ إلى السلاح، دائماً الاحتكام للنقاش وللدليل يا حبيبي، وسوف نرى بعد ذلك مَن الذي يكسب وينتهي كل شيئ، أليس كذلك؟ هو هذا كما كان يقول مارتن لوثر Martin Luther، وعلى كل حال هذا داود حبيب الله، يكتب أحد هؤلاء الملاحدة الغربيين في القرن الثامن عشر قائلاً كيف يُمكِن أن أتقبَّل هذه الشخصيات على أنها مُقدَّسة ومُنزَّهة وإليشع Elisha – هذه شخصية إلهية، هذا النبي كان يصرخ في البراري – لمُجرَّد أن صبية برءاء – هل يُوجَد مَن هو أبرأ من الصبي أو الطفل الصغير؟ نادوه يا أصلع الرأس – في الكتاب المُقدَّس فعلاً قالوا له يا أصلع الرأس، أي يا صاحب الـ Glatze – غضب غضباَ شديداً واستعدى عليهم السماء وأنزل عليهم أبشع اللعائن؟ فإليشع Elisha لعنهم – أي لعن الصبية – لأنهم قالوا له يا أصلع الرأس، واليوم من المُمكِن أن تقول لأحدهم يا مُتعصِّب أو يا مُنغلِق أو يا استئصالي أو يا تطهيري، فيُقال لك أنت ملعون، أنت لست خارج النادي الخاص بنا – نادي أهل السُنة – فحسب بل أنت ملعون، وقطعاً كل مَن يستمع إليك ملعون ومَن يغتر بك ملعون، ويُقال لنا أيضاً أنتم في جهنم جميعاً، فعائشة في جهنم وفلان في جهنم، فكل شيعي يُدخِل الناس في جهنم، وأنا أسأل ماذا بقيَ لله؟ أسأل بصراحة والله: ماذا بقيَ لله إذا أعطيتم أنفسكم فرصة أن تحكموا في الناس الآن بأنهم مُؤمِنون وكافرون على أهوائكم؟

طبعاً بعضكم يُحرِّكه الفضول ويقول لي بالله عليك حدِّثني في دقيقة عن حُجة هذا الشيعي الذي أدخل أم المُؤمِنين عائشة – زوجة رسول الله والصديقة بنت الصديق – في جهنم وباهل على أنها وأباها في جهنم، فلماذا؟ هل تعرفون كيف؟ قال قصة واحدة فقط وآية واحدة، واسمعوا هذا وهو على اليوتيوب YouTube حتى لا يُقال عدنان يفتري عليه، فهو قال آية واحدة: وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۩، وهذه آية كريمة وجليلة طبعاً من سورة النساء عقَّب الله بها على آيات قسم المواريث، قال الله وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ۩ وقال وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ۩ وانتهينا، فقال لك هذا هو، لكن ما علاقة عائشة بهذه القصة؟ فهو تحدَّث عن أن عائشة جاءها رجل إسمه مُرة – صاحب نهر مُرة – وذكر قصة رواها ابن سعد في الطبقات وإسنادها فيه كلام وراجعته بنفسي، وقال ابن سعد من أوثق الأئمة عندهم، وابن سعد ثقة – كاتب الواقدي – ولكنه ليس من أوثق الأئمة، لكنه جعله كأنه ما شاء الله مع البخاري ومسلم لأنه يُدلِّس على جمهوره، وقال ابن سعد رواه، لكن ما حكاية السند؟ لا يُحِب أن يبحث في هذا، فأنت ليس علاقة بالسند وكأن هذا صحيح بنسبة مائة في المائة، ومن هنا يقول لك ابن سعد رواه، وعلى كل حال قال مُرة ذهب إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وقال له اكتب لي كتاباً إلى زياد بن أبيه، أي إلى زياد الملعون أبو الملعون والعياذ بالله، ابن الزنا الذي تسبَّب هو وابنه في قتل أهل بيت رسول الله، فلعنة الله عليهم، والآن سوف تُفتَح علىّ النار وسوف يُقال أعوذ بالله، كيف تقول هذا عن زياد؟ هذا صحابي جليل فرضيَ الله عنه، لكن هذا صحابي انحرف انحرافاً رهيباً وأصبح من أكبر أعداء أهل البيت وفعل الأفاعيل، فعليه من الله ما يستحق إلى يوم الدين، وابنه عُبيد الله بن زياد قاتل الحُسين لعنة الله عليه إلى أبد الآبدين، المُهِم مُرة ذهب إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وقال له اكتب لي كتاباً إلى زياد، وطبعاً زياد كان استلحقه مُعاوية وقال أبي البعيد – أبو سفيان – زنا في أمي سُمية في الجاهلية – ثبت الزنا – وسوف تُصبِح ابن أبي، وغضب الصحابة كلهم بما فيهم عائشة، لكن الشيعي يكذب على عائشة الآن أو بالأحرى يغض الطرف لأنه وليس مُنصِفاً كأن عائشة أخذت موقفاً واحداً، وهذا لم يثبت عن عائشة، فالذي ثبت عن عائشة العكس تماماً، وهذا الذي يقوله مُعظم علمائنا في كتبهم ويأثرونه، حيث بعث إليها زياد بن أبيه الذي صار زياد بن أبي سُفيان بقدرة مُعاوية طبعاً وليس بقدرة أي أحد آخر وإنما بقدرة وإرادة مُعاوية فأغضب جداً الصحابة جميعاً هذا الاستلحاق بما فيهم عائشة، وكتب إليها من زياد بن أبي سُفيان إلى أم المُؤمِنين عائشة برجاء أن تكتب له من أم المُؤمِنين لابنها زياد بن أبي سُفيان فيحتج بهذا ويقول حتى عائشة وافقت على استلحاقي فتنقطع الألسنة وتقطع عائشة جهيزة كل خطيب لكن هذا لم يحدث، عائشة ذكية – رضوان الله عليها – وهى أحد رواة الحديث الصحيح الذي كاد أن يكون مُتواتِراً معنوياً عند الفرق الإسلامية كلها الذي يقول الولد للفراش وللعاهر الحجر، وذلك في قصة وليدة زمعة وابن وليدة زمعة وإلى آخره، فعائشة- رضوان الله عليها – إحدى الراويات ومن ثم كيف تُخالِف هذا الكلام؟ هى روته أصلاً، فلو أرادت أن تُخالِفه ما روته ولدسته، وعلى كل حال قال من المُمكِن أنها روته قبل ذلك لكن ليس لنا علاقة بهذا، وعائشة كتبت إلى زياد من عائشة بنت أبي بكر إلى ابنها زياد فقط، ولم تكتب ابن أبي سُفيان، فخاب سهمه أو طاش سهمه كما يُقال، هذا هو موقف أم المُؤمِنين، ونقول لهذا الشيخ الشيعي: يا شيخ كيف تُباهِل أنت وقد أتيت إلى رواية لم تُحقِّق إسنادها وقطعت ولم تذكر الرواية التي ذكرتها الآن وجعلت عائشة بسبب هذه المُخالَفة في النار؟ خمس وخمسون دقيقة من أجل أن يُثبِت أن عائشة في النار، وفقط هذا كل ما عنده، ومن ثم سوف تقول لي هذا عجيب، لكن هذا -والله – هذا كل ما عنده واسمعوا إليه، خمس وخمسون دقيقة وهذا كل ما عنده، ذكر حديث ابن سعد في الطبقات وأن الله قال وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۩، وأنا سأقول له الآن – إن شاء الله ينتفع بقولي إذا كان يستمع لي، وأنا ما قصدي إلا الخير والحق بإذن الله تعالى له ولغيره – قل لي بالله ربك رافع السماوات بغير عمد مَن مِن الأفراق أو الفرق الإسلامية قالت بظاهر الآية كما هى دونما مدخلية تأويلٍ ما؟ كل الفرق لم تذهب إلى هذا بما فيها الخوارج، فحتى الخوارج الفضلية الذين كفَّروا الأنبياء لم يذهبوا إلى هذا، فما رأيكم؟ يُوجَد من الخوارج فئة وطائفة قالت بجواز كفر النبي، فالنبي من المُمكِن أن يكفر عندهم ويموت وهو كافر ويدخل جهنم، فانظروا إلى هذا الجنون، وهذا في كل مكان وموجود من قديم هذا العبث، علماً بأن أحد التكفيريين في دولة عربية كُبرى حين أحرجه الدليل وهو يُكفِّر كل مَن عصى الله بالكبائر وبالصغائر قيل له أين أنت من قول الله وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ۩؟ فقال كافر، أي أنه كفَّر النبي، كفَّر أول الأنبياء وكفَّر أبا البشر جميعاً، فنحن نسل الكافر إذن، وهذا شيئ لا يُصدَّق، نعوذ بالله من الهوى ونعوذ بالله من الغرض،والله العظيم أحياناً يأتيني بعض إخواني وأحياناً يُهاتِفونني – ووالله بعضهم علماء من أهل العلم – ويقولون يا شيخنا نقول – والله – من حرصنا عليك وإبقاءاً عليك ورغبةً أن ينفع الله بك الأمة ألا ترى أن الأفضل أن تُؤجِّل بعض هذه المباحث إلى ما بعد؟ فقلت لهم لا أستطيع لأن هذا ليس من طبعي، إذا ضمنت لي أن أعيش إلى غد سأُؤجِّل، هذا يا أخي حق، والحق سأقوله لو كان دونه قطع الرأس يا جماعة، أبو ذر – رضوان الله تعالى عليه – كان في مكة يُحدِّث الناس بحديث وبعد ذلك قيل له أتُحدِّث بهذه الأحاديث؟ أما بلغك النهي؟ أي نحن نهيناك أن تُفتي وأن تُحدِّث، فقال لهم والله الذي لا إله إلا هو لو قام أحدكم على رأسي ووضع صمصامته على رقبتي – السيف – وعندي حديثٌ عن رسول الله ظننت أني أُنفِذه – أي أُحدِّث وأقوله للناس – قبل أن يُجهِز علىّ لأنفذته، أي سوف أقول ما عندي ثم اقطع لي رأسي بعد ذلك لكنني سوف أقوله في آخر لحظة، هذا هو الدين، لن أُدلِّس على الناس ولن أكذب ولن أُجامِل ولن أُراوِغ، هكذا يجب أن نتعلَّم، يرضى مَن يرضى ويسخط مَن يسخط، وكفى بالله راضياً لا إله إلا هو، فنحن لا يعنينا البشر.

فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاة ُ مَرِيرَة ٌ                           وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ.

على كل حال أنا أقول لهذا الشيخ الشيعي بالله ربك ورب العالمين أي فرقة من الفرق قالت بظاهر الآية كما هى وكما هو دونما مدخلية تأويلٍ ما؟ أنا أُشهِد الله ما من فرقة ذهبت إلى هذا ولا الخوارج، فما رأيكم؟ انتبهوا لأنه الآية تقول وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ۩ وهذا يعم الكبائر والصغائر، فمعناها لو عصيت الله بصغيرة فأنت في نار جهنم، أي ليس فقط عائشة أم المُؤمِنين وحرم رسول الله – رضيَ الله عنه وأرضاها – بل وأنت أيضاً بصغيرة من الصغائر، بعد ذلك هل الآية فيها تقييد المعصية بالعمد أو بالسهو؟ ليس فيها هذا أبداً، هى مُطلَقة عن القيد، معناها مَن عصى الله في كبيرة أو صغيرة عمداً أو سهواً – أي عمداً أو خطأً – فهو في نار جهنم، فهل أحد يقول بالآية على وجهها هكذا؟ لم يقل هذا أي أحد، لا تُوجَد فرقة تقول بهذا، علماً بأن إخواننا الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ومنهم هذا الشيخ لا يُكفِّرون بالمعاصي، فهم ليسوا خوارج، بالعكس هم لهم أجوبة كأجوبة أهل السُنة وهى من أمتن وأجمل وأقوى ما يُقال رداً على الخوارج، ولكي نستفيد أقول تُوجَد فائدة كُبرى بعض الناس يحقرها وهى من أعظم الفوائد والعوائد في قراءة المذاهب المُختلِفة وأدلتها، فهل تعرفون ما هى؟ وطبعاً قبل أن أقول ما هى أقول أن في كل مذهب من سُنة وشيعة ومُعتزِلة وإباضية يأتيك العالم في البداية سواء في مُحاضَرة أو في كتاب ورسالة ويُسهِب في الحديث عن احترام العقل واحترام الدليل واعتبار الدليل والبُعد عن الهوى والبُعد عن الغرض ولابد ولابد، وهذا كلام جميل، وكل الفرق كلامهم جميل، لكن بعد ذلك اترك المُقدِّمة واقرأ الكتاب وسوف ترى الكتاب كراً من أوله إلى آخره لا يُخالِف في مذهبه ولا طائفته في مسألة واحدة، فكل كلام الشيعة سوف يكون صحيحاً وكل شيئ خالف فيه السُنة الشيعة سوف يكون خطأً، أو سوف يكون كل كلام السُنة صحيحاً – أي كل كلامنا سيكون صحيحاً – وكل شيئ خالفنا فيه الشيعة حتماً سوف يكون خطأً، وهكذا مع الإباضية والزيدية وإلى آخره، وهذا غير معقول يا أخي، هذا كذب لأنك لو استخدمت عقلك أيها المُؤلِّف قطعاً كنت ستُخالِف مذهبك في مسائل وترى أن أدلة مذهبك ضعيفة في هذه المسائل وأن الحق حالف غيرك في هذه المسائل، لكن للأسف لا نرى أمثال هؤلاء إلا ما ندر، ههذا هو التعصب والتدجيل على الناس بإسم احترام العقل والدليل وكله يُعَتبَر كلاماً فارغاً، فلماذا لا يُحترَم؟ هذا الكلام لا يُصدَر عنه، ولكن مع ذلك تبقى فائدة، فهل تعرفون ما هى الفائدة؟ أنك تستفيد من كلٍ منهم بيان وجوه ضعف أو بعض وجوه ضعف قول الآخر ورأي الآخر، ومن ثم سوف تتعلَّم كيف يكون النقاش، وهنا قد تسألني هل هذا ينطبق حتى على التكفير بالمعاصي؟ وأنا أقول لك إذا انطلقت كعامي – وأضمن لك هذا تماماً – عليك أن تقرأ حُجج الخوارج مثلاً، وهناك مَن يُعرِب عنها إلى اليوم في تكفير صاحب المعصية حتى الصغيرة، وسوف تراها مُقنِعة تماماً – كعامي – وقوية، وهم يستدلون بالكتاب والسُنة وبالعقل – بالعقل وبالنقل – ولكن متى يبدو لك عوارها وضعفها وفقرها وضحولتها؟ متى سوف تعلم أنها ضحلة؟ متى يبدو لك التغريض – من الغرض – في الاستدلال؟ متى ستعلم أن الغرض مرض وأن هذا الكلام فيه تغريض؟ حين تقرأ للآخرين وتعرف كيف كشفوها، فضروري لمَن أراد أن يتحرَّر أن يقرأ للجميع، لا تقرأ لطائفة وحدها بل اقرأ للجميع، اقرأ هنا وهنا وهنا، لا تُحرِّم على نفسك أن تقرأ لطائفة بحُجة أنهم مُبتدِعة وأنهم كذا وكذا، لكن بعض هؤلاء لا يُحرِّم فقط هذا بل مُنذ البداية يقول لك هذا القول مَن قال به؟هذا القول ليس لأهل السُنة أو ليس للإمامية، فالإمامي يقول هذا ليس للإمامية والسُني يقول هذا ليس للسُنة لأن هذا قول الإمامية، فإذن مَن يقول به هذا إمامي أو زيدي أو مُعتزِلي أو خارجي، لكن يا سيدي دعنا من هذا التراشق السخيف، الذي يُناقِشك إمامي – عالم إمامي حقيقي وهو يفتخر أنه إمامي – ومن ثم الكلام يبدأ من هنا وليس قبل ما هنا،فناقشه الآن، هو هذا فقط، هو يقول لك أنا إمامي – وتِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْك عَارهَا – ولا يستعر أنه إمامي أو زيدي أو سُني أو وهابي أو صوف أو أشعري، ويقول لك أنا كذلك ومن ثم ابدأ وناقشني، ما العلاقة أنك تصمني بأنني إمامي أو زيدي أو وهابي؟هذا لا مُدخَلية له في النقاش العلمي، أنا إمامي يا سيدي أو أنا سُني أو أنا أشعري أو أنا وهابي فناقشني، الآن يبدأ الجد والآن يبدأ اختبار الحقائق.

على كل حال وعدتكم أن نعود إلى مارتن لوثر Martin Luther، مارتن لوثر Martin Luther قال الاحتكام إلى الكتاب وإلى العقل وإلى الدليل، أي لابد من الحرية وخاصة حرية الضمير، لكن هل تعرفون لماذا قال هذا؟ لأنه كان مُستضعَفاً، لم يقو عوده ولم يتقوَّ ولم يتعزَّز بكثرة الناصرين والمُشايعين، جوزيف لوكلير Joseph Locklear في كتابه العظيم – كتاب من ألف وثلاثمائة صفحة ولكن قراءته مُتعة حقيقةً – تاريخ التسامح في عصر الإصلاح كان يتحدَّث فيه كله عن التسامح – Toleration أو Tolerance – في عصر الإصلاح الديني، وهذا كتاب عجيب من ألف وثلاثمائة صفحة يتحدَّث عن هذه الموضوعة فقط، ويقول باختصار – أنا أُلخِّص لكم عشرات الصفحات – الفرنسي جوزيف لوكلير Joseph Locklear في كتابه العظيم والمُهِم في بابه عن مارتن لوثر Martin Luther بعد أن اشتدّ عوده وكثرت شيعته بدأ التحوّل في موقفه، علماً بأنه بالأمس كان يستدل لآرائه بآراء الآباء – الآباء اللاتين بالذات كان يستدل بهم، آباء الكنيسة الغربية – وكان يستدل بيسوع في إنجيل متى لأمثولة القمح والزؤان، فقال اتركوا الزؤان لكي لا نأخذ القمح معه، اتركوه كله مع بعضه، ثم ذهب الزؤان وذهب القمح، وقال هذا للوعّاظ، فالمثل الذي ضربه يسوع ضربه للوعّاظ وليس للحكّام، ونحن نعرف طبعاً أن الكنيسة البروتستانتية لم تستحوذ على السُلطة الزمنية ولكنها شايعت السُلطان الزمني مثشايَعة مُطلَقة تقريباً، ولوثر Luther وأمثال هؤلاء أعطوا السُلطان الزمني كل سُلطة، لكن شريطة أن يُطبِّق الكتاب المُقدَّس لأنه عمدتهم، قالوا له ينبغي أن تأخذ بأقوالنا وأن تُطبِّقها وأنت لك كل التصرف، عكس الكنيسة الكاثوليكية، فلذلك لم يتسن لهم سُلطة زمنية حقيقية، لكن كالفن Calvin في جنيف Geneva جمع السُلطتين، ويا ويل الناس مِما فعل كالفن Calvin، هذا شيئ مُخيف، فذكَّر الناس بفظائع الكاثوليك وعمل مثل محاكم التفتيش للناس وأعمل فيهم الذبح والحرق والخوزقة، فكالفن Calvin كان مُجرِماً، وقد التجأ إليه العالم الجيولوجي والطبيب المُشرِّح واللاهوتي الإسباني المسكين سيرفته Servet أو سيرفيتوس Servetus فغدر به، هو التجأ إليه لأنه كان في فرنسا هارباً بعد أن طلبوا رأسه لأن الرجل كان مُوحِّداً، فهو قال لا يُوجَد ثالوث، والصحيح هو لا إله إلا الله، ويُقال أن سيرفته Serveto أو سيرفيتوس Servetus تأثَّر بالإسلام، وقد كان علَّامة كبيراً ورجلاً موسوعياً، فبدأ يُراسِل كالفن Calvin ويقول له ما هى أدلته، وألَّف كتاباً في أكثر من ألف صفحة ليقول الله واحد لا شريك له، وأن الـTrinität مُجرَّد كلام فارغ وغير صحيح، لكن بعد ذلك غدره كالفن Calvin وكتب لزفنجلي Zwingli قائلاً أنا سأستدرك هذا الزنديق الهرطوقي هنا ويوم يقع يدي وعزة ربي لن أرحمه، والرجل سلَّمه المقادة ووثق به وذهب إليه بعد أن شُغِبَ عليه في فرنسا فهرب إلى جنيف Geneva، فأخذه وحاكمه في ألف وخمسمائة وثلاث وخمسين وأحرقه بالنار حياً، ميلينجتون Millington كان بروتستانتياً على طريقة كالفن Calvin فماذا كتب يقول؟ كتب يقول هذا عمل مجيد عمله كالفن Calvin وعلمناه نحن معه لكي يكون تذكرةً وعبرة جيدة للأجيال القادمة، فهو قال هذا درس مُمتاز، لكن هذه الأجيال القادمة شعرت بالعار وبالشنار – Shame – من هذا التصرّف المحقور وأبت في مطلع القرن العشرين – في ألف تسعمائة وثلاثة – في جنيف إلا أن تقيم نُصباً تذكرياً لسيرفيتوس Servetus، فهم أقاموا له نصب، لأنهم يعتذرون منه ومن هذه الحقارة الفكرية والدينية!

الدرس الذي أحببت أن أُنبِّه عليه في أول الخُطبة درس يُقرِّره كل مُؤرِّخي هذه المسائل، فهم يقولون للأسف الشديد ما مِن دين في حد ذاته وفي حد ذوات نصوصه يدعو إلى الاستئصال وإلى الذبح والتطهير، كل الأديان فيها قدر من الدعوة إلى الرحمة والتسامح والدليل والحُجة والسُلطان، ولكن درس التاريخ يقول ما من دين معصوم مِن أن يُساء تأويله وتوظيفه – توظيف نصه – لذبح الناس وحرقهم والتفتيش عن عقائدهم وخوزقتهم أحياء، ما من دين إلا وهو كذلك حتى الإسلام، فهذا حصل في الإسلام ولكن بفضل الله بدرجة أقل بكثير مما حصل في المسيحية مثلاً، وماذا يقول الدرس أيضاً؟ يقول كل المُتدينين مُؤهَّلون – هكذا من حيث الأصل هم مُؤهَّلون – أن يُمارِسوا العنف وأن يُقيموا المذبحة – فهذا مُمكِن لأي مُتدين – لكن لابد من توافر شرطين – هذا جوهر الدرس – هامين، الشرط الأول لابد من سُلطة زمنية، أي لابد أن يكون في يدهم قوة، سُلطة زمنية حقيقية كأن يحكموا هم – مثل مارتن لوثر Martin Luther وجماعته – ويُطيعهم الحاكم، فالحاكم يأخذ بفتواهم ويأخذ بكلامهم، ولذلك ما لم يكن لهم هذه السُلطة وهذه المُشايَعة سوف يظلون دائماً يكتفون بالانتقام بالغيبة والنميمة، أي سوف يقولون هذا كافر أو زنديق أو ملعون فافصلوه من النادي، سواء من نادي الشيعة ومن نادي السُنة، فهم ينتقمون بالنميمة وبالغيبة وبالتشويه وبالبهت وبالكذب، ويوم تصير إليهم السُلطة سيفعلون الأفاعيل، مثلما يتحسِّر مولانا الشيخ في مصر الذي قال كان الأمر لي لطهَّرت الأرض من هؤلاء، فهو يتحدَّث بلغة زنقة زنقة وبلغة التطهير وهى لغة القذَّافي الهالك، فهو يدعو إلى تطهير البشر وكأنه يتحدَّث عن جراثيم، وهذا شيئ مُخيف، أما الشرط الثاني يكون في بروز عقول نشطة مُتلهِّبة فوَّارة تتحدَّى القوالب والأنماط والأفكار التقليدية، وهؤلاء يُسمونهم هراطقة وزنادقة، فما لم يظهر هذا الزنديق الذي يُغامِر بحياته وبرقبته لن تحدث مذبحة، ولكن أنا أقول لكم المُشكِلة في أن الزنادقة حاضرون، وهنا قد تقولون لي كيف هذا؟ لكن أنتم تعرفون كيف، فزنادقة السُني مَن هم؟ الشيعة، وزنادقة الشيعي مَن هم؟ الوهابية، وزنادقة الوهابية مَن هم؟ الصوفية والشيعة، وهكذا إلى آخره، فهم موجودون، أي ليس ضرورياً أن يبرز لدينا مارتن لوثر Martin Luther أو زفنجلى Zwingli أو كالفن Calvin أو أي أحد لكي نقول هذا زنديق أو ظهرت الزندقة، فالزندقة حاضرة من ألف وثلاثمائة سنة، يبقى فقط أن تأتي الفرصة.

قد تسألون لماذا أطرح هاته الموضوعات الآن؟ هل تعرفون لماذا؟ لأن ثوراتنا انتصرت ولأنني أشعر – وهو تحقَّق بفضل الله هذا الأسبوع ولله الحمد والمنّة – أنهم الأقرب إلى أن يتسلَّموا السُلطة، فأقول لهم يا إخواني ويا أحبابي ويا أهلنا ويا أيها المسلمون ويا أيها الإسلاميون اتقوا الله في الدين واتقوا الله في الجيل، وهذه الرسالة الآن نُوجِّهها إلى إخواننا في النهضة ومَن تحالف معهم في تونس الخضراء – وإن شاء الله تبقى خضراء على أبد الدهر إن شاء الله – ونقول لهم النجاح الذي أصبتموه والذي حظيتم به بفضل الله – نُهنّيء ونُبارِك ونُبارِك للأمة الإسلامية كلها هذا – شيئ عظيم ولكن أعظم منه وبه يبدأ اختبار النجاعة حين تحكمون، ومبدئياً نحن لدينا قناعة غالبة أن الإخوة في النهضة سيُترّجِمون عن نموذج مُشرِّف جداً – بإذن الله – لأننا نعرفهم ونعرف شيخهم الفاضل الشيخ راشد حفظه الله، فالرجل مُتفتِّح جداً، وأنا سأحكي لكم حكاية شخصية عنه، فقبل بضع عشرة سنة في فولدا Fulda – هذا في فولدا Fulda تحديداً لكي أُوثِّق كلامي – ألقيت مُحاضَرة وكان يُوجَد الشيخ الزمزمي ومنير شفيق والشيخ راشد الغنوشي حفظهم الله جميعاً، فألقيت مُحاضَرة وكنت جريئاً جداً فيها وخالفت فيها في أشياء تقريباً مُتفَق عليها، والشيخ راشد يسمع ويكتب ويهز رأسه، وبعد ذلك في مسألة واحدة قال لي هذه المسألة أنا لا أستطيع أن أُشايعك عليها ولا أستطيع أن أقول لك إن عندي ما يدحض قولك، ولكن أنا أتحفَّظ عليها، فهذه المسألة جريئة جداً جداً، فهل تعرفون ماذا آنست؟ آنست شيئاً عجيباً علماً بأنني ذكرت هذا أكثر من مرة، مُعظَم تلميذاته وتلاميذه عارضوه وأيدوني وقالوا له لا يا شيخ راش ، هذا غير صحيح، وكلام الأستاذ صحيح مُمتاز وقوي، وهو يتبسَّم لهم، فقلت هل هكذا يتعاطى مع تلاميذه؟ هل هكذا تعلَّموا على يديه؟ هؤلاء ناس مُفلِحون بإذن الله تعالى، لا يُوجَد تعصب ولا تأليه ولا انغلاق ولا تكفير، وإنما يُوجَد قدر من المرونة عجيب، فبإذن الله النهضة في تونس ستُترّجِم – إن شاء الله – عن شيئ سيُذكِّر بنموذج أردوغان إن لم يفقه، وطبعاً سوف يقول لي أحدكم الآن لقد أسأت يا شيخ لأن أردوغان كفَّروه، فهم لم يُكفِّروه بالاسم وإنما كفَّروا النموذج الخاص به، كفَّروا سعيه وكفَّروا مسعاه في التلفزيون Television، وهذا شيئ رهيب لكن لا علينا من هذا، وأنا أسأل الله – تبارك وتعالى – من منبر رسول الله أن يقي أمتنا السوء والضر والشر وأن يفتح عقولهم وقلوبهم وأن يُصلِح ذات بينهم وأن يُؤلِّف بين قلوبهم وأن يُجنِّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أتمِم لنا ثوراتنا، اللهم تفضَّل علينا ومكِّن لهذا الدين تمكيناً حميداً مجيداً نُحمَد به في العالمين بين المسلمين وبين غير المسلمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.


الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

وانتهى لوثر Luther إلى القول بأن الهراطقة يُمكِن أن يُحرَقوا وأن يُذبَحوا – يتحدَّث عن اللامعمدانيون Anabaptists – أيضاً، في البداية تردد لكنه في النهاية قال نعم أُوافِق على حرقهم، فانتبهوا إلى أن مَن قال هذا هو مارتن لوثر Martin Luther، فمارتن لوثر Martin Luther الـ Reformer العظيم وافق على حرق اللامعمدانيين Anabaptists، لماذا؟ لأنه استشعر القوة واستشعر التمكين الآن، فموقفه من العلم والفلسفة والفكر ليس أحسن إن لم يكن أسوأ من موقف الكاثوليك، فهذا ينطبق عليه نفس الشيئ ومن ثم هو موقف سيئ جداً!

أختم بتذكير عن السُنة والشيعة والإباضية الآن في عُمان والزيدية في اليمن وأقول أن هؤلاء أعمارهم زُهاء ألف ومائتين أو ألف وثلاثمائة سنة، كم حاول السُنة في أشخاص خلفائهم كالمُتوكِّل وأمثال المُتوكِّل أن يجتثوا خضراء الشيعة أو يجتثوا الشيعة من خضرائهم؟ ذبحوا أئمتهم وذبحوا أبناء رسول الله في السجون وسمَّموهم ولم يفن الشيعة، أليس كذلك؟ والآن الشيعة يزدادون، وأنا أقول لكم أنهم يزدادون تحت هذا الضغط، تحت ضغط الحقد والتكفير والتأليب الذي من ورائه وبشكل واضح الغرب، حيث يُراد الآن – كما قلت لكم – أن تُلغَّم أرضنا وأن تنفجر فينا جميعاً سُنةً وشيعة، ولذلك سأقولها كلمة وأُغامِر بها وإن شاء الله أرجو أن تُفهَم في موضعها: هناك الآن حملة مُنظَّمة رهيبة – وأنا والله أرى نفسي وأقل من هذا، لماذا كل هذه الحملة؟ حملة أتت في فضائيات كثيرة، وهذا شيئ لا يُصدَّق – ويُعلَن عنها لستة أشهر ضد عدنان إبراهيم، فلماذا؟ ماذا أفعل أنا؟ ماذا أطلب؟ لن أقول حسبي الله – حسبي الله دائماً – ولكن ما المُراد؟ مَن وراء هذه الحملة؟ مَن الذي يدعمها؟ مَن الذي يُحرِّكها؟ هذا شيئ – والله العظيم – يُثير الريبة، في البداية لم أفطن إلى هذا وظننته اختلاف رأي، والآن تُوجَد حملة مُنظَّمة لأن الخطاب الذي أفوه به – أي خطابي هذا – لا يُرضي أعداء الأمة ولا يُرضي مَن يمكر بأمة يبدو أن طائفة منها أو طوائف أو جانباً – لا أدري عظيماً أو غير عظيم ولا أدري كبيراً أو غير كبير – مغلوب على عقله وعلى وعيه بإسم أنه يُحِب الحق.

من أكبر دُعاة السلام هنا في أوروبا كانوا وما زالوا المُفكِّرون اليهود، فالمُفكِّرون اليهود من أكبر دُعاة السلام ومن أذكاهم لأنهم يدعون بطريقة فلسفية مُمتازة، وطبعاً يُوجَد غير اليهود، ولكن لماذا اليهود بالذات؟ هذا طبيعي ومسلك ذكي، حين تشعر نفسك بأنك مُهدَّد وتحس بهذا التهديد تنزع إلى مُبارَكة السلام فكراً ومسلكاً، أليس كذلك؟ تفعل هذا لأنك مُهدَّد، والآن أنا أقول لك مَن المُهدَّد؟ كلنا – والله العظيم – سُنة وشيعة، أُقسِم بالله على أن الأمة كلها مُهدَّدة، والله العظيم الأمة كلها – أمة محمد، أمة لا إله إلا الله – مُهدَّدة اليوم، ووالله لن يُستثنى منها أحد، فلماذا لا نشعر نحن بهذا التهديد؟ أنا لا أتحدَّث عن نفسي وأنا شاعر به تماماً وهو الذي يجعلني أصيح هذا الصياح وأصرخ هذا الصراخ وإنما أعني هؤلاء وأولئك وأولئكم، لماذا لا يشعرون بالتهديد؟ لماذا لا يُمارِسون الأسلوب الناعم الرقيق المُسالِم الودود المُنفتِح مُبادَرةً للطوفان بسد من التسامح يبنونه؟ لماذا لا يفعلون هذا؟ سأختم بالجواب وأقول لأنهم أنانيون، هل تعرفون ما معنى أنهم أنانيون؟ الواحد منهم لا يُفكِّر في نفسه كذات جمعية – أي كسُني – أو يفكَّر في السُنة، هذا كذب لأن هذا – والله – لا يعنيه، والشيعي لا يُفكِّر في نفسه كذات جمعية – كأن يقول نحن الشيعة – أيضاً، وإنما يُفكِّر في نفسه كذات فردية، يقول أنا الآن الذي أظهر على التلفزيون Television وعلى الفضائيات وأُسوّي مسلّسَلات وحلقات والفلوس مثل النهر الذي يصب علىّ وعلى أهلي وعلى ذويي ولذا أستجيب لسياسة البلد وسياسة الحاكم وسياسة المُتنفِّذ ولما يُريد، فإذا كان يُرضيه هذا سوف أستجيب له لكي يرضوا عني ويقفون معي، فأنا الكاسب في النهاية، أنا الآن كشخص لا أرى أن هناك ما يضرني أو يضيرني في هذا، لن أُستأصَل كشخص ولن تلحقني النار، أما أنها ستلحق إخواني في بلد آخر فهذا لا يعنيني، لا يعنيني أنها ستلحق أجيال من أبنائي وأحفادي أو أبنائنا وأحفادنا في هذا البلد في زمنٍ تالٍ، فإذن ماذا يعنيه؟ يعنيه نفسه فقط فانتبهوا، نحن نُفكِّر – بفضل الله والمنّة ولا نقول هذا تبجحاً – على نحو مُعاكِس تماماً، نحن يعنينا الدين والإسلام وأمانة رسول الله التي بين أيدينا وأمانة هذا الكتاب الخاتم العظيم المُؤهَّل والمُرشَّح أن يقود الدنيا ويُعلِّم البشرية والله العظيم، ولكن – هيهات هيهات – أين؟ هؤلاء إذا تكاثروا – هيهات هيهات – سيكون هذا كله لعنةً علينا، سيكون أدوات لذبحنا وتمزيقنا وتشظيتنا، وهذا كله من أجل ماذا؟ لا أدري، من أجل أنانيتنا الصغيرة، فكل منا يُفكِّر في نفسه فقط، وإلا – مثلاً – مِن مصلحة مَن أن تطرد عالماً سُنياً مِن عضوية نادي أهل السُنة والجماعة وهو عالم له بعض تأثير مثلاً؟ هذا مِن مصلحة مَن؟ لماذا تفعل هذا؟ يفعل هذا لأن لا يعنيه الحق ولا تعنيه السُنة ولا الجماعة ولا الدين، يعنيه هو فقط، أن يبرز أنه – ما شاء الله – حامي الحمى وأنه هو المُتكلِّم الفاتق الناطق كما يقول التوانسة، فهوالفاتق الناطق فقط وليذهب البقية إلى الجحيم بما فيهم السُنة وبما فيهم الدين، فكفانا كذباً إذن، نحن نُريد شرف الضمير – أُقسِم بالله على أننا نُريد شرف الضمير – فقط، نحن نُريد ضميراً حياً يُمكِن لصاحبه أن يقول حين أضع رأسي غداً ألقى الله وليس هناك ما يُؤرِّقني، فاللهم اجعل حسابك وجزاءك لنا مقصودنا لا محصولنا، وهذا ما أقوله دائماً، سل أي داعية وسل أي عالم وقل له أقسم لي على كتاب الله أنك لا تطلب من الله إلا أن يُؤاخِذك بمقصودك لا بمحصولك وقل لي ماذا سوف يقول لك، لكن ما معنى مقصودي لا محصولي؟ مقصودي هو نيتي، فما هى نيتكَ؟ ما هى نيتها؟ ما هى نيتي؟ أما محصولي فهو اجتهادي وآرائي، وليس منا نبيٌ، كلنا نُخطيء ونُصيب لأننا لسنا معصومين، نحن فقط بشر ضعاف، فأهم شيئ هو النية، وكما قلت لكم كُن غبياً أو كُن ذكياً فهذا ليس يهم كثيراً في هذا المقام، ولكن كُن صادق النية وحسن القصد، والآن أقول لك أصب الرأي أو أخطيء الرأي والاجتهاد فهذا ليس يهم كثيراً، ولكن كُن صادق النية خالص القصد، لأن إذا صحَّت النية وضح السبيل، ومَن يهد الله يستهده، قال الله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ۩ وقال أيضاً فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ ۩ فضلاً عن أنه قال سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ۩.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُبارِكنا ويُبارِك أمتنا، اللهم بارك فينا ولنا وعلينا وحوالينا، اللهم ألِّف بين قلوبنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم وحِّد صفنا، اللهم قِنا واصرف عنا نزغات الأنفس والهوى والغرض ووساوس الشياطين، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ۩ يا رحمن يا رحيم يا رب العالمين.

يا مولانا الطف بنا ولا تُؤاخِذنا بما فعل السفهاء منا، ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم أبرم لهذه الأمة المُحمَّدية أمر رشدٍ تُعِز فيه أولياءك وتُذِل فيه أنوف أعدائك ويُعمَل فيه بكتابك وتُتبَع فيه سُنة نبيك – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – ويُتآمر فيه بالمعروف ويُتناهى فيه عن المُنكَر وتأمن فيه سُبل المُؤمِنين. اللهم آمين .

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (28/10/2011)

 

نظرة جديدة على أسباب الكفر

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، و أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سبحانه وتعالى من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

 إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ۩  وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ۩  وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ۩  وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ۩ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ۩  يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۩     الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۩  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ۩  كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ۩  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۩  كِرَامًا كَاتِبِينَ ۩   يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ۩  إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ۩  وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ۩ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ۩  وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ   وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۩  ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۩  يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

يُمكِن للعين المُتفحِّصة ولو قليلاً حين تمر على كتاب الله – تبارك وتعالى – أن تُلاحِظ استقصاءً شاملاً وتاماً ودقيقاً للأسباب الباعثة على الكفر، والكفر مُتحدَّث عنه في هذا السياق – في سياقنا الذي نستقبله – هو أعم من أن يكون كفراً بالله وحده بل يعم ذلك إلى جانب الكفر بالنبيين وبالكتب وبالحقائق الإلهية المِلية بعامة، فهذا هو الكفر، قال الله وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ۩، فهذا استقصاءٌ شامل وتام ودقيق وغير مسبوق ولا ملحوق حتى أنني زعمت في دروس التفسير أن هذا الموضوع أو هذه الموضوعة يُمكِن أن يكون موضوع أطروحة عُليا أو عدد من الأطاريح، بسهولة يُمكِن لأي باحث جاد مُستبصِر أن يقوم بهذا وسيأتي بأشياء بديعة عجيبة، نعم لم يتفطَّن لها المُفسِّر التقليدي نظراً لقاعدته أو خلفيته المعرفية التي تعكس معارف عصره، لكن المُفسِّر الحديث والدارس الحديث ينبغي أن يكون أكثر اتساعاً وأكثر عمقاً حين يُلقي أضواء هادية على هذه الآيات الكريمة اللافتة حقاً للنظر، لكل نظرٍ مُنصِف وموضوعي ومُحايد.

هذه واحدة، أما الأمر الثاني الذي أُريد أن أُقدِّمه بين يدي هذا الحديث الذي يُشكِّل دراساً موضوعاتياً للقرآن الكريم هو أنني أُحِب أن أُميِّز بين الدرس والتفسير الموضوعي والدرس أو التفسير الموضوعاتي، فالموضوعي يُعنى بالسورة وحدها أو بسورةٍ بحيالها يُريد أن يكشف عن وحدتها الموضوعية، مثل كيف يتصادق آخرها وأولها وكيف يتآزر آخرها مع أولها، فهذه هى الدراسة الموضوعية، أما الدراسة الموضوعاتية فهى أن تأخذ موضوعاً بحياله ثم تكر عليه في موارده في كتاب الله كله سبحانه وتعالى، فأنا أُسمي هذا دراسةً موضوعاتيةً، وبعض الناس يشمل النوعين بإسم الدرس الموضوعي، لكن هذا فيه لبس وفيه اختلاط لأنهما منهجان مُتميازان، فهذا درسٌ موضوعاتي إذن، وطبعاً كنت أحسب أنني سأُكثِّف الكلام وأُركِّزه لكي أستعرض العناصر السبعة عشر التي تقصيتها إلى الآن ويُمكِن أن تكون أكثر وأن تكون أكثر بكثير، علماً بأن بعض المُفسِّرين التقليديين أو العلماء التقليديين من علماء العقيدة ذكروا خمسة عناصر أو ستة عناصر، لكن أنا وجدتها سبعة عشر عنصراً ويُمكِن أن تكون حتى عشرين أو ثلاثين، فلا أدري، لكن إلى الآن وقفت على سبعة عشر باعثاً وسبباً يحمل الناس على أن يتنكَّروا للحقائق وعلى أن يجحدوها وعلى أن يُعرِضوا عنها وعلى أن يكفروا بها، واللفظ العام هو على أن يكفروا بها، فالقرآن فعل هذا بشكل غير مسبوق – كما قلت – ودقيق ومُلفِت حقاً فسبحان مَن أنزله، أحياناً كنت لا أتمالك نفسي فأصرخ وحدي قائلاً “الله أكبر، الله أكبر، فعلاً هذا كلام إلهي ولا يُمكِن إلا أن يكون كذلك، لا احتمال آخر”.

النُقطة الثانية هى أن بعضاً للأسف هنا وهناك يزعمون أن القرآن فعلاً ابن سياقه الثقافي والحضاري والبيئي، وطبعاً وما المرحوم نصر أبو زيد – رحمة الله عليه وغفر الله له – وأمثاله منا ببعيد، حيث أنهم اقتنعوا بهذه الفكرة واستولت عليهم وسطت بهم وهى أن القرآن هو منتوج ثقافي، وطبعاً هذه مفاهيم ماركسية ومفاهيم مادية وباللغة التي يفهمها العامة والخاصة جميعاً القرآن هو من توليف محمد بطريقة أو بأُخرى، فالقرآن عندهم هو صنيعة محمد ومحمد كان صادقاً مع نفسه – هكذا يزعمون – حين زعم أنه عند من الله لأنه خُيِّلَ إليه أنه من عند الله بعد أن نظمه وركَّبه وولَّفه وألَّفه بطريقة ما ثم أنه في مزاج روحي صادق مع نفسه سمح له بأن يتخيَّل أنه يُوحى إليه، وهذا بحد ذاته كفر، سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۩، هذا الاعتقاد كفر حقيقي وهو مُصادِم لقواطع القرآن وجوازمه في عشرات الموارد والمواضع، فلسنا من هذا الهزل ولسنا من هذا السُخف وبالتالي سوف نترك هذا، لكن هؤلاء المساكين يزعمون للأسف هنا وهناك أن القرآن هو الذي دلنا على أنه منتوج ثقافي ابن بيئته وأن هذه هى تاريخية القرآن أو الدرس التاريخي ولذلك القرآن فعلاً يُمثِّل مرحلة وانتهى كل شيئ، فهو ليس كتاباً مُطلَقاً وليس كتاباً لكل الأزمان ولكل الثقافات ولكل جيل ولكل عصر وإنما لأجيال مُحدَّدة ولحقب تاريخية مُعيَّنة، وفَّى ربما ببعض غاياتها واستنفذ أغراضه وانتهى كل شيئ، ومرة أُخرى نقول سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۩ ومُبين، فهذه فرية بلا مرية، لكن لماذا؟!

قالوا انظروا – مثلاً – مُحاجَة القرآن – وهى مُحاجَة الله – للكفر، إنها لا تعدو نطاق الكفر الشركي وكفر المُنافِقين، وفي نهاية المطاف كفر المُنافِق هو كفر شرك، فهو يعود إلى الشرك إذن، لأن الذي يُقابِل إيمانه المزعوم هو إيمانه بالأصنام وبالأوثان وبالأخشاب وبالتالي إذن هو كفر شرك، فقالوا القرآن دائماً لا يُجادِل الملاحدة، أين الإلحاد في القرآن الكريم؟ أي الإلحاد باللغة العصرية – Atheism  – أو مذهب الإلحاد مذهب النفي وهو ما كان يُسميه أبو العلاء المعري النفي ويُسمي أصحابه النُفاة، وهى تسمية أدق من الإلحاد لأن الإلحاد هو الميل، والقرآن ذكر هذا المُصطلَح لكن ليس بمعنى Atheism  أو بمعنى النفي أنه لا إله وإنما بمعنى تخفيض أسماء الله وصفاته أو نفي بعضها، قال الله في سورة الأعراف وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ ۩، فهذا هو الإلحاد وهذا هو الميل، وعلى كل حال لا مشاحةَ في الاصطلاحات، فنحن في هذا المقام سنستخدم الإلحاد بالمعنى المُعاصِر أي بمعنى الـ Atheism أو مذهب النفي أو الاعتقاد بلا إله، فهم قالوا أين الإلحاد في القرآن الكريم فالله لم يتحدَّث عنه مرة واحدة؟ لأن العرب لم تعرفه فإذن فقط هو مُختَص بالعرب، وبالتالي هو كتاب عربي ابن بيئة عربية، لكن العرب المُشرِكون كانوا يعترفون بالله في عشرات المواضع، قال الله وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۩ وقال الله أيضاً وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۩ فضلاً عن أنه قال وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ  ۩، وهناك آيات كثيرة جداً جداً في هذا الصدد، قال الله قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۩ ويُذيل الله الكثير من الآيات بقوله أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۩ وقوله  أَفَلَا تَتَّقُونَ ۩ وقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ۩، وسنكتفي بهذا حتى لا نُطوِّل بذكر الآيات الكريمات على جلالاتها  فهى معلومة كشواهد للجميع!

إذن هؤلاء لم يكونوا نُفاةً ولم يكونوا ملاحدة وإنما كانوا كافرين كفراً مخصوصاً، إنه كفر الشرك وكفر الوثنية، وأشار القرآن إلى كفر الثانوية كالذين ثلَّثوا وعبدوا ثالوثاً والذين عبدوا الشمس والقمر كالمجوس مثلاً، ونهى الله عن عبادة الشمس والقمر والسجود لهما، فهذه كلها إشارات، لكن أين كفر النفي؟ هذا تعجّل، قبل أن نُفيض في موضوعنا الرئيس وهو موضوع الأسباب الباعثة على الكفر أود أن أقول أنني أستخدم الأسباب  بمعنى أو بطريقة وقائعية موضوعية – Positive – وليس بطريقة عقلية، فهذه ليست أسباب عقلية معقولة وتُنتِج معلولاتها كالعلة، لأنها ليست عللاً وإنما أسباب نصفها بطريقة وقائعية، وفي الحقيقة كانت هذه هى أسباب كفرهم بغض النظر تُنتِج الكفر هى بطبيعتها أو لا تُنتِج، وإن أكثرها لا يُنتِج الكفر بطبيعته ولكن هم كفروا بسببها، وهذا ما حصل، فهذه هى المُقارَبة الوضعية الوقائعية Positive Approach، وعلى كل حال هذا ليس بالمعنى العقلاني وبمعنى العلة التي تُنتِج معلولها بطريقة ضرورية حتى نكون دقيقين علمياً.

أعود لكي أقول أن هذا الكلام غير صحيح بالمرة، لأن القرآن أيضاً كان دقيقاً ومُفصَّلاً ومُدهِشاً في عرضه أنماط الكفر وليس فقط في عرض أسباب الكفر، وطبعاً الأنماط أقل من الأسباب لأن دائماً الأسباب أكثر بكثير من الأنماط والنماذج، وهذه هى أنماط الكفر في القرآن الكريم بسرعة وعلى عجل:

هناك كفر الإلحاد وسأبدأ به لأنه هو الذي أثار شُبهةً وشغب به هؤلاء المساكين أصحاب الدراسات التاريخية والمنهج الماركسي والتاريخاني للقرآن الكريم للأسف الشديد، فماذا يقول الله تبارك وتعالى؟!

يقول – سبحانه وتعالى – بشكل واضح وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ۩، أي ما من إله خلق وما من إله أحيا وما من إله يُميت وما من إله يبعث وينشر، إنما هو الدهر أو الزمان أو الكون أو المباديء الطبيعية أو عناصر الطبيعة أو قوانين الطبيعة أو سير الزمان أو سهم الزمان فقط، فالآية واضحة في مذهب النُفاة Atheism إذن، وبالتالي أين هم من هذه الآية؟!

طبعاً القرآن لم ينخرط إلى أمد بعيد أو عميق مع النُفاة، لماذا؟ لأن العرب فعلاً لم يعرفوا هذا المذهب، فعرفه قلة منهم، نعم بعض طواغيت العرب كانوا نُفاة وكانوا حتى لا يُؤمِنون بالله أصلاً، فلا يُؤمِنون لا بإله ولا بغيره ولكنهم كانوا قلة قليلة جداً،
والمقالاتيون وأصحاب المقالات – مقالات الأديان المُقارَنة – عرفوا هذا تماماً ونسبوا إليه نسبةَ الدُهرية وتحدَّثوا عن المذهب الدُهري.

هناك مُلاحَظة على “المذهب الدُهري”، فمن الناحية الصرفية هى نسبة على غير قياس ولكنها نسبة الصحيحة، فلا تقل لي “النسبة للدهر وبالتالي هذا إنسان دَهري وهؤلاء دَهريون” فهذا خطأ صرفياً وإنما قل “دُهَري” ولا تقل “دَهري”، والأفغاني – رحمة الله عليه – حين ألَّف كُتيبه الصغير “الرد على الدُهريين” بعض المُحقَّقين العباقرة في اللغة العربية صحَّحوا العنوان إلى “الرد على الدَهريين” لأن النسبة إلى الدَهر كما كان يظن وهذا خطأ، فهذا جاهل ولكنه يُصحِّح على عالم، ونحن نقول له اذهب وصحِّح جهلك واقرأ كتب النحو والصرف لأن النسبة إلى الدهر نسبة غير قياسية، مثل النسبة إلى البَصرة بِصري، وهناك مَن يقول بَصري لكن الأصح بِصري وليس بَصري لأنها نسبة غير قياسية، وكذلك النسبة إلى الدَهر دُهري، فنقول المذهب الدُهري ونقول أنهم دُهريون.

إذن ما المُراد بالدُهريين؟ الملاحدة الذين لا يعترفون لا بإله خالق ولا رازق ولا مُحيي ولا مُصرِّف ولا مُدبِّر ولا ناشر ولا باعث وإلى آخره، فيعزون كل شيئ إلى  الطبيعة – Nature – والكون وانتهى كل شيئ.

إذن القرآن لم يفته الإشارة إلى المذهب الدُهري أو إلى مذهب النُفاة أو إلى الملاحدة، لقد فعلها بشكل واضح، ولعله فعلها أيضاً ضمناً في مثل قوله في نفس السورة وهى سورة الجاثية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ۩، فمَن الذي يتخذ إِلَهَهُ هَوَاهُ ۩؟!

الذي يقول “هواي، فأنا أُشرِّع لنفسي وأنا رب نفسي، ليس هناك رب خارج حدودي أصلاً”، وهذا هو مذهب النفي وهذه هى نفس الدعوة التي دعا إليها الفيلسوف هيجل Hegel الألماني وهو رجل مُلحِد الرجل وليس مُجرَّد فيلسوفاً وذلك حين قال “الرب الإله ليس شيئاً خارج البشر وليس كائناً مُتعالياً –  Transcendental – وإنما هو أشواقنا وأحلامنا وآمالنا وإسقاطات نُسقِطها على كائن مُتوهَّم نُسميه الله ونُؤمِن به ونضحك على أنفسنا”،  فهيجل Hegel المُلحِد يقول أن الله هو مُجرَّد أفكارك أنت وآمالك وأحلامك ومُنتخَباتك الفكرية وليس أكثر من هذا، وهى الفكرة التي كرَّرها نيتشه Nietzsche بشكل واضح جداً جداً وذلك حين قال “ابحثوا عن الله في أنفسكم، فالله ضاع ومات وانتهى، أنتم قتلتموه وبقيَت ظلاله ولابد أن تمسحوها، وبعد ذلك لكي تستعيضوا الأمان الذي ذهب والسكينة والطمأنينة والتراحم والتعاطف الذي كان بإسم الله – أيها الإخوة – يُعمَّد ويُكرَّث ويُمارَس افعلوا ذلك الآن ولكن بإسم الإنسان، آمنوا بأنفسكم فأنتم الآلهة”، أي أن الواحد منهم مثل سوبر مان Superman أو Übermensch، فهو هذا نفس الإلحاد إذن!

لودفيغ فيورباخ Ludwig Feuerbach كان تلميذاً لهيجل  Hegel وهو يُعتبَر من أساتيذ ماركس Marx وهو المُلحِد الأكبر، فيورباخ Feuerbach عنده كتاب مشهور جداً يُمكِن أن تقرأه في جلسة وهو “جوهر المسيحية” الذي قال فيه “هذا الإله عبارة عن كلام فارغ ووهم، فهو مُجرَّد اسقاطات لنا نحن، وأتى الوقت لكي نمحوه بالكامل”، وتأثَّر بهذا الكُتيب ماركس Marx  وتجاوزه.

إذن مثل هذا التفكير الفارغ موجود عبر العصور، والقرآن أيضاً كثَّفه بكلمة واحدة أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ۩، فهكذا أنا أفهم الآية فلسفياً، فمثل هذا يقول “أنا الإله وأنا المألوه، أنا الخالق وأنا المخلوق، هذا كل شيئ فقط، فالله ليس شيئاً خارجياً”، وطبعاً مُؤسِّس التحليل النفسي سيجموند فرويد Sigmund Freud كرَّر هذه الفكرة الغبية – وهى فكرة باطلة تماماً – في أكثر من كُتيب وأكثر من دراسة، فقال “يقولون الله خلقنا، والصحيح أننا نحن الذين خلقنا الله، فالله فكرة الإنسان ابتدعها”،وهذا كلام فارغ.

إذن القرآن ذكر هذا بشكل واضح وهذه كان أولاً، ثانياً يُوجَد كفر الشرك، ولن أتحدَّث عنه لأنكم تعرفونه تماماً، فأصحابه اتخذوا مع الله ومن دون الله أولياءً وأوثاناً وأخشاباً وأحجاراً وشفعاء وغير ذلك من هذا الكلام الفارغ، والقرآن انخرط انخراطاً بعيداً جداً وعميقاً في مُحاجَجة كفر الشرك، لماذا؟ لأن هذا كان كفر العرب فعلاً.

ثالثاً هناك كفر الجحود، قال الله فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً  قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ۩

إذن الله قال وَجَحَدُوا بِهَا ۩، فما معنى الجحد؟!

في اللغة الفقهية يقولون “جاحد العارية”، وفي صحيح مسلم “نسيَ آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته”، ومعنى جاحد العارية أن تأتي إلى جارك تستعيره طبقاً أو إناءً أو طنجرة أو حلة أو حتى حُلياً لزوجك أو أي شيئ، فيُعيرك ذلك الشيئ وبعد ذلك يطلب منك أن تُعيد إليه عاريته ، فتقول له أنا لم آخذ منك شيئاً، أي أنك جحدت وأنت تعرف أنك أخذت هذه العارية وهى عندك، فهذا باختصار إسمه الجحود الجاحد.

إذن الكافر الجاحد مَن هو؟ هو مَن علم يقيناً في قلبه أن محمداً حق وأن الله حق وأن القرآن حق وأن البعث والنشور والحساب والجزاء حق وأن الدين حق والمِلة حق ولكنه يجحد كل هذا ويقول لك هذا كله كلام فارغ، والإنسان طبعاً جاحد، وعموماً النبي قال “نسيَ آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته”، فهل تعرفون قصة هذا الحديث اللطيف؟!

الله حين خلق آدم قال له يا آدم سنُعطيك ألف سنة عمر، فعُمِّرَ آدم كما هو معلوم ألف سنة، ثم عرض عليه أبناءه، وطبعاً أهم الأبناء هم الأنبياء والمُرسَلون بوجوههم الشُعشُعانية تشع نوراً لأنهم وجه البسطة كما يُقال، فلاحظ واحداً منهم جميل الخِلقة جداً وطيب ومُبارَك فقال مَن هذا؟ فقال هذا أحد أبنائك من الأنبياء إسمه دواد، فقال ما شاء الله، هذا مُبارَك، كم سيُعمَّر هذا على الأرض؟ فقال له سيُعمَّر حتى يصل إلى سن الستين، فتعجب مِن أنه سيُعمَّر إلى سن الستين فقط وهو أبوه الأكبر وسيُعمَّر ألف سنة فقال أنا سأهبه أربعين سنة، ولم يكن لديه مُشكِلة في أن يُعطيه أربعين حتى يصير عمره مائة سنة بعد أن تُجمَع هذه السنوات مع الستين، وهذا شيئ جيد من آدم الإثاري Altruistic، لكن بعد ذلك حين انقضى من عمر آدم تسعمائة وأربعين سنة جاء ملك الموت وقال يا آدم فقال له ماذا؟ قال نُريد أن نقبض الروح وأن نأخذ النفس، فقال أنا عمري ألف سنة، قال له ولكن أنت وهبت ابنك ستين سنة ، فأنكر هذا وقال  أعوذ بالله، أنا لم أفعل هذا، وهو يعلم أنه فعل هذا.

وطبعاً نسيَ – فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ۩ – حين أخذ الله عليه الميثاق ألا يأكل من الشجرة فنسيَ، إذن مرةً نسيَ ومرةً جحد، ولذلك قال عليه السلام “نسيَ آدم فنسيت ذريته – وأول ناسٍ أول الناس  وأول جاحدٍ أبو الجاحدين، وهو آدم – وجحد آدم فجحدت ذريته”.
فهذا هو كفر الجحد إذن، وهو أن تعرف الحقيقة ولكنك تنطق بغيرها، كأن تعرف أنه صادق وتقول كاذب أو أن تعرف أنه مُحِق وتقول مُبطِل أو أن تعرف أنه مُستقيم ومُهتدٍ وتقول هو ضال مُتهوِّر، فهذا هو الجحد والعياذ بالله، والإنسان كما لقَّبه دوستويفسكي Dostoyevsky  هو الجاحد السائر على قدمين، فأكبر جاحد هو الإنسان ولكن هذا له موضع آخر للتفصيل!

ثالثاً هناك كفر الإعراض، وكفر الإعراض يُمكِن أن نُسميه أو ننعته كفر الصد – أي الصد عن سبيل الله، فنجد أن الواحد منهم قد أعرض وانصرف ولم يُرد أن يسمع أصلاً – أو كفر النأي، فيُمكِن أن نُمسيه كفر النأي أيضاً لأن الواحد منهم ينأى كما قال تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ – عن القرآن الكريم – وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ ۩، فيقول لك الواحد منهم “لا تسمع”، وهو أيضاً في ذاته لا يسمع ولذلك يُريد منك إلا تسمع وأن تكون مثله، تقول الآية الكريمة وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ۩، أي لا تسمعوا هذا من حيث الأصل، فهم يُريدون منك أن تكفر به من قبل أن تستمع إليه، وهذا أمر عجيب لكن هذا هو كفر الإعراض، فهذا نوع من الكفر طبعاً، ولكن كيف هذا؟!

لماذا خلق الله لك منافذ للفهم وللإدراك وللحس فتُعطيك الإدراك الحسي والإدراك العقلي؟ علينا أن نعرف أولاً أن القلب هو إداراك عقلي وأن السمع والبصر إدراك حسي، ولذلك تقول الآية الكريمة خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ ۩، علماً بأن اليوم – إن شاء الله إن لم أنس – سأُطلِعكم على مُقارَبة لهذه الآيات عجيبة غريبة جداً جداً، فأنا اقترحت تفسيراً جديداً قبل سنة تقريباً لمثل هذه العقوبات الإلهية، لأن هناك مَن يقول الله هو الذي ختم فما ذنبه إذن؟ ولكن ليس الأمر على هذا النحو، فيجب أن نفهم الآيات اليوم بشكل دقيق وعلمي حتى في إطار علم الأعصاب، وسوف نرى كيف يتم الموضوع في هذه المُقارَبة الجديدة تماماً بإذن الله تبارك وتعالى.

إذن هذا كفر الإعراض، وطبعاً له أسباب كثيرة لكن في النهاية هى أسباب سيكولوجية، وهو – أي كفر الإعراض – يحتاج أيضاً بحد ذاته إلى مُحاضَرة وحدها،  فقد يكون الخوف على المصالح هو أحد أسبابه، تقول الآية الكريمة وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۩، أي سوف تضيع مصالحنا وتضيع حيثياتنا وبالتالي نحن لا نُريد هذا.

ولذلك حتى البحث عن الحق وسماع الحق  – مُجرَّد أن تسمح لنفسك أن تستمع إلى الحق – يقتضي شجاعة، فلابد أن تكون شجاعاً لكي تستمع إلى الحق، وأحياناً الإنسان أجبن من أن يسمح لنفسه أن يستمع إلى الحق أو أن يقرأ إلى الحق أو أن يعرف الحق فيقول لك لن أفعل هذا لأنه يعرف أن هذا الحق ربما يُقنِعه وبالتالي هذا سوف يُرتِّب عليه تبعات هو الآن على الأقل غير مُستعِد أن يدفعها، فهناك أثمان باهظة لكن هو لا يُريد أن يدفعها ومن ثم يقول لك أنا لا أُريد أن أسمع من حيث الأصل وسوف أنصرف.

ومن الأسباب السيكولوجية والنفسية أيضاً الاستكبار، فهناك مَن يرى أن محمد لا يستحق أن يسمع له أصلاً، فمَن هو محمد هذا؟ هذا يتيم أبي طالب وأنا فلان الفلاني، فأنا من علية القوم وعندي أموال وعندي جواري وعندي خدم وحشم وعبيد فكيف أسمع لمحمد؟ ولذلك قال الله وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا  وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا –  يجري مُبتعِداً لأنه يُريد أن يسمع – كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا  كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ ۩، فهو لا يُريد لأنه مُستكبِر مُتعالٍ!

وهناك أسباب أُخرى ولكن هذا الموضوع طويل، فالآيات التي تتحدَّث عن كفر الإعراض كثيرة جداً، مثل وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ۩، فكفر الإعراض أو كفر الإنصراف كان موجوداً من أيام نوح، وطبعاً من أسبابه الانشغال، لأن المسألة المِلية أو المسألة الدينية الروحية ليست ضمن أولويات هذا المُعرِض، فهو أولوياته الأكل والشرب والجنس والحيوانية والبهيمية في الحياة والسُلطة والقوة والبطش وتجميع المال، لكن الدين والله والآخرة والفضائل لا تُعتبَر من أولوياته، فهو ليس لديه أي وقت لها، لذا هذا من ضمن أسباب كفر الإعراض، ولذلك آية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ ۩ يفهمها مَن حضر دروس التفاسير، فمثل هؤلاء ليس لديهم الوقت لكي يُفكِّروا في قضايا الآخرة، وإن أعطى أحدهم هذه الموضوعات وقتاً يكون بنسبة واحد من عشرة آلاف وذلك إذا أعطى أصلاً، وهذا طبعاً لا يُنتِج علماً ولذلك لا يُحيطون علماً بهذه القضايا، فهم لم يُحيطوا علماً بقضايا الدين لأنهم مشغولون عنها، فكان هذا هو السبب الثالث من أسباب كفر الإعراض والصد والانصراف والنأي، وهذا مذكور في كتاب الله بشكل واضح، قال الله في مطلع سورة هود أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ – يسمعون ومُباشَرةً ينصرفون – لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۩، وهذا هو كفر الإعراض.

هناك كفر النفاق أيضاً، وكفر النفاق ضرب عجيب من ضروب الكفر، والقرآن طبعاً أوعب كثيراً جداً في تحليله وتشريحه بطريقة إلهية – ولن نقول بطريقة علمية فلسفية وإنما بطريقة إلهية – ولا أدق ولا أبدع، فالمُنافِق في الحقيقة ليس كاذباً دائماً كما نظن، المُنافِق أحياناً يكون صادقاً بل ويُؤمِن بصدق فيكون مُؤمِناً وعنده إيمان ولكن بعد ذلك لأسباب لسنا الآن في مورد استقصائها يعود إلى الكفر، ولذلك الله نسبه إلى الإيمان حين قال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ – إذن الله قال  آمَنُواْ ۩ – ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ۩، ذن الله قال أنهم يُؤمِنون أحياناً ثم يكفرون، والنبي حين ذكر القلوب الأربعة وصفاتها ذكر القلب المُصفَّح، وفي أحاديث أحمد عن أبي سعيد القلب المُصفَّح هو قلب المُنافِق، فقلب المُنافِق فيه نور وفيه ظلام وفيه هُدى وفيه ضلال وفيه إيمان وفيه كفر، وشبَّهه المعصوم – صلوات ربي وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين – بالقَرحة – أي القُرحة كما نُسميها باللغة العامية، وهى هذا الدمل الكبير – يمدها الدم والصديد، والدم من المُمكِن أن يُعالِجها وبالتالي هذا جيد لكن الصديد – Eiter – يزيد الإخماج فيها والإنتان وقد تنتهي ببتر العضو المُتقرِّح، فالنبي إذن قال هذا هو قلب المُنافِق، فيه هُدى وهذا مثل الدم الطيب وفيه ضلال وظُلمة مثل القيح، أيهما غلب عليه غلب، فهذه الحالة عجيبة وهى حالة طبعاً نفسية سيكولوجية، حالة شخصية مُشتَّتة ضائعة حائرة، فهى ليست مُستقِلة وليس عندها فردية وإنما هى تابعة – كما قلنا في الخُطبة السابقة – للنمط وللمُجتمَع، فيُريد الواحد منهم أن يُرضي هؤلاء وأن يُرضي هؤلاء، ولذلك إذا دخلوا دخلوا بشيئ وإذا خرجوا خرجوا بشيئ، قال الله وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ – إلى إخوانهم وأمثالهم – قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ۩، إذن هذه شخصية ضعيفة ولابد من دراستها أيضاً في أضواء سيكولوجية مُعمَّقة، وبالتالي القضية لا تتوقَّف على كونه إنساناً كذّاباً ويُمارِس الكذب أو أنه جاسوس أو ما إلى هنالك، فالنفاق أدق من هذا لأنه حالة مُعقَّدة جداً وتحتاج إلى تشريح دقيق كما فعل الله – تبارك وتعالى – وعلَّمنا ولكن المُفسِّرون يختزلون الأشياء للأسف الشديد.

لا أُريد أن أذهب إلى آخر أنماط الكفر، ولكن هذه الأنماط الشهيرة في الكفر، إذن القرآن كان دقيقاً جداً جداً، فهو ليس ضيق النطاق كما يزعم هؤلاء التائهون في أنه لم ينخرط في مُحاجَجة ومُجادَلة إلا الكفر الشركي فقط، فمثل هذا الكلام يصدر بسبب قلة العلم وقلة الاستقصاء، هذا كلام مَن لم يُحيط علماً وكلام مَن لم ينشغل بتلاوة كتاب الله والتدبّر فيه، لكنهم انشغلوا بتكذيبه والتشغيب عليه ومن ثم حدث نفس الشيئ ووقعوا في نمط من أنماط الكفر، حيث أنهم يُسارِعون إلى التكذيب قبل أن يستوفوا الآلة – آلة البحث العلمي – وقبل أن ينصرفوا بهمة وبجد وبرصانة منهجية إلى موضوع بحثهم، والصحيح هو أن تنصرف بهمة إلى موضوع بحثك ثم بعد ذلك اخرج علينا بنتائج ومُقرَّرات، فلا تفعل هذا قبل أن تستوفي هذه الشروط، ولكن هذا هو ما يفعله الاستخفاف العلمي، وبالتالي هذا استخفاف علمي للأسف الشديد.

نأتي الآن إلى موضوعنا لأنني – كما قلت لكم – ظننت أنني سأُوفي ربما على العرض السريع لسبعة عشر عنصراً، ولكنني أجدني ملزوزاً أن أتحدَّث عن عنصر واحد فقط من هذه العناصر السبعة عشر من أسباب الكفر والبواعث عليه، فسأبدأ بالعنصر الذي يُشكِّل تواصلاً مع خُطبة الجمعة الماضية – إن شاء الله – لأن هذا سيكون أفضل للتواصل الفكري والعلمي، لكن كيف سنعرضه؟

كالتالي: أولاً هو له علاقة بالنمط، وبالتالي هو كفر النمط لأنه يحدث بسبب غلبة النمط، وأُعيد مرةً أُخرى التذكير بالنمط وكيف يُؤثِّر النمط وكيف أنه شيئ أبعد وأكثر تعقيداً من التقليد والمُحاكاة – Imitation & Emulation – طبعاً، فالتقليد أحياناً يكون واعياً ومشفعواً بالعصبية ومن ثم قد أُقلِّد عصبية لأنني أُريد هذا، أما النمط فلا، النمط مُريح والنمط تلقائي وأحياناً غير واعٍ  وغير شعوري لأنه يحدث من تلقاء نفسه بشكل طبيعي.

 مثلاً أنا بالأمس ذكرت في درس التفسير أشياء أنتم تستوعبونها بطريقة سلسة عادية، لكن حين يسمع الدرس التفسيري في الموقع الإلكتروني Website على الإنترنت Internet – مثلاً – أُناس في القاهرة أو في دمشق أو في غزة أوفي القيروان أو في طرابلس أو في أي مكان فإنهم سيستغربون وسيقولون ما شأن هذا الشيخ غير الطبيعي والذي يتحدَّث في أشياء غير واقعية؟ لكن كيف هذا؟ بسبب النمط، فالنمط في بلادنا – مثلاً -أن الذي يُطلِّق هو الرجل وبالتالي العصمة دائماً بيد الرجال ويندر جداً أن تكون في يد المرأة، لكن في تونس – مثلاً – وهى دولة علمانية مُعلّمَنة من عشرات السنين تذهب المرأة بشكل عادي إلى القضاء وترفع دعوى قضائية وتُطلِّق زوجها مثل الغرب هنا، وهذا لا يحصل بهذه النسبة في عدد من البلاد العربية الأُخرى وإن كان الآن بدأ يُصبِح شيئاً فشيئاً نمطاً، ولكنه لم يُصبِح عادياً بنسبة كبيرة، لكن هنا هذا طبيعي جداً جداً جداً لأنه يحدث كثيراً، فكثير من شبابنا العرب المساكين الغلابة والمسلمين هم مُطلَّقون، فالواحد منهم يُطلَّق ولا يُطلِّق، فزوجه تُطلِّقه وتأخذ أولاده وبيته والنفقة، ونحن ذكرنا هذا على أنه إحدى نتائج المعاصي ولكن في سياق آخر مُختلِف تماماً، وهذا مفهوم جداً كنمط هنا لأن المرأة تُطلِّق هنا بشكل عادي، لكن هذا في بلادنا غير مفهوم.

الآن – مثلاً – في العالم كله تقريباً – على الأقل المُتحضِّر أو القريب من المُتحضِّر – الناس تأكل ثلاث وجبات، أو ثلا طقات كما يُسميها البعض، فهو يطق كما لو كان يُعبيء تانكاً Tank، فهذا نمط Pattern إذن، فلا يُوجَد مَن هو يُريد أن يأكل كل ساعتين، هذا غير معقول وبالتالي هذا ليس نمطاً، وإن وُجِد سوف تقول الناس له تقول له ما لك؟ هل أنت مفجوع؟

لكن النمط هو وجود ثلاث وجبات تُؤكَل في ثلاث مرات – الفطار والغداء والعشاء –  لأن هذا هو الشيئ الطبيعي، ونحن نُرتِّب حالتنا ومصروفنا ووضعنا وجلساتنا على هذا الأساس.

 الناس – مثلاً – تُسمي الشوارع أولاً، فالشارع هو الذي يُسمَّى ثم البيوت تُرقَّم ثم العمارات وهكذا، فهذا أمرٌ طبيعي عندهم، ولذلك حين تسترشد تسأل المسؤول عن إسم الشارع أولاً، وبعد أن تعرف إسم الشارع يُمكِنك أن تذهب إلى رقم البيت بطريقة سلسة وجميلة جداً، ولكن حين يأتي ياباني – مثلاً – من اليابان إلى أمريكا لأول مرة سوف يُصدَم في البداية بهذا النمط وسوف يقول ان هذا غير مفهوم، لأنه قد يسأل عن إسم البلوك Block في حين أن الأمريكي سوف يُحدِّثه عن الشارع وليس عن البلوك Block ما يُؤدي إلى تشويش الياباني، فهو سوف يُصبِح الآن مُشوَّشاً Confused وبالتالي سيمضي الأمريكي وهو يقول له “شكراً، لا أستطيع مُساعَدتك”، لأنهم غير قادرين على أن يفهما بعضهم بعضاً، فهناك نمطان مُختلِفان على الأقل في تخطيط المُدن أو في الاستخطاط  – مثل خطط المقريزي – كما يُسمونها، فالنمط مُختلِف إذن لأن في اليابان يُوجَد العكس تماماً، لا يُوجَد أسماء للشوارع وإنما يُوجَد بلوكات Blocks كاملة على شكل مُربَّع أو مُستطيل أو مُعيَّن أو أي شيئ، وبالتالي إذا أردت أن تسأل عن شيئ فاسأل عن هذا البلوك Block وليس عن إسم الشارع، لأنك إن سألت عن إسم الشارع سوف يُحدِّثك عن البلوك Block وبالتالي ستكون مُشوَّشاً Confused طبعاً، لأن الشوارع في اليابان فارغة ولا أسماء لها، على عكس البلوكات Blocks هى التي لها أسماء، وطبعاً هذه عملية مُعقَّدة جداً بالنسبة لنا كأجانب ولكنها سلسة تماماً لهم، علماً بأن هذا البلوك Block  قد يحتوي – مثلاً – على خمسة عشر عمارة، وكل عمارة قد تحتوي على سبعين شقة، وهذه عملية مُعقَّدة!

لكن هناك مُشكِلة أُخرى وهى أنك قد تصل إلى البلوك Block المطلوب والذي يكن فيه – مثلاً – صاحبك ولكنك الآن تُريد أن تذهب إلى العمارة المطلوبة، فهو سوف يقول لك – مثلاً – اذهب إلى العمارة الأولى، لكن أين هى العمارة الأولى؟ سوف يقول لك أن العمارة الأولى موجودة في مكانها لكن المُشكِلة تكمن في عدم وجود نظام مُعيَّن منطقي لترتيب العمارات، فالعمارة التي تُبنى أولاً هى العمارة رقم واحد أو العمارة الأولى، وبالتالي قد تجد العمارة الثالثة قبل الأولى أو قبل الثانية وهكذا، ومن ثم هذه عملية مُعقَّدة جداً بالنسبة لنا لكن بالنسبة لهم هى عادية وسلسة ومن ثم يستدلوا بها على بعضم البعض بكل سلاسة لأن هذا هو النمط الشائع لديهم!

باختصار لكي أُوضِّح هذه الفكرة مرة أُخرى أُحِب أن أقول أن النمط يُشبِه أن أسير في طريق مُعبَّد لكنه موجود ومشقوق في غابة أو في حرجة أو في غيضة مُلتفَّة كثيفة الأشجار، ولكن هناك طريق طبيعي يُمكِن أن أسير فيه لأنه أحسن وأسهل وأسلس بكثير من أن أختبر إمكانية اكتشاف طريق آخر يزعم أحدهم – وهو النبي في هذه الحالة – أنه هو الطريق الأفضل والأقصر ويبعد عن المخاوف ويُفضي إلى الأمان وبالتالي يجب أن نذهب إليه، فهذا النمط أسهل لي لأنه مُعبَّد ولأنني مشيت فيه مائة مرة إلى الآن، فلماذا أدخل في طريق جديد؟!

فهذا هو النمط وهكذا يفعل النمط، ولكن قد يقول لي أحدكم “هذا الكلام يا عدنان يعني أن الناس حين تُؤمِن بشيئ – علينا أن ننتبه إلى أن الإيمان الآن قد يتعلَّق بالمذاهب والطوائف فهو لا يقتصر على بالأديان فقط، فالإيمان يُوجَد في أشياء أُخرى مثل الإيمان بالأشخاص وبالآراء وبأشياء كثيرة جداً جداً جداً بشكل عام – لا تستخدم فعلاً العقل المنطقي والبرهاني والاستدلالي، وإنما تستخدم انفعالاتهم، فالناس يُسعِد بعضها بعضاً ويُوافِق بعضها بعضاً، فكما يُقال أنا من القوم وأنا معهم، وهل أنا إلا من غزية، وكما قال  دُرَيْدُ:
ومَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ                غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ

وأنا أقول بدوري أن القرآن أثبت هذا بشكل واضح، ولكن هل تعرفون مَن هم الاستثناء الخارق مع الأنبياء؟ الاستثناء الخارق هم أتباع الأنبياء وخاصة الأتباع الأُوَل، ومن ثم علينا أن ننتبه إلى أن ليس المقصود بأتباع الأنبياء هو نحن وإنما المقصود أمثال عليّ وأبي بكر وعمر وعثمان وسعد والجماعة الأُوَل والعشرات الذين آمنوا في البداية لأنهم شقوا النمط وتحدوا المُجتمَع وخالفوا الكل، ومن ثم كانوا بالعشرات لأن هذا الشيئ صعب جداً، أما نحن فإيماننا يُعتبَر نمطياً تقريباً إلا إذا أثبت لنفسك ولي ولله أن هذا الإيمان ليس نمطياً وإنما هو إيمان اختيار، وسوف نرى الآن كيف نُثبِت هذه العملية الصعبة، لكن على كل حال هؤلاء هم الاستثناء الفاقع الخارق، ولذلك لهم مكانة مُميِّزة دائماً ولا يُمكِن لأحد أن يُضارِب عليها إلا أن يكون مُكابِراً مُغالِطاً في الحقائق.

إذن البشر يفعلون هذا دائماً والقرآن ذكر هذا بشكل واضح، وأنا أقول لكم أنه لم يذكره في مرة أو مرتين وإنما في عشرات المرات بشكل مُكثَّف ومُركَّز ومُؤكَّد ولذلك أنتم سوف تندهشون من هذا، فالله يقول أن عملية الانتخاب الفكري والعقدي والمِلي ليست عملية حسابية جافة وليست عملية فكرية بسيطة ذات اتجاه واحد أو اتجاهات مُحدَّدة أبداً، وإنما هى عملية مِزاجية كثيرة أو شديدة التعقيد والتركيب وتدخل فيها العناصر الانفعالية العاطفية أكثر بكثير من إسهام العناصر الإدراكية العقلية، لكن كيف هذا؟!

هناك كلمات مفتاحية كما يُقال في الدرس السيميائي والسيمانتيكي، حيث يقولون لك “هات المفتاح وهات المُؤشِّر أو الإنديكس Index”، وعندي مُؤشِّرات كثيرة كما يُقال في الدرس السيمانتيكي على هذا مثل مُؤشِّر إسمه مُؤشِّر التزيين، قال الله  زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ۩، وعندي مُؤشِّر أعمق منه إسمه الفرح وهو مُؤشِّر عجيب جداً، قال الله فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩، فالواحد منهم يكون فرحاناً بهذا، ومن هنا قد يقول لي أحدكم أن هذا – والله – صحيح ولفت بالفعل انتباهه، لكن لماذا نقول أنه فرحان؟ لماذا نقول  كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩ ولا نقول حزب بما لديهم مُؤمِنون أو كل حزب بما لديهم مُقتنِعون؟ علماً بأننا نستخدم هذه اللغة الجاهلة وغير العلمية، لكن اللغة القرآنية هى الدقيقة لأن الناس ليسوا بما هم عليه مُؤمِنون ولا مُوقِنون ولا مُصدِّقون، وإلا مَن قال هذا؟ هذا كذب علمي، هذا كذب على الأعصاب نفسها وعلى المخ، فالناس فرحون بما عليه وليسوا مُؤمِنين بما هم عليه، فهم يُسعِد بعضهم بعضاً كأن يقول أحدهم للآخر أنا معك وأنت معي وبالتالي كل شيئ سوف يكون مُمتازاً لأنني لستُ شاذاً وإنما أفعل كما يفعل الناس، وهذا العنصر هوعنصر انفعالي – Emotional – وليس عنصراً  إدراكياً، ولذلك القرآن لم يستخدم تعبيرات إدراكية وإنما استخدم تعبيرات انفعالية عاطفية.

هناك مُؤشِّر التحبيب، قال الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۩، وهذا شيئ غريب، لكننا سنتوقَّف قليلاً مع الفرح الآن وسوف ترون الفتح الإلهي في كتاب الله، فهذا فتح رباني إلهي، فالله فتح فتحاً هنا قبل العلوم كلها، فلماذا يُقال  كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩؟!

سأذكر لكم شيئين علميين محضين، الشيئ الأول عبارة عن تجربة أُجريَت وصُمِّمَت أثناء احتدام المعركة الانتخابية بين الحزبين الحاكمين في الولايات المُتحِدة الأمريكية – USA – بين الحزب الجمهوري وكان مُرشَّحه سيء الذكر جورج بوش George W. Bush الصغير وبين الحزب الديمقراطي ومُرشَّحه جون كيري John Kerry، وذلك في ألفين وأربعة حيث أتت جامعة إيموري Emory بفريق من العلماء بقيادة عالم نفس مشهور جداً وعالم أعصاب في نفس الوقت وأجروا هذه التجربة، فأتوا بفريقين – فريق مُؤيِّد للحزب للمُرشَّح الجمهوري وهو بوش Bush وآخر مُؤيِّد للمُرشَّح الديمقراطي وهو كيري Kerry – وعرضوا على أفراد كل من الفريقين المُختبَرين مقاطع من كلمات وخُطب لكلٍ من المُرشَّحين يُناقِض فيها المُرشَّح نفسه، فبوش Bush – مثلاً – كان يُناقِض نفسه بشكل واضح، أي أنها كانت تناقضات واضحة ليس لها أي حل لأنها كانت نوعاً من الكذب والتدجيل السياسي على الناس، وكذلك جون كيري John Kerry الشيئ نفسه، حيث أنه ناقض نفسه عشرات المرات أيضاً، والآن – كما قلنا في الخُطبة السابقة – استخدموا تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي MRA – هذه عيون كما قلنا على الدماغ، أي لكي نرى ماذا يحدث في الدماغ، فحين تُفكِّر أو تشعر أو تحس نرى تماماً هذا على شاشة الكمبيوتر Computer ونعرف ما الذي يحصل وأين هى النقطة أو الموقعRegion الذي ينشط فيه مخك وكيف ينشط وبأي نسبة، وهذا شيئ عجيب، لكن هكذا حدثت هذه الثورة التقنية، فهى أكبر ثورة في علم الأعصاب  ومن ثم غيَّرت كل مفاهيمنا عن الدماغ والعقل والأعصاب والفهم والإدراك، وهذا شيئ رهيب، فهذه الثورة بدأت في التسعينيات وهى مُستمِرة إلى اليوم – والعجيب جداً حين بدأ الاختبار  وجد العلماء أن كل أحد من كلا الفريقين المُؤيِّدين للجمهوري والمُؤيِّدين للديمقراطي لم تنشط الأجزاء الخاصة بالتقويم – أي الأجزاء الإدراكية في الدماغ – أبداً، فكانت هذه الأجزاء مُعطَّلة مبدئياً، لأن من المُفترَض طبعاً أنه سوف يُجيب عن التناقضات ولكن هذه التناقضات كثيرة ويُوجَد تكاذب بين المقاطع ومن ثم لن يستطيع  الإجابة عن هذا التكاذب لأن هذا التكاذب يدل على أن المُرشَّح يكذب على الناس أو أنه رجل تائه وحائر ولا يعرف ماذا يقول، وبالتالي ينبغي أن يُقاوَم هذا أدراكياً، ولذلك الدماغ الإدراكي لم يشتغل أبداً عند كل المُختبَرين هنا وهناك – علماً بأن هذه حقائق علمية وليست مُجرَّد أي كلام – وإنما تحرَّكت ونشطت الأجزاء الخاصة بالانفعال وبالمراكز الانفعالية، كأن يُقال “بوش Bush مننا وفينا لأنه من حزبنا – الحزب الجمهوري – وبالتالي فهو حبيب لنا”، لكن لو فعلت العكس وأعطيت المقاطع البوشية لجماعة كيري Kerry سوف تنشط المواقع الإدراكية وسوف يقولون هذا الرجل تناقض مع نفسه وكذب، وبالتالي هذا الرجل دجّال وأفّاك وكذا كذا كذا كذا، والعكس صحيح تماماً.

فمبدئياً من خلال التفكير تنشط العاطفة وينشط الجزء الانفعالي من دماغك أما الجزء المُفكِّر يموت أو ينام أو يأخذ استراحة، وهذه النتيجة غير طبيعية لذلك كانت صادمة للعلماء!

إذن أنا سأقول الآن: أيها العقل الذي بإسمك آمن مَن آمن وكفر مَن كفر وقتل مَن قتل وذبح مَن ذبح وانتهك مَن انتهك –  بإسمك فُعِل كل هذا – أين حظك من الفعل والتأثير؟ الأنماط هى التي تفعل، فأين أنت؟

قال تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩، الله أكبر، قال فَرِحُونَ ۩ ولم يقل مُقتنِعون أو مُؤمِنون لأن هذه ليست قناعات وإنما هى مواقف انفعالية ومن ثم ينبني الرأي والموقف انفعالياً وليس إدراكياً، ويتم الدفاع عنه وتبريره انفعالياً، فهذا الموقف الفرح، فيفرح الواحد منهم ويقول أنه يُؤيد حزبه وجماعته لأنه يجد نفسه في ذلك!

قال العلماء حين كان يُضطَر الفرد أن يُخالِف الجماعة قليلاً كانت تنشط مراكز في دماغه وتُؤدِّي رسالة تُفيد بأن الوضع يُعتبَر خطيراً جداً جداً جداً، ولذلك أنا اُخاطِر – أي أنني في مُخاطَرة – لأنني أُحاوِل أن أُعيد اختبار موقفي من الجماعة، ومن المُمكِن أن تكون الجماعة التي أنتمي إليها مُخطئة أو أن يكون الحزب مُخطئاً أو أن يكون المذهب باطلاً ولذلك هذا يُشكِّل خطراً، ومن هنا يقول لك الدماغ “هناك خطر ما، أنت مُقدِم على مُخاطَرة جديدة، إذن ارجع حتى لا تقع وتتدهور” وبالتالي ترجع.

فهل رأيتم دقة القرآن الكريم إلى أي حد؟ ما هذا يا أخي؟

قال الله كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩ ولم يقل مُصدِّقون أو مُوقِنون لأن هذا موقف انفعالي محض، فهم يُحِبون هذا ويفرحون به.
قال الله فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ۩، أي أنهم استهزأوا بهم، لأنهم كانوا فرحين بما عندهم وبالتالي هذا الموقف يُعتبَر موقفاً انفعالياً لأنه غير علمي، وهذا معنى أن الله ختم  عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ ۩ فهنا في ختم وإلا أين العقل – أي الفؤاد – الذي يُدرِك هنا؟ أين الإدراك الآن؟ فلماذا لا تُفكِّر إذن؟!

انظروا الآن إلى الآية العجيبة التي وردت في سورة العنكبوت وهى آية من أعجب الآيات، وهى الآية التي تحدَّث فيها قال أبو الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم، تقول الآية الكريمة وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ  ۩، علماً بأن إبراهيم لم يكن عالماً في الأعصاب ولم يعش في القرن الحادي والعشرين،ولكنه كان رسولاً وكان يُوحى إليه، ولذلك الفهم الذي عنده والتقويم والإدراك تخطى الزمان كله بل وتخطى معلوماتنا هذه – والله العظيم – أيضاً، تقول الآية الكريمة وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ۩، فإبراهيم قال لهم أنه يفهم أنهم فعلوا هذا لكي يُسعِد بعضكم بعضاَ، ولذلك هم فرحون ويُطبطب بعضهم على بعض، فالحكاية كلها تتعلَّق بالطبطبة وبالفرحة وبالتحزب، والمُشكِلة أن هذا التحزب في قضايا المِلة والعقيدة والدين والحق والباطل والجنة والنار، وهذه الأمور تتعلَّق بمصيرك الأبدي ومع ذلك أنت مُتحزِّب، ولذا قال إبراهيم  مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ – أي أنك تفعل هذا لكي توده، ولكن إن تخليت عن هذه المودة سوف يقول لك المُخ أنك تُخاطِر الآن ومن ثم عليك أن ترجع وإلا سوف تقع، ومن ثم ترجع للأسف – فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ۩،

علماً بأن خاتم الآية عجيب بقدر عجب أولها، فالآية تقول ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ ۩ وهذا شيئ عجيب، فما معنى يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ ۩؟ هل هم آمنوا في الدنيا ببعضهم؟ نعم آمنوا ببعضهم البعض، فهل رأيت النظرية القرآنية إذن؟ هم لم يُؤمِنوا بالأوثان ولم يُؤمِنوا حتى بالآلهة ولا بعُزير ولا بالمسيح، هم لم يُؤمِنوا بهذه الأشياء كلها وإنما آمنوا بماذا؟ بالمُجتمَع وبالنمط، هم آمنوا بأنفسهم وآمنوا بما يُريد الآخرون ضمن الحزب الواحد وضمن المُجتمَع.

 إذن – كما قلت مرة ولكنني الآن اُعيد ما قلت – أكثر الخلق من المسلمين ومن الكافرين لا يُؤمِنون بموضوع إيمانهم اللي هم أُفهِموا أنهم يُؤمِنون به، فالوثني – مثلاً – يُفهَّم أنه يُؤمِن بالوثن وفي حقيقة الأمر هو لا يُؤمِن بالوثن، وهذا المسلم العامي أُفهِم أنه يُؤمِن بالله وهو – صدِّقوني – لا يعرف هذا جيداً للأسف الشديد، والمسيحي فُهِّمَ أنه يُؤمِن بالثالوث وهذا كله يُعتبَر كلاماً فارغاً لأنه لا يعرف ما هو الثالوث – Trinitate – أصلاً، إذن هذا إيمان بإيمان الجماعة، فموضوع إيمان الواحد من هؤلاء ليس عيسى وليس الوثن وليس الله، وإنما موضوع إيمانه هو إيمان الجماعة حتى ولو كان مُغطىً – Covered – ومُغلَقاً، فهو يأخذه كما هو بغض النظر عن أي شيئ دون أن يكون عنده مُشكِلة في هذا، ولذلك حين تُغيِّر هذه الجماعة إيمانها تماماً ويُخلَق نمط جديد في التوجّه هو يُغيِّر إيمانه أيضاً بشكل عادي، ويكون مرتاحاً ويقول لك هذا سليم لأن البُرهان يدل عليه، فعن أي بُرهان يتحدَّث؟ ولذلك إيمانهم لم يكن بالأوثان أو بغيرها وإنما ببعضهم البعض، فهم آمنوا ببعضهم البعض وآمنوا بالمُجتمَع فقط.

قد يقول لي أحدكم: أنت قلت أن الاستثناء هم الأنبياء وأتباعهم، فما موقفهم إذن؟!

موقفهم هو الموقف المُضاد تماماً، ولذلك قال إبراهيم كَفَرْنَا بِكُمْ ۩، فهو يُريد أن يقول نحن لا نُؤمِن بالمُجتَمع، وأنا تحديدياً لا أُؤمِن بكم، فلا أُؤمِن لا  بالكُبراء ولا بالسادة ولا بالنمط، أنا أُؤمِن بموضوع إيماني وهو الله الواحد – لا إله إلا هو – لأن لي عليه أدلة كثيرة فضلاً عن الرسالة”، ولذلك هو حاججهم لما رأى الكوكب ورأى القمر ورأى الشمس وقال لهم “هناك براهين عندي أقطعكم بها وأنا قطعت النمرود نفسه – لعنة الله عليه – بها، وهى براهين عقلية ولذلك أنا أُؤمِن بالله وبالتالي موضوع إيماني هو الله وليس المُجتمَع والنمط”، وهذا هو معنى أن إبراهيم – عليه السلام – قال لهم كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ۩، إذن موضوع الإيمان لدى إبراهيم هو الله – عز وجل – وليس المُجتمَع، أما موضوع إيمانهم هم فهو المُجتمَع، لأنهم يُؤمِنون بإيمان بعضهم البعض وبأيمان الآخر أياً كان إيمانه، ولذلك يوم القيامة جاءت النتيجة المنطقية، فما هى؟!

النتيجة أتت في الآية التي تقول يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ ۩، أي أنهم سيكفرون ببعضهم ويلعنون بعضهم ولكن هذا لن يُجدي نفعاً، ولات حين كفر ولات حين براءة!

فما هذه الدقة القرآنية؟ ما هذا الإبداع؟ ما هذا العجب؟ هذا شيئ غير طبيعي!

أختم للأسف لأن الوقت أزف وتحرَّج علينا وتضيَّق – بتجربة أُخرى أيضاً، وبالأحرى هى ليست تجربة وإنما هى ثورة أو جزء من الثورة العصبية التي تحدَّثنا عنها، وهذه الثورة ذكرت لكم نُتفة منها قبل أسابيع في خُطبة التراحم – Compassion – والتعاطف والتي كانت موضوعها عن الخلايا العصبية المرآوية Mirror Neurons، ولكي نتوسَّع قليلاً سوف نذكر أن مُكتشِف هذه الخلايا هو عالم إيطالي مشهور جداً طبعاً وهو جياكومو ريزولاتي Giacomo Rizzolatti  من جامعة بارما  Parma، لكن طبعاً من خمسينيات القرن العشرين اكتُشِفَ شيئاً  في دماغ الإنسان يُسمى بالمُستقبِلات الحركية العصبيةOrdinary Motor Command Neurons، فهذه خلايا عصبية مُستقبِلة للحركة وللأشياء وهذا هو إسمها بالإنجليزية، وهذه موجودة – كما قلنا – من الخمسينيات، فمثلاً إذا مددت يدي ألألتقط القلم تنشط هذه الخلايا في القشرة – في الكورتكس Cortex – وخاصة في المنطقة الحسية – Sensory Region – تحديداً، وهذا معروف من الخمسينيات لكن العالم الإيطالي ريزولاتي  Rizzolatti اكتشف شيئاً عجيباً جداً، وهذا الشيئ العجيب هو أنك حين تمد يدك لتلتقط قلمك فإن هذه الخلايا تنشط عندي أنا أيضاً وهذا شيئ عجيب، لأن من الطبيعي أن تنشط عندك، فلماذا تنشط عندي أنا أيضاً؟ ولكن ما الذي ينشط عندي تحديداً؟ الذي ينشط ليس الخلايا الخاصة بالحركية العصبية – Ordinary Motor Command Neurons  – وإلى آخره وإنما عشرون في المائة منها هى بمثابة خلايا مُتخصِّصة ولذلك تنشط بشكل غير طبيعي، وهذا اكتشاف عجيب بل هو ثورة، وسماها بعد ذلك بالخلايا العصبية المرآوية أو خلايا المرآة Mirror Neurons، وذلك لأنها مثل المرآة، حيث يحدث نشاط عندي مثلما يحدث عندك وهذا شيئ عجيب لأنه يحدث رغم عدم وجود اتصال حسي ما بينا، فلا يُوجَد  جهاز عصبي واحد، لكن يبدو أن هناك جهازاً عصبياً إلهياً بين هؤلاء البشر ومن ثم يقع التعاطف، فأنت تلتقط شيئاً ما وأنا تنشط لدي هذه الخلايا التي اكتشف ريزولاتي  Rizzolatti نشاطها وهذا شيئ جميل، وهذا يعود إلى أن عشرين في المائة من الخلايا الحركية العصبية هى خلايا مرآوية عصبية، أي خمس الخلايا، علماً بأنها تُوجَد في الفص الجبهوي Frontal Lobes.

ثم بعد ذلك ثار سؤال في وجه العالم الإيطالي الكبير المُكتشِف وهو: إذا كان ذلك صحيحاً لم أنت – مثلاً – حين تُلمَس أو تلسعك النار لا أشعر بهذا؟!

وهذا سؤال وجيه، فكيف هذا؟ بحسب ما قلنا الآن حين ألمس نفسي تنشط  الخلايا عندي هذه في الفص الجبهوي – Frontal Lobes – وحين ألمسك تنشط عندك والمفروض أنها تنشط عندي أيضاً، ولكن حين تُلمَس أنت دون أن أكون أن اللامس فإنها تنشط عندي أيضاً، وهذا حتى الآن أمرٌ صحيح وسليم ومُتسِق، لكن حين تُلمَس أنت أو تُلسَع بنار فإن الخلايا تنشط عندي دون أن أشعر أنني لُمِست، فلماذا إذن لا لأشعر بهذا؟ هى تنشط عندي ولكن كأنه ليس لها أي فعل علىّ، فأنا لا أشعر بأنها نشطت ولكن الذي عرف أنها نشطت هو التصوير بالرنين المغناطيسي وليس أنا، فأنا لم أشعر بهذا، والسؤال الآن لماذا إذن؟!

هذا السؤال مُحيِّر، ولذلك بحث هذا العالم فيه مع الفريق المُختَص حتى اكتشف فالسر هو الجلد – Skin – الخاص بنا، لكن كيف هذا؟!

هذا الجلد فيه مُستقبِلات – هذه من بديهيات علم أساسيات علم الأعصاب – للمس وللألم وللحرارة وللبرودة ولأشياء غير ذلك، وهذه مربوطة أيضاً بالقشرة الحسية، وهى التي تُعطي الإشارة ثم يُترجَم الإحساس إلى ألم، ثم يُعطي المخ ردة الفعل، وهذا مفهوم وجميل وبسيط جداً، لكن ريزولاتي  Rizzolatti قال لك يا سيدي العزيز الحاصل كالتالي:  أنت عندما تُلمَس وتُنشط هذه الخلايا  في الفص الجبهوي – Frontal Lobes فإن المُستقبِلات التي لدي في الجلد تعطي إشارة للدماغ وتقول له أنت لم تُلمَس فلا تقلق – Don’t Worry – وبالتالي أنت بخير، لكن فقط تعاطف – Empathize – معه دون أن تُشوَّش ودون أن يحدث عندك أي ارتباك أو تشوّش لأنك لست الملموس – لست الملموس باليد وليس بالجن  – أو لست الملسوع أو لست الملدوغ وإنما هو”.

قد تقول لي: هذا الكلام منطقي جداً، وأدركت أن لهذه الدرجة تتأثَّر الناس بعضها ببعض عن بُعد، لكن ماذا لو نزعنا الجلد؟ ماذا لو خدَّرنا الجلد؟ ماذا لو قطعنا اليد؟ هل سيحدث نفس الشيئ إذن؟ لو قطعنا يد إنسان لا قدَّر الله – هناك أُناس تُقطَع أيديهم في الحوادث – هل هذا المقطوع اليد حين يرى أن شخصاً آخراً تُلمس يده يشعر باللمسة؟

هذا مفهوم عجيب في علم الأعصاب وفي الطب وإسمه الأطراف الشبحية -Phantom Limb – أو الطرف والعضو الشبحي، وهذا معروف ومشهور في الفسيولوجي وفي علم الأعصاب، فكل الأطباء يعرفون هذا الطرف الشبحي لمَن قُطعَت يده، فلو نظر هذا الشخص إلى شخص آخر تحكه يده فإنه سوف يشعر أن يده تحكه، ولكن أين هذه اليد وهى مقطوعة؟ يده الشبحية – Phantom – هى التي سوف تُشعِره بهذا وسيشعر أنه يحكها في الهواء، ومن ثم عندما يحك هذا الآخر يده سوف يشعر بالراحة، وهذا شيئ غريب، فما هذا الذي يحصل؟ هل إلى هذه الدرجة نحن مُتواصِلون؟

هذه هى مأساة الإنسان، فنحن نتأثَّر ببعضنا أكثر مما نظن، وبالتالي طبعاً حينما أجدك – مثلاً – تكفر بشيئ وتقول عنه أنه شيئ مُقزِّز وشيئ غير معقول من المُمكِن أن تحدث معي نفس الحالة فأقول فعلاً هذا الشيئ  مُقزِّر وغير معقول، وكأن الواحد منا فعلاً لُمِسَ أو سُكِنَ بالجن عصبياً وعلى المُستوى البيولوجي دون أن يدري، فالقضية إذن خطيرة وعميقة جداً ومُتجذِّرة، ولكن قد تقول لي مُتسائلاً: هل لهذا من مزايا ومن فوائد؟!

طبعاً له مزايا، أكبر مزايا هذا التواصل العصبي اللاحسي بيننا بالخلايا العصبية هو إنشاء الحضارة وإنجاز التقدّم المُتسارِع المُتراكِم العجيب الذي حقَّقناه وأصبحنا به سادة الأرض وسادة الكوكب وسادة حتى العالم المرئي، وطبعاً بحسب بابتيست لامارك  Baptiste Lamarck – ليس بحسب داروين Darwin وإنما بحسب  لامارك  Lamarck – من المُمكِن أن يُفسَّر تطورياً وبالتالي تُعمَّق فكرة لامارك  Lamarck  في التطوّر، لكن كيف هذا؟!

الخروف الصغير أو الحمل – مثلاً – لكي يُطوِّر الفرو – كنوع Specie – في منطقة مُعيَّنة يحتاج إلى ألوف السنين، وأنتم ترون شكل الحملان – مثلاً – في البلاد الباردة وترون كيف يكون الدهن عندها، فالدهن يُعتبَر كثيراً جداً وكذلك الفرو يُعَد كثيفاً على عكس الحملان التي تعيش في البلاد الاستوائية – Tropical – والحارة، فلكي يُطوِّر الحمل المسكين هذا سوف يحتاج إلى ألوف السنين – مُمكِن مائة ألف سنة أو أكثر من مائة ألف سنة -بحسب داروين  Darwin  لكي يقدر على أن يتكيَّف مع البيئة فيستقر ويمتد وتبقى جيناته موجودة كما هى في حوض الجينات Genes كما يقولون، وهذا شيئ جميل، لكن الطفل يتعلَّم من أبيه كيف يذبح الخروف بطريقة عنيفة وسريعة وفعّالة ويسلخ فروته ويأخذها ويتكيَّف مع البرد بها ربما من مرة واحدة أو من مرتين أو ثلاثة، فهل تعرفون كيف يتم هذا؟!

قديماً كنا نقول أن السبب يعود إلى التقليد والمُحاكاة – Imitation & Emulation – دون أن نفهم كيف يتم هذا، لكن الآن علمنا أن هذا يتم بآلية الخلايا العصبية المرآوية، فهذا هو الذي يُمكِّننا من فعل هذا، فلو لم يكن لدينا هذه الخلايا العصبية المرآوية لأصبح من الصعب جداً أن يتم هذا الموضوع ولأخذ وقتاً طويلاً جداً وبالتالي سوف يُصبِح التطوّر بطيئاً جداً.

إذن اتضح أن هذه الثورة في فهم الحضارة لها العديد من الأُسس العصبية، وهذه فائدة هامة، ولكن هنا لابد أن نُعقِّب وأن نقول أن أن كل شيئ في هذا الوجود وفي هذا الكون له مزايا وله مثالب، وهذه هى المزايا كما قلنا، فأين المثالب إذن؟!

المثالب تمثل في أن هذا يجعلنا دون أن نشعر ضحايا للمُحاكاة والتقليد والتعاطف الغبي – أستغفر الله – بل التعاطف الكافر، فأنا أتعاطف مع الكبير ومع عالمي ومع الرابي ومع القسيس ومع الشيخ ومع المُلا ومع المُلحِد ومع الفيلسوف ومع أستاذ الجامعة حتى في كفره وفي تجديفه، أتعاطف معه بل وأُردِّد ما يقول وأشعر أنني مُقتنِع وفي حقيقة الأمر أنا لست مُقتنِعاً، أنا مُجرَّد مُتعاطِف ومُجرَّد ضحية من ضحايا  هذه الخلايا العصبية المرآوية، فالعقل مُتعطِّل والإدراك مُتوقِّف، وهذا معنى قول الله كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ ۩، وبالتالي قد تقولون لي: هذه مُصيبة تُثير القلق، فأنت أثرت قلقنا ومن ثم  بدأنا نشك في أنفسنا وفي خياراتنا العقدية والفكرية، فماذا نفعل إذن؟!

على كل حال أنا أقول لكل أحد فيكم: ما دام خياراتك هذه تتعدَّى بفضل الله وجود الله التصديق برسول الله وبالقرآن وبالآخرة فالأمر – إن شاء الله – سهل، فلا تخف – والله العظيم – من كونك شيعياً ولا تخف من كونك سُنياً ولا تخف من كونك إباضياً، أنت مُؤمِن مُوحِّد بعون الله وبالتالي أنت ناجٍ إن شاء الله تعالى، ولكن خياراتك الثانية هذه لابد أن تنتبه لها، عندما تأخذ موقفاً من عدنان أو موقفاً من سامي أو من سميح عليك أن تتراجع لأن هذا نوع من الظلم، فعليك أن تنتبه لأنك من المُمكِن أن تكون ضحية لهذه الخلايا وأنت لا تدري، أنت فقط تُصفِّق وتُردِّد دون أن تعلم ما الذي يحدث، فالآن عليك أن تتراجع وكُن مُتواضِعاً في مواقفك وتقييماتك وقراراتك لأن الأمر ليس كما تعتقد أنه ابن إدراكك وابن انتخابك واصطفائك الفكري وأنه مُدلَّل ومُبرهَن، فالأمر يجري على نحو آخر تماماً.

 لكن هل من حل لهذه الورطة؟  هل من مخرج من هذه الورطة ومن هذه الأزمة الانتخابية في الآراء والعقائد والمِليات؟!

يُوجَد مخرج، وهذا المخرج ذكره القرآن، ولكن كيف هذا؟!

لو الآن سألت أي أحد فيكم وكلكم ما شاء الله أذكياء ولمّاحون وقلت له: لو افترضت واقترحت أنت حلاً وقلت أنه موجود، فمن أين يجب أن ينطلق أو ماذا يجب أن يعكس هذا الحل؟  هذا الحل عليه أن يعكس ماذا؟

هذا الشخص المسؤول سوف يقول لي “بصراحة في مثل هذه الحالة خير وسيلة لانتخاب حُر لآرائي ومواقفي هو الانسحاب”، أي الانسحاب من شعاع المُجتمَع ومن أضواء المُجتمَع، والانسحاب من وجوه الآخرين، فسوف أجلس وحدي لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر وأُعيد التفكير في هاته الأشياء، وهذا الذي فعله كل الأنبياء وكل المُصلِحين وكل العظماء، وهى ظاهرة لفتت نظر المُؤرِّخ الإنجليزي الكبير أرنولد توينبي Arnold Toynbee وسماها ظاهرة الانسحاب أو العُزلة والعودة، فكلهم فعلوا هذا، فإبراهيم فعلها ومحمد فعلها وبوذا Buddha فعلها وكونفوشيوس 孔夫子 فعلها وعيسى فعلها على الاقل لمدة أربعين يوماً على الجبال وحده دون أن يرى أي بشر، والنبي كان يتحنَّث كل سنة الليالي الطويلة ويتعبَّد في حراء بعيداً عن العالم كله، بل وأين دهمه الوحي؟ في حراء وهو وحده، إذن كلهم يفعلون هذا، ولذلك توينبي Toynbee ذكر محمداً وقال كلهم فعلوها،  وسماها بظاهرة الانسحاب والعودة، ومن ثم فإن هذا الشخص حين يعود فإنه لا يعود بالنمط مرة اُخرى وإنما يعود بما يكسر النمط، أي أنه يعود بشيئ جديد، ومن ثم يكون مُساهِماً في خلق نمطاً جديداً، ولكن قد يقول لي أحدكم أن هذا ينطبق على النبي وعلى بوذا Buddha وعلى هذا المُصلِح الفلاني والعلاني ولكن مَن أنا لكي ينطبق علىّ هذا؟ وأنا أقول لك أنت خليفة الله، أنت الإنسان المُكرَّم، أنت المأمون على الأقل بما وجَّه الله به أنظار الكافرين فأنت أعز وأشرف كثيراً منهم وذلك حين قال في سورة سبأ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ ۩، علماً بأن كلمة  بِوَاحِدَةٍ ۖ ۩ تحتاج إلى وقفة، فلماذا قال الله بِوَاحِدَةٍ ۖ ۩؟ كأنه يقول لك هناك طريقة سهلة وتشتغل – Works  – بنسبة مائة في المائة وفعّالة وقاطعة وأنا أضمنها لك، فهذه إذن ليست ورطة كبيرة يعرضها عليكم عدنان، فإذا حيَّرتكم هذه الورطة فإن الله يقول أنا سوف أُعطيكم الحل وهو فعّال ويعمل بنسبة مائة في المائة ومن ثم سوف تخرجون من كل هذه المطبات والالتباسات والاشتباهات، لكن أين هذا الحل يا رب العالمين؟ قال كلمة واحدة وهى بِوَاحِدَةٍ ۖ ۩، فما أجمل هذا القرآن، ما هذا القرآن فعلاً؟ الله أكبر، قال الله قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى – أكثر عدد هو اثنان، فلا يُمكِن أن يكون ثلاثة وإلا سوف يُسيطر عليكم النمط ونعود إلى إشكالية كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩ ويحدث الخوف مرة أُخرى، فأقصى حد أن يصل العدد إلى اثنين أو أن يجلس الشخص وحده وهذا سيكون أفضل، كأن تجلس وحدك لمدة ساعة أو ساعتين أو ألف أو شهر أو شهرين وتُفكِّر وتُعيد النظر وتستهدي الله وتبتعد عن الكبر والغطرسة والمصالح والهوى وتستهدي الله، وبعون الله سيهدك الله تبارك وتعالى، هذا هو جواب الشرط أو جواب الأمر، أي استهد الله وسيهدك الله تبارك وتعالى –  ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  ۩، صلوات ربي وتسليماته وتشريفاته وتبريكاته عليه إلى أبد الآبدين!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المُستغفِرين!

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد أيها الإخوة:

لفت نظري اليوم وأنا أُحضِّر أيضاً عناصر خُطبتي هذه وأُركِّزها شيئٌ عجيب في كتاب الله ولأول مرة أيضاً ألتفت إليه، فما هو هذا الشيئ؟!

ذكرت في الخُطبة السابقة أنه حين يتم اختبار شخص مُعيَّن في موضوع له علاقة بالإدراك الحسي – مثل أيهما يتشابه وأيهما يتخالف ومَن أطول ومَن أقصر – فإن من طبيعي أن هذا الشخص حتى ولو كان طفلاً يعرف الجواب بسرعة، وهذا ما يحصل بالفعل، لكن حين يتأثَّر بالآخرين ويستمع إلي الآخرين يتشوَّش عليه الإدراك الحسي، فلا يرى الشيئين المُتماثِلين مُتماثِلين، فإذا قالت الجماعة – مثلاً – أنهما مُتخالِفان سوف يراهما كذلك، وهذا ليس عن قرار وإرادة – هذه هى تجربة سولومون آش  Solomon Asch التي دُعِمَت في ألفين وخمسة، علماً بأنني ذكرت لكم تجربة آش Asch من قبل ولكن الآن أُذكِّركم بها – وإنما الدماغ هو الذي يراهما فعلاً غير مُتماثِلين وهذا شيئ عجيب، ولذلك علَّق مُصمِّموا التجربة قائلين أن السبب في هذا يعود إلى الجماعة أو الحزب، وهذا معنى أن الله كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩ وأنه قال أيضاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ ۩، وأنا اليوم أيضاً لأول مرة في حياتي أفهم هذه الآية، فلا أعرف تفسيراً صحيحاً دقيقاً بمقدار هذا التفسير، فلماذا يُسمي الله كفّار مكة وأشكالهم أحزاباً؟!

لكي يُحدِّثك عن آلية الكفر وعن كيفية حدوث الكفر عندهم، فلك أن تتخيِّل هذه الدقة إذن، ولذلك سماهم الأحزاب، وأيضاً سمى الأقوام الأخرى الكافرة بالأحزاب، قال الله في ص أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ ۩، وهذا شيئ مُذهِل، فالقرآن مُذهِل وعجيب جداً، وهذا معنى قول الله وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْد حِين ۩، أي أن في كل عصر سوف تكتشف القرآن بشكل جديد، وهذا أمر غير طبيعي فعلاً!

إذن الدماغ يراهما فعلاً كما تراهما الجماعة، ومن هنا قالوا أن الجماعة أو النمط أو الحزب أو المجموعة تُؤثِّر على كيفية رؤيتنا للعالم، فهى تُعيد ترتيب رؤيتنا للأشياء وللعالم، وهذا  ملمح جميل جداً.

 أنا وجدت آية قرآنية تذكر هذه التجربة وهذا الذي جعلني – والله العظيم – أصيح اليوم “الله أكبر، الله أكبر” لأن هذا شيئ غريب، قال تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ۩، الله أكبر، الله أكبر على هذه الآية، الله أكبر من هذه الآية التي هى في سورة الأنعام، ما هذا؟!

الله يقول: حين تسمع الحق – علينا أن ننتبه لأن هذا ينطبق علينا اليوم حتى الآن – وحين ترى الحق طبعاً لأول وهلة ستتأثَّر به وستعلم أنه حقٌ ساطع ورأيٌ قاطع وحُجةٌ دامغة وسوف تُوقِن بهذا لأنه حق ولأنه ويُوافِق فطرتك، لكن إن تركت ما شعرت به وأيقنت به واطمأنت نفسك به وعُدت مرةً أُخرى لتستمع إلى الحزب أو إلى الجماعة أو إلى النمط أو إلى الناس فسوف تكون ضيَّعت على نفسك فرصة كبيرة، وسوفتبقى في تيه وحيرة وتقلّب وتردّد، أي أنك سوف تبقى أعمى.

فما هذا يا أخي؟ ما هذه الآية؟ هذه الآية أحسن شرح لها يكون في ضوء تجربة آش  Asch وتكملتها في ألفين وخمسة، قال الله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ۩، فمُتابَعة النمط والمُجتمَع هو طُغيان – والعياذ بالله – ومُجاوَزة لحدود انتخاب الحقائق ومعرفة الحق وتمييزه من الباطل.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُلهِمنا رُشدنا وأن يُعيذنا من شر أنفسنا!

اللهم أصلِحنا وأصلِح بنا واهدنا واهد بنا واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم اجعلنا من عبادك المهديين أولي الألباب الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ ۩، اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم ارحمنا في هذا اليوم الكريم، في هذه الجُمعة التي لعلها تكون آخر جُمعة من آخر الشهر الكريم وارحمنا برحمتك التي  وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ  ۩ برحمتك يا أرحم الراحمين في شهر رمضان، اللهم واغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجله، قديمه وحديثه، صغيره وكبيره، ظاهره وباطنه، وللمسلمين والمسلمات، اللهم وإنا نرغب إليك ونضرع إليك ونبتهل أن تعتق رقابنا من نار جهنم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا خير الغافرين، يا أكرم الأكرمين، يا أجود الأجودين، ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وصديقنا وأزواجنا وذرارينا وشيخنا ومُحِبنا فيك وأخينا فيك وكل مَن له حقٌ عليا برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه يزدكم، وسلوه من فضله يُعطكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله، وأقِم الصلاة!

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (3/9/2010) 

 

قصة آدم…نظرات جديدة + مقطع مفيد في آخر الخطبة

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله -سُبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ۩ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الاخوات الفاضلات:

قصة أبوينا – عليهما السلام – قصة مأثورة ومطروقة ومكرورة، وكم وكم للسادة العلماء في القديم والحديث من وقفاتٍ وأنظارٍ واستبصاراتٍ حول هذه القصة الأساس الرئيسة! إنها قصة مفتاحية لضروبٍ من الوعي، لضروبٍ من الاستبصار، ولضروبٍ من إنارة الطريق أيضاً.

ولنا أيضاً ضمن هذه الوقفات وقفات طويلة على هذا المنبر، أما اليوم فنجهد أيها الإخوة أن نُضيء هذه القصة من زوايا مُختلِفة أو من زاويةٍ على الأقل فيها شيئٌ من الاختلاف.

طبعاً تتمة القصة تعلمونها جميعاً، وهي التي يدخل فيها الساحة عنصر جديد لم يُذكَر في السياق السابق، إنه إبليس، والذي يختار القرآن العظيم بمُنتهى الدقة والحذاقة أن يُصِر على عنونته بهذا الاسم أو بهذا العنوان، ولا يستحيل إلى الشيطان إلا بعد أن يُغري أبوينا بالمعصية، بعد ذلك يُؤكِّد القرآن عنواناً جديداً أو يشترع القرآن ويفتجر عنواناً جديداً له، إنه الشيطان، قبل ذلك كان هذا، قبل ذلك كان إبليس، لكنه بعد ذلكم صار الشيطان، وهذا من دقة الكتاب الكريم.

ونبدأ القصة من أولها، نبدأ مع هذا الاستفهام التعجبي ولا نقول الاستنكاري، فليس من شأن الملائكة أن يستنكروا خياراً ومشيئةً وإرادةً إلهيةً، لكن يعجبون! أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ۩، إذن البداية مع السؤال الذي هو مفتاح المعرفة أو مفتاح من أكبر مفاتيحها على الإطلاق، السؤال الذي يعني ضمن ما يعني وفيما يعني الحيرة والدهشة والوله والحافز والدافع والتطلع والسُلطة، سُلطة الاعتراض وسُلطة الامتحان وسُلطة الكشف أيضاً، كشف الزيف، كشف الدجل، وكشف التدليس! أتحدَّث عن السؤال بعامة وليس عن سؤال الملائكة، إنه السؤال أيها الإخوة، سُلطة امتحان موروثاتنا وعقائدنا، اختبار مداركنا ومفهوماتنا، اختبار ما أُلقيَ إلينا ويُلقى إلينا ونُلقيه إلى غيرنا، إنه السؤال مرةً أُخرى، إنه أيضاً عنوان ودلالة الانفتاح، الاتساع، الإثراء، والتخصيب، السؤال! ولذلك يُعتبَر دائماً دليلاً أو إندكساً – Index – كما يُقال للعلم والجهل في وقت واحد، لكنه ليس بداية الطريق نحو العلم أو نحو الحقيقة، إنه نصف الطريق حقيقةً، إذا طُرِحَ السؤال وتبرَّر طرحه من ناحية منهجية فإنه يُشكِّل نصف الطريق إلى الحقيقة.

والذين لا يسألون ولا يتساءلون هم إدراكياً جماعة من البُكم، إنهم بُكم! كما تقريباً كان أبوانا في حالة البراءة الأصلية، كانا أبكمين! وتُلاحِظون أيها الإخوة أيضاً في عجيب أن أبوينا في كل هذه القصة الجنائنية التي تمت في العالم العُلوي في جنة عدن – في الجنة – لم يتأت منهما سؤال ولا اعتراض ولا أي شيئ، حتى حين استزلهما الشيطان لم يحك لنا القرآن أي شيئٍ أدلى به الأبوان، وإنما الفاعلية كلها لإبليس الذي آض وعاد شيطاناً بعد ذلك بفعلته النُكر هذه.

كانا أبكمين تقريباً، لماذا؟ ليسا أبكمين عن الكلام، كانا يتعاطيان هذه الصناعة، صناعة الكلام! لكن الكلام بلا سؤال يقتضي جواباً يُوشِك أن يكون بكماً، وأكثر الكلام الذي لا يكون جواباً لسؤال يختصر هماً وقلقاً وحيرةً حقيقيةً هو لغوٌ كلغو الطير، يجعل الإنسان آلة للحكي وآلة لاستحفاظ واستظهار ما يُلقى إليه فقط وليس كائناً درّاكاً وكائناً مُفكِّراً.

متى بدأ أبوانا إذن الكلام الحقيقي؟ سوف نرى، لم يبدأه هناك في حالة البراءة الأصلية التي يحسدهم الكُسالى وغير الراغبين في الكمال والاستكمال عليها، وكأنها حالة مثالية تُطلَب، كلا! فالتكوين الإنساني أو هذه البنية الآدمية لم تُهيأ ولم تُخلَق ولم تُعَد لتبقى في حالة براءة أصلية، كلا! هذا غير مُناسِب لها البتة.

نعود إلى السؤال، أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۩، ملحظٌ عجيبٌ جداً، ما هو؟ ما هو مُبرِّر الاستخلاف؟ في ظن الملائكة ووهلهم المُبرِّر هو التسبيح والتقديس، ينبغي لمَن يُسبِّح ولمَن هو مُستهتَر ومُستغرَق في التسبيح والتقديس والتمجيد أن يحظى بشرف الخلافة، أن يكون خليفة! لكن الله – تبارك وتعالى – أعطى جواباً مُخالِفاً تماماً، هذا الجواب معلومٌ لديكم ولديكن جميعاً، لا! إنه ليس التسبيح والتقديس فقط، وليس التسبيح والتقديس كشيئ رئيس يُراد إرادة أولية، إنه شيئ غير ذلك، يقتضي بعد ذلك التسبيح والتقديس لكن على أنهما من مُقتضياته، وحينئذٍ يُصبِح التسبيح والتقديس فعلاً واعياً لا فعلاً مُبرمَجاً، إنه المعرفة، إنه العلم! وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، إلى آخر الحكاية!

إذن بحسب القرآن الكريم نفسه وبحسب إرادة الله – سُبحانه وتعالى – ليس مُبرِّر الاستخلاف – إذن ليس جوهر الاستخلاف – أن تكون مُستغرَقاً في التسبيح والتحميد، هذا يُعطينا راحة – راحة ضميرية أو ضمائرية – من أجل تأكيد أفكارنا التي ننتهي إليها كل حين وحين، من أن هناك خطأ ما وهو خطأ حقاً فادح، فادح في تفكير المُسلِمين أو أكثر المُسلِمين المُعاصِرين، أعني بالذات الإسلاميين أو كما يحلو لبعض أن ينتعهم الإسلامويين، أي الذي يتخذون من الإسلامية والتوجه الإسلامي حلاً وتفسيراً وتوصيفاً لكل شيئ من حيث أتى، لكل شيئ! هذا معنى الإسلاموية، كأنهم غائبون أو مُغيَّبون عن هذا العالم بكل كوامنه، بكل طاقاته، بكل أيديولوجياته، بكل أفكاره، بكل توجهاته، بكل منازعه، وبكل مشاربه، ولا ينظرون إلا من خلال هذا الثقب أو من خلال هذا المنظور، هذا معنى الإسلاموية، وهذا إلى حدٍ ما صادق، ليس على إطلاقه ولكن إلى حدٍ ما للأسف، وهذا الذي يُبرِّر لنا الحديث – مثلاً – عن موقف الإسلام والفكر الإسلامي من أشياء يصعب تبرير طرحها ضمن هذه العنوانات، الإسلام – مثلاً – والتكنولوجيا Technology، شيئ عجيب! الإسلام والعلم، خاصة العلم الطبيعي، الإسلام والكون، الإسلام – هنا طبعاً أكثر تبريراً – والديمقراطية والعولمة والعلمانية، أكثر تبريراً! لكن كيف يُقال الإسلام والتكنولوجيا Technology أو الإسلام والكون أو الإسلام والجيولوجيا Geology؟ شيئ عجيب جداً، ما هذا؟ هناك خطأ ما!

هذا الخطأ جر المُسلِمين إلى أن يظنوا أنهم إن استغرقوا أوقاتهم – ليلهم ونهارهم – في شؤون طقوسية وعبادية محض فإنهم يكونون أكثر قرباً من الله وأكثر تحقيقاً لمُراد الله من خلق هذا الإنسان وتهيئته واستخلافه في الأرض، وهذا غير صحيح بالمرة بدءاً من هذه القصة المفتاح أو المفتاحية، ليس صحيحاً!

لو كان هذا المُراد لاستخلف الله الملائكة، لأنزل الملائكة هنا وانتهى كل شيئ، هي فهمت الأمر على هذا النحو ومن هذه الزاوية، نحن نُسبِّح بحمدك، نحن نُقدِّس لك يا الله، الله قال لا، ليس هذا ما أُريده، أنتم تُسبِّحون وتُقدِّسون في الملأ الأعلى، في الصفيح الأرقى هناك، هذا مطلوب منك وأنتم مُهيئون لذلك، أما هنا في هذا الكوكب وفي هذا العالم الأرضي الوضع مُختلِفٌ تماماً! قوى الإنسان وإمكاناته المذخورة الظاهرة والمُستتِرة تعمل جدلياً وبسبيل مُباشِر مع هذا الكوكب ومع هذا العالم، إنه مخلوق لهذا العالم والعالم مخلوق له ومُهيأ له، هذا الكوكب بالذات! لماذا؟

قوى هذا الإنسان لا تُستفَز ولا تُحرَّك ولا تبدأ تتفاعل تصارعياً وتقابلياً كيما تتناسخ وكيما تتخصَّب أيضاً في نفس الوقت إلا في هذا العالم بالذات أو ما يُهيئ إليه، كأن هذا العالم يستفز هذه القوى، هناك قوى جاذبة لبعضها على حساب بعض، فتحدث هذه القفزات وهذه التقابلات وهذه الجدلية المُستمِرة!

العجيب أن القرآن يتضمَّن إشارة في مُنتهى الدقة، تُخبِرنا أن الملائكة أنفسها أو ذواتها لو نزلت إلى هذا العالم لتكون من قاطنيه – أي لتقطن هذا العالم، الملائكة موجودة في هذا العالم لكن على سبيل قلقة، على سبيل عدم الاستقرار، يبدو أنها لا تجلس ولا تطمئن ولا تستريح، دائماً هي في حالة تحليق وفي حالة إنجاز عمل مُعيَّن كالكاتبين مثلاً، لكنها لا تطمئن في هذا العالم كقُطّانه، قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ۩ – ولو وُجِدوا هنا ليطمئنوا بالإقامة في هذا العالم إذن لعملت قوى هذا العالم عملها في طبيعتهم النورانية فاختل التجانس ولوقعت المعصية ولوقع الخطأ ولوقع التوتر لكن ضمن طبيعة واحدية وهذا عجيب، إنه طبيعة نورانية، قال قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۩، سيحتاجون إلى رسالة لأنهم سيضلون، سيحدث لهم توتر، وهذا مع كائنات واحدية، فكيف بكائن ازدواجي ثانوي؟ ثانوي! فيه سماء الروح وفيه أرض البدن، فيه هذه القبضة الطينية التُرابية اللامُتجانِسة من كل صنوف طين الأرض وتُربتها كما قال المُصطفى – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – وفيه هذه النفحة والنفخة الإلهية العُلوية، إنه كائن يعيش توتراً دائماً، ويُهبَط إلى هذا الكوكب! إذن لابد أن يبدأ التفاعل والجدلية بشكل مُستمِر إلى أن يموت هذا الإنسان، إلى أن ينتهي وإلى أن يقضي هذا مُستمَر.

هكذا أراد الله – عز وجل – أن يقف بنا على مُراده في قصة الخلق والاستخلاف، ليست القضية أن نُسبِّح وأن نُقدِّس، لا! إنها أكبر من ذلك، طبعاً بعد ذلك لابد أن يأتي التسبيح والتقديس وحتى طقوس العبادة، لكن من رحم المعرفة، من رحم التبرير، من رحم التجربة، ومن رحم المُعاناة، مكتوبٌ على هذا الإنسان في أكثر شوطه ومراحله ألا يفوز إلا بما يُعانيه، من رحم المُعاناة تخرج المكاسب أو كما يقول الأجانب No pain, no gain، لا مُعاناة، لا مكسب، هكذا! وهذا بعض معنى قوله – جل من قائل – لَقَدۡ خَلَقۡنَا الۡإِنسَانَ فِى كَبَدٍ ۩، من رحم هذا الكبد ومن رحم هذه المُعاناة تثرى التجربة الإنسانية، تتخصَّب التجربة الإنسانية! ما يعني تتحقَّق إنسانية الإنسان قُدماً إلى أن يبلغ سدرة مُنتهاه، هذا هو الإنسان، وهذه هي دراما الإنسان.

إذن في موقف الملائكة ملحظان رئيسان كبيران، ملحظ السؤال الذي لم يُقمَع ولم يتم إخراسه ولم يتم إقصاؤه، وإنما حظيَ بالجواب أيضاً، وحظيَ بالجواب وأي جواب! جواب في صيغة اختبارية امتحانية في مشهد تمثيلي أكثر من رائع، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، إلى آخر هذه القصة كلها، هذا هو الجواب! مَن المسؤول؟ رب العزة والجلال، لا إله إلا هو! مَن السائل؟ هذه الكائنات، لا أقول المعصومة، لأنها بطبيعتها الواحدية النورانية في عالمها العُلوي ليست أصلاً عُرضةً للخطأ، إذن هي لا تملك هذه الملكة أصلاً، لذا لا يصح أن نقول إنها معصومة، إنها ملائكة وحسب، انتهى! لو تأتى منها الخطأ أو لو أمكن أن يتأتى منها الخطأ لصح أن تُوصَف بالعصمة كالإنسان، الإنسان يُمكِن أن يُوصَف بالعصمة، طبعاً قطاع يسير جداً جداً، إنهم الأنبياء والمُرسَلون منه، فقط لا غير!

السؤال حظيَ بالجواب على الوصف الذي ذكرنا، ماذا يعني هذا أيضاً؟ يعني ضمن ما يعني أن الإيمان ليس من شرطه أن يكون تسليماً محضاً، هذا التسليم يأتي مُبرَّراً أيضاً، وهنا تبرَّر هذا التسليم، طبعاً أذعنوا وسلَّموا وسجدوا لمسجودهم بأمر الله، فقد جعل الله من آدم مسجوداً للملائكة، لكن تسليمهم جاء مُبرَّراً بعد هذا السؤال العاجب أو المُتعجِّب المُندهِش، أَتَجْعَلُ فِيهَا۩، هكذا يُعلِّمنا رب العزة!

أين نحن من هذه النغمة المكرورة المملولة التي تسرَّبت إلينا عبر أربعة عشر قرناً؟ لا يجوز طرح مسائل من نوع كذا وكذا، لا يجوز إثارة شُبهات من نوع كذا وكذا، حفظاً لعقائد الناس، حفظاً لطمأنينة المُسلِمين! ما هذا؟ هذا أولاً وقوع في منطق الوصاية القبيح أو المقبوح، بعض الناس إلى الآن لا يزال يظن أنه يُمارِس وصاية حقيقية على الناس، للأسف هناك مَن يقبل أن تُمارَس عليه هذه الوصاية، لا وصاية لأحد على أحد! قصة أبينا مُنذ البداية تُؤكِّد هذا، لا وصاية لأحد على أحد! لقد أعطى الله – لا إله إلا هو وجل في عليائه – مخلوقه المُستخلَف هذا فرصة – لا أقول من أول يوم بل قبل اليوم الأول، لأنه خليفة في يومه الأول في الأرض، قبل هذا اليوم – أن ينتخب وأن يختار وأن يُخطئ، أن يتجاوز الأمر الإلهي الذي هو حظر في الحقيقة! تجاوزه وتعداه في الجنة هناك بين يدي الله، تعداه!

هذا معنى أن أكون إنساناً، أن لي حريتي، هذه هي الأمانة التي حُمِّلتها، لا يجوز لأحد أن يُواصِي الوصاية على الناس، أن يدّعي هذه الوصاية على الناس، ثم يظن هؤلاء المُنحدِرون فعلاً من أربعة عشر قرناً بتفكيرهم وبغيبتهم عن العالم وعن الآخر أن الأبواب مُوصدة وأن هذا السائل المسكين المُتهَم الظنين في عقيدته وإيمانه هو الذي سيشرع هذه الأبواب على مصاريعها، هل هذا صحيح؟ مَن قال لك إن الأبواب مُوصدة؟ أنت لا تظن أن الأبواب مُوصدة إلا لتقلص معرفتك بما عند الآخر، الأبواب كلها مُشرَعة، علماً بأنه انتهى زمان وحين وصد وصك الأبواب والشبابيك، انتهى! الآن كل شيئ مفتوح على الإطلاق، يستطيع الآن مُراهِق صغير جداً بمحمول – بتليفون خلوي يدوي – يدسه في أي مكان من جسده وفي ثيابه أن يُمارِس الاطلاع على ما في العالمين من أفكار ومن مُباحات ومن إباحيات ومن كل شيئ، هذا في تليفونه، انتهى! ولا تستطيع أن ترقبه فضلاً عن أن تُراقِبه بشكل مُستمِر، انتهى هذا العصر، انتبهوا! ومع ذلك يُمارسون منطق الوصاية على الناس.

أظن – ثالثاً وأخيراً – أن هؤلاء لا يخافون على عقائد الناس بمقدار ما يخافون على عقائدهم وأفكارهم وعلى الحالة البسيطة الساذجة من التصالح مع الذات، هم مُتصالِحون مع أنفسهم ومع أفكارهم ومع موروثاتهم ومع مقولاتهم ومانشيتاتهم العريضة والمكرورة دائماً في كل مُناسَبة، هم يخافون عليها، يخافون حتى من أنفسهم عليها! كما يخافون من سُلطة السؤال الافتضاحية الكاشفة للزيوف أن تفضح ما عندهم للأسف، انتهى! القرآن من أول سوره وفي أول آياته يُعلِّمنا أن السؤال إذا تبرَّر لابد أن يحظى بجواب، السؤال لا يُخرَس، السؤال لا يُسكَت، ولذلك يأتي الإيمان بعد ذلك مُبرَّراً، ليس على مبدأ التسليم وإنما على مبدأ التبرير الحقيقي، هذا ملحظ كبير جداً!
نعود الآن إلى آدم عليه الصلاة وأفضل السلام، ما الذي حصل لآدم؟ يُقال إنه كان يعيش هو وأمنا المُكرَّمة في حالة ما يُعرَف بالبراءة – البراءة التامة – الأصلية، البراءة الأصلية فعلاً! هذه الحالة غير موجودة في هذه العالم الدنيوي، في هذا العالم غير موجودة، الطفل الصغير لو تم له إدراك يلتقط التناقضات والمُفارَقات لأول ساعات شهوده هذا العالم لأدرك ما في العالم من نزاعات ومن خصومات ومن أنانيات ومن صراعات ومن تقابلات وأضداد، لأدرك! لكنه ربما غير مُهيأ لذلك في أول ساعات قدومه إلى عالمنا.

هناك كل هذا مفقود، كل هذا غير موجود، الموجود فقط إمكان، إمكان لهذا الكائن الذي خُلِقَ أصالةً من طين الأرض ومن ترابها ومن حمئها المسنون وصلصالها الذي هو كالفخار، موجود هذا الإمكان لكنه نائم، لم يُنشَّط! طبعاً هناك أيضاً النفخة – كما قلنا – الإلهية العُلوية، كيف تم تنشيطه؟ وهذا مُراد الله عز وجل، كيف تم تحفيزه وتنشيطه وتحريكه، أعني هذا الإمكان النائم الغافي؟ بمنطق جديد لأول مرة يُواجِهه آدم، إنه منطق الحظر التابو Taboo والتحريم، لا تفعل! هناك حد، وهذا المنطق بداهةً وبداءةً يتحدى ماذا؟ يتحدى ما مُتِّع به هذا الكائن الثانوي من الحرية والتطلع وإرادة التجاوز والذهاب إلى أقصى ما يُمكِن الذهاب إليه، هناك إذن تحريك وتوفيز وتنشيط!

العجيب أن الكتاب الكريم لم يحو إشارة واحدة – ولا أدنى إشارة – إلى تميز هذه الشجرة المحظورة، هل قرأتم هذه الإشارة؟ أبداً! مُجرَّد ذُكِرت بعنوان أنها شجرة، فقط! ما هي هذه الشجرة؟ هل هي مُتميِّزة في شكلها أو في هيئتها أو في حجمها أو في ثمرها؟ ليست مُتميِّزة في شيئ، حتى في لونها! لم يذكر القرآن مثل هذا ليدل أنها ليست مُتميِّزة، لم يبق إذن لها شيئ من تميز إلا في محظوريتها، في كونها محظورة! وهذا تميز، هذا التميز – تميز المحظور – هو ما أخل بحالة البراءة الأصلية عند الإنسان الأول، تميز المحظور أخطر التميزات، انتبهوا!

بالمُناسَبة كثير من الوعّاظ والتربويين والمشايخ لا يُدرِكون سر هذه المسألة ويظنون أن التربية الحقيقية والإرشاد السليم والهداية التامة تتم على مزيد من تأكيد المحظورات ومن تهويل المحظورات ومن تشديد العقاب الإلهي عليها في الدنيا وفي الآخرة بالذات، بالعكس! لعل هذا ما يحفز الناس ويجعلهم مُستوفِزين إلى ارتكابها والوقوع فيها مزيد حرص وارتكاب!

لدينا المُسلِمون من قديم يقولون – وهذا حتى في الكُتب العرفانية – لو مُنِعَ الناس فت البعر – أكرمكم الله وأجلكم جميعاً، البعر هل يُفَت ويُؤكَل؟ – لفتوه، لو جُعِل محظوراً لبرز له نوع تميز، ولاشرأبت إليه أعناق الإرادة وأعناق الحرية، حرية ماذا؟ حرية أن أفعل، حرية أن أُجرِّب يا سيدي، شيئ خطير جداً! هؤلاء الوعّاظ لا يُدرِكون هذا المنطق، مع أنهم يُكرِّرون في مُناسَبات أُخرى قضية تحريم أمريكا للخمر في فترة الكساد العظيم – Great Depression – من التاسع عشر إلى الثلاث والثلاثين، قانون فولستيد Volsted! قانون فولستيد Volsted في تحريم الخمر، بعد سن هذا القانون وتشريع أقصى وأقوى وأشرس العقوبات ضد مَن يخرق هذا القانون زادت التجارة السوداء بالخمور بشكل غير مسبوق وزاد حرص الناس حتى على دفع ما لا يملكون – كان يُوجَد كساد عظيم – من المال الزهيد لقاء هذا المُدمِّر المُهلِك، وذهب الآلاف ضحايا القانون الجديد، ولم تجد الحكومة بُداً في النهاية من أن تُلغي هذا القانون، لتُفاجأ بأن مُعدَّلات استهلاك الخمور عادت إلى المنسوب الطبيعي، لكن أيام الفقر والكساد العظيم والمنع والسجون والعقاب الصارم زاد حرص الناس على الخمور!

هذه بعض تناقضات الإنسان الكاشفة عن حقيقة هذا الإنسان، الجُزء الجوهري من حقيقتي أنني حرية، دائماً نقول الأولوية للإنسان، وأولوية أولويات الإنسان الحرية، بعد الحرية كل شيئ يأتي، لكن هي في البداية، لا تقل لي حتى الدين، لا! لأنك باسم الدين سوف تُصادِر حريتي، ولا يبقى لي بعد ذلك من حقيقة جوهرية، باسم الدين! وسوف يتم تنميط الأفراد وقولبة الناس ليتم بعد ذلك استغنامهم، أي مُعامَلتهم كالأغنام على ما قال أينشتاين Einstein، قال لكي تُعامِل الناس كغنم لابد أن تستغنمهم في البداية، أن تُحاوِل أن تُحوِّر في ثقافتهم، في بنيتهم الثقافية، لكي يُصدِّقوا أنهم أغنام وليسوا بشراً، كفوا عن أن يكونوا بشراً، لا! الأولوية للحرية، وهذا ما أعطاه الدين، هذا ما ذكره القرآن بصراحة في أكثر من وضع، لكن هذه موضوعة أُخرى.

نعود إلى ما كنا فيه، إذن ما هو التميز في هذا المحظور؟ أنه محظور، كل ما هو مُتميِّز فيه أنه محظور، ولذلك لم يحك لنا القرآن مُقاوَمة عاتية من آدم لإبليس، بعض العلماء استسهل وقال كل ما حصل أن إبليس ضحك على آدم وآدم كان ناسياً، نسيَ ماذا؟ قالوا نسيَ النهي الإلهي، كيف نسيَ وإبليس نفسه يقول له مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ ۩، ما هذا؟ نسيَ ماذا؟ هذه غفلة، هذه غفلة عظيمة جداً من المُفسِّرين، لا! إنما معنى نسيَ آدم نسيَ الوفاء بالعهد، ولم ينس النهي، أو نسيَ بمعنى ترك، لأن النسي يأتي بمعنى الترك، نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩، أي تركهم، والله لا ينسى بمعنى يغفل عن الشيئ، أعوذ بالله! وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ۩، فكيف نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩؟ أي تركهم، ترك آدم الوفاء بعهد الله، لكن لا يُقال إنه نسيَ الحظر والنهي، لم ينسه! حتى لو كان فقد نبَّهه إبليس على ذلك، مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا ۩، هو لم يكن، لم يكن ناسياً وإنما لعب اللعين إبليس على بعض قواه وغرائزه، على بعض نحائزه كما يقول العرب الأقحاح، لعب على بعض نحائزه، الأشياء الجبلية المغروسة في الفطرة، إنها رغبة التطلع إلى الدوام، إلى الخلود، لماذا؟ كما قلنا هذه الرغبة ضمن رغبات كثيرة كرغبة التملك – أن يتملَّك كل شيئ – وكرغبة أن يعلم – أن يعلم كل شيئ – وكرغبة أيضاً أن يبقى – يبقى في كل زمان وحتى بلا زمان، أي ألا يفنى – مُبرَّرة من كائن وجوده عارية، وجوده هدية من الله، ليس من ذاته وليس لذاته، ليس وجوداً حقيقياً بإطلاق، لا! ولذلك أنا سأُجازِف الآن مُجتهِداً بقول شيئ، لعله يكون صواباً إن شاء الله تعالى، وإلا فالخطأ مني ومن شيطاني.

هذا الضعف الأصيل في الإنسان وهذه الرغبة في الامتداد والاستكمال هل تستمر معه هناك أيضاً في الجنة في الدار الآخرة؟ نعم، المنطق الفقهي البسيط والعقدي الساذج يقول لا، الدنيا دار تكليف والآخرة ليست دار تكليف – دار إمتاع وإلذاذ – وينتهي كل شيئ، لكن هل فكَّرتم في قوله – تبارك وتعالى – يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ۩؟ إنها لا تزال تعمل الرغبة في الامتداد والاستكمال، أن نستكمل مزيداً من المعرفة، مزيداً من الإيمان، مزيداً من الاقتراب من المُطلَق الذي لن تصل إليه وصولاً حقيقياً وإن ادّعي الصوفية بالمُطلَق، لأن الهوة بين التراب ورب الأرباب لا تُردَم بالكامل، مُستحيل! وإلا لاستحال المربوب رباً، مُستحيل! ولذلك التطلع مُستمِر حتى في الجنة وإلى الأبد، وهذه الدعوة دعوة مُمتَدة أيضاً، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ۩، يا لضعف الإنسان الذي هو سر عظمته! ضعفه هو سر طلبه للكمال، سر طلبه للمزيد، هل من مزيد؟ إنه منهوم إلى الكمال، لأنه ليس كاملاً في ذاته، ليس من أصل الكمال، إنما هو صنعة الكمال المُطلَق، رب العزة لا إله إلا هو، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

إذن هذا ما كان من آدم وما كان من بني آدم من بعد، آدم كان في البراءة الأصلية كما يُقال، البراءة المُطلَقة الكاملة أو التامة! متى اهتزت هذه البراءة؟ بمعرفة جديدة، مع أن آدم حاز قصب السبق وجاز الامتحان حاصلاً الدرجة النهائية كما يُقال، ومع مَن؟ مع الملائكة، في قضية المعرفة، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، إلى آخر القصة! آدم فاز في الامتحان بدرجة أولى، لكن الملائكة رسبت مُباشَرةً واعترفت، وعادت إلى وضع الأشياء في نصابها كما يُقال هذه المعرفة لم تُنقِذ آدم، لم يُمارِس بها آدم دوراً استبصارياً ودوراً إنقاذياً في أول امتحان عرض له وفشل في الامتحان، عجيب! الملائكة فشلت في امتحان المعرفة، آدم فشل في امتحان آخر، إنه ليس امتحان المعرفة، إن شئتم هي معرفة من نوع مُختلِف تماماً، إذا تعلَّق الأمر بالأشياء الخارجية – بما يتخارج، بكل شيئ خارجي، أي بالعالم والكون الطبيعي، سواء كان هنا أو هناك – فهذه المعرفة مُمكِنة للإنسان فرداً ومُمكِنة للإنسان بارئاً البراءة الأصلية، مُمكِن أن يكون بارئاً براءة كاملة وأن يحتاز هذه المعرفة، مُمكِن أن يكون فرداً وحده – آدم هكذا برأسه وبحياله – وأن يحتاز هذه المعرفة، لكن فكِّروا معي يا إخواني وأخواتي، هل يُمكِن أن يكون آدم كائناً أخلاقياً فرداً وحده؟ كلا! وبالتالي آدم لم يكن كامل الإنسانية وهو في الجنة، آدم شرع ليكون إنساناً حقيقياً حين أُهبِط إلى الأرض، لأنه بدأ يُجرِّب ويختبر معنى أن يكون موجوداً أخلاقياً هنا، ومع هذه التجربة بدأ ينبثق السؤال من توترات جديدة حاصلة، زايله البكم وبدأ الإنسان يطرح الأسئلة، ليس الأسئلة الاستفهامية الاستعلامية بل الاستنكارية والتقريرية والتعجبية وأحياناً الأسئلة المُجدِّفة حتى على رب الأرباب من خلال هذه التوترات الحاصلة التي زايله بسببها وبها اتزانه وطمأنينته الأولى التي كانت ثمة، اختلف الوضع الآن بالكامل!

إذن آدم لم يكن ليكون كائناً أخلاقياً هناك؟ كان يُمكِن أن يكون كائناً عالماً، كائناً عارفاً، عنده معرفة بكل ما هو خارج، نعم! وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ۩، هذه دلالة خطيرة جداً، معنى ذلك أن هذه القصة تُعطينا جواباً عن سؤال كبير صدَّع آراء زُمرة وجماعة من فلاسفة الغرب وعلمائه، هل يُنقِذنا العلم؟ ويعنون بالعلم الــ Wissenschaft، أي الــ Science، العلم الطبيعي الذي يتعلَّق بالخارج، بالمُناسَبة كثيرٌ منهم إلى الآن لا يزالون – ومعهم بعض الحق نسبياً – في الشك من تسمية الإنسانيات علوماً، قالوا لا، العلم الحقيقي ما يقبل التكميم، هذا علم! أما أن تقول لي التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة وعلم النفس والأنثروبولوجيا Anthropology فلا، هذه ليست علوماً، لا! العلم علم مثل الفيزياء ومثل الأسترونومي Astronomy ومثل الكيمياء، هذه العلوم قالوا، هذه العلوم! إنها تتحدَّث بلُغة الرياضيات Mathematics، لُغة التكميم!

على كل حال هل يُنقِذنا العلم بهذا المعنى؟ الجواب قرآنياً مُستحيل، لو أنقذك لأنقذ أباك من قبل الذي عُلِّم الأسماء كلها وفاز في الامتحان لكنه أمام أول اختبار للذات – ما معنى للذات؟ للاحتفاظ بتوازن القوى في ساحة الذات – فشل مُباشَرةً، نزعة غلبت على نزعة، جانب شال بجانب كما يقولون، جانب شال بجانب ونزعة غلبت نزعة! ومن هنا ما يحتاجه آدم هو نوع آخر من المعرفة أو العلم، إنه العلم بالذات، هذا العلم غير مُتاح في ساحة البراءة، انتبهوا! ولذلك قرآنياً وانطلاقاً من هذه القصة نحن في شك كمال الذين يعتزلون العالم كالمُتنسِّكة والمُترهبِنة، يعتزلون العالم اعتزالاً حقيقياً، ليس على طريقة أرنولد توينبي Arnold Toynbee اعتزال ثم عودة، لا! هؤلاء مُصلِحون، أما الذين يعتزلون ويظلون مُعتزِلين نحن نشك في كمالهم، هؤلاء لا يزالون فطيرين غير ناضجين وإن نضجوا أسناناً ودعاوى ومزاعم في الاتصال والقرب من رب الأرباب، لا! هؤلاء ليسوا كائنات أخلاقية، ليسوا أناسي مثلنا، نحن أخلاقيون، سواء أصابنا أو أخطأنا نبقى في النهاية أخلاقيين، لأننا نُختبَر بمنطق الصواب والخطأ.

براءة آدم من نوع براءة ماذا؟ من نوع براءة الجهل وبراءة العمى، براءة الجهل بإمكانات الذات وإمكانات الواقع، حين برزت له معرفة جديدة من إمكانات الواقع – تميز المحظور بإزاء قوى النفس التي بدأت تتحرَّك الآن نحائزها ورغباتها – اختلفت القضية تماماً، وهنا دخل اختباراً جديداً وخرج منه ببراءة من نوع مُختلِف، إنها براءة ممهورة بمهر التوبة، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۩.

بالمُناسَبة بعض الناس لديه اعتراضات، قرأت لفيلسوف غربي يسأل سؤالاً يعترض به على الإسلام والمسيحية واليهودية جُملة واحدة، يقول هذه الأديان السماوية التوحيدية تُحدِّثنا عن قصة آدم وقصة حواء وما كان منهما، وأنا أسأل أين الحكمة وأين العدالة الإلهية في أن يبقى الجنس البشري يُعاني العذابات والمحن ويتعرَّض للشقاء العام بذنب أبويه في الجنة؟ أين الحكمة؟ هما أذنبا، لماذا نتحمَّل نحن تبعات هذا؟ علماً بأن هذا السؤال يُشكِّل إثارةً وتحدياً للمنطق الإسلامي الصحيح في حد ذاته والذي لا يعترف بالخطيئة الموروثة، لكن أليس هذا من نتائج الخطيئة الموروثة؟ إذن هذا السؤال أو هذا الاعتراض يُساعِد النصارى أكثر ما يُساعِد اللاهوت الإسلامي أو علم العقيدة الإسلامية، والجواب عنه قريب سهل.

أولاً نحن – أنا، أنت، هو، وهي – لم نُعان الفرق بين الحالتين، الذي عانى الفرق وعُذِّب بالفرق بين الحالتين – بين النعيم الذي لا شقاء فيه وبين العالم الأرضي الداني الذي هو عالم معجون بالشقاء والكبد – هما أبوانا، هما بذاتيهما، لسنا نحن! هذه واحدة! فأن تقول لي نحن عانينا كأنك اختبرت الحالتين فهذا كذب، أنت تكذب على نفسك وعلى خبرتك، أنت لم تختبر الحالتين، أنت اختبرت حالة واحدة وهي الحالة المرجعية الوحيدة بالنسبة إليك، أما هما – نعم – فقد عانيا ذلك وهذا جزاء وفاق، هناك خطأ وهناك عقوبة مع قبول التوبة، هذا كان أولاً.

ثانياً – من جهة ثانية – نحن نفهم أن ما حصل لأبوينا كان تمهيداً لكي تبتدئ حكايتنا، وابتدأت حكايتنا هنا في هذا العالم، ما هذه الحكاية؟ هل هي محض فعلاً نكاد وكبد وشقاء ومُعاناة ومحنة عامة؟ كلا! بالعكس، إنها فرصةٌ وتحدٍ، والإنسان الفاعل يرى في التحديات فرصاً، يرى في كل تحدٍ فرصةً جديدةً يهتبلها وينتهزها، كيف؟

هذه الحياة فرصة وتحدٍ لننتقل من الكائن إلى الكامن أو مما هو بالفعل إلى ما هو بالقوة، كما قلت حتى ننتهي إلى سدرة مُنتهانا، حتى إبليس – أحد أبطال هذه الرواية – هو عنصر رئيس ولابد منه، لأنه عنصر رئيس في توفيز وتحريك هذه القوى المُتقابِلة، طبعاً لحساب قوة على قوة، لابد منه! في نهاية المطاف بمنطق مُجرَّد هكذا هو يخدمنا، كيف؟ أنا سأقول لكم كيف.

نحن لا نرى في الشر شراً يُحيِّرنا ويُقلِقنا ويُدهِشنا إلا الشر الذي يُزلزِلنا ويُقلقِل مواقعنا الإيمانية وقناعاتنا اليقينية، أما الشر الذي نهزمه ونُنزِل به هزيمة نكراء فهذا الشر يخدمنا، نحن مدينون له، لأن هزيمته لا تعني فقط انتصاراً منا عليه أو انتصاراً على ضعفنا، لا! أكثر من ذلك، إنها تعني تخصيب تجربتنا، إثراء شخصياتنا، من خلال التجربة ذاتها! لأن لولا هذه التجربة لما خُضنا هذا النزاع، لما وُجِدَت ساحة لهذا النزاع بين هذه القوى التي تطلب ساحتها، في الجنة لم تكن لها ساحة حقيقية، ولذلك كان تميز المحظور – تميز الشجرة – هو الساحة الوهمية، ونجحت القضية، لكن هنا ساحة حقيقية، الشر يعمل فيها جُزءاً، بهذا المنطق أنت سترى هذا الشر يخدمك ويخدم قضيتك في نهاية المطاف، وحينئذٍ ستفهم – بعض الفهم طبعاً وليس كل الفهم – لماذا سُمِح له بالوجود؟ لماذا سُمِح لنا أن نتعاطى معه أيضاً؟

ما أُحِب أن أقوله أن الإنسان مخلوقٌ ومركَّبٌ ومُهيأٌ ليتكامل ويثرى ويعمق هنا، في هذا العالم وعبره ومن خلاله، لا في عالم مُتمحِّض للخير وللنور وللقُدس، إنهم الملائكة أو أولئكم الملائكة، أما نحن مُعدَون ومُهيئون لكي نعمق ونثرى هنا، في هذا العالم!

إذن ما الذي يحصل مع الخُطاة من جنس إبليس نفسه؟ ما الذي يحصل مع الغارقين في الإثم حتى أذقانهم؟ الذي يحصل أنهم لم يفهموا التجربة، ولذلك لم يستفيدوا منها، استهلكتهم التجربة بدل أن يستثمروها!

بالمُناسَبة من أكبر التحديات تحدي الفناء وتحدي الزمن، يود كل منا أن لو يقبض بأنامله أو حتى بكلتا يديه أو بجُمع كفيه على أيامه الذاهبة، أيام طفولته وشبابه العذبة، لكنه لا يستطيع، كل شيئ يتفلت، وتسري إليه الشيخوخة، يدب إليه الضعف والفناء، إذن هل الزمن يعمل فينا ولا نعمل فيه؟ لا! من المُمكِن أن نعمل فيه، كيف؟ من المُمكِن أن نستخدم هذا الزمن، أن نُخدِّمه، أي نجعله خادماً لنا، بماذا؟ بقوة الالتقاط، بقوة الاستذكار، بالذاكرة! بالذاكرة المُنتعِشة – Fresh – اليقظة، بحيث تغدو أيامنا الأولى كساعات لا تُبارِح، إنها أمامنا، لكن بقوة الاستذكار!

مأساة الإنسان أنه كائنٌ ناسٍ، ينسى كثيراً، ولذلك تُمارِس عليه هذه القوى فعلها بعنف أحياناً، وهو يرى نفسه ضحيةً لها، لكن أنا يُمكِن أن أستنجز اللحظة التي لم تأت وكأنها ملء كفي الآن، كيف؟ بقوة التخيل مشفوعة بقوة العمل، واللحظة الهاربة الماضية يُمكِن استنجازها بقوة التذكر، واللحظة الحاضرة الفاعلة كالمنشار يُمكِن استنجازها بقوة الفعل والإنجاز، لا أترك نفسي هملاً بين يديها، وهكذا أنا سأفعل أيضاً في الزمن، مُقابِل فعله هو في، هكذا! هذا مُمكِن للإنسان، الإنسان عالم من الإمكانات، عالم من الطاقة!

نعود إلى موضوع الخطّاء، الذي يحصل مع الغارقين إلى أذقانهم في الخطيئة أنهم لم يفهموا التجربة حقاً ولم يستثمروها وبالتالي فقدوا قدرة التمييز بين الوهمي والحقيقي، بين الزائف والحقيقي الأصيل، كيف؟ آدم – كما قلنا – أُغريَ بوهمية ماذا؟ بوهمية تميز، وهمية تميز المحظور! لكنه طلع في النهاية ليس مُتميِّزاً، بل أفقده بعض مزاياه، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۩، كل أثمار الجنة وكل نبت الجنة الذي كان آدم وحواء يتناولانه ويتعاطيانه يخرج بشكل إفرازات طاهرة جميلة لا تُحوِج إلى التخلي، الشجرة هذه بالذات أحوجتهما إلى التخلي مع ما يتعانى الإنسان من شعور أحياناً قد يكون مُؤلِماً وفي كل حين هو شعور مُخزٍ، شعور بالافتضاح، شعور بالضعة بلا شك، شعور التخلي حال من أحوال الإنسان للأسف، هذا هو التميز!

يا ابن آدم – يا أنا، يا أنت، يا هي، يا هم، يا أولئكم، نحن بني آدم – مسموح لنا بل مُقدَّر علينا – في الحديث لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، هذا مسموح ومُقدَّر علينا – أن نُخطئ، لكن دائماً ينبغي أن نستفيد من تجربة الخطأ ماذا؟ الإمساك بالخيط الذهبي والخيط الحريري المائز والفارق بين الوهم والأصالة، الزيف والحقيقة، سنرى أن هذه الساحة لهذا الموضوع – ساحة الخطأ لموضوع الخطيئة – إنما هي ساحة وهمية للذات ورغبات لا تجد إشباعها هنا، وإنما في مجال آخر!

الخاطئ لا يفهم هذا، ومن هنا يُمارِس في اجترار خطئه، إنه يعلق في خطئه، الخطأ بدل أن يكون فرصة للإنماء والإثراء والتخصيب يُصبِح – والعياذ بالله – فخاً – Falle – وشَركاً يعلق فيه المسكين ويبدأ يتهالك ويبدأ يزوي ويضعف باستمرار حتى ينتهي!

هل تعرفون قصة أبي النواس “الحسن بن هانئ”؟ هذا الشاعر الداعر المشهور لم يكن ليجد أي لذة في إتيانه أهله – مع أنها كانت صبيحة الوجه وأصغر منه سناً – أبداً، كان يجد هذه اللذة – والعياذ بالله – مع الخاطئات الساقطات من أمثاله دائماً، هذا المسكين استحال الوهم عنده إلى ما أفهمه أنه حقيقة، وهو ليس بحقيقة، إنه استهلاك، استهلاك للفرصة، فرصة الاستكمال وفرصة الرقي، للأسف علق المسكين في هذا الشَرك، وذات مرة ذهبت زوجه التي لم تكن تفهم هذه النفسية – لم تستطع أن تفهم هذه النفسية، كيف يتركها وهي الغادة الخمصانة الجميلة المُمتلئة البضة إلى هؤلاء الساقطات العجائز أحياناً؟ – إلى إحداهن ليلة وأقنعتها أن ترقد في مضجعها وأن تُطفئ السراج ففعلت، فجاء الشقي المُعثَّر – أعني أبا نواس – وأتاها على أنها ساقطة ثم أُضيء المصباح، فجفل هكذا أو أجفل وقال ما أحسنكِ زانية! وما أقبحكِ زوجة! لقد علق المسكين.

انتبهوا، هذا تحذير أختم به الخُطبة، تحذير لكل الخُطاة والخاطئين، إياكم أن تعلقوا في أفخاخ وأشراك أخطائكم، ليس العيب أن نُخطئ، كلنا خطّاؤون، كل ابن خطّاء، لا عصمة لأحد منا، كل ابن خطّاء، لنا أخطاؤنا، بعض الناس يقول أنت تُعطيني يا شيخ – مثلاً – جوازاً أو إجازة بمُمارَسة أي خطأ أُريد وبعد ذلك سأستئنف توبة، لكن انتبهوا، من حكمة الله – تبارك وتعالى – ومن رحمة الله ومن كرم الله – لكن هي أدخل في باب الحكمة، الشيئ في موضعه تماماً – أنه حين خلق المعاني كالأشياء جعلها مُتدرِّجة، أي كالمُتصَل Continuum، جعلها مُتدرِّجة! الألم له درجات، اللذة لها درجات، الجوع له درجات، العطش له درجات، وكذلك الحال مع العلم والجهل والجمال والقوة، كل شيئ له درجات! الخطأ والخطيئة والمعاصي مُدرَّجة أيضاً ولها درجات، ومنها الصغائر ومنها الكبائر ومنها فواحش الإثم – والعياذ بالله – وأرذلها الشرك بالله، أعظمها فُحشاً الشرك بالله، مُدرَّج! ما معنى هذا التدريج في كل شيئ مخلوق؟ ليس نسبيته فقط وإنما يعني أيضاً أن عندك فرصة بدل أن تهلك بمُمارَسة خطأ قد تعلق فيه إلى الأبد وتنتهي – انتبه لأن بعض الناس قد يُمارِس خطأً فيعلق فيه وينتهي كل شيئ – هناك فرصة أن تُمارِس هذا الخطأ مُخفَّفاً، محلول من هذا الخطأ، محلول خطأ مُخفَّف! درجة بسيطة جداً جداً.

هناك – مثلاً – الخيانة أو الفاحشة، والنبي أشار إلى هذا في حديث البخاري، قد تكون الخيانة هذه بالعين، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ۩، قد تخون أخاك في الله أو جارك أو صديقك أو رجلاً فاضلاً كريماً حافظاً لأعراض الناس، قد تخونه في عرضه مع أهله بالعين، تنظر إليها النظرة الشاهية، والله يعلم خائنة الأعين، لو نظرت إليها بطرف عينك بقصد شاهٍ هذا معلوم عند الله، معلوم! انتبه إلى هذا، لا إله إلا هو، معلوم عند الله تبارك وتعالى، قد تخونه! بعد ذلك بهذه التجربة المُخفَّفة من الفاحشة هل أنت مُرتاح؟ هل تجد هذا يخدم تكاملك، شخصيتك، تصالحك مع ذاتك، طمأنينتك، إثراءك، وتعميق ذاتك؟ مُستحيل، كيف بما هو أكثر من ذلك؟ ما يكون باللمس – مثلاً – أو بالقُبلة أو وبالضمة والعياذ بالله، إذن تراجع! تعلم أنت من خلال هذه المُمارَسة المُخفَّفة أن ما سيكون أشد منها سيكون أشد تحطيماً لذاتك، فالخطيئة تحطيم للذات.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسَلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها الإخوة:

فقط جُملة أخيرة، يعترضني بعضكم ليقول مارست هذا الخطأ أو هذه الخطيئة المُخفَّفة فجرتني إلى ما هو أعظم والعياذ بالله، إلى ما هو أدون! سأقول له مرةً أُخرى لأنك لم تفهم تجربتك، أنت أيضاً لم تفهم ولم تستثمر تجربة هذه الخطيئة المُخفَّفة، لم تفهمها ووقعت أيضاً أسيراً في يد الوهم مرةً جديدةً، علماً بأن حتى ما هو أحط وما هو أنزل لن يكون النهاية، ستبقى عالقاً أحياناً وتُكرِّر إلى أن يشاء الله ربي شيئاً، فانتبه!

من هنا نعود لنُؤكِّد مرة أُخرى على مسألة الخيار، لتكن أفعالنا مُنتقاة ومُنتخَبة تكعس خيارنا بدءاً من الإيمان، وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۩، هذا سؤال تقريري.

بالمُناسَبة كل ما له أصل ينحل في النهاية إلى أصله، يذكر العلماء الأصوليون والبيانيون أكثر من عشرين غرضاً يُمكِن أن ينحرف إليها السؤال، لأن الأصل في السؤال هو الاستعلام، لكن يُمكِن أن ينحرف إلى واحد من عشرين غرضاً آخر، هذا صحيح لكن ما انحرف إليه يُمكِن وبخُطوة بسيطة جداً – ليس برحلة Trek وإنما بخُطوة بسيطة – أن نُفسِّره أو أن نُحلِّله – نجعله مُنحَلاً – إلى أصله أيضاً، هو يتضمَّن أيضاً الأصل.

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۩، فهذا مُباشَرةً يتضمَّن سؤالاً للذات، أهو ربنا؟ طبعاً، الدلائل كلها تقول ومن صنعة يديه نعم، قَالُوا بَلَى ۩، إذن مُنذ البداية حتى الإيمان هذا في عالم الذر وفي عالم الأنفس المحضة كان لابد أن يخضع لاختيار ولانتخاب، ونحن نجحنا في الامتحان ابتداءً، هذا ما تُعطيه الفطرة بإلحاحها وسلامتها وحُسن توجهها، البوصلة الفطرية!

اللهم إنا نسألك أن تهدينا وتهدي بنا، وتُصلِحنا وتُصلِح بنا، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم في هذا المقام الكريم ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرَّجته ولا كرباً إلا نفَّسته ولا ميتاً إلا رحمته ولا مريضاً إلا شفيته ولا غائباً إلا رددته ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه بفضلك ومنّك إلهنا ومولانا رب العالمين.

اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك، وأسعِدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك، وخِر لنا في قضائك، وبارك لنا في قدرتك، حتى لا نُحِب تأخير ما عجَّلت ولا تعجيل ما أخَّرت، واجعل اللهم غنانا في أنفسنا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث منا واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اغفر لنا ولمَن حضر، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلِمين والمُسلِمين، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

(مقطع هام مُلصَق بآخر الخُطبة)

هذه المرة كان ملفوفاً بقطعة قماش أحمر، ورفعه على رؤوس الأشهاد وبدأوا يتصايحون ويُغشى على بعضهم ويصرخ بعضهم، تهيَّجوا جميعاً! ثم اكتُشِف بعد ذلك أن القسيس بارتلمي نفسه حين شعر بحراجة الموقف حتى النهاية انسل في جنح الليل دون حتى أن يراه النبيل – حارس الرمح لأنه كان قد غلبه النوم والنُعاس – ودخل في الحفرة بعد ان أخفى في طيات أثوابه نصلاً لرُمح عربي – أي من جُند المُسلِمين – ثم هناك ادّعى أنه وجده في أسفل الحُفرة.

المُهِم أن إدوارد جيبون Edward Gibbon قال المجلس العسكري كله صادق على أن الرُمح وُجِدَ هناك، قال لا أدري هل كانوا مُؤمِنين بذلك أو غير مُؤمِنين، لكن الذي أدريه أن مصلحتهم اقتضت أن يُؤكِّدوا إيمانهم بهذا، هذا طبعاً لكي يقدروا على قيادة هذه الجماهير الغبية من الجيوش الصليبية، وهكذا تُخدَع الشعوب والجيوش ويُكذَب عليها باسم الدين وباسم الرب وباسم القدس!

سأحكي لكم قصة أكثر مسخرةً من هذه القصة، للأسف من تاريخنا الإسلامي هذه المرة ومن المصادر التركية، الخواجة نصر الدين خوجة تعرفونه، جحا! هذه شخصية حقيقية طبعاً تاريخياً لكن نُسِب إليها الكثير طبعاً، وكان فيه بعض الظرف والدعابة بلا شك.

كان نصر الدين خوجة الشهير بجُحا مُريداً عن شيخ جليل القدر من أولياء الله الكبار في بلاد تركيا يُدعى حاجي بكير، أي الشيخ حاجي بكير! حاجي بكير هذا من أين أخذ شُهرته؟ من شُهرة شيخه ولي أولياء الله تعالى والمُقدَّس الكبير الشيخ فلان ابن علان ابن سُلطان المدفون في مسجد والذي صار كعبة للقُصّاد ومزاراً لذوي الحاجات من العوانس والأرامل والمُطلَّقين والمُطلَّقات والذين لا خلف لهم ولا عقب ولا مال ولا رزق، الكل يأتي هناك! وكذلك الحال مع المغمومين والمحزونين والمقطوعين، الكل يأتي هناك وينذر ويذبح ويُهدي ويدفع الأموال، حتى تأثَّل حاجي بكير ثروة عظيمة، تأثَّل ثروة عظيمة من المال! وصار له الكثير من البساتين والأوقاف، وقصة طويلة عريضة! وجُحا المسكين هذا – نصر الدين خوجة – مُجرَّد مُريد فقير عنده، عرضت له في يوم من الأيام سفرة أو رحلة، فاستئذن حاجي بكير أن يُسافِر، قال له سأُعيرك أتاناً – أُنثى الحمار، قال له سأُعيرك أتاناً، وهي عجوز شمطاء مُتعَبة – تذهب بها وتُسافِر على أن تذهب وتعود في كذا وكذا يوم، أي ثلاثة أو أربعة أيام، ليس أكثر من هذا لأنه يخدمه، يشتغل ويُنظِّف ويقم هذا المسكين، فذهب بها! لكنها لفرط عجزها وضعفها نفقت في الطريق، في نصف الطريق ماتت هذه، فاحتار طبعاً وأُسقِط في يده، بماذا يعود إلى شيخه حاجي بكير؟ ماذا يقول له؟ ماتت الأتان! والرجل حبّاب للمال، الشيخ الولي الكبير حبّاب للمال جداً، وهذا تورَّط لأنه ماذا سيقول له في شأن الأتان؟ ثم عرض له أن يدفنها، وبين هو يدفنها خطر له خاطر شيطاني، لِمَ لا أبني عليها ضريحاً حتى إذا سُئلت أجبت؟ وفعلاً بدأ يُشيِّد الضريح ويُجمِّله، فسأله أحد المارة لمَن هذا؟

طبعاً أمة تعبد الأولياء، انتبهوا! تعبد الأموات، ما عادت تعبد الله حقاً وتطلب من الله، عادت تعبد هؤلاء، وطبعاً هذا انحطاط وبدائية، محمد رفعنا إلى رُتبة المُتجرِّدين، أمة لا إله إلا الله، لا نعبد إلا الله، لا نثق إلا بالله، لا نسأل إلا الله، ثم بعد ذلك كلنا نحن بشر، محمد مثلنا مُحتاج إلى الله، ولا يعلم خيره من شره، انتبهوا! قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ۩، قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۩، لكن الأمم البدائية حين تُصبِح بدائية أو تنحط إلى بدائية لا يُعجِبها هذا، يُعجِبها الشيئ المحسوس الملموس، له لحية أو له لعمامة أو له ضريح أو له اسم أو له مكان نقصده بخُطوات، مائة خُطوة أو مائة ألف خُطوة حتى أو مائة كيلو متر، لا تُوجَد مُشكِلة، لابد من شيئ محسوس، أصبحنا بدائيين، أصبحنا مُنحَطين مُتوحِّشين، بعد أن كنا أمة ذات عقل وذات رقي، لذلك لا أُؤمِن أن هناك نهضة روحية مع غياب العدل، انتبهوا! هذا مُستحيل، لا يجتمعان، النهضة الروحية الحقيقية تُنتِج نهضة عقلية حقيقية، لكن يُمكِن أن تكون نهضة عقلية بلا نهضة روحية لكن ستأكل نفسها، ستسهلك نفسها كنهضة الغرب هذه العقلية لكنها ليست روحية.

على كل حال فسأله، قال هذا شيخي فلان ابن فلان، هذا من كبار أولياء الله، صاحب سر باتع – كما يقول العوام – ونافذ، وأوصاني بأن أبني على قبره كذا وكذا، ما هي إلا أيام معدودات وليالٍ منزورات حتى كثر القصّاد يا حبيبي وحجّاج هذه الكعبة الجديدة من النساء والرجال، فقلَّ رزق حاجي بكير، أغلب الذين كانوا يذهبون إلى شيخه هناك توقَّفوا عن الذهاب، قليل ظل يرتاد حاجي بكير، فغضب الشيخ الكبير حاجي بكير، شيخ جحا نفسه! فجاء إلى نصر الدين خوجة وألح عليه واستحلفه وعزم عليه إلا أخبره بنبأ هذا الشيخ الجديد، فقال يا سيدي أتُريد الحقيقة؟ لكن عزمت عليك بالله أكتم علىّ ولا تقطع رزقي، قال ما هو؟ ماذا هناك؟ قال هذه ظريفة، وهذا اسم الأتان، أي اسم الحمارة هذه، كان اسمها ظريفة، سماها ظريفة! بالتركي اسمها ظريفة، قال هذه ظريفة، قال ظريفة؟ قاتلك الله، قال يا سيدي، اكتم علىّ يا سيدي كذا وكذا، هذه مُصيبة والناس سوف يقتلونني، قال شريطة، قال اشرط، قال الشَركة، نشترك! المعلوم والمدخول لي ولك، رزق الهبل على المجانين، إذا هذا استهبال فهؤلاء مجانين، طوّاف يأتون لكي يبكوا ويدعوا وما إلى ذلك، مجانين! أمة مجانين للأسف، والله شيئ يُقرِّح الأكباد، أُقسِم بالله، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ۩، أين نحن من الله يا أخي؟ لا يُسَد بابه، لا إله إلا هو! ماذا أُريد من صاحب القبر هذا؟ رحمة الله عليه أياً كان، لكن رحمة الله على ظريفة؟!

على كل حال قال على أن نشترك، قال لك ذلك، ولكن يا سيدي – هذا جحا – ماذا ستقول للشيخ صاحب المقام هناك عندك؟ فعلمي أنه شيخ كبير وسره نافذ جداً، لعله يعود علينا بعقاب، أنا وأنت! قال اسكت، الشيخ ذاك هو أبو ظريفة يا حبيبي، نعم! هذه قصة من التاريخ، الشيخ هناك هو أبو ظريفة، كان حماراً قوية – قال – رحمة الله عليه، كان جحشاً مُمتازاً – قال – قوياً ونفق، وكان رزقي على متنه، على ظهره! فتحيَّلت بهذه الحيلة وفتح الله علىّ بها، صرت أنا شيخاً من الشيوخ وهو صار من الأولياء، قال والحمد لله، ربي كريم، ربي لطيف، قال كريمته – ظريفة بنت ظريف – على العهد والطريق، الحمد لله تُواصِل طريقه، وربما تستمر المسألة!

أين العقل يا أحبابي؟ أين العقل؟ ما أدراني أن هذا صحيح؟ الدكتور العلّامة الكبير أحمد أمين هو مُؤرِّخ الفكر الإسلامي في وقته – رحمة الله عليه – وصاحب فجر وضُحى وظُهر الإسلام ويوم الإسلام، ختمها بيوم الإسلام! أحمد أمين – رحمة الله عليه – العلّامة المصري الكبير في كتابه قاموس العادات والتقاليد الشعبية ذكر قصة عجيبة جداً، قصة رجل اسمه صالح وما هو بالصالح بل هو طالح، طالح الطالحين! اسم على غير مُسمى، هذا كان يدّعي الدروشة وأنه تقريباً شبه أخرس لا يُبين، يجلس هكذا في ضعف، وكلما به رجل أو امرأة ذو أو ذات هيئة – كيف يعرف أنه ذو هيئة؟ يُوجَد ذهب مثلاً في رقبته أو في يديه أو يلبس لباساً جيداً – يقول يا واحد، يُوحِّد الله، ما شاء الله، مجذوب! فيختفي الرجل أو تختفي المرأة ثم لا يعود، لماذا؟ حين يقول يا واحد تخرج جماعة من قطّاع الطرق السلّابين النهّابين القتلة فيأخذونه ويقتلونه ثم يدفنونه أو يرمونه في الترعة أو في النيل ويأخذون ما عنده، اختفى عشرات الناس! شكت الشرطة المصرية في هذا، أيام الخديوي إسماعيل هذا، هذا أيام الخديوي إسماعيل إسماعيل! أي أنه قريب جداً، شكت الشرطة المصرية فنصبت كميناً، أخونا الشيخ الدرويش قال يا واحد فخرجوا، قال فأخذوا المُوحِّد ومَن يُوحَّد بهم، تعالوا! اكتشفوا وقالوا لابد من إنزال أشد العقاب، فجاءت مُغنية – والعياذ بالله – سُمعتها في الطين كما يُقال، وحلفت وأقسمت أن هذا درويش ومسكين ولا علاقة له وأنها تعرفه ولابد من تركه، وطبعاً شفَّعوها لأنها مُغنية، حكومة فاسدة – للأسف – وإدارة فاسدة، فشفَّعوها فيه فأخذته ووضعت القيد في يديه، لذلك سُميَ بعد ذلك صالح أبي حديد، اسمه صالح أبي حديد! ربما المصريون يعرفون جامعاً كبيراً في القاهرة اسمه جامع صالح أبي حديد، يُزار إلى اليوم! ويُقال إنه تُحفة معمارية، عليّ مبارك باشا صاحب الخُطط التوفيقية قال أنا غير قادر على أن أفهم كيف بُنيَ على اسمه وعلى جثمانه النجس هذا المسجد العظيم، سوف نرى أن هذا بأمر الخديوي إسماعيل، أمة لا عقل لها – كما أقول لكم – للأسف، إلا ما بقيَ لها من عقل طبعاً، فالمُهِم أخذته وهكذا فترة حتى نُسيت قصته، ثم أشاعت في الناس أنه وليٌ مُكاشَف وأنه مُخاطَب وأنه ينطق بالغيوب، فحدث نفس الشيئ، قصده أصحاب الحاجات والملهوفون، وكثر الناس وهو لا يكاد يُبين، يُغمغِم بحروف لا يستبين السامع منها شيئاً، ثم تأخذ هي المعلوم، وكوَّنت ثروة طائلة جداً جداً حتى قضى، هلك هذا الفاسق المُجرِم، السلّاب النهّاب القاتل هلك، فبلغ صيته وسُمعته – أنه من الأولياء الكبار ورحمة الله عليه وقدَّس الله سره الكريم – الخديوي إسماعيل فأمر بناء المسجد على قبره ويُسمى مسجد سيدي الشيخ صالح أبي حديدة.

ما أكثر الأسياد في بلادنا! سيدي بوزيد، سيدي بوسعيد، سيدي فلان، وسيدي علان! أسياد كثر بالآلاف في كل مكان، الله أعلم، الله المرجو – تبارك وتعالى – ألا يكون أكثرهم أتانات وحميراً، شيئ عجيب في هذه الأمة!

النبي – عليه السلام – أراد تعقيل – لا أقول أراد عقلنة وإنما أراد تعقيل – هذه الأمة، أراد لها ألا تنحط إلى هذه الوهدة، لكنها فعلت حين آثرت ألا تتبعه، فقد اكتفت هي أن تتغزَّل بطول حاجبيه وسواد عينيه وجلاحة جبينه وجمال وجنتيه الأزهرتين، جعلوه كأنه ما يُتغزَّل به، هذا الذي أخذوه منه – صلى الله عليه وسلم – للأسف الشديد، وبعضهم أخذ منه الطقوس والمراسيم الظاهرية، أين روح محمد؟ أين رسالة محمد؟ أين مشوار محمد؟ أين مسيرة محمد؟ أين تركة محمد الحقيقية أيها الإخوة؟ أين هي؟ أين هي؟ للأسف لابد أن يُنبَش عنها من جديد!

اسمعوا هذا الموقف الذي تعرفونه جميعاً لكن فكِّروا في إطار خُطبة اليوم في دلالته، يا له من موقف! أخرج مُسلِم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – قال مات إبراهيم ابن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وانكسفت الشمس، أي في اليوم الذي مات فيه إبراهيم – عليه السلام – ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس ما انكسفت إلا لموت إبراهيم!

طبعاً هذه عقلية الجماهير، نفس الشيئ! تُريد مُعجِزة، تُريد خُرافة، تُريد خيالاً، تُريد سُلطاناً في القمر، هذه هي! هذه الأمم، قالوا ما انكسفت إلا لموت إبراهيم، واضح! إبراهيم مات وهو ابن النبي، ابنه الوحيد الذكر، يقول جابر فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – وصلى بهم ست ركعات بأربع سجدات حتى آضت الشمس – أي رجعت، تجلت! آض تعني رجع، أي أنها عادت ورأوها – ثم قام، انتبهوا الآن، كان بوسعه مثل كل القادة والزُعماء – أستغفر الله العظيم – والدجاجلة والأنبياء الكذبة أن يقول نعم، قد رأيتم ولا أدّعي أنني أُريكم ما لا أرى، رأيتم! كُسِفت لموته عليه السلام، ولو قد عاش لكان وارث أبيه، إلى آخر هذا الكلام الفارغ! قام بأسلوب مُختلِف تماماً ليقول – صلى الله عليه وسلم – أيها الناس – بعد أن حمد الله وأثنى عليه وقدَّسه ومجَّده، عبد الله ورسوله، اللهم اجزه عنا خير الجزاء واجمعنا به، اللهم أحينا على سُنته وأمتنا على مِلته، هذا ما نرجوه والله – إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله – قضايا كونية هذه – لا تنكسفان لموت عظيم أو قال لموت أحد في رواية، غير صحيح الكلام هذا، هذا ليس له علاقة بابني إبراهيم بالمرة لا من قريب ولا من بعيد! فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة.

قال هذه آيات يُخوِّف الله بها مَن شاء مِن عباده والحل في الصلاة، لا تقل مات إبراهيم أو وُلِدَ فلان أو مات فلان، قال هذا الكلام أساطير الأولين، خُرافات لا وجود لها، الله أكبر! أعظم فرصة كان لنهّاز أو كذّاب أن ينتهزها، أليس كذلك؟ خاصة في شعوب مثل هذه، هي التي ألَّفتها، هي التي أطلَّقت هذه الخُرافة، بعضهم لا أقول يهتبل السوانح وينتهز الفرص أو يفترصها بالعكس يخلقها ويُهيء لها!

رسول الله يا أحبابي – وفكِّروا مرة أُخرى – كان شديد التبسط في ثيابه ومسلكه ومجلسه ومأكله ومشربه، وكثير الاندماج في جماعته، أليس كذلك؟ والزُعماء لا يفعلون هذا، أنا قرأت في كتاب تنوير القلوب للشيخ محمد أمين الكُردي – قدَّس الله سره – شيئاً عجيباً، هذا شيخ كبير وله كرامات يُحكى عنها، المُهِم قال – رحمة الله عليه – في آخر كتابه – وهذا ليس عند الشيخ الكُردي فقط بل عند كل مشايخ الصوفية – من آداب الشيخ ألا يتبسَّط مع تَلاميذه، ممنوع تخرج عليهم في ثياب النوم، ممنوع تخرج عليهم بشعرك من غير العمامة أو بدون الكحل أو بدون اللحية المُسرَّحة، ممنوع! كله ممنوع ممنوع، لماذا؟ حتى لا تنزل الهيبة، لابد أن تظل لك هيبة دائمة عليهم، عندك مجلس مُعيَّن، عندك شكل مُعيَّن، عندك معيار – Standard – مُعيَّن، لا ينبغي أن تنزل عنه، لكي تقدر على أن تستلب عقولهم!

محمد على كل حال من أول يوم رسالته ليست هي أن يستلبنا، لا والله! أن يهبنا، هو أعطانا ما سُلِبناه، محمد من أول يوم ما أراد أن يُغرِّبنا عن أنفسنا، بالعكس أراد أن يُوحِّدنا بحقائقنا، أن يُعيد فرديتنا واستقلالنا، ولذلك كان لا ينحاش عنا ولا منا، يجلس بيننا، يأكل مثلنا، ينام بين أصحابه على التراب وعلى الحصير في المسجد وفي قارعة الطريق تحت شجرة وجاء مَن أراد أن يغتاله صلى الله عليه وسلم، عادي! بكل بساطة يجلس حيث انتهى به المجلس، محمد يلبس مثلما يلبسون وليس هذا فحسب، ذات مرة جلس فبقوا هم قائمين، فقال ما هذا؟ مَن أحب أن يتمثَّل له الناس قياماً – أو قال يمتثل – فليتبوأ مقعده من النار، لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم لملوكها، أجلس وأنتم تظلون واقفين! أي Bodyguards، تعرفون الــ Bodyguards، كلهم الآن يُحِبون الــ Bodyguards حتى بعض المشايخ البُسطاء من أمثالنا كان عندهم Bodyguards، كلنا صرنا خطيرين، ما شاء الله علينا، نُهدِّد أمن العالم! ما هذا؟ محمد لم يكن كذلك، قال لا، اجلس وتجلسون، مثلي مثلكم، لا يُوجَد فرق!

ونجح مع هذا كله أن يسوسهم أعظم سياسة، أليس كذلك؟ وأن يختلب عقولهم دون أن يستلبها، ليُحِبونه حُباً جماً وعقولهم معهم، يُطيعونه طاعة شبه مُطلَقة لكن فيما تُبرِّره عقولهم، فإن خالف أمره ما يقتنعون به لووا والتووا بين يديه حتى يُقنِعهم، لأنه هكذا رباهم صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك في هذا اليوم الكريم في هذه الساعة المُبارَكة في هذا المقام الكريم ألا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرَّجته ولا كرباً إلا نفَّسته ولا مريضاً إلا شفيته ولا ميتاً إلا رحمته ولا غائباً إلا رددته ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه ولا أسيراً إلا أحسنت فكاكه وطلاقه يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك ألا تدع لنا حاجة من حوائج الدنيا لنا فيه صلاح ولك فيها رضا إلا أعنت على قضائها ويسَّرتها بمنّك وفضلك إلهنا ومولانا رب العالمين، اغفر لنا ولمَن حضر ولوالدينا ولإخواننا وأخواتنا وقراباتنا وأزواجنا وذرارينا وأخلافنا جميعاً برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهى المقطع بحمد الله)

فيينا 07/09/2007