معجزات . . . انتهى زمان المعجزات

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ۩ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ۩ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ۩ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ۩ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ۩ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ۩ قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ۩ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
لو قيل لأحدنا إن فلاناً من الناس لرجلٍ يعرفه يتناول غداءه الآن في القاهرة على أنه سيتناول طعام العشاء – مثلاً – معنا الليلة هنا في فيينا، هل ترون ذا يُثير شيئاً من الدهشة أو العجب؟ كلا، بالنسبةِ إلينا هذا أكثر من طبيعي،ولكن لو قيل هذا القيل ذاته وعينه لأحدٍ من الناس قبل ثلاثمائة سنة أو قبل مائتي سنة أو قبل عهد الطيران فضلاً عن أن يكون قبل ألف سنة لقال مُعجِزة أو خُرافة أو تخريف، أليس كذلك؟ إذن ما الذي حدث؟ ما الذي يُمكِن أن يُستفاد من ضرب هذا المثل السهل والمُلاحَظ والبسيط؟ ينبغي أن يُستل منه التلفت إلى المرونة والحركية والنسبية في تعاريف الخارق والمُعجِز، إذن المُعجِزة أو الخارقة ليست أمراً يُؤخَذ بإطلاق وعلى إطلاقه، هذا شيئٌ مُتحرِّك نسبي، فما يُعَد مُعجِزاً بالأمس يُعَد اليوم شيئاً طبيعياً ويُنظَر إليه على أنه شيئٌ طبيعي، وهذه المُقارَبة للمُعجِزة والخارقة في ظني مُهِمةٌ جداً لحل بعض الإشكالات التي تُثار حول المعاجز النبوية وحول المعاجز التي أجراها الله – تبارك وتعالى – وقضى بها على أيدي أنبيائه ورسله، صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين.
المعاجز التي كانت بالأمس مثاراتٍ وأسباباً وبواعث للإيمان والتصديق عند مَن هدى الله قلبه للحق ونوَّر بصيرته بصدق هى ذاتها أو ذواتها صارت تُشكِّل في عصرنا هذا بل في مُجمَل العصر الحديث تقريباً وخاصة في فترة التنوير في أوروبا وإلى اليوم مثاراتٍ للارتياب والتشغيب والاشتباه والتشكيك، فصارت تُرفَض الأديان ويُكذَّب الأنبياء والمُرسَلون، لأجل ماذا؟ لأجل أنهم يزعمون أو يُزعَم لهم أنهم أتوا بمعاجز، والمعاجز تخرق القانون الطبيعي وتنتهك حرمته، فالمعاجز تنتهك حرمة القوانين الحاكمة في الكون وفي العالم وفي الطبيعة، وهذه القوانين ثبت بالقطع واليقين أنها مُضطرِدة دائمية شاملة كُلية ولا تتخلَّف ولا تُعلَّق – لا يُمكِن أن تُعلَّق – أيضاً، والمُعجِزة ربما في لاهوت المعاجز والخوارق في أبسط تفسيراتها هى نوعٌ من التعليق الوقتي لعمل القانون الطبيعي حتى تمر المُعجِزة، كما في سفر يوشع غلام موسى عليهما السلام، وقال الربُ للشمس يا شمسُ قفي في جبعون ويا قمر في أيالون، فوقفت الشمش وثبت القمر حتى انتقمت الأمة من أعدائها، إنها مُعجِزة أو خارقة توقف الشمس ليوشع بن نون Yusha – يوشع غلام أو تلميذ موسى – حتى انتصر على أعدائه، وقالوا هذا كلام فارغ لأن الشمس لا تتوقف، الشمس أصلاً لا تدور ولا تلف حول الأرض، الشمس ثابتة في مصامها والأرض هى التي تدور حولها، فالقضية كلها تخريف وتهريف.
باروخ سبينوزا Baruch Spinoza الفيلسوف العقلاني الشهير صاحب رسالة في اللاهوت والسياسة والذي اتُهِمَ – كما ذكرنا في خُطبة سابقة – بالزندقة ولُعِنَ أربع مرات وحُرِمَ من الكنيس أو السنهدرين اليهودي آثر ألا يُكذِّب هذه المُعجِزة على أنه لا يقبل البتة القول بتخلَّف أو تعليق أو تعلّق القوانين الطبيعية، سبينوزا Spinoza لا يقبل هذا مُطلَقاً، وله عبارة مشهور جداً قال فيها نحن نُؤثِر وخيرٌ لنا أن نُؤثِر العقل وأن نُقدِّمه على الكتاب المُقدَّس أو في الحد الأدنى – يقول كالمُحترِز والمُحترِس – على فهمنا للكتاب المُقدَّس، وطبعاً لا يُريد أن يُورِّط نفسه الرجل فقال ولكن في نهاية المطاف لابد أن يُقدَّم العقل على الكتاب – هكذا يقول وهكذا يُؤسِّس – أو على الأقل على فهمنا نحن، ولذلك راح يُؤِّول – لا نقول يُفسِّر لأن هذا نوع التأويل ونوع من الالتفاف التفسيري، فكل التفاف تفسيري هو تأويل، هكذا يُمكِن أن نصطلح، وعلى كل حال هذه مُصطلحات ولا مُشاحة في الاصطلاح – هذه المُعجِزة بقوله يوشع ظن أن الشمس توقَّفت عن السير أو عن المسير لأنه كان يجهل علم الفلك – هكذا قال – الذي لم ينوجد – أي لم يُوجَد – في ذلكم الزمان، علم الفلك كان علماً بدائياً جداً ومُختلِطاً بعلم التنجيم، لم يكن الأسترونومي Astronomy مُتميِّزاً من الأسترولوجى Astrology، فكان شيئاً أقرب إلى التنجيم، ولذلك يقول سبينوزا Spinoza بكل جرأة لأنه مُفكِّر عقلاني يوشع كان يجهل علم الفلك الذي نعرفه اليوم، ثم يقول وأنا شخصياً أذهب إلى أن ما ظنه يوشع توقّفاً لحركة الشمس هو مُجرَّد ظاهرة طبيعية جهل هو أسبابها، ما هى هذه الظاهرة؟ قال يبدو أن الصقيع كان مُرتفِعاً جداً في ذلكم المساء، ولذلك انعكس – وهذه مبادئ تفسيرية أخذها من ديكارت Descartes، فديكارت Descartes قدَّم مثل هذه المبادئ العلمية واستفاد منها سبينوزا Spinoza – ضوء الشمس انعكاساً استثنائياً بحيث توهَّم يوشع – Yusha – أن الشمس بقيت ساطعة ولم تغب، فهذه ظاهرة انعكاسية للضوء وليس أكثر من هذا، أي أنه فسَّر هذا الخارق أو تلكم المُعجِزة كما تُدعى تفسيراً طبيعياً، فلم تغد مُعجِزة وأصبحت ظاهرة طبيعية، أما أن تكون مُعجِزة وخارقة للطبيعة فقال لا نقبل هذا.

على كل حال الموضوع لاذٌ وشائق، وخاصة الآن في الوقت الذي تُثار فيه إشكالات وتشغيبات وتشبيهات من الشباب المُثقَّف والمُطلِع والذي يتعاطى مع شرقٍ ومع غرب، ولكن لا يُمكِن لخُطبة أن تتسع أو يتسع صدرها لمثل هذا الموضوع الضافي الأطراف والكثير الشعوب والذيول، فنجتزيء بأشياء تمس غايتنا وقصدنا – إن شاء الله – من خُطبتنا هذه.
أيها الإخوة:
علماؤنا آثروا أن يُعبِّروا عن المُعجِزة بأنها خرقٌ للعادة لا للعقل، وظن بعض العلماء الأفاضل أن هذا الاحتراز وهذا التعريف العلمي الذكي والدقيق يكفي في تفسير المُعجِزة، لكن في عصرنا هذا بالذات ما عاد يكفي، لماذا؟ لأن مُعظم الناس على الإطلاق صاروا مثل باروخ سبينوزا Baruch Spinoza ومَن جاء بعده، فكانط Kant نفسه رفض المعاجز – الفيلسوف النقدي العقلاني الكبير كانط Kant الألماني رفض المعاجز – وله كتاب إسمه الدين في حدود العقل وحده Die Religion innerhalb der Grenzen der bloßen Vernunft، وقال لا تقل لي خوارق ومعاجز، لكن ماذا قال كانط Kant في هذا الكتاب؟ سأُلخِّص لكم تلخيصاً طبعاً مُخِلاً لكلام طويل مُعمَّق أتى به الفيلسوف الهائل هذا، قال أولاً المعاجز تتعارض مع العقل، ونُخالِفه في هذا، فهذا غير صحيح وسنُوضِّح، المعاجز لا تتعارض مع العقل، فهى تتعارض مع القوانين الطبيعية لكن ليس مع العقل، فغير صحيح أنها تتعارض مع العقل، لكنه قال هى تتعارض مع العقل، ثانياً المعاجز تتعارض مع قوانين الطبيعة ومع دساتير الطبيعة، وهذا إلى حدٍ ما نُريد أن نُناقِشه وهو مُهِم جداً، الأول سهل ويُمكِن دحضه مُباشَرةً، لكن هذا صعب فنُريد هنا أن نقف، والخُطبة نُقطتان بإذن الله تعالى، هذه النُقطة ونُقطة ثانية عن الاصطلاح القرآني في تعريف وتوصيف الخوارق والمعاجز، أي الآيات، فلماذا؟ ونرجو أن يكون فيها شيئٌ من إضافة بإذن الله تبارك وتعالى، قال والمعاجز تُستخدَم وتُستثمَر غلافاً للقيم وتبريراً للأخلاق، تلكم الأخلاق والقيم التي لم تجد مُبرِّرا لها إلا في حدوث حادث استثنائي لقوانين الطبيعة، إذن لا قيمة لها.

إذن كانط Kant يرفض الخوارق والمعاجز لأنها أيضاً تضييعٌ للأخلاق والقيم، عكس ما أُريد لها أن تكون، وطبعاً هو صاحب نظرية الواجب، وذهب مذهباً بعيداً في قدرة وأهلية العقل الإنساني على معرفة ما ينبغي وما لا ينبغي بعيداً عن الدين وبعيداً عن أي تبريرات أخرى، وإنما الواجب لذاته، وكانط Kant هنا مُتعصِّب جداً وكلامه أشبه بأن يكون كلاماً مُغرِقاً في المثالية، وعلى كل حال قد نُوقِشَ طويلاً في نظرية الواجب كانط Kant، وكانط Kant طبعاً أسَّس هذا على الذي أيقظه من سباته العقدي الدوغمائي – Dogmatic – وهو ديفيد هيوم David Hume الإسكتلندي، فديفيد هيوم David Hume مِن أوسع الذين كتبوا رداً وإدحاضاً وبياناً لتهافت مُبرِّرات المعاجز والخوارق في كتابه An Enquiry Concerning Human Understanding، أي تحقيق حول الفهم الإنساني، وأتى بأشياء دقيقة أقنعت الكثيرين وكان من ضمنهم كانط Kant، وكانط Kant اقتنع بمُقارَبة هيوم Hume لموضوع المُعجِزة والخارقة، فماذا قال هيوم Hume؟ لابد أن نُلخِّص لأن كلامه طويل وفي مواضع لكنه قال باختصار أولاً المعاجز نحن لا نراها، أي كما قال إرنست رينان Ernest Renan بعده وبعد كانط Kant في القرن التاسع عشر المعاجز أشياء لا تحدث أبداً، وإنما يُسمَع عنها، لذا أرونا هذه المعاجز، فهو قال نحن نسمع عنها حديث خرافة ولا تحدث، المعاجز أشياء لا تحدث أبداً، أين هى؟ الكل يقول لك حدثت في زمانٍ ماضٍ، لماذا لا تحدث الآن؟ وهذا كلام رينان Renan، يقول هيوم Hume هذه المعاجز أو الخوارق أنا أقبلها بشرط، ما هو هذا الشرط؟ قال بشرط أن يكون تكذيب الذين رووها ونقلوها أدخل في الإعجاز من إعجاز المُعجِزة ذاتها، وأنا أُريد أن أُسهِّل لكم وإن كان هذا ليس كلاماً صعباً بل هو كلام عادي وبسيط جداً، لكن باختصار لو أنك أردت أن تُغامِر أو تُراهِن أو تُقامِر قد تخسر في مرة اثنين ويُمكِن في مرة أن تخسر عشرة، فأنت تُفضِّل ماذا؟ أن تخسر الاثنين طبعاً، لا أن تخسر العشرة، وهذا منطق هيوم Hume، فهو يقول لك أيهما أصعب وأيهما أفدح وأيهما أدخل في الصعوبة أو في الاستحالة إن شئت: أن أُكذِّب جماعة رواة زعموا أن المسيح – مثلاً – أحيا الموتى أم أن أُصدِّق هذه المُعجِزة؟ هكذا يقول هيوم Hume فهذا ليس منطقي أنا، وأنا جئت هنا لكي ننقد هذا الكلام ونُقدِّم مُقارَبات أخرى، وعلى كل حال لأننا تعلَّمنا أن هناك مَن يترصَّد في الماء النظيف وليس في الماء العكر، فانتبهوا إلى أن الماء النظيف يُعكَّر ثم يقولون لكم انظروا ماذا يقول، هم يُلقون بالجيف – بجيفهم – في الماء النظيف جداً ويقولون انظروا إلى هذا، وهذا شيئ عجيب جداً، إِنَّا لِلّهِ ۩ والله المُستعان، فهكذا يجتزِأون ويقولون هو ضد المُعجِزة ويسخر من القرآن ويقول إحياء الموتى مسخرة، فكفانا الله شر الأغبياء والحمقى، هذا شيئ عجيب، والأمة في هذه اللحظة تحتاج إلى أكبر قدر من الذكاء واليقظة، لا من الكذب والغباء، فعلاً إِنَّا لِلّهِ ۩، وعلى كل حال يقول تكذيب جماعة من الرواة يزعمون أنهم رأوا المسيح يسوع يُحيي الموتى أسهل علىّ من تصديق هذه المُعجِزة، فتصديقها أصعب بكثير وأدخل في الاستحالة، واحتمال أن يكونوا كذبوا أسهل علىّ وأقل فداحة، ومن ثم لا نقبله، ولذلك يقول هيوم Hume أنا لا أقبل مُعجِزةً عن طريق الخبر الذي يُدعى فيه التواتر كما يُقال، علماً بأن التوصيف المنطقي للمعاجز من قبيل قضايا المُتواتِرات، وهكذا يُزعَم لها أنها مُتواتِرة، فمُعجِزات موسى متواتِرة ومُعجِزات المسيح مُتواتِرة وإلى آخره، والمُعجِزات حتى التي تُنسَب لرسول الله مُتواتِرة، فهى من قبيل المُتواتِرات كما يُقال في علم المنطق غير مُصطلَح الحديث أيضاً، وعلى كل حال يقول هيوم Hume – ديفيد هيوم David Hume – أنا مُستعِد وجاهز أن أقبل خبر هؤلاء ولكن بشرط واحد، أن يكونوا اتفقوا على هذا الخبر في زمانٍ ما وفي بُقعةٍ محصورة ما، لماذا؟ لأننا سنُحاكِمهم ونُقاضيهم إلى غيرهم، نقول والآخرون أين كانوا؟ لم يُشاهِد هذا إلا أنتم – الخمسة أو العشرة أو الخمسون – فقط؟ وألوف الناس أين كانوا؟ هم في نفس البقعة، أين المُؤرِّخون الذين عاشوا؟ وهذا مُهِم جداً، لأنني أتحدَّث عن تاريخ الآن، والتاريخ لابد أن يُدرَس بمنهجٍ مُعيَّن وإلا سنقبل كل ما هب ودب وكل ما يُقال أنه بإسم الرواية التاريخية منقول، فهذا شرط معقول جداً، له الحق أن يشترط هذا الرجل وهذا الرجل فيلسوف كبير ما قاله، وهذا كان أولاً.

قال ثانياً أن يكون هؤلاء الرواة من الزكانة والفطانة والذكاء والتعليم والثقافة بالمثابة التي تُعطيهم حصانة من وضمانة ضد أن يُخدَعوا ويُضحَك عليهم، لأنه كأينٍ من ساحر ومن مُخادِع ومن أفَّاك ادّعى أشياء بخفة اليد أو بما شابه وقدَّمها للناس على أنها خوارق ومعاجز وخُدِعَ بها الأغرار، فهؤلاء لابد أن يكونوا على درجة عالية جداً من الزكانة والفطانة لئلا يُخدَعوا، ومعنى الكلام لا أقبل بجماعة من الأغمار ومن طغام الناس لأنهم قد يكونوا أو بعضهم أو كلهم أُميين ولا علاقة لهم بالذكاء والعلم والكتابة أن ينقلوا لي شيئاً، فأنا لا أقبل بهذا، هل أنا أترك عقلي وفلسفتي لهؤلاء؟ مَن هم؟ هل أقبل بهذا لأجل أنهم – مثلاً – كانوا حواريين أو غير حواريين؟ هذا لا يعنيني.
هؤلاء الناس عندهم منطق صعب، منطق حدي كالسكين، ولذلك يقول هيوم Hume ثبت – أي في الدراسات الأنثروبولوجية والأناسية كما يُقال – أن الخوارق والمعاجز تشيع أكثر ما تشيع في الشعوب الهمجية والبدائية وبين غير المُتعلِّمين، وإذا تحدَّثنا عن الشيوع هذا صحيح، أما إذا تحدَّثنا عن الكيانية والوجود فهذا غير صحيح، فحتى في الأمم الأكثر حضارة الإيمان بالخوارق موجود، أليس كذلك؟ والإيمان حتى بالخُرافات موجود ولكنه ليس شائعاً جداً كما يشيع في الأمم البدائية والهمجية والغير مُتعلِّمة، وهذا صحيح فالحديث عن نسبة الشيوع والانتشار والذيوع، ثم قال أشترط أن يكون هؤلاء الرواة والنقلة من النزاهة والشرف الشخصي بحيث أن خسارتهم إذا ضُبِطوا مُتلبِّسين بالكذب ستكون أكبر بكثير مما لو حدث الشيئ الآخر، فسيخسرون كل شيئ لو ثبت أنهم كذبة، وأيضاً بحيث أنهم لا يخدعون أحداً ولا يكون لهم قصد أو مصلحة في خداع أحد من الناس، ثم قال وفي النهاية مُجمَل غير الشروط غير مُتوفِّر، هم يدّعون فيها التواتر وهذا كله غير مُتوفِّر فيها في نظري، ولذلك يقول ليت شعري، لماذا انفكت المُعجِزات عن الحصول والوقوع في زماننا هذا؟ نحن لا نرى أي مُعجِزات المُعجِزات الماضي غاص بها، أما في هذا الزمان والحاضر لا مُعجِزات، لماذا؟ قال ببساطة لأنها لم تقع يوماً، فهذا كذب وهذه عصور أسطورية وخُرافية، فضلاً طبعاً عن أن المُعجِزة – كما قلنا لكم – هى نوع من الاستثناء والخرق للقانون الطبيعي، فكيف نرد على هذا الكلام؟ كيف يُمكِن أن نُجيب؟ ونحن الآن دخلنا في سلسلة الإلحاد والرد على الملاحدة والكفر بالله وبالرسل وبالأنبياء، فكيف نرد على هؤلاء؟ يأتيك مُلحِد يُناقِشك لكنه لا يأتيك من الأساس في حين أنه لابد أن يترتَّب النقاش، ومع ذلك يقفز لك مائة خُطوة ويقول لك أنت مُؤمِن مُوحِّد وتُؤمِن بالمُعجِزات، بالله عليك تُؤمِن بالمُعجِزات؟ أنت خرافي وانتهى كل شيئ، فإذن أنا انتصرت كمُلحِد، وهذا غير صحيح، ليس هكذا تُورَد الإبل، وما هكذا يكون النقاش، لابد أن تكون الأمور مُرتَّبة،ولكن هنا نحن الآن – كما قلت لكم – نجتزيء بالقليل فلا بأس.

أولاً القوانين بشكل عام فيما يتعلَّق بموضوع المعاجز نوعان، عقلية وعلمية، أي عقلية وطبيعية كونية، والقوانين العقلية لا يُقبَل ولا يُمكِن أصلاً مُناقَضتها ومُعارَضتها فضلاً عن أن تُعلَّق أو تتوقَّف عن العمل، هذا مُستحيل مع القوانين العقلية، ومُعظم الفلاسفة العقليين عبر العصور يرون أن قوانين العقل فاعلة دون قيدٍ أو شرط، هى قوانين شاملة – أي كلية عامة – وقوانين دائمية، لا تتخلَّف ولا تُعلَّق، وهى مُطلَقة من كل قيد، بمعنى أن مبدأ الهوية يعمل في كل الظروف، فهذا الخاتم هو هذا الخاتم، يُمكِن أن تصنع مليون خاتم مثله في الظاهر تماماً لكن لا خاتم يُساوي هذا الخاتم، لا خاتم هو هذا الخاتم وإلا هذا الخاتم، فهذا مبدأ الهوية، ولذا يقولون الله – تبارك وتعالى – يُمكِن أن يصنع من هذا الشيئ مليون قطعة بحيث لا يستطيع أحد أن يُفرِّق قطعة عن قطعة ولكن كل قطعة هى هى، ليست هى الأخرى، فهذا مُستحيل لأن هذا مبدأ الهوية، وكذلك ألف هى ألف، فهذا مبدأ عقلي، ومن مبادئ العقلية أيضاً المُساويان لثالث مُتساويان، إذا ألف ساوت جيم وباء ساوت جيم فحتماً بقوانين العقل ألف تُساوي تُساوي باء، هذا أمر لازم هنا وفي الجنة وفي النار وفي الدنيا وفي الآخرة وفي كل مكان وعند الملائكة وعند الجن والأنس وعند الحور العين وكله، فالمُساويان لثالث مُتساويان، والجزء أصغر من كله، وهذا أمر لازم أيضاً، يُوجَد عندنا كل وأخذنا منه جزء فلازم يكون الجزء أصغر من كله، وكذلك الكل أكبر من جزئه، وهذا أمر لازم هنا وفي الجنة وفي النار وفي كل مكان وفي كل الظروف، فهذه المبادئ عقلية لا تتخلَّف، والمنطق الصوري – Formal Logic – على ماذا تأسَّس؟ على هذه المبادئ، الرياضيات – Mathematics – على ماذا هى مُؤسَّسة؟ على هذه المبادئ، ولذلك هى علم يقيني قطعي تحصيلي تكراري تحليلي، لا تركيبي ، والمنطق الصوري كذلك، فهذا هو إذن، وهذا ما يتعلَّق بالقوانين العقلية، والمُعجِزات لا تُخالِف أي قانون عقلي ونتحدَّى، ائتونا بمُعجِزة واحدة خالفت القوانين العقلية، هذا مُستحيل، فهذا لا يحصل ولم يحصل ولن يحدث، ولكن في القانون الطبيعي المُشكِلة، فكان يظن بعض الناس أشياء غير صحيحة في القانون الطبيعي، و ابن سيناء – مثلاً – له مُحاوَلات في هذا ويُمكِن أن يُفهَم من كلامه – هذه زبدة الكلام – أنه حاول أن يُثبِت ويُبرهِن في نهاية المطاف أن القوانين الطبيعية تتسم بالقطعية والضرورية، وهذا غير صحيح من أيام هيوم Hume بالذات – أكبر مُناقِد للمُعجِزات – وكانط Kant والفلسفة التجريبية عموماً والمنطق الوضعي، فالآن تقريباً من الصعب جداً إن لم يكن من المُستحيل أن تسأل أي فيلسوف علم وليس عالماً – العالم عالم فقط، فهو يعرف علوم ولكنه لا يعرف الفلسفة ولا يعرف كيف يُعيد قراءة علمه، لكن الفيلسوف يقوم به، وقد يكون عالماً وفيلسوفاً مثل بعض العلماء المُعاصِرين، فهو عالم وحامل نوبل Nobel في علمه وفيلسوف ويتحدَّث مثلاً في فلسفة علم الأحياء وفي فلسفة الفيزياء، فهو عالم كبير ويحمل نوبل Nobel ومن ثم أهلاً وسهلاً، لكن إذا كنت لا تستطيع سوف تنتهي، والفيلسوف يقوم بهذا الدور – عن هذا ويقول لك القوانين الطبيعية والكونية قطعية وضروية، هذا من المُستحيل تقريباً، بل هى ترجيحية وليست يقينية ولا تتصف بصفة الضرورة، وسأذكر لكم لماذا بتبسيط واضح بإذن الله تعالى، فالقوانين الطبيعية تأتي خلافاً للقوانين العقلية، والقوانين العقلية قوانين عقلية لأنها من صناعة العقل، فالعقل هو الذي صنعها ولم نر هذه القوانين في الخارج، مثل قانون الجاذبية وقانون الانجماد – التجمد – وقانون المحفوظية -محفوظية المادة ومحفوظية الطاقة ومحفوظية وما إلى ذلك – وغيرهم، فهذا موجود في العقل، ولذلك هى في نهاية المطاف هى قوانين اعتبارية مع هذه الفاعلية الخطيرة لها بخلاف القوانين الطبيعية، القوانين الطبيعية مأخوذة بالحس، وأنتم تعرفون العلم بمعنى Wissenschaft أو Science، وهذا العلم التجريبي له منهج مُعيَّن يقوم على أشياء مثل المُلاحَظة Observation، لابد أن أرى في الأول وأُلاحِظ، ثم يجتمع عندي عدد من المُلاحَظات فأُريد أن أُفسِّر الذي لاحظته، إذن أنا أُلاحِظ وبعد ذلك أُفسِّر، لكن كيف أفسِّر؟ لابد أن أطرح فرضية Hypothesis، ثم أرى هل سوف تنجح أم سوف تفشل، وإذا فشلت آتي بفرضية ثانية وإذا فشلت آتي بفرضية ثالثة وهكذا، ولدينا – مثال – الخفاش الآن، حين بدأ العلماء يدرسون كيف هذا الخفاش على ضعف بصره يطير في الليل ولا يصطدم بالحواجز ويصطاد وهو طائر في الهواء ومُحلِّق وبسرعة وكياسة ومرونة عجيبة جداً جداً افترضوا أشياء تتعلَّق بالبصر وكلها فشلت وهو دائماً ما يصيد، فغطَّوا عينيه ومع ذلك يصيد، فطمسوهما تماماً ومع ذلك يصيد، فانتقلوا إلى فرضية جديدة تتعلَّق بالسمع فنجحت الفرضية، أي أن القصة لها علاقة بالسمع، وهذه قصة طويلة وكُتِبَت كتباً عن هذا الموضوع، والتجارب الموجودة لطيفة جداً جداً جداً، فإذن هكذا نطرح فرضية إلى أن تنجح الفرضية في تفسير ما لاحظناه، والآن نُقدِّم الاستخلاص Conclusion، ثم ننتقل بعد ذلك إلى ما يُعرَف بالمبدأ أو القانون، ويُمكِن بعد ذلك أن نبني نظرية تُفسِّر عالماً مُتسِقاً من الظواهر، وهذا هو المنهج العلمي وهذه هى الطريقة Method، فالمنهج العلمي الذي في النهاية ينتهي إلى قوننة أو صياغة قانون طبيعي كيف يعمل ومن أين يبتديء؟بالحس، فهذه هى القوانين الطبيعية، والحس – يحدث حين تلمس وحين تشم وحين ترى وحين تسمع – لا يتناول شيئاً ولا يقع على شيئ إسمه الضرورة والقطعية، هذا غير موجود، هذه المفاهيم عقلية، أي هذه المفاهيم في العقل، لكن الحس يرى هذا، فإذا رآه رأى الذي يتلوه، ولذلك في مرة ومرتين ومائة مرة وألف مرة، فيقول هذا سبب هذا، وهذا إسمه Cause and Effect، أي أثر ومُؤثِّر أو علة ومعلول أو سبب ومُسبَّب أو سبب وظاهرة، فهذا الحس الذي يراه، أما أن هذا السبب يُنتِج بالضرورة هذا المُسبَّب فكلمة بالضرورة غير موجودة في الخارج ولا يُمكِن أن تُبرهِنها، وهذا كلام مَن؟ هيوم Hume، وهو كلام صحيح، وكانط Kant أثبت هذا، والآن كل العلم الطبيعي يقول هذا، ولذلك إذا سألت أي عالم طبيعي يفهم علمه فهم فيلسوف وقلت له هل هذه المبادئ والقوانين والأشياء هى أشياء قطعية ضرورية؟ فإنه سوف يقول لك لا، هى ليست ضرورية وإنما ترجيحية، فلا ندري ولا نستطيع أن نقطع بأنها صحيحة، وهذا هو الصحيح، ولذلك مبدأ الهوية مبدأ عقلي، فهل له استثناءات؟ هذا مُستحيل، لا يُمكِن أن تُسجِّل له استثناءً واحداً أبداً، ولكن المبادئ الطبيعية يُمكِن أن تُخرَق باستثناءات، وهناك القانون في التجمد أو الانجماد، فهذا موجود، وفي قانون التجمد كل السوائل التي تتجمَّد ينقص حجمها وتزيد كثافتها، أليس كذلك؟ لكن يُوجَد استثناء عندنا وهو الماء – Wasser أو Water – طبعاً، وهو استثناء واضح جداً جداً جداً، وهو أشهر وأثمن هذه السوائل، وحاجتنا إليه أحق به وأمس، فإذا انجمد الماء أو تجمَّد يزداد حجمه وتقل كثافته، لكن لماذا هو كذلك؟ قال لك هو هكذا، الله خلق طبيعة هذا السائل بهذه الطريقة، فإذن هذا استثناء واضح جداً، وحالة الماء هذه خرق واضح لقانون التجمّد، وطبعاً هذا له حكمة سنذكرها – إن شاء الله – في وقته وليس في هذا الموضع، فهذا يحدث لحكمة معروفة جداً جداً جداً، ولولا هذا الاستثناء لانتهت الحياة في المُحيطات بالكامل والبحار بالكامل، فالحياة المائية كانت ستنتهي بالكامل لولا الحكمة الإلهية – لا إله إلا الله – وكانت ستتعذر أمور كثيرة، فإذن هذا هو القانون الطبيعي ويُمكِن أن تُوجَد له خروق، وقانون روبرت بويل Robert Boyle في الضغط وما إلى ذلك له استثناءات، فعند حد مُعيَّن هناك استثناءات، والقوانين الطبيعية تكثر أحياناً استثناءات بعضها، فهذه الأمور موجودة، لأنها ليست قوانين ضرورية وشاملة شمولاً مُطلَقاً أو كُلية، هى ليست كذلك، وهذا مُهِم جداً أن نعرفه، ولكن هذا الكلام لا يُفيد الآن، وهنا قد يقول أحدهم لي أنت تقدِّم وُتهوِّل بفلسفات ولكنك لم تُجِب لأننا نتحدَّث عن هذه المعاجز، فكيف هذا؟ المُعجِزة في نهاية المطاف خرق لقانون طبيعي، أنتم تُحدِّثوننا عن عيسى أتى من العذراء مريم، فكيف؟ هذا مُستحيل، لأن عيسى ذكر وهى اُنثى، وهى تحمل فقط نصف الحقيبة الوراثية، لا كامل الحقيبة الوراثية، أليس كذلك؟ يعني ليس عندها الكروموسوم Chromosome الذي يُسمى (Y) وإنما عندها الكروموسوم Chromosome الذي يُسمى X)) فقط، فهى ليس عندها الـ (Y) الخاص بالذكر، وعيسى لو أخذنا أي خلية بنائية – Somatic Cell – سوف نجد (X) و (Y)، فمن أين أتى الـ (Y)؟ أنتم تقولون هو من نسل داود، فأي نسل هذا؟ هل هذا من طريق الله؟ يُوجَد شيئ غير مفهوم ومرفوض، فهذه خرافة في المسيحية، ولذلك يردها فلاسفة التنوير، وهم فعلاً ردوا معاجز أخرى كثيرة لعيسى، مثل مُعجِزة التجسد – أن الله تجسَّد في إنسان فصار الإله إنساناً – وقالوا هذه خُرافة وقصة غير صحيح، وردوا مُعجِزة القيامة – أن عيسى بعدمت صُلِبَ على الصليب ووُضِعَ في قبره قام بعد بضعة أيام وليال – وقالوا هذه خُرافة وهذا أمر مُستحيل، وديفيد هيوم David Hume قال إذا أجمع مُؤرِّخوا إنجلترا على أن – مثلاً – إليزابيث Elizabeth ماتت شهراً – ظلت ميتة شهراً ثم بعد شهر قامت وعادت إلى عرشها وحكمت يُمكِن أن أقبل أنا عودتها، لماذا؟ لأنه ترتَّب على هذا أحداث تاريخية ووقائع كثيرة جداً جداً، فهى عادت وخاضت معارك وعملت مُعاهَدات، وهذا كله موجود وكل الدنيا تعرفه، ثم قال لكنني لا أقبل بل أُكذِّب في حادث أو زعم موتها، أي أنها لم تمت، فهذا الذي يُكذِّبه، الشيئ الآخر المُتعلِّق بأنها تحكم وما إلى ذلك معقول جداً، لكن أنها ماتت ثم عادت من الموت غير صحيح، فالعود من الموت كذب، هى لم تمت أصلاً، ربما أُغمى عليها أو ربما افتعلوا هذه الإشاعة أو الشائعة لغرضٍ ما، فعقلي يقول لي هذا كذب، وعلى كل حال هكذا يفترض هو بذكاء وهذا من حقه.
أنا الآن سأُجيب عن مسألة عيسى – مثلاً – ولا نستطيع أن نُجيب عن كل المُعجِزات، ولكن نُعطيكم فقط طريقة لكي تفهموا مُقارَبتنا لموضوع الإعجاز والمُعجِزات، فانتبهوا حتى لا تقولوا هذا باب من أبواب الإلحاد ونحن نُكذِّب الأديان، حاشا لله فانتبهوا:
أليس ثبت وتبرهَّن أن العلم البشري في حالة تكامل وترقٍ دائم؟ هذا ثابت طبعاً،فالحقيقة العلمية لا تتبرَّج وتتكشَّف مرة واحدة وبضربة واحدة، هذا مُستحيل وإنما يحدث عكس هذا، وأحياناً هذه الحقيقة تناسخ، فما يبرز لنا كحقيقة اليوم نُوقِن بعد قرنين وثلاثة أنه لم يكن حقيقة وأنه كان خطأً مُعيَّناً – خطأً في فهمنا وخطأً في تبريرنا وخطأ في تفسيرنا – ثم نبدأ نُفكِّر على نحوٍ آخر، وأحياناً يتغيَّر النموذج الإرشادي كاملاً للعلماء، ولدينا نظرية توماس كون Thomas Kuhn صاحب بنية الثورات العلمية وهى نظرية كبيرة وقصة طويلة عريضة، فبما أن العلم يتطوَّر ويترقَّى ما معنى تطوره وترقيه؟ ما لوزام وتوالي هذا التطور والترقي؟ من لوازمه أننا نُصبِح كعلماء وبالتبعة كعامة مُثقَّفين علمياً أكثر دقةً في تشخيص العلل والمعلولات، فما كنا نظنه علة نكتشف أنه ليس علة، ربما ظرف للعلة أو مُهيئ للعلة أو مُعِد للعلة أو مُقارِن للعلة أو جار للعلة لكنه ليس العلة الحقيقية، مَن الذي يُعطي هذا؟ العلم والتطور العلمي، وطبعاً هذا الكلام غير مفهوم إلا بالمثال، ومن ثم سأضرب مثالاً.

إلى وقتٍ قريب كان كل الأطباء وعلماء الأجنة يظنون بل يجزمون بأن وجود الذكر شرطٌ ووجود الأنثى شرطٌ وحصول التلاقي بينهما – أي التلاقي الجنسي – شرطٌ ضروري ووجود نُطفة للرجل صالحة شرط ووجود بوييضة للمرأة صالحة شرط، فهم عندهم Index للتخصيب – Fertilization – طبعاً، ولذلك أحياناً يتزوَّج رجل امرأة ولا تحبل فيُطلِّقها ويتزوَّج غيرها فيأتيه خلف وحين تتزوَّج غيره يأتيها خلف، وهذا الـ Index معروف لدى الأطباء، وعلى كل حال كانوا يقولون كل هذه شروط لازمة، لكن في ذاك القرن العشرين المُنصرِم ماذا حصل؟ اكتشف العلماء بفضل التطور العلمي وهو من فضل الله – لأن يُوجَد في الناس مَن يُعقِّدوننا ويقولون هذا عنده شرك لأنه يقول بفضل التطور العلمي، لكن يا أخي التطور العلمي من فضل الله – اختلف الأمر، وهناك معلومة لطيفة جداً جداً سأذكرها سريعاً خطرت لي اليوم، وهى أن العلم والمعرفة في المنظور القرآني قوة وقدرة، فقبل فرانسيس بيكون Francis Bacon الذي قال المعرفة قوة قال القرآن هذا، ولدينا نظرية مُتكامِلة وأجمل بكثير من المعرفة قوة لبيكون Bacon، لكن كيف؟ كيف قال القرآن هذا؟ قاله في سورة النمل حين أراد سليمان – عليه السلام – أن يستحضر عرش بلقيس، ماذا قال له العفريت الجني؟ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ ۩، وقيل : المقام هو مجلس الحكم أو الملك، يمتد أربع ساعات أو خمس ساعات من الضحو أو الضحوة إلى الظهر، فهذا يستغرق أربع أو خمس ساعات ومن ثم قال سأطير وما إلى ذلك لكي آتي به، تقول الآية الكريمة قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ – أي على هذا الأمر لأنني أستطيع آتي بالعرش – أَمِينٌ ۩، أي لن أذهب به ولن أغله ولن أسرقه، ولكن أنا قوي، فهو احتج بماذا وتوسَّل ماذا؟ القوة، فهذه هى القوة، لكن الرجل الآخر الصالح سواءٌ كان هو آصف أو سليمان نفسه على اختلاف المُفسِّرين ماذا قال واحتج بماذا وتوسَّل ماذا؟ العلم، تقول الآية الكريمة قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ ۩، إذن هنا القوة الهائلة الأقصوية للعلم، وهذا أمر عجيب، أرأيتم هذه اللفتة العجيبة جداً؟ لذلك القرآن العظيم يُوشِك أن يُعادِل بين العلم والقوة، وهذه ليست مُعادَلة حقيقية ولكنها شبه مُعادَلة بين العلم والقوة، فحين يُوجَد العلم تُوجَد القوة بإذن الله تعالى، وحين تُوجَد قوة تُستخَدم استخداماً مُرشَّداً فإنها تُنتِج العلم أيضاً، كيف؟ في سورة النجم قال عَلَّمَهُ شَدِيدُ ۩،أي كثير العلم، لكن يا أخي المُناسِب والمعقول أن تقول لي علَّمه العليم الحكيم أو علَّمه عظيم العلم أو أنه كثير العلم أو واسع العلم – وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا – أو علَّمه وسيع العلم، لكن الله قال عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ۩، فهل تساءلتم عن سر هذا الربط؟ ما معنى أن تقول لي علَّمه قويٌ؟ والله قشعَّر بدني وقف شعري، لا إله إلا الله، ما هذا الكتاب؟ أرأيتم؟ هذا كتاب عجيب، واليوم نحن في أمة أعجب، أمة تُقدِّس الجهل والانغلاق – والله العظيم – والبلاهة والحمق، هذا كتاب غريب جداً، ولذلك الله يقول مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ ۩،فالله يتحدَّث عن الرحمة، كل هذه الرحمات مثل التمكين في البر والبحر والجو وعلاج الأمراض وتكثير الخيرات ومُبارَكتها وأن يعيش حيٌ بقلب ميت أو بكبد ميت وما إلى ذلك من هذه الأشياء الغريبة وكل هذه الفتوح بسبب العلم، فكل فتوح الرحمة بسبب العلم، من أين؟ كلكم تعرفون وكلكن أن من أسماء الله الفتَّاح العليم، وهما إسمان مُتلازِمان، الله أكبر، فلا فتوح إلا بعلم، إذا وُجِدَ العلم وُجِدَت الفتوح وإذا لم يُوجَد العلم لن تُوجَد الفتوح، قال الله اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩، حين تقرأ أكثر يكون الكرم أكثر وتتمكَّن في الكون أكثر، وحين تتعلَّم أكثر تُكرَم أكثر وتقوى أكثر، قال الله وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ۩،وهذه نظرية عجيبة، لذلك لا عجب ولا نُكر أن يكون في أول سورة البقرة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ۩، فعلى ماذا يُعوِّلون؟ على التأله فهم يتحدَّثون عن التسبيح والتقديس، لكن الله قال لا، التسبيح والتقديس شيئان شريفان جداً جداً لكن يُوجَد شيئ آخر به يكون التبرير الأول للاستحقاق الخلافي أو الاستخلافي، ما هو؟ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ ۩، أي التعليم، فالله قال لهم القضية الآن ليست تتعلَّق بالتقديس، ولذلك أرجو من إخواني الدعاة والمشائخ والوعَّاظ والكتَّاب أن يتلفتوا كثيراً و ألا يُبالِغوا في مقولة أو مانشيت حين نعود إلى الإسلام ونُحسِن الصلاة والزكاة الله سوف يتولَّى كل شيئ، فانتبهوا لأن هذا غير صحيح والله لا يقول هذا بل أنتم مَن تقولون هذا، وبعد ذلك هذا لا يشتغل، فهذه النظرية البسيطة جداً الساذجة نعمل بها ولا تشتغل، نكون من أحسن الناس ونكون من أجهل الناس، نكون من أحسن الناس عبادة وأكثر الناس تسنناً ونكون من اكثر الناس فقراً ونُستعمَر ونُدحَض ونُبهدَل ونُهان، فما هذا يا أخي؟ من أين أتيتم بهذه النظريات البسيطة جداً جداً؟ جزء الحق لا يُساوي الحق لكن أحياناً جزء الحق يُساوي الباطل فانتبه، إن لم تفهم النظرية أو إن لم تصغ نظرية مُتكامِلة وصوغت نظرية كبيرة بالزعم ولكن من هُتامة واحدة فهذه تُساوي الباطل وتُنتِج باطلاً.

نعود إلى موضوعنا وهو موضوع لطيف جداً، وإن شاء الله يشوق لكم ويلذ بإذن الله،ماذا اكتشف العلماء في النصف الثاني من القرن العشرين؟ اكتشفوا أن اللقاء المُباشِر بين الجنسين ليس ضرورياً، وهذا تطور علمي، فليس شرطاً أن يكون هذا اللقاء، لكن كيف ليس شرطاً يا أخي؟ قالوا هذا أمر عادي، سوف نأخذ النطفة ثم نُخصِّب بها البوييضة، والرجل ليس له علاقة بهذا بل قد يكون الرجل مات في هذه اللحظة أو قد يكون دخل في غيبوبة – في كومة Coma – حين أخذنا نطفته أو سافر، فقد يكون سافر إلى قارة أخرى، لكن نطافه عندنا ومن ثم سوف نأخذها ونُلقِّح بها، إذن سقط أول شرط، وهو اللقاء المُباشِر، وكان يُظَن هذا إلى الأمس أنه شرطٌ شرطٌ شرط، فلا حمل ولا إنتاج ولا تكاثر جنسي إلا باللقاء، لكن هذا الشرط الآن، وهذا كان أولاً.

ثانياً كان يُظَن وجود الرحم الأُنثوي في البداية والتوسط وإلى النهاية شرطٌ شرطٌ شرط ، لكنهم استعاضوا عنه برحم صناعي، فسقط هذا الشرط، وصرنا مُمكِن نستنبت في البداية وبعد ذلك نُكِمل في رحم الأم، والآن في التشيك – تحديداً في برنو – في ألفين وتسعة صنعوا رحماً أقرب ما يكون إلى الرحم الطبيعي لأنه يتوفَّر تقريباً على مُعظم الشروط، وهذا شيئ مُذهِل، فالتشيك فعلت هذا بسبب العلم، تقول الآية الكريمة اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩، وهم قرأوا وتعلَّموا وأكرمهم الله – تبارك وتعالى – فسقط هذا الشرط، وأنا أقول لكم كلما تقدَّم العلم يزداد تساقط الشروط، والسؤال الآن هل هناك مانع على مُستوى التفكير والافتراض أن تظل تتساقط هذه الشروط حتى يأتي بعد ذلك جوهر العملية الذي لا نظنه الآن شرطاً ولا خاطر على بالنا وهو الجوهر الحقيقي للتخصيب والإنتاج – إنتاج الأولاد – دون أن ندري؟ سأكون صريحاً معكم، الاستنساخ – Cloning – ماذا أفهمنا؟ أفهمنا أن من المُمكِن أن نستعيض عن أحد الجنسين بالكامل في البداية، فنأخذ خلية من الرجل وبعد ذلك نستنسل منها خلية رجل آخر هو صورة مُطابِقة في المُستوى البيولوجي طبعاً وليس في مُستوى الخبرة والشعور والتجربة الحياتية والزمانية، فهذه الأشياء خصائص مُتميِّزة تماماً لكل إنسان، لكن على مُستوى التركيب الوراثي والبنية الحيوية، فنأتي بنُسخة تماماً من أصله أو من أصلها، وهذا أمر عجيب، لكن هذا صح وثبت وجُرِّبَ وتبرهَّن، وهذا يُقرِّب لنا مسألة عيسى، قبل أكثر من سنة بقليل من الآن حدث حدث مُدوي جداً في عالم العلم في الدراسات البيولوجية الحيوية وعلم الوراثة – هذا شيئ عجيب – للعالم الأمريكي الذي أخذ جيناً Gene ودرس تركيبه الكيمياوي ثم خلَّقه كيميائياً وأعاد هذا الجين Gene المُخلَّق إلى الخلية فاشتغل وأنتج بروتينات Proteins، وهذه كانت صاعقة، وهذا تحدٍ جديد الآن للموقف العقدي الثيولوجي وموقف الأديان فانتبهوا، على رجال الدين أن يكونوا مُستعدين جداً جداً جداً لمثل هذه الصواعق ومثل هذه المُفاجآت التي ستُغيِّر كثيراً من أفكارنا وربما من أُطر تفكيرنا، ولي مقولة قلتها قبل سنين وهى أن الشخص الجامد أو المُفكِّر الجامد أو العالم الجامد كلما زاد جموده ساءت حالته، وطبعاً في نهاية المطاف لابد أن يُفكِّر ضمن إطار، فتغير الإطار يُساوي تماماً تغير دماغه وعقله كله، بخلاف الشخص المرن الذي يستبقي دائماً طائفة من الأفكار والخيالات والافتراضات ويُعيد موضعتها ضمن نموذج آخر، ومن ثم يبقى حياً مُتصِلاً ولا يُعدَم، لكن ذاك يُعدَم لأن العقلية أُعدِمَت، ولذا نحن نسمع كلمة مُتخلِّف وكلمة رجعي ونُكرِّرها كثيراً لكن هل نعرف معناها البسيط جداً والواضح جداً؟ معنى مُتخلِّف أنه يعيش في القرن الحادي والعشرين ولكن بأفكار ونظريات من ثلاثمائة سنة وربما ألف سنة أكل الدهر عليها وشرب، ما عاد أحد عاقل أو يُتابِع العلم والتطور يقول بها بعد أن ثبت فشلها، لكن هذا المسكين لا يدري أنها فاشلة، ولذا يُسمونه بالشخص المُتخلِّف، فنقول له أين تعيش أنت؟ أنت مُتأخِّر جداً، نحن هنا لكن أنت في القرن التاسع عشر يا حبيبي ومن ثم أنت رجعي، فهذا كله انتهى، وهذا لا يعني أن كل فكرة قديمة باطلة، ولكن يُوجَد عدد من الأفكار القديمة التي أُبطِلَت وانتهت، ألا تعلم أنت؟ لا يعلم لأنه رجعي مُتخلِّف، يعيش في القرن الحادي والعشرين بجثمانه وبإسمه، لكنه يعيش بعقله وخياله وافتراضاته وأطره في القرن الثامن عشر، وهذا معنى التخلف، فالقضايا حساسة جداً، فموضوع تخليق جينات Genes معملياً ثم تشتغل وتنجح يُعَد شيئاً خطيراً جداً وتحدياً مُخيفاً، لماذا؟ بحسب نظريتي أو مُقارَبتي في تساقط الشروط أو ما يُظَن شروطاً من المُمكِن أن يأتينا يوم قريب يُصنِّعون فيه لك جينات Genes كاملة، فهم كانوا يظنون الجينوم Genome الإنساني فيه مائة ألف، لكنهم قالوا الآن ثبت وجود أقل من أربعين ألفاً، زُهاء أربعةٍ وثلاثين ألف جين Gene فقط، وهذه ليست عملية لا نهائية، فمن المُمكِن أن يُصنِّعوا الأربعة وثلاثين ألف جين Gene – الله أعلم هذا بعد مائة سنة أو بعد ألف سنة أو غير هذا – ويختاروهم كما يُريدون ويضعومه في الخلية وتشتغل، وتُنتِج إنساناً قدَّروه هم، قال الله مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ۩، ولذا من الآن أقول على المُفسِّر المسلم وعلى اللاهوتي وعالم العقيدة المسلم أن يتصدَّى للجواب والتكيف مع هكذا حقيقة أو مع هكذا فرضية على الأقل، فانتبه ولا تقل لي هذا مُستحيل ولن يحصل وقال الله كذا وكذا، انتبه حتى لا تحمل الناس على الكفر وتكذيب القرآن، تفتَّح وكُن مرناً وغيِّر من طريقة التفكير وطريقة التعاطي والتأويل، فهذه القضايا حساسة جداً!
إذن ثبت لكم أنه كلما تقدَّم العلم يحصل تدقيقٌ وتشذيبٌ وتهذيب في تشخيص العلل والمعاليل أو العلل والمعلولات، فما كان يُظَن علةً أصبح غير علة، وما كان يُظَن شرطاً صار غير غير شرطٍ، وهذا مُهِم جداً، لذلك سأُنهي الفصل الأول من هذه الخُطبة بالاستخلاص – هذا هو استخلاصي – الآتي:
المُعجِزة في فهمنا ليست خرقاً لقانون طبيعي وليست تعليقاً لقانون طبيعي، المُعجِزة في الأرجح – لأن هذا اجتهاد والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم – هى نتاج فاعلية أو فعل قانون طبيعي كوني لم نكتشفه بعد، فهو موجود لكننا لم نكتشفه، ويوم نكتشفه ستغدو المُعجِزة شيئاً غير مُعجِز وشيئاً مفهوماً، لأن العلم في تقدّم مُستمِر، فسليمان من معاجزه أنه سُخِرَّت له الريح ومن ثم كانت تنقله، ففي ذهابها تنقله إلى مكان لا يُمكِن للدواب العادية في عصره أن تذهب إليه أو تبلغه إلا في شهر وكذلك رواحها في شهر، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، وهذا اليوم شيئ عادي جداً جداً جداً، بل أن الكونكورد Concord تنقلنا في غدوة أبعد بكثير من سرعة الريح، أليس كذلك؟ فهذا أصبح شيئاً عادياً، ولكن ما معنى أن سليمان يُؤتى هذه المُعجزة؟ ما معنى أن يُنقَل له عرش بلقيس؟ هذا الموضوع مُهِم جداً، إذن المُعجِزة ليست خرقاً وليست تعليقاً لعمل القانون الطبيعي وإنما هى فقط عملٌ لقانون لم نصل إليه أو تعارض ظاهري بين فئتين من القوانين، وهذا يعرفه الأطباء وعلماء النفس الذين يتعاطون مع الأمراض المعروفة السيكوسوماتية والأمراض النفسجسمية، أي الأمراض التي تكون جسمية ولكن أسبابها وبواعثها الحقيقية نفسية، فالطبيب العادي الذي لم يدرس هذا الاتجاه يُنكِر ويتعجَّب ويقول لماذا؟ كيف؟ هذا أمر غير معقول، وهو لا يفهم لماذا يحدث هذا، لكن لو أنه فهم أن البنية الإنسانية والكيان الإنساني ليست تتسلَّط عليه فقط القوانين الطبية التي درسها بل يخضع أيضاً لقوانين نفسية لم يدرسها فجمع الجناحين ودرس هذا إلى هذا وضم هذا إلى هذا سوف يبدأ يفهم أن القوانين النفسية أيضاً لها آثار ومفاعيل وتُؤثِّر على البنية الجسدية، لكن من حيث هى تصمت أو تفشل التفسيرات الطبية العادية التقليدية، فهذا عمل لنوعين من القوانين أو لفئتين من القوانين فلا تقل لي مُعجِزة، وهذا هو نفس الشيئ، فلماذا لا تكون المُعجِزة الإلهية على هذا النحو؟ أي لماذا لا تكون عمل لقوانين أخرى لم تظهر لنا بعدُ ولم نفهمها ولم نُدقِّق فيها إلى الآن وسيأتي يومها؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه!

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
الجزء الآخر الذي أرجو أن أُحوصِله وأن أُكثِّفه وأُركِّزه في جُمل سريعات – بإذن الله – مُتواليات من هذه الخُطبة هو هل استخدم القرآن لتوصيف هذه الظاهرة الخوارقية أو الخارقية مُصطلَح أو لفظة مُعجِزة ومعاجز أو مُعجِزات؟ كلا، وللأسف الشديد آثر العقل الكلامي العقدي الإسلامي أن يستخدِم مُعجِزة، وقد أخطأ في هذا وضيَّع علينا كثيراً من بركات وأثمار الاستخدام القرآني الرباني، فالقرآن لم يُسمها مُعجِزة، ولست الآن بصدد أن أُعيد تعريف علماء الكلام المشهور جداً والمحفوظ لدى طلاب العلم – حتى الصغار – للمُعجِزة، فمعروف ما هى المُعجِزة، مع العلم بأن بتطبيق هذا التعريف على أكثر ما قيل أنه مُعجِز أو مُعجِزات لا ينطبق أبداً، كثير من الآيات التي يُقال عنها معاجز النبي لم يقع بها تحدٍ، النبي لم يفعلها تحدياً أو استجابة لتحدٍ منهم أبداً، هذه أمور لها علاقة بالبركة والكرامة له ولأصحابه وما إلى ذلك وليس فيها أي تحدٍ، فإذن هذه ليست مُعجِزات وتُسمّى مُعجِزات ومن ثم الأمر مُختَل، لكن على كل حال نعود ونقول ماذا سماها القرآن الكريم؟ سماها الآيات، فالمُعجِزة إسمها آية والمعاجز إسمها آيات، والقرآن طافح بهذا، فكلما قرأتم في كتاب الله – وهذا في مواضع كثيرةٍ – آيةً يحكي فيها الله طلب الكفار أو اقتراح الكفار على رسول الله أن يأتي بآية أو بآيات اقطعوا بأن المطلوب هنا قطعاً والمُقترَح مُعجِزة بمعنى ما نفهم، فالآية المطلوبة هنا ليست آية شرعية، وإلا هل هم يُريدون قرآناً؟ هم لا يُريدون قرآناً بدليل أنهم ردوه، وإنما يُريدون آيات كونية إعجازية خوارقية، وهذا واضح في آيات كثيرة، فإذن هذه هى الآيات، قال الله وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ ۩، وقال الله أيضاً وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا – هل هذه آية قرآنية؟ هذه ليست آية قرآنية وإنما خوارقية – فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۩، فضلاً عن أنه قال في يونس إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ – كل آية كونية إعاجزية خوارقية – حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ۩، والآيات كثيرة جداً، قال الله وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ۩، أي الآيات الكونية، وقال أيضاً مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ۩، والأرجح أن المُراد هنا الآية الكونية وليست الآية الشرعية فانتبهوا، وهذا عمل لنا خربطة كبيرة في موضوع الناسخ والمنسوخ، لكن هذه آية كونية والسياق يقول هذا فاقرأوا السياق، السياق يحكي هذا بشكل واضح وفصيح وبيِّن، والله – تعالى – أعلم، لا نُريد أن لا نُطوِّل لضيق الوقت وهذا معروف على كل حال، في القرآن هناك آيات كونية بمعنى المعاجز وآيات شرعية تُتلى، قال الله يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ ۩، وقال أيضاً الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ۩، هذه الآيات التي تُتلى وتُرتَّل آيات شرعية، وهناك آيات بمعنى ثالث أيضاً قريب من المعاجز، فما هى؟ الآيات الكونية التي ليست بخوارقية، مثل خِلقة الكون والشمس والقمر والنجوم والكواكب والمطر والنبات والرياح، فكل هذه آيات، وكل ما في الكون آيات، والله يُسمي هذه الأشياء آيات، وهذا أمر عجيب جداً، إذن نحن لدينا نظرية مُتكامِلة في كتاب الله.
لماذا يُسمّي الله – تبارك وتعالى – مظاهر الوجود آيات ثم يروح يُسمّي ما نعرفه أو ما عرَّفناه بالمُعجِزات والخوارق النبوية على أنه أيضاً آيات؟ هل التفتم إلى العلة؟ السبيل واحد، كلها تحكي قوانين طبيعية وكونية، منها ما ظهر لنا ومنها ما لم يظهر لتأّلّفنا وتأنّسنا ولأننا أصلاً لم نُفكِّر فيه كثيراً ورآيناه شيئاً عادياً، فإذا نزل الماء – مثلاً – وامتصته الأرض نراه شيئاً عادياً وهو غير عادي بالمرة واسألوا العلماء، ليس عادياً بالمرة أن يحدث هذا، فكيف تمتصه وكيف تخزنه وكيف وكيف، هذا غير عادي بالمرة، ثم أن إذا كان هذا الأمر في النبات فإن النبات بيمتص الماء، وغير عادي أنه يمتص الماء، وإلا كيف يمتص الماء؟ هل هو عنده طرمبة وما إلى ذلك؟ هل عنده Pumper؟ كيف يصعد الماء إلى فوق؟ من المفروض أن الماء ينزل من فوق إلى تحت، لكن الماء يصعد من تحت إلى فوق، فكيف؟ اسألوا علماء النبات، لكن الناس تراه أمراً عادياً، نحن نمشي على رجلين ونراه أمراً عادياً لكنه غير عادي، ليس عادياً بالمرة إنك ترى وتسمع وتتكلم.
بنفيلد Penfield أخذ جائزة نوبل Nobel في علم الدماغ والأعصاب وهو الحُجة رقم واحد في هذا الباب قال في النهاية لو سألتموني كيف نرى؟ لقلت لا أعرف كيف نرى، واسألوا الدكتور تمّام الذي يجلس الآن في المسجد عن هذا، العالم يصف لك أشياء معروفة في كتب الطب ولكن في نهاية المطاف هل تفهم أو تستطيع أن تُفهمني كيف هذا الصندوق – Box – المُغلَق وكيف هذه المادة الهُلامية السحلبية المُظلِمة ظلاماً شديداً ترى الألوان؟ كيف ترى الأحمر والأخضر والأبيض والمُلتمِع والمُعتِم؟ كيف يتفسَّر هذا؟ بنفيلد Penfield قال لا يُوجَد عندي تفسير ولا أفهم هذا ولست قادراً على فهمه، لذلك قال الله فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ۩ قال الله وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ۩، فإذن هذا مجعول، وهذه كلها آيات، ولذلك في الفهم السُني عند أهل السُنة وخاصة الطائفة الأشعرية – كالمالكية والشافعية والأحناف أيضاً مثلهم – يرون المُعجِزات من قبيل الظواهر الكونية العادية، وهذا ذكاء شديد عند الأشاعرة، فهم قالوا هذا كله مثل بعضه، ألا ترى أن هذا الكون كله مُعجِز؟ كله مُعجِز، لكن ما معنى مُعجِز؟ أولاً مُعجِز لك أحياناً أن تفهمه، أي أنك لا تقدر على فهمه، ثانياً مُعجِز لك حين تفهمه وتُفسِّره وترى فيه دقة وتصميم عجيب جداً، ثالثاً – انتبهوا إلى الشيئ الثالث وهو الأهم – مُعجِز لك حين تفهمه أنك فهمته، أي لماذا هو قابل للفهم؟ لماذا أنا مُؤهَّل لأن أفهمه؟ من الصعب أن تفهم، لذا ألبرت أينشتاين Albert Einstein – أنتم تعرفون أينشتاين Einstein صاحب النظرية والعامة والخاصة – ماذا قال؟ قال إن أكثر الأشياء في الوجود غير قابلة للفهم – Incomprehensible – هو أن هذا الوجود قابل للفهم Comprehensible، الله أكبر على الذكاء، الله أكبر على العباقرة، وقاتل الله الأغبياء، هذا هو الذكاء، أرأيتم ماذا قال ألبرت أينشتاين Albert Einstein؟ قال إن أكثر الأشياء في الوجود غير قابلة للفهم -Incomprehensible – هو أن هذا الوجود قابل للفهم Comprehensible، الله أكبر، وهذه تحتاج إلى شرح في خُطبة بحيالها، وهذا ما فهمه السادة الأشاعرة ونحن منهم ولنا الشرف، أي نحن الشافعية والماكية والحنفية وما إلى ذلك، لكن هناك مَن يقول البدعة الأشعرية، لكن هذا شرف لنا، هؤلاء هم أهل السُنة والجماعة فانتبهوا، المالكية والشوافع والأحناف الأغلبية، أما الحنابلة فهم خمسة في المائة، لكي تُوضَع الأمور في نصابها ولا يُضحَك على الناس ولا يُكذَب على الناس، وعلى كل حال السادة الأشاعرة رأوا أن كل ما في الوجود هو مُعجِز وآية، والقرآن يقول هذا، القرآن يقول هذه آيات، قال الله إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ۩، فهل تُريدون الآيات؟ هذه كلها آيات، قال الله في سورة البقرة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۩، فالله هنا ذكر صنوفاً من الظواهر البيئية والجوية أو الكونية ثم قال لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۩، أي أن هذه آيات، قال الله وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ۩، فهم ليس عندهم ذهن أينشتاين Einstein وليس عندهم ذهن شاتوبريان Chateaubriand – الأديب الفرنسي الشهير في عهد نابليون بونابرت Napoléon Bonaparte – أيضاً، لكن ماذا قال شاتوبريان Chateaubriand؟ شاتوبريان Chateaubriand قال إن ما يُعَد في نظر الناس مُعجِزاً ليس مُعجِزاً بقدرٍ أكثر إعجازاً مما لا يُعَد كذلك، الله أكبر، أي أنه قال كل شيئ مُعجِز، فهل أنت ترى أن ميلاد عيسى من أمه ومن غير أب مُعجِزة؟
قبل يومين كنت أتكلَّم مع رجل كبير فاضل وأُباحثه، والرجل في هذا العصر يظن فعلاً أن الشمس أو الأرض محمولة على أشياء، مثل أنها محمولة على ماء وما إلى ذلك، وهذا التفكير يُعَد قاصراً، قلو سألته والماء محمول على ماذا؟ سوف يقول على ضفدعة، ولو سألته والضفدعة محمولة على ماذا؟ سوف يقول لك على كذا، وهكذا إلى أن تصل إلى آخر شيئ، فآخر شيئ في النهاية محمولة على ماذا؟ لكن العامي يقف عند هذا ويكون مُقتنعاً بأن هذه الأرض الكبيرة العجيبة محمولة على ماء، لكننا قلنا لهذا الشخص هى ليست محمولة لا على ماء ولا على ما يحزنون، هى محمولة بقدرة الله وبقوانين يُسمونها قوانين الجاذبية الأرضية ونحن لا نراها، ولكن هى هكذا، فقال هذا أمر عجيب، وقلنا له هى تلف حول نفسها وحول الشمس، ومثلها الشمس ومثلها المجرة التي فيها أربعمائة ألف مليون نجم، أي مجرتنا التي تُعرَف بـThe Milky Way Galaxy و Die Milchstraße Galaxie، وحين قلت له فيها أربعمائة ألف مليون نجم كاد الرجل يُجَن، ثم قلت له وهذه المجرة يُوجَد منها حوالي ثلاثمائة ألف مليون مجرة، وكل هذا إسمه الكون ومحمول بقدرة الله، قال الله لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۩، فصدقت يا شاتوبريان Chateaubriand حين قلت إن ما يُعَد مُعجِزاً ليس مُعجِزاً بالقدر الذي يكون به أكثر إعجازاً مما لا يُعَد كذلك، فهو قال كل شيئ مُعجِز، والأشاعرة قالوا كل شيئ مُعجِز.
انظروا الآن إلى العظمة القرآنية وانتبهوا، رسالة الله الباري تبارك وتعالى – والله أعلم والله عنده العلم والحكم، فهذا فهمي البسيط القاصر – حين سمّى ما نُسميه الخوارق بالآيات ثم ذهب – عز وجل – ونعت الظواهر الكونية بالآيات هى رسالة مُزدوَجة ولها هدفان وقصدان وغاياتان – والله أعلم – فيما ظهر لي، القصد الأول أن يلفتنا إلى أن الحاكم في المرتين هو شيئٌ واحد، فالقوانين الكونية تفعل هنا وتفعل هنا، وبعضها معروف لكم وأكثرها مجهول ولذا العلم يُحاوِل أن يُنقِّب عنها، القصد الثاني أن المُعجِزة أو الخارقة – حسبما فهمناها نحن وكل اللاهوت السماوي الوحياني عند اليهود والنصارى – وظيفتها الإخضاع والتسليم وليس الإقناع العقلي، فأنت تُسلِّم بسببها، حين يقول أحدهم أنا نبي كيف نعرف أنه نبي؟ قال – مثلاً – أنا سوف أُحيي هذا الميت، لكن هل تُوجَد علاقة علّية واضحة بين ميت يحيا وبين أنه نبي؟ علماً بأن هذا الموضوع ناقش فيه هيوم Hume كلاماً طويلاً، وعلى كل حال لابد أن تكون هناك علاقة ما بلا شك، لكن رسالة المُعجِزة الإخضاع، فأنت تخضع وينتهي الأمر، لماذا؟ لعدم السنخية بينها وبين أفعالنا، فلا يُمكِن لأي أحد منا أن يُحيي ميتاً، لأن هذا ليس من أفعال البشر، فإحياء البشر ليس من أفعالنا ولا في حيز مقدوراتنا، ولذا حين يأتيني بشر ويُحيي لي بشراً ميتاً أعرف أن هذا من فعل رب البشر لا إله إلا هو، لعدم وجود سنخية، ولكن حين يأتيني شاعر كبير ويُؤلِّف لي ديواناً وبعد ذلك يأتي شاعر آخر يُؤلِّف ديواناً لكنه أقل منه وبعد ذلك يأتي ثالث ورابع وألف وهكذا فإنني سوف أقول هذا الشاعر هو أعظم شعراء عصره، لكن هل هذا مُعجِز؟ هذا غير مُعجِز، هلتعرفون لماذا؟ لوجود سنخية هنا، فهذا شعر وهذا شعر وهذا شعر وهكذا، والعرب بذكائهم يوم عرفوا أن آية رسول الله – أي مُعجِزة رسول الله بتعريفنا – ليست إحياء الموتى وليست إبراء الأكمه والأبرص وليست فلق البحر الأحمر وإنما القرآن – قال لهم أنا آيتي القرآن – بحثوا ودرسوا ونقَّبوا ونقَّروا وفتَّشوا وأعادوا ثم قالوا هذا ليس نثراً وليس شعراً وليس سحراً، فما هذا الكلام؟ هذا ليس من جنس كلامنا، وكل أصناف الكلام الخاصة بنا لا يندرج هذا الكتاب أو هذا الكلام العجيب تحت واحدٍ منها أو تحت أيٍ منها، فإذن فقدنا السنخية من جهة، وبالتالي الخلاف ليس بالدرجة وإنما يُشبِه أن يكون أيضاً بالنوع، لكن المسألة غامضة قليلاً.
إذا كانت رسالة المُعجِزة أن تخضع وأن تستسلم، فرسالة الآية ما هى؟ أجيبوني، رسالتها أن تُفكِّر وأن تتدبَّر، والقرآن سماها آية فلا تقل هذه مُعجِزة تُعجِزك، هذا غير صحيح، هذه آية كما قال الله، فكيف أتفاعل مع الآية؟ ردة الفعل – Reaction – ينبغي أن تكون التفكّر والتدبّر والتفهم، فتقول سيأتيني يوم أفك مغالق هذه الآية بفهم القانون الطبيعي الكامن خلفها، وبهذا الفهم تزداد مُسخرية الطبيعة لي وسأنجح في تسخير الطبيعة مزيد تسخير، وآتي إلى علم تطبيقي وأُطبِّق وأركب البحر والجو وما إلى ذلك، وقد صنعنا الطائرات وسفن الفضاء وإلى آخره بفهم الآية، وهذه هى العظمة القرآنية، فالله سمّاها آية، ولذلك قال إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ۩، فهو قال أن هذه ليست هى وظيفة الآيات عنده، الآيات ليست وظيفتها أن تُخضِع الأعناق، لكن هذه وظيفة المُعجِزات، فالله يقول لا مُعجِزة في الدين، أي أن الله قال ليس عندي مُعجِزات وإنما عندي آيات، وهذا أمر عجيب يا رب العالمين، فماذا تُريد أن تقول؟ يُريد أن يقول لنا فكِّروا طويلاً في كل الآيات التي أبرزتها على أيدي أنبيائي، هى تخضع لقوانين لو فهمتموها سوف تتمكنون يوماً من اصطناع أمثالها، وهذا شيئ عجيب وقفزة علمية غريبة.
الرجل الصالح أتى بعرش بلقيس في لحظة، واليوم – كما شرحت لكم في دروس التفسير قبل عامين – أحدث أبحاث وأعظم وعود الفيزياء المُعاصِرة الآن عن النقل الآني Teleportation، فهم يشتغلون على هذا ليل نهار، والعملية مُهِمة جداً جداً جداً، وهذا ليس نقل الطاقة وإنما نقل المادة كأن ينقلك أنت أو ينقل هذا الكرسي أو ينقل أي شيئ آنياً، فيفنى هنا ويتولَّد في مكان آخر، وهذا شيئ غريب، تقول الآية قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۩، فإذن هل الفيزياء تبحث في هذا الموضوع؟ نعم تبحث وبجد، وينفقون المليارات على هذه المباحث، والقرآن ذكرها على أنها آية من الآيات، ونحن عندنا نقول مُعجِزة، ففكِّروا فيها إذن، الفيزيائيون فكَّروا وبذلوا جهوداً كبيرة، والدكتور زبير معنا الآن ويعلم هذا، وهناك مبدأ التعالق – Entanglement – وهو مبدأ مُعقَّد في الفيزياء، فهم يشتغلون على هذا وسوف ينجحون، علماً بأنهم نجحوا نجاحاً نسبياً في فيينا هنا، فأكبر نجاح كان هنا في فيينا حيث نجح أستاذ نمساوي في موضوع النقل الآني – Teleportation – نجاحاً بسيطاً، والحبل على الجرَّار كما يُقال والمشوار مُتواصِل.
إذن هذا بعض سر أن القرآن سمّى ما نُسمّيه معاجز بالآيات، فلم يشأ أن يُسمّيها خوارق أو معاجز، وهذا يُريحنا طبعاً، لأن هل الله يُحدِث المعاجز لمَن عاشها أم لمَن سمع بها؟ أصالةً لمَن عاشها بصراحة، وفي الحقيقة الله – عز وجل – كان يبعث الأنبياء وكان يبعث كل نبي إلى قومه خاصة وليس للعالمين، فبعث موسى – مثلاً – وأجرى على يديه بضع آيات عجيبات – تسع آيات بصائر – ونحن نعرف منها اليد البيضاء والعصا وانفلاق البحر، قال الله وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۩، فهذه بصائر للناس، ونحن في الحقيقة لم نر هذه الأشياء، وحين بُعِثَ عيسى قال قوم عيسى ما علاقتنا بموسى؟ نحن لم نعش في عصره ولم نُشاهِد هذه الآيات فائتنا أنت بآية، وأتى هو بآيات، لكن حين بُعِثَ محمد اختلف الوضع، فالآيات هى لمَن يلمسها ولمَن يعيشها ولمَن يراها، هذه آيات له ومن ثم قد يقتنع أو يجحد ويُكابِر ككثير من الناس، فكثير من الناس جحدوا بالآيات والعياذ بالله، لكن حين بُعثَ محمد بُعِثَ لمَن؟ هل بُعِثَ للعرب؟ بُعِثَ للعالمين فانتبهوا، لو كان دليل محمد وبينة محمد آية خوارقية إعجازية كنا ماذا سنقول؟ كنا سنقول نحن – والله – لم نعشها اليوم بصراحة ولم نرها، ومن ثم سوف نتوسَّل حجج ديفيد هيوم David Hume ونقول النقل هذا الذي يُدعى فيه التواتر يُورَد عليه بواحد واثنين وثلاثة وعشرة، ومن ثم صار عندنا شك وريب، لكن الله – تبارك وتعالى – منذ البداية أبى هذا، علماً بأن لا تُوجَد آية قرآنية تقول هم اقترحوا على رسول الله أن يأتي بآية ولبيناهم، دائماً ما يقول الله قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۩ ويقول أيضاً وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ۩ فضلاً عن أنه يقول وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ۩ الله هو الحر وهو الذي يأذن أولا يأذن وليس أنت، وقد اقترحوا عليه في سورة الإسراء ست آيات تلوتها في مُقدِم الخُطبة مع العلم أن بعضها كان مُتناقِضاً، فماذا قال؟ قال قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ۩، أي أن الآيات بإذن الله، ولا تُوجَد استجابة، فلماذا يأبى القرآن أن يستجيب؟ قال لهم هذا ليس مُرسَلاً لكم، أنا مُتأكِّد – وأٌقسِم على هذا – لو أن محمداً – عليه السلام – أُرسِلَ للعرب لأتى بآيات حسية واضحة جداً وأغرب من آيات موسى وعيسى، لكنه ليس مُرسَلاً للعرب، هو مُرسَل للعالمين وللأزمان كلها وللأصقاع وللمواطن كلها إلى يوم الدين، هذه آخر رسالة – الرسالة الخاتمة – فلا تُحدِّثني عن آيات لأن سيُقال أين هى؟ نحن لا نراها ومن ثم لا نُؤمِن بها، لكن الله قال لهم أنتم عندكم آية وهى القرآن العظيم فتدبَّروا فيه.
أختم بالحديث الصحيح الذي فيه قال صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً ما من نبيٍ من الأنبياء – أي مما كانوا قبلي – إلا أوتيَ من الآيات – ما الآيات؟ المعاجز والخوارق في تعريفنا – ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلىّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة، وهو أكثرهم – بإذن الله – تابعاً وأتباعاً يوم القيامة، وبذا سقطت الشُبهة الفارغة الداحضة التي يقول بها البعض وخاصة الملاحدة من أعداء هذا الدين، فهم يقولون لو كان محمداً نبياً ورسولاً حقاً وصدقاً لمَ لم يُلبَّ ويأت بآيات كونية وبآيات إعجازية خوارقية؟ لماذا يقول آيتي هى القرآن؟ لو أتى بها الآن لن يكون له قيمة الآن بل إن بعده بمائة سنة لن يكون له قيمة, ولكن الذي أتى به له القيمة كل القيمة والشرف كل الشرف والكرامة كل الكرامة، وهو كتاب مُبين غير ذي عوج للناس أجمعين.
اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم أصلِحنا لك بما أصلحت به عبادك الصالحين، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما جنينا على أنفسنا وما أنت أعلم به منا، اجعلنا إلهنا ومولانا نخشاك حتى كأنا نراك وأسعِدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك وخِر لنا في قضائك وبارك لنا في قدرتك حتى لا نُحِب تأخير ما عجَّلت ولا تعجيل ما أخَّرت، واجعل اللهم غنانا في أنفسنا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا.
اللهم أبرِم لهذه الأمة المرحومة أمر رشداً تُعِز فيه أولياءك وتُذِل فيه أنوف أعدائك ويُعمَل فيه بطاعتك ويُتآمر فيه بالمعروف ويُتناهى فيه عن المُنكَر وتأمن فيه سُبل المُؤمِنين.
اللهم آمن أهلنا وانصرهم في سوريا الشام يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم فرجاً قريباً، اللهم اجعل لهم فرجاً قريباً، اللهم اجعل لهم فرجاً ونصراً من لدنك يا رب العالمين فإنهم لا يرجون إلا إياك ولا يثقون إلا برحمتك ولا يستمدون إلا من عونك فلا تخذلهم يا رب العالمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا 09/03/2012

الأمة وحس المسؤولية

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّىَ اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ۩ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

طلع الهلال المُحرَّم لتشهد معه الأمةُ المسلمة عاماً جديداً في قرنها الخامس عشر في ألفيتها الثانية وفي مثل هذه المُناسَبات تجيشُ في النفس ذكريات وتثورُ تساؤلات وأُمنيات كما تحزُ مرارات فيتخيَّل المرء أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – في عالمه العلوي يُطل على أمته بعد هذه المُدة المُتطاوِلة بأسىً وحزن وفي انقباضٍ غير راضٍ بعد أن أورثنا أعظم دين وأقدس تركة وأعظم ميراث، فماذا فعلنا به؟!

جاء – عليه الصلاة وأفضل السلام – ونحن مُتفرِّقون فيقتل بعضنا بعضاً ويستغل القوي منا الضعيف لكنه وحَّدنا وأخرج منا أمةً عظيمةً نوَّرت العالم وضوَّءته بأنوار السماء في قرنٍ من الزمان، فأبينا إلا أن نُحيل هذه الوحدة إلى فُرقة وتمزق وتشظٍ وانقسام وكأننا أقسمنا يميناً لا نحنث فيه ولا نعود عنه على أنن نُمزِّق ما تبقى من وحدتنا.

بعد شهرٍ تقريباً سيشهد المسلمون والعالم السودان وقد غاض سودانين، واليد على القلب والتخوق جاثم وقائم أنه لا سمح الله ولا قدَّر ربما يتشظى أيضاً إلى أربعةِ سودانات وما خفيَ كان أعظم، وليست مصر ببعيدة عن هذا المُخطَّط وهى مُرادة بدرجة أولى وقد صدقوا بهذا غير مرة ولا يزالون، فلا عصمة لأحد ولا عصمة لأي أمة من هذه الأمم التي لا أُريد أن أُسميها شعوباً لأن كل شعب غدا أمةً بحياله فلا يعبأ بالآخرين ولا يبكي مآسيهم ومصائبهم، ومن ثم لم نعد نبكي على فلسطين وحدها وقد ضاعت فلسطين وضاعت العراق بتآمر المسلمين، فرسول الله حقاً وبالضرورة غير راضٍ عن حال هذه الأمة، ورسول الله بُعِثَ في أمةٍ أمية لم تعرف شيئاً طائلاً مما عرفت الأقوام من الحضارات والمدنيات، فأخرج بها أمة شيَّدت للعالمين حضارةً في أقل من قرنين من الزمان تُعَدّ مُعجِزة في المعاجز بـ (اقْرَأْ ۩) لأنها أمة الكتاب والقلم، أمة العلم والمعرفة، أمة العطاء والإنجاز، فإذا طلَّ عليها من عليائه اليوم وجد أنها الأمة الأمية الأولى في العالم فمُعظَمها لا يقرأ ومَن يُحسِن أن يقرأ لا يقرأ لأن لا هوى له في القراءة، فنحن نشتغل بالسفاسف وبلا لا معنى له، نُهدِر أعمارنا ونُبلي شبابنا ونُضيِّع طاقاتنا فيما لا يُجدي، إذن نخن أمة لا تقرأ، أمة في قرنها الأخير وإلى يوم الناس هذا لم يعش فيها مُفكِّرٌ لوذعي أو كاتبٌ مُقدَّم من قلمه، فكبار كاتبينا وأعاظم مُفكِّرينا ماتوا جوعى أو كالجوعى ولم يغنوا من الفقر بسبب ما سطَّروا وما كتبوا لأن هذه الأمة لا تقرأ ولذلك يضيع فيها أهل الفكر وأهل الذكر، فلا يُقام فيها وزن لعالم ولا لفيلسوف ولا لمُجتهِد، فما شأنها بهؤلاء؟!

شأنها بكرة القدم فهى أمة لديها استعداد أن يذبح بعضها بعضاً من أجل كرة قدم، ولكن أين عقلها ورشدها؟!

أليس لها مسكة من عقل تتمسَّك بها؟!

هذا عجبٌ عاجب، فهى تهتم فقط بكرة القدم، أما الفكر والعلم والهُدى والكتاب والسُنة والوحي والنور والهدى الإلهي العُلوي فلا شأن لها بهذا، ومن هنا نجد أن العقاد مات فقيراً، محمد رشيد رضا مُجدِّد الإسلام – أحد الأئمة المُجتهِدين المُجدِّدين وصاحب المنار مجلةً وتفسيراً التي شرَّقت وغرَّبت فكانت تُقرأ في بلاد الهند والسند وفي الصين وفي كل مكان – مات وبيته مرهون لفقره، فلما مات أُخِذ البيت وصار أهله في الشارع، هذا حدث مع محمد رشيد رضا الذي كتب عشرات ألوف الصفحات في الذب عن الإسلام والزود عن حياضه لأنها أمة لا تقرأ، فما شأنها برضا ومنار رضا؟!

شيئ غريب، ولكن حين يموت مُمثِّل تمتلئ الشوارع وتزدحم من عند آخرها بالثكلى والأيتام من النائحين والنائحات الذين ينحون أباهم وينحون نبيهم، فهو نبي الفن ونبي الرقص والغناء ونبي العُهر والدعارة والتحلّل الذي أفسد أزواجهم وبناتهم وأبناءهم ومع ذلك ينحون عليه، فإذا ما مات عالم أو مُفكِّر أو هادٍ من الهُداة لم يكد أحد يسير – والله – في جنازته.

نحن من طلّاب العلم ولذا اتفق لنا غير مرة أن سمعنا بنبأ موت عالم كبير أو مُفكِّر خطير القدر في هذه الأمة المرحومة ولكن للأسف نعلم هذا بعد أشهر وأحياناً بعد سنين من وفاته، دون أن ندري متى مات لأن لا أحد يعبأ به ولا يأتي عنه ولو خبر حتى في التلفاز، هم مُفكِّرون خطيرون ومن ثم ملأوا الأرض علماً ومع ذلك لا أحد يعبأ بهم، ولكن إن أتى مُمثِّل أو راقص أو ساقط أو ساقطة من الشرق أو الغرب إلى عواصم العرب والإسلام تهتز له الدُنيا فتقوم ولا تكاد تقعد، ثم نتساءل ما الذي دهانا؟!

التُرك خيرٌ منا ألف مرة فقد تقدَّموا وقطعوا شوطاً فسيحاً، الفرس خيرٌ منا ألف مرة، وحتى أمريكا اللاتينية الصين والهند وبعض الدول الأفريقية خيرٌ منا، العالم كله صار يجدُ جداً حقيقياً ونحن لا نكاد نعرف للجد معنى، نحن حياتنا مسخرة وأوضاعنا كلها مسخرة، والعجب أنك ترى هذا العربي الذي هو من أمة المساخر وهو إنسان ساخر وحياته كلها مسخرة مُنتفِخاً ومُنتفِجاً وعنده جسارة وعنده جرأة أن يتكلَّم في كل شيئ وأن يدّعي الفهم وأن يدّعي الحكمة، ووالله لو كانت النبوة تُدّعى لادّعاها – شيئ عجيب – على جهله وأُميته وتخلفه وفقره فهو لا يكاد يعرف شيئاً، فالذي يعرف منهم لا يكاد يعرف شيئاً، وهذا الذي يعرف فكيف بالذي لا يعرف؟!

ولكن لديهم كبر عجيب وانتفاخ يبدو أنه حليف الجهل، ففعلاً العلم حليف التواضع وحليف معرفة قدر النفس، أما الجهل فحليف الكبر، ولذلك ترى الآخرين ينجحون ولا ينجح العربي على أي مُستوى تُريده، حتى ولو على مُستوى بسيط جداً وميسور الآخرون ينجحون، على مُستوى الدول والبرامج الفخمة الضخمة ينجحون ونحن قاعدون.

إخوتنا الأتراك حين نتأمّل في أحوالهم نجد أن أحوالهم مُتسِقة إلى حدٍ بعيد، مُعظم مساجدهم مُشتراة فهم يشترونها لإن الإمام فيها إذا قال ادفعوا دفعوا، لكن أنا قال لي أحد الإخوة يا شيخ قل لجمهورك إن لم تشتركوا وإن لم تتفاعلوا وإن لم تُفعِّلوا عُضويتكم في المسجد وهو مسجدكم ومكانكم سأترك المنبر، فقلت له أنت مُغفَّل، وحينما سأل عن السبب قلت له لأن سيقول لي مُعظمهم: اتركه إلى غير رجعة واذهب إلى الجحيم، أنا سأعتلي منبرك وساُعطي ما لا تُعطيه وسأنجح حين فشلت أنت، أنت لست العلماء أو المُفكِّرين الكبار فمَن أنت؟!

وهكذا لدينا انتفاخ مُتسرطِن عجيب جداً، ولكن الأتراك لا يفعلون هذا، حيث قال لي أحدهم أن أحد الأئمة قال لهم “والله إن لم تدفعوا البقية – وهى بمئات الألوف – الباقية من ثمن هذا المسجد فلا عُدت أخطب على منبري”، فقالو” لا تترك المسجد يا شيخ “ودفعوا وانتهت المُشكِلة في أشهر يسيرة، فقلت له هذا يصلح مع الأتراك ومع الفرس ومع الماليزيين، أما مع العرب – وأنا عربي – فلا يصلح، فهى إذن أمة عجيبة غريبة لأنها أمة جاهلة لا تُحِب العلم ولا تُحِب حتى العلماء وأهل الفكر بل لا تُباليهم.

ولأنني ذكرت أمريكا اللاتينية الآن أود أن أُشير إلى أن أمريكا اللاتينية تسعد بكاتب روائي وليس فيلسوفاً كبيراً وإنما كاتب رواية أمريكي لاتيني إسمه جون جريشام John Grisham الذي يُسجِّل الآن التاريخ في حياتنا أنه أكثر الكتّاب مكروهيةً في تاريخ الدنيا، علماً بأن عدد النُسخ التي بيعت من كتبه وروياته وصل إلى ثلاثمائة مليون نُسخة وهو أمريكي لاتيني، وهذا ليس في أمريكا اللاتينية وحدها ولكن في الشمالية وفي كندا وفي أوروبا وفي اليابان وفي الصين وفي الهند وفي كل مكان حيث تُرّجِمَت كتبه لثلاثين لغة، والعرب لا يسمعون به ولا يعنيهم أن يسمعوا به لأنهم حتى لا يقرأون كتابهم ولا يستمعون إلى نبيهم، يستمعون فقط لأنفسهم ولعجرفتهم، وهذا شيئ غريب ومُحزِن جداً، ومن هنا سر هذه اللعنة التي تضرب هذه الأمة على مُستوى الحكومات وعلى مُستوى الأفراد والتجمعات الصغيرة، الكل أمير والكل خليفة والكل مُقدَّم فلا أحد يرضى لنفسه أن يكون جُندياً أميناً، ولكن الكل أمير والكل قيادة لأن هذه الأمة فقدت بل هى فاقدة لحس المسئولية، علماً بأنني سأجعل النصف الآخر من خُطبتي عن موضوع المسئولية وحس المسئولية وتعريفها ومُقتضياتها لأننا يبدو أننا أُوتينا من فقد حس المسئولية فنحن لا نشعر بمسئوليتنا، لا يكاد مُعظمنا يشعرون بهذه المسئولية.

قبل يومين بطريق الاتفاق الإلهي أبحث عن كتب في موضوع فلسفي في مكتبتي الإلكترونية فوجدتُ مُعجَماً صيني – عربي من مُجلَّدين عظيمين بلغة الماندرين مع العربية – أي بالصينية مع العربية – فابتسمت وقلت يبدو أنني مُهوَّس بالكتب وكل شيئ أُريد أن أقتنيه ولكن لعلي إن لم أنتفع به ينتفع به ولدي، ثم عُدت لنفسي وقلت لا أنا لست مهووساً أو مُهوَّساً بمقدار ما هو الواقع يفرض الإحساس به، فلو كان هذا قبل عشرين سنة لكان من المُحال أنني كنت أُحمِّل مُعجَماً ضخماً في مُجلَّدين بلغة الماندرين أو باللغة الصينية، مُحال أن أفعل هذا في الماضي ولكن الواقع اليوم تغيَّر.

نقرأ قبل فترة يسيرة جداً أن المملكة المُتحدة – الإنجليز من قادة العالم وأذكياء البشر – تقريباً فرغوا من إعداد ألف أستاذ لينظروا في لغة الماندرين – أي في اللغة الصينية – مع العلم أن هذه هى البداية فقط، أول الغيث قطرة ثم ينهمر، وتابع بعد سنتين أو ثلاث فسيُقال لك لدينا مائة ألف يحذقون الصينية، أما الصينيون فكانوا يتعلَّمون الإنجليزية فيما مضى لكن الآن العالم ينقلب والعرب نائمون لا يُعنون بشيئ بل ومُرتاحون تماماً، نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte قبل مائتي سنة تقريباً يقول “حين تستيقظ الصين يرتج العالم” لأنه كان يعرف أن أمة بهذا الحجم وأن أمة بهذا التراث وبهذه التركة هى أمة خطيرة، تماماً كالأمة الإسلامية بالأمس وباليوم حين تستيقظ سيرتج الكون، ولكن متى تستيقظ؟!

هذا هو سؤالنا ولعله يكون سؤال الخُطبة: متى تستيقظ الأمة الإسلامية؟!

ما هو المُؤشِّر على استيقاظ الأمة الإسلامية؟!

أنا في نظري المُؤشِّر على استيقاظها لابد أن يكون شيئاً واحداً، ولا يُمكِن أن يكون هناك مُؤشِّراً غير هذا الشيئ وهو أن تبدأ تقرأ، فإذا بدأت ترى الورق مُستهلَك في أمة العرب بكميات هائلة فاعلم أن هذه الأمة استيقظت وسيرتج الكون، فلن يرتج العالم بل سترتج عوالم العصر وعوالم الأعصار – إن شاء الله – التي ستبقى مُرتَجة بالخير – إن شاء الله – وبالأمن وبالهُدى.

العالم كله ينتظر هذه الأمة وهى لا تُؤمِن بنفسها، العالم كله ينتظر هذه الأمة، ليس عقل العالم ووعي العالم هو الذي ينتظر وإنما ضمير العالم ومُعاناة العالم وتيه العالم وضلال العالم وتخبطه هو الذي ينتظر، تخوفه من حروب كونية تأتي على الأخضر واليابس فلا تُبقي ولا تذر، فالعالم ينتظر هذه الأمة وهذه الأمة غير شاعرة بنفسها وغير شاعر برسالتها وهى لا تُحسِن الاستماع لصوت التاريخ، هذه الأمة لم تسمع التاريخ ولم تُحسِن الاستماع لصوت تجربتها وخبرتها حتى المُعاصِرة، ومن قبل ومن بعد لم تسمع كتاب ربها ولا صوت نبيها، إذن ماذا تفعل هذه الأمة وإلى ماذا تستمع؟!

هل هى أمة صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يشعرون وهم لا يعقلون؟!

لا يشعرون بأخطائهم ولا يعقلون هُداهم ورُشدهم، ولكن حين تبدأ الأمة تستهلك الورق كتابةً وقراءة فاعلموا أنها وضعت قدمها في الطريق المُستقيم، فالمُؤشِّر هو الورق، وهكذا كانت البداية بكلمة (اقْرَأْ۩) وذلك حين قال الله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۩ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۩ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩، وانظروا كيف أكرم الله الأمة الصينية الآن، العالم بدأ الآن يعود إليها يتتلمَذ على أعتابها فهو يُريد أن يتعلَّم ويُريد أن يتتلمَذ، الأمة الصينية من الأمم النادرة جداً التي تعمل على تخفيض سعر عملتها فهى تحتفظ بسعر عملتها واطياً – أي نازلاً – لأنها تُريد أن تُصدِّر، فهى تُصدِّر إلى أربعة أسقاع المعمورة، أنصحك بأن تقرأ أين صُنِعَ كل ما تأكل وكل ما تلبس وكل ما تستخدم وخاصة من الأجهزة والتقنيات والآليات الدقيقة المُتطوِّرة، مُعظمه ستُفاجأ أنه صُنِعَ في الصين، علماً بأن صناعتها من أجود الصناعات الآن، قبل عشر سنوات لم تكن جيدة أما الآن اختلف الوضع، فهى من أجود الصناعات وأرخصها أيضاً لأنها تُباع بالسعر المُناسِب، هى أمة تُنتِج للعالم ومع ذلك العرب يتشبَّسون بأذيال أمريكا – معبودهم في عالم السياسة والمال – التي تغرق في بحر من الديون، فالآن في خريف ألفين وعشرة – أيها الإخوة – بلغت مديونياتها – بلغت ديونها – عدد ضخم، ومع كل صباح – أي كل يوم – أمريكا تغرق في اثنين ونصف مليار ديون، ولذلك هى إلى زوال، أمريكا انتهت.

استمعت وأنا أضحك قبل أيام للأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل وهو يُخاطِب الأستاذ القدرير كريشاني ويقول له “أمريكا دولة عُظمى وستبقى دولة عُظمى وليس إلى االيوم وغد ولكن إلى عشرين أوخمس وعشرين سنة”، وهذا الكلام صحيح لكن المُضحِك فيه أنه يُؤكِّده على أنه أمدٌ طويل، هذا هو المُضحِك الذي لم أكن أتوقَّعه من أي مُثقَّف عربي كبير لأن هذا لا يقوله إنسان عنده إحساس بالتاريخ، فأنت حين تتكلَّم عن أمة عظمى وعن إمبراطورية وتقول لي أنها ستظل كذلك إلى عشرين أو خمس وعشرين كأنك تقول أن أمريكا تُجهِّز نعشها إذن لأنها انتهت، فاستمرارها إلى عشرين أو خمس وعشرين سنة فقط يعني أنها تموت، فالذين كتبوا عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية قالوا “في خلالعشرين سنة ستكون انتهت” إذن هى ميتة، فإذا أردت أن ترفع يديك وتقولي أنها ستبقى قوة عُظمى إلى وإلى فيجب أن تقول إلى مائة وخمسين أو مائتين سنة ولا تقل إلى عشرين أو ثلاثين سنة أو حتى أربعين سنة، لأن هذا يعني أنها تموت فأنت تنعى أمريكا، وفي المُقابِل التنين الصيني في صعود مُستمِر، فإذن لماذا نحفل نحن العرب بالذات وربما المسلمين بعامة في مثل هذه المُناسَبات ونتذكر الأمة وخط الأمة وتاريخ الأمة وخمسة عشر قرناً ثم نقول نحن أمة عظيمة مُكوَّنة من مليار وسبعمائة مليون أومليار وثمانمائة مليون؟!

علينا أن ننتبه إلى أن هذه ليست ميزة، ففي الواقع الذي نعيشه وفي شروط عمل هذه الأمة الآن هذه ليست ميزة بل هذا عبءٌ على الأمة لابد أن يُحسَب بحساب النقصان لا بحساب الزيادة، أن عددنا بهذا الحجم هذه كارثة تعني مزيداً من البطالة ومن الفقر ومن الجريمة ومن الكفر ومن الفسق ومن التيه والضلال ومن الحيرة وفشل المُخطَّطات حيث لا مُخطَّطات ولا استراتيجيات، فهذه ليست ميزة وإنما عبءٌ وعبءٌ ضخمٌ ثقيل مُبهِظ!

ولكن يوم تستيقظ الأمة وتعرف طريقها وتتحمل مسئولياتها وتضطلع بمسئولياتها ومهامها الغليظة الكبيرة ستُحسَب هذه الزيادة في تعداد السُكان في حساب الزيادة لصالح الإنتاج والتنمية والتقدم والعلم تماماً، وما الصين منا ببعيد حيث أن المليار والنصف لديها في حساب الزيادة، فلديها أيدي عاملة رخيصة تُصنِّع ما يكفي العالم مرات ومرات، ومن ثم ترتقي الصين سُهداً وتتقدَّم قدماً مع كل نفس يتنفَّسه كل واحد من هؤلاء، وهكذا هى الإمم ومن ثم نحن ما علينا أن نُغرِّر بأنفسنا بأن نقول نحن أمة عظيمة من مليار وسبعمائة مليون لأن هذا في حساب النقص لا في حساب الزيادة، وعليك أن تفهم هذا جيداً فهذا الآن غير مُطمئن ومُقلِق في الوقت الحاضر.

نأتي الآن إلى موضوعة التفاوت، حيث جاء رسول الله وقرَّب الهُوة وجسَّر الفجوة وجعل التفاوتات بين أبناء هذه الأمة معقولة تماماً ومعقولة جداً، وبالمُناسَبة مَن أراد أن يكون مُنصِفاً لابد أن يعترف أنه لا وجود لشيئ إسمه يوتوبيا Utopia أو مدينة فاضلة في التاريخ باستثناء دولة رسول الله ودولة الخلافة، فلا وجود لهذه اليوتوبيا Utopia ومن ثم لا تُحدِّثونا عن أفلاطون Plato فهذا كلام فارغ، وهذه أكبر أضحوكة يُضحَك بها على البشر حين يقولون “نحن نُريد المدينة الفاضلة التي حدَّثنا عنها أفلاطون Plato”، لكن عليكم أن تقرأوا عن هذه اليوتوبيا Utopia، فهل قرأتم الجمهورية لأفلاطون Plato؟!

هذه ليست مدينة فاضلة، هذه مدينة عرقية عنصرية استغلالية استعبادية، فيها استعباد للناس لأنها مدينة شمولية، أي أن أفلاطون Plato كان يتحدَّث عن مدينة شمولية ومن ثم بعض ما كان يحلم به أفلاطون Plato الغرب الآن يفعله نسبياً والاتحاد السوفيتي أيضاً فعله وهذا كلام فارغ، فعلى أي أساس هى مدينة فاضلة؟!

المدينة الفاضلة حقاً هى مدينة الرسول والخلافة الراشدة التي فيها عمر بن الخطاب – ولعله قال هذا في زمن خلافته – يقول “أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا”، فأبو بكر سيده وهذا قد يُفهَم، أما السيد الثاني الذي أُعتِقَ ويُعتبَره عمر سيداً له فهو بلال – الله أكبر – لكن عند أفلاطون Plato وأرسطو Aristotle وعند أصحاب المُدن الفاضلة طبقة العبيد تبقى مُستعبَدة فيُداس عليها بالنعال، هى تخدم السادة فقط ولا حقوق لهم في تكوين أسرة حقيقية وخاصة للجنود، فالجندي يعمل كآلة فقط على الحدود وفي الظهور وبعدين يُواقِع النساء بحسب الاشتهاء، وهؤلاء الأطفال تأخذهم الدولة وتُربيهم، وهذه هى مدينة الانحلال والرجعية وهذا هو أفلاطون Plato الذي قال لك “جمهورية فاضلة”، إذن هم يضحكون علينا بهذه المُصطلَحات، فالجمهورية الفاضلة هى التي أنشأها محمد وفيها بلال سيد للسادة العظام وللخلفاء، ومن هنا قال عنه عمره أنه سيده – أي على العين وعلى الرأس كما يُقال – لأن الله قال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ ۩، فلا يُوجَد شيئ إسمه أسود وأبيض وحُر وعبد، هذا الكلام انتهى ولا يُمكِن أن يُقال أنك بالحرية مُقدَّم دائماً، بل أنت مُقدَّم دائماً بالتقوى ومن ثم الله يقول إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ ۩، فيا ويل هذه الأمة التي تقول الآن شرقي وغربي ومصري وشامي وليبي وتونسي وسعودي وقطري وقبلي وبحري وصعيدي وما إلى هنالك، الويل لهذه الأمة التي تهزأ من تركة نبيها وتهزأ من دينها – أُقسِم بالله – وتدوس مبادئه ثم تملأ المساجد تُصلي وتُكبِّر، فلم تُصلون وبأي دين؟!

ما هذا الكذب على النفس؟!

لسنا جادين أن نصدر عن هذا الدين، فحتى بعض الدُعاة المُوفَّقين الكبار قد يتعصَّب تعصّباً مُنكَراً لبلده، فلا يُقدِّم مصلحة الأمة العربية والإسلامية وإنما يُقدِّم بلده، فهو مع بلده في الحق والباطل، فأي فهم للدين هذا؟!

ما الذي يحصل؟!

التفاوتات بعيدة جداً الآن بين أبناء الأمة المسلمة، فمنهم – والله – مَن يقضي حاجته في بيوت خلاء – أكرمكم الله وعُذراً – مصنوعة من ذهب، ولكم أن تتخيَّلوا أن يقضى رجل حاجته في الذهب، ومنهم مَن يبلغ الأربعين والخمسين ولا يجد ما يتزوَّج به من امرأة فاضلة تُعِفه فيعيش حياة الحيوان لا يعيشها لأن الحيوان يجد ضالته دائماً، فصرنا – والله – أقل من الحيوانات، ومنهم مَن يعيش ويموت وحاجته في نفسه فلا يستطيع لها قضاء المسكين، سواء كانت حاجة من مطعم أو من مشرب أو من مسكن مُتواضِع أو من مركوب لائق أو غير لائق، يعيش ويموت المسكين وهو لا يستطيع في حين أن هناك مَن يقضون حوائجهم – ما شاء الله – في الذهب – وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ۩ – ومن ثم فالتفاوت رهيب وهو مُؤذِن بالهلاك، فالصغار – والمقصود بالصغار نحن وليس صغار السن – إذا انحرفوا أو جنحوا كما يجنح الصغار حقاً – أي صغار الأسنان – تُقام عليهم القوانين العادلة – ما شاء الله – بلا رحمة وبلا هوادة، ولكن الكبار إذا أجرموا وإذا فحشوا وإذا تغوَّلوا وإذا أخذوا كل شيئ وأهدروا كل شيئ – ليست الأموال فقط وإنما القيم والعادات والأعراف والتقاليد والحدود الإلهية والحُرمات الربانية – غُضَّ عنهم الطرف بل نُظِمَت فيهم قصائد الأشعار، فتُلقى قصائد الشعر في هؤلاء المغاوير الأبطال فهم سادة الأمة وحماتها ورؤوسها ومُقدَّميها، ولذلك رسول الله يطل علينا ويقول: تباً لكم يا أمتي، ويحكم يا أمتي، أما تناهى إلى مسامعكم قولي الذي عليكم به أن تفهموا أنكم على موعد مع الهلاك؟!

هذه الأمة على موعد مع الهلاك، نحن على موعد مع المُصيبة – أُقسِم بالله – ومع الدمار، في حين أن رسول الله حين جاءه حبيبه أسامة بن زيد – الحبّ بن الحبّ – ليشفع في امرأة مخزومية من بني مخزوم – سادات وعيون العرب وكرامهم – سرقت يغضب النبي غضباً شديداً، وأنتم تعرفون الحديث ولكن في الحقيقة أنتم تعرفونه ولا تعرفونه، فإن كان بالسماع فقد سمعنا، وإن كان بالفهم لم نفهم ولم نعمل، وهذه مسخرة لأننا نسخر من الدين حقاً، فيخرج النبي يجر رداءه وقد أحمر وجهه غضباً ويخطب في الناس خُطبة تلقائية عفوية “إنما أهلك مَن كان قبلكم مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمةً – عليها السلام – بنت محمد – سرقت لقطعت يدها”، ولذلك نحن على موعد مع الهلاك، فإياكم أن تغتروا – والله العظيم – وأن تُصدِّقوا ما يُدغدِغ به بعض الدُعاة الطيبين عواطفنا حين يقولون أننا كأمة بخير وإلى خير، ولكن أفهمني كيف نحن بخير وإلى خير؟!

أُريد أن أفهم، لا أُريد أن تضحك علىّ، أرني المُؤشِّرات الدالة على هذا الخير، ضع إصبعي على المُؤشِّرات وقل لي أنه لا تفاوت بحمد لله تبارك وتعالى.

أموال زكاة العرب في بنوك الغرب وأمريكا بالذات تصل إلى ثلاثمائة مليار، ونحن نسأل عن أموال الزكاة،أين أموال زكاة العرب التي وصلت إلى ثلاثمائة مليار؟!

بثلاثمائة مليار – أُقسِّم بالله – تُحصَّن القدس ويُدافِع عنها وتُبطِل مُخطَّطات إسرائيل، ثلاثمائة مليار – والله – لا تدع فرداً عربياً إلا تزوَّج وإلا تعلَّم وإلا شبع وإلا اكتسى، فأفهِموني ماذا يُفعَل بالثلاثمائة مليار؟!

بل لعل هذا العربي اشترى بها أسلحة لذبحنا نحن العرب، فما هذه الأمة؟!

ما هذا الوضع؟!

ما هذه المهزلة التي نعيشها؟!

مهزلة ولا بعدها ولا قبلها مهزلة، ومن هنا قال رسول الله حين خطب في الناس “إنما أهلك مَن كان قبلكم مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمةً – عليها السلام – بنت محمد – صلوات ربي وتسليماته عليه – سرقت لقطعت يدها” فهو يُقسِم على هذا.

قبل أسابيع حدَّثت إخواني بشيئ لطيف جداً وهو أن الرائد الدنماركي الكبير لميكانيكا الكم نيلز بور Niels Bohr سألوه مرة عن مبدأ التتامية في ميكانيكا الكم وهو المبدأ الذي يعني أنك لا يجب أن تنظر إلى الشيئ المدروس في العالم ما دون الذري – أي الـ Subatomic World – إلا على أنه جُسيم أو على أنه موجة، فيستحيل أن تنظر إليه من الزاويتين معاً، فإذا رُصِدَ كموجة تصرَّف كموجة وإذا رُصِدَ كجُسيم تصرَّف كجُسيم، وهذا شيئ غريب ومبدأ مُعقَّد جداً وهو عكس المنطق المعروف والسائد، فأراد نيلز بور Niels Bohr أن يُقرِّب للناس العوام هذا المبدأ المُعقَّد جداً في فيزياء الكم فقال لهم “قبل أيام أغضبني ابني لأنه ارتكب خطأ، فأردت أن أضربه فمنعني حبي إياه من ضربه فلم أستطع، وهذا هو مبدأ التتام أو التتامية”، بمعنى أنك يستحيل أن تجمع بين الحب والعدل، يكفي أن تُحِب أحداً لكي تظلم به أو لكي تظلم غيره فيه لأنك تعمى عن أخطائه، ومن هنا قال النبي “حُبُّكَ الشيءَ يُعْمي ويُصِمّ” لأن هذا طبع البشر، ومن هنا قال نيلز بور Niels Bohr “أُحِب أن أُقيم فيه العدل وأن أُعاقِبه على ما صنع ولكن حبي إياه منعني، وهذا هو مبدأ التتام، فإن نظرت إليه من زاوية جُسيم صار جُسيماً وبالتالي مُستحيل أن يكون موجة، وإن نظرت من زاوية موجة صار موجة وبالتالي مُستحيل أن يكون جُسيماً “، وهكذا إن نظرت من زاوية الحب ضاع العدل وإن نظرت من زاوية العدل راح الحب، هذا هو مبدأ التتام، ولكن هل هذا صحيح أم غير صحيح؟!

صحيح في حق نيلز بور Niels Bohr وفي حق أمثالنا، لكن هناك شخص واحد بالقطع ليس صحيحاً في حقه وقليلٌ مَن سار في هديه وهو رسول الله الذي كان لا يُحِب فاطمة فقط بل كان شديد الحب لها ومن ثم عبَّر عن مدى تعلَّقه هذا بطريقة رائعة جداً حين قال “فاطمة بضعة مني – أي أن فاطمة هى جزء مني، جزء من روحي وجزء من دمي ومن لحمي ومن عظمي ومن بدني – يُرضيني الذي يُرضيها، يريبني الذي يريبها، إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها”، فهذه هى فاطمة الزهراء – عليها السلام – ومع ذلك النبي أقسم أنها لو سرقت وثبت عليها هذا لقطع يدها – الله أكبر- فلم يمنعه الحب والوله والعشق أن يُقيم العدل، وهذا هو رسول الله لأنه لا يُريد أن يكون سبب الهلاك في أمته لأنه قال “الناس “إنما أهلك مَن كان قبلكم مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”، وانظروا إلينا الآن ونحن نتسبَّب للهلاك بألف سببٍ وسبب، ثم انظروا الآن إلى أسباب خبال هذه الأمة وخزي هذه الأمة فهى أمة خزيانة وأمة ذليلة، ولذلك قاداتها أصبح لديهم منطق جديد – علماً بأنه على مُستوى الفعل هو منطق مفعول ومن قديم للأسف – حيث يقولون “ليس أمامنا إلا أن نشحذ، فنحن نستجدي ونشحذ من إسرائيل أو من أمريكا أو من بريطانيا أو من الغرب، نستجدي ونبذل ماء وجوهنا ونحن أذلاء خزيانون فلا إرادة لنا ولا قوة ولا أي شيئ، أعطونا من فضلكم إن سمحت الظروف”، ولكن إسرائيل تقول “لن نُعطي شيئاً” وأمريكا تقول “أنا عجزت عن هذا” فأوباما Obama قال “أنا لا أستطيع أن أفعل هذا وانتهى كل شيئ”، نتنياهو Netanyahu لا يُريد إلا أن يبتلع ما بقيَ من الأرض المُحتَلة التي تقول كل الشرائع الدولية والقوانين الأممية أنها أرضٌ مُحتَلة من حزيران سبعة وستين ومن ثم ممنوع على إسرائيل أنن تضع فيها طوبة واحدة، لكن إسرائيل تهضم الأراضي المُحتَلة كل يوم، وبعض الناس – والله – لا يفهم حتى ما هو الاستيطان، فأنا أعرف أن هناك مَن هو في هذه الأمة ويقول غير عابيء: لماذا لا تبني إسرائيل لمواطنيها مُستوطنات يا أخي؟!

يقول هذا لأنه لا يفهم شيئاً، لا يفهم أن هذا خرق لكل الشرائع والقوانين الأممية، هذا ممنوع أن يحدث، وهذه أرضنا أو بالأحرى ما بقيَ من أرضنا لأن الأرض المسروقة في سنة سبع وستين، ومع ذلك نحن – ما شاء الله – عملنا مدريد Madrid وعملنا أوسلو Oslo، ومن أوسلو Oslo إلى اليوم – أي حوالي تسع عشرة سنة تقريباً أو سبع عشرة سنة – تضاعف الاستيطان خمسة أضعاف، فقبل أوسلو Oslo ثلاثة وتسعين كان المُستوطِنون في أراضينا المُحتَلة في سبعة وستين تسعين ألفاً أما اليوم فيزيدون على خمسمائة ألف ببركات أوسلو Oslo وببركات السلام مع إسرائيل.

ولذلك نُحِب أن نُذكِّر أنفسنا عربياً وفلسطينياً طبعاً وغير ذلك ونتساءل: عن أي سلام نتحدَّث ؟!
طبعاً لا أحد يُحِب الحرب ولكن حدِّثونا عن السلام كما تفهمه إسرائيل وأمريكا وكل دول العالم في الشرق والغرب، وعلينا أن ننتبه إلى أنه لا تُوجَد أمة عبر التاريخ تُريد السلام لذات السلام، لأنه لا معنى لهذا في علم السياسة، وهذا ألف باء سياسة أو A B C سياسة كما يُقال، والذي لا يفهم هذا حتى ولو كان أعظم رئيس دولة عربية لايفهم شيئاً، لأن هذا مكتوب في علم السياسة في العالم كله لمَن يفهمA B C سياسة، هذه هى السياسة ومن ثم علينا أن ننتبه إلى أنه لا معنى لأن نُحِب السلام لأن السلام شيئ محبوب بحد ذاته، لا وجود لهذا الكلام والصحيح هو أن كل أمة تُريد السلام لأهداف أعلى وأبعد من السلام، مثل أنها تُريد السلام لكي تستقر الأوضاع لكي تُكمِل مشوار التنمية ومشوار التحديث ومشوار التقدّم ومشوار التحرير بأساليب مُعيَّنة خاصة بها، لأن السلام إذا لم يكن صاحبه مُستطيعاً مُتمكِّناً مِن أن يدفع عنه بالحديد والنار ليس سلاماً، فالقوة لا تعرف الزهد، لا يُوجَد قوة تقية تعرف الزهد وتقول هذا حقي وهذا حقك، القوى كلها تتوسَّع – وهذا شيئ معروف – مثل البالون، فالبالون يتوسَّع في وجود الهواء، وكذلك كل القوى تتوسَّع في وجود السلاح والمدد، فهذا هو حال كل القوى فلا يقنعوا بحدودهم ومن ثم نجد أن حتى المسلمون فعلوا هذا وتوسَّعوا، فهم حرَّروا بلاد الشام وبلاد مصر وبلاد العراق من الروم والفرس، ولكن لماذا ذهبوا إلى الهند وعلى الصين؟!

هذه هى طبيعة القوة، وعلينا أن ننتبه إلى هذا حتى نكون صادقين، ونحن لا نُحِب أن نكون مُخادِعين لأنفسنا ومن هنا لابد أن نفهم أن القوة لا تعرف الزهد ولا تعرف الحدود فهى دائماً ما تخلق مجالاً جديداً لها، أي باصطلاح هتلر Hitler تخلق مجالاً حيوياً لها أو Lebensraum، فهتلر Hitler كان يرى أنه لكي يعيش لابد أن يستولي على أوروبا كلها، هكذا كان هتلر Hitler وهكذا هى طبيعة القوة، ومن ثم إذا لم تستطع أن تدفع عن سلامك بالحديد والنار فلا سلام لك، لن يتصدَّق عليك أحد بالسلام يا رئيس الدولة يا مُغفَّل، ومع ذلك تجد مَن يقول “السلاح الوحيد هو المُفاوَضات فنحن في عهد جديد ومن ثم اعذرنا يا رسول الله، ونحن مُفاوَضاتنا غير بقية المُفاوَضات لأنها مُفاوَضات إلى الممات”، ولكن ما معنى المُفاوَضات في A B C سياسة؟!

إذا سألت رجل درس سياسة لسه لمدة تصل إلى شهرين اثنين فقط في الجامعة عن معنى المُفاوَضات سيقول لك “المُفاوَضات مُقايضات”، أي خُذ وهات في إطار المُبادَالات، ومن ثم لابد أن يكون عندك أوراق وأشياء تُفاوِض بها، ولكن على ماذا نُفاوِض نحن؟!

هل تعرفون كيف يتم الآن التفاوض في فلسطين؟!

يتم تماماً كما لخَّصه عبقري السياسة عزمي بشارة حين قال “التفاوض في العادة يتم من أجل الحقوق، لكن الآن في فلسطين التفاوض يتم على الحقوق”، أي لكي يأخذوا منك البقية الباقية من حقوقك، ومن ثم عليك أن تفهم كيف تجري الأمور لأن هذا عار.

هذه أمة غير مُوحَّدة وغير قوية ولا تُبصِر رشدها ولا تنظر مصلحتها وتعمل ضد نفسها، وهذا شيئ عجيب وبالتالي هى على موعد إذن مع الهلاك – كما قلنا – وعلى موعد مع الخزي.

يوم عاد – صلى الله عليه وسلم – إلى خديجة مُمزَّعاً مُرتجِفاً “زمليني زمليني، دثريني دثريني، لقد خشيت على نفسي يا خديجة” قالت له “كلا، والله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم – علماً بأن المفعول به الثاني محذوف، أي تَكسب المعدوم مالاً، وعلماً أيضاً بأن تَكْسِبُ تُكتَب بفتح الأول وليس بضمه، أي تَكْسِبُ وليس تُكْسِبُ – وتُعين على نوائب الحق، ولذلك لن تخزى”، وبالتالي أمة لا تصل أرحامها بل تُقطِّعها ولا تكسب المعدومين فيها ولا تعين على نوائب الحق ولا تفك عُناء الأُسارى في سجون الاحتلال هى أمة خزيانة لأنها على موعد مع الخزي فستخزى أزيد مما هى فيه من خزي.

هذا هو، هذا منطق الله، هذا منطق الصُلحاء والعرفاء، منطق الذين احسوا بنبض التاريخ، وهكذا ينبغي أن يكون منطقنا.

بقيَ لنا الحديث عن موضوعة المسئولية ولكن سنتركها للخُطبة الثانية، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

سنتحدَّث الآن على المسئولية، وطبعاً يبدو أننا مُنذ البداية لا نفهم المسئولية جيداً، فنحن ضللنا عن فهمها لأننا عدلنا بينها وبين السُلطة، فنقول “جاء المسؤول وراح المسؤول، فلان مسؤول وفلان مسؤول كبير”، وهذا ضلال ولذلك عقلنا لا يفهم أصلاً ما هى المسئولية، بل أن المسئولية عكس ما نفهمه عليها وبها تماماً، لأن المسئولية هى أن يخضع الكبير قبل الصغير إلى السؤال وإلى المُساءلة، فيُقال له: أنت اضطلعت بعمل فماذا أنجزت وفي ماذا أخفقت ولماذا؟!

هذا الدين خلق أمة فيها حس المسئولية رهيفٌ جداً، فأول مُستوى يتعلَّق بالمسئولية الأخلاقية أمام الضمير، فأكون مسؤولاً أمام ضميري بغض النظر عن القانون وعن المُجتمَع وعن الناس، وأخطر من هذا أن أكون مسؤولاً أمام رب العالمين – لا إله إلا هو – لأن النبي – عليه السلام – قال في حديث أبي بَرْزة الأسلمي الذي رواه الترمذي وغيره “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”، أي أنك ستُسأل عن لحظات حياتك ساعة بساعة يا مسكين، ضيِّع حياتك في التلفزيونات – Televisions – وفي كرة القدم وفي الكلام الفارغ وفي المقاهي ولكن اعلم أنك ستُسأل، فلن تتحرَّك من أمام رب العالمين حتى تُجيب عن هذه الأسئلة، ومصيرك يا مسكين سيكون مرهوناً بالجواب عنها، ومن ثم عليك أن تفهم هذا، فالصحابة كانوا يفهمون هذا جيداً لكن للأسف نحن لا نفهمه بل ونضحك منه، لكن الرسول قال أنه ما من أحد إلا وسيُسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فأنت لديك مال وحساب رهيب في البنك ومن ثم ستُسأل فيما أنفقته، فهل أعطيت وعملت به خيراً؟!سأكون صريحاً معكم، نحن هنا نُصلي في الجُمعة وحين نكون قليلين يصل عددنا إلى ستمائة أو سبعمائة، وحين يزدحم بنا مسجدنا يصل عددنا إلى ألف، ومع ذلك كل شهر نمد أيدينا ونقول “سدِّدوا الإيجار، ادفعوا الإيجار”، هذا يحدث كل شهر رغم وجود ألف عضو أو ألف مُصلٍ، فلو تبرَّع كل أحد بعشرة يورو شهرياً – ولن أقول ينبغي أن يتبرَّع بمائة وخمسين أو بخمسين أو بمائة أو حتى بثلاثين يور، وإنما سأقول يتبرَّع بعشرة يورو فقط – ستكون المُحصِلة الناتجة عن ضرب عشرة يورو في ألف شخص هى عشرة آلاف يورو ومن ثم لن نحتاج مرةً واحدة أن نقول ادفعوا الإيجار، وعلى كل حال هناك ظاهرة مُقلِقة وإن كنا نفرح بها من جانب ولكننا نحزن ونأسى من جانب آخر – أنا شخصياً أأسى جداً لهذا – وهى أننا كلما احتاجنا بفضل الله – تبارك وتعالى – لم نتعن حيث يخرج لنا أكثر من رجل فاضل قد يصل عددهم إلى خمسة أو ستة على الأكثر في هذا المسجد مثل الدكتور فلان أو الأخ فلان ويتساءل الواحد منهم عن المبلغ المطلوب ثم يدفعه كله، فيدفع – مثلاً -عشرة آلاف أو سبعة عشرة ألف بحسب المبلغ المُراد، فهذا – والله العظيم – يُحزِنني – أنا أُقسِم بالله وأنا على منبر رسول الله – ويُخزيني – أي يُشعِرني بالخزي – ولكنني أقول “هذا إنسان كريم، هذا يمتلك قصوراً عند الله، فبارك الله له فيما أتى”، وأنا واثق أن الله سيُبارِك له في كل ما أتاه من مال وولد وصحة وعافية، ولكن الآخرون ماذا يفعلون؟!

ألا نخجل على أنفسنا؟!

ألا نخجل من أنفسنا؟!

كيف لا أخجل وأنا أذهب إلى مسجد لأجلس فيه وهو مسجد مُدفَّى في الشتاء ومُهوَّى في الصيف، وفيه ماء ساخن وماء بارد وكل ما أُريد لكي نجلس ونتعلَّم ونقرأ، ومع ذلك أكون إنساناً سلبياً وأبخل أن أتبرَّع حتى بعشرة يورو شهرياً؟!

والملائكة تدعو مع كل صباح “اللهم أعط مُنفِقاً خلفاً وأعط مُمسِكاً تلفاً”، وأنت تقول آمين، فعليك أن تعرف أنك إذا أمسكت سيُتلِف الله مالك وصحتك وأولادك وزوجك وحياتك، ولكن ألا تشعر بحس المسئولية وبأنك مسؤول يا أخي؟!

هذه المسئولية حقيرة وصغيرة جداً جداً ومع ذلك لا نشعر بها، ولذلك لا مسئولية لا إزاء العراق ولا إزاء فلسطين ولا إزاء أي شيئ، فنحن لا نهتم بأي شيئ، علماً بأنك ستُسأل عن كل هذا، ستُسأل عن الذي تسمعه وعن الذي تتكلَّم به، فكل كلمة تفوه بها ستُسأل عنها وكل مشهد ترنو إليه وتنظر إليه ستُسأل عنه، لأن الله قال إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ۩،علماً بأن المسئولية تتعلَّق بثلاثة أشياء أو بثلاث نقاط، الشيئ الأول هو أن تضطلع بما ينبغي أن تضطلع به، فأنتَ – مثلاً – أب إذن أنتَ مسؤول إزاء أولادك، عليك أن تُحسِن تربيتهم وتديينهم وتعليمهم وأن ترفع مُستواهم الأخلاقي والسلوكي لأنك ستُسأل عنهم، فالله يقول قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ۩،

وكذلك الحال مع الأم ، فأنتِ أم إذن أنتِ مسؤولة وينطبق عليكِ نفس الكلام، أنتَ مُدرِّس في حضانة أو في مدرسة أو في جامعة إذن أنتَ مسؤول، أنتَ خطيب إذن أنتَ مسؤول، أنت عالم أو كاتب صحفي أو غير ذلك إذن أنت مسؤول، أنتَ حاكم – لا ابتلى الله واحداً منا بهذه البلية العظيمة – إذن أنت مسؤول أغلظ مسئولية، فكلنا في نهاية المطاف مسؤولون، ومن هنا يقول الرسول – عليه السلام – في حديث معقل بن يسار في الصحيحين “ما استرعى الله عبداً رعيةً يموت يوم يوم وهو غاشٌ لها إلا حرَّم الله عليه الجنة”، أي أن النبي يقول مَن كان شأنه هكذا سيكون حراماً عليه أن يدخل الجنة بل لن يشم ريحها، فلو كنت – ما شاء الله – مسؤولاً ورئيساً – لا ابتلاكم الله بهذه البلية – ومن ورائك مَن تغشهم وتكذب عليهم ولا تنصح لهم لأنك تُريد فقط استبقاء منصبك فأنت ذهبت إلى الجحيم – والله العظيم – يا مسكين، لكن السعيد مَن كُفيَ بغيره، أما الشيئ الثاني في المسئولية هو أنك حين تضطلع بما ينبغي أن تضطلع به عليك أن تُجوِّده وأن تُحسِنه وأن تُتقِنه، ومن هنا قال الرسول “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ”، وبالتالي كل شيئ تقوم به أنجِزه على أحسن وجهٍ مُمكِن وإلا شعورك بالمسئولية مخدوش، والشيئ الثالث والأخير يتعلَّق بحقيقة أنه لا يخلو المرء من التقصيرٍ والغفلة والسهو والنسيان، فإن وقع شيئٌ من ذلك أو اتفق لك عليك أن تتقدَّم بكل رجولة وبكل إسلام وبكل صدق وصدقية وتقول “أنا الذي أخطأ، الخطأ مني وليس من القدر أو من الظروف أو من غيري، بل هو مني ومن ثم أستمحيكم عُذراً بأن تعفوا عني وإلا فأنا مُستعِد لأن ألقى جزائي إذا كان تعويضاً أو ضماناً أو غير ذلك، فأنا سأُقدِّمه مُباشَرةً ولا مُشكِلة في ذلك”، ففي هذه الحالة أنت أصبحت رجلاً مسؤولاً، لكنك لا تجد هذا في أكثر الناس، فحتى في الأشياء البسيطة تجد الواحد منهم يحور ويلف ويدور ويُحِب أن يُفهِم العالمين أنه لم يُخطيء بل أنه أصاب حين أخطأ وينبغي على غيره أن يتحمَّل هذا الخطأ، فأي حس بالمسئولية هذا؟!

عليك أن تقول حين تُخطيء “أنا الذي أخطأت وسأتحمَّل مسئوليتي تامة” لأن المسؤول هو الحُر ومن ثم العبد ليس مسؤولاً، فالعبيد لا تجب عليهم صلوات الجُمعة ولا يجب عليهم الحج إلى بيت الله الحرام ولا يجب عليهم الجهاد، وإذا قذفوا الناس ذكوراً كانوا أو إناثاً فعلى النصف حدهم من حد الأحرار، لأنهم عبيد والعبد غير مسؤول، وبالتالي بمقدار ما تكون حُراً كريماً فأنت مسؤول وتتحمَّل مسئوليتك بشرف.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (10/12/2010)

 

في سبيل أنسنة الفهم الديني – الجزء الأول

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۩ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۩ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۩ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ۩ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ۩ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

قبل أيام حدَّثني أحد إخواني في الله وأحبابي عن مجلس عزاء في رجل أنهى حياته مُنتحِراً، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، قال وهالني أن الجلّاس أو الجلوس في ذلكم العزاء – أي مجلس العزاء – أزجوا الوقت في الإعراب عن رد فعل ناقم وقاسٍ وشامت جداً بهذا الميت، هذا يُذكِّر بجهنم، وهذا يتوعَّد بالخلود فيها، وهذا يحرمه من رحمة الله، وذاك وذلك… إلى آخر ما هنالك.

فأثار هذا في نفسي تساؤلاً مُهِماً – أيها الإخوة والأخوات -، من أي زاوية نظر هؤلاء إلى هذا الحدث المُفجِع الأليم؟ من أي زاوية؟ طبعاً حين يتحدَّثون يتحدَّثون كلهم ويُفرِغون عن منطق ديني كما يفهمون الدين، عن منطق ديني! هم الآن ينتصرون لله – تبارك وتعالى – ولدين الله ولشرع الله إزاء هذا المُجرِم الأثيم، الذي أنهى حياته مُنتحِراً، تخلَّص من حياته!

فالسؤال يتعلَّق إذن بزاوية النظر التي اصطنعوها في تعاطيهم مع هذا الحدث الأليم المُفجِع، بل الكارثة والمُصيبة، زاوية النظر – ولنا فيها كلام كثير في مُناسَبات سابقة – لا تأتي هكذا عفواً، ولا يُمكِن لأحد أن يزعم أنها تُجسِّد وتُترجِم الدين نفسه أو تُفرِغ عن المنطق المُباشِر للنصوص، غير صحيح بالمرة! 

مُشكِلة الأديان والإسلام من بينها والشرائع أنها تُغتصَب، وأن الكل يتسوَّر على حماها، ويأتي بموروثه وخلفياته وإشكالاته وتعقيداته ومعارفه، ليزعم بعد ذلك أن هذا هو الفهم السديد، بالعكس! كثيرٌ منهم لا يزعم أن هذا فهم، بل يزعم أن هذا نص، النص يقول هذا، ألم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – أن مَن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مُخلَّداً فيها وأن مَن وجأ بطنه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في جهنم خالداً مُخلَّداً فيها – الحديث –؟ النص إذن يقول هذا، انتهى! هذا له جهنم خالداً مُخلَّداً فيها.

ورب العصور الوسطى كانت تتعاطى مع هذا الحدث الفاجع – أي الانتحار – من نفس الزاوية، كان المُنتحِر ملعوناً، وكما لدى بعض الفئات من المُسلِمين يُحرَم ويُحرَّم تحريماً مُؤكَّداً جازماً أن يُدفَن هذا المُنتحِر في مقابر الناس، في مقابر العامة، لأن اللعنة التي حاقت به ونزلت عليه ولا تزال ستمنع الآخرين من أن يرقدوا بسلام.

كان من جُملة المسائل التي أُنكِرت على المُصلِح الديني الشهير مارتن لوثر Martin Luther أنه صلى على مُنتحِر واحتفر قبره، كيف تفعل هذا؟ هذا مُخالِف للدين وللنصوص وللشرائع الكنسية وللبابا نفسه، ممنوع! هذا ملعون، لا تزال أمتنا تنظر من نفس الزاوية، هذا ملعون!

ليست المُشكِلة مُشكِلة فقط الانتحار والموقف من الانتحار، الموقف من المُذنِبين بعامة، الموقف من الخاطئين، الموقف من ضعفنا، من ضعف الإنسان، ومن زلات الإنسان، نفس الزاوية! الشماتة ورد الفعل الناقم والشديد، وهذا الذي يبلغ ببعض الناس إلى دركة أن يلتمسوا العيب للبرآء حتى، مَن يلتمس العيب للبرآء لا يُمكِن أن يرحم المعيبين، هو يلتمس العيب للبريء، فكيف إذا سنحت له فُرصة ووجد أحدهم قد عثر أو وقع أو زلت به القدم؟ لن يرحمه، وباسم الدين، باسم الله، باسم القرآن والسُنة، دفاعاً عن حُرمات الله، هكذا يظنون، هكذا يُصوِّرون لأنفسهم.

ومن هنا لابد أن نُصارِح أنفسنا بأننا في هذا الميدان، وهو ميدان خطير جداً، إنه الميدان الأكثر اندياحاً وسعةً للتواصل الإنساني، هكذا نحن نتواصل، وإذا كنا نتواصل بمثل هذه الكيفية ومن هذه الزوايا فهذا مُنذِر بخطر ماحق، إفقار علاقاتنا الاجتماعية، علاقات فقيرة ضحلة، إفقار أيضاً مُكتسَباتنا الروحية والنفسية، سنكون مُتصحِّرين وضحلين وفقراء مُجدِبين وقُساة، أصحاب جفاف وجفاء وقسوة وإبعاد، لا خير فينا، كالعود الجاف، كالعود الجاف لا ماء فيه، لا نداوة، ولا رطوبة، والكارثة كما سمعتم أن يكون هذا باسم الدين، دائماً باسم الدين.

بعض الناس يقول كل هذا الكلام الذي تفوه به فلسفة فارغة، أنت ذكَّرت بالحديث المُخرَّج في الصحاح، انتهى! النبي قال هذا، مسكين هذا، أنا سأُذكِّره ليس بحديث مُخرَّج في الصحاح، سأُذكِّره بآية قرآنية، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ۩، هذه آية، وليست حديثاً، لكن هناك الحديث أيضاً المُخرَّج في الصحاح أو في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخُدري، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، وللاختصار هو في قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، قتل تسعة وتسعين نفساً وأكملها بمائة، بالعالم الجاهل، الذي قنَّطه من رحمة الله، أنى لك التوبة؟ كيف تتوب؟ أقتلت تسعة وتسعين نفساً؟ انتهى كل شيئ، فقتله، فأوفى به على المائة، المُهِم للاختصار نتيجة أو نهاية مشوار هذا المسكين الذي أرَّقه الذنب وقلقله وزلزله أنه أصابته رحمة الله تبارك وتعالى، تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، بعد أن تاب توبةً قلبيةً، إلى الآن لم يفعل شيئاً ذا بال، لا يزال هو المُجرِم فيما يظهر، لكنه تاب بقلبه، أقلقه حاله، بسبب هذه التوبة مشفوعةً بخُطوات إلى أرض الصالحين – إلى أرض الصلاح، إلى أرض فيها خير – تنازعت فيه الرحمة، فكان من حظه ونصيبه الطيب أن نالته رحمة الله.

حديث البطاقة وهو حديث صحيح نعلمه جميعاً، وهو في مُوحِّد لم يلق الله – تبارك وتعالى – إلا بالتوحيد، واحتطب في حبل المعصية كل معصية وخطيئة، شاء الله – وهو في خطر مشيئة الله – أن يستنقذه على رؤوس الخلائق يوم القيامة بتوحيده، بالبطاقة! هذا حديث البطاقة، ذكرنا هذا وذكَّرنا به مرات عديدة، لكن أنا أعتقد أنه يجب دائماً أن نُذكِّر به وأن نُبدئ فيه ونُعيد، لماذا؟ هذا لا يُشكِّل ثقافةً لدينا، أنا أقول لكم بوضوح ولنفسي هذا لا يُشكِّل ثقافةً لدينا، نصوص مُفرَدة ومُبتسَرة ومُجتزأة لا تُسوَّق – إن جاز التعبير – أو لا تُسيَّق، أي لا تُوضَع في سياق، من ساق يسوق فنقول يُسوَّق، لا تُسوَّق، لا يُوضَع لها سياق ثقافي، ليست عقلية أمة، ليست مِزاج أمة.

عقلية الأمة اليوم هي عقلية بعيدة من هذا المنزع الإلهي الرباني الرحموتي، عقلية تقوم على الشماتة، على النقمة، على التشديد، على التشهير – والعياذ بالله تبارك وتعالى -، وعلى الإسقاط، وشرحناه قبل أسبوعين، رمتني بدائها وانسلت، كلنا ذلكم الخاطئ، كلنا ذلكم الضعيف، لماذا نجلد هؤلاء الضعفاء – ضعفاء الخطيئة والذنب -؟ لماذا؟ لنُبرئ أنفسنا، نشعر بأننا فوقهم، بأننا أحسن منهم، والنبي حذَّر من هذا، وقال لنا قبل أن يُعلِّمنا علماء النفس هذه الحيل اللا شعورية، قال لنا انتبهوا من الذي يُكثِر من الشماتة بالناس ورمي الناس بالعظائم والصغائر والبوائق والقبائح ويقول لناس هلكى والناس فسقة والناس فجرة والناس لا خير فيهم والناس… والناس… النبي قال اعلموا أنه شرهم، ما معنى هذا؟ ما معنى أنه شرهم؟

هذا يُمكِن أن يُفهَم فهماً مُستقيماً جيداً في ضوء ما فهمناه من الحقائق النفسية، خاصة فيما يتعلَّق بحيلة الإسقاط أو الإلصاق، أي الــ Projection هذا، النبي يقول فهو أهلكهم، كأنه يقول لنا بل هو يقول لنا بعبارة واضحة لو لم يكن هو كذلك لما رأى الناس كذلك، لأنه هو هالك ومُجرِم وفاسق وكذّاب ومُنافِق ومُرائٍ، وهو يرى الجميع كذلك، وهو خوّان أثيم، النبي قال انتبهوا، احذروا منه، هذا شخص خطير، إنه كذلك، قال مَن قال هلك الناس فهو أهلكهم، لأن الإنسان في نهاية المطاف لا يعيش في عالم تجريدي، إنما يعيش في عالم عياني، عالم مُشخَّص، من لحم ودم، من أحداث وشروط وظروف، من بشر ضعاف مثله، عالم جدلي، بل مُعقَّد إلى أبعد حدود التعقيد، لا يسير في خطوط مُستقيمة محسوبة أو قابلة للحساب حتى، ولذلك النبي يقول الإنسان ينظر إلى الآخر – إلى المُجتمَع وإلى الناس – من خلال منظاره الذاتي، من خلال نفسيته، إذا كانت صافية سيرى صفاءً، إذا كانت مُعتكِرة سيرى اعتكاراً وغبشاً وسواداً، وسيحكم على الجميع.

أبو الطيب المُتنبي صاغ هذا المعنى في بيت شعر من أروع شعره حين قال:

إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ – أي في الآخرين –                       وَصَدَقَ مَا يَعتَادُهُ من تَوَهُّمِ.

قال لأنه هو الخائن يرى الناس خونة ويُخوِّن، يُخوِّن حتى الأمناء الكبار، يُخوِّن النبي، وقد خُوِّن النبي في حياته من الخونة، لم يُخوِّنه الأمناء، الأمين لا يُخوِّن، الأمين المسكين يظن أن كل الناس أمناء، يفهم بالعقل – العقل المُجرَّد – أن هناك خيانةً، لكن لا يكاد يُصدِّق، حتى إن رآها ولمسها يعتذر عنها أحياناً، يقول لا، لعله – أي هذا الرجل – مُتأوِّل، لعله مُشتبِه، لديه شُبهة، لم يقصد الخيانة، لعله أراد، لعله يُريد، لعله سيُريد، أمين! لا يتصوَّر الخيانة في الناس.

الطاهر العفيف لا يتصوَّر ولا يستطيع أن يُفرِغ عن منطق العهّار الدعّار، لا يُمكِن أن يفهم هذا، وحين يرى في الحياة عُهراً ودعارةً وزعارةً وشيئاً مُشيناً قبيحاً يكون من الصعب عليه أن يستوعبه، هذا المسكين أسهل عليه أن يستوعب في أُفق مُجرَّد أن هناك إثماً، أن هناك انحلالاً، لكن لا يستطيع أن يُجسِّده في أشخاص، لا يستطيع أن يصف به أشخاصاً، من الصعب عليه هذا.

أعود، إذن زاوية النظر إلى أمر من الأمور، إلى معنى من المعاني، إلى شخص، إلى حدث، وإلى ظرف، هذه الزاوية ليست مسألة بسيطة، مسألة مُركَّبة ومُعقَّدة، تُفسَّر بأشياء كثيرة، تُفسَّر بمخاوفنا، بطموحاتنا، بأحلامنا، بضعفنا، باشتراطاتنا، بسياقنا، سواء منه السياق الاجتماعي الثقافي الواسع، أي الحضاري، أو السياق الفردي الذاتي، أي سياقي كفرد أنا، بخبراتي، بتجاربي، بنجاحاتي، بضعفي، بقوتي، بحلمي، بأملي، وبألمي كفرد، كل فرد منا عالم قائم بذاته، كون، أُفق، ومُحيط كبير قائم بذاته، هذا الذي يُحدِّد لك تلقائياً زاوية النظر.

وفي سبيل التبسيط نقول حين يركب أحدنا عربته أو سيّارته كما نقول، حين يركبها يشعر بالنقمة وبإثارة الأعصاب على أصحاب الدرّاجات، لأنهم يعوقونه ويُثيرون أعصابه، تباً لهم! ما الذي يجعلهم يُشارِكونه النصف الأيمن للطريق؟ فليذهبوا إلى الجحيم هم ودرّجاتهم، بعد ساعة يضطر إلى أن يمتطي درّاجته، فيشعر بالغضب والتغيظ والنقمة على أصحاب السيّارات المغرورين بقوة مُحرِّكاتهم، فليذهبوا إلى ألف جحيم، لماذا لا يتريَّثون قليلاً؟ يُريدون أن ينهبوا الأرض في لحظة، فليُعطونا المجال، هذا هو الإنسان، هو نفسه! قبل ساعة ينقم على أصحاب الدرّجات، بعد ساعة ينقم على أصحاب السيّارات، هو نفسه! حين يمتطي سيّارة يختلف منظوره، حين يمتطي درّاجة يختلف منظورة، ببساطة! هذا للتبسيط، ليس المُخِل، بالعكس! بل المُبين والمُوضِّح، إن شاء الله، هكذا! هكذا نحن، حين نغتني لنا منطق، حين نفتقر لنا منطق مُختلِف تماماً، انتبهوا! هذا هو المنظور.

كل هذا لا يحل المُشكِل، هذا يصف، لكن لا يحل، أين الحل؟ الحل لابد أن نقف وأن نتريَّث وأن نُطيل الفكرة، لأن المسألة جد، وليست بالهزل، ووجه الجدية فيها أن الإنسان ما لم يستثمر في أرض نفسه يبقى فقيراً ضحلاً مُجدِباً مُتصحِّراً، يخرج من الحياة أسوأ مما دخل فيها، وأفقر مما دخل فيها، يدخل الحياة بفطرة إلهية سوية، ويخرج من الحياة ويُغادِرها بنفسية وحصيلة شعورية وعقلية – تجربة حياة – من أسوأ ما يكون، من أكثر ما يكون ضحالةً ورقةً وسذاجةً، ليس هكذا الإنسان، لا ينبغي أن يكون الإنسان هكذا.

صارحتكم وصارحت نفسي أكثر من مرة، أشعر حقيقةً – وهذه ليست مسألة شعور فقط، بل وتحليل وتفكير أيضاً – أننا نُعاني ضحالة حقيقية في فهم ديننا، وفي خبرته، وفي العيش به، ضحالة حقيقية أشعرها في العلماء قبل العامة، حين أستمع إليهم أحياءً أو أحياءً حتى في الفضائيات وحين أقرأ لهم، ضحالة! هناك ضحالة، ويحتار المرء في البداية، ما سر هذه الضحالة؟ ما سر هذا الموقف من الحياة والأحياء والناس وضعف الإنسان؟ ما السر؟ وأستطيع أن أعزوه إلى جُملة أسباب مثلكم جميعاً، جُملة أسباب! ولكن في رأس وفي مُقدَّم هذه الأسباب ضحالة التجربة الإيمانية الذاتية، أنت تعيش ما تفقه وما تفهم، الكيفية التي تفقه بها إيمانك إن عشتها ستعيش وفقها، إذا كانت هذه الكيفية مُسطَّحة وبسيطة وساذجة وأشبه بالطقوسية – كالصلاة بالذات – فستعيش بتسطيح وبساطة وسذاجة وطقوسية، معيار هذه السذاجة والتسطيح صلاتنا، صلاة الطقوس، الصلاة الثقيلة على أفئدتنا وعلى أرواحنا، التي نشعر أننا بعدها تماماً كما كنا قبلها، وأحياناً أسوأ، لا نشعر بترقٍ روحي حقيقي، لا نشعر! ثلاثون سنة نُصلي ولا نشعر، لا نشعر بهذا، بالعكس! بعض الناس يقول أنا قبل ثلاثين سنة كنت خيراً بمراحل مني الآن، إذن ماذا علَّمتك الصلاة؟ ماذا علَّمك الدين؟ علَّمك أن تُدجِّل باسم الدين، علَّمك قسوة القلب وجمود العين، علَّمك العُجب والغرور بهذا الإنجاز الطقوسي التافه جداً، هذا يستوي فيه الجميع، إلا مَن رحم الله، وقليلٌ ما هم، جعلني الله وإياكم من ذلكم القليل.

بالكيفية التي نفقه بها ديننا نستطيع أن نعيش حين نعيش، فإذا كانت الكيفية بسيطة ومُسطَّحة فلن نجد هنا عزاء، هنا لا عزاء! لذلك علينا أن نكون جادين في إعادة طرح سؤال فهم الدين – كيف نفهم الدين؟ وكيف نُمارِسه؟ – وفق هذا الفهم الجديد.

أعتقد أنني عقدت خُطبتين قبل ربما نصف سنة عن أنسنة فهمنا للدين، هذه الخُطبة ستكون تواصلاً من جوانب أُخرى أيضاً مع تينك الخُطبتين، تواصلاً بوجه واضح جداً، إن شاء الله تبارك وتعالى.

ونعود، إذن زاوية النظر يُحدِّدها السياق، السياق الفردي والسياق الثقافي المُجتمَعي، هذا هو! لذلك علينا ألا نكون ضحايا لهذا السياق، وأن نُحاوِل أحياناً – وهذه مُحاوَلة صعبة جداً – أن نتعالى عليه، أن نكسره، أن نُعيد النظر فيه عبر السؤال، عبر طرح السؤال.

يسمع أحدنا بأن الرسول – عليه السلام – مات ودرعه مرهونة عند يهودي في خمسة أوسق من شعير، كلنا يفقه هذا الحديث من زاوية واحدة، وهي زُهد النبي، الفقر الاختياري للنبي، وهذا جميل، لأن السياق عموماً يُشير إلى هذا، الآن هنا سياق الحديث – سياق الخطاب المُباشِر، بمعنى سياق خطاب خُطبة أو مُحاضَرة أو درس أو صحيفة تُكتَب في علم الوعظ والتذكير – يكون مُتسلِّطاً ومُنصَباً على ماذا؟ على زُهدية النبي وفقره الاختياري، هكذا نفهم الحديث! لكن هناك زاوية فاقعة جداً.

لو جاء غربي – مثلاً – ليس يُعنى كثيراً بالزُهد والتقلل من الدنيا ولا يرى هذا نمطاً في الحياة سيُعجِبه الحديث جداً، ويُثير فيه أريحية، ويقول هذا نبي عظيم ومُتواضِع وكريم، سيفهم الحديث من زاوية سياسية اجتماعية، حرص النبي على الإدماج، إدماج الآخر المِلي في منطومة المُواطَنية، لماذا؟ لأن النبي كان بكل بساطة قادراً على ومُستطيعاً أن يقترض هذه الأوسق الخمسة من صاحب من الصحابة، هناك أغنياء الصحابة، أليس كذلك؟ هناك الزُبير وابن عوف وعثمان، قطعاً كانوا يستطيعون أن يمدوه بخمسة أوسق من شعير، لكن النبي لم يفعل هذا.

بعض الناس تكلَّف وقال متى كان هذا؟ وفي أي موسم؟ ولم تكن هناك حبوب، لكن كل هذا كلام فارغ، انتبهوا! ذكره بعض العلماء لكن كله كلام فارغ، مُستحيل أن المدينة خلت من الحبوب وخاصة من الشعير إلا عند هذا اليهودي، هذا كلام فارغ، انتبهوا! هذه تمحلات باطلة، النبي تقصَّد هذا تماماً، هو الزعيم السياسي والروحي لهذه الأمة، تقصَّد أن يقترض من يهودي، يُريد أن يُفعِّل هذا الإدماج، وهذه زاوية أُخرى.

إخوانان الشيعة يدلون بالحديث الذي يُردِّده وعاظهم ومُذكِّروهم كثيراً أمام عوامهم، بأن الإمام عليّاً – عليه السلام – تصدَّق وهو راكع – أي في حال ركوعه – بخاتمه على فقير جاء يسأله ولم يُعطه أحد شيئاً، تصدَّق بخاتمه عليه، ولكن ما أدراكم ما هذا الخاتم؟ لم يكن خاتماً من حديد أو من تنك كما نقول، بل كان خاتماً جوهرياً، تُعادِل قيمته خراج الشام أو العراق كذا وكذا مرة، جميل! إنهم يُريدون أن يفرضوا على العوام والمُستمِعين زاوية نظر تتعلَّق بالندى والكرم الحاتمي الذي متَّع الله به الإمام الجليل، بلا شك كان هو كذلك، ولكن هناك زاوية أُخرى يُمكِن أن يُنظَر إليها لهذه الرواية المكذوبة المصنوعة التافهة، وهي كفيلة مُباشَرةً بأن تجعلنا نحكم سراعاً أو مُسرِعين على الرواية بالوضع والكذب والاختلاق، إنها زاوية الترف والإسراف، أين زُهده؟ ضاع زُهده الآن، ضاع زُهد عليّ في مُقابِل كرم عليّ، ليكون كريماً الآن سيكون مُترَفاً ترفاً مُسرِفاً مُتلِفاً، أتضع خراج الشام أو العراق كذا وكذا سنة في خاتم واحد؟ سُليمان بن داود لم يفعلها، وعليّ لم يفعلها، هذا كلام فارغ، لكن هكذا الزوايا.

يقول مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – عمل الدنيا عند الأنبياء جبر – بمعنى أن الأنبياء في عمل الدنيا جبريون -، وعمل الآخرة عند الكفّار جبر، عمل الآخرة لدى الأنبياء اختيار، وعمل الدنيا لدى الجهّال اختيار، إنها زوايا النظر طبعاً، ما معنى الكلام هذا؟ نفس ما أقول تماماً، يتحدَّث مولانا – قدَّس الله سره – عن النبي، وفي حكُم النبي الصُلّاح والمُوحِّدون العارفون والمُؤمِنون الصادقون الجادون الساعون إلى رحمات الله ورضوانه، يقول هؤلاء لأن وكدهم الآخرة وعمل الآخرة فإنهم يرون أنهم مُختارون في هذا، وأن عليهم أن يسعوا وأن يجدوا، لذلك يرون أن بإمكانهم الطاعة وأن الطاعة والإمهاد أو التمهيد للآخرة هو اختيار، لا يعتذرون عن تقصيرهم لأنهم ليسوا مُقصِّرين هنا، هم جادون في أن يصلوا إلى الله.

أما فشلهم أو تأخرهم في قضايا الدنيا فهم يرون أنفسهم في قضايا الدنيا مُجبَرين، يرون أنهم أنفسهم مُجبَرين! هذه زاوية نظر، والكافر العكس تماماً، إذا سألته عن الصلاة وعن الصيام وعن عبادة الله فسيقول لا، هذا جبر، لو شاء الله لهداني، لو شاء الله ما أشركت، لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۩، الله يقول دائماً هذه حُجة الكفّار، نحن مُجبَرون، نحن أشركنا وكفرنا وتركنا العبادة والتوحيد والإخلاص بجبر إلهي، لكن – ما شاء الله – ما أشطرهم! ما أحذقهم! ما أذكاهم! وما أزكنهم في شؤون الدنيا! إنهم هنا مُختارون، لا يعتلون بعلة الجبرية هذه، لا! الآن تسقط كل هذه الشقاشق والسفاسف والسفسطات الكلامية واللاهوتية، إنهم في عمل الدنيا الآن أهل اختيار، انقلبت الصورة، بحسب الزاوية وبحسب السياق الذي تُوضَع فيه والذي يُفسِّر وهو القادر على تفسير الزاوية التي تصطنعها في النظر إلى الأمور، هكذا!

من على هذا المنبر مرةً ذكرت مثال سعد بن الربيع، رضيَ الله عنه وأرضاه، ظللنا نسمع هذا المثل تقريباً أربعة عشر قرناً، وننظر إليه من زاوية واحدة، سعد بن الربيع يُخيِّر أخاه عبد الرحمن بن عوف في أحب نسائه الأربع إليه، ليُطلِّقها وينزل عنها له، ويتزوَّجها ابن عوف، من زاوية ماذا ننظر كلنا عبر أربعة عشر قرناً؟ من زاوية الإيثار، أليس كذلك؟ والغيرية والأخوة وصدق البذل والتضحية في سبيل أُخوة الدين، لكن هناك زاوية أُخرى، زاوية أُخرى ليست تُشرِّف، ليست جيدة بغض النظر عن أي شيئ، هذا صحابي، ليس ملكاً هذا، ليس إلهاً، ليس مُشرِّعاً، انتبهوا! ثقافتنا تفترض الآتي، بما أنه صحابي وأسلم فلابد من أول ساعة من ساعات إسلامه أن تغدو أفعاله تشريعاً، لكن هذا كلام فارغ، ثقافتنا تفترض أن كل مسالكه ستغدو حميدة، وهذا غير صحيح يا أخي، ما هذا؟ لأنه صحابي وفعل هذا من هذه الزاوية فالأمر مُنتهٍ، وهذا غير صحيح، هناك زاوية هي في مُنتهى الفقر والبؤس هنا، وهي مكانة المرأة، مكانة المرأة في نظرهم! ما هذا؟ هل أنت تتحدَّث عن أمة أو عن خادمة أو عن سلعة تشتريها وتبيعها؟ هذه امرأة حرة، وقد تكون سيدة بنت سيد وكريمة بنت كرام، هل أنت تُطلِّقها وتُزوِّجها دون حتى أن تأخذ خيارها؟ ما هذا؟ غير مقبول هذا، لكن هكذا كان مُجتمَعهم!

فإيانا وإياكم أن نظل نُردِّد هذا في عصرنا هذا بعد أن وعينا أشياء وفقهنا أشياء دون أن ندري ما نقول، انتبهوا! طبعاً هذا لا ينقص الإسلام شيئاً، هذا ليس الإسلام، هذا تصرف صحابي، وهذا الصحابي لا يزال يحمل بعض مواريث الجاهلية، وهذا شيئ طبيعي، شيئ طبيعي جداً أنه لا يزال يحمل بعض مواريث الجاهلية، النبي قال هذا لأبي ذر، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هذا أبو ذر الذي حلاه بتاج بل بجوهرة التاج وواسطة العقد، ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة – أو من ذي لهجة أصدق – من أبي ذر، أبو ذر هذا، الصادق المصدوق، خليلي! خليل رسول الله هذا، ومع ذلك قال له لا، في هذه استثناء يا أبا ذر، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هذه جاهلية، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، وهذا شيئ طبيعي، لكن يُراد لنا بأمثلة كل تاريخنا وكل وقائعه أن نعتقد أن حتى الصحابة غدوا بمثابة أنبياء – عملياً وليس نظرياً -، كل ما يفعله وكل ما يقوله الصحابي هو الصحيح، وهذا غير صحيح، حتى في علم المُصطلَح غير صحيح، حديث الصحابي الموقوف في حُكم الضعيف، هذا في علم المُصطلَح وفي علم الحديث، مثل ماذا قال الصحابي وماذا فعل وماذا أقر، هذا ضعيف، له حُكم الضعيف، ما لم تشهد له الأدلة من كتاب وسُنة هو ضعيف، أي لا اعتبار له، خاصة إذا لم يُوافَق عليه، انتبهوا! لكن الحديث ليس عن هذه المسألة، عن زاوية النظر، أي الحديث عن زاوية النظر.

ولنعد إلى موضوعنا، كيف نتعاطى مع هذه الشؤون؟ كيف نتواصل؟ كيف نتواصل كبشر خاصة في لحظات ضعفنا وزللنا؟ نحتج بحديث، وفي المُقابِل عشرات الأحاديث وعشراتها تشهد لشيئ مُختلِف، لا! نحتج بأننا ننتصر للخير إزاء الشر والمكر والخطيئة، إذن سأسأل سؤالاً هنا دينياً بدرجة أولى ثم هو فلسفي بدرجة ثانية، هل هناك أولاً من مُعادَلة بين حُب الخير وكُره الشر؟ هذا سؤال، هل هذه مُعادَلة؟ إن كانت مُعادَلة فهي كارثة، انتبهوا! هذا أولاً، وسأُوضِّح هذا، ثانياً هل نُحِب الخير أكثر من كُرهنا للشر أم نكره الشر أكثر من حُبنا للخير؟ هذا سؤال ديني، الجواب عنه بحذق وذكاء وفهم وتجربة تعيشها أنت كمُؤمِن، انتبه! هذا الجواب سيتكفَّل – أنا أقول – بإعادة تصورك للدين، بإعادة تصورك لنفسك كمُتدين، ما أنت ومَن أنت كمُتدين؟

بعض الناس يقول الآتي، يُسارِع على طريقة بعض الظاهرية ويقول لا، كُرهنا للشر أكبر من حُبنا للخير، لماذا يا فيلسوف الإسلام؟ يقول أولاً القاعدة الفقهية تقول درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، إذن الأولوية لكُره الشر، لمنع الشر، قبل استجلاب الخير، وهذه قاعدة مُؤسَّسة على مئات النصوص الفرعية المُفرَدة، وهذا جميل! وبعد ذلك يقول في الحديث الشهير – وهو من أحاديث الأربعين – إذا أمرتكم بشيئ فأتوا منه ما استطعتم – حُب الخير هذا، هذا في الخير – وإذا نهيتكم عن شيئ فانتهوا، قال لا تساهل مع الشر، لا تساهل! ولذلك كُرهنا للشر أكبر من حُبنا للخير، هذا الصحيح، لكن هذه قسمة وهذا جانب من جوانب مُصيبة المُسلِمين المُعاصِرين ونحن منهم في فهم الدين، نحن نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير، وسأجعل البداية من هنا، وهذه إن كانت مُعادَلة فهي خطيرة جداً، هي ليست مُعادَلة، لأننا نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير، المُعادَلة ينبغي أن يكون طرفاها ماذا؟ مُتعادِلين، أن نُحِب هذا بمقدار ما نكره هذا، وهذه كارثة أيضاً، لكن أن نكره الشر أكثر مما نُحِب الخير فهذه كارثة الكوارث في فهم الدين، هذه مُصيبة المُسلِمين، هذا ما يُمكِن أن يُفسَّر به دينياً وروحياً وفلسفياً هذا الاستعداد الكامن لدى المُسلِمين، Potential هذا، هناك استعداد كامن لدى المُسلِمين، وهو مُخيف، وهو لدى كثير – ليس لدى البعض أو القلة وإنما لدى كثير – من المُسلِمين، استعداد كامن مُخيف جداً، أنه في اللحظة المواتية المُناسِبة التي تسوقها الظروف والسياقات يُمكِن لبعضنا أن يقتل بعضاً، وأن يذبح بعضنا بعضاً، وأن يحرق بعضنا بعضاً، وأن يخزق ويُثقِّب بعضنا بعضاً بالمثاقيب الكهربائية كما حدث ويحدث في العراق وغير العراق، شيئ مُخيف! وأن يُهشِّم بعضنا بعضاً في الشوارع العامة، وأن يُفجِّر بعضنا نفسه في بعض، استعداد مُخيف جداً!

ويُنبئ عنه ويدل عليه ويُؤشِّر إليه هذا الاندلاع العجيب وراء الرغبة في دينونة الناس والحُكم عليهم بالكفر والشرك والمروق والردة والخروج عن الدين وكذا وكذا، إلى آخره! بالجُملة وبالتفصيل أحياناً، أحياناً بالجُملة وأحياناً بالتفصيل، شيئ مُخيف جداً في فهم الدين، لذلك علينا أن نكون واقعيين، وأن نكون عادلين ومُنصِفين في تفهم مخاوف الآخرين، من أبناء الأمة، من علمانيين، ليبراليين، ومُسلِمين غير إسلاميين، هناك مُسلِمون يصلون ويصومون يا أخي لكنهم غير إسلاميين، ولا ينتمون إلى أحزاب وجماعات وتنظيمات وتشكيلات إسلامية، وليس عندهم قناعة ببعض ما تعتقده هذه الجماعات والتشكيلات، هم أحرار في هذا، وبالمُناسَبة عندهم مخاوف حقيقية من اليوم الموعود، يوم يحكم الإسلام بهؤلاء المُسلِمين، عندهم مخاوف، وأنا منهم، أنا عندي مخاوف حقيقية من هؤلاء وأمثالهم إذا حكموا، ولأكن واضحاً وصريحاً مع نفسي ومعكم، مخاوف حقيقية! كل السياقات والوقائع تدل عليها، لا تستبعدها بل تُؤكِّدها، شيئ مُخيف! علينا أن نكون واضحين، حتى لا نندم ندامة الكُسعي، ولات حين مندم! ويدفع الإسلام الضريبة، وتدفع حضارتنا ونهضتنا المأمولة والمرقوبة – إن شاء الله – الضريبة، وتتأخَّر هذه النهضة ربما ثلاثمائة أو أربعمائة سنة قادمة، علينا أن نكون واضحين.

طبعاً ضحالتنا أيضاً تُوجَد في جانب آخر، ضحالتنا المعرفية – غير الضحالة الروحية – تُساهِم في هذا، لا نستطيع أن نكون جرآء وجسراء وواضحين تماماً ومُتعمِّقين في طرح إشكالاتنا ومُواجَهتها، عندنا منطق عجيب في مُجامَلة الذات، يُجاوِره منطق عجيب في جلد الذات، ولا أدري كيف، تناقضات! تناقضات مُؤسَّسة على فهم غير مُستقِر وغير سليم وغير دقيق.

إذن لتكن هذه البداية، لتكن من هنا البداية، سأفتح مُزدوَجين ناعياً أختنا الشهيدة مروة الشربيني رحمة الله تعالى عليها، التي طالتها يد الغدر والخسة والدناءة والجنون التعصبي بلا شك، عاتباً على الجهات الرسمية في ألمانيا، التي لم تفه إلى اليوم باعتذار أو بتصريح يمسح أو يأسو جُرح المُسلِمين والمصريين بالذات، للأسف لم يفعلوها، نتأمَّل أن يفعلوها ولو في وقت قريب، أفضل للجميع هذا، لكن ما أُحِب أن أُذكِّر به في هذا السياق – لأن الخُطبة ليست عن هذا الموضوع المُؤلِم جداً للأسف والفاجعي، لكن أُحِب أن أهتبلها فُرصة لأُذكِّر – هو الآتي.

(انظروا إلى كم الغيظ والحنق والمرارة والألم الذي يعتصر قلوبنا بشهادة هذه السيدة الشهيدة! شهيدة الظلم والعصبية والعنصرية، أليس كذلك؟ كم عجيب جداً، تأدى بنا إلى الآتي، أنا استمعت في شاشات فضائيات مصرية إلى مُذيعات لسن مُلتزِمات حتى دينياً، لسن مُحجَّبات، علمانيات مُتبرِّجات على أحدث طراز، تصم الواحدة منهن ألمانيا كلها بالعنصرية والعصبية، وتُريد أن نُعيد طرح السؤال، مَن الإرهابي إذن؟ ما شاء الله! ما هذا؟ أي منطق هذا؟ انتبهوا، علينا أن نتفهم إذن وبوضوح منطق الآخر، نحن ضربنا ضربات إرهابية في أماكن كثيرة من العالم بلا رحمة، لم نستثن أحداً، لا الشيوخ ولا الذكور ولا الإناث، ضربنا الــ Subway أو الــ Underground في لندن، أليس كذلك؟ ذهب في هذه الضربات المُسلِم مع غير المُسلِم والكبير مع الصغير، في مدريد نفس الشيئ، وفي أماكن أُخرى، ثم بعد ذلك كبارنا قبل صغارنا قال نُطالِب الغرب بأن يكون مُنصِفاً وعادلاً، وألا يكون مُتعصِّباً إلى هذه الدرجة، وألا يُعمِّم، والضربات ذهب ضحيتها آلاف يا حبيبي، آلاف من البرآء، نحن الآن أمام ضحية واحدة، واحدة وحيدة، أليس كذلك؟ ذهبت ضحية التطرف، نُريد أن نصم الغرب كله وألمانيا بكل ديمقراطيتها وعراقتها، وهناك أربعة ملايين وثلاثمائة ألف مُسلِم يعيشون فيها بسلام ووئام، بلا شك يُعانون من بعض الأشياء، والكل يُعاني، كل إنسان يُعاني، يُعانون من أشياء بسيطة، ولكنهم يعيشون في الجُملة في وضع أكثر راحةً – لنكن واضحين – من أي بلد عربي أو إسلامي، وأتحدى! أتحدى مَن يقول لي لا، هذا غير صحيح، يعيشون في مصر أو في السعودية أو في فلسطين أو في تونس في وضع أريح وأحسن، أتحدى مَن يقول هذا، يعيشون في وضع أريح وأكثر احتراماً وأكثر مُوقَّريةً، بسبب ضحية واحدة نُريد أن نصم الغرب كله وألمانيا كلها، وليس فقط المُلتزِم منا، بل حتى غير المُلتزِم، حتى المُتبرِّجات قلن هذا، ألمانيا أصبحت عندهن هكذا، وهذا من الغيظ، الغيظ! هكذا تُفكِّر الشعوب، وهكذا تُفكِّر القُطعان، لأن هذه طبيعة الشعوب، فانتبهوا.

هناك فُرصة لكي نُحاوِل أن نمشي في حذاء الآخر، أن نصطنع منظور الآخر، إذا نحن بضحية واحدة عندنا الحق فهم إذن بخمسة آلاف ضحية عندهم خمسة آلاف حق أن يصموا العرب والإسلام والمُسلِمين بأنهم قتلة وإرهابيون ووحشيون، أليس كذلك؟ طبعاً هم ليس عندهم حق، وطبعاً من باب أولى خمسة آلاف مرة ليس عندنا الحق أن نتهم حضارات وسياقات ومُجتمَعات ودولاً بكذا وكذا من أجل شخص مجنون، هذا مجنون، فعله الذي فعله فعل جنون، هو دمَّر نفسه ودمَّر غيره طبعاً، واستل خنجره يضرب شمالاً ويميناً، ضرب تقريباً ثلاثة أو أربعة أشخاص، يضرب في كل مكان كالمجنون، كأبي لؤلؤة المجوسي حين اغتال سيدنا عمر، هذا شخص واحد، وهو مُختَل بطريق ةمُعيَّنة من طرق الاختلال، فلماذا نُعمِّم؟ انتبهوا.

ولذلك علينا أن نتفهَّم مخاوف الآخرين، لكي نستطيع أن نُفهِم الآخرين أيضاً مخاوفنا، انتبهوا! ينبغي أن نكون هكذا، إذا لم نكن هكذا فالآخرون ليسوا هكذا، جميل! هم على الأقل لا يتبجَّحون بدين كما نتبجَّح نحن بدين نزعم – وهو الحق – أنه أمرنا بالعدل حتى مع العدو وحتى في ساح الوغى، هذا دين عجيب بفضل الله، هذا الدين إلهي، نحن نقصر عنه، نصغر عنه، نحن أصغر منه بكثير، هذه مُشكِلتنا، ليست مُشكِلة الدين، وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۩، حتى مع العدو، مع المُقاتِل، ومع الحربي اعدل، أنت مُطالَب بالعدل، كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۩، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ۩، هذا هو! شيئ عجيب، أين تجد مثل هذا النص؟ في ديننا هذا موجود، في قرآننا بفضل الله تبارك وتعالى).

إذا أردنا أن يفهمنا الآخرون لابد أن نتفهَّم أيضاً مواقف الآخر، الآخر المِلي والآخر خارج المِلة، المُسلِم غير الإسلامي – بغض النظر عن أي شيئ هذا مُسلِم -، المُسلِم العلماني، والمُسلِم الليبرالي، لابد أن نتفهَّم مخاوفهم من اليوم الموعود، يوم يحكم الإسلام، انتبهوا! هذا شيئ مُخيف، أصبح يُنذِر بأشياء مُخيفة، طبعاً – كما قلت – من السهل إذن أن نعتذر عن هذه الزاوية واصطناعها وعن هذا المنطق بأحاديث من جنس كذا وكذا، إذن لنأخذ الطرف المُقابِل.

في الحديث الصحيح إن الله – تبارك وتعالى – كتب كتاباً قبل خلق الدنيا، قبل خلق السماوات والأرض، فهو عنده تحت عرشه، إن رحمتي تسبق غضبي، إذن حُب الخير أكثر أو كُره الشر؟ حُب الخير، إذا أردنا أن نكون إلهيين ربانيين علينا أن نتشبَّع وأن نُستهتَر بحُب الخير أكثر بكثير من كُرهنا للشر، أكثر بكثير! خاصة في العلاقات الإنسانية والعلاقات البشرية.

أحد الفلاسفة الإنسانيين قال – وما أبدع ما قال! – حاول ألا تفتقد الإنسان الذي أمامك، هذا إنسان، زميل في العمل أو جار في الجوار أو أخ في الدين أو أخ في النسب أو صهر أو صديق أو معرفة أو زميل دراسة، أياً كان! حاول ألا تفتقده، لأنك في مائة مليار مجرة لن تجد إنساناً آخر، الإنسان عملة نادرة، انتبهوا! الإنسان كونياً عملة نادرة جداً، هو يقول في مائة مليار ونحن نقول في مائتي وخمسين مليار، لأن في أحدث التوقعات العلمية النظرية الكون يعج بمائتي وخمسين مليار – وبعضهم يقول أكثر – مجرة، كل مجرة في المُتوسِّط يكون فيها أيضاً من مائتي وخمسين إلى ثلاثمائة مليار نجم، وفي كل خمسين ألف نجم نجم واحد له كوكب، مثل الأرض، أي بلايين الكواكب، بلايين إلى الآن! إلى الساعة لم يثبت أن هناك حياةً وأن هناك بشراً آخرين في مُستوانا في أي كوكب آخر، لم يثبت، ربما هذا موجود وقد يكون مُرجَّحاً لكنه لم يثبت، فيقول إذن في هذا الكون العجّاج السحيق البعيد الوسيع المُخيف الذي يحتوي على مائة مليار – هذا في ظنه والآن أكثر – مجرة لا يُوجَد بشر إلا هذا، إذن قليل جداً جداً أن يُوجَد كوكب عليه ستة مليارات، والله هؤلاء قليلون جداً هؤلاء يا أخي، الستة المليارات قليلون جداً جداً جداً، كل واحد هو مشروع خلافة عن الله في الأرض، كل واحد عالم مُكرَّم، عالم كبير، لزوال السماوات والأرض – النبي يقول – أهون من قتل امرئٍ بغير حق، الآدمي بُنيان ربه ملعون مَن هدمه، أعظم بنية هذه، أعظم تكوين هذا، نادر جداً هذا، ليس موجوداً في كل مكان، احتفظ به، احتفظ!

بعض الناس سريع التفريط بأقرب الناس إليه، بصديقه أو بأخيه أو بنسيبه أو بصهره أو بزميل دراسته أو بأخيه في المسجد، ببساطة! هل تعرفون لماذا؟ لأنه ضحل، هذا المُفرِّط إنسان ضحل، فقير، لم يفهم الحياة، إلى الآن لم يفهم الحياة، يظن أن اليورو والدولار والذهب والفضة أغلى من هذا الإنسان، لا يُوجَد ما هو أغلى من الإنسان، قد يقول لي أحدكم ما معنى أنه لا يُوجَد ما هو أغلى من الإنسان؟ هل ينبغي أن أُحِب الناس كلهم؟ طبعاً، لأن هذه المُشكِلة، لا تستطيع أنت تفعل هذا لأن لديك فقر وضحالة، أنت فقير وضحل.

انتبهوا يا إخواني، بعض الناس يظن أنه يُمكِن أن يُحِب الله أو يُمعِن في حُب الله بل قد يظن نفسه محبوباً لله ومن أحباب الله لكن من غير أن يعبر محطات حُب البشر بتجارب حقيقية صميمة مع البشر، أنا أقول لكم هذا مُستحيل، أنا شخصياً لا أستطيع أن أفهمه، ولن أستطيع، يستحيل أن تقول لي أنا أُحِب الله من غير محبة البشر، يستحيل! هذا غير مفهوم، لذلك انتبهوا، يُوجَد جُزء كبير قد يُفسِّر أيضاً الضحالة التي نُعانيها الموقف من المرأة، نقول المرأة، ولا تُوجَد مرأة مُجرَّدة، هناك المرأة، تلك المرأة، وهذه المرأة، وأختي، وزوجتي، وابنتي، وعمتي، وخالتي، وجدتي، هذه المرأة التي أعرفها، أليس كذلك؟ التجريد يخدعنا، الموقف من النساء إذن – هذا أحسن من أن نقول من المرأة، أي أن نقول الموقف من النساء – هو أيضاً أحد أسباب ضحالتنا الروحية، لماذا؟ لأنه موقف يقوم على التنكر لها ومُجافاتها وظلمها، وأنها الشر الذي لابد منه، وأن الشيطان أعارها عقله، وأنها كذا وكذا، وأن النساء كذا وكذا، وهذا كله غير صحيح، غير صحيح بالمرة! وطبعاً هذا نفاق، جُزء من النفاق الذي تعيشه العقلية العربية والإسلامية، نتبنى هذه الأشياء – في نفس الوقت – ونحن لدينا ولوع وتعلق عجيب بجوانب مُعيَّنة في المرأة، للأسف طبعاً ليس بالمرأة كإنسان، لا تستطيع أن تشعر شعور الإيمان ولا أن تخوض تجربة الإيمان – أنا أقول لك الكاملة التامة – إلا عبر المرأة أيضاً، لأنها شطر الإنسان الآخر، الإنسان هو رجل وامرأة، إذن عبر الشطرين تستطيع أن تعرف نفسك كإنسان لتعرف ربك، إذا عرفتَ نفسكَ كذكر فقط أو كرجل وإذا عرفتِ نفسكِ كامرأة فقط  فستخوض نصف تجربة الإيمان أو أقل حتى، أقل من هذا، انتبه! هذه مسألة مُهِمة جداً جداً بعيداً عن التسييقات الاجتماعية والأنثروبولوجية، أنا أتحدَّث عن الأُفق الروحي الآن للمسألة، الأُفق الروحي! الموقف من المرأة بما له علاقة بمسألة التجربة الروحية، يجب أن نكون واضحين هنا مع أنفسنا، التجربة الروحية!

إذن كُره الشر وحُب الخير، بعض الناس يقول لا، أيضاً هذه سفسطة عقيمة، لماذا يا سيدي؟ يقول المسألة واضحة، إذا كنا نكره الشر بالحري فنحن نُحِب الخير، واضح جداً! بمقدار كُرهنا للشر نحن نُحِب الخير، لماذا تُجادِل يا رجل؟ أقول له أنت لا تفهم الأمر جيداً، المسألة غير واضحة عندك، أنت تظن أنها واضحة، لكنها ليست واضحة بالمرة، ونُمارِسها في التباسها واشتباهها وفي لا وضوحها، كيف؟ 

يُمكِن أن نتقبَّل هذا لو كنا نعيش – أيها الإخوة والأخوات – في عالم منطقي، عالم مُجرَّد، يخضع للحساب الدقيق، محسوب ومُقدَّر بتقديرات صارمة، أي عالم الحواسيب، ويُمكِن تقبَّل هذا في المنطق، في المنطق الأرسطي – أي في الــ Formal logic هذا، في المنطق الأرسطي صحيح – لو قلت لي أكره الشر لانبغى بمقدار ما تكره الشر أن تُحِب الخير، ولو قلت لي أُحِب الخير  لانبغى بمقدار ما تُحِب الخير أن تكره الشر، هذا واضح جداً، لكن أنت لا تعيش في هذا العالم، وأنت لست كمبيوتر Computer، لست حاسوباً، ولست ملكاً، ولست كائناً مُجرَّداً كالعقل الفعّال والعقل الفيّاض والعقل الكذائي – عقول الفارابي وابن سينا والكلام الفارغ هذا -، لا! أنت بشر من لحم ودم، ابن نفسك، ابن تجربتك، وابن المُجتمَع، وسأُوضِّح لك حتى لا أكون مُلتبِساً أيضاً.

مَن منا يُحِب الجهل؟ لا أحد، مَن منا يُشرِّفه أن يُنسَب إلى الجهل – نقول له يا جاهل -؟ الكل يغضب من هذا حتى الجاهل، طبعاً هو جاهل، وحتى لا يفك الخط، لا يعرف كيف يقرأ الكلام العادي، يغضب إذا نُسِب إلى الجهل، حين تقول له يا جاهل يقول لك لماذا تقول لي يا جاهل؟ ويزعل، ويُمكِن أن يحدث بسببها أشياء أكبر من هذا، أي من الزعل أو الغضب، جميل جداً! كلنا نكره الجهل، أستطيع أن أجزم بهذا، صحيح! لكن مَن منا يُحِب العلم؟ أرني هذا، أين البراهين يا أخي؟ حُب علم ماذا؟ بعض الناس الآن حتى الخُطبة هذه تثقل عليه، يقول لك يا أخي أُريد ما قل ودل، هلكتنا يا رجل، اختم، لا يُريد! علم ماذا؟ وكلام فارغ ماذا؟ لكنه يكره الجهل، فانتبهوا! هل تعرفون لماذا؟ لأنه ليس حاسوباً، ليس كائناً أرسطياً، ليس عالماً من منطق وحساب، هو بشر بكل تعقيداته، بكل تجاربه، بكل هشاشته، بكل دوافعه الواعية واللا واعية، انتبهوا! هو يكره الجهل ويكره أن يُنسَب إليه لاعتبارات نفسية، يعي بعضها ويجهل أكثرها، ولذلك هو يكره الجهل ولا يُحِب العلم، واضح! يُمكِن في عالمنا هذا أن يحدث، يحدث! في عالم المنطق والحساب هذا لا يحدث، انتبهوا! هذا يحدث في عالمنا.

ولذلك سأُوضِّح لكم ما نحن بصدد شرحه وتبيانه، يقول أكره الشر، تكره الشر ولا تُحِب الخير، كيف يا سيدي؟ نعم، تكره الشر، أنت لا تكره الشر لذاته، أنت تكرهه لكرهك البشر الذين تود أن تنعتهم دائماً بالأشرار، لكي ترى اعتذاراً وتبريراً، لكي تُترجِم عن اعتذار وتبرير، تُوجِد وتُبلوِر اعتذاراً وتبريراً لكُرهك للبشر، بعض الناس لا يُعجِبه العجب ولا الصوم في رجب، وهو غير مشروع، أي الصوم في رجب، خلافاً للعامة، على كل حال مشروعاً كان أو غير مشروع – أي الصوم في الرجب – لا يُعجِبه أي شيئ، وطبعاً يتوسَّل الحُجة الدينية والنص الديني وكُره الشر، يكرههم لأنهم لا يُصلون، يكرههم لأنهم… لأنهم… لأنهم… إلى آخره! ويقضي عليهم، ويحكم عليهم، ويا ويل أحدهم – كما قلنا لكم – إذا ضُبِط مُتلبِّساً بكبيرة، خاصة كبيرة الانتحار هذه أو غير الانتحار، انتهى! هذا من أهل جهنم، هذا لا أمل له، لعنة الله على هذا البعيد، انتهى، والأحسن ألا يُصلى عليه، فظاعة! فظاعة مُخيفة جداً جداً، أين هذا؟ أين العشق؟ أين الحُب؟ أين الرحمة؟ وأين التحنان؟ مَن لا يَرْحمْ لاَ يُرْحَمْ، هو غير مرحوم، انتبهوا! هو غير مرحوم، صدِّقوني! هو فقير حتى من كثير من رحمة الله، قد يقول لي أحدكم كيف؟ كلنا في رحمة الله! طبعاً هذه الرحمة العامة، وهو رحمن رحيم، بالمُؤمِنين رحيم، ورحمن بالدنيا وما فيها – بكل ما فيها – وبالأكوان كلها، صحيح! لكن هو فقير إلى رحمات خاصة من رحمات الله، في رأس هذه الرحمات رقة القلب، جودة العين التسكاب الهتون، هذا ليس عنده، لا يمتلك عيناً هتوناً سكّابةً بالدمع، لا! أين هو؟ جافة، قلبه قاسٍ غليظ والعياذ بالله، لسانه سليط كالمبرد أو كالسكين الماضية والعياذ بالله، غير مرحوم! من أين أخذت هذا المعنى؟ من قول النبي عليه السلام، النبي قال هذا، حين رأوه يبكي على ابنه قالوا له أتبكي وأنت رسول الله؟ أي كأنهم رأوا أن هناك تعارضاً بين أن يكون رسولاً يُناجي الملأ الأعلى ويُنادِم الصفيح الأرقى وأن يسكب الدمع على ابنه إبراهيم عليه السلام، قال هذه رحمة، ولا تُنزَع الرحمة إلا من شقي، رحمة! جعلها الله في قلبي وفي عيني، فأنا أحمد الله عليها.

لذلك لو سألنا سائل ما هو أنبل شيئ في الإنسان؟ لقلنا دموعه، أنا أقول لكم إنها دموعه، دموع الرحمة فيه، أنبل شيئ في الإنسان! لا تقل لي عقله، إياك أن تقول لي عقله، كيف تقول عقله؟ هذا العقل وصفه فيلسوف الإسلام محمد إقبال، رحمة الله عليه، وروَّح الله روحه، هذا العالم الكبير من الفيوضات والرحمات والشعر الإلهي الرائق الإنساني، في أعمق مُستويات الإنسانية! قال المرض العضال الشيطاني للغرب – الغرب هذا المُعاصِر- هو العقل بلا عشق، نعم! هذا هو، طبعاً هو استمد هذا واستفاده من أستاذه الروحي الكبير جلال الدين الرومي، الذي قال العقل والذكاء والدهاء بضاعة إبليس، العشق رأس مال أبينا آدم، الله أكبر! الله أكبر! هذا هو، إياك أن تجعل خُطتك في التواصل مع البشر العقل والحساب، إياك! هذا أقبح ما فيك.

بعض الناس يظن أنها خُطة ناجحة وطيبة وتُعلي من شأنه في المُجتمَع، إذا جلس يتحدَّث مع الناس – مثلاً – تقريباً لا يكاد يترك مجالاً لأحد، لأنه يعرف كل شيئ، حين تتكلَّم يقطع عليك، ويقول لك هذا صحيح ولكن… أكثر شيئ نكره كبشر نحن هذه الــ لكن من هؤلاء المُتمعقِلين، انتبهوا! بعض الناس يفعل هذا، هؤلاء اللاكنيين يقول الواحد منهم هذا صحيح ولكن… أي دائماً أنا أذكى وأنت أنقص، دائماً بــ لكن هذه أنا أكمل وأنت أنزل، دائماً أنا أعلم وأنت أجهل، دائماً أنا ذكي وأنت غبي، ما هذا؟ لعنة الله على لكن هذه، هذا صحيح ولكن… أو هذا غير صحيح ولكن الصحيح هو… ما هذا يا رجل؟ 

يأتيك أحدهم ليُحدِّثك عن شيئ آلمه وأحزنه وربما كرثه فيقطع آخر حديثه، والله بعض الناس – أُقسِم بالله – هكذا، أنا رأيت بعض الناس يأتي ليتحدَّث عن مُصيبة أصابته – مُصيبة يا أخي، يا أخي فقد عزيزه وفقد حبيبه، اتركه يتحدَّث – فيقطع عليه مُباشَرةً، يقول له نعم، وأنا قبل عشرين سنة حين ماتت عمتي حدث كذا وكذا، هل صدعت قلبك عمتك؟ أصدعت قلبك؟ ما هذا الكذب؟ ما هذا الدجل؟ يا أخي اتركه يتحدَّث عن ابنه الذي مات، اتركه يا رجل، يقول هذا صحيح، هذا صحيح لكن – والله – قبل عشرين سنة حين ماتت جدتي أو أخت بنت عمتي حدث لي كذا وكذا، أنت ماذا؟ هل أنت محور الكون؟ عجيب! هذا الرجل عجيب.

ستقول لي نعم، أخشى أن أكون مثل هذا، لكن هذا شخص عجيب مُخيف فقير وضحل جداً، في كل شيئ يتحدَّث، تُريد أن تُدلي بشيئ في السياسة فيقطع عليك، يقول هذا التحليل غير صحيح، أنا قرأت في تقرير سري – لأنه محمد حسنين هيكل – كذا وكذا وكذا، يقطع عليك! أنت لا تفهم شيئاً، انظر إلى هذا الضحل الفقير الذي يتواصل بالعقل والحساب، عنده حساب بنكي، ولذلك التواصل بالعقل هو تواصل بالمحسوب، انتبه! أين إذن التواصل بغير المحسوب؟ أين التواصل بالمُشاع؟ أنا لست مع ديكارت Descartes الذي قال العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر، غير صحيح! هذا كلام فارغ تجريدي، لا! الصحيح هو أن القلب أعدل شيئ قسمة بين البشر، هناك العشق، الحُب، والضعف الإنساني الذي فينا، الضعف! قد يقول لي أحدكم هناك الرحمة، ما علاقة الرحمة بالضعف؟ طبعاً هناك علاقة، الرحمة تكون لماذا؟ للضعف، نقول ارحم ضعفنا، ألا ندعو بهذا على المنابر؟ نقول ارحم ضعفنا، الرحمة تكون للضعف، أليس كذلك؟ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ۩، أي في كبرهما، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ۩… أصبحا كبيرين هرمين مُتهدِّمين ضعيفين، يحتاجان الآن إلى ماذا؟ إلى الرحمة، قال وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ۩، حين كنت صغيراً ضعيفاً، أحتاج أيضاً إلى ماذا؟ إلى الرحمة، الضعف هو ما يستدعي الرحمة، انتبهوا! الضعف، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ۩، وهذه فلسفة إنسانية، فلسفة تواصل، كيف؟ انتبهوا!

كل ما يُمكِن أن يُخفِّف عن الإنسان الذي أمامك والذي هو مكروث بفشل – بفشل في الحياة أو في الزواج أو في الدراسة أو في التجربة الروحية، أو بفشل في أي شيئ – أو مكروث بفقد حبيب وديد – من أودائه ومن أحبائه – أو مكروث بأي معنى من المعاني هو رحمة، كل ما يُخفِّف عنه هو رحمة، لماذا؟ لأنه يجبر كسره ويُقوِّي ضعفه، المسكين يأخذ ضعفه بكل عين اعتبار، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ۩، فخفِّف عن الضعفاء، خفِّف دائماً، خفِّف! خفِّف ولا تُطلِق اللسان ولتكبر أُذناك، الأفضل أن يكون لنا آذان كبيرة من أن تكون لنا ألسنة طويلة.

النبي – عليه السلام – من أعظم سماته التواصلية البشرية على الإطلاق أنه كان يستمع كثيراً للناس، لمشاكلهم، لآهاتهم، لتأوهاتهم، لتطلعاتهم، لإشكالاتهم، ولضعفهم، النبي كان يسمع كثيراً جداً، هل هناك مَن هو أذكى منه؟ هل هناك مَن هو أعلم منه؟ حاشاه وكلا، لو كان النبي على طريقة هؤلاء الفقراء الضحلين المُتصحِّرين لما ترك أحداً يتكلَّم، مَن يتكلَّم في حضرتي؟ سيقول، أنا أعرف كل شيئ، سيقول هذا ويتكلَّم في كل شيئ، لكن المسألة ليست مسألة معلومات، نحن نظن أن مسألة التواصل مسألة معلومات ومعارف، هذا الذي آتاك يبكي أتظن أنه يُريد منك معلومات؟ للأسف علماء الدين يقومون بهذا الدور، كيف؟ طبعاً يقومون به، إذا أراد أن يُعزيك أحدهم كيف يُعزيك؟ يُعطيك المسكين معلومات، يُذكِّرك بآيات وأحاديث أنت تحفظها أحسن منه، نحن نعرف الآيات هذه يا حبيبي، ونعرف الأحاديث، بالعكس! هل تعرف كيف يكون العزاء أحسن من أن تُذكِّرني بهذه كله؟ ذكِّرني – لا بأس – سريعاً بآية واحدة وبحديث، واتركني أبكي، لابد للمصدور أن ينفث، اتركني أنفث، اتركني أتكلَّم وأنت تستمع، ابك معي، ابك لبكائي، ادمع بدمعي، أيها العالم وأيها الشيخ الجليل والوقور اترك الكلام، اترك الخطابة والوعظ، اجلس واستمع وابك، دموعك هذه أحسن من الدنيا وما فيها، أعظم عزاء بإذن الله تعالى، مَن عزى مُصاباً فله مثل أجره، بمثل هذا العزاء، لا بالمواعظ واستجلاب النصوص، يعرفها المسكين المكروث هذا.

ولذلك يقول الله تعالى وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۩، من كثرة ما كان يسمع ويسمع للكل ويُطيل الاستماع – يُطيل جداً – قالوا هُوَ أُذُنٌ ۩، هو مُجرَّد أذن، آذان فقط! كله آذان، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ۩، هو خير يا جهلة ويا مُتصحِّرون، الله يقول لهم – للمُنافِقين هؤلاء يقول – يا جهلة ويا مُتصحِّرون هو خير لكم لو كنتم تعلمون، لكن كيف نُمارِس هذا في الحياة؟

ولذلك أنا أقول لكم من تجربتنا الشخصية فرداً فرداً لا نُحِب ولا نرتاح لهؤلاء المُتعالِمين، أصحاب المعلومات الغزيرة، الذين ليس عندهم لا وقت ولا طوق نفسي لكي يستمعوا إلينا، لا نُحِبهم، ونُحِب البُسطاء الوادعين الجهلة الأُميين الذين يبكون معنا ويستمعون إلينا، أليس كذلك؟ نُحِب هؤلاء جداً ونُحِب أن نلتقي بهم، فكُن من الثاني ولا تكن من الأول، لا تكن جاهلاً، لكن كُن مُستمِعاً تماماً، تواصل بالقلب، لا بالعقل، تواصل بالمُشاع هذا، تواصل بالشركة الإنسانية التي بيننا، لُغة العشق بضاعة أبينا آدم، بل رأس مال آبينا آدم، العشق هذا رأس مال أبينا آدم، ثم إن هذا الرأس مال هو رباني، انتبه! والله العظيم هذا لا يُشترى بمال، ولذلك أنا قلت لكم أنبل ما في الإنسان دموعه، دموع الرحمة على وجنتيه، أنبل ما في الإنسان على الإطلاق والله العظيم، أنبل من أعظم مُحاضَرة يُلقيها أحدهم في فلسفة النفس، دمعة تتحدَّر على وجنته الطيبة الكريمة، شيئ كبير هذا، شيئ كبير!

النبي كان كذلك، يبكي لأبسط الأمور في نظر الناس، يبكي مُباشَرةً ويستعبر، ونحن نرتاح لهؤلاء البشر، يجفوهم فقط الجُفاة الغلاظ، لا يُحِبون هذا، يُحِبون الاخلاق النيتشوية، أخلاق القوة والجبروت، يُحِبون السوبرمان Superman، وهذا غير صحيح، هذا الإنسان التاعس، هذا الذي سينتهي في الأخير بالجنون كما انتهى نيتشه Nietzsche، لا! ليس هذا الإنسان، انتبهوا.

ولذلك أقول لكم هذا الجانب هو جانب إلهي رباني، قال هذه رحمة، ولا تُنزَع الرحمة إلا من شقي، لا تُنزَع الرحمة إلا من هذا، فالبكاء رحمة، وكذلك حنين القلب والرقة وقشعريرة البدن وألم الفؤاد وانصداعه على مصائب الناس وأحزانهم وضعفهم وهشاشتهم وذنوبهم وتدليهم وعثارهم، سيقول لي أحدكم ما هذا؟ هل أنت صوفي؟ كيف هذا؟ هل أنت صوفي؟ هل تُريد أن تُسوّي بين الخطيئة وبين العبادة؟ انتبهوا! هنا يُوجَد خلط بين أمرين، نحن لا نتساهل مع الذنوب، لا! لا ينبغي أن نتساهل مع الذنوب، لسنا وحدويين ولسنا إباحيين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن نتساهل مع المُذنِبين، نتساهل مع الخاطئين، نتساهل مع العاثرين، نتساهل مع أصحاب الزلل، ولا نتساهل مع الذنب، ولا مع الزلل، ولا مع الخطيئة، انتبهوا! إذن كيف؟ الحرام حرام، السرقة سرقة، الفاحشة فاحشة، الكذب كذب، والانتحار انتحار، لا يُمكِن أن يأتي أحد ويُحسِّن هذه الأشياء، يقول هذه أشياء طيبة، تطيب بها الحياة وتحسن بها وتجمل بها الدنيا، مُستحيل، أعوذ بالله، بالعكس! هذه تُفسِد أشياء كثيرة، ولكن لو وقع فيها أحدهم وابتُليَ بها علينا أن نتساهل معه، وعلينا أن نرحمه.

ماذا قال النبي حين شُهِد على ماعز الأسلمي؟ جاء قريبه هزّال وشهد عليه، قال أنا الذي أغريته، وذكرت هذا في الخُطبة السابقة عن الأنسنة، النبي قال له ماذا؟ قال له يا هزّال لو أنك سترته بطرف ردائك لكان خيراً لك، هل شاطر – قال له – أنت؟ هل تظن أنك شاطر جداً بهذا؟ هل أنت انتقمت لحدود الله؟ هل أقمت حدود الله؟ النبي قال له، لماذا لم تستره؟ قال، أنت رأيت أنه تاب، انتهى إذن الأمر، عليك أن تستره، لكنك أتيت به حتى وقع ما وقع، انتبهوا إلى هذا، نحن لسنا كذلك، نحن لدينا عقلية قانونية، عقلية تشريعية، ليست عقلية ربانية، ليست مزاجاً ربانياً، ليست ثقافة ربانية، فيكف هذا؟ كيف هذا الأمر يكون إلهياً ربانياً؟ كذلك!

في الحديث المُخرَّج في الصحيحين من حديث أبي هُريرة – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين – يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – إن لله مائة رحمة، وهذا الحديث معروف لكم جميعاً، أنزل منها فيها – في هذه الأرض، في هذه النشأة، في هذه الدنيا – رحمة واحدة، رحمة من مائة! فبها تتراحم الخلائق، ترحم الأم ابنها أو أولادها والأب كذلك، هذا المعنى يفقهه تماماً أب له أولاد وأم لها أولاد، يقول هذا صحيح فعلاً، يقول أنا أنطوي على رحمة لأولادي، ووالله – يقول هذا وهو صادق – أنا مُستعِد في كل لحظة من حياتي أن أُضحي حياتي في سبيل بقائهم وهنائهم، وهذا صحيح، نقول يا سلام! شيئ جميل، ما هذه الرحمة؟ من أين؟ من أين هذا الفيض؟ النبي قال وليس هذا فحسب، قال هذا ليس في عالم الإنس والجن فقط، لا! قال حتى ترفع الفرس حافرها، لئلا تطأ ماذا؟ فصيلها أو مُهرها أو ابنها، لا تُريد أن تطأ عليه، الفرس هكذا، وأي دابة هكذا، الدواب كلها طبعاً تفعل هذا، حتى الذئبة، الذئبة شديدة الحُب لابنها الذئب الصغير، واللبؤة شديدة العشق لليثها الصغير، الكل هكذا، كل الحيوانات تفعل هذا، حتى الحية، كل شيئ! فهل هذا كله من رحمة الله؟ كل هذا من رحمة الله، كل هذه أنابيب، أوعية، ووسائط تنساب منها رحمة الله، الله يرحم أبناءنا بنا وعبرنا، نحن أنبوب ووعاء يتقبَّب الرحمة، وتنساب منه الرحمة إلى الأبناء وإلى الناس وإلى الضُعفاء، عبرنا!

قال وادخر تسعاً وتسعين رحمة، قال ادخر تسعاً وتسعين رحمة! فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إليها، فعُدنا كم؟ مائة رحمة، يرحم بها خلائقه أو خلقه، الله أكبر! لذلك كل الصحابة الذين قالوا أبشِروا فسوف ترون من رحمة الله ما لم يخطر على بال بشر صدقوا، هذا الله! كل الوجود من تجلي رحمته يا إخواني، كل هذا الكون وكل الوجود – ما علمنا منهم وما لم نعلم – هو من تجلي رحمته، لا إله إلا هو! فالآن هذا الجُزء رباني فينا، كيف هو رباني فينا؟ حين تكون رحيماً يعني ذلك أنك تكون وعاءً يَفيض أو يُفيض الله – تبارك وتعالى – عبره رحمته على خلقه، عبرك أنت! يرحمهم بك، ويرحمهم عبرك.

ولذلك سأُلخِّص مذهب الإنسية أو الإنسانية الإسلامية – أي الـــ  Islamic Humanism – بهذه الجُملة التي أختم بها هذه الخُطبة، وهي من الإنسان إلى الإنسان عبر الله، هذا جوهر إنسانيتنا، إذا سألك فيلسوف أو مُستشرِق أو رجل دين غربي أو أياً كان وقال لك ما هي الإنسانية في الإسلام كما تفهمها؟ قل له أنا أفهمها تماماً وأرجو أن أعيشها على أنها مني إلى أخي، مني كإنسان إليك كأخ في الإنسانية، إليك كإنسان، عبر الله وبالله، الله أكبر! وما كان بالله وعبر الله هل ينفصم؟هل ينقطع؟ هل يضعف؟ وهل يخيب؟

نسأل الله أن يُفقِّهنا في دينا وأن يُعلِّمنا وأن يرحمنا ويرحم بنا، اللهم ارحمنا لترحم بنا، يا غفور، يا رحيم. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                     (الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها الإخوة:

نتساهل مع المُذنِب ولا نتساهل مع الذنب، وقد ورد وصح أن الله غفر لبغي بسقياها كلباً، وغفر لرجل بأنه نحى من سابلة الناس غُصن شوك، فرآه النبي يتقلَّب في بحبوحة الجنة بغُصن شوك نحاه من طريق الناس، أحب أن يُخفِّف عن الناس، أن يدفع عنهم الضر، وغفر الله لرجل بالتوحيد، يا ابن آدم لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا – أي بما يقرب من ملئها، ملأت الأرض خطايا – ثم لقيتني لا تُشرِك بي شيئاً غفرت لك ولا أُبالي.

إذا كنا نعلم هذا وهذا ما أتت به النصوص فالآن يأتي السؤال الذي أختم به، وهو ما الباقي؟ لكن هذا لابد أن يأتي بعد إضافة أُخرى، انتبهوا! يُمكِن إذن أن يُغفَر لأحد بتوحيده، مع أنه فعل ما فعل، يُمكِن! لا أحد يقول لا، لن يُغفَر له، مَن يقول هذا مُمكِن أن يدخل النار، مَن ذا الذي يتألى علىّ ألا أغفر لعبدي؟ اذهب فقد أوجبت لك النار وغفرت له، أخرجه مُسلِم، إياكم! إياكم أن تقولوا هذا، والنبي قال والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يُفعَل بي، لا تستطيع أن تضمن الجنة لأحد ولا تستطيع أن تُدخِل أحداً النار من هذه الأمة، لا تستطيع! اترك الخالق للخالق كما يقول السادة العارفون، لكن الآن لم يبق مجال لتفسير هذه العبارة المُلتبِسة أيضاً، لكن إذا كان الحال كذلك وإذا كان الأمر كذلك فما الباقي؟ وفي نفس الوقت الغيبة مُحرَّمة، مُحرَّم أن تغتاب الناس، لا تقل هذا البعيد سرّاق، هذا من الزُناة، هذا سكّير، هذا كذا وكذا، ممنوع الغيبة، ما الفائدة منها؟ ممنوع! هذه من الكبائر، والشماتة مُحرَّمة، لا تُظهِر الشماتة بأخيك، فيُعافيه الله ويبتليك، ممنوع أن تشمت، لا تقل هذا البعيد في الأخير هو كذا وكذا، ها قد رُميَ في السجن لأنه كذا وكذا، ها هو يفعل كذا وكذا، إياك! الشماتة ممنوعة، الغيب ممنوعة، إشاعة الفاحشة بذكر أخطاء الناس في الناس ممنوعة، أليس كذلك؟ الحُكم عليهم بأنهم من أهل الجنة أو من أهل النار ممنوع، ما الذي يبقى؟ أنا أسألكم، هذه فلسفتنا هنا، ما الذي يبقى إذن؟ يبقى أن ندعو لأنفسنا ولإخواننا بالصلاح والعافية والخير، وأن نكل أمر المدينين إلى الديّان، لا إله إلا هو! لسنا الديّانين، الديّان هو الله، انتبهوا!

هذا لا يعني أن نقول عن الحرام إنه حلال، الحرام حرام، الحلال حلال، والفواحش فواحش، لكن مَن ارتكب شيئاً منها أمره إلى الله، نسأل الله أن يغفر له وأن يرحمه وأن يُصلِحه.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وأصلِحنا وأصلِح بنا واهدِنا، اللهم لا يهدي إلى أحسن الأخلاق إلا أنت فاهدِنا إلى أحاسينها، ولا يصرف سيئها إلا أنت فاصرف عنا سيئها، لبيك وسعديك والخير كُله بين يديك، إنا بك وإليك، لا إله إلا أنت سُبحانك…

(ملحوظة هامة) للأسف هذا المقطع غير مُكتمل.

(10/7/2009)

http://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan

رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعيار العظمة

http://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan
خطبة لفضيلة الدكتور عدنان ابراهيم بعنوان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعيار العظمة
بتاريخ 28/11/2008

الله في ذاته والله في تجلياته

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سبحانه وتعالى من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ۩ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ۩ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۩ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
بين كنت أُراجِع بيني وبين نفسي كيف يُمكِن لنا أن نفهم عالمية الإسلام – من الآيات التي تدل على عالمية الإسلام قول الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩ وقول الله أيضاً وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۩ فضلاً عن أن الرسول قال وأُرسِلت إلى الناس كافة وذلك في حديث أوتيت خمساً لم يُؤتهن أحدٌ من الأنبياء قبلي – وجدت أن مِن المسلمين مَن يستهدي بالتاريخ في فهم هذه العالمية بمعنى أنه يسترجع ذكرى يوم أو أيام ساد المسلمون العالم إلا قليلاً ويقول “هذه عالمية الإسلام أن سُدنا على العالم وبسطنا سُلطاننا وظلنا على الدنيا”، فهكذا هو يفهم العالمية مستهدياً بالتاريخ، وبعضهم يفهمها مُسترشِداً ومُستلهِماً الأمل الرسالي والمُهِمة الرسالية بمعنى أن علينا أن نُعيد بسط سُلطاننا على العالم في يومٍ قابل، وهذا هو ما يدعوه بعضهم بالعالمية الإسلامية الثانية، ثم عُدت إلى كتاب الله – تبارك وتعالى – فوجدته تقريباً يُعطي مُقارَبةً مُختلِفة عن هاتين المُقارَبتين وهى التي يسوغ أو يجوز أن ندعوها المُقارَبة القرآنية، فماذا يُريد لنا القرآن العظيم أن نفهم من وراء مُصطلَح العالمية وعالمية الدين وعالمية الرسالة وعالمية الإسلام؟!
ولأن هذا ليس هو الموضوع الذي انتويت أن أُحدِّثكم فيه فسأختصر جداً وسأقول أنه يُريد بجُملة واحدة مُركَّزة أن يقول لنا أن هذا الدين العظيم يحمل بين جناباته وفي تضاعيفه صلوحيةً ذاتية تجد مقبوليةً عند كل البشر في كل زمان وفي كل مكان إذا ما أحسنا الترجمة عنها، فالمُشكِلة أن الإسلام لا يتحدَّث بذاته، فالقرآن لا يتحدَّث بنفسه وإنما يتحدَّث من خلال أتباعه وحملته، من خلال فهومهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم له، ومن هنا يحدث الانكسار، فيحدث أحياناً أن يستمع الآخرون من العقلاء ومن طلّاب الهداية – أيها الإخوة – والنور إلى ترجمتنا للإسلام فيقول “مثل هذه البضاعة يُزهَد فيها أو يُزهَد في مثلها، احتفظوا بها لأنفسكم فنحن لا نُريدها، ومثل هذا الدين لا يُلائمنا ولا يُناسِب العصر، أنتم تُريدون أن تعودوا بالبشرية إلى كذا مائة سنة إلى الوراء، وهذه خسارة وليست ربحاً”، ثم يضربون كشحاً عنا ويمضون في سبيلهم، فنحن أجرمنا في حق ديننا بهذه الطريقة، ولكن مهما أحسنا الترجمة عن كتاب الله – تبارك وتعالى – وعن جوهره وعن أسسه الثابتة العتيدة وجدنا أن مُعظم البشر سيتقبَّل هذا بصدرٍ مُنشرِح وبثلج اليقين وطمأنينة الإيمان وتساوق الشرع مع فطرة الإنسان التي لا تبديل لها، ومن هنا سيقولون “هذا ما كنا نطلبه، هذا ما كانت تهفو إليه النفس وما يتشوَّق إليه الضمير وقد وجدناه لديكم، فنِعمَ ما نحلتمونا ونِعمَ ما هديتمونا”، هذا هو معنى العالمية!
في هذا الإطار العام أُريد أن أتحدَّث عن قضية من أكثر القضايا أهميةً بل هى أكثرها أهمية وخطورة على الإطلاق وهى قضية تتعلَّق بالله – تبارك وتعالى – ولكنني سأُقدِّم لهذا أيضاً بمُقدَّمات على عادتي فاعذروني.
الله – تبارك وتعالى – يقطع لنا مُقرِّراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۩، أي أن الله يقول لا تُوجَد أمة ولا مدنية ولا حضارة في غابر الدهر إلا بعثنا إليها رسولاً من لدنا ونبياً من عندنا يُبلِّغ ويُبشِّر ويُنذِر ويأمر وينهى وينهج النهج المُستقيم الواضح البيّن اللاحب والصراط المُستقيم، فالله يقطع بهذا من خلال قوله وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۩ ولذلك نحن نقطع على غيب التاريخ بنص كتاب الله، لأن الله هو الذي أخبر، ولكنه أخبرنا – تبارك وتعالى – أيضاً في مواضع أخرى أن كثيراً من هاته الرسالات وتلكم الدعوات قد درست وعف عليها الزمن ولم يبق منها إلا آثار كآثار الوشم باليدِ، وإليه الإشارة بقوله – تبارك وتعالى – ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا ۩، فهل الكتاب المُنزَّل والشرع المُوحى لا يزال موجوداً ؟!
وسيأتي الجواب عن هذا بلا، فقد تبدَّل وتغيَّر ومن ثم اختلفت النُسخ وتضاربت وتناسخت وتخالفت لكن لابد أن تبقى بقية، فيستحيل أن يُنسَخ الدين كله من أصله وأسه ومن ثم لابد أن تبقى بقية، ولأجل اعتبار هذه البقية فقد عامل الله أهل الكتاب مُعامَلةً خاصة لأن عندهم بقيةً من نور وبقية من هُدى لا تزال موجودة، وإليه الإشارة بكلمة في نفس الآية من الأحقاف حين قال ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ۩، والذي أفهمه من قوله أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ۩ أي بقية باقية كصُبابة الإناء أو زبالة الفتيل من وحي الله – تبارك وتعالى – ومن كتاب الله المُنزَّل، فلابد أن تكون فضلت فضلة وبقيت بقية حيث قال الله بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، لأن الذي تدعون إليه من الشرك والوثنيات والثانويات والإلحاد في أسماء الله وصفاته وإنكار ما ينبغي له من الكاملات والجلالات لا يتواءم وشرع الله تبارك وتعالى.
واللافت – وهذا سيلفت حتماً كل مَن يقرأ الأديان لأن كل مَن يأخذ بسهم من غنيمة مُقارَنة الأديان لابد أن يلفته هذا – أنني وجدت على الأقل في حدود ما قرأت واطلعت – وذلك في الأديان المشهورة سواء التوحيدية أو التعديدية، أي الأديان التي تتعاطى مع الله على أنه Persona أو In Persona، إله ذاتوي مُتشخِّص أو إله حلولي غير ذاتوي وغير مُتشخِّص – أن الأديان الأولى كالأديان التوحيدية اليهودية والمسيحية والإسلام تعاطت معه على أنه Persona أي إله ذاتي شخصي، أما الأديان الشرقية الآسيوية تتعاطى معه على أنه In Persona لأنها أديان حلولية تعديدية، إذن قد يُعتقَد بأن هذه مُناقَضة من أول الطريق، لكن خلف هذه المُناقَضة وخلف هذا التخالف والتقابل العقدي يكمن ما يشي بالوحدة فالله يقول وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۩، لكن كيف؟!
سنُلاحِظ – مثلاً – أن في الديانة الهندوسية – وهى من أقدم الديانات – يُفرِّقون بين شيئين في الوقت الذي يدّعون فيه وجود ملايين الآلهة، حيث يُفرِّقون بين ما يُعرَف بالنيرجونا براهمان Nirguna Brahman وبين ما يُعرَف بالساجونا براهمان Saguna Brahman وذلك على الرغم من أنهم يدّعون وجود زُهاء ثلاثمائة وثلاثين مليون إله، علماً بأنها طبعاً أشكال ووجوه مُختلِفة للإله الواحد، أي أن المسألة أبعد بكثير مما ذهب إليه بعضهم من عدة الآلهة في زمن الشاعر الإغريقي القديم هزيود Hesiod حيث ذهبوا إلى أن عدد الآلهة بلغ ثلاثة وثلاثين ألف إله وهذا لا شيئ بجانب ما نتحدَّث عنه بشأن وجود آلهة يصل عددها إلى ثلاثمائة وثلاثين مليون، ومع ذلك نجد أن الهنادكة أو الهندوس البراهمة يُميِّزون بين المُستويين المذكورين، وهذا أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ۩ ومن البقية الباقية من هدي الأنبياء والمُرسَلين في تلكم الأمم السحيقة في التاريخ البعيدة في أغواره، حيث فرَّقوا – كما قلنا – بين ما يُعرَف بالنيرجونا براهمان Nirguna Brahman وبين ما يُعرَف بالساجونا براهمان Saguna Brahman .
نيرجونا براهمان Nirguna Brahman أي الإله كما هو في ذاته، وهو يجل ويعلو ويدق عن وعلى كل فهمٍ وتفكير وتوصيف، فلا يُمكِن أن تُدرِكه ولا يُمكِن أن تعرفه معرفة يُعتَد بها ولا يُمكِن أن تصفه أبداً فضلاً عن أن تتخذ له أشكالاً وهياكل ومعابد وصوراً، فهذا هو النيرجونا براهمان Nirguna Brahman، لكن هناك الساجونا Saguna – الساجونا براهمان Saguna Brahman – وهو الإله كما يتجلّى للوعي البشري، إذن هو مُخطَّط ذهني وتركيب عقلي يُشكِّل الاستجابة البشرية لتجلّيات الله في الوجود وفي ضمير الإنسان وحياته، فهذا هو الساجونا Saguna، ولذلك البراهمة يتعاملون مع الساجونا براهمان Saguna Brahman وليس مع النيرجونا براهمان Nirguna Brahman، فيقولون عن النيروجونا Nirguna أنه هذا الشيئ الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، وهذا عجيب أن يُقال عنه أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ – لا إله إلا الله – فضلاً عن أنهم يقولون أنه يجل عن الوصف وعن الفهم وعن الإدراك وعن الصورة ووعن الشكل، كما أنه مُتعالِ عن الزمان وعن المكان وعن الحدوث وعن كل شيئ، فهو سبب كل شيئ،وهذا شيئ عجيب أيضاً ونُوافِق عليه تماماً بل ونبصم عليه بالعشرة والعشرين لأن الله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ فضلاً عن أنه يقول – لا إله إلا هو – أيضاً لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ ۩ ويقول في موضع آخر هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ۩ ويقول أيضاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ۩، فإذن هذا هو!
أما عن الساجونا Saguna فيقولون ” نحن نعرفه هذا الساجونا Saguna من خلال تجلّياته وتمثّلاته وتمظهراته، فنتخذ له صوراً وأشكالاً وأوثاناً وأصناماً وأسماءً وصفاتٍ وشياتٍ وعلائم كثيرة بل وكثيرة جداً بمقدار الظواهر البشرية والاجتماعية والكونية التي تحتاج إلى تعليل وتبرير وتفسير، وكل ظاهرة نعزوها إلى إله، أي إلى شكل من أشكال الإله أو إلى فاعلية من فاعليات الإله الواحد”، ولذلك من آلاف السنين وإلى اليوم حين يفتتح راهب القرية الهندوسية صلاته اليومية يفتتحها بهذه الجُمل الثلاث أو الأربع التي سنذكرها في ثنايا الخُطبة بالشرح، حيث يقول في البداية “إلهي اغفر لي ثلاث خطايا – جمع خطيئة وليس خطأ وأخطاء ثلاثة – ناجمة عن محدوديتي البشرية”، أي أن هذه الخطايا نجمت عني لأنني بشر، وسنذكر – كما قلنا – الجمل بالتفصيل والشرح لكن لابد أن نُشير إلى أنه من الجميل أن يُدرِك الهندوسي واليهودي والمسلم والبوذي أو أي شخص آخر محدوديته البشرية، فلو تأمّلتم لوجدتم أننا تقريباً نُعيد إنتاج العالم مفهومياً وذهنياً بحسب ذواتنا وبحسب شخصياتنا وبحسب تكويننا حتى الحسي الفيزيقي، ولذلك نقول حين نقول رأس الإنسان، أي رأسي ورأسك وهذا شيئ جميل ومفهوم، ولكننا نقول أيضاً رأس المال وهذا شيئ عجيب، فنحن نقول رأس المال – مثلاً – ورأس الجبال وإلى آخره لأن كل شيئ نُريد أن نُشخِّصه بالمُقارَنة مع الشكلة الإنسانية، ومن ثم نقول يد القدر تلعب وفلان وقع في يد القدر، فنعتقد أن للقدر يد لأن لنا أيدٍ، ومن ثم نقول أن للجبل رأس لأن لنا رأساً، ولأن لنا أرجل نقول أن فلان راسخ القدم في العلم أو أن فلان رسخت قدمه، ونقول أيضاً عن الحرب أنها قامت على قدمٍ وساق، فضلاً عن الكثير من المقولات التي نقولها مثل بطن الوادي، فهل عند الوادي بطن – أي كرش – Bauch؟!
ولا مُشكِلة في هذا لأن هكذا هى كل اللغات وليست العربية وحدها،وهذا ما نُعبِّر عنه بأن الإنسان شاء أم أبى يُعيد إنتاج العالم والوجود ذهنياً بحسب مركزيته، فالإنسان هو المركز وطبعاً الجهات الست تُحدَّد بحسب الإنسان أيضاً، فهذا اليمين من جهه هذه اليد التي تُسمى باليد اليُمنى ومن ثم الذي يليها من جهتها يُقال عنه جهة اليمين، ولذلك هذه المسألة نسبية – Relativ – لأن الشخص الذي يقف إلى جانبي ما يُعَدّ بالنسبة إلىّ يميناً يُعَدّ بالنسبة إليه شمالاً لأنه عن شماله رغم أن الجهة هى نفس الجهة، ولذلك يُقال الجهات إضافية والجهات نسبية، وهكذا يكون الذي عن يساري هو جهة الشمال، والذي فوق رأسي يُسامِته الفوق، لكن إذا وقت أحدهم في الطابق العُلوي سيكون ما هو فوق بالنسبة إلىّ هو تحت بالنسبة له لأن الجهات إضافية، وهكذا الحال في جهة النزول.
ولذلك على العقل المسلم أن يكون مرناً ومُتسِعاً وذكياً مُتألِّقاً حين يتعاطى مع نصوص فيها تشابهات – أي نصوص مُتشابِهة – كالحديث المُخرَّج في الصحيحين وغيرهما عن أن الله – تبارك وتعالى – ينزل في ثلث الليل الآخر لأن النزول هنا لا يعني نزولاً حسياً، حاشا لله فهذا لا يليق به أصلاً، ولكن إما فوَّضت وإما أوَّلت فتقول نزول رحماتي أو نزول استجابته أو نزول القرب، ولكن ليس نزول – حاشا لله – الذات أبداً، هذا مُستحيل لأن الآن ثابت أن الطفل الذي يقرأ وهو في الصف الخامس أو السادس الإبتدائي سيقول لك أنا أعرف معرفة يقين وأقطع بأن الأرض كروية وأن الليل والنهار يتعاورانها – أي أن الليل والنهار يتعاوران هذه الكرة الأرضية – فلا تخلو الأرض أو لا يخلو الكوكب من ليل ونهار، فباستمرار هناك ليل وهناك نهار، فإذا كان الله ينزل إذا بقيَ ثلث الليل الآخر معنى ذلك أنه لن يصعد وسيبقى نازلاً دائماً لأن هذا الثلث موجود دائماً، فهناك ليل مُستمِر، والحديث يُفهِم بظاهره أنه ينزل وبالتالي هناك مُقابِل للنزول وهو الصعود حيث أن النزول حالة خاصة، لكن هنا لن تُصبِح حالة خاصة وإنما حالة دائمة فلا معنى لها إذن، وبالتالي حاشا لله أن تتحدَّث عن نزول بهذا المعنى الحسي، وبالتالي علينا أن نكون أذكياء ورهِفين حين نتعلَّم وأن نحترم مُقرَّرات العقل والعلم وقواطع اليقين الإنساني وفي ضوئها نستهدي بفهم النصوص، لأنها هذه النصوص في نهاية المطاف مصبوبة في قالب اللغة، واللغة شأن بشري وفاعلية بشرية، ومن هنا – كما قلت – هذه اللغة ليست تعمل بمنأى عن إعادة إنتاج العالم ذهنياً بل هى وسيلة ذلك، وعلى كل حال لها شأن أبعد حتى من الشأن الوسلي ولكن هذا يدخل في فلسفة اللغة وهذا موضوع آخر!
ونعود إلى الراهب الذي يقول في بداية صلاته “إلهي اغفر لي ثلاث خطايا ناجمة عن محدوديتي البشرية، أنني أعبدك في هذا المكان – أي في هذا المعبد Temple البسيط، وهذه هى الخطيئة الأولى – وأنت أوسع من أن تكون في مكان”، وهذا صحيح لأن الله لا يحله مكانه ولا يحل في مكان – حاشا لله – أبداً، فلا يُمكِن أن يتحيّز في مكان.
ماذا كان يدعو النبي في الحديث المُخرَّج في الصحيح من حديث أبي هريرة رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه؟!
كان من دعائه – عليه الصلاة والسلام – الذي ورد في الحديث والذي كان يدعو به في صلاة الليل أيضاً “اللهم أنت الأول فليس قبلك شيئ، وأنت الآخر فليس بعدك شيئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيئ، وأنت الباطن فليس دونك شيئ، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر”.اللهم آمين.
قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي – رحمة الله تعالى عليه – في كتابه الأسماء والصفات وقد استدل بهذا الحديث “مِن أصحابنا مَن استدلوا به على نفي المكان عن الله”، وطبعاً من المفروض أن الأمة باستثناء المُشبِّهة الذين خُولِطوا في عقولهم وأُصيبوا بالمرور والجنون أو ما يُشبِّهه أجمعت على أن الله – تبارك وتعالى – مُنزَّه عن الجسمية وعن هذه الحيثيات الباطلة التي لا معنى لها في حقه – لا إله إلا هو – فهو القائل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩، ومن هنا قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنهم استدلوا به على نفي المكان عن الله، وذلك لأن الله لا يتمكَّن، الله ليس مكيناً في مكان، لأن الله – تبارك وتعالى – لا يعتمد على شيئ خلقه، فالله وراء وبعد كل شيئ خلقه وأحدثه، وبالتالي لا ينتسب في وجوده إلى ما أحدثه ولا يعتمد في وجوده على شيئٍ أحدثه – لا إله إلا هو – لأن كل شيئ أحدثه الله – وكل ما عداه مُحدَثٌ له – يعتمد على الله – تبارك وتعالى – في وجوده وينتسب إليه ويفتقر إليه ويقوم به ولا يقوم بذاته، أما الله فيكون وحده ولا يحتاج لأحد، وهذا معنى أنه واحدٌ أحد، حيث يُوجَد تفرّدٌ فارد وإطلاقية مُطلَقة Absoluteness And Uniqueness ومن هنا الله قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۩ اللَّهُ الصَّمَدُ ۩ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۩وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ۩ ، علماً بأنن وجدنا أن نصيب النفي أزيد من نصيب الإثبات، فالله قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۩ اللَّهُ الصَّمَدُ ۩، أي إثباتان وهما أحدٌ وصمد، ولكنه قال بعد ذلك لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۩ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ۩، أي أن الله أورد النفي ثلاث مرات، ومن ثم فإن نصيب النفي أزيد من نصيب الإثبات!
ولذلك أنا أقول لكم ببساطة واستهداءاً بهذه السورة الجليلة – هذا استهداء بسورة التوحيد التي تعدل ثلث القرآن العظيم والذكر الحكيم – أن الله – تبارك وتعالى – حق معرفته أن نعرفه وفق هذه المُعادَلة الإخلاصية – نسبة إلى سورة الإخلاص – ومن ثم يجب أن يكون نصيب النفي في معرفتنا أزيد من نصيب الإثبات، بمعنى أننا سُنوغِل في معرفته كلما أدركنا أننا أقرب إلى أن نعرف ما ليس هو أكثر مما نعرف ما هو، فمَن الذي يعرف ما هو وهو القائل وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩؟!
فلا يُمكِن أن نعرف ما هو، ولكن يُمكِن أن نعرف ما ليس هو، فالله ليس كذا وليس كذا وإلى ما هنالك، فتستطيع أن تأخذ في مشوار النفي هذا إلى أن تنقضي حياتك وحياة الأكوان، ومن ثم تنفي عنه كل مُشابَهة لأي شيئ أو حتى لأي معنى أو لأي مفهوم حادث، فتنفي هذا عنه باستمرار، ولكن بعض اللاهوتيين الغربيين المسيحيين للأسف بالغوا وأخطأوا فقال أحدهم “حظنا من معرفته النفي وليس الإثبات”وهذا غير صحيح، وهنا تبرز فائدة القرآن الكريم وعظمة الذكر الحكيم، فهذا هو القرآن الكريم الثابت المحفوظ نصاً وفصاً بفضل الله – تبارك وتعالى – من غير تغيير ولا تحريف ولا زيادة ولا نقصان، والقرآن الكريم أخبرنا أن الله سميعٌ بصيرٌ قويٌ حييٌ مُتكلِّمٌ قادرٌ – لا إله إلا هو – شاءٍ مُريد لطيف جبَّار قهَّار وإلى آخره من صفات، ولكن القرآن أخبرنا أيضاً بشكل عام جُملي عن طريق معرفته بالنفي، فهذا لا يُنال بعبارة لأنه أوسع من كل عبارة، ومن هنا خبَّرنا طريق معرفته بسبيل النفي، قال الله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ۩، أي هل تعلم له شبيهاً أو ضريعاً أو نظيراً أو مثيلاً؟!
حاشا لله، لا نعلم يا رب أبداً، وحقك وقدسك لا نعلم، وجلالك لا ندري.
ومن هنا الله قال وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ۩ وقال أيضاً سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۩ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۩ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، فمَن أراد أن يُسلِّمه الله في الدنيا والآخرة عليه أن يُوغِل في تنزيه الله بقدر ما يستطيع ولذلك قال سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۩ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۩ لأنهم أعظم خلق الله تنزيهاً لله، لأن التسبيح كما قال الإمام عبد القاهر أجمعوا على أن معناه تنزيه الله عن ما لا يليق بجلاله، فهذا هو معنى التسبيح، وهذه هى السبيل الألحب والسبيل الأعرض والسبيل الأوسع في معرفته مع سبيل الإثبات، فنحن نُؤمِن بالاثنين – أي بالإثبات وبالنفي معاً – فلا يغرنكم أن الثابت من أسمائه وصفاته أزيد من الثابت بالنفي، لأن الثابت بالنفي مُجمَل يتسع لكل ما يخطر على بال بشر، مُجمَل لأن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩- لا إله إلا هو – وهذه من مُحكَمات القرآن، فإذن التشابه يدخل في صفات الله وأسمائه المُثبَتة التي حصل حولها خلاف كصفة المجيء وصفة النزول وصفة الاستواء وصفة اليد واليدين وإلى آخره، وهذه المُتشابِهات شقت الأمة إلى اليوم، أما المنفي كقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ وقوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ۩ – في النهاية هذا مؤداه نفي، أي ليس له سميٌ وليس له مثيلٌ، ومن هنا قوله أيضاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ۩ – يُعَد من المُحكَمات وإليها تُرَد المُتشابِهات لأنها من أم الكتاب، والأم هو كل أمرٍ جامع يؤوب إليه ما عداه من شعوبه وذيوله، هذا هو الأم وهذا معنى أنهن مُحكَمات وهن أُمُّ الْكِتَابِ ۩.
ونعود إلى الراهب الذي يقول “إلهي اغفر لي ثلاث خطايا ناجمة عن محدوديتي البشرية، أنني أعبدك في هذا المكان وأنت تجل عن كل مكان – ونُوافِق على هذا –
وأنني أعبدك في هذه الصور والأشكال وأنت لا شكل لك ولا صورة”، ونُوافِق على شطره الآخر ولا نُوافِق على الشطر الأول، فلا يجوز أن يُعبَد الله لا في شكل ولا في صورة، فوثنية الهنادكة هذه كوثنية العرب، أما أنه لا شكل له ولا صورة فنعم نحن نُوافِق على هذا لقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ ومن ثم فهذا صحيح، وهنا تأتي عظمة التوحيد الإسلامي الذي لا يُبيح لك بناءاً على هذا المُحكَم الثابت أنه لا شكل له ولا صورة ولا يُشبِه شيئاً أن تتخذ صورة بعذر محدوديتك لأن هذه وثنية تُفسِد الدين وتأتي عليه من جذوره أحياناً، ومن ثم الإسلام مُتنزَّه عنها بفضل الله تبارك وتعالى.
الخطيئة الثالثة والأخيرة “أنني أتوجَّه إليك بحمدي وثنائي وأنت مُستغنٍ عن كل حمدٍ وثناء، ولكن أرجوك وأبتهل إليك أن تقبل صلواتي وأثنيتي عليك”، ونُوافِق عليه جزئياً ونرفضه جزئياً فالقرآن الكريم يقول كل مَن يشكر فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ ۩ وبالتالي مَن يعمل إنما يعمل لنفسه، ويقول أيضاً وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ۩، والله يرضى الشكر لنا وهو لا يحتاجه ومن هنا قال وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ ۩، فالله لا يحتاج لا إلى شكرنا ولا إلى حمدنا ولا إلى تمجيدنا ولا إلى ثنائنا، فسواء عبدناه أو كفرناه الأمر سيان عنده، ولكن لن يكون سيان بالنسبة إلينا لأنه قال فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ۩، ومن ثم سندفع ثمن هذا أو سنُجازى ونُكافأ على ذاك، لكن بالنسبة إليه سيان، وطبعاً تقرير هذا معلوم لأن هذا من بديهيات الدين الآن فلن نخوض ونأتي بالآيات والأحاديث المشهورة في تقرير هذا المعنى حيث أن هذا المعنى توحيدي وثابت للجميع.
ثم يختم الكاهن دعواته الافتتاحية بنفس الشيئ الذي افتتح به فيقول “إلهي اغفر لي ثلاث خطايا ناجمة عن محدوديتي البشرية”، ولكن انظروا إلى المُشترَك اللافت جداً، وهو أنهم في هذا الحديث يتحدَّثون عن الله في مقامين أو ضمن مقامين، فالمقام الأول هو مقام الله في ذاته الذي يقطع فيه الهنادكة بأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩وأنه فوق كل تصور وكل وهم وكل خيال وكل فكر، فهو أبعد من كل شيئ، وهذا صحيح وحقٌ في ذاته فلابد أن يكون أبعد من كل فكر وأبعد من كل خطور خيال أو وهم، ويُنسَب إلى الصديق – رضيَ الله عنه وأرضاه – أنه قال “كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك”، وسواء صحت أو لم تصح النسبة فالمعنى صحيح لأنه مُتأسِّس على القرآن الكريم.
العَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إدْرَاكُ وَالبَحْثُ عَنْ سرِّ ذات السرِّ إشْرَاكُ
وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وحسَّن إسناده موقوفاً الحافظ بن حجر في فتح الباري من حديث ابن عباس موقوفاً عليه وليس مرفوعاً إلى رسول الله قال رضيَ الله عنه وأرضاه “تفكَّروا في خلق الله ولا تتفكَّروا في ذات الله”، وأخطأ الشيخ الألباني المُعاصِر فجعله مرفوعاً وصحَّحه، وهذا خطأ لأن هذا لا يصح مرفوعاً، فهو يُروى مرفوعاً ولكن بأسانيد لا تصح، ولكنه بسندٍ حسن مُستجاد موقوفاً على ابن عباس، وطبعاً المعنى صحيح لأن القرآن طافح وملآن من الآيات الآمرة والحاثة على النظر في الملكوت، في تجليات أسماء الله وصفاته وأفعاله، في خلقه وبديع صنعته أو صنعه واقتداره، الله يقول انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ۩، ويقول فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۩، ويقول أيضاً إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ۩، ويُذيّل إحدى الآيات في سورة البقرة بقوله لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۩، ويقول في سورة الغاشية أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۩، ويقول أيضاً في سورة عبس قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ۩ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩ وذلك إلى أن يقول فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ۩، ويقول في سورة ق أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ۩ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ۩، وإلى آخره فالقرآن طافحٌ ومملوءٌ أو ملآن من الآيات الحاثة والآمرة بالنظر في الملكوت، ولكن أوجدوني آيةً واحدة يأمرنا فيها الله – تبارك وتعالى – أن نتفكَّر في ذاته العلية، ليس ثمة آية واحدة تدعو إلى هذا، بل أن الله – تبارك وتعالى – يتحدَّث عن ذاته – لا إله إلا هو – قائلاً لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ۩، ويقول أيضاً لَيْسَ كَمِثْلِهِ – كمثله هو – شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩ ومن هنا يقول أيضاً
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، فهكذا يُفهِمنا الله ومن ثم فإن حديث ابن عباس صحيح بلا مثنوية وبلا ريب، فالتفكير في نهاية المطاف بحسب العلماء والدارسين هو مُقارَنات، حيث قال ألبرت أينشتاين Albert Einstein أن التفكير هو مُقارَنات، فحقيقة كل فكر هى المُقارَنات بدرجة أو بأخرى، فبماذا نُقارِن الله – تبارك وتعالى – إذن؟!
هذا مُستحيل، لأن الله هو خالق الخلق ومُوجِد كل شيئ، فهو ليس شيئاً من هذه الأشياء، هو شيئٌ ولكن لا كالأشياء لأن الله يقول قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ۩، ومن هنا قال أهل السُنة “الله يُسمَى شيئاً ولكن لا كالأشياء مُطلَقاً”، فبماذا تُقارِنه؟!
بماذا تُقايس الله وعلى ماذا؟!
لا تستطيع أن تفعل هذا، إذن لن تُدرِكه ولن تُدرِك حقيقة ذاته.
نحن نُدرِك الأشياء بالتصنيف والانتساب، ولذلك في التعريفات المنطقية تذكر جنس الشيئ وتذكر فصله فيتحصَّل لك النوع، وهذا هو التعريف الجامع المانع، ولكن ما هو جنس الله؟!
لا يُوجَد جنس، لا يُوجَد حديقة أو حدائق للآلهة كما في الميثولوجيا – Mythology – اليونانية لتختار لك منها إلهاً ومن ثم تقيسه على سائر الآلهة، أعوذ بالله من هذا الكفر والإلحاد، فلا يُوجَد جنس لله وبالتالي لا نوع لله ولا فصل لله، إذن انتهى كل شيئ فلا يُمكِن أن يُعرَّف الله.
حدَّثتكم مرة أن النحوي الخطير سيبويه – رحمة الله عليه – رُؤيَ في المنام بعد أن توفاه الله فقيل له: يا عثمان – عثمان بن قنبر ما فعل الله بك؟!
فقال “الحمد لله خيراً، غفر لي وأنزلني مُنزَلاً كريماً”، فقالوا: بم؟!
قال “بقولي في الكتاب أن الله أعرف المعارف فلا يُعرَّف”،
أي أنك لا يُمكِن أن تُعرِّف الله بالجنس أو بالفصل أو بالخاصة أو بالعرض العام أو بأي شيئ، الله لا يُمكِن أن يُعرَّف، فهو لا ينتسب إلى شيئ ولكن كل شيئ ينتسب إليه، ومن ثم مُستحيل أن تُعرِّفه.
ولكن قد يتهمنا أحدهم بأننا نتحدَّث عن شيئ معدوم، وهذا غير صحيح ويدل على أن هذا الشخص لم يفهم ولم يُدرِك شيئاً لأننا لا نتحدَّث عن معدوم، ولكنه يتحدَّث كما لو كان أنه فهم – ما شاء الله – ما لم يفهمه كبار الفلاسفة الذين أثبتوا وجود الله تبارك وتعالى، وهذا لا يتعلَّق باليونانيين أو بالإسلاميين وحدهم وإنما بكل الأمم، فكبار الروحانيين وكبار العلماء والعباقرة الفطاحلة في الفكر والعلم والبحث والنظر والتدقيق في الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية وغيرها أثبتوا هذا، لكن هذا المُعترِض – ما شاء الله – أذكى منهم، علماً بأن برتراند راسل Bertrand Russell لم يكن ذكياً حين تساءل في كتابه لماذا لست مسيحياً قائلاً “أنا مُنذ شببت عن الطوق – وكان ابن ستة عشر سنة تقريباً – أدركت أن الأديان بدعة فارغة وكلام لا معنى له لأنهم يعتمدون دائماً أن هذا الشيئ يحتاج إلى علة وينتهون في الأخير إلى علة يُسمونها الله فيقولون هو خالق كل شيئ، ولكن أنا أتساءل ببداهة وببساطة عن مَن الذي خلقه، ولا جواب عندهم عن هذا ولذلك أنكرته”، ومن هنا أنا أقول لراسل Russell أنه كان في هذه الجزئية جاهلاً وأن هذا التفكير يُعَد تفكيراً سخيفاً على الرغم من أن الرجل كان فيلسوفاً عظيماً وعالماً كبيراً وMathematischer له شأن، فهو رجل خطير الفكر ولكن هنا زلت به القدم، فكما تقول العرب “زل حمار العلم في الطين” لأن سؤاله هنا مُتناقِض، فهو حين يتساءل عن مَن الذي خلق الله يفترض أننا نُوافِقه على أنه معلول لعلة إذن، فصحيح إذا كان معلولاً لابد أن نسأل عن علته، ولكن الفرض هو أن هذه هى علة المعلولات كلها ولا علة لها، ولكن قد يقول لي أحدهم أن هذا الفرض يُعَد فرضاً عدمياً وبالتالي لا ينبغي عليه أن يُؤمِن به وهذا غير صحيح، لأنك لا تُؤمِن به تفضلاً منك ولا مُجاراةً لدعوة نبي أو رسول، وإنما تُؤمِن به بقواعد عقلك على الرغم منك، لأن الكون كله يُثبِت لك بألف دليل وألف برهان أنه لا يقوم بذاته وأنه مُفتقِر إلى شيئ أكبر منه وأوسع منه، وهذا الشيئ هو الذي يقوده ويُدبِّره ويُحكِمه وهو الذي أعطاه اتساقه وانتظامه واستقراره وهو الذي قونَّن أو قنَّن قوانينه – وربما قوّنَن أفضل من كلمة قنَّن – ودستَّر دساتيره، علماً بأنني أثبت لكم قبل أسابيع ربما أو أشهر يسيرة نقلاً عن الفيزيائي الشهير والرياضي التطبيقي بول ديفيز Paul Davis أنه يُؤمِن بأن القوانين لا يُمكِن أن تكون ناجمة من داخل الكون، فالقوانين بطبيعتها كقوانين لابد أن تكون أرفع من الكون وما وراء الكون، إذن يثور السؤال مرة أخرى من داخل الفيزياء التطبقية والرياضة التطبقية: مَن الذي قوّنَن هذه القوانين !
فهذا هو الذي يُلجئنا إلى الإيمان بالله، فنحن نُؤمِن به عبر تجليلات أسمائه وصفاته في وقت العجز عن إدراك ذاته – لا إله إلا هو – حيث أن العقل يقول نعم نُدرِك كل شيئ إلا ذاته لأنها لا تُدرَك فهى – كما قلت لكم – لا تنتسب إلى أي شيئٍ مُبتدَع أو مُحدَث في الكون، هى أصلاً ليس مُبتدَعة وليست مُحدَثة وليست مخلوقة، بل هى خالقة كل شيئ ومن ثم لها أحكام تختص بها إذن وهذا هو الصحيح، هكذا يتسق العقل والضمير ويهدأ الإنسان ويستقر، فهذا هو قرار المُؤمِن الحق.
نسأل الله أن يُثبِّت علينا إيماننا وأن يحفظه علينا وأن يُنمّيه ويزيده ويُثمِّره ويُعظِّمه حتى نلقاه ونحن لا نرتاب في جلاله على ما ينبغي له إثباتاً ونفياً. لا إله إلا هو.
هذا هو، ونعود إلى إلى قضيتنا الرئيسة بعد أن تناولنا شيئاً من الهندوسية، أما بوذية المهايانا Mahayana – علماً بأن بوذية المهايانا Mahayana هى شطر مُختلِف من البوذية لأن أصل البوذية تقريباً أنها لا تتعاطى مع مسألة الإلهية – فتتحدَّث عن الإله بمعنيين وهما “دراماتا دراماكايا Dharmata Dharma-kaya ويوبايا دراماكيا Upaya Dharma-kaya”، فالمعنى الأول وهو دراماتا دراماكايا Dharmata Dharma-kaya يعني الله في ذاته بنفس الطريقة التي تحدَّث عنها الهنادكة، فهو هذا الإله الذي لا يُدرَك ولا يُوصَف وليس له أسماء وليس له شيئ، فهو ما بعد – أي Behind – العقل والفكر وكل شيئ، وأما المعنى الثاني وهو اليوبايا دراماكيا Upaya Dharma-kaya فيعني الله كما يتجلّى لنا وكما نُدرِكه بحسب بنيتنا الذهنية والعقلية وبحسب وسعنا، فنحن نُدرِكه هنا بحسب تجربتنا وبحسب انعكاس أسمائه وصفاته على ساحة العقل والنفس والروح، وهذا الشيئ علينا أن ننتبه إليه ولذلك أنا قلت لكم مرة عبارة مَن لم يفهمها على وجهها من المسلمين ربما رماني بالكفر وهى أن لكلٍ منا في نهاية المطاف الله على قده، فمن المُستحيل أن تقول لي أنك عرفت الله وتُؤمِن بالله بالطريقة التي عرفه بها محمد – صَلَىَ الله عليه وسَلَمَ – طبعاً، فأين أنت من هذا يا حبيبي؟!
بل أن بعض الناس – والله – فكرته واعتقاده في الله لا ترقى عن أفكار الأطفال الصغار، وبعضهم لا يترقى عن أفكار عُبّاد الأوثان، فتجد الواحد منهم يعبد وثناً وهو يُردِّد أن الله هو السميع البصير ولكنه لا يفهم شيئاً مما يقرأ من كتاب الله، ليس لديه تجربة إيمانية حقيقية ومن ثم لا يفهم هذه المسائل ولا يُعنى بها، لأنه مشغول ببطنه وفرجه وبجمع النقود فقط، فلا عناية له بهذه الأشياء، ولذلك هذا المسكين من الخاسرين، لأنه سيموت وسيجد نفسه ضيَّع حياته في شيئ فارغ لا قيمة له، لكن هذا هو أشرف ما تُنفَق فيه الساعات والأعمار!
فإذن البوذيون عندهم نفس الشيئ وعندهم نفس المنطق الذي يتجسَّد في الدراماتا دراماكايا Dharmata Dharma-kaya واليوبايا دراماكيا Upaya Dharma-kaya ، أي الله في ذاته – لا إله إلا هو – والله كما يتجلّى لنا.
وكذلك في اليهودية الشيئ نفسه حيث يتحدَّثون عن جوهر الله – أي الله في ذاته – وعن الله – تبارك وتعالى – كإله لولده أو بني إسرائيل وهو يهوه Jehovah الذي يقولون عنه أنه إله التوراة الخاص بهم والذي عنده علاقة تاريخية خاصة معهم فهو شيئ خاص بهم، لكن الله في ذاته أكبر طبعاً وهو إله العالمين ومن ثم هو شيئ أوسع منهم وأوسع من شعبهم وأوسع من موسى ومن كتابه ومن كل شيئ وهذا صحيح، وكذلك في الكابالا – Kabbalah – اليهودية – وهى التصوّف اليهودي تقريباً – الشيئ نفسه، فهى تتحدَّث عن الله المُطلَق وعن إله التوراة God Of The Bible، حيث أن أتباعها يتحدَّثون عن الله كما هو وعن الله الخاص بالتوراة God Of The Bible، وهو الله الكتابي المُقدَّسي – أي عن الله في الكتاب المُقدَّس بالإضافة، فهذا مُركَّب إضافي – وهذا صحيح!
أما المسيحية فهى أقرب هذه الشرائع والأديان إلى الإسلام علماً بأن لها تراثٌ عريق عكس ما يبدو لبعض مَن لم يعرف المسيحية أيضاً، فهى دين مُتسِع بل هائل الاتساع والمذاهب والأفكار والفلسفات واللاهوتيات، حيث يُوجَد أكثر من لاهوت طبعاً ولكنها أقرب الأديان إلى الإسلام في مُشارَكته هذا المبدأ لأن عندها في هذا الصدد تراث قديمٌ ومُتجدِّد ومن ثم يُؤكِّدون عليه باستمرار، ومن هنا نجد أن سانت أغسطين Saint Augustine يقول “الله وراء كل فكر وكل عقل”، وهذا صحيح فالله الحقيقي فعلاً وراء كل فكر وكل عقل، واللاهوتي الكبير وصاحب الخُلاصة اللاهوتية توما الأكويني Thomas Aquinas أكَّد نفس الاتجاه الأُغسطيني في القرن الثالث عشر، أما سانت أنسيلم Saint Anselm – القديس أنسيلم Anselm من كانتربري Canterbury وهو مشهور جداً في اللاهوت المسيحي وفي الفلسفة الإلهية أيضاً، علماً بأنه صاحب البرهان الوجودي الأنطولوجي – فتحدَّث بنفس الحديث قائلاً “في اللحظة التي تظن أنك عرفت فيها الله – تبارك وتعالى – وعلمت ما هو فأيقن – أي عليك أن تُوقِن – أنك لم تعرفه البتة ولا بأي طريقة لأنه فوق كل ما يُمكِن أن تتعاطى معه”، إذن هم عندهم نفس التراث عن الله في ذاته، والقائمة طويلة جداً ولكنني لا أُريد أن أُطوِّل ومن ثم سأختم بالفيلسوف الإنجليزي الأمريكي الروحاني والمنطقي المشهور جداً الذي شارك راسل Russell في الـ Principia Mathematica وهو ألفـرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead لأن ألفـرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead يتحدَّث عن الله بالوجود أو بالطبيعة، فيُسميه الطبيعة الأولية وهى طبيعته الجوهرية التي أيضاً هى ما وراء العقل والفكر بالمُطلَق، إذن هو يعترف بهذا هنا ويعترف بقصور العقل، وهذا هو تواضع العقل الإنساني، فإما تواضعت وآمنت على هذا النحو وإما ألحدت وأنكرته، ولكن لماذا؟!
لإرادة القوة، فهنا يُوجَد نموذج من إرادة فرض القوة الذي يتعلَّق بكبر الإنسان، فالكفر عنده في نهاية المطاف جوهر واحد رغم أن عنده أشكال مُتعدِّدة وبواعث كثيرة جداً، لكنه جوهره في نهاية المطاف هو الكبر، فالكبر هو الجوهر الأعتى لكل كفرٍ وعتو – والعياذ بالله – حيث يقول الواحد منهم أنه لن يُؤمِن بشيئ يُخضِع عقله ويكون وراء عقله ومن ثم يُنكِره، فهذا هو الكبر إذن، أما هؤلاء الفلاسفة المُفكِّرون والروحانيون الكبار أُناس مُتواضِعون ولذلك هم أًناس عظماء.
ثم قال ألفـرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead “الطبيعة الثانوية لله هى التي تعكس تجلياته في العالم وانعكاسه على الإنسان وأيضاً رد فعل الإنسان على تجليات الله، ومن هنا فإن فهم الإنسان يتعلَّق بالطبيعة الثانوية لله”، ولكن بالمُختصَر المُفيد في اللاهوت المسيحي على اختلاف مدارسه هناك مُصطلَحان، المُصطلَح الأول هو الحق في ذاته أي Real an sich بالألمانية و The Real In Itself بالإنجليزية، والمُصطلَح الثاني عن الله كما يتجلى لنا وكما نتفاعل معه وهوReal Pro Nobis باللاتينية.
Real an sich تعني الحق – أي الحق المُطلَق فهى ليست بمعنى الواقعية هنا وإنما بمعنى الحقيقة Reality – في ذاته دون أي تعيُنات أو تمثلات حتى منا أو تجليلات له في كونه، فهو شيئ وراء ذلك، إذن هذا هو الحق في ذاته Real an sich، أما Real Pro Nobis فتعني الله كما يتجلى لنا وكما نتفاعل معه، لأن الله – لا إله إلا هو – له تجليات ومن هنا قال فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ۩ وقال الرسول في الحديث الشريف “إن لربكم في أيام دهركم نفحات”، أي أن لله تجليات، فهناك تجليات لله – لا إله إلا هو – بالقهر وتجليات بالجلال وتجليات بالعطاء والكرم والجمال وبغير ذلك، فهذه هى خُلاصة اللاهوت المسيحي وهى خُلاصة مُمتازة كخُلاصة، أما الطرح الإسلامي فهو طرحٌ يبدأ من هنا ليُعطي الجديد، وهنا سترون أن الإسلام يلتقي مع هؤلاء كلهم ويقول لهم “نحن إخوة في تقرير هذه الحقيقة، نحن نتشارك حقيقة واحدة، ولكن اسمحوا لي أن أتقدَّم الآن لأن ما عندكم عندي وما عندي ليس عندكم”، فسيتقدَّم القرآن خُطوة هنا جبَّارة، وهذا هو ما يُعطيه عالميته وما يُرشِّحه أن يكون الدين الخاتم والعالمي الذي يصلح للكل ولا يصلح شيئٌ سواه أو بدلاً عنه ومن ثم لا يُعوِّضه شيئ، ولكن ما هو؟!
لعلنا نستكمل الحديث – إن شاء الله – في الخُطبة المُقبِلة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
أما بعد:
إذن المسلمون يدعونه الله، اليهود يدعونه أدوناي Adonai، البوذيون يدعونه كما رأيتم في ذاته وكما يتجلى، الهنادكة يدعونه راما Rama أو كريشنا Krishna، والسيخ – وقد كانوا طائفة من المسلمين ولكن للأسف انشقوا عن الإسلام وابتدعوا بدعاً فظيعة جداً – يدعونه إيكو أماكرا، ولكن في نهاية المطاف هل الكل يدعون إلهاً واحداً أم آلهة مُتعدِّدة مُتخالِفة؟!
هذا ما سنُضطَر إلى الجواب عنه أيضاً – إن شاء الله تعالى – في الخُطبة القادمة، علماً بأن هذا الحديث يتصل بسببٍ أو بآخر بما يُعرَف بحوار الأديان ووحدة الأديان والأشياء التي لها علاقة بهذه الموضوعات، وسوف نرى مدى إمكانية أن نبني أو نكتشف أساً لوحدة الأديان التوحيدية والأديان الحلولية – أي أديان الـ Persona وأديان الـ In Persona كما قلت في الخُطبة السابقة – ومن ثم سوف نرى ما يُمكِن أن يُقدِّم القرآن ومحمد هنا في هذه الأشياء الخطيرة بل الأخطر على الإطلاق، لأن في نهاية المطاف أكثر ما يشق الناس هو الولاءات الدينية، فولاء الناس وحب الناس يبقى للأديان، أما الأيدولوجيات الأخرى تذهب وتجيء على عكس الأديان التي تثبت عبر آلاف السنين ومن ثم تُجدِّد الثقة بنفسها وبها بطريقةٍ أو بأخرى.
اللهم إنا نسألك أن تفتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، اللهم دلّنا عليك دلالة الصادقين وعرِّفنا بك تعريف العارفين إلهنا ومولانا رب العالمين، واجعلنا نخشاك حتى كأننا نراك وأسعدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك وخِر لنا في قضائك وبارك لنا في قدرتك حتى لا نُحِب تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عجَّلت، واجعل اللهم غنانا في أنفسنا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا وأقر بذلك عيوننا، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩
اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

انتهت الخُطبة بحمد الله

فيينا (24/12/2010)