القرآن والحياة العاقلة في الكون

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.
ثم أما بعد/
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/
يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ *
صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.
إخوتي وأخواتي/
ما زلنا بمعنى من المعاني مع ظلال وآفاق أكبرية الله وأجلية الله تبارك وتعالى، فهو الرب الأكبر والإله الأكبر الأعظم الأجل، لا إله إلا هو! أكبرية وأجلية على كل المُستويات، وبكل المعاني، وبلا شك بما يُجاوز كل ما يقع في الوهم من معنى ومن تصور.
وجدير بالإله الأكبر – لا إله إلا هو – والرب الأعظم أن يكون كل شأن من شؤونه شأنا أكبريا أجليا! كل شأن من شؤونه، كل تصرف من تصرفاته – إن جاز التعبير -، لا بُد أن يتجلى وأن يتكشف وأن يتبدى عن وجوه لا نهاية لها من العظمة والكبرياء والإدهاش والإعجاب! من ذلكم بلا شك وفي أول ذلك خلقه تبارك وتعالى! خلقه، أي كل ما أوجده وكل ما أبدعه، مما ظهر لنا ومما خفيَ علينا واستخفى، مما دق ومما جل، مما عظم ومما ضؤل.
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ *، آية عجيبة! من أعجب الآيات في بابها في كتاب الله تبارك وتعالى، وكله عجب ولا يُقضى منه العجب! وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ *، تحيل جماعة من السادة المُفسرين – حياهم الله تبارك وتعالى -، فراحوا يسعون جاهدين ليجعلوا الملائكة مصداق قوله مِن دَابَّةٍ *؛ لأنهم لم يستوعبوا – أيها الإخوة – المعنى، ولا سيما في تلكم الأزمان الغابرة، حيث كان السقف المعرفي لا يسمح باستيعاب مثل هذا، على أن القرآن الكريم واضح في الباب، وهذا هو بعض عطايا القرآن الكريم!
تعلمون موقفي الشخصي مما يُدعى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، لي عليه تحفظات كثيرة جدا، وهي من طبيعة دينية، من طبيعة علوم دينية، على كل حال، هذا موضوع آخر، ومع ذلك لست أُنكر، ولا ينبغي لمؤمن أقر بالله تبارك وتعالى وبإلهية القرآن الكريم أن يُنكر، أن القرآن قادر بالأمس واليوم وإلى انقضاء الزمن، إلى أن يُطوى بساط هذه البسيطة! قادر على أن يُلهم العلماء والمُفكرين وذوي الاستبصار المشحوذ الصارم بنماذج وأفكار ونظريات سابقة لوقتها بكثير كثير، بآماد بعيدة! هذه الآية من هذا الجنس، ضمن آيات أُخريات كريمات.
جعلوا الملائكة من الدواب، وهذا غلط واضح، مُخالف لكتاب الله تبارك وتعالى. الله تبارك وتعالى يقول وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ *، إذن ما يكون دابة، لا بُد أن يكون مخلوقا من ماء، والملائكة بإجماع الأمة مخلوقة من نور، ليست مخلوقة من ماء، هذا أول الغلط! ولذلك لا يُتبع الرجال على أسمائهم، مهما جل ونبل المُفسر والعالم، وكان وحيد دهره كما يُقال وقريع عصره وابن بجدتها وفارس حلبتها، إلى آخر هذه الأوصاف التفخيمية التبجيلية! لا يُتبع امرؤ على اسمه – أيها الإخوة -، إنما يُتبع على الحق الذي يأتي به بدليله وبُرهانه. الدواب لا بُد أن تكون مخلوقة مُبدعة من ماء، الملائكة مخلوقة من نور – أيها الإخوة – كما صح بذلك الخبر وأجمعت عليه الأمة، فليست من الدواب بهذا الدليل.
ثم قوله تبارك وتعالى وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ *، واضح! والعطف للتغاير، الأصل في العطف أن يكون للتغاير. جاء فلان وعلان، فعلان غير فلان، وفلان غير علان. الأصل في العطف للتغاير، والتغاير هنا أوضح من واضح، والآية من سورة النحل، وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ *، كل دواب الأرض مفهومة، كل دواب السماوات والله غير مفهومة، عجيبة هذه الآية أيضا!
هذه الآية مثل آية الشورى؛ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا *، العلامة جار الله الزمخشري؛ محمود الزمخشري، صاحب الكشاف – رضوان الله تعالى عليه -، فهم أن هذه الآية تحتمل – أيها الإخوة، آية النحل تحتمل – أن يكون بيانها أو تكون بيانا لما في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ *، بمعنى أن الدواب كما تدب على الأرض، تدب أيضا في السماوات، عجيب! اتسع ذهنه؛ لأنه مُسلِّم لكتاب الله، سلّم هنا. هذا خبر إلهي، الله يقول السماوات معمورة بالدواب، انتهينا، سلمنا! مع أنها ليست الملائكة، لمكان التغاير، واضح جدا! إذن هو سلم بأنها كذلك، وهذا سلم به وأومأ إليه أكثر من مُفسر جليل!
عبد الحق بن عطية في المُحرر الوجيز – رحمة الله تعالى عليه -، قال بهذا، الفخر الرازي، وناهيكم به! ذهب إلى هذا في غير موضع، في هذه الآية وفي آية العنكبوت؛ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ *، أيضا تُشير إلى ما نحن فيه من طرف آخر ومن زاوية أُخرى، لكن هذه الآية وافق الإمام الفخر الرازي فيها ما ذكرناه، ومن المُعاصرين العلامة الشيخ المُفسر، وهو بلا شك أجود مُفسري العصر وأقواهم، العلامة الطاهر بن عاشور! صرح بهذا مُباشرة ومضى في أسطر! أن هذا مُمكن جدا! أن تكون السماوات معمورة بأجناس دواب، لا نعلمها ولا نعلم عنها شيئا، باستثناء هذه الإشارة الإجمالية! إشارة جُملية من كتاب الله تبارك وتعالى! لم يتسع لها صدر العصر، لم يرق إليها سقف تلكم الأعصار المعرفي، أبدا!
وحدثتكم في المُحاضرة السابقة بعد جُمعة سعة الكون وتشغيب الملاحدة بجيمس ويب، حدثتكم كيف تم إحراق الكاهن والعالم والفيلسوف المُفكر الإيطالي جوردانو برونو Giordano Bruno، فقط لأنه صرح بتعدد العوالم! قال هناك عوالم أُخرى كثيرة، ومسكونة، وفيها كائنات عاقلة. لماذا تُنكرون هذا؟ أنتم تُريدون أن تجعلوا الأرض مركز الكون، وأن تُخلوا الكون كله من كل مظهر من مظاهر الحياة والعقل والإدراك، باستثناء الأرض؟ قال لا، أنا لست مع هذا. حوكم سبع سنين المسكين، ثم أُحرق على الStake ، كما نقول على الخازوق! هم يقولون على الStake . رُبط على الخازوق أو الStake ، وأُحرق حيا، وقد كُمم فمه، وقيل خيط! على كل حال، سنة ألف وستمائة بالضبط، سنة ألف وستمائة! بعد ذلك بنحو ثلاثمائة سنة؛ ألف وتسعمائة وثنتين وتسعين، نُصّب الرجل قديسا؛ لأنه كان كاهنا. رفضته الكنيسة الكاثوليكية، وأيضا الكنيسة الكالفينية، والكنيسة اللوثرية، ولعنوه ثلاثتهم أو لعنته ثلاثة هذه الكنائس! لماذا؟ لأنه يقول بتعدد العوالم.
القرآن صريح هنا، كالصريح، صريح أو كالصريح! أن العوالم فيها مخلوقات أُخرى، غير الملائكة، دواب، دواب! وإذا أخذنا بقوله تبارك وتعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ *، فإذن ستكون حياة مائية. والجميل أن علماء الأحياء الخارجي أو الخارجية؛ Exobiology، يُقرر هذا! هذا فرع كبير، اسمه علم الأحياء الخارجي أو الخارجية. هؤلاء يُقررون أن وجود الماء سهل، أسهل من أشياء كثيرة! أن يُوجد في الكون وأن ينتشر، أسهل من عناصر كثيرة! ولذلك لدينا مجموعة من الأقمار، أقمار بعض الكواكب، في مجموعتنا الشمسية، أو نظامنا الشمسي، أي في الكواكب الداخلية! هذه تُعرف بالكواكب الداخلية، التي تنتمي إلى ال Solar system، أو المجموعة الشمسية، أما الكواكب التي لا تنتمي إلى مجموعتنا الشمسية، مما يقع في المجرة؛ مجرة درب التبانة أو اللبن، فتُسمى الكواكب الخارجية؛ الExoplanets ، الكواكب الخارجية! ليست الداخلية.
في الكواكب الداخلية، المُشتري مثلا، وهو أكبر هذه الكواكب! المُشتري له كواكب كثيرة، تُسمى الكواكب الجاليلية؛ نسبة إلى غاليليو غاليلي Galileo Galilei؛ لأنه اكتشفها بالمقراب، الذي لم يصنعه، وهذا خطأ طبعا، وإنما صنعه أهل هولندا، الهولنديون! لكنه كان من أول مَن استخدمه في الصناعة الفلكية. على كل حال، هذه الكواكب – أيها الإخوة – منها كواكب، بحسب ما ظهر للعلماء ويظهر، عليها طبقات جليدية! يوروبا Europa، قمر هذا طبعا، ستالايت Satellite، تابع للمُشتري، يوروبا Europa! أيضا كاليستو Callisto، غانيميد Ganymede! هذه الأقمار أقمار المُشتري الشهيرة! أيضا أقمار زُحل، وفي رأسها تيتان Titan، هذا أيضا واضح، يُرجح العلماء أن عليه طبقة جليدية. إنسيلادوس Enceladus نفس الشيء! إذن يُمكن أن يُوجد الماء، المريخ! المريخ حوله إشارات كثيرة تؤكد أنه كوكب كان فيه غلاف مائي كبير، قبل ملايين وربما ملايير السنين، ملايير السنين!
طبعا هذا الموضوع لماذا يُعاد الآن؟ بمُناسبة أيضا إطلاق جيمس ويب James Webb، هذا سبيس تلسكوب Space Telescope، تلسكوب الفضاء جيمس ويب James Webb! لأن هذا التلسكوب المُعجب المُدهش، هو في بداية إدهاشنا! سيستمر لعشرات السنين، الله وحده أعلم ما هو كم المعلومات وصادمية وغرابة وعجائبية هذه المعلومات التي ستترشح من خلال الصور التي يُرسلها إلينا! والله وحده أعلم! يتحدثون الآن عن كوكب مُعين، رصده هذا، ورصد بعض ما يتعلق بكيميائه وغلافه وكذا، ولا يزال هذا في البداية، هذه البداية فقط، هذه البداية! فأُعيد الآن فتح ملف الحياة في الكون، موضوع في غاية الإثارة، وفي غاية الأهمية! يهمنا كجنس بشري! يهمنا كجنس بشري؛ لأنه لو صح وصدق واستقام أن في الكون حيوات وحضارات ومخلوقات عاقلة وذكية وقادرة على التواصل والتنقل، وربما استعمار فضاءات وكواكب أُخري، فقد نكون في خطر شديد جدا، قد نكون أمام خطر رهيب!
هل الآيات من سورة الرحمن؛ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ *، هل يُمكن أن تحتمل – وهي تحتمل في الحقيقة، هذه الآيات – أن تكون إشارة إلى حرب النجوم أو حرب الكواكب – أي Interstellar wars، حروب ما بين النجوم -؟ طبعا هذا يُعيدنا إلى رواية إتش. جي. ويلز H. G. Wells‏ الشهيرة، في أواخر القرن التاسع عشر، أظن ألف وثمانمائة وست وتسعين أو سبع وتسعين؛ حرب العوالم، وحولت إلى طبعا أفلام كثيرة، وما زال طبعا يُتصرف فيها. هو يتحدث عن كائنات مريخية شريرة، أتت وغزت هذا الكوكب، وأذاقتنا الويلات. هل يُمكن أن تكون الآيات فيها إشارة إلى هذا؟ مُمكن جدا! يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ *! إذن يُمكن أن تكون حرب أيضا بين النجوم، أي بين الكواكب والأجرام السماوية. طبعا المقصود بالنجوم النجوم التي لها توابع وكواكب طبعا، إلى الآن البحث عن الحياة في ماذا؟ في الكواكب! البحث عن الحياة في الكواكب!
نعود إلى جوردانو برونو Giordano Bruno المسكين، الذي دفع حياته بميتة من أسوأ وآلام ما يكون، حرقا على الخازوق؛ لأنه قال في كتابه العوالم اللا نهائية – عنده كتاب اسمه العوالم اللا نهائية -، قال النجوم كثيرة. هكذا قال! النجوم، في العالم، في الكون، كثيرة. والنجوم التي لها كواكب تدور حولها كثيرة. طبعا هذه تأملات فلسفية، جوردانو برونو Giordano Bruno لم يكن عالما بالمعنى التقني الفني الآن للعالم، وإنما كان فيلسوفا مُفكرا، صاحب استبصارات وتأملات. كل ما تكلمه ودبجه حول هذا الموضوع تأملات فلسفية، ليست نظريات علمية، تستوفي الشرط العلمي! لكنها ألهمت كل مَن أتى بعده تقريبا، ألهمت كل مَن أتى بعده! ولا زالت تستطيع أن تُلهم إلى حد ما.
يقول ولكننا نرى النجوم؛ لأنها كبيرة ومُضيئة لمّاعة، ولا نرى الكواكب؛ لأنها غير مضيئة وصغيرة. هو يعلم أنها أصغر بكثير من النجوم، وتدور حول نجومها. ثم يستتلي، فيقول وإذا كان كذلك، فليست تلكم الكواكب بأقل حظا من الأرض، أن تكون مأهولة مسكونة، وفيها حياة، فلتذهب إذن نظرية مركزية الأرض إلى الجحيم. هكذا ختم! وهذا الذي أغضب الكنيسة. الكنيسة مُصرة جدا على أن تحتفظ بالنموذج الذي يُسمى مركزية الأرض، أي Geocentric model، مُقابل طبعا النموذج الذي طرحه كوبرنيكوس Copernicus قبل سنوات معدودة من كلام جوردانو برونو Giordano Bruno؛ مركزية الشمس، Heliocentric model. الكنيسة تُريد الأرض؛ لأن الأرض كما قلنا في الخُطبة السابقة هي التي بُعث فيها المسيح، وبشر فيها، وخلص فيها. الأرض، وليس الشمس، وليس أي شيء آخر، فلها الاعتبار المُطلق!
على فكرة، المسلمون إلى اليوم لديهم هذا! كلما فكرت في هذا الموضوع، وجدتني ألمس بشكل واضح جدا من بعض أبناء وبنات المسلمين مثل هذا الإجفال، مثل هذا الوجل، مثل هذا التردد والتخوف، من قضايا العلوم الفلكية وما يتعلق بها! وللأسف من بيننا مَن لا يزال مُصرا على أن الأرض تقريبا هي شبه مركز الكون، ومركز الوجود، وأنها ثابتة، ولا تتحرك، وأنها Flat أو مُسطحة، مثل الطبق! وأنها…وأنها…! لماذا؟ فكرت كثيرا، ربما من ضمن الأسباب – أسباب! جُملة أسباب، لكن من ضمن الأسباب – أن النموذج الذي يقدر هؤلاء على استيعابه يتسم بالضيق الشديد! نموذج ضيق!
يشعرون، كما شعر مَن شعر بالضياع في الغربيين، بالضياع التام، إذا سلموا بنموذج الكون الوسيع والوسيع جدا! بنصف قُطر يتجاوز ستة وأربعين مليار سنة ضوئية! أي قُطر ثلاثة وتسعون مليار سنة ضوئية! هذا الكون كما قلنا في الخُطبة السابقة المرصود أو القابل للرصد. يقول لك ضعنا، ضاعت الأرض، وضاع كل شيء! ضاع كل ما يتعلق بمركزية الإنسان وأهميته ونُبله واستخلافه في الأرض واستعمار الأرض له في الأرض، والكلام هذا! كل هذا ضاع، لا يعود لهم معنى. وطبعا عقدنا الخُطبة، والمُحاضرة الطويلة التي بعدها، للجواب عن مثل هذا الاشتباه. هذا الاشتباه غير صحيح وغير دقيق.
ويكفي، لا أُريد أن أُعيد الدرس أو المُحاضرة، يكفي أن نعلم – أيها الإخوة – أننا بفضل النفخة الإلهية، التي نُفخت فينا، نستطيع أن نتواصل مع الأكوان كلها، بأسرع من سرعة الضوء ملايير المرات! فنستطيع أن نقفز من الفرش إلى العرش، في أقل من ثانية! كيف؟ بالوعي، بالتفكير! الوعي، والتفكير! الإمام علي – عليه السلام وكرم الله وجهه – ماذا قال؟ طبعا والكائن الوحيد الذي يُفكر خارج حدوده، وخارج حدود عالمه المرئي والقابل للرؤية، فقط هو الإنسان. عجيب! بقوة ماذا؟ ليس بقوة التقنيات والآلات، هذه جاءت مُتأخرة جدا، بقوة الوعي والإدراك. لماذا هذه الخاصية الطفروية – سميتها أو وصفتها بالخاصية القفزية والطفروية – للوعي الإنساني؟ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي *.
تشعر بقشعريرة، تسري في بدنك كالتيار الكهربائي، حين تقرأ مثلا عن بيونير ١٠ Pioneer 10! أعتقد في ثنتين وسبعين، هذا المسبار أو ال Probe معروف! طبعا نسمع كثيرا بالمسبار! المسبار كيوريوسيتي Curiosity، المسبار! مسبار الولايات المُتحدة مثلا، التي أرسلته ألفين وعشرين! مسبار الأمل. ما هو المسبار؟ المسبار مركبة فضائية، أي Spacecraft، مركبة فضائية لكن غير مأهولة، Unmanned. هي إما أن تكون مأهولة، Manned، أي فيها بشر، أو Unmanned، غير مأهولة، فقط! ويُتحكم فيها في الطُرز الحديثة عن بُعد، إلى حد بعيد جدا! تُسمى ماذا؟ المسابير، Probes، Space probes! مسابير فضائية هذه، هي نوع من المركبات الفضائية! المركبة قد تكون مأهولة، فهذه شيء آخر، إذا لم تكن مأهولة، فتُسمى المسبار، هذا هو! وتحط طبعا في أماكن محددة.
فعلى كل حال، هذا المسبار طبعا؛ بيونير ١٠ Pioneer 10، في ثنتين وسبعين! بيونير ١١ Pioneer 11، في ثلاث وسبعين؛ ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين، شيء غريب! تشعر كما قلت لك بتيار كهربائي، حين تسمع أو تقرأ أن بيونير ١٠ Pioneer 10 أرسلته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA طبعا، إلى حيث أرسلته في الفضاء البعيد، في رحلة تستغرق كم؟ ستة أشهر؟ ست سنوات؟ ست عشرة سنة؟ ستين سنة؟ مليوني سنة! أنا الآن أتكلم، وسار هذا التيار في جسمي! ما سر سيران هذا التيران؟ لماذا نشعر بهذه القشعريرة؟ يُوجد نوع من العظمة هنا، يُوجد نوع من اللفت، يُوجد نوع من النُبل، يُوجد نوع…لا أدري كيف أصفه، كيف أنعته! أما بيونير ١١ Pioneer 11 في ثلاث وسبعين، فأُرسلت في رحلة ستستغرق أربعة ملايين سنة! أربعة ملايين! في ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين، وألف وتسعمائة وثنتين وسبعين!
لماذا؟ لماذا أيها الإنسان؟ يا مَن يعيش خمسين وستين وسبعين ومئة سنة، ثم تمضي، تمضي! هل لدينا أمل كجنس بشري أن نُعمّر إلى مليوني سنة أو أربعة ملايين سنة؟ حتى لو لم يكن، كما قلت لكم في الخُطبة السابقة وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي *، على الرُغم منا وعنا هذا أشعل فينا، أوقد جذوة فضول معرفي ذات طبيعة إلهية. هل يند شيء عن العلم الإلهي؟ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ *، أليس كذلك؟ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء *، فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ *، آية يونس، وآية سبأ، وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ *، التذييل نفسه في السورتين؛ يونس، وسبأ! لماذا؟ الله يقول لا يَعْزُبُ *.
طبعا لا يَعْزُبُ * عن علمه شيء، مهما ضؤل وحقر ودق! تعرفون لماذا؟ لأنه مُبدع مخلوق لله، لا قيام له إلا بالله. وإذا كان لا يقوم إلا به، فنقول لذلك اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ *. أشعر بترجيح أن يكون الاسم الأعظم فعلا كما رجح غير واحد من كبار العلماء والعارفين؛ الحي القيوم، الحي القيوم! لماذا؟ لأن قيوم فيعول، على زنة فيعول! فيعول من القيام، وهو الذي يقوم به كل شيء، ولا يقوم هو بشيء، بل هو قائم بذاته، لا إله إلا هو! الله! هذا هو الله، هذا هو القيوم، لا إله إلا هو! تقوم به كل الأكوان، التي قد تكون أكثر بكثير مما نتخيل أو نتصور، وأعظم بكثير مما يُمكن أن يطفر بنا ويشطح بنا الخيال، كلها قائمة به، من الذرة إلى المجرة، من أصغر جُسيم ذري – أيها الإخوة – إلى أعظم مجرة يُمكن أن تُبدع أو أعظم كون يُمكن أن يُبدع، كله قائم به، لا إله إلا هو! ولذلك لا يند عن علمه، أبدا! لا شيء يُفلت من علم الله تبارك وتعالى، كما لا شيء مُفلت من قبضة قدرة وقهر الله، لا إله إلا هو! فهو: الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ *، وفوق خلقه جميعا بلا شك، لا إله إلا هو! هذا بعض معنى ربوبيته.
ولذلك: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي *، اشتعلت فينا هذه الجذوة! جذوة أن نقبض، أن نُلاحق، أن نستوعب، كل ما يُمكن استيعابه وفهمه، حتى لو لم يكن فيه فائدة، وعلى المدى البعيد والبعيد جدا أيضا! بعض الناس يقول ما الفائدة؟ ما الفائدة من هذه المسابير، من هذه المركبات؟ لماذا تُنفق هذه الملايير؟ سألت أم لم تسأل، أُجبت أم لم تُجب، سيظلون يفعلون، ولو كنت مكانهم، ستفعل! لو أوتيت من العلم ما أوتوا، والقدرة والإنفاق ما أوتوا، لتفعلن! لماذا؟ لأنك بشر. ما معنى بشر؟ منفوخ فيك من روح الله. لدينا هذا الفضول رُغما عنا، لا نستطيع أن نُفلت منه، أبدا! آخذ بتلابيبنا، بتلابيب وعينا وإدراكنا، شيء غريب! هذه قال لمليوني سنة، وهذه أربعة ملايين سنة! شيء غريب!
إذن نعود – أيها الإخوة -، كما قلت لكم هذا الرجل ألهم المُعاصرين، وألهم مَن أتى بعده، في قضية ماذا؟ تعدد العوالم. القرآن الكريم مُنذ البداية كان أكثر من واضح، أكثر من واضح! الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *. الله يقول عالمون، ليس عالما واحدا. قال لك عالم الإنس والجن والملائكة. هذا الذي تظنه أنت فقط، عوالم لا يعلمها إلا الله، لا يعلمها إلا الله، لا إله إلا هو! ولكن هذه بعض العوالم، لا تزال، هذه بعض العوالم! وبعضهم يُعدد عوالم على الأرض؛ عالم النمل والنحل وكذا! عوالم! لا بأس، هذه أيضا بعض العوالم. عوالم لا يعلمها إلا الذي أبدعها، لا إله إلا هو!
لكن انظروا أيضا، انظروا؛ آية أعجب من آية النحل! إذن الملائكة ليست دواب، الملائكة غير الدواب. الله يقول السماوات مسكونة، معمورة، مقطونة، مأهولة بدواب. لا إله إلا الله! أي احتمال قوي جدا، راجح جدا، أن تكون كواكب في السماوات مأهولة بحياة عاقلة. واحد ربما يثور سؤال في ذهنه، يقول لي علميا – علميا، لا أُريد دينيا، علميا – هل هذا مُمكن؟ المُشكلة أن العلماء وجدوا أن من الصعب للغاية عليهم أن يُقنعوا أنفسهم بغير هذا الاحتمال الراجح! ألبرت أينشتاين Albert Einstein عنده مقولة، يقول فيها بالضبط أخذا بحقيقة وجود ملايين بلايين – هكذا قال! أي Given، أخذا بـ ، رعيا لـ – الكواكب الشبيهة بأرضنا – أي Earth-like planets، كواكب شبيهة بالأرض، Earth-like planets -، فإنه من المُستحيل أن تخلو تلك الكواكب كلها من الحياة. في هذا الكون الواسع، بالأحرى قال في سعة، في سعة هذا الكون، أو في شساعة هذا الكون، لسنا وحدنا. قال لا أستطيع أن أتخيل هذا.
العبارة التي اقتبستها وعلقت عليها من جهة مُعينة، وهي جهة صحيحة، أراها إلى الآن، لكارل ساغان Carl Sagan، أحد أشهر وأكثر العلماء اهتماما بقضية الحياة العاقلة في الكون – وسوف نرى ربما ونذكر بعض مؤيدات هذا – على الإطلاق! تقريبا لا تُوجد رسالة، سواء رسالة بصرية، رسالة مكتوبة، أو رسالة مُشفرة بالراديو Radio، بموجات الراديو Radio! أُرسلت من الأرض، في زمن Sagan، إلا وكان الرجل مسؤولا، وتولى مُهمة صياغة هذه الرسالة، مع آخرين! لكن هو يكون رئيس اللجنة، أو العضو المُهم في اللجنة، باستمرار! هذا الرجل قال، كما قلنا في الخُطبة السابقة هذا الكون واسع جدا. إنه واسع جدا. يقول! هذا الكون واسع جدا، سعة مهولة! ولو كنا فيه وحدنا، لكان ذلك هدرا فظيعا للمساحة أو للفضاء – للسبيس Space -. ماذا يُريد أن يقول هو؟ من زواية ثانية يُريد أن يقول ليس هناك هدر؛ لأن – على ما أُرجح، أو فيما أُرجح، من رأيي. يقول! هذا معنى كلامه! – الكون مأهول. لسنا وحدنا! يُريد أن يُقنعك هو، ويقول لك معقول! إذن كم؟ لو سألنا كارل ساغان Carl Sagan كم إذن؟ كم كوكبا؟
انتبهوا، سُبحان الله حين كنت صغيرا، كنت أقرأ كُتب الفلك والكونيات! قرأت أيامها، كنت في الإعدادية، للسير جيمس جينز Sir James Jeans، في كتابه كون الألغاز أو كون الأسرار، أي Mysterious، يقول العلماء مُتوافقون – في زمانه، في مطلع القرن العشرين – على أنه من بين كل خمسين ألف نجم، يُوجد نجم واحد له مجموعة كوكبية. كواكب تدور حوله! كوكب أو أكثر. كل خمسين ألفا! ستقول لي معناها هناك ملايير الكواكب! لأن الكون كم نجما فيه؟ قلنا في الخُطبة السابقة بحسب قولهم الكون فيه ثلاثمائة سكستليون Sextillion نجم! لأن هناك تريليوني مجرة، هذه آخر التقديرات، أحدث التقديرات! وسوف تقعون على تقديرات كثيرة، لكنها قديمة! معلومات مُحدثة. الآن كم مجرة في الكون؟ تريليونا مجرة. التريليون يعني ألف مليار، التريليون! عشرة أس ثنتي عشرة، شيء لا يُصدق! أي مليون مليون، التريليون! شيء لا يُصدق! تريليونا مجرة. وكل مجرة فيها مئات ملايير النجوم! مئات ملايير! كم نجما إذن في الكون؟ قال لك ثلاثمائة سكستليون Sextillion. السكستليون Sextillion عشرة أس ست وثلاثين! وذكرنا هذا. رهيب!
جيد، قسّم إذن، كل خمسين ألف له كوكب، يضح أن عندك تريليونات الكواكب! لا، الآن المُعطيات العلمية أيضا الأكثر حداثة تقول لا. العلماء يقولون بين كل ستة نجوم يُوجد نجم له منظومة كوكبية. ليس كل خمسين ألفا كما قرأت، وأنا صغير صغير، لا! الآن أقرأ وأنا كبير، يقولون بين كل ستة نجوم يُوجد نجم له كوكب أو كواكب! ولذلك عدد الكواكب – أيها الإخوة – الصالحة للحياة، قد يكون بمليارات الكواكب. في مجرتنا؛ درب التبانة، قالوا خمسون مليارا! خمسون مليار كوكب! لأن فيها تقريبا خمسمائة مليار نجم، من ثُلث إلى نصف تريليون! خمسمائة مليار! قال لك هناك خمسون مليارا!
كارل ساغان Carl Sagan كان يقول ماذا في أول مؤتمر لمعهد مشهور، أُسس ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، اسمه سيتي SETI؟ اسمه هكذا إلى الآن! سيتي SETI، مُختصر! Search for extraterrestrial intelligence، البحث عن ذكاء خارج أرضي! Traterrestrial، أي أرضي، مُصطلح مشهور في علم الأحياء وفي علم ال Plantology وكذا! المُهم، البحث عن ذكاء خارج الأرض. في هذا المؤتمر هو وفرانك دريك Frank Drake – سنأتي إلى هذا العالم المُهم جدا طبعا، الأمريكي – ذهبا إلى أن عدد الكواكب الصالحة للحياة في مجرتنا يُمكن أن يصل إلى مئة مليون. الآن يقولون خمسون مليارا! شيء لا يكاد يُصدق! في المجرة؟ في المجرة. إذن كيف في باقي المجرات؟ كيف في الكون كله؟ لا يعلم عددها إلا الله. أعداد مهولة!
هل معقول أن تُوجد مثل كل هذه الكواكب، ثم تُختص الأرض وحدها، بأن يكون فيها حياة عاقلة؟ كلام غير معقول، هكذا العلماء قالوا لك من الصعب أن نُسلم بهذا، لا نستطيع إلا أن نُرجح العكس. مُعظم العلماء، علماء الفلك والفيزياء الفلكية والأحياء الخارجية، يقولون بهذا. مُعظمهم! طبعا هناك فئة من المُتشائمين قليلة! فرانك تيبلر Frank Tipler، جون دي. بارو John D. Barrow، يقولون لا، الحياة شيء نادر جدا جدا، أندر مما تتوقعون. وهذا يخضع لقاعدة معروفة في الاستنباط والتعليل، أي في التفكير، ال Reasoning!
يقولون استنباطاتنا أو استنتاجاتنا – أي Inferences -، جيدة وقوية، بمقدار مُعطياتنا. بمقدار ما تكون عندك المُعطيات قوية ومُحكمة، تكون الاستنتاجات قوية. فهل نحن نتحكم في هذه المُعطيات بشكل يُعطينا الثقة بأنها مُعطيات فعلا صُلبة وقوية؟ في الحقيقة لا. الأمر أصعب من هذا، وسوف أوضح ذلك! وسوف أوضح ذلك بعد قليل. إذن علميا الموضوع مفتوح، ومُرجح! ولذلك تُصرف عشرات المليارات، لمُتابعة التقصي والبحث عن حياة عاقلة ذكية في الأكوان، وخاصة في مجرتنا طبعا، وسوف نرى ما الصعوبات الجمة التي تعترض هذا البحث والتقصي، وخاصة تواصليا! صعوبات تواصلية جمة!
نعود إلى القرآن العظيم، وعدتكم بأن هناك إشارة أعجب من كل ما مضى! ما رأيكم؟ أعجب بكثير! وهي الإشارة التي وردت في آخر سورة الطلاق، في آية حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس – رضوان الله عنهما – كان يُجفل ويمتنع من أن يخوض في تأويلها، بحسب ما فتح الله عليه، وربما بحسب ما أدى إليه رسوله الأعظم ونبيه الأكرم – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله -؛ لأن مثل هذا – أيها الإخوة – قد يحتاج إلى توقيف، على أن الآية ظاهرها واضح! فكان يقول لو أخبرتكم بما أعلم من تفسيرها، لكفرتم. كفرتم؟ عجيب! وكفركم إنكاركم. فسر! كيف كفرتم؟ لن تقولوا ليس هناك إله وليس هناك نبي، لا! قال وكفركم إنكاركم. ستقول لا، غير معقول! معقول يا أخي؟ غير معقول! قال هذا نوع من الكفر. كأنك ترد قول الله من وراء وراء.
إذن ماذا قال الله؟ الله قال بالواضح الصريح اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ *، نعرف هذا! وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ *، لا إله إلا الله! أي سبع أرضين؟ قال لك سبع أرضين. كان يُمكن أن يقول خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ *، لا! أخلاها من النعت بالطباقية هذه؛ لأنه لو قال طِبَاقًا ۖ *، لوقعنا فيما وقع فيه غير واحد، الضحاك وكثير من المُفسرين، أن السبع الأرضين هي في الكوكب نفسه، في هذا البسيط نفسه، مُتراكبة، طبقة فوق طبقة! غير صحيح، الله لم يقل طِبَاقًا ۖ *. قال سَبْعَ سَمَاوَاتٍ *. لماذا؟ لتتمحض المُماثلة من حيثية ماذا؟ العدد. تبقى المُماثلة أين إذن؟ في العدد. طبعا! قال سَبْعَ سَمَاوَاتٍ *. ومعناها وسبع أرضين! اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ *.
اسمع بقية الآية؛ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ *. لا إله إلا الله! بين ماذا؟ بين السماوات والأرضين، بين أرض وأرض وسماء وسماء! يُوجد وحي، كما قلت الوحي مُشغل – أي ال Operator-، مُشغل هذا الوجود. لا يُوجد شيء يخلو من وحي الله، كله خاضع لوحي الله، ويشتغل بوحي الله، وهذا الوحي له درجات وطبقات. قال يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *، لا إله إلا الله! وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا *.
يا حسرة علينا! أنا أعلم وأرى الآن الحسرة في عيون بعض الأكارم الجالسين! يقول هذا لافت، هذا مُدهش، هذا مُعجب! أين هذه الآية؟ أين كانت مدسوسة؟ مدسوسة في كتاب الله، الذي ختمته ربما مئات من المرات، وربما لم تقف عندها مرة! يُحزنني جدا ويؤسفني حقيقة أننا؛ المسلمين، مسلمي هذا العصر، مسلمي عصور التراجع للأسف الشديد، فعلا كأننا نقرأ القرآن ونحن أعاجم، لا نكاد نفقه منه شيئا! نقرأه لنُجوده، أي الشاطر فينا يذهب ويتعلم أحكام تجويد؛ لكي يُجوده ويتغنى به! لكن التفكر، التأمل، غير موجود. هذه الآية آية عجيبة! هذه غريبة! ابن عباس قال لو حدثتكم بما أعلم من تفسيرها، لكفرتم، وكفركم إنكار ذلك. ستقول لا، غير معقول!
نترك ابن عباس، ودعونا نرجع إلى سيدنا؛ سيد الكل، إمام الركب – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله، جزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ورسولا في رسالته -، هو صاحب هذا الفضل كله، كله! أي أنا أتكلم – أنا مُتأكد – وأنتم تسمعون، ونحن ننطوي على نوع من التلذاذ والمشوقية! أليس كذلك؟ والشعور بالاندياح؛ هذا الاندياح في النموذج! كيف نفهم الأكوان؟ كيف نفهم العوالم؟ كيف نعرف موضعنا؟ الفضل كله لله، بكلامه، ولرسول الله، المُبلغ عن الله. لولا هذا النبي العظيم، لبقينا كما نحن، لا خبر لدينا في هذه الأمور، أليس كذلك؟ أبدا، أبدا! لكن مُنذ البداية الخبر موجود – بفضل الله -.
النبي ماذا صح عنه؟ والحديث في الصحيحين؛ في البخاري ومسلم! مَن ظلم قِيد – قِيد أي قدر، مقدار. ليس قَيدا، القَيد هو القَيد. القِيد المقدار – شبر من أرض – الناس قد تجور، وأنت تعرف أن الأرض هذه من أحسن ما يُتملك ويُعتقد كما يُقال، يُعتقد ويُتملك! فبعض الناس يجور على نصيب جاره، ولو بشر هكذا! وشبر طبعا في طول مئتي متر، أي مسافة، مساحة هذه مُهمة! من ظلم قِيد شبر! كأن النبي يقول حتى شبر مُربع، أي شبر واحد أيضا. من ظلم قيد شبر من أرض -، طوقه من سبع أرضين. تصريح بأن الأرضين سبع! يُوجد سبع أرضين! أي هل هناك سبع كواكب أرضية، بخصائص هذا الكوكب، استضافت الحياة، ودعمت الذكاء؟ هذا الظاهر! وإلا ما معنى سبع أرضين هذه؟ هذه هي، ونحن سوف نرى فيما بعد، سوف نرى كيف فهم ابن عباس الآية العجيبة!
بعد ذلك هناك حديث دعاء القرية، الذي أخرجه – على ما أذكر – الإمام الحاكم، والإمام النسائي في السُنن الكُبرى، وليس الصُغرى، في المُجتبى، والطبراني في الأوسط، وابن خُزيمة، وصححه غير واحد من كبار العلماء. النبي علمنا إذا دخلنا قرية أو بلدة لأول مرة، أو عند الدخول، ماذا نقول؟ اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين – ورب الرياح وما ذرين، وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * -، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها. دعاء القرية! ورب السماوات ماذا؟ السبع. ورب الأرضين السبع! مرة أُخرى يا رسول الله؟ مرة أُخرى. سبع أرضين! تصريح واضح.
ولذلك أخرج الإمام أبو بكر البيهقي – رحمة الله تعالى عليه -، والإمام الحاكم، وغير واحد، عن أبي الضحى – أحد تلاميذ ابن عباس هذا، تابعي جليل! عن أبي الضحى -، عن عبد الله بن عباس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ *، قال هي أو هن سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى – لم يقل كعيساكم، الألف مقصورة هنا طبعا! وعيسى كعيسى -، ونبي – يعني محمدا – كنبيكم. الله أكبر! وقال لك الحياة العاقلة وتعدد الحياة وجوردانو برونو Giordano Bruno وأحرقوه! القضية شبه واضحة جدا في الحس الإسلامي، في التصور الإسلامي، في النموذج القرآني الإسلامي، لدى المسلمين، من أول يوم! الحمد لله على نعمة الإسلام. هذا الإسلام! قال لك دين خرافات! خرافات؟ انظر العلم إلى أين وصل الآن في القرن الخامس عشر، وأين القرآن من أول يوم! وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ *، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *، عوالم! مسكونة ومأهولة. أرأيت؟
الإمام أبو بكر البيهقي وهو الذي خرج هذا الحديث بسنده هو – رحمة الله عليه -، لم يستوعبه! ماذا قال؟ قال الحديث صحيح الإسناد – إسناده كالنهار كما قلت في خُطبة سابقة -، ولكنه شاذ بمرة. أي Completely كما يقول الأجانب، أي هذا معنى بمرة، شاذ تماما. يقول! شاذ من جميع الجهات، أي Completely شاذ، هذا الحديث. شاذ بمرة! العامة تقول ماذا؟ بالمرة. بالمرة! قال شاذ بمرة. كيف شاذ؟ لماذا شاذ؟ طبعا هو يُخالف النموذج المعرفي، النموذج الكوني، النموذج الفهمي عند الإمام – رحمة الله عليه -. لا، دعنا من فهمك يا إمامنا وشيخنا، أعطنا السند الذي حكمت عليه بالصحة، وهو صحيح – بفضل الله -، اترك التأويل، لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ *، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ *. لا إله إلا الله! يوم أتى! لكن قبل ذلك هناك مَن يُنكر، وهناك مَن يتردد، وهناك مَن يتيه ويضيع، وهناك مَن يلوذ بالصمت. القضية – بفضل الله – كانت واضحة وبسيطة، ولا تزال! وأستغرب كما قلت! لذلك أنا أستغرب من أبنائنا وبناتنا الذين كما قلت حتى لا يقبلون بدهيات علم الفلك والكونيات اليوم! ويعتقدون بوجود مؤامرة كونية!
صدقني، لو كنا نعيش قبل أربعمائة سنة، كنت سأتعاطف معكم وأقول ربما هناك مؤامرة من الكنيسة الكاثوليكية، من الكنيسة المسيحية عموما، مُمكن، مُمكن! أما اليوم، والعلم مؤسسة عالمية كوكبية، يتعاورها ويشتغل عليها – أيها الإخوة – ويتعاطى معها كل الأعراق البشرية، فلا! ملاحدة، وشيوعيون، ومؤلهة، وربوبيون، وبلا أديان، وغيرهم، كله! كل هؤلاء مُتآمرون يا رجل؟ لذلك أنا لا يُمكن أن أتعاطف مع هذه الأفكار التي تروق لبعض أبنائنا وبناتنا، حقيقة لا يُمكن، لا يُمكن أبدا! لا يُمكن أن أحملها محمل الجد. لا تُوجد مؤامرة كونية يا حبيبي!
وبعد ذلك أنا أعلم – نسأل الله أن يرزقنا التواضع – أننا، وأنا أولكم، في هذه العلوم لا شيء إزاء المُختصين، Zero على الشمال، لا شيء! لا شيء إطلاقا! ناس عباقرة في الرياضيات، وفي الهندسة، وفي أشياء أُخرى! وقضوا أعمارهم فيها، وليسوا خُبثاء، وليسوا لؤماء، وليسوا شياطين؛ لكي يُغرروا البشرية، حتى أتهمهم جميعا بالتآمر! هذا الكلام لم يعد مقبولا. الحمد لله، بالعكس! المفروض أن مثل هذه المُعطيات الدينية المحضة، النبوية الإلهية الربانية، المفروض أنها تُعطي العلم في عالم المسلمين وفي بلاد المسلمين دُفعة قوية جدا، يمضي بها حثيثا، وقد قعد من قرون! العلم الطبيعي بالذات قاعد في بلاد المسلمين، لا نكاد نُسهم فيه بشيء! لا تُوجد، لا تُوجد! لا تُوجد أي نسبة للإسهام على فكرة، لا تُوجد أي نسبة إسهام حقيقي. ولا تقل لي فاروق الباز وعصام حجي وفلان وعلان. قلة قليلة، في أمة من ملياري مسلم، وأربعمائة مليون عربي! أين؟ ما هذا؟ للأسف! وما زلنا نجتر مثل نظريات المؤامرة.
نعود إلى ما كنا فيه – إخوتي وأخواتي -، هذا الموضوع علميا يحظى باهتمام هوسي، العلماء لديهم شيء أشبه بالهوس، أن يكتشفوا حياة في العالم الوسيع هذا، في العالم الوسيع! لكن هناك مُفارقة، هناك في الموضوع مُفارقة، إذا كان الكون فعلا بالسعة التي تذكرون يا معاشر العلماء؛ تريليونا مجرة، ثلاثمائة سكستليون Sextillion نجم، عشرون كوينتليون Quintillion كوكب! لأول مرة نذكر هذا الآن! وعدد الكواكب؟ نحن قلنا شيء رهيب! هو هذا الرقم طبعا، احفظوه! تريليونا مجرة، ثلاثمائة سكستليون Sextillion نجم، في تريليوني مجرة! والكواكب الآن بحسب الحسبة الأخيرة؟ عشرون كوينتليون Quintillion. الكوينتليون Quintillion عشرة أس ثماني عشرة، أي مليون تريليون! سبعون كوينتليون Quintillion كوكب! معقول أن الأرض وحدها استضافت الحياة؟
عالم أمريكي من جامعة كورنيل Cornell، مشهور جدا طبعا – أنا عندي ربما مُحاضرة عن الحياة العاقلة في الكون من قبل حوالي خمس وعشرين سنة في مسجد الهداية، مُسجلة وموجودة ربما صوتيا إلى الآن على النت Net! أنا ذكرت فيها هذا العالم، ولخصت له كتابا آنذاك، قبل رُبع قرن -، اسمه فرانك دريك Frank Drake! من جامعة كورنيل Cornell بأمريكا! عالم أمريكي مشهور جدا! العجيب أنه مات في الثاني من سبتمبر، السنة هذه! قبل أيام! فرانك دريك Frank Drake! لكنه ربما اكتحلت عينه برؤية صورة جيمس ويب James Webb، وربما رأى أن جيمس ويب James Webb وعد مُزهر – بإذن الله – في سبيل تثبيت أو التدليل على أو ترجيح وجود حياة عاقلة ربما في المجرة. مات وقد اكتحلت عيناه، في الثاني من سبتمبر! وهو مواليد ألف وتسعمائة وثلاثين، فرانك دريك Frank Drake!
المُهم، هذا العالم – أيها الإخوة – اعتنى بهذا الموضوع، ووضع مُعادلة اسمها مُعادلة دريك Drake، Drake equation. Drake equation؛ هذه المُعادلة دون أن نذكرها، وهي بسيطة سهلة، فيها سبعة حدود، أي Terms، كما يُقال الحد الرياضي والحد المنطقي، Terms! فيها سبعة حدود! N هو عدد الكواكب المبحوث عنها، الصالحة للحياة، والقادرة على ماذا؟ على التواصل الذكي معنا. هذا الرمز N! يُساوي ماذا؟ عندك سبعة حدود الآن! أولا، أول شيء – كلها رموز، سبعة، كل رمز مضروب في الذي يليه، مضروب في الذي يليه، ولذلك الأمور تُصبح واضحة أكثر -، الرمز الأول نسبة النجوم أو نسبة تكون النجوم في المجرة، أي ال Formation، أي عدد النجوم، هذا معناها، أي باختصار! نسبة تكون النجوم في المجرة.
ثانيا نسبة النجوم التي لها نُظم كوكبية، وقلنا نحن اليوم قبل قليل كل بين ستة نجوم يوجد نجم واحد له منظومة كوكبية. أي هذا الجواب تقريبا أُجيب عنه، هذا ال Term أصبح معلوما، الحد! والحد الأول تقريبا أيضا معلوم، عندنا ثلاثمائة سكستليون Sextillion نجم في الكون، عجيب! وهذا الثاني معروف، حسبناه! الآن سوف نرى الثالث.
جيد، بعد ذلك نسبة ماذا؟ قلنا ماذا؟ النجوم التي لها كواكب. ثالثا نسبة النُظم الكوكبية الصالحة لاستضافة الحياة، التي يُمكن أن يكون عليها حياة! وهنا كلام طويل، وإن أردت أن تتوسع فيه، فاذهب واقرأ في علم الأحياء الخارجي أو الخارجية، الذي ذكرناه اليوم، Exobiology، اقرأ فيه! علم كامل عن هذا الموضوع طبعا، علم! مُجلدات! بعد ذلك نسبة الكواكب التي استضافت حياة، وطورت ماذا؟ حياة عاقلة. ليس مُجرد حياة، لا! حياة عاقلة ذكية.
خامسا نسبة الكواكب التي طورت حياة عاقلة ذكية قادرة على التواصل. تقدر على أن تبعث إشارات، إشارات كهرومغناطيسية، مثلما نحن فعلنا وأرسلنا رسالة اسمها Arecibo Message، من مرصد أريسيبو Arecibo في بورتوريكو، أعتقد في السبعينيات، وأيضا كان المسؤول الكبير كارل ساغان Carl Sagan. بعثنا رسالة للعوالم الخارجية، في اتجاهات مُحددة طبعا، معروفة! وهذه الله أعلم متى يستلمونها، إن وجدوا طبعا، بعد عشرين مليون، بعد مئة مليون، بعد عشرة آلاف سنة ضوئية، لا ندري! لأنها رسالة ماذا؟ راديوية.
طبعا التلسكوبات عموما أنواع، أهم الأنواع وأشهر الأنواع تلسكوبات بصرية ضوئية، مثل هابل سبيس تلسكوب Hubble Space Telescope، ومثل جيمس ويب سبيس تسكوب James Webb Space Telescope، معروفة! خاصة جيمس ويب James Webb هذا، بال Infrared، بالأشعة تحت الحمراء، وهنا أهميته. المُهم، ويُوجد عندنا تلسكوبات مُختلفة، لا تعوم في الفضاء، مثل هابل Hubble وجيمس ويب James Webb، تبقى على الأرض، وهي ضخمة! أضخم واحد في الصين، اعتقد بُني في العشرية الأخيرة هذه، ربما في ألفين وستة افتُتح. هذا قُطره خمسمائة متر، نصف كيلو! شيء مُخيف! تخيلوا من أيام غاليليو Galileo، كان قُطر التلسكوب ثلاثة سنتيمترات، سنتيمترين، خمسة سنتيمترات، عشرة سنتيمترات، وبعد ذلك بدأ يتسع، خمسمائة متر! في سهل كبير جدا جدا، مُحاط بغابات! شيء مُذهل مُخيف! اسمه سكاي آي راديو تلسكوب Sky Eye Radio Telescope، عين السماء! اسمه عين السماء.
إذن يتحرك هذا؟ كيف تحركه هذا؟ هذا معمول من صفائح، يتم تحرك هذه الصفائح، لكن ليس مرة واحدة، بطريقة مُعينة، حتى نُقطة التبئير أو التركيز تختلف كل حين وحين! بمثابة ليس عين هذا، لا، بمثابة أُذن، تتنصت على الكون. هابل سبيس تلسكوب Hubble Space Telescopeهذا عين، جيمي ويب سبيس تلسكوب James Webb Space Telescope عين، ترصد السماء، الراديو تلسكوبس Radio telescopes هذه بمثابة ماذا؟ آذان، مُصغية مُصيخة، مُصغية مُصيخة إلى السماء. تلتقط ماذا؟ التلسكوبات البصرية الضوئية الإشعاعية، تلتقط ماذا؟ كما قلنا أشعة، أشعة مرئية أو تحت طيف المرئي أو فوقه! لكن هذه التلسكوبات الراديوية أيضا تلتقط أنواع من الأشعة، موجات! لكن موجات ماذا؟ راديوية، موجات راديوية! موجات ال Radio أو الراديو، وموجات الضوء، كلها في الأخير ماذا؟ موجات كهرومغناطيسية. نفس الشيء! لكن هذا شيء وهذا شيء، هذا عنده طبيعة وهذا عنده طبيعة.
فالتلسكوبات الراديوية العملاقة الضخمة هذه، موجودة في بورتوريكو، وطبعا في أمريكا، في أستراليا، أعتقد واحد ربما اسمه أسكاب ASKAP، شيء رهيب! هذا التقط في ألفين وتسعة عشر إشارة غريبة جدا، يُسمونها The ghost، الشبح! جننت العلماء، إلى الآن ليس عندهم تفسير لها. وأنتم تعرفون أن الإشارات التي تأتي سواء من النجوم النابضة أو من أي شيء، حتى من الأرض، من أي مصدر! كلها تكون Typical، أي تكون نموذجية، معروف! هذه إشارة كذا، كذا، كذا! وعندها أنماط Patterns مُحددة، العلماء يعرفونها تماما. هذه الإشارة غير نمطية، عشوائية تماما، وحيرت العلماء، والتقطوها سبع عشرة مرة في سنتين! جننتهم! تأتي بنمط مُعين، ثم تختفي! وبعد ذلك تأتي فجأة، في وقت غير مُتوقع، بنمط آخر، ثم تختفي! شيء غير طبيعي! ما هذه؟ هذه إحدى الإشارات التي يُمكن أن تكون من حضارات عاقلة، موجودة في الكون، تُريد أن تتواصل معنا. سموها ماذا؟ الشبح. من تلسكوب راديوي! هذا هو التلسكوب الراديوي!
التلسكوبات الراديوية مُهمة لماذا يا إخواني؟ إلى قبل إطلاق جيمس ويب James Webb هذا في الفضاء كان أكبر التلسكوبات، مثل هابل سبيس تلسكوب Hubble Space Telescope هذا، يُمكن أن يغوص إلى أربعة مليارات سنة ضوئية في عُمق الكون، وهذا شيء مُخيف جدا جدا! أربعة مليارات سنة ضوئية يلتقط إشارات، من مسافة أربعة مليارات سنة ضوئية! لن نتكلم عن كيلومتر الآن، طبعا كل سنة ضوئية تُساوي كم؟ عشرة تريليون كيلومتر. عندك أربعة مليارات، أربعة ملايير، سنة! أف! واضرب طبعا! شيء لا يكاد يُصدق! أما التلسكوبات الراديوية، فتخيل أنها تستطيع أن تلتقط إشارات راديوية على عُمق ستة عشر مليار سنة ضوئية، ولذلك هي مُهمة جدا جدا، عملاقة وهامة جدا!
فأطلق العلماء في أيضا مطلع السبعينيات، أعتقد في أربع وسبعين أو شيء مثل هذا، رسالة سموها ماذا؟ رسالة أريسيبو Arecibo! من بورتوريكو، راديوي! كان كارل ساغان Carl Sagan هو المسؤول! تُحاول أن تُعرف المُستلمين المُفترضين، إذا وجد هذا المُسلتم لهذه الرسالة، مَن نحن؟ ما كوكبنا؟ ما وضعنا؟ كيف تفهمون الرسالة؟ كيف تفكونها؟ كيف تقرأونها؟ معلومات رياضية، الأرقام من واحد إلى عشرة مثلا، بعض العناصر الكيمياوية، وخاصة التي لها علاقة بالحياة! الأكسجين Oxygen، نيتروجين Nitrogen، أي آزوت، هيدروجين Hydrogen، الكربون Carbon، ال Carbon أهم شيء، أشياء مثل هذه! شيء عجيب! هذه رسالة راديوية، لكن على بيونير ١٠ Pioneer 10 وبيونير ١١ Pioneer 11، وبعد ذلك فوياجر ١ Voyager 1 وفوياجر ٢ Voyager 2، ماذا عملوا؟ لا، بعثوا رسالة في لوح، لوح! لوح عليه رسومات وعليه تشفيرات، رسومات وتشفيرات! واذهبوا واقرأوا عنه، مكتوب وسوف ترونه طبعا وترون كل مُحتوياته، اسمه ماذا؟ اسمه لوح بيونيرPioneer ، بيونير بلاك Pioneer plaque. بيونير بلاك Pioneer plaque؛ لوح بيونير Pioneer! وضعوه، وألصقوه عليه هكذا، أي ثبتوه!
لوح من ذهب هو تقريبا، مادة ذهبية هكذا، ومطلي بأشياء، وعليه صورة رجل يرفع يده كالمُحيي، إلى جانبه امرأة واقفة، تُرسل يديها. كارل ساغان Carl Sagan كان يُريد أن يجعلهما مُتماسين، ثم قال لا، لعل الكائنات الفضائية تحسبهما كائنا واحدا، وهذا شكله. قال فافصل بينهما. المُهم، قصة! رسالة يُمكن في يوم من الأيام أن تُقرأ، لو كانت هناك كائنات فضائية، والتقطت هذا المسبار واستطاعت أن تقوم له بإهباط قسري مثلا! سيقرأون الرسالة، رسالة! كأنها رسالة كالتي كانت تُوضع في (فلاشات) الماء، وتُوضع في المُحيطات، في انتظار مَن يقرأها! وهناك رسائل راديوية مُشفرة كما قلنا. هذه نفس الرسالة! الذي هو ماذا؟ بيونير بلاك Pioneer plaque. أُرسلت في بيونير ١١ Pioneer 11، ونفس الرسالة مع بسط ومد، أخذوها بالذات ووضعوها على لوح نُحاسي مُذهب وفيه مادة اليورانيوم المُشع؛ لكي يعرف المُستلمون متى أُرسل هذا اللوح، عُمر هذا اللوح! إذا كان عندهم تقنيات القراءة بالأشعة، إلى آخره! أُرسلت مع فوياجر ١ Voyager 1، وفوياجر ٢ Voyager 2 في سنة ألف وتسعمائة وسبع وسبعين، وبسطوها طبعا.
في الجهة الثانية من اللوح هذا النُحاسي المطلي بالذهب مئة وست عشرة صورة، لكوكب الأرض والمجموعة الشمسية، وكثير مما يتعلق بالأعراق، أي ال Races، الأعراق البشرية! في الجهة المُشفرة يُوجد عندك حوالي إحدى وعشرين دقيقة صوتية، منها تحية من المُدير العام للأمم المُتحدة، هناك رسالة بصوت الرئيس الأسبق جيمي كارتر Jimmy Carter، ويُوجد عندك تحيات؛ السلام عليكم، كيف حالكم يا جماعة هذا الربع؟ إن شاء الله بخير، سلمكم الله! خمس وخمسون لُغة! خمس وخمسون لُغة تتمنى السلامة للمُستلم، أي نحن جيدون وطيبون وأولاد حلال! نعم نقتل بعضنا ونذبح بعضنا، لكن نحن مُحترمون! لأنهم خائفون جدا، هم يُوجد نوع من الخوف على فكرة، من أن تُوجد تلك الكائنات الفضائية فعلا، وتكون بنصف عقل، ومُتطورة جدا!
وسوف نتكلم في هذا – إن شاء الله -، لكن في المُحاضرة، بعد صلاة الجُمعة. هناك شيء أشبه بالخيال! هل يُمكن أن تكون هناك فعلا حضارات فضائية ومُتطورة مثلنا؟ مثلك ماذا أنت يا حبيبي؟ أنت لا شيء على مقياس كارداشيف Kardashev؛ نيكولاي كارداشيف سكيل Nikolai Kardashev scale! أيضا اكتب وابحثا عنه! اسمه هذا ماذا؟ كارداشيف سكيلKardashev scale . على مقياس كارداشيف Kardashev الحضارة البشرية الأرضية هنا أقل شيء مُمكن يُنجز على الإطلاق! أي لم نقل بسم الله حضارة إلى الآن، نحن لم نبدأ، ولا شيء! سوف تقول لي وهل هناك ما هو أكثر من هذا؟ سوف تسمعون في المُحاضرة، شيء مُذهل، لا يكاد يُصدق! طبعا هل تحقق؟ لا أحد يعلم، بالعكس! يبدو أنه حتى من سابع المُستحيلات أن يتحقق المُستوى الخامس على مقياس كارداشيف Kardashev، المُستوى الخامس شيء لا يكاد يُستوعب إطلاقا! لكن لا يُوجد شيء مُستحيل، تبقى الحقيقة أعجب من الخيال!
على كل حال، قبل أن أُغادر المنبر، القرآن الكريم – بفضل الله – غاص بالإشارات، كلما غلغلنا النظر، كلما غلغلنا النظر وعمقنا الفكر، في كتاب الله تبارك وتعالى، بصراحة صادفنا وصدمتنا آيات، يُمكن أن تأخذنا في اتجاه الموضوع اليوم، ليس فقط آية النحل، وآية الشورى، وآية الطلاق، عندنا آيات أُخرى كثيرة، مثل آية العنكبوت؛ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ *، معناها إشارة أيضا، بصراحة واضحة، واضحة! أنه يُمكن في يوم من الأيام أن نستعمر ماذا؟ الكواكب! وربما الكواكب الخارجية ال Exoplanets، أي ليس كواكب المجموعة الشمسية، كواكب أُخرى في المجرة، ومَن يعرف؟ الله وحده أعلم، ربما كواكب خارج المجرة! كيف؟ سوف نرى أيضا!
هناك طرق ثانية طبعا، ليس لازما أن تسير وأنت تقيد نفسك بسرعة الضوء، يُوجد عندك أنواع من الثقوب الدودية، بين الأكوان المُتوازية، يُمكن أن تجعلك تجتاز مسافة مثلا خمسة عشر أو عشرين مليار سنة ضوئية في دقائق! شيء عجيب! لكن هذا يحتاج إلى طاقة رهيبة، ليست موجودة عند الكائنات الأرضية (الغلبانة)؛ نحن، النمل البسيط هذا! ويُمكن أن تكون موجودة عند حضارات، إن وجدت، على مُستوى أو على مقياس كارداشيف Kardashev، يُمكن أن يكونوا قد عملوها، يُمكن أن يكونوا موجودين!
لذلك – أيها الإخوة – نحن قد نبدو لهم مُجرد نمال – جمع نملة -، مُجرد نمال! يقول أحد العلماء هل فكرنا يوما أن نتواصل مع النحل أو النمل؟ أي التواصل الحقيقي! مَن؟ نمل ماذا؟ ونحل ماذا؟ هذا كلام فارغ! نحن لا نهتم بهذه الكائنات الحقيرة، أي بالنسبة لنا نحن! نحن يُمكن أن نكون لكائنات فضائية أحقر من نمال ونحال، ولا شيء! يروننا، وكل شيء، ولا يُريدون أن يتواصلوا معنا! هؤلاء مُصابون بالهبل – قال لك -، هؤلاء كائنات (غلبانة)، (هلفوتة) هذه! يُطيرون بعض الحديد، ويُسمونه جيمس ويب James Webb، ويفرحون ويهللون! ما هذا؟ وهذا كله كلام فارغ!
احتمال، هذا أحد الحلول المُقترحة لمُفارقة فيرمي Fermi! إنريكو فيرمي Enrico Fermi عالم الفيزياء الذرية النظرية الأمريكي، من أصل إيطالي، المسؤول رقم واحد عن بناء أول مفاعل ذري، عنده شيء اسمه مُفارقة فيرمي Fermi؛ Fermi paradox، في موضوع الحياة العاقلة في الكون، سوف نشرحها في المُحاضرة – إن شاء الله -، ونرى الأجوبة الخمسة أو الستة عن مُفارقة فيرمي Fermi.
فإذن القرآن الكريم لا يخلو من مثل هذه الإشارات، يُعجبني – وذكرت هذا قبل سنوات طويلة – الإمام الفخر الرازي – رضوان الله عليه – في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب، حين قال وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ *، قدّم السماء على الأرض؛ لأنه إن تسنى لهم هروب، فيكون في الأرض، ثم إن فُرض لهم – يقول، هذه عبارته – قدرة – أي أكبر وأزيد -، فيهربون إلى أين؟ إلى السماء. ومع ذلك يظلون في قبضة الله، لا إله إلا هو!
لكن الآية إشارة مرة أُخرى أكثر من واضحة إلى أننا – أشبه بالوعد هذه، Promise – سنستعمر السماء، سنستعمر الكواكب الخارجية. وتدعمها آية الجاثية؛ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ *، كله! ما دام هو مُسخر، سوف يأتيني يوم وأستفيد منه وأرتفقه، كما أن الجمل والشياه والمعز والأبقار مُسخرة واستفدت منها، وكما أن الأرض مُسخرة واستفدت وفجرت الجبال وشققت المُحيط أيضا وبنيت في المُحيط وبلغت المُحيط، يُمكن أيضا أن أستعمر وأستثمر وأرتفق السماوات!
أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ *، قال لك ٱلْخَبْءَ * الشيء المخبوء. هناك ناس قالوا يُخْرِجُ * هنا يُخرج النبات، و: ٱلْخَبْءَ * هنا النبات؛ لأنه يكون دائما مخبوءا في البداية، ثم يبزغ من الأرض. إذا هنا ٱلْخَبْءَ * هو النبات، أو يحتمل أن يكون معناه النبات، وهناك خبء في السماوات، فمعناها هناك أنواع نباتات في السماوات أيضا. هذه إشارة أيضا! كثير! القرآن مليء، القرآن عجيب! حين تُغلغل فيه النظر، تجد أنه مليء بالإشارات التي يُمكن أن تؤشر إلى وجود حياة في كواكب وفي عوالم أُخرى.
اللهم علمنا ما ينفعنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اهدنا واهد بنا. اللهم اجعلنا هُداة مُهتدين، غير ضالين ولا مُضلين، سلما لأوليائك وعدوا لأعدائك، نُحب بحُبك مَن أحبك، ونُعادي بعداوتك مَن خالفك. اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجُهد وعليك التوكلان **، وبك المُستغاث وأنت المُستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك، لا إله إلا أنت سُبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارا، اجزهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات مغفرة ورضوانا، واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميع قريب مُجيب الدعوات.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم مَن أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومَن أمته منا، فأمته على الإسلام والإيمان، بحق لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
عباد الله/
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.

فيينا (9/9/2022)

الضبط الدقيق ومصرع الإلحاد

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

هذا السياق الجليل المُزلزل من سورة النمل، يُمكن أن يتناوله المؤمن من زوايا عدة! كل منها تصلح أن تكون زاوية مركزية وأساسية لفهم هذا السياق الجليل الكريم.

إحدى هذه الزوايا؛ مثل هذه الآيات تبعث برسالة صادعة زاعقة واضحة، لكل مَن استعلن بالإيمان والإسلام لله تبارك وتعالى! رسالة لكل مَن استعلن بالإيمان والإسلام؛ أسلم وجهه لله تبارك وتعالى.

هذه الرسالة مزيدا – أي تُطالب وتدعو مزيدا -؛ مزيدا من العرفان، مزيدا من التفكر، مزيدا من التأمل. هذه الآيات تبغي وتقصد إلى أن تُخرجنا من حالة الغفلة، ومن حالة الاعتياد البليدة، التي تتبلد معها حواس الإنسان، بل تخمل معها وبها وبسببها ملكات الإنسان العقلية! بسبب حالة الاعتياد.

هذه الآيات – أيها الإخوة – تُريد أن تبعث فينا حالة مُقابلة، حالة مُعارضة، وحالة مُختلفة عن حالة الاعتياد هذه، أَمَّنْ *… أَمَّنْ *… أَمَّنْ *… أَمَّنْ *… أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ *…، ولم يقل تبارك وتعالى أرب مع الله! وسوف نرى العبرة، أو شيئا من العبرة، والحكمة في ذلك، في هذا العدول عن نعت الربانية إلى وصف الإلهية.

ولذلك – إخوتي وأخواتي – الأمة المسلمة اليوم، نحن معاشر المسلمين، أجدر وأقمن الناس أن نستجيب لهذه الرسالة الإلهية؛ لأننا تقريبا عديمو المعرفة فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية والكونية. لا نكاد نُساهم بشيء، لا نكاد نعرف شيئا!

مَن يعرف منا، إنما يُردد نزرا يسيرا، مما كشف عنه غيرنا، بالجهود والعرق والأموال والسهر والتعب وتطويل الفكرة! عيب، خزي والله، شيء مُحزن، أن أمة هذه الآيات، أمة هذا الكتاب العزيز، لا تكاد تعي شيئا من آيات الله في الآفاق، لا تكاد تعي شيئا! لا تكاد تفهم شيئا من هذه الآيات. ولذلك تجد المسلم عرفانه بالله ضعيف جدا، ضعيف جدا!

حدثتكم ربما في الأسبوع الماضي عن مسلمة صالحة، فيما يبدو وفيما يظهر لها عند نفسها من نفسها، بل كانت تكتب القصائد والمكتوبات، تُوجهها إلى رب العزة، لا إله إلا هو! تكشف فيها وتُبين عن مدى حُبها وتعشقها لله، هكذا تقول!

ومع أول محنة بسيطة – لا بُد أن يُمتحن بأعظم وأجسم منها كل واحد منا، لا استثناء -؛ فقدت صديقتها، بدأت تُجدف على الله تبارك وتعالى! حتى أنها فقدت إيمانها في ساعة! قالت له لست بإله، الذي يفعل هذا!

عجيب! أين المحبة؟ وأين العشق؟ وأين المعرفة؟ يبدو أنها أوهام! أوهام محبة، وأوهام عشق، وأوهام ادعاء. يبدو أن الله في صدرها ليس أكبر من جبل! ليس حتى أكبر من حائط! لماذا؟ ما سر هذا التعبير الجريء مني – وأستغفر الله، اللهم غفرا، إن زل اللسان أو زلق الجنان -؟

لأنها لو كانت تمشي بعربتها، بسيارتها، بدراجتها، وصدمت بحائط أو صدمت بجبل، فإنها لن تقف تُجدف في حق هذا الجبل أو الحائط وتلعنه وتُحاول أن تُزيله من مكانه. تعرف أنها لا تستطيع؛ لأنه حائط.

بالعامية يقولون اضرب رأسك في الحائط! هكذا يقولون! فكيف لو كان هذا الحائط خرسانيا مُسلحا أو كان جبلا؟ يبدو أن الله عندها أضعف من جبل، أقل من جبل! لذلك هي تُجدف عليه.

مثل هذه الامتحانات الصعبة جدا، المُزلزلة، تكشفنا، تفضحنا أمام حقيقة دعاوى الإيمان فينا. ولذلك لا تستغربوا ولا تعجبوا من مسلم يُصلي ويصوم ويختلف إلى بيوت الله، ويسمع الخُطب والمواعظ – أيها الإخوة -، ثم هو يتغول أموال الناس، ثم هو يحلف باسم الله كاذبا، ثم هو يجترئ على انتهاك محارم الله، الكبائر والفواحش، عجيب!

ثم لا يزال عند نفسه، في حُسبانه وظنه، المؤمن الصالح الرائع! الرائع! ربما خاطب ربه، كما خاطبه ذلك الموهوم المُشتبه؛ قدير يا رب أنك خلقت هذا الإنسان الرائع! يُشير إلى نفسه، هو عند نفسه رائع استثنائي، هو استثنائي وليس اعتياديا. كل هذا من قلة المعرفة!

مثل هذه الآيات تفتح لنا كوة، نافذة، تشق وتنهج لنا طريقا، إلى معرفة الله تبارك وتعالى، هو من أعظم وألحب وأضمن الطرق لمعرفته تبارك وتعالى! طريق يجعلك تُدرك تماما، تماما، حجمك بإزاء طرف يسير، يكاد يكون قطرة في مُحيط قدرة الله، من قدرة الله! تُدرك طرفا يسيرا من قدرة الله، من جلال الله، من عظمة الله! قطرة من مُحيط عظمة الله! التأمل في الأكوان، التأمل فيما خلق الله تبارك وتعالى.

وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى *، المُصطفون هم المُرسلون والنبيون، الذين لم يُجدفوا في حق الله تبارك وتعالى، ولم يتخونهم انهزام، أو بلاء عظيم حل بساحتهم أو أصابهم، لم يتخون إيمانهم، فضلا عن أن يجتافه ويجتثه من جذوره، أبدا!

لذلك لهم السلام، هم دُعاة السلام ولهم السلام، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى *، سلك الله بي وبكم وبكل إخواننا من المسلمين والمسلمات طريق المُرسلين؛ ليكونوا قدوتنا وأسوتنا ورادتنا.

آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ *، السَّمَاوَاتِ *؟ السَّمَاوَاتِ *! وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ *، هل أفلح وهل يُفلح البشر في أن يخلقوا مُجرد بذرة؛ Seed، بذرة واحدة؟

حتى لو جاءوا بالبرنامج الوراثي، واستنسخوه كما هو، وصنعوا بذرة، لن يكونوا فعلوا أكثر من أنهم قلدوا، هم قلدوا! لكنهم لم يخلقوا، لم يُبدعوا، لم يُنشئوا، هم قلدوا! على أنهم لم يُقلدوا إلى الآن.

لم يُقلدوا إلى الآن! لم يخلقوا بذرة، تنبت وتُصبح دوحة فينانة! لم يحدث هذا، ولو حدث، لكان محض تقليد، ليس إلا! على أن هناك التبجح البشري، وهذا التبجح يعظم نصيب المرء منه بقدر جهله بالله، بقدر بُعده من الله، بُعده من الله تبارك وتعالى!

وللأسف الشديد يقف المرء على نماذج كثيرة من هذا التبجح الفظيع الغليظ، لأُناس في الغرب هنا، يدّعون المعرفة والعلم، من العلمويين الذين ألّهوا السُلطان البشري، سُلطان العقل والعلم البشريين، و: نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ *، يتبجحون بطريقة غريبة جدا، تُثير الاشمئزاز.

اللورد جيفري Lord Jeffrey – وتبحث عنه؛ اللورد جيفري Lord Jeffrey هذا! مَن هو هذا؟ ليس حتى فيلسوفا، وليس عالما كبيرا، ولا مُخترعا، مُجرد كاتب، صحفي! مُجرد كاتب، صحفي، في القرن التاسع عشر – يقول تبا لهذا النظام الكوني! نجومه بعيدة جدا، وكواكبه شبه مُعتمة، كنت أستطيع أن أصنع واحدا أفضل!

ما شاء الله، ما شاء الله! انتبه، عجيب! هذا لم يدخل موسوعة مشاهير المجانين، أبدا! لورد جيفري Lord Jeffrey! ويتبجح! ويتبجح الجهلة من أمثاله بأمثال هذه المقولات. تستطيع أن تصنع نظاما كونيا أفضل؟ اصنع بذرة، اصنع بروتونا Proton، اصنع كواركا Quark! الكوارك Quark!

وهو طبعا لم يكن يعلم، لا إلكترونا Electron ولا بروتونا Proton ولا كواركا Quark! في القرن التاسع عشر هذا. نحن الآن بلُغة العصر نقول له اصنع كواركا Quark واحدا، أقل بنية، ميونا Muon واحدا، ميزونا Meson واحدا. غفلة غريبة!

هرمان هلمهولتز Hermann Helmholtz؛ عالم الأحياء، وعالم الفيزياء، وعالم البصريات؛ الـ Optics، الألماني الشهير، بتبجح فظ، وصبياني، من وجهة نظري، يقول لو أتى أحدهم وقدّم لي عينا، كهاته العين التي نمتلك، صنعها هو، لرددتها إليه، ولعبت عليه مثل هذه الأخطاء الفظيعة، كنت أستطيع أن أصنع أفضل منها!

ما شاء الله! إلى اليوم لم يستطيعوا يا هرمان هلمهولتز Hermann Helmholtz، لم يستطيعوا! إلى الآن يُحاولون بكل هذه التقنيات النانوية، التي لم يكن يحلم بها هلمهولتز Helmholtz، ولا كل مجُايليه، ولا كل مُعاصريه!

لم يستطيعوا أن يصنعوا عصبا بصريا حقيقيا، بكفاءة عصب بصري، فضلا عن أن يصنعوا العين الكاملة، بهذه الدقة. وعلى كل حال، لو فعلوا، يُقلدون. أنتم مُجرد مُقلدين!

يُعجبني مقالة كاتب أمريكي، لديه فلسفة رائعة وفهم عميق في هذه المسائل، أجرى مثل هذا الحوار بين مُلحد مُجدف، وبين رب العزة، لا إله إلا هو!

يبدو أن هذا المُلحد المُجدف ينتمي إلى عصر لا يزال قابعا في المُستقبل، عصر مُتقدم جدا! يقول لربه حتى أنا أستطيع أن أصنع بشرا، كما صنعت! ربوتات Robots مُتقدمة جدا جدا، ربما! فقال له الله تبارك وتعالى لكن عليك أن تأتي بالطين. قال الطين موجود. قال لا، هذا طيني أنا، اصنع طينك أنت. لا إله إلا الله! إفحام شديد!

لذلك أعظم سؤال في الفكر البشري، أعظم سؤال في الفلسفة، كما وصفه مارتن هايدغر Martin Heidegger المُلحد؛ لماذا يُوجد شيء عوضا من لا شيء؟ Why is there something rather than nothing?، هكذا يقولون!

لماذا يُوجد شيء بدلا من لا شيء؟ أي لماذا يُوجد أي شيء؟ ليس فقط البيج بانج Big Bang والـ Singularity، لا! أي شيء وُجد، لماذا وُجد؟ كيف وُجد؟ كيف انوجد؟ أصعب سؤال على الإطلاق! وليس له حل، إلى الآن لا يُوجد حل!

الحل الصحيح الذي يقبل به العقلاء؛ لا بُد أن تكون هناك قوة أكبر من هذا الشيء الذي وُجد وخُلق، هي التي أوجدته وقدّرته وصممته وكونته. عجيب! الله تبارك وتعالى.

آلن سانديغ Allan Sandage – سانديغ Sandage يُعتبر أحد مؤسسي علم الفلك الحديث؛ الـ Modern astronomy، الأمريكي! وهو مُكتشف أشباه النجوم؛ الكويزارس Quasars. الكويزارس Quasars سانديغ Sandage اكتشفها، عالم كبير – يقول أرى أن من المُستبعد للغاية أن ينشأ مثل هذا النظام في الكون – في الـ  Universe-، من الفوضى – الـ Chaos، الكيوس! يُسمونها الكاوس بالألماني، من الكيوس! من المُستبعد جدا -. نعم إن الرب بالنسبة إلي سر غامض!

طبعا! مَن يقول إن الله ليس غامضا؟ غامض وغامض جدا، لا إله إلا هو! كيف لا يكون غامضا وليس له مثيل؟ واحد أحد، لا إله إلا هو! نحن نعرفه بمقدار ما تعرف إلينا فقط. أما هو – كما نقول دائما، هو في نفسه، في ذاته، لا إله إلا هو -، فما علمه حق العلم، إلا هو، لا إله إلا هو! بلا شك هو غامض، لكنه موجود، رُغما عنا.

يقول الله بالنسبة لي غامض، ولكنه الجواب عن مُعجزة هذا الوجود. كيف وُجد هذا الوجود؟ كيف وُجد هذا العالم؟ كيف وُجدنا نحن، الكائنات الحية العاقلة، التي تطرح هذه الموضوعات العلمية والميتافيزيقية، شديدة التجريد وبالغة الصعوبة؟ الله. يقول سانديغ Sandage!

هذا الرجل مُتواضع، ليس مُتبجحا، فاهم! هذا فاهم، مُحترم، يستطيع أن يستخدم ملكاته العقلية بطريقة صراطية مُستقيمة، ليس مُشوشا، هو ليس مُشوشا! التشويش أضل ناسا كثيرين. ليس ربما دائما في كل مرة النية السيئة! التشويش، التشوش! التشوش!

على فكرة، حين كنت صغيرا، كنت أسمع عن أُناس في بلادنا، قرأوا الكثير! يقرأون كل شيء، حتى مجلة طبيبك ومجلة سيدتي، كل شيء يقرأونه! أُصيبوا بالجنون! تعرفون لماذا؟ ليست المسألة أن تقرأ كثيرا، وأن تحفظ كثيرا، وأن تطلع على معلومات كثيرة!

صدقني، أن تقرأ قليلا وفق نموذج، وفق خُطة، وفق مُسلمات، وفق مُنطلقات، أفضل مليون مرة من أن تقرأ الكثير وفق لا خُطة. لا تُوجد خُطة إرشادية، لا يُوجد منهج، أبدا! قد تُجن. المسألة ليست علما، واكتشف، وهات، وراكم معلومات، لا! لا بُد أن يكون لديك نماذج تفسيرية دقيقة، تقيك من التشوش، والضياع، والجنون، باسم العلم والفلسفة، وهو جنون!

يقول ولكنه – الله الغامض، لا إله إلا هو – جواب عن مُعجزة – سماها مُعجزة! Miracle؛ مُعجزة – الوجود، وعن سؤال – هذا كلام آلن سانديغ Allan Sandage – لماذا يُوجد شيء عوض لا شيء؟ قال أصعب سؤال جوابه الله! جوابه الله!

ولذلك يُعجبني – هذا في هامش، في خانة المُتواضعين – مقولة لشاعر أمريكي مُعاصر، وكاتب أيضا، وأستاذ جامعي، وكاتب مقالات، صحفي! ماذا قال هذا؟ عبارة عظيمة جدا!

قال مَن كان ليؤمن بالآتي؟ طبعا اقتبسها حقيقة، وأنا وصلت إليها عن طريق الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gould، العالم التطوري الشهير الأمريكي! وفي الحقيقة، هو عالم Paleontology، أي عالم إحاثي، يدرس الحفريات القديمة! علم الحياة القديمة، بالينتولوجيا.

ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gould في كتابه مُنذ زمن داروين، اقتبس هذا! أي في بداية فصل من فصول الكتاب الشهير هذا. فيقول هذا الشاعر والكاتب الأمريكي؛ شياردي Ciardi، يقول مَن كان سيؤمن بنملة، وهي لا تزال نظرية؟ مَن كان سيؤمن بزرافة، وهي لا تزال في طور التخطيط؟ إن عشرة آلاف من أساتذة المُمكن قادرون على محو نصف الغابة! يا سلام! من أروع ما يكون! فكر عجيب نافذ مصقول!

كأنه يقول قليلا من التواضع، خففوا من تبجحكم، تخففوا من غلوائكم، أيها العلماء والمُفكرون! تدّعون أن هذا لا يُعجبكم، وهذا ليس مُناسبا! مع أنكم، على الرُغم منكم، تنطلقون مما هو موجود!

إذا افترضتم أن هذا، أو سلّمتم اعتباطا، أن هذا صنعة الله – صُنع الله؛ هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ * -، فأنتم حتى معايير الكمال الموهومة لديكم، مأخوذة من ماذا؟ مما طُرح في الوجود، مما يحفل به معرض الوجود!

قال لو سألناكم؛ مَن منكم، وكم منكم، كان سيؤمن بفكرة نملة، قبل أن تُخلق النملة، وهي في إطار نظرية؟ تقريبا لا أحد. مَن كان ستُعجبه فكرة زرافة، وهي لا تزال في طور التخطيط، بعُنق طويل؟ لا أحد.

قال أمثالكم لو وُكل الأمر إليهم، لمحوا نصف المُحيط الحيوي، نصف الغابة! أنا أقول تقريبا لمحوا كل شيء. في تقدير مُتواضع جدا؛ تسعة أعشار! كل الأنواع سيمحونها، لن تُعجبهم هؤلاء المُتبجحين! لكن الحمد لله، الله لم يجعل تدبير الكون إليهم، ولم يجعل خُطة الخلق لهم، أبدا!

الله تبارك وتعالى أخبرنا أنه لو كان له شريك آخر، وقد يكون أكثر قدرة وعلما من هؤلاء المُتبجحين الصغار، على هذا الكوكب الصغير المُتواضع، لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ * طبعا، طبعا!

الله يقول لا، أنا الخالق، أنا الرب. وإذا سلمت وفهمت واقتنعت أنني خالق ورب، فسيقودك هذا حتما، وبخُطوة واحدة، من غير تردد، إلى ماذا؟ إلي التسليم بأنني إله، يستحق العبادة والشُكر.

لا من أجله، لا لأن هذا يزيده، أبدا! الله لا ينقصه، إِن تَكْفُرُوٓاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ *، وإنما من أجلك أنت، حتى تتزن، وتُصبح إنسانا محكوما بالوفاء والولاء للحقائق، ومُدركا لحجمه وقيمته، في هذا الكون، بإزاء الرب الجليل، لا إله إلا هو! فنسأل الله أن يشفينا من مرض التبجح، ومن الأوهام، ومن صنوف الغرور والغباوات.

إذن زاوية أُخرى – أيها الإخوة -، لا أدري هل سيتسع الوقت لها؟ لكن أسأل الله أن يتسع الوقت. زاوية أُخرى، ننظر من خلالها، إلى هذه الآيات العجيبة! إلى هذا السياق المُعجب المُذهل؛ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ *… أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ *… أَمَّنْ *… أَمَّنْ *… أَمَّنْ *… أَمَّنْ *…! في كل مرة أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ *، ثم التعقيب والتذييل، السبب! السبب!

وعلي كل حال، في حالات كثيرة لا يخلو الأمر، بما أننا تحدثنا للتو عن العجرفة، من ماذا؟ من الاستكبار! إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ *، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نعوذ بالله من شرور أنفسنا. كبر، نوع من الكبر! كنت أستطيع أن أصنع واحدا أفضل! لأعدت إليه العين! ما شاء الله، شيء عجيب!

أحد هؤلاء المُتبجحين أيضا قال الآتي! وذكرتها لكم قبل حوالي رُبع قرن؛ لأنها هزتني! وهو عالم في الأحياء المائية، أي الـMarine ، الأحياء المائية! وكانوا في رحلة إلى القُطب الشمالي، من فريق، خمسة أعضاء في هذا الفريق، في الليل البهيم وهو نائم، هذا المُتخصص في علم الأحياء المائية، اصطادوا سمكة أفعوانية عجيبة! ذات لون غريب! لم يُر مثله!

أيقظوه من النوم، وقالوا يا سيد، يا أستاذ، تفضل. قال لا، هذه السمكة غير موجودة. هو لم يدرسها من قبل، إذن هي ليست مُصنفة Classified، لم تُصنف! لا يعرف هو تنتمي لأي نوع، لأي جنس، لأي رُتبة، لأي فصيلة، لأي كذا، لأي Phylum؛ شُعبة! لا يعرف! ولذلك هو ألغاها من الوجود! قال هذه السمكة غير مخلوقة، غير موجودة. ثم عاد في غفوته. تبجح رهيب، تبجح رهيب! نعوذ بالله من شرور أنفسنا، نعوذ بالله من هذه النفسية.

لذلك انتبه، هذه أقولها؛ لأن بعضكم قد يسألني ماذا تُريد من هذا؟ أُريد أن أقول لكم شيئا، ربما لم تسمعوه من قبل! انتبهوا، علينا ألا نغتر بأي شيء يُلقيه عالم كبير، حتى حامل جائزة نوبل Nobel، بالذات في الغرب، الذي نتعلم منه الكثير، ولا نزال؛ لأن لديهم طريقة ونموذج في علاج هذه المشاكل، أحيانا يكون مُخيفا وفظيعا جدا وكريها!

مثل هذا التبجح لا يليق ببشر! حتى بين البشر أنفسهم، حتى من جيل لجيل، من دورة لدورة، لا يليق هذا التبجح! فكيف بإزاء رب العالمين؟ موجود هذا التبجح، موجود! هذا الاغترار، هذا الإعجاب، هذا الانتفاخ الرهيب، عند بعض هؤلاء – ليس الكل طبعا – موجود. ويُوجد في المُقابل، كما قلنا، تواضع عجيب! شياردي Ciardi هذا عنده تواضع عجيب! قال ستمحون نصف الغابة، بعقليتكم المُتبجحة هذه!

تفضيلات! اليوم ستسمعون شيئا، عن مُستشار الملكة الراحلة قبل أيام إليزابيث Elizabeth، الفلكي – من أعظم علماء الفلك في المملكة المُتحدة! وهو حائز على لقب سير Sir، الذي لا يحوزه إلا كبار العلماء؛ سير إسحاق نيوتن Sir Isaac Newton! رفضه ستيفن هوكينج Stephen Hawking؛ لأسباب – سير مارتن ريس Sir Martin Rees!

مارتن ريس Martin Rees صاحب Just Six Numbers؟ هو هذا! Just Six Numbers، فقط ستة أرقام! طبعا استُدعيَ مارتن ريسMartin Rees ؛ بسبب كتاب له تنبأ فيه عن ضربات الكورونا Corona في ألفين وعشرين، وهذا صحيح! هو عالم كبير، من كبار علماء الفلك.

هذا الرجل هو صاحب الكتاب الأشهر في هذا الباب؛ فقط ستة أرقام! ويتحدث عن ستة أرقام من عشرات الأرقام؛ لأن هذه الأرقام ليست فقط عشرين أو أربعة وعشرين ثابتا، كما كنا نظن، الآن ارتفعت القائمة! ثخنت، بدنت، سمنت القائمة، وأصبح فيها أزيد من مئة وخمسين عاملا وثابتا وشرطا!

لماذا؟ شروط لماذا؟ لكي نكون هنا، لكي يُوجد الكون والحياة والأرض والحياة العاقلة والذكاء والبشر؛ نحن. أكثر من مئة وخمسين عاملا! كل عامل من هذه العوامل له Range؛ له مدى! كان يُمكن أن يأخذ فيه قيما تطيفية.

أخذ قيمة مُحددة، التحرك عنها يسارا أو يمينا، بقدر أحيانا بالغ الضآلة، بطريقة لن تتخيلوها، يغير الكون! وسأذكر هذا بعد قليل، غير مُمكن أن تُتصور! خارجة عن كل الخيال والشطح البشري! لو تحرك يمينا أو يسارا، بهذه النسبة، بالغة الضآلة – شبيه بالانعدام، بالعدم -، يتغير الكون كله، ولن نكون هنا! الله أكبر! مَن يقول هذا؟ أي صوفي؟ مُحيي الدين بن عربي؟ الغزّالي؟ الرومي؟ سنائي الغزنوي؟ مَن؟ لا، العلماء والملاحدة.

مارتن ريس Martin Rees مُلحد تقريبا! مارتن ريس Martin Rees صاحب كتاب فقط ستة أرقام، والذي يُعطي هذه المعلومات بدقة عجيبة، وهو كتاب جميل، وأنصح به! لكنه في نهاية المطاف يقول الآتي عن هذا الضبط الدقيق لهذه الشروط وهذه الثوابت!

لأنهم يُنظمونها ضمن ثلاث فئات؛ فئة الشروط البدئية للكون Initial conditions، الشروط البدئية للكون! ثم فئة الثوابت الكونية Cosmic constants، ثم فئة القوانين الطبيعية. تترتب هذه الشروط وهذه الثوابت وهذه العوامل، ضمن الثلاث الفئات!

جيد! هو يقول أنا أعترف بهذا! فيما يُعرف طبعا بالضبط الدقيق؛ الأمور مولفة! كيف تضبط أنت جهازا ما؟ مثلا نفترض جهاز الرادار Radar، التلفزيون Television القديم؛ لكي يلتقط الموجة، الراديو Radio؛ لكي يلتقط الموجة، جهازا موسيقيا، جهاز صوت!

طبعا تحتاج إلى دقة. لا! هنا الضبط الدقيق أو التوليف أو التوافق؛ الـ Tuning، شيء فوق ما تتخيل الـ Tuning هذا! اسمه Fine، دقيق جدا! Fine-tuning.

يقول أنا أُسلّم أن الـ  Fine-tuningفي الكون. والكون كله محكوم بهذا الضبط الدقيق. لولا هذا الضبط الدقيق، لما وُجد كون! لما وُجد كون، ولما وُجدت حياة! نحن لن نكون موجودين؛ لكي نُناقش هذه المسائل ونعرضها ونتجادل حولها أخذا وردا، لن نكون!

جميل! يقول أنا أُسلّم أنه بلا شك دليل قوي جدا على وجود الخالق، لكن أنا من جهتي لا أُفضل هذا. عجيب! لا تُفضل؟ المسألة أصبحت تفضيلا؟ يعترف، عنده صدقية الرجل، لا يُفضل! أنا لا أُريد تفضيلا، أُريد البُرهان، أُريد الحُجة. هل لديك حُجة مُقابلة، أقوى من حُجة الضبط الدقيق، وهي حُجة علمية؟

تسمع اليوم شبابا – لن نقول أكثر من هذا؛ شبابا – يعملون مقاطع: ضد الضبط الدقيق، أوهام الضبط الدقيق! ويقول لك أحدهم يدّعي المؤمنون! لا والله، اقشعر بدني، والله ما ادّعينا، ولا نعرف هذه الأشياء.

هذه لم يدّعها إلا العلماء والملاحدة، أكثرهم ملاحدة! هذه لم يقلها مؤمن. لا يُوجد مؤمن اكتشف ثابتا من ثوابت الكون في هذا العصر، ولا مؤمن! ولا شيخ ولا رابي يهودي ولا قسيس مسيحي!

كل الذين اكتشفوها علماء في الكونيات والرياضيات والفيزياء والفيزياء الفلكية، إلى آخره! وعلم الحياة وعلم الجيولوجيا وعلوم كذا! كثيرة جدا! جيد! وخاصة علم الفيزياء طبعا، والفيزياء النظرية أو الذرية. ومُعظمهم ملاحدة، للأسف مُعظمهم! يُوجد منهم، نسبة لا بأس بها، مؤمنون، لكن مُعظمهم ملاحدة.

 قال لك يدّعي المؤمنون. لا، لم ندّع، إياك! لا تكذب على نفسك. أنا أحزن جدا، أشعر بالأسى، والله العظيم؛ لأنني أشعر أن هؤلاء الشباب يُحبون أن يُضللوا أنفسهم! واضح أنه يُضلل نفسه! بدءا من هنا، يكذب على الحقائق. نحن ادّعينا هذا؟ العلماء. وطبعا حين تقول له العلم الطبيعي المُحايد، يسكت!

العلم على فكرة، لا مؤمن ولا كافر. العلم لا يكون لا مؤمنا ولا كافرا، مللت وأنا أقول هذا، من ناحية فلسفية، أبدا! أنت تأخذ حقائق العلم، تضعها كـ Premises، أو مُقدمات، ضمن ماذا؟ ضمن استنتاجات، ضمن قياسات منطقية! وتخرج بالنتيجة التي أنت ترى أنها الأحق بالحق وبالاتباع. ويختلف الناس هنا.

هذا هو العلم، فقط! العلم ليس مؤمنا، ليس كافرا. يُعطيك موادا خاما للقياس. القياس في ملعبك أنت، اذهب وقس؛ حتى نرى! هذا الذي نفعله نحن! لذلك حين نتجادل في هذه المسائل، لا بُد في النهاية أن ينتهي الجدال إلى ماذا؟ إلى أُفق ماذا؟ منطقي وفلسفي! رُغما عنا وعنهم! لا تقل لي العلم.

لا، العلم لا يقول شيئا، في حكاية وجود الله وعدم وجود الله، لا يقول شيئا. العلم يُقدم حقائق كونية طبيعية، من كل الرُتب، أنت تضعها مُقدمات، في قياسات، أقيسة منطقية، ثم تصل إلى نتائج. هنا النقاش يبدأ! وهذا معروف طبعا، يعرف هذا كل العقلاء، كل الذين يتكلمون بعلم. فلا تقل لي يدّعي المؤمنون. لم يدّع مؤمن ذلك، ادّعى العلماء الملاحدة، أكثرهم ملاحدة!

فمارتن ريس Martin Rees يقول لك لكن أنا أُفضل الخيار الثاني! أي خيار؟ أي خيار؟ الآن ستسمعون، بالضبط الدقيق، شبه من المُستحيل أن تقول غير موجود إله، لا تستطيع أن ترفض، رُغما عنك، لكنهم رفضوا! لا إله إلا الله! الله قال وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *. الله قال لا، هناك ناس سيرفضون، ولو رأوا هذا.

تعرف، والله الذي لا إله إلا هو – وهم يذكرون هذا، وأنا أُقسم على منبر رسول الله -، والله لو كشف الله حجاب السماء، وظهر لهم بالخط الكبير، يقرأه الناس، ليس عبر الأرض، وإنما عبر الأكوان: أنا الله الذي لا إله إلا أنا! لاحتالوا في تأويلها!

يقول لك ظاهرة كونية، وتحدث! تحدث كيف؟ تحدث باحتمال واحد على عشرة أس خمسمائة. عشرة أس خمسمائة؟ أنت تضع من عندك أرقاما؟ لأنها مجانية! الأرقام والأصفار مجانية! فيضعها!

 ستقول لي لكن هم لم يعملوا هذا. لا، عملوا هذا! وقال لك هناك أكوان مُتعددة، وMultiverse! الكون الخاص بنا بلا شك مضبوط بدقة، Fine-tuned هذا الكون، مضبوط بدقة، أي Very very! ولكن – يقول لك هو – مَن قال لك إنه الكون الوحيد؟ ربما تكون هناك أكوان، لا نهاية لها!

ونقول له لا نهاية لها؟ أنت عالم طبيعة أو كونيات، تتكلم بمُصطلح لا نهاية لها؟ يتراجع طبعا! لأن من المعروف، أن أي حلول فيزيائية، حلول مُعادلاتية رياضية، تنتهي إلى ما لا نهاية، عليك أن تكبها في الزبالة! Rubbish!

يعرف هذا كل مَن درس الرياضيات، عليك أن تكبها في الزبالة! لماذا؟ لا يُوجد شيء في العلم قابل لأن يُدرس، ويُختبر، ويدخل في اختبار، حتى من أي نوع من الاختبارات العلمية، إلا وهو ماذا؟ محدود ومحصور. العلم لا يتعامل مع اللا نهاية! كيف ما لا نهاية؟ فيقول لك ليست أكوانا لا نهائية، بمعنى لا نهائية، وإنما كثيرة جدا! كم؟

أجاب الراحل ستيفن واينبرج Steven Weinberg، قال عشرة أس خمسمائة. عشرة أس ماذا؟ أحدهم يقول لي عادي، تحدث! تحدث؛ لأنك لا تفهم. الذي يقول هذا، لا يفهم. هناك ناس عوام، لم يدرسوا حتى في الثانويات! لا يفهم ما معنى عشرة أس مئة، وعشرة أس خمسمائة، ويقول لك هذه أرقام! أنا أقول عشرة أس خمسة آلاف!

قل؛ لأنها مجانية، نحن لا ندفع شيئا! لكن سألفت نظرك، وضروري أن أفعل هذا! رغم أن من العيب أن نعمل هذا، لكن هناك ناس لا يعرفون! أنا قبل أيام كنت أتناقش مع واحد، واتضح أنه لا يعرف! قلت له إذن يا أخي هل تعلم ما معنى عشرة أس خمسين وما إلى ذلك؟ قال لي معناها كذا وكذا! قلت له لا، أنت تأخذها هكذا!

الكون – قلت له – عمره ثلاثة عشر ألف مليون سنة! انظر، عمرك أنت أربعون سنة، خمسون سنة! الكون عُمره ثلاثة عشر… مليون؟ لا، ثلاثة عشر ألف مليون، أي ثلاثة عشر مليارا، هناك يُسمونها البليون Billion، ثلاثة عشر مليار سنة وسبعمائة مليون، أي تقريبا أربعة عشر مليار سنة.

قال لي نعم. قلت له كم ثانية فيه؟ نحول هذه العُمر؛ أربعة عشر مليار سنة – ليس ساعة، سنة -، إلى ثوان. قال لي لا يعلم هذا إلا الله. قلت له لا، تعلمه أنت. أنا الآن أحسب لك إياها، أحضر Calculator، في لحظة! اكتب أربعة عشر ألف مليون – سنة هذه -، ضرب ثلاثمائة وخمسة وستين! طلع عندنا ماذا؟ أيام السنة! أربع وعشرون، في ستين، في ستين! فقط!

قال لي ماذا يخرج؟ قلت له يخرج عشرة أس عشرين. قال لي ماذا؟ قلت له عشرة أس عشرين. بدأ يتراجع، قلت له الكون كله، أربعة عشر مليار سنة، عُمره – إذا أردنا بالقوى والأسس هذه – عشرة أس عشرين.

هنا ستبدأ تفهم ما معنى أن احتمال الشيء الفلاني أن ينشأ بالصُدفة، أن يأتي بالصُدفة، واحد على عشرة أس عشرين. شيء مُخيف مُرعب! شيء فوق ما تتخيل!

إذن هل تعرف ما معناها؟ أي شيء، هناك احتمال لأن يحدث، لكنه احتمال ضعيف! كم هو ضعيف؟ إلى أي حد ضعيف؟ واحد على عشرة أس عشرين! اختصارا يُسمونها ماذا هم؟ عشرة مرفوعة لناقص عشرين. هي هذه! Hoch minus-، أي Minus! عشرة أس ناقص عشرين، معناها واحد على عشرة أس عشرين، هذه هي!

جميل! ما معنى هذا؟ معنى هذا أن هذا الشيء، لو حدث في كل ثانية مرة – عملنا التجربة، عملنا التوليفة، في كل ثانية مرة -، واستمر هذا الحدوث والتجريب، كم؟ عُمر الكون؛ أربعة عشر مليار سنة! فمن المُمكن أن يتفق وقوعه مرة واحدة! في أربعة عشر مليارا!

ستقول لي فهمت، جزاك الله خيرا. وإياك يا حبيبي. لماذا؟ لأن بعد قليل حين أقول لك عشرة أس ناقص ستة وثلاثين، سوف تفهم أنت! مسألة مُخيفة مُرعبة! ستة وثلاثون؟ ستة وثلاثون. عشرة أس ناقص خمسة وخمسين! موجود؟ موجود. عشرة أس ناقص مئة وعشرين! ماذا؟ نعم! هذا علم، علم العلماء الملاحدة، ليس علم المشايخ والرابيين والقسس، هذا علمهم هم.

قال لك هذا لا يحدث، إلا باحتمال واحد على عشرة أس مئة وعشرين. Oh! تقول لي شيء غير طبيعي! أنا أُعطيك مثالا بسيطا، ونعود إلى ما كنا فيه.

والله أنا أتكلم، أُقسم بالله، قلبي هكذا ينبض، وجسمي يهتز! المُهم، نسأل الله أن يُثبت علينا عقولنا، وأن يُعطينا من الاتساق العاطفي والعقلي، والطهارة النفسية والعقلية؛ لكي نُسلم بالحقائق، ولا نُكابر.

والقضية ليست لعبا يا إخواني! وأنا أقول هذا، ويعلمه الله، والله هي ليست لعبا، ولا استعراض عضلات على المنابر، على فكرة، لا! القضية جد أكثر مما تتخيل! لا تلعب بدينك، لا تلعب بإيمانك.

بكرة تتوفى في أي لحظة، صدقني، هل جوابك مُعد بين يدي الله؟ تقول له يا رب كنت أعمل مقاطع على اليوتيوب YouTube، كنت أُناكف المشايخ، كنت أغيظ عدنان إبراهيم ومَن هم مثله، الذين لهم علاقة الإيمان، هؤلاء المُغفلين! لكن أنا كنت شاكا. شاكا؟ فاتك الأمر. لا تلعب، لا يُوجد فيها لعب، لا يُوجد فيها لعب! هؤلاء الكبار لا يلعبون مثلك على فكرة.

يُعجبني في مارتن ريسMartin Rees ، ومايكل شارمر Michael Shermer – وهذا ليس عالما، ولكن هذا الرجل هو المُتخصص رقم واحد ضد الخُرافة وضد الأديان وضد التفكير الغيبي وضد التفكير الميتافيزيقي -، أن عندهم من الصدقية، أن يعترفوا بالحد الذي لا يُمكن إلا أن يُعترف به!

ما هو؟ أن هناك ضبطا دقيقا! وهو دقيق جدا جدا جدا، ويدل على الله بطريقة أقوى مما تتخيل، وليس من السهل أن تتجاوزه، وتقول حصل! هو هكذا الذي حصل!

سأقول هذه، سأقولها! المبدأ الإنساني الضعيف؛ الـ Weak anthropic principle، سأرد عليها. اليوم الخُطبة تقريبا الذي بعثني على أن أعقدها هو الرد على الاحتجاج بالـ Weak anthropic principle هذا؛ المبدأ الإنساني الضعيف، ضد بُرهان التوليف الدقيق أو الضبط الدقيق، ضد الإيمان بالله عز وجل.

اليوم سأُجيب عن هذا الشيء – بإذن الله تبارك وتعالى -، انتبه! لأنه غاص، اليوتيوب Youtube غاص، أوهام الضبط الدقيق وما إلى ذلك! جواب؟ تظن أنك أجبت؟ تظن أنك أتيت بحُجة حقيقية؟ سوف نرى فلسفيا، فلسفيا وعلميا طبعا، فالقضية أخطر مما تتخيل!

مارتن ريسMartin Rees  يقول نعم، أنا أعترف، الضبط الدقيق بُرهان قوي جدا على وجود الخالق، لكن أنا أُفضل الأكوان المُتعددة! كيف يا مارتن ريسMartin Rees ؟ قال – ذكي هو – مع علمي أنها مسألة Speculative  – أي تكهنية، تخمينية -! لا تخلو من كثير من الشك، ولا تستند على أُسس علمية راسخة.

Oh! جيد جدا، حسن جدا! تعترف أنها تكهنات؟ هذه ليست نظرية علمية على فكرة، Multiverse ليست نظرية علمية، هذه فرضية هكذا! هل هي قابلة للاختبار؟ مُستحيل، لا يُمكن أن تُختبر! اختبار ماذا؟ أنت تتحدث عن أكوان خارج كوننا، وتختلف عن قوانين كوننا وعن طبيعة كوننا قليلا أو كثيرا!

نحن في الكون نفسه، كما قلنا، إلى الآن يُوجد عندنا حدود مادية طبيعية، تجعل من سابع المُستحيلات أن نرى آخره وأقصاه، شرحتها في الخُطبة السابقة، أليس كذلك؟ مُستحيل! إلى الآن تُوجد حدود طبيعية هكذا! طبيعة الضوء، طبيعة انتقال الضوء، لن نستطيع! مع التوسع؛ الـ Expansion، مع توسع الكون، مُستحيل أن نرى آخر الكون.

كيف سنرى أكوانا ثانية؟ كيف سندرسها؟ كيف سنختبرها؟ قال لك لا، هي غير قابلة للاختبار. غير قابلة للاختبار؟ بالمرة. أي فقدت أهم شرط في النظرية العلمية! فكيف إذن وهي غير قابلة للاختبار، وتقول لي فرضية، وتقول لي ذات طبيعة تكهنية أو تخمينية، غير مُستندة على أُسس قوية؟

وأكثر من هذا؛ ما فعله في ألفين وتسعة عشر، أستاذ الفيزياء فافا Vafa، في هارفارد Harvard! هارفارد Harvard أرقى جامعة في العالم! البروفيسور فافا Professor Vafa  لا أعرف ما أصله هذا، لكنه الآن أمريكي، مُتجنس، علّامة كبير! أخذ جائزة قبلها، في ألفين وثمانية عشر أو سبعة عشر، أخذ جائزة كبيرة في أمريكا، عالم كبير!

قال دعونا يا جماعة نؤدي خدمة بسيطة لنظرية الـ  Inflation- التي لها علاقة بآلان غوث Alan Guth، التضخم – ونظرية الأوتار الفائقة Superstring theory. نعمل لهما خدمة، لأنهما تُعانيان مشاكل كبيرة، وغير قابلتين للاختبار. دعونا نُحاول، ربما نجد زاوية مُعينة تجعل النظريتين قابلتين للاختبار.

ستقول لي ما علاقة هاتين بالقصة؟ لأن هاتين النظريتين هما مَن ولدا لنا فكرة ماذا؟ الأكوان المُتعددة. أي بغير الـ  Inflation theoryوالـ Superstring theory، لا تُوجد نظرية أو فرضية الأكوان المُتعددة، هذه هي!

فالبروفيسور فافا Professor Vafa  قال لك دعونا نختبر القضية هذه. ذهب وعمل دراسة مع فريق! النتائج كانت صادمة له هو، وللمُجتمع العلمي! قال الآتي عن نظرية التضخم! لكن طبعا ماذا كان المعيار؟ المعيار دراسة حقيقة كونية – أصبحت حقيقة من سنة ألف وتسعمائة وثماني وتسعين -، وهي تسارع التوسع الكوني.

الكون ليس فقط يتوسع، ويتسارع! وسُبحان الله، هذا أعاد الاعتبار، ألف وتسعمائة وثماني وتسعين، لألبرت أينشتاين Albert Einstein، الذي في النسبية العامة أقحم ما عُرف بالثابت الكوني الـ Cosmological constant! الثابت لامدا Lambda λ.

لامدا Lambda λ – يُرمز لها بالإغريقي باللامدا Lambda λ -، أقحمها في مُعادلاته في النسبية العامة، من أجل ماذا؟ من أجل أن يُقر الكون. النسبية العامة مُهمة! المُعادلات، الرياضيات! وهذا سأتكلم عنه اليوم، مُهم جدا جدا، من أهم محاور خُطبة اليوم.

الله أعطانا نظاما في العقل، ونظاما في الوجود، يدلنا عليه، من خلال دلالتنا على ماذا؟ على كيف يسير الوجود! على عقل الوجود، على روح الوجود! لِمَ كان الأمر كذلك؟ الله أراد ذلك. الحكاية ليست لعبة! والله، أشياء فوق ما تتخيلون، دعونا فقط نرى!

أُريد أن أوصل هذه الرسالة لأولادنا الصغار الملاحدة، الذين لا يفهمون ما الذي يحصل! المسألة أخطر مما تتخيل! تقول لا، عدنان إبراهيم! لا، ليس عدنان إبراهيم، ألبرت أينشتاين Albert Einstein. أينشتاين Einstein كان يفهم القضية هذه.

أنا قلت في الخُطبة السابقة لولا الدين والإيمان بإله واحد وحّد الكون ومخلوقاته، لما وُجد علم أصلا. أينشتاين Einstein كان أكبر مَن يرفع الراية هذه! ما رأيك؟ كان يقول لا أجد وصفا خيرا من وصف Religious؛ ديني!

لماذا يا ألبرت أينشتاين Albert Einstein؟ ديني ماذا؟ تتحدث عن الدين! ديني ماذا؟ قال لهذه الحقيقة. حقيقة ماذا؟ أن الكون محكوم بقوانين قابلة لأن نعقلها ونفهمها. الكون ليس فوضويا!

كتب الآتي في رسالته، قبل أن يُتوفى بثلاث سنوات؛ ألف وتسعمائة وثنتين وخمسين! وهناك كتاب بالإنجليزية، موجود حتى على النت Net، موجود مجانا، اسمه رسائل إلى سولوفين Solovine.

موريس سولوفين Maurice Solovine فرنسي، صديق ألبرت أينشتاين Albert Einstein. أينشتاين Einstein ظل يُراسله من سنة ألف وتسعمائة وست، إلى ألف وتسعمائة وخمس وخمسين! السنة التي تُوفيَ فيها أينشتاين Einstein؛ خمس وخمسين!

في ألف وتسعمائة وثنتين وخمسين هناك رسالة، تجدها في الكتاب هذا طبعا. قال له قد تجد يا مستر سولوفين Mr Solovine، قد تجد أن من الغريب أن أصف أنا بالإعجازي – هناك قضية إعجازية! Miraculous؛ إعجازية! قال له. ما هذا؟ ما الإعجازية؟ – نظام الطبيعة! نظام الكون!

وسماه أيضا السر الأبدي! Eternal mystery؛ اللُغز الأبدي، السر الأبدي! لماذا؟ أنت – قال له – يُمكن أن تستغرب مني؛ لأنني أتكلم باللُغة الدينية هذه. هذا دين! تقول لي مُعجزة، ومُعجز، وإعجازي، وخارق!

لا يُحبون، العلماء الطبيعيون لا يُحبون هذه اللُغة بالمرة، إياك أن تُدخل شيئا اسمه خالق للطبيعة وإعجازي! ويقولون لك هذا كلام فارغ، كله كلام دين! لا، ليس كلاما فارغا، هذه روح الوجود، رُغما عنا وعنكم.

قال له فأنا أقول لك – إذا أنت استغربت من هذا الشيء، فأنا أقول لك – من المفروض أن نتوقع كونا فوضويا. إذا لم يكن هناك إله، فلن يكون هناك مبدأ مُنظم، لن يكون هناك مبدأ مُخطط! إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا *، لا إله إلا الله! خلق فهدى؛ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ *، لا إله إلا الله! هذا الله، هذا الله!

إذا لم يكن هناك هذا الإله، ولم يكن هناك المبدأ المُوجد المُنظم المُخطط المُهيمن الحاكم – لا إله إلا هو -، فالمفروض أن يكون الوجود ماذا؟ فوضويا! غير محكوم بقوانين، وغير معقول، وغير قابل للتعقل أصلا! لكن الكون ليس كذلك، مُنظم ومضبوط! وهناك مسألة يُسمونها تماثيلة الكون؛ Uniformity of the universe.

ما معنى تماثيلة الكون؟ كما قلنا في الخُطبة السابقة تفاحة نيوتن Newton تسقط بالجاذبية، القمر يدور في مداره بالجاذبية، الأرض حول الشمس بالجاذبية، الشمس في موقعها بالجاذبية، نفس القانون! نفس القانون يحكم كل هذه الظواهر! Uniformity of the universe، هو هذا! تماثلية، تساوقية، انتظامية؛ أحسن ربما من تماثيلية! انتظامية.

على فكرة، كلمة Uniformity هذه لها أكثر من ست وعشرين ترجمة عربية! من مآسي الترجمة العربية، Uniformity! المُهم – وهي مُصطلح في علم الجيولوجيا أيضا! الانتظامية هذه، ضد ماذا؟ الكوارثية – نرجع إلى ما كنا فيه:

قال له كان من المفروض أن نتوقع ماذا؟ كونا فوضويا. ما وجدناه ليس فقط كونا مُنظما – يقول أينشتاين Einstein لموريس سولوفين Maurice Solovine – ومحكوما بالقوانين، بل وجدنا كونا محكوما بقوانين قابلة أن يعقلها البشر، الإنسان!

العجيب أنه قال له قد تقول نعم؛ لأن هذه قوانين العقل البشري! انتبه إذن، هذه ربما جوهرة خُطبة اليوم، هذا المعنى! وكما قلنا من أجله كانت خُطبة اليوم، لكننا نُريد أن نُوسعه، ويحتاج إلى مُحاضرة له وحده هذا، انتبه! هذه النُقطة بالذات!

يُمكن أن يقول لك أحدهم نعم طبعا، طبيعي يا أخي، هناك كون وعنده قوانين، وأنت بشر، عندك نوع من الذكاء ونوع من الوعي، طبيعي أنك تُعيد ترتيب فهم الكون، بطريقة مُستمدة من عمل الكون! كيف يسير الكون؟ كيف يجري الكون؟ يقول أينشتاين Einstein نوع من إعادة ترتيب الكلمات!

لا، الذكي – أينشتاين Einstein هذا! ليس لعبة – يقول له الحالة ليست هذه، إياك أن تُفكر هكذا! الملاحدة هكذا يُفكرون على فكرة، الملاحدة! كل مَن يحتج بالمبدأ الإنساني الضعيف يُفكر على هذا النحو!

أينشتاين Einstein أجابهم قبل سبعين سنة، في رسالته إلى موريس سولوفين Maurice Solovine، ثنتين وخمسين! قال له الأمر ليس على هذا النحو. هو ليس هكذا، ليس صحيحا كلامك هكذا، إياك أن تفهم هذا! لماذا إذن؟

والله العظيم أنا كنت أفهم هذا وأنا في الإعدادية، أُقسم بالله! حين قرأت العلم. وطبعا خلال تلك الأيام قرأت في فلسفة العلم، وقرأت للكاتب الكبير جون سوليفان John Sullivan، لكن ليس موريس سولوفين Maurice Solovine، صاحب كتاب Limitations of Science، وأنا صغير! أمس حتى عُدت إلى الكتاب. الكتاب يقع في حوالي ثلاثمائة وست وثلاثين صفحة بالإنجليزية.

فهمت هذا، لكنني لم أكن قادرا على أن أُعبر بطريقة فلسفية هكذا! لكن أدهشني هذا! وأدركت أن الله موجود. أينشتاين Einstein أدرك هذا في ثنتين وخمسين! طبعا لم أكن قرأت هذا، ولا سمعت به.

ما هو؟ ما هو؟ كيف يُمكن للعقل البشري أن يضع نموذجا تفسيريا رياضيا – بالرياضيات، مُعادلات – وهو قاعد في البيت؟ ألبرت أينشتاين Albert Einstein درس الكون وهو قاعد في البيت! أنت تسمع اليوم عن الـ  Expansionالخاص بالكون! أينشتاين Einstein أول مَن اكتشف هذا! أين؟ في مُعادلاته.

وقبل هذا؟ لا، رفضه. كما قلنا الثابتة الكونية! ورُد له الاعتبار في الثمانية والتسعين. أينشتاين Einstein وهو قاعد أيضا، يكتب على ورق قديم، وقد يكون مُزيتا، سيئا؛ لأن حالته المادية لم تكن جيدة!

أينشتاين Einstein – تقول زوجته – كان يدرس الكون وهو قاعد هناك. أخذوها مرة على مرصد بالومار Palomar، الذي كان فيه إدوين هابل Edwin Hubble، فرأت طبعا خمسة أمتار؛ القُطر الخاص بالعدسة خمسة أمتار! ومسألة عجيبة! وتلسكوب Telescope عجيب! ونظرت من فوق الجبل، شيء عجيب!

ماذا تفعلون؟ قالوا نقرأ الكون، ندرس الكون، نتجسس على الكون. قالت زوجي يزعم أنه يفعل هذا، لكن في البيت، مع أوراق بيضاء! قالوا نحن ندرس الكون على هُدى نظريات زوجك. لولا نظرياته وهو قاعد، مُغلق عليه أربعة جُدران – بين أربعة جُدران، مُغلق عليه باب بيته -، ما كنا لنفهم الكون.

لا إله إلا الله! هذا أينشتاين Einstein، والله خلقه؛ لكي يفهم هذا، وفهّمنا. قال غير طبيعي بالمرة – ليست هذه هي الحالة – أنك وأنت قاعد تضع لي نموذجا تفسيريا، وتبنيه بناء رياضيا، ويكون قادرا على ماذا؟ على التنبؤ! يعرف إلى أين الأمور ستذهب؟ ما الذي سيحصل؟ متى سيحصل؟ كيف بدأ الكون؟ كيف يُمكن أن ينتهي الكون؟ ما وضعه الآن؛ الكون؟

ليس هذا فحسب، أيام أينشتاين Einstein لم يسمع أحد بالثقوب السوداء. سمعتم بالثقوب السوداء؟ أول مَن أعطاها هذا الاسم جون ويلر John Wheeler‏، أستاذ فاينمان Feynman، هو أول مَن أعطاها: Black holes، ولم يتكلم أحد عنها!

النسبية العامة تكلمت عن الثقوب السوداء! لا بُد أن يكون في الكون أجرام بصفة كذا وكذا، وتفعل كذا وكذا! أينشتاين Einstein قال لك ما الهبل هذا؟ ما هذه الأشياء التي تخرج معي وهي غريبة؟ الرياضيات! ولذلك انتبهوا.

حين تُفكر في الرياضيات، تعلم أن الرياضيات ليست أشياء نُسلمها هكذا، ونشتغل عليها، وانتهى الأمر. لا! أعمق من هذا. الرياضيات فيها سر إلهي، الرياضيات شيء إلهي، ما رأيكم؟ إلهية!

والله أفلاطون Plato – طيب الذكر بلاتو – كان من قديم فاهما! كان يقول لهم الرياضيات من عالم المُثل، من رب العزة. من الله! قال لهم. الرياضيات ليست شيئا أنتم ألفتموه، الخالق أعطانا إياه؛ لكي نقدر على أن نفهم الوجود.

هناك السير روجر بنروز Sir Roger Penrose! تقول لي أعرفه. هذا بمثابة أستاذ، وصديق العُمر طبعا، لستيفن هوكينج Stephen Hawking، وها هو يعيش، وهو سير Sir! مثل أيزاك نيوتن Isaac Newton، سير Sir، اسمه السير Sir!

سير روجر بنروز Sir Roger Penrose، من أكبر علماء الرياضيات في العالم، عقل مُذهل! ماذا يقول؟ من الصعب جدا علي أن أُسلّم بأن الرياضيات، وتفكيرنا الرياضياتي، مُجرد أفكار سعيدة، نجت بسبب الانتخاب الطبيعي!

يستهزئ مِن مَن؟ مِن التطوريين الداروينيين! الذين يُريدون أن يُفسروا كل الدنيا بالانتخاب الطبيعي! كأنه يقول لهم كفى هبلا! كفى هبلا – قال له -، لا للهبل! انتخاب طبيعي؟ قال لا أستطيع أن أُصدّق أن الرياضيات الرائعة، التي يُمكن أن نبني بها مثل هذه النُظم الرائعة، مُجرد أفكار سعيدة، نشأت عشوائيا، وتم استبقاؤها وانتخابها بالانتخاب الطبيعي! قال هذا غير صحيح، الأمر أبعد وأعمق من هذا بكثير.

ولذلك هناك النوبلي؛ العالم الفيزيائي الذي أخذ جائزة نوبل Nobel – بنروز Penrose لم يأخذها، إن شاء الله يأخذها -، وهو مَن؟ يوجين ويغنر Eugene Wigner.

ويغنر Wigner ماذا قال؟ قال إن الهدايا الثمينة التي تُقدمها الرياضيات للعلوم الطبيعية، لا يُمكن أن تُفسر على أنها أشياء من عالم الطبيعة، أو من عالم المادة.

قل لي لماذا؟ إذن ماذا تراها أنت يا ويغنر Wigner – أخذ نوبل Nobel هذا، أخذ نوبل Nobel -؟ قال أنا أراها مسألة إيمانية. مسألة إيمانية! لا بُد أن تُسلّم. شيء مُعطى لنا! مُعطى مِن مَن؟ أنا – قال – لن أتدخل، ستقولون عني مُتدين، وبعد ذلك تسبونني وتلعنوني، يا ملاحدة!

حاصل على نوبل Nobel! قال لك المؤمنون! يدّعي المؤمنون! نحن ندّعي؟ والله نتعلم من الملاحدة – الحمد لله – كيف نُدافع عن الإيمان! نسأل الله أن يُثبتنا وأن يُنورنا. نحن نتعلم من الملاحدة كيف نُدافع عن الإيمان، كفى حُجة عليهم وحُجة لنا – بفضل الله تبارك وتعالى -! قال هذه مسألة إيمان. أنا سأقول لك لماذا هي مسألة إيمان!

هناك جون بولكينغهورن John Polkinghorne! وهذا أيضا من أروع مَن تقرأ له على الإطلاق، مات – رحمه الله – قبل ربما أقل من سنة. هذا أستاذ ستيفن هوكينج Stephen Hawking، واكتشف بعض الجُسيمات دون الذرية؛ الـ Subatomic particles، اكتشفها هو، وسُجلت باسمه؛ جون بولكينغهورن John Polkinghorne!

وكان قسيسا هذا الرجل، تخيل! قسيس، ومن كبار علماء الفيزياء في العالم، أستاذ ستيفن هوكينج Stephen Hawking، وعنده نقد لأفكاره، لكن هو كان مؤدبا جدا جدا، رجل من أروع ما يكون! لكن نقده مشحوذ كالموس، كالـ Razor، كالشفرة! عقل جبار!

ماذا يقول؟ يقول لا يُمكن للعلم؛ العلم أعجز من أن يُفسر لِمَ كانت الرياضيات هي الأنجح في فهم الكون؟ إذن لماذا يا بولكينغهورن Polkinghorne؟ انتبهوا معي، لماذا؟ لماذا لا يقدر على أن يُفسر؟ قال لأن العلم الطبيعي نفسه مبني على الرياضيات.

طبعا العلم الذي يعتبرونه الآن Perfect؛ هو الفيزياء. هذا أكمل العلوم، مع أنه ليس Perfect بمعنى الكلمة، لكنه قريب من الكمال! أكثر اكتمالا بمراحل من الكيمياء، والكيمياء أكثر اكتمالا بمراحل من الـ Biology! معروف! الـ Biology أقل شيء، بعد ذلك الـ Chemistry، بعد ذلك الـ Physics.

قال لأن العلم الطبيعي نفسه، الفيزياء بالذات، مبنية على الرياضيات، أساسها! فلا تستطيع أن تُفسره. ستقول لي لم أفهم! لماذا؟ سهلة! كيف لم تفهم – هداك الله -؟ لأن العلم الطبيعي أساسه ماذا؟ الرياضيات. بالرياضيات نُفسر الظاهرات! إذن أُفسر الرياضيات بماذا؟ لا أقدر! هذه آخر مهاد عندي، آخر Level عندي، آخر مُستوى بنيت عليه! هل فهمت؟

أنت الآن تؤسس العمارة على أساس. ستقول لي والأساس أؤسسه على ماذا؟ وسأقول لك لا، انتهى! الأساس أساس، انتهى! Foundation، انتهى! Bye-bye.

فانظر إلى الذكي بولكينغهورن Polkinghorne، قال لا يقدر العلم على هذا! العلم أعجز من أن يُفسر لِمَ كانت الرياضيات قادرة على أن تفهم، تستوعب الظاهرة الطبيعية؟ لماذا؟ قال لأن الرياضيات أساس العلم.

بالأساس أُفسر! وأُفسر الأساس بماذا؟ قال لك لا أعرف! نحن نعرف؛ الله. الله أعطانا هذا، الله أعطانا نوعا من العقل العجيب، ليس مُتطورا بالانتخاب الطبيعي كما يقولون، غير صحيح! وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي *، أعطانا عقلا مُفارقا، عقلا مُجاوزا، نفحة من روح الله، نفحة ونفخة! نفحة ونفخة من روح الله تبارك وتعالى، هيمنا بها.

هذا الذي هز أينشتاين Einstein! قال لك هذا يبعث في شعورا روحيا، شعورا دينيا، ولا أجد أحسن من وصف ديني لوصف هذه الحقيقة. وعنده عبارة مشهورة، كلكم تعرفونها! أكثر شيء غير مفهوم في الكون، أو بصدد الكون – About the universe. قال هو! بصدد، فيما يتعلق بالعالم. قال! بالكون،  About the universe -، أن الكون قابل للفهم. الله! يا عيني على العباقرة!

قال أكثر شيء غير مفهوم – Incomprehensible، قال إنه غير مفهوم – أنه هو قابل للفهم. إذن لماذا قابل للفهم؟ المادي ليس عنده جواب، الإلهي عنده جواب؛ الله خلقه كذلك. لما الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وحتى في الـ Bibel، يأمرنا أن ننظر في آيات السماوات وفي آيات الأرض، هو يعلم أن هذه الطريقة تقودك إلى ماذا؟ إلى الإيمان به.

بها تستطيع أن تعرف أنه موجود، وأنه حكيم، وأنه صانع، أي خالق، لا إله إلا هو! مُوجد، مُبدع، كذا! قدير، إلى آخره، إلى آخره! هو يعرف ذلك، لماذا؟ لأنه وضع فيك الاستعداد واللياقة، أعطاك الطريقة المنطقية. والمنطق أساس ماذا هو؟ الرياضيات.

الرياضيات كلها ماذا في الأخير؟ منطق. ولذلك من أعظم الدراسات في هذا الباب أيضا دراسات المُلحد برتراند راسل Bertrand Russell! الرياضيات والمنطق أو المنطق والرياضيات. أساس كل الرياضيات منطق. مَن أعطانا المنطق؟ من أين أتت أُسس المنطق؟ من رب العزة، لا إله إلا هو!

لذلك قلت لإخواني، في مُحاضرة ما بعد الجُمعة السابقة، قلت لهم أحد الأساتذة، وهو أستاذ رياضيات فرنسي، سُبحان الله، شارف الموت – أي مات، يقولون هم اقترب من الموت، ثم عاد -، ورأى أرواحاً.

هناك روح كريمة صحبته في رحلته الأُخروية هذه. وكلما حكى عن هذا، يبكي. قال فقال لي الملك أنت الآن ستعود إلى الدنيا. أنت لم تمت، سنرجعك. ولم يسمح لي – قال – أن أراه. الملك يقوده! ويُخاطبه، ولكن ليس باللسان، كله بالروح، فقط! ويسمع، لكن ليس بالأذن أيضا، شيء عجيب! المُهم، هذه تجارب الاقتراب من الموت!

ستعود إلى الدنيا. قال أنا كنت أُحب ألا أعود، العالم هناك أجمل بكثير، ومُسالم ومُحب أكثر بكثير، ومُحتضن، ودافئ أكثر! قال ستعود! هل لديك أسئلة؟ قال فقلت له نعم، لدي بعض الأسئلة. سأله سؤالا اعتراضيا، قال ومن قبلها، كنت مُلحدا. لا يؤمن بالله، هذا الفرنسي، الأستاذ في الرياضيات.

قال فسألته سؤالا ذا طابع اعتراضي، يتعلق بالكون. حاسبها بطريقة غلط هو! قال فقال لي الملك أنا عاتب عليك، أنت أستاذ رياضيات، لقد أخطأت في حساباتك. وبالفعل – قال – اتضح أن حساباتي خاطئة. ما الذي أعلمه؟ طبعا يعلم!

هو يعلم – هذا الملك الكريم، أو الروح الطاهرة، في العالم الآخر، يعلم – أن الرياضيات وسيلة إلهية، ممنوحة لنا؛ لكي نعي ونُدرك ونفهم ونبني استدلالات صحيحة. هذه الروح سطت بأينشتاين Einstein، استبدت به، جعلته يصف الأمر بأنه لُغز أبدي، وبأنه مُعجز!

وكان فاهما أن هناك إلها حكيما – لا إله إلا هو -، هو الذي زود الكون بهذه الخصائص! وهو الذي، في المُقابل، زودنا بخصائص عقلية مُعينة، قادرة على أن تتلقى الكون، وأن تستوعبه، وأن تعقله، وأن تدرسه دراسة مُحترمة جدا.

يُذكّرني هذا بتعريف فلاسفة المسلمين؛ الفارابي وابن سينا وابن رُشد – تعريفات تختلف لفظيا، والمعنى واحد في الأخير -، أن القصد من الفكر – وهم يُسمونه الفلسفة؛ القصد من الفلسفة -، أن تجعل تطابقا بين العالم العياني والعالم الذهني.

كأن ما بالعيان، ما بالخارج، يصير في الذهن، وفي حالة تطابق. الرياضيات تفعل هذا بنجاح باهر! مُعجز بلُغة ألبرت أينشتاين Albert Einstein!

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

(الخُطبة الثانية)

 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليما كثيرا.

إخوتي وأخواتي/

للأسف سنُضطر أن نختزل الآن، وأن نُنهي الخُطبة، لكن – إن شاء الله – بعد صلاة الجُمعة نُكمل، وعسى ألا نُطيل! فقط أقول الآتي؛ حتى لا أحرم مَن استمع إلى الخُطبة الأولى، من بعض الأشياء التي وعدت بعرضها سريعا:

قلت لكم هناك رقم مُعين مُهم! لن أذكر الأرقام الأُخرى – بعد الخُطبة -، ولكن هناك رقم، لا يُمكن للخيال البشري، أن يتخيله أصلا أو يتصوره! سأُمهد له برقم أقل منه بكثير، وقد فهمتم ما معنى عشرة أس عشرين! عدد الثواني في عُمر الكون كله، عشرة أس عشرين فقط! يا الله! شيء غريب!

إذن ما الذي يحصل يا إخواني؟ الآن حصل الانفجار العظيم، البيج بانج Big Bang هذا! وهناك زمن بلانك Planck! ما زمن بلانك Planck هذا؟ زمن بلانك Planck عشرة أس سالب ثلاثة وأربعين. الله أكبر! أي واحد على كم؟ كذا تريليون تريليون تريليون تريليون تريليون، عشرة أس اثني عشر.

عشرة أس اثني عشر! انظر، لو قلنا ثلاثة! سيكون هناك ستة وثلاثون! يبقى عندنا كم هناك؟ ستة. أي جُزء واحد من مليون تريليون تريليون تريليون تريليون جُزء من الثانية. معقول؟ الثانية لو قسمناها إلى مليون أربع مرات تريليون، جُزء منها اسمه زمن بلانك Planck؟ اسمه زمن بلانك Planck.

ما الزمن هذا؟ شيء لا يُتخيل! جيد! ماذا؟ ما له هذا؟ قال لك في زمن بلانك Planck – At Planck time! هكذا يقولون، على زمن بلانك Planck، في زمن بلانك Planck معناها، على الزمن هذا – حصل الآتي!

الكون طبعا لما انفجر، ما الذي حصل؟ Expansion! جعل يتمدد، بسرعة رهيبة! وطبعا هناك قوى تجعله ينكمش! Contraction! هناك Expansion، وهناك Contraction، أكيد! ما الذي كان يجمعه في الداخل؟ أليست قوى تجاذب مُعينة؟ قصة هذه! هناك الجاذبية، وهناك الكهربية، والكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية، وقصة! قصة كبيرة يعرفها كل مَن درس الفيزياء الحديثة والمُعاصرة!

جيد! قال لك الآن هناك توازن! أكيد حصل هذا، بنسبة مُعينة؛ لكي يتمدد! كان يُمكن أن يتمدد إلى ما لا نهاية، ولا تتكون النجوم والمجرات، بسرعة رهيبة! لا يتكون شيء، لن نكون هنا ونعمل الخُطبة هذه، إن شاء الله لا تكون ثقيلة على قلوبكم وعقولكم. وكان يُمكن العكس! لو قل، يُعاود الانهيار! يصير Recollapse – أي يعود! هناك Collapsing، وهناك Recollapsing، يرجع وينهار على حاله، يرجع -!

كم دقة هذا التناسب – Proportion، لا بُد وأن يكون هناك تناسب بين هذا وهذا -؟ قال لك وحدة واحدة من عشرة أس خمسة وخمسين! وأنتم فهمتم عشرة أس عشرين ما معناها، عشرة أس خمسة وخمسين!

أي هذه التناسبية بين الانكماش وبين التمدد، لو اختلفت بالزيادة أو النقص، ولنقل زاد توسعه، بمقدار واحد على عشرة أس خمسة وخمسين، فسيظل يتوسع إلى ما لا نهاية، ولن تتكون لا مجرات ولا غير ذلك، وانتهى كل شيء! ولو نقصت بالمقدار نفسه، فسيرجع ويحصل له انهيار.

يا ربي! معقول؟ هذا كلام مَن؟ كما قلنا كلام مَن؟ مَن الصوفي الذي حكى هذا؟ مَن المُدروش؟ لا والله، علماء وملاحدة. قال لك هذا الموجود، هو هكذا! حساباتنا تقول هذا، الرياضيات. الله أكبر! لا إله إلا الله! هكذا انظر إلى دقة الخلق.

الآن تعالوا إلى الرقم الأكبر من هذا تريليونات تريليونات المرات! ستقول لي كيف؟ سوف ترى. ونختم به – إن شاء الله – الخُطبة الثانية:

هذا الرقم لروجر بنروز Roger Penrose! السير روجر بنروز Sir Roger Penrose، ها هو ما زال حيا، أعطته الملكة لقب سيرSir ، مثل إسحاق نيوتن Isaac Newton، علّامة كبير!

ماذا قال؟ ونحن سنتكلم بلُغة غير فنية. هو يتكلم عن فضاء الطور، الـ Phase space اسمه! في علم الأحياء موجود، في الرياضيات موجود، في الفيزياء موجود! الـ Phase space! لكن باختصار – هو اصطلاح فني علمي هكذا – يُقصد به حصر كل المُتغيرات المُمكنة في نظام، باختصار من غير تعقيد! لا نُريد أن نتكلم كثيرا.

ويحكي عن الإنتروبيا Entropy. أكيد أنكم تسمعون بالإنتروبيا Entropy، لا أُريد أن نتحدث عنها! باختصار الإنتروبيا Entropy ما هي؟ باختصار – باختصار، بسيط جدا؛ لأن أيضا الموضوع مُعقد وطويل في الفيزياء – الإنتروبيا Entropy لها علاقة بالطاقة طبعا، القانون الثاني للحرارة الديناميكية! Thermodynamics، القانون الثاني هو ماذا؟ قانون الإنتروبيا Entropy.

لكن باختصار الحرارة دائما تنتقل من الأعلى حراريا إلى الأدنى حراريا. واضح؟ لماذا؟ ولماذا؟ قصة ثانية، لها علاقة بالروابط الذرية، وبالكمان، الـ Quanta، قصة! المُهم أنها تحدث هكذا.

وهذا القانون غير عكوس، أبدا! اترك الطبيعة تعمل. وهذا الذي يُفسر لك حين تترك حديقتك، وتأتي إليها بعد ستة شهور، أنك تجدها وقد صارت غابة. اترك بيتك، وعُد إليه بعد خمس سنوات، وسوف تجده شبه Ruin، أي خرابة! أليس كذلك؟ اترك قطعة حديد، وسوف تجد أنها صدأت وانتخرت. الجبال تتآكل، النجوم تموت!

ستقول لي الفناء والموت هذا كله بسبب الإنتروبيا Entropy؟ بسبب الإنتروبيا Entropy. وكلما كانت الإنتروبيا Entropy عالية، عني هذا أن الأمور تسير إلى فناء وتموت وخراب! خراب بيت، يخرب الآن.

إذن معناها – ستقول لي أنا فهمت – ربنا عز وجل أول ما خلق الكون، الإنتروبيا – أي الـ Entropy – الخاصة بالكون كانت عالية، ولا مُنخفضة جدا؟ مُنخفضة جدا. لا بُد أن تكون مُنخفضة جدا. المُشكلة في الفيزياء، وفي الـ Thermodynamics، لكي تكون الإنتروبيا Entropy مُنخفضة جدا، لا بُد أن يكون هناك كنز واكتناز للطاقة، في أضيق حيز!

كلما كبر الـ Space، كلمات كانت هناك إنتروبيا Entropy عالية. قصة! ليست صعبة، لكننا لا نُريد أن نُضيع الوقت في شرحها. جميل جدا! وأنتم تعرفون أن الكون بدأ بماذا؟ بمُتفردة. مسألة لا تزال أصغر من البروتون Proton مليارات المرات! من البروتون Proton، ليس من الذرة، من البروتون Proton!

اسمها ماذا؟ Singularity. ماذا كان فيها؟ فيها كل الكون الموجود حاليا! Oh! في شكل آخر طبعا، لم يكن هناك نيوترونات Neutrons وما إلى ذلك. قصة! قصة مُخيفة مُرعبة، مُرعبة! شيء مُرعب! عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *، لا إله إلا هو، لا إله إلا هو!

إذن كله كان مُكتنزا فيها! معناها الكون بدأ بإنتروبيا Entropy ماذا؟ مُنخفضة جدا طبعا. وأول ما حدث البيج بانج Big Bang، في ماذا بدأت الإنتروبيا Entropy؟ في أن تزيد! تظل Higher, Higher, Higher! دائما أعلى، أعلى، أعلى! وهي الآن أعلى، ولا تزال تزداد، لا تزال!

وهذه التي ستُفني الكون! التي ستُدمر الكون والحياة في الأخير، هي الإنتروبيا Entropy! ستُدمر كل شيء في الأخير! ولا تقدر على أن تعكس عملها إلا صناعيا. أنت الآن تأتي بماء، تُحوله إلى ثلج، أين الإنتروبيا Entropy أعلى؛ في الماء أم في الثلج؟ في الماء، الماء حرارته أعلى من الثلجة. الثلجة حرارتها أقل، معناها هناك إنتروبيا Entropy أقل.

تقول لي ها أنا أُحول الماء إلى ثلج! لكن ماذا تعمل أنت؟ تعمل طاقة وتحويلات طاقوية، وانظر إلى الثلاجة، ماذا ستفعل؟ تنفث نارا! وتزيد الإنتروبيا Entropy في الـ Space، في الغُرفة الخاصة بك، رُغما عنك! الإنتروبيا Entropy ستظل أعلى دائما، رُغما عنا، لا نقدر على أن نعكس عملها، واضح؟

جيد! ها نحن أخذنا فكرة عامة عن الإنتروبيا Entropy بسرعة. يقول السير روجر بنروز Sir Roger Penrose في فضاء الطور – البداية هذا – حصل الآتي!

تخيله أنت هكذا! أي هذه إمكانية تخيلية هكذا! ماذا لو تخيلنا الرب – لا إله إلا هو – وبيده دبوس Pin؟ دبوس! أينما وضع هذا الدبوس في فضاء الطور، فسيُوجد كون، ومُختلف! لو وضعه هنا؛ كون! يظهر كون! وضعه هنا؛ كون ثان، غير كل الكون هذا؛ الـ Cosmos!

أكوان لا يعلمها إلا الله! فالله يُريد أن يختار ماذا الآن؛ كونا بإنتروبيا Entropy عالية أم بإنتروبيا Entropy واطئة؟ لا، بإنتروبيا Entropy واطئة طبعا، مُنخفضة. جيد! لكي يختار كونا بإنتروبيا Entropy واطئة مُنخفضة – أي Low؛ نازلة –، لا بُد أن المساحة التي يتم فيها وضع الخيار؛ الدبوس، تكون صغيرة جدا جدا جدا.

قال بكم إذن؟ بكم؟ مضبوطة كيف؟ يُمكن أن نتلاعب في كم؟ هامش التلاعب كم إذن؟ قال لك هامش التلاعب – أمسك قلبك، وصل على النبي، عليه السلام. هذا كلامي طبعا، ليس كلام بنروز Penrose – يُساوي كم؟

واعذروني – قال -، هذه الرياضيات، ماذا أعمل؟ الرياضيات! وهو مُلحد، أو لا أدري! الآن تقريبا صار Agnostic هو، إن شاء الله، يا رب، ينتهي بالإيمان، يا رب! ليس مثل تلميذه هوكينج Hawking.

قال يُساوي واحدا على عشرة مرفوعة للأس عشرة مرفوعة للأس… ستقول لي نعم، عرفت! دخلنا في الهبل هنا! دخلنا في شيء عجيب! أنا شعر رأسي وقف الآن، والله العظيم! أُقسم بالله وأنا أحكيها، شعر رأسي هكذا وقف!

ليس واحدا على عشرة أس مئة وثلاثة وعشرين! ستقول لي مئة وثلاثة وعشرين؟ لا، يا ليت هكذا! يا ليت! تسمعون أنتم بالجوجل Google؟ ستقول لي كيف لم نسمع به؟ هناك أداة البحث هذه! نعم؛ لأن هذا من قبل، لماذا سموها جوجل Google؟

لماذا سموها جوجل Google؟ قديما كان هناك عالم رياضيات كبير أمريكي، وعنده ابن أخته، كان خاله هو، قال له أُريد أن أُفكر في رقم رهيب غير موجود في الكون! أي عدد ذرات الكون أقل من هذا بكثير، عدد جُسيمات الكون أقل من هذا بكثير! قال له ما هو يا خال؟ قال له هكذا نقول مثلا عشرة أس مئة. أي واحد وقدامه مئة صفر! ماذا نُسميه؟ الطفل الصغير قال له جوجل Google.

قال له جوجل Google؟ قال له جوجل Google. جوجلة! صار اسمه جوحل Google، جيد! اتضح أن عنده قصة هذا الجوجل Google! فعشرة أس مئة اسمها ماذا؟ جوجل Google. رقم رهيب! مُخيف مُرعب الجوجل Google هذا! يُوجد ما هو أكبر منه في الرياضيات؟ يُوجد، جوجل بلكس Googolplex. ما هو جوجل بلكس Googolplex؟

جوجل بلكس Googolplex عشرة أس جوجل Google. أي الجوجل Google واحد قدامه مئة صفر، والجوجل بلكس Googolplex واحد قدامه جوجل Google أصفار. لا إله إلا الله! ستقول لي أنا لو عشت عُمر الكون، فلن أنتهي من كتابته. وهذا صحيح طبعا!

الآن فهمتوها، أرأيتم؟ لو عشت أنت أربعة عشر مليار سنة، في كل ثانية تكتب صفرا؛ تك تك تك تك… فهل تعرف كم صفرا سوف تكتب؟ سوف تكتب عشرة أس عشرين صفرا فقط! ليس عشرين صفرا، عشرة أس عشرين، مئة كوادريليون Quadrillion! لأن عشرة أس ثمانية عشر، هذا ماذا؟ كوادريليون Quadrillion.

مئة كوادريليون Quadrillion فقط! متى سأكتب جوجل Google؟ لن تكتبها طيلة حياتك. إذن وجوجل بلكس Googolplex؟ لا أحد سيكتبها، إلا رب العزة، لا إله إلا هو! إلا رب العزة. مَن يكتبها؟ عدد الأصفار هذه؛ جوجل بلكس Googolplex صفر!

رقم بنروز Penrose أكبر من هذا، يا الله! أكبر من هذا بكثير! قال الضبط الذي بدأ به الرب أو الخالق صناعة هذا الكون، إيجاد هذا الكون، كان من الدقة بحيث أنه حساس لـ، يتأثر بـ – سيختلف الـ Outcome، النتيجة، المُحصلة ستختلف، لو حصل الآتي – في حدود ماذا؟ في حدود واحد على عشرة مرفوعة لأس عشرة مرفوعة لأس مئة وثلاثة وعشرين!

أي ليس عشرة أس جوجل Google! يكون ماذا هذا؟ جوجل بلكس Googolplex. قال لا، عشرة أس مئة وثلاثة وعشرين! أكثر من جوجل بلكس Googolplex! رقم لا يكاد يُصدق! أي هل كان مُمكنا هذا؟

السؤال الآن؛ بالله عليكم، وهل هذا جاء بالصُدفة إذن؟ والصُدفة السعيدة كونتنا نحن البشر، وجاء أينتشاين Einstein والسير روجر بنروز Sir Roger Penrose وموسى وعيسى وسعيد وحميد وحميدة؟ جاءت كلها صُدفة الحكاية هذه؟

وبعد ذلك أين؟ انتبهوا، في كون، أين هي قوانينه حينها؟ أين القوانين؟ كانت هناك قوانين؟ كان هناك ثوابت؟ كان هناك شيء؟ مَن الحاكم على القصة كلها؟ أنت ألق لي نظرة بالروح هكذا، بالروح الخاصة بك، ليس بالعقل، بالروح!

طف بروحك هكذا على المشهد هذا تخيليا، وقل لي ما الحضور – الـ Presence – الذي كان هناك، وحكم القصة هذه كلها؟ لا أقدر على أن أفهم إلا أنه حضور الرب، لا إله إلا هو! الـDivine presence ؛ الحضور الإلهي! الله، لا إله إلا هو!

والله يقول عنا نحن الآن – نحن الآن قاعدون -: هو معنا! قال فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ *. حاضر! حضور مُطلق أبدي أزلي! الحاضر هناك كان الرب، لا إله إلا هو! اللهم عرفنا بك، ودلنا عليك، وزدنا إيمانا بك وتوقيرا لك ومعرفة بك ودلالة عليك.

اللهم رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا. اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما جنينا على أنفسنا وما أنت أعلم به منا.

اللهم حبب إلينا وإلى أزواجنا وأولادنا؛ أبنائنا وبناتنا، وإخواننا وصديقنا فيك وكل مَن له حق علينا، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم لا ترفع يدك عنا، اللهم لا تخذلنا، اللهم لا تخذلنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْق ُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.

 

انتهت الخُطبة بحمد الله
(16/9/2022)

جيمس ويب .. التلسكوب الملحد ؟

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله عز من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا * أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا * وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا * قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا * سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا * تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا * وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا * وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا * نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا * ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

موضوع اليوم، إن وصفته بأنه بسيط، أصبت، وإن وصفته بأنه شائك مُعقد، لم يُحالفنا الصواب أيضا؛ لأن هذا الموضوع يُمكن لكل أحد منا أن يتناوله حسب ووفق خلفيته العلمية والفلسفية والدينية، والمعرفية عموما.

باختصار؛ حتى لا أُطوّل بالمُقدمات، سأتكلم اليوم عن التلسكوب Telescope الفائق القدرات، الذي شغل العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، في الأشهر الأخيرة، بعد أن بدأ يُرسل أولى صوره المُذهلة المُعجبة!

إنه التلسكوب الذي يعمل في الطيف غير المرئي، في طيف الأشعة تحت الحمراء، والمدعو بجيمس ويب James Webb؛ تكريما لأحد رؤساء ناسا NASA، الذي أدارها ورأسها من سنة إحدى وستين، وتسعمائة وألف طبعا، إلى سنة ثماني وستين، في فترة الرئيسين؛ المُغتال أو المغدور كينيدي Kennedy، وكامل فترة الرئيس جونسون Johnson!

تكريما له، سموا هذا التلسكوب باسمه؛ لأن أولى الرحلات المأهولة إلى الفضاء، التي خرجت من الولايات المُتحدة، خرجت في إدارته، أيام إدارته، ضمن مشروع ميركوري Mercury.

علي كل حال، هذا التلسكوب بلا شك أنه تلسكوب، إذا ما قيس بما سبقه من تلسكوبات أو مقاريب، فائق إلى حد بعيد جدا! لا أُريد أن أتحدث عنه من ناحية تقنية، وسائل التواصل واليوتيوب Youtube والمصادر المُتخصصة عاجة بذلك، فلا نُطوّل بذكر هذه المعلومات الفنية، التي يُمكن لكل أحد أن يصل إليها بسهولة، ومن أقصر طريق.

الصور التي أرسلها ليست مُذهلة لجهة وضوحها، بل شدة وضوحها، أيضا لجهة دقة التفاصيل، التي كشفت وأبانت عنها! وأيضا من ناحية أُخرى، وربما تكون أكثر إثارة وأهمية؛ لأنها صور غائرة في الزمان، مُسافرة من الزمان، كأنها أتتنا من ضمير الزمان الأغبر، الأشد غبورا – أيها الإخوة –، في الماضي السحيق! صور من ملايين السنين، وصور من ملايير السنين!

ولذلك أُطلق هذا التلسكوب، الذي اشتُغل عليه لمدة تُناهز رُبع القرن؛ لست وعشرين سنة! من عام ستة وتسعين وألف وتسعمائة، إلى أن أُطلق في ديسمبر عشرين، واحد وعشرين، لست وعشرين سنة!

واشتغلت عليه أربع عشرة دولة طبعا، في مُقدمها اليو. إس. إيه. U. S. A.، أو الولايات المُتحدة الأمريكية، وأكثر من ثلاثمائة جامعة ومؤسسة بحثية، وأيضا مؤسسات علمية خاصة، عدد لا يعلمه إلا الله! والمُختصون من العلماء والباحثين والفنيين، شيء مُذهل! وكلف زُهاء ثلاثة عشر مليار دولار! ثلاثة عشر ألف مليون! مبلغ هائل جدا جدا، يُمكن أن يُنقذ أُمما من المجاعات ومن العُدم! هذا الذي حصل!

طبعا كما قلت الصور التي كانت أكثر إثارة وإذهالا، هي التي غارت في ضمير الزمان البعيد! فكان ماذا؟ قبل أن يُرسل هذا التلسكوب هذه الصور، نحن نعلم أن الكون سحيق في مداه الزمني، سحيق في قِدم عُمره. العلماء شبه مُتوافقين على أن عُمر الكون يقرب من أربعة عشر مليار سنة، ثلاثة عشر مليار وثمانمائة أو سبعمائة مليون سنة، تقريبا! من لحظة الانفجار الكبير أو البيج بانج Big Bang، إلى اللحظة الراهنة.

فنحن نعلم هذا! لكن أن نعلمه شيء، وأن نلمس شظايا منه، هُتامات منه، شيء آخر! طبعا نُغفل هذا! وأنا هنا أتوجه بحديثي إلى بعض أبنائنا وإخوتنا، الذين تلقوا هذا المشروع الكبير، وهذه النتائج الأولية والمُحصلة المُذهلة، بشيء من التشكك، وبعضهم بشيء من الاستخفاف؛ أي However، فكان ماذا؟ ما معنى هذا؟ صور ماذا؟

بعضهم شكك، للأسف الشديد! وطبعا بلا شك أن الذين يُشككون لا علاقة لهم حقيقةً بالعلم! ليسوا علماء، وليسوا مُختصين. ائتني بواحد مُختص في هذه الشؤون، وشكك. للأسف هذه ضريبة وفداحة أن يتكلم المرء فيما لم يُحط به علما.

في الآيات التي سبقت السياق الكريم، الذي استهللت به خُطبة اليوم، قال الله تبارك وتعالى وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا *. لا تتكلم فيما لا تعرف، وستُسأل عن هذا أمام الله.

بعض الناس يظن أنه لن يُسأل، إلا إذا تكلم في شؤون وخاض وأفاض في شؤون دينية بحتة، لا! كل ما تتفوه به، ستُسأل عنه يوم القيامة. كل ما انفرجت عنه شفتاك، ستُسأل عنه يوم القيامة.

ولا تظنن غير هذا، في تشكيك في العلم، وتسخيفك للعلم، وتسخيفك للأبحاث العلمية والمُنجزات العلمية الهائلة، التي ما سبق مَن سبق مِن هذه الأقوام أو مِن هؤلاء الناس، ما سبق مَن سبق، إلا بفضلها، على أنهم في شؤون أُخرى جد مُتأخرين، لكنهم سبقوا وتفوقوا ورادوا واكتسحوا، بفضل هذه التقنيات وبفضل العلوم.

ونحن لا نزال نتجرع غُصص الجهل – أيها الإخوة – في الأصابح والأماسي، بل في مُعظم أوقاتنا، ثم بعد ذلك نُدل بهذا الجهل، ونُريد أن نُسخّف وأن نُخفّض من إنجازات الناس، الذين لا تُحركهم، من منظوري الشخصي، إلا الروح الإلهية، دروا أم لم يدروا، عرفوا ذلك هم أم لم يعرفوا! وهذا سيكون ربما أحد المحاور التي سأُدير عليها خُطبة اليوم.

هذه الشُعلة من الفضول المعرفي، التي تشتعل في جوف الإنسان، في باطن الإنسان، بما هو إنسان! لا يُمكن تفسيرها إلا بأنها من أثر النفخة الإلهية؛ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي *. لذلك هذا هو العلم، مهما زعم أصحابه أنه مادي، مُغرق في المادية، وأنه ربما يُناصر – أيها الإخوة – كل ما يُضاد النموذج الروحاني الديني التوحيدي! أبدا! العلم تبقى له جنبته الروحية، الروحية! لا أُريد أن أخوض في هذه المسألة، وهي مُثيرة ومُهمة جدا، لكن أُشير إشارة سريعة، ثم أمضي.

ريجار هوكاس أو هويكاس Reijer Hooykaas، مؤرخ العلم الهولندي المعروف على نطاق عالمي، والأستاذ المُبرّز في جامعة أوتريخت Utrecht في زمنه – تُوفيَ في مطلع في التسعينيات -، له كتاب كامل، أداره؛ ليُثبت فيه أن العلم الحديث لم ينشأ في الصين، لم ينشأ في الهند، وإنما نشأ في الغرب المسيحي، الغرب المسيحي الوسيط، بفضل الدين.

كلنا نعلم موقف الكنيسة الكاثوليكية من العلم، ومحاكم التفتيش، وهذه القصص المؤلمة الحزينة القابضة، لكن ما لا يعلمه كثيرون منا، أن هذا الدين، الذي ظُلم أيضا إلى حد ما، كان له دور تأسيسي عظيم. لولا الدين، ما نشأ العلم الحديث.

السوسيولوجي أو عالم الاجتماع الأمريكي ميلتون Milton أيضا يؤكد نفس الحقيقة. لم أُراجع هذا من سنوات طويلة؛ نيدهام Needham، أكبر مؤرخ أمريكي للصين والفكر الصيني والثقافة الصينية، على ما أذكر أيضا، تبنى المقولة ذاتها، وفسر بزوغ العلم في الغرب المسيحي الوسيط ومطلع الحديث؛ بسبب النزعة التوحيدية. دين توحيدي!

كلمة Universe أصلا – كلمة Universe! الكون – هي كلمة لا تينية، من Unus، معناها واحد، والمقطع الذي أُضيف إليه الواحد؛ Versus، بمعنى صار مُتحولا، أي تحول كل شيء إلى واحد. كلمة Universe معناها أن يتحول إلى واحد! توحيد للظواهر!

ولذلك انتبهوا، العلم كله، مهما زعم مَن زعم، وشاء أن يزعم له، المادية ودعم الإلحاد ومُساعدة ومُساندة الإلحاد والشكوكية، العلم بطبيعته يا إخوان، يقوم على مفروضات، على مُسبقات، من طبيعة إيمانية، غير مُبرهنة علميا، ولا يُمكن برهنتها علميا.

ستقول لي مثل ماذا؟ أقول لك مثل أن – مثل الاعتقاد طبعا، مثل الاعتقاد أن – قوانين الطبيعة، قوانين العالم المادي، تصح وتسري في كل مكان في الكون، على النحو نفسه. من أين لكم هذا؟ هل تقصيتم كل جنبات الكون؟ بالعكس! الكون نفسه أصلا غير قابل للرصد بكُليته. جُزء منه قابل للرصد، يُسمى الكون القابل للرصد، أي Observable universe، الكون القابل للرصد.

طبعا بما أننا سنتحدث عن هذه الناحية، وهذه هي الناحية التي أثارت هذه الخُطبة أصلا، فهذا الكون المرصود أو القابل للرصد، الآن على الأرجح أن قُطره يُساوي ثلاثة وتسعين مليار سنة ضوئية! بعضهم يُضاعف هذا، وبعضهم يقول أقل، لكن هذا تقريبا أصبح الأكثر اعتمادا الآن! ثلاثة وتسعون مليار سنة!

يقولون أما الكون كله، وهو غير قابل للرصد بطبيعته – وسأقول لماذا، بتعليل سريع جدا -، فقُطره يترجح أن يكون خمسمائة وخمسة وسبعين مليار سنة ضوئية! شيء لا يكاد يُصدق! يُصيب المرء ليس بالدوار، بشيء أشبه بالجنون! خمسمائة وخمسة وسبعون ألف مليون سنة! يظل الضوء مُنطلقا بسُرعته المهولة؛ ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، حتى يقطع الكون!

ولن يقطعه يوما؛ لأن الكون في حالة اتساع. ولذلك الكون لا يُمكن أن يكون كله قابلا للرصد، يستحيل! جُزء منه محدود! لكن الكون هكذا لماذا؟ لأنه يتوسع باستمرار. ما معنى أنه يتوسع باستمرار؟ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ *، ويقول لك العلم قضى على الإيمان! على إيمانك أنت، على نموذجك أنت، الكسيح؛ الـ Lame!

على كل حال إذن، كلما توسع الكون، ما الذي سيحصل مع الأضواء التي تأتي من المجرات والأجرام البعيدة؟ تنزاح باستمرار نحو الأحمر. ما يُمسى بالإزاحة الحمراء، أي تحت الأحمر، Infrared shift أو Shifting. يتزيح نحو الأحمر، أي يُصبح أكثر برودة، يُصبح أكثر إعتاما، يُصبح أشد خفوتا.

ولذلك ميزة التلسكوب جيمس ويب James Webb أنه يشتغل في طيف تحت الأحمر، في الأجزاء الباردة، شديدة الخفوت، التي لا يُمكن لتلسكوبات كثيرة، مؤسسة مبنية على تقنية أُخرى، أن ترصدها أو أنها تلتقطها.

وطبعا ولذلك عند آماد مُعينة، لا يُمكن أن تصلنا هذه الأضواء، لا يُمكن أن تُرصد أصلا! ستبقى النجوم والمجرات البعيدة بعيدة في أماكنها، ولا يُمكن أن نرصدها. ستبقى أجزاء أكثر من الكون غير مرصودة. أين خمسمائة وخمسة وسبعون مليارا؟ أين منها تسعون مليارا؟ تقريبا السُدس، السُدس! شيء غريب!

قال تعالى فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *. بالبصر المُجرد، أو بالبصر المُتسلح بالتقنيات، التي نعتها الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون Henri Bergson مرة بأنها امتداد لوسائل الحس عند الإنسان.

الميكروسكوب Microscope امتداد للبصر، نرى ما دق وضؤل، وأما التلسكوب Telescope؛ المقراب، فهو امتداد للبصر، نرى ما بعد وسحق بعدا، نرى هذا ونرى هذا! ولكن بالعين، لا بُد من العين أيضا. فهي امتداد! نحن وسعنا أنفسنا، كأننا ملأنا الكون، كأننا طاردناه بتقنياتنا، وهذا أحد الردود على الملاحدة، وسوف أَبسطه، للأسف الشديد!

يُعجبني جدا، يُعجبني إلى حد بعيد جدا، مقولة ألبرت أينشتاين Albert Einstein، العبقري النادر؛ ما التفكير إلا لُعبة مُقارنة. أي التفكير في جوهره خيال، في نهاية المطاف. على قدر ما تؤتى من الخيال، ستكون مُبدعا. على قدر ما يكون خيالك فقيرا مُجدبا، ستكون نائيا بعيدا من الإبداع.

لعله يطيب لي الآن، في هذه النُقطة، مع أنها ستُبعدني قليلا، لكنها مُهمة أيضا وفي الصميم، أن أُدلي إليكم بفكرة أقترحها، لكن تحتاج إلى تعميق وإلى بسط وإلى مد وإلى زيادة بحث، بلا شك!

الصراع – أيها الإخوة، طبعا بلا شك هذه ليست فكرتي -؛ الصراع الآن، ليس صراع أفكار، ليس صراع معلومات، فضلا عن أن يكون صراع صور؛ صور جيمس ويب James Webb، مُقارنة بصور هابل تلسكوب !Hubble telescope لا، ليس هذا أبدا، أبدا!

ولذلك سأُسمي هذه الخُطبة: جيمس ويب  James Webb.. التلسكوب المُلحد!؟ علامة تعجب وعلامة استفهام طبعا، هل هو فعلا مُلحد؟ وهل صوره مُلحدة؟ لا مُلحد ولا مؤمن! جيمس ويب James Webb لا يقول شيئا، الصور لا تقول شيئا، الكون نفسه لا يقول شيئا، نحن مَن يقول باسم الكون.

كيف نقول؟ باسم ما نفهم. كيف نفهم؟ باسم ما نفترض! باسم ما نؤسِّس عليه، باسم النموذج؛ باسم الـ Model، باسم الخلفية الفلسفية التي لدينا. انتبه! الكون لا يقول شيئا. لا شيء يقول إلا الإنسان، ورب الإنسان. نحن الذين نقول.

ولذلك أمام صورة واحدة، يأتي أحدهم مُستعبرا ويقول سُبحانه في عليائه! لا إله إلا هو! يأتي آخر، يقول أين هذا الرب الذي حدثتمونا عنه؟ لقد تلاشى مع هذه الصور! عجيب! عجيب! صراع نماذج، سوف نعود إلى هذا، ونرى أي النموذجين أقرب وأدنى إلى الحقيقة.

لكن فكرتي؛ هل يخفى، ويغبى علينا – أي يغيب -، أن النموذج التوحيدي الديني الروحي الوحياني يستوعب النموذج المادي؟ أنا مُهتم جدا بالنموذج الوحياني، ليس بنموذج غنوصي أو فلسفي، لا! أنا أُريد القرآن الكريم مثلا، بصفتي مسلما، والصورة التي قدمها لله – لا إله إلا هو –، ولخلق الله؛ للعالمين، لعوالم الله، المخلوقة، المُبدعة، المصنوعة لله، هذا يهمني!

نموذج ديني روحاني توحيدي وحياني – نسبة إلى الوحي -! هل يغبى علينا أن هذا النموذج يستوعب النموذج المادي؟ بل لا يُمكن أن يقوم إلا باعتماد النموذج المادي! ما ميزته؟ هو يستوعبه، ثم يتجاوزه، بطبيعته! يستوعبه، ثم يتجاوزه. واضح أنه أكثر مرونة منه، واضح أنه أوسع، واضح أنه أشد اندياحا، واضح جدا!

كما قلت مرة في خُطبة حيوان وزيادة مَن يُنكر أننا حيوانات، وبطريقة أساسية – أي Essentially، نحن حيوانات -؟ أكيد حيوانات، لكن لسنا حيوانات ونُقطة، لسنا حيوانات وفقط، لا! حيوانات نُفخ فيها من روح الله، فصارت خلقا آخر. فنحن حيوانات بلا شك، وزيادة، والمُهم هنا الزيادة.

مَن يُنكر أن الطائرة، وهو مثل ضربته في حيوان وزيادة، مَن يُنكر أن الطائرة سيارة، وتستطيع أن تقوم بما تقوم به السيارة بشكل أساسي؟ بلا شك، بلا شك! لكنها سيارة فقط؟ مُستحيل طبعا، هذا تخفيض، تخفيض وتسخيف لهذا الابتكار العظيم جدا؛ الطائرة! لا! هي سيارة وزيادة، والأهمية والامتياز والاختصاص، تكمن كلها في ماذا؟ في هذه الزيادة. وإلا لغدت سيارة كسائر السيارات، لا! هي سيارة وزيادة.

ولذلك الآن خُذ النموذج المادي، هل النموذج الروحي الديني الوحياني، يُنكر الظاهرات الطبيعية؟ مُستحيل. هل يُنكر وجود الأجرام السماوية؟ مُستحيل. هل يُنكر وجود السماوات والأرض، الآفاق العلوية والسُفلية، النبات، المطر، الزرع، البرق، الرعد، الجبال، الزلازل، الفيضانات، البحار، المُحيطات، الأنهار، الشمس، القمر، الليل، النهار، قوانين الطبيعة، قوانين المادة، الأسباب، النظام السببي؟ أبدا، أبدا، أبدا!

النموذج الديني يتبنى هذا كله، ويُقرره، ولكنه لا يقف عنده. وهو يُفهمنا أن هذا النموذج، إذا وقفت عنده، عاجز تفسيريا، لا يُمكن أن يُقدم لك تفسيرا نهائيا مُرضيا لك كإنسان.

على كل حال، انتبهوا! هذه نُقطة دائما أنا ألح عليها! ما هي؟ مهما ارتفع ضجيج هؤلاء؛ الشكوكيين والملاحدة، وأمثال هؤلاء، مُجرد ضجيجهم، ضجيجهم بمُجرده، هو أحد البراهين على أن الله تبارك وتعالى، لا يُمكن التخلص منه، لا يُمكن!

يا سيدي، اعتبره خُرافة. أنت تقول خُرافة! اعتبره Superstition، خُرافة حقيقية من الخُرافات، أرح نفسك منه، لماذا تشغل عقلك به على مدار الساعة؟ تعرف فريد هويل Fred Hoyle، والذي بدأ أو قطع مُعظم حياته مُلحدا، عالم الفلك الإنجليزي العظيم!

على فكرة، هو الذي أعطى نظرية البيج بانج Big Bang اسمها. وأعطاها ذلك؛ لأنه كان لا يؤمن بها! هو كان أحد القائلين بنظرية الـ Steady-state؛ نظرية الحالة المُستقرة، ولما سمع بهذه النظرية، سخر منها! وقال ما معنى هذا إذن؟ بيج بانج Big Bang؟ قالها هكذا، من فوره! فأُطلقت عليها. أي انفجار كبير إذن؟ حصل إذن انفجار؟ يسخر! فأخذت هذا الاسم! فريد هويل Fred Hoyle!

فريد هويل Fred Hoyle يقول – كتب مرة يقول – مما يُثير استغرابي، أو عجبي – يُثير عجبي -، أن العلماء يُصرون على الدوام تقريبا، على أن يؤكدوا تحاشيهم عن موضوع الدين! لا علاقة لنا بالدين، هذه قضايا غيب، هذه قضايا إيمانيات، لا علاقة لنا بالإيمانيات، نحن أصحاب منهج إمبريقي علمي مادي طبيعي! هكذا – تفسيري هذا -! يُصرون!

قال وفي الواقع وجدتهم أكثر اهتماما بالديني – أي بالجانب الديني – من رجال الكهنوت! الـ Clerics، أي الـ Clergy. أكثر حتى من القساوسة والأساقفة! هذا مَن؟ فريد هويل Fred Hoyle! وعلى فكرة، الذي انتهى في آخر حياته إلى مؤمن.

قال لا بُد لي أن أُسلم في ظل كل المُعطيات المُتوافرة الآن أن هناك ذكاء فائقا للطبيعة والكون، هو مَن يُدير المسألة كلها. فريد هويل Fred Hoyle! الذي قضى مُعظم حياته مُلحدا، وهو عالم من طراز فريد، وعالم خطير، ومشهور بذكائه الفائق أيضا!

فنرجع، نقول هذا الضجيج بمُجرده دليل! أحد الأدلة طبعا، ليس دليلا جازما ونهائيا، أحد الأدلة على حقانية عقيدة الله، لا إله إلا هو! لا يستطيعون أن يُفلتوا منها، لا يستطيعون أن يُريحوا أنفسهم منها. تعرفون لماذا؟

هي تتموضع ضمن الأسئلة التي لا ينبغي أن نستخف بها. ثمة أسئلة مُعينة رافقت الإنسان من عصور بدائيته، إلى اليوم، وهو يُطلق أقماره الصناعية في الفضاء، ويُطلق تلسكوب جيمس ويب James Webb! إلى اليوم! أسئلة مُعينة!

هل وُجد الجواب النهائي المُقنع المُريح للكل عنها؟ لا. في رأسها سؤال ماذا؟ سؤال الله تبارك وتعالى، سؤال الخالق. المؤمنون وجدوا الجواب، وارتاحوا – اللهم اجعلنا منهم، بفضل الله، وأمتنا على ذلك -، الآخرون قالوا لم نجد هذا الجواب!

من خصائص الإنسان أنه يُجل – وينبغي أن يبقى مُجلا على فكرة، إلا إن أراد أن يُجن وسأقول لماذا، سأقول لماذا – الأسئلة الضخمة الكبيرة المُلحة، التي لا تُفارقه، وإن لم يجد لها الجواب الذي يُريد أن يقتنع أنه مُقنع.

الشاعر النمساوي البوهيمي راينر ماريا ريلكه Rainer Maria Rilke قال مرة عبارة عظيمة جدا! قال ينبغي أن نتعلم حُب الأسئلة. بغض النظر عن الجواب! يُوجد جواب، لا يُوجد جواب، ليست مُشكلة! المُهم أن تسأل، وينبغي أن تُعود نفسك أن تحترم وأن تُوقر الأسئلة!

ينبغي أن نتعلم حُب الأسئلة، تماما كحُب الغُرف المؤثثة المُغلقة، أو حُب الكُتب التي كُتبت بلُغات لا نعرفها. نُوقرها ونُحبها، وربما نضعها في الرفوف، لكن لا نفهم منها شيئا! وهذا يُذكّرني بأينشتاين Einstein! كأنه استوحاه؛ أينشتاين Einstein كأنه استوحى ريلكه Rilke!

ألبرت أينشتاين Albert Einstein قال مرة ما مثلنا نحن – العلماء وغير العلماء، وخاصة العلماء، وأهل الفكر -، إزاء غوامض الكون، أسرار الكون، ألغاز الكون – الـ Mysteries الخاصة بالكون -، إلا كمثل طفل صغير – طفل ابن ثلاث أو أربع سنوات، خمس سنوات، سبع سنوات، طفل! طفل صغير -، دخل مكتبة غاصة ملآى بالكُتب، من كل شكل ولون! التي دُبجت وسُطرت بلُغات لا يعرف منها شيئا! لُغات العالم المُختلفة!

هذا الطفل يُدرك أن هذا شيء مُحترم! الكتاب شيء مُحترم، شيء له أهمية. هل قرأه؟ لا يعرف. ولو أراد، لا يستطيع؛ لأنه مكتوب بلُغة هو لا يعرفها، لم يدرسها من قبل، لا يعرف رموزها. جميل! قال ومع ذلك – يقول ألبرت أينشتاين Albert Einstein – هذا الطفل يُدرك أن ثمة خُطة حكيمة في الموضوع! موضوع أن هناك مكتبة ورفوف وكُتب وألفها أُناس ووضعوها هنا، هناك خُطة مُعينة!

قال هذا هو بالضبط مثلنا نحن البشر – خاصة العلماء وأهل الفكر -! نُلاحظ ونرصد ونرى، لكن لا نملك التفسير النهائي. ليس عندنا! لكن هذا التفسير غير مُتوفر إلى الآن! ولن يتوفر يوما! تفسير نهائي يتوقف معه وعنده الفكر لن يتوفر يوما! ما رأيكم؟ ستقول لي ولا في الجنة؟ ولا في الجنة، ولا في الفردوس الأعلى!

وقد ورد في خبر أدار عليه الشيخ الأكبر جوهر أحد الفصول في الفتوحات المكية؛ وإن الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم. لا إله إلا الله! وتكلم بشيء عجيب! الشيخ الأكبر – رضوان الله عليه – تكلم بأشياء عجيبة! لكن هذا موضوع آخر عرفاني. وإن الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم.

تعرفون لماذا؟ بكل بساطة؛ لأنه تبارك وتعالى المُطلق، اللا محدود، اللا مُتناهي! معنى أن تصل يوما إلى إدراكه، الإحاطة به، أنك ساويته أو عادلته أو جاوزته، وهذا إلحاد وهرطقة، وعكس عقيدة الله تبارك وتعالى.

والحاصل؛ لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ *، لا إله إلا هو! وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *. ما عرف الله حق معرفته، إلا الله. الأنبياء عرفوا الله، بمقدار ما أوتوا من معرفة الله! لكن حق المعرفة اللائقة بجلال الله ليست مُتوفرة إلا لله، لا إله إلا هو! فقط.

أما نحن، فنتشارك جُزءا من المعرفة، يعظم حظ هذا، ويقل حظ هذا، ويتوسط هذا في حظه، وهكذا! طيف لا يعلمه إلا الله أيضا! طيف الحظوظ هذا والأنصباء، طيف الأنصباء المقسمومة، لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.

ولذلك – وإن شاء الله نحن من أهل الأبد، بعون الله، في جنات النعيم – إلى أبد الآبدين لن تأتي لحظة يتوقف فيها طلبه – لا إله إلا هو -، ونقول قد بلغنا المُنتهى. لن نبلغ المُنتهى، لا إله إلا الله! وفي هذا سعادة!

وعلى فكرة، سعادة الكبار والمُبدعين الذين يُنشئون النظريات في الفلسفة والعلم وغير ذلك، سعادتهم في الأسئلة أكثر ربما من سعادتهم في الجوابات، أي الأجوبة، أحيانا! فينبغي ألا نستخف بمثل هذه الأسئلة.

لكن لماذا هذه الأسئلة تؤرق الإنسان باستمرار؟ لماذا لا يستطيع أن يتخفف منها، أن يتحرر منها؟ لماذا؟ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي *، هذه روح إلهية. يُريد هذا! روح إلهية، روح المُطلق، لا إله إلا هو!

يُريد أن يُحيط، يُريد أن يقبض على كل شيء، أن يُهيمن على كل شيء، أن يُدبر كل شيء، ولو معرفيا! لأنها روح رب العالمين، لا إله إلا هو! روح من رب العالمين، من المُهيمن، الرقيب، القادر على كل شيء، المُبدع لكل شيء. شيء عجيب! هذه الروح الإلهية!

الإنسان يُمكن أن يفعل ما يُريد، لكن لا يُمكن أن يُريد ما يُريد. في رأس قائمة ما تُريد؛ إرادة المعرفة. هذه لا تملكها، هي تملكك، هي تفرض نفسها عليك. وعلى كل حال، بمقدار ما فيك من شوق المعرفة وفضول المعرفة، فيك من روح الله. هذا هو!

مقدار ما فيك من المعرفة وفضول المعرفة، هو مقدارك وحظك من الله، لا إله إلا هو! ولذلك بعض الناس الذين لا تجد لديهم أي شغف معرفي، أي فضول معرفي، لكن عندهم فضول في الطعام والشراب والجنس والكذا – والعياذ بالله -، هم أقرب إلى أُفق البهائم والأنعام – أعزكم الله -. أما الآخر، صاحب الفضول المعرفي المؤرق المُمض المُتعب المُقيم المُقعد، فهو أقرب إلى الأُفق الملائكي، وفي ترجيحي؛ بل يتعداه، بل يتعداه!

أعود إلى فكرتي المُقترحة، ولم أُعرب عنها إلى الآن؛ النموذج الوحياني، النموذج الديني الروحي، يستوعب المادي، بلا شك، ويتجاوزه! يتجاوزه مُقدما تفسيرات من طبيعة روحية دينية ما ورائية غيبية إيمانية، بلا شك طبعا! ليست مادية قابلة للاختبار بالآليات المادية، وإلا لأصبحت ماذا؟ تفسيرات مادية. هذه ميزته!

الآن مُقترحي؛ هذا النموذج بحد ذاته، الذي يشتغل على الاستيعاب والتجاوز، وهو أكثر اندياحا واتساعا ومرونة، وفاعلية أيضا وقابلية للتفسير، هذا النموذج أقرب إلى العقلانية وإلى استقرار الإنسان النفسي والعقلي. لماذا؟

أقترح أن الجنون بطبيعته – أيها الإخوة – ليس فقدانا للمنطق كما قد يظن بعضنا. بعض الناس يقول لك الجنون هو التفكك المنطقي. غير صحيح أبدا، أبدا، أبدا! وعلى فكرة، الآن الجنون ما هو؟ لا يُوجد مُصطلح جنون – أي Madness أو كذا – في الطب النفسي.

يُوجد مُصطلح شيزوفرينيا Schizophrenia أو سكيزوفرينيا؛ الفُصام! هو الفُصام! هو المُصطلح اللبق، والمُخيف قليلا! شيزوفرينيا Schizophrenia، سكيزوفرينيا؛ مُصطلح يُخوف قليلا!

الفُصام! طبعا فُعال، ليس فِصاما، فُعال! مثل كل هذه الأشياء. الفُصام هو ماذا؟ الجنون. هو الجنون! الذي يُصيب واحدا في المئة من الناس حول العالم. المفصوم قد يكون أستاذا جامعيا كبيرا، قد يكون مُبدعا، حائزا على جائزة نوبل Nobel، مثل جون ناش John Nash، نظرية الألعاب! طبعا! قد يكون أستاذا في الطب النفسي، وهو مفصوم الشخصية، لا، انتبه!

إذن ما حيثية الجنون؟ ما خصيصة الجنون الأكثر تمييزا له وتخصيصا له؟ الضيق! الضيق! الآن تعال اسأل أي طبيب نفسي، قل له يتظاهر الفُصام بماذا؟ يقل لك Symptoms؛ الأعراض! الفُصام يتظاهر، أكثر ما يتظاهر، بدرجة أولى، بالانفصال عن الواقع!

الواقع الثري العظيم العميق الكبير هذا، المُركب! ينفصل عنه، ويعيش في واقع آخر، مُتخيل مُفترض، يعيش فيه! وهو دائما أضيق من الواقع الحقيقي. انتبهوا! هذه الصفة الحقيقية للجنون، أضيق! دائما!

سردية المجنون، رواية المجنون، نموذج المجنون أضيق من الحقيقة، أضيق بكثير! وقد يكون إلغاء، أو شبه إلغاء، للحقيقة الوجودية! شيء غريب! طبعا! كالذين يعتقدون أنه لا يوجد في العالم إلا هم. أنا وفقط!

إذن وما هؤلاء كلهم؟ أفكاري! أنا أولّدها! كل هذا! جيمس ويب James Webb، والقمر، والشمس، والنجوم، والكون، وهذه الخُطبة، وهذا الخطيب، وهؤلاء المخطوب فيهم؛ كل هؤلاء أفكاري أنا!

إن كان بيننا أحد هؤلاء، فندعو الله له بالشفاء. هذا سيكون مفصوما، مجنونا، وسيُصدّق هذا! وعلى كل حال، انتبه! إذا أردت أن تختبر صحة هذا المعيار، وتقول لي أنا سأُثبت لك أن الجنون تفكك! فلا، انتبه! طبعا هناك الهلوسات السمعية والبصرية والشمية والذوقية، هناك الضلالات التي يعيشها المفصوم، ظواهر أُخرى! إذا أردت أن تختبر هذا، فستفشل دائما!

تعرف، جرب أن تختبر مفصوما مثلا، وقع في وهم الميجالومينيا Megalomania، اعتقد حتى أنه إله. طبعا موجودون هؤلاء! يقول لك أنا الإله، أنا الرب! تقول له عجيب! أنت الرب؟ أنت الرب بطول متر وثمانين سم مثلا؟ ما هذا الرب؟ هذا الأصغر من أرضه، وأقصر مني!

أنا مثلا متر وتسعون – تقول له -، وأنت متر وثمانون! يقول لك عادي، ما المُشكلة؟ الرب يتجلى! أنا تجليت. لديك في العالم أكثر من ملياري مسيحي، يعتقدون أن الرب تجلى في يسوع، وربما كان أقصر مني! لا تُوجد مُشكلة، أتجلى! وقد أتجلى في بعوضة.

سيسحقك بمنطقه، عنده منطق مُتماسك، انتبه! لا تستطيع أن تقضي عليه. سيقول لك الرب يتجلى! عند المسلمين تجلى، أئمة السلف والمُحدثين يُصرون على تمرير حديث الشاب الأمرد! يقولون ما المُشكلة؟ الله تجلى، ليست هذه هي الحقيقة في ذاتها، لكن تجليات! كما تجلى لموسى، تجلى في أشكال! أنا أحد تجلياته، تجل لله! وأنا الله – أستغفر الله العظيم -.

تقول له جميل! الرب على كل شيء قدير، الآن لو بطشنا بك، لو أقدمت وصفعتك علي وجهك صفعات، وأنا أقوى منك بكثير، أتحداك أن تنتصر لنفسك، ولن تستطيع! يقول لك لا، مَن قال لك إن الرب دائما يخضع لتحديات البشر السفهاء؟

أنت أحد هؤلاء السفهاء! أليس في كتابكم، وفي كتاب اليهود والنصارى، أن الكفار دائما يتحدون رُسل الله، أن يطلبوا من ربهم، أن يفعل لهم كذا أو كذا أو كذا أو كذا أو كذا، ولم يفعل الله؟ لماذا؟ يقول لك لأن الموضوع قائم على فكرة الابتلاء، سُنة الابتلاء! وأنا لن أرد الصفعة، وحتى لو سفكت دمي؛ لأنني أبلوك وأبتليك! لأنني أبتليك الآن، وسأسحقك في الوقت المُناسب.
لن تستطيع أن تكسب الجولة مع مفصوم أو مجنون. إذن دائما، إذا أردت أن تحتكم إلى المنطق، فهو منطقي، وهو مُتماسك، ولديه سرديته، لديه روايته! لكن ما مُشكلته؟ مُشكلته أن كل العوامل التي تتعلق به، وتؤدي إليه، تؤكد أنه أصغر بكثير، وأضيق بكثير، من أن يُثبت أنه فعلا إله، المسكين! روايته ضيقة جدا جدا جدا، لكنها تتسع له، وفصلته عن الواقع.

ستقول لي الآن أنا أدركت فكرتك! أدركت فكرتك! قبل أن أُترجم هذه الفكرة إلى ما له علاقة بالنموذج الديني والنموذج المادي، وأن النموذج الديني يقي حتى من الجنون، وأن النموذج المادي يُتاخم الجنون أكثر، ويُنذر به، أُريد أن أُعمّق قليلا الفكرة.

كيف؟ تساءلت قبل أسابيع، وفعلا حين أجريت تقصيا سريعا، وجدت أن كلامي في مكانه! تذكرت هكذا: لم أُلاحظ في حياتي، لم أُلاحظ في حياتي أن طفلا دون العاشرة مثلا من عمره، أُصيب بالفصام! طفل مجنون!

هناك أطفال يُولدون بتخلف عقلي، هذا شيء ثان! هذه موضوعات جينية، Genetically وكذا، موضوع ثان! هذه بطريقة جينية تحدث، انس! لا أتحدث عن تخلف عقلي، وقد يتظاهر بعوق جسمي، لا! أتحدث عن المرض العقلي، الفصام، الجنون! تقريبا لا يوجد أطفال مجانين.

لما رجعت أتقصى، وجدت أن العلماء المُختصين، الأطباء النفسيين بالذات، قالوا لك تقريبا لم تُسجل حالات فصام أطفال دون الثانية عشرة، وبعضهم ذكر حتى الخامسة عشرة. وهذا شيء جميل جدا جدا، أثبت ما حدست به!

لماذا؟ لماذا لا يُجن الأطفال؟ لماذا لا يُفصم الأطفال؟ الأطفال لا يُجنون، الأطفال لا يُفصمون؛ لأنهم شعراء! لأن ثروتهم من الخيال – أيها الإخوة – وفيرة جدا جدا جدا جدا! الطفل يعيش بالخيال أكثر مما يعيش بالواقع، على أنه لا يُنكر الواقع! يمتلك الواقع، بقدر ما تسمح له ظروفه وإمكاناته، ويتجاوزه دائما بالخيال، أليس كذلك؟

ولذلك ليو تولستوي Leo Tolstoy عنده دراسة بسيطة عن الرواية، يقول فيها أعظم روائي هو الطفل! وفعلا، نحن كلنا نلحظ هذا! ابنك يعود من المدرسة، وقد وقع له حادث بسيط، مع زميله في المدرسة، تسأله، لا يقص عليك الوقائع كما هي، أبدا! يأتيك بعشرة في المئة وقائع، وتسعين في المئة تبهيرات خيالية! رواية عجيبة غريبة! الطفل خيالي.

لذلك اقترح بعض الأذكياء أن الشعراء الحقيقيين، خصبي الخيال، أبعد جدا من الجنون، من المناطقة والعلماء، وحتى الفلاسفة! كل الذين يُريدون أن يكون تفكيرهم وإبداعهم محكوما بقواعد صارمة، بحدود محدودة، أقرب إلى الجنون، من الذين تسمح لهم مواهبهم الإبداعية أن يُحلقوا بجناحي ماذا؟ الخيال!

اعترض بعضهم، بواقعة إدغار آلان بو Edgar Allan Poe، القصّاص والروائي الأمريكي الشهير، والمشهور جدا على مُستوى عالمي! إدغار آلان بو Edgar Allan Poe! لقد جُن الرجل!

عند تفحص حالة إدغار آلان بو Edgar Allan Poe، صُدم الناس أن هذا الرجل الذي كان يتظاهر بأنه قصّاص وروائي، في الحقيقة منطقي إلى درجة مُقلقة! منطقي جدا! صارم جدا في قواعد تفكيره! حتى أنه كان يحتقر لعبة الشطرنج، كما هي!

ولما سُئل لماذا؟ قال لأن فيها فرسانا وخيولا وقلاعا، أكثر مما يجب، كالشعر! أُفضل لوحة بقطع صغيرة سوداء، كالتي تكون في الرسوم الهندسية! قالوا هذا هو سبب جنونه! لم يكن شاعرا حقيقيا، لم يكن صاحب خيال مُحلق حقيقي، كان يفتعل تقريبا! لذلك جُن، عجيب! شيء غريب هذا!

إذن لا يُجن الأطفال، ولا يُجن كل مَن بقيت فيه روح الطفولية. أقول لك: النموذج الديني يُعطيك هذه الروح، يُعطيك إمكانية تفسير لا مُتناهية دائما، حتى للأحداث التي تخصك شخصيا؛ عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء، شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر – والضراء هذه قد تكون ماذا؟ قد تكون فقدا للمال، فقدا للحميم، فقدا للابن! وقد يكون الابن الوحيد، كما قصصنا أكثر من مرة! وقد يكون فقدا للصحة والعافية؛ شللا مُقعدا! أو غير ذلك! ومع ذلك صبر -، فكان خيرا له.

يقول – عليه السلام – وليس ذلك إلا للمؤمن. ليس ذلك إلا للمؤمن! عجيب! مرونة نفسية، تقيك من ماذا؟ من أن تُجن. لماذا؟ لأن الغضب الذي يبعثك على الانتقام وعلى رد الـ Hit أو الضربة، سيُفضي بك إلى الجنون؛ لأنك تُحاول المُستحيل، تُحاول الذي لا يُحاول! الله: شَدِيدُ الْمِحَالِ *!

رأيت الله أكبرَ كل شيء؛ أي أكبر من كل شيء! أكبرَ كل شيء، وأشده محالا! والله: شَدِيدُ الْمِحَالِ *. مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ *، غضبان على الله هو! غضبان؛ لأن الله لم ينصره، الله لم ينتصر لضحاياه، الله لم يُنجح ابنه في الامتحان، الله لم يوفقه في زيجته، الله … الله … الله …

ماذا تُريد؟ غضبان؟ تُريد أن تنتصر؟ أن ترد الضربة كما يُقال؟ الله قال مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ *. ما السبب؟ الحبل. أحضر حبلا، ارتبطه في السماء، واشنق نفسك! فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ *، لام الأمر! ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ *. هل هذا الغضب وهذا الكيد وهذا الاحتيال، سيُذهب غيظك، يُحقق لك الانتصار من شديد المحال – لا إله إلا هو -؟ أبدا!

لهذا الآن خطر لي، وأنا أتكلم، كلمة قرأتها للراحل الكبير – هو أحد كبار علماء الفلك، وله فضل كبير فيما يتعلق بالبحث عن الذكاء خارج الأرض – كارل ساغان Carl Sagan! كارل ساغان Carl Sagan صاحب برنامج وكتاب الكون المعروف جدا جدا، وصاحب الروايات المشهورة: تنانين عدن، وأيضا Contact؛ رواية الاتصال العجيبة المُمتازة.

في الاتصال؛ في Contact، قال عبارة! قال الكون واسع جدا – Pretty big place قال! واسع جدا -، ولو لم نكن إلا نحن – إذا كان لا يُوجد في هذا الكون كله، إلا نحن؛ البشر -، فسيكون هدرا فظيعا للفضاء؛ Awful waste of space!

سيكون هدرا فظيعا للفضاء! ما هذا؟ فضاءات وتقول لي بتسعين مليار سنة ضوئية، وربما يكون الفضاء الحقيقي بخمسمائة وخمسة وسبعين مليار سنة ضوئية! والأرض – ليس الإنسان، وإنما الأرض – يقطعها الضوء، في كم مليار سنة؟ في كم مليار؟! في كم دقيقة؟ في كم ثانية؟ في ثمن ثانية! في ثمن ثانية!

الضوء يقطعك ويقطع كوكبك في ثمن ثانية! لكن ليقطع الكون، الآن على الأقل، يحتاج إلى خمسمائة وخمسة وسبعين مليار، الكون المرصود وغير المرصود! قال لو لم يُوجد إلا نحن، فهذا هدر عظيم للفضاء! Awful waste of space.

جميل! سؤالي هنا – خطر لي – بمعيار مَن؟ ولماذا كان هدرا؟ لأن كارل ساغان Carl Sagan عاش ومات مُلحدا، للأسف الشديد! هذا أحزنني جدا جدا، أن يموت مثل هذا العبقري، الجميل في كُتبه وفي أفكاره، وفي لُغته ورطانته حتى بالإنجليزية، من أروع ما يكون! للأسف! أمر الله! أن يموت مُلحدا! أحزنني جدا حين مات مُلحدا، كنت أتمنى له غير ذلك.

على كل حال، بمقياس مَن؟ بمعيار مَن؟ مِن منظور مَن؟ أنت كمُلحد لا ينبغي لك أصلا أن تستخدم هذه العبارة؛ أنه هدر! هدر ماذا؟ هدر وتوفير واقتصادية: هذه معايير تشي بماذا؟ بالحكمة والعقلانية.

لما يكون هذا الكون مُبدعا لخالق – لا إله إلا هو – عاقل حكيم مُقدر؛ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً *، حينئذ تكلم لي عن الهدر والاقتصاد، لكن أن تكون مُلحدا، وتقول الكون جاء من تلقائه، والكون أزلي بطريقة ما، ولا تملك إلا هذا – وهذا ليس تفسيرا مُقنعا لأي حد -، ثم تتحدث عن الهدر، فليست اللُغة، وإنما الفكر، لا يسمح لك، العلم! نموذجك المادي لا يسمح لك!

لكنه فعلها! وهذا من تناقضاتهم، وهي كثيرة جدا، دون أن يتنبهوا إليها! واضح؟ إذن هدر ماذا؟ الكلمة هذه تشي بشيء آخر، هو يبدو أنه لم يكن واعيا به! واضح يا إخواني؟ على كل حال، نعود.

أعتقد أنني أبرزت فكرتي، في قرب النماذج الضيقة من جوهر الجنون. ولذلك الدراسات الطب نفسية تؤكد طبعا أن المُتدينين، في مُعظمهم كذلك! ليس كل مُتدين طبعا؛ لأن التدين أنماط كثيرة جدا جدا، بعض الناس عنده تدين شكلاني، لا علاقة له بالدين، أقرب إلى الإلحاد، سميته إلحاد المُؤمنين!

إلحاد المُؤمنين! لا، هناك التدين الحقيقي الجوهري، القائم على الإيمان والرضا والتسليم: أمل وعزاء، أمل وعزاء! الدين أمل وعزاء، الإيمان أمل وعزاء. هؤلاء في مُجملهم، أكثر صحة واستقرارا وسعادة، من غيرهم. دراسات غربية، يقوم بها حتى ملاحدة! قال لك هذا الواقع، ماذا نعمل؟ هذا الواقع.

وفعلا بلا شك هم كذلك! لماذا؟ النموذج الواسع المرن، عنده قدرة استيعابية، وهو أقرب على فكرة إلى أن يمدك بأسباب خصوبة الخيال، أن يجعلك أكثر عبقرية، أكثر عبقرية بلا شك!

نعود الآن؛ الفكرة الأساسية في خُطبة اليوم، عن جيمس ويب James Webb، لما نشر المسؤولون في ناسا NASA صوره الأولى، التي خلبت عقول وأبصار كل مَن وقف عليها ورآها! وهي، بلا شك، فعلا شيء جميل جدا جدا!

فهناك سديم Nebula، سديم كبير جدا! وعلى فكرة، هو أكبر سديم إلى الآن! كان يُظن أن أوريون Orion هو أكبر سديم، لا! هذا السديم الآن هو أكبر سديم على الإطلاق! كارينا Carina، اسمه Eta Carinae Nebula! أي سديم كارينا العظيم! Eta! Eta Carinae Nebula!

هذا السديم يبعد عنا سبعة آلاف وستمائة سنة ضوئية، سبعة آلاف وستمائة سنة! يُعتبر قريبا جدا جدا جدا! لأن مجرتنا؛ الـ Milky Way Galaxy، بين طرفيها الأقصوين، مئة ألف سنة! إذن هذا قريب جدا، سبعة آلاف وستمائة، لكنه عظيم جدا!

يمتد – أيها الإخوة – ملايين السنين الضوئية! نحن مئة ألف؛ المجرة. هو لا، ملايين السنين! وبعد ذلك حين تراه أنت في الصورة – اكتب أنت، وانظر! موجود آلاف الصور الآن، في كل مكان -، يبدو كأنه جبل، مثل جبل أُحد هكذا!

جبل مُمتد طولا، وإن شئت عرضا، هكذا! ولكن له قمم وانخفاضات وكذا، لذلك حتى أسموه – أسموا هذه الصورة بالذات – بالمُنحدرات الكونية؛ Cosmic cliffs. Cosmic cliffs؛ المُنحدرات الكونية! كأنه جبال، سلسلة جبال!

أعلى قمة في الـ Cosmic cliffs هذا، ضمن سديم كارينا Carina؛Eta Carinae ، تعرفون كم؟ أربع وخمسون سنة ضوئية! أي إذا أردت أن تُسافر إلى الشمس أنت، فالشمس تبعد عنك تسعين مليون Mile، أي مئة وخمسون مليون كم، مئة وخمسون مليون كم! تستطيع أن تبلغ الشمس في ثماني دقائق ضوئية!

تقول لي وهذا الجبل السديمي – في شكل جبل! هذه مُنحدرات – لكي أبلغ آخر قمة، أو أرفع ذروة، أحتاج إلى كم؟ أربع وخمسين سنة ضوئية! تركب الضوء، والضوء يظل مُنطلقا بك أربع وخمسين سنة! ليس ثماني دقائق!

فلذلك لما – قشعر بدني الآن – رأينا هذه الصورة، قلنا شيء تقشعر له الأبدان! المُؤمنون تنهمل دموعهم! يقول لك قدير يا رب! وهذا لا يزال لا شيء! ولا شيء في الكون هذا، ولا شيء! سبعة آلاف وستمائة!

يوجد عندنا مئتان وتسعون مليون صورة لمجموعة من المجرات، لمجموعة من المجرات خُماسية؛ Quintet! Stephan’s Quintet؛ خماسية ستيفان! خمس مجرات، وواحدة قريبة، أقرب! والأربعة أقرب إلى بعضها. هذه أقرب إلينا كثيرا، لكن تظهر كأنها قريبة منهن، في الصورة فقط! وهي بعيدة جدا.

وهذه المجرات الأربعة لا تزال تقترب من بعضها، عبر ملايين السنين. اثنتان منهما تقريبا على وشك الانصهار؛ الــ Fusion، الاندماج! تندمجان معا. تقول هذا يحدث؟ يحدث، هناك زواج! زواج، هذا Marriage! زواج كوني! هذه المجرة، مع هذا المجرة، ويحدث هناك زواج!

ولذلك يُوجد عندك مجرات إهليلجية عملاقة، تحتوي علي تريليون نجم! ألف مليار نجم! يُسمونها مجرات إهليلجية عملاقة. وهناك مجرات إهليلجية قزمة، تحتوي على بضعة ملايين من النجوم؛ عشرة، عشرين، ثلاثين مليونا! هذه ألف مليار؛ ألف مليار، تريليون، عشرة أس ثنتي عشرة، أي مليون مليون! شيء لا يُصدق! شيء لا يكاد يُصدق! ستقول لي الكون إذن كله كم فيه؟

طبعا علي فكرة من الصورة العجيبة أيضا، وعودا إليها، صورة مجرة عجلة العربة؛ الـ Cartwheel Galaxy. الـ Cart، أي الـ Chariot! الـ !Cartwheel Galaxy كم تبعد عنا هذه؟ خماسية ستيفان Stephan هذه، تبعد عنا، كما قلنا، مئتان وتسعون مليون سنة ضوئية، مئتان وتسعون مليون! ثُلث مليار! لا، الـ Cartwheel Galaxy – وصورة من جيمس ويب James Webb، من أروع ما يكون! وفعلا شكل عجلة – تبعد عنا أكثر من خمسمائة مليون سنة ضوئية! نصف مليار! أكثر من نصف مليار! شيء مُذهل، شيء مُذهل!

طبعا هذا السديم – أيها الإخوة – فيه ما لا يعلمه إلا الله، من النجوم والمجرات؛ لأن النجوم والمجرات أصلا تتشكل في السُدم، تتشكل في السُدم! وحين تنفجر في شكل سوبرنوفا Supernova، تُكوّن السُدم! فالـ Nebulas أو السُدم في نهاية المطاف هي ماذا؟ هي سُحب عظيمة، سُحب كونية! سُحب كونية جدا، من الغازات والأغبرة! مُخلفات النجوم، والمادة أيضا الأولية لصناعة النجوم والكون، لا إله إلا الله! هذه السُدم. يقول لك سديم كذا!

جيد، الآن السؤال: تقول لي أنت قلت ثلاثة وتسعون مليار سنة؛ قطر الكون المرصود! وغير المرصود خمسمائة وخمسة وسبعون مليار سنة! الآن آخر التقديرات؛ كم مجرة في الكون؟ في سنة ألف وتسعمائة وخمس وخمسين، كان تقدير العلماء المُختصين في هذا الباب، في ناسا NASA وغير ناسا NASA، في العالم الغربي، لعدد المجرات في الكون، كم؟

المجرات، انتبه! المجرة قد تحتوي على ماذا؟ كما قلنا تريليون نجم. مجرتنا؛ الـMilky Way ، كم فيها تقريبا؟ بين ثُلث إلى نصف تريليون نجم. يُمكن أن يكون فيها خمسمائة مليار، خمسمائة مليار!

هذا الكلام طبعا، نحن الآن نقوله ونسمعه! لو سأل سائل ما علاقة هذا بالدين؟ ما علاقة هذا بالدين؟! إذا لم تفهم هذا، فأنت لم تفهم شيئا في الدين أصلا! أنت لا علاقة لك حتى بالله حقيقية. القرآن أكثر من ألف آية تتحدث عن عوالم الخلق، عن السماوات والأرضين وما فيهن، أكثر من ألف آية! القرآن لا يزال يأمرك، بين الحين والحين، بأن تُغلغل النظر، في ماذا؟ في ملكوت السماوات والأرض.

طبعا لم يكن يخطر على بال أبي بكر وعمر، ولا بال ابن سينا، ولا بال ابن النفيس، ولا بال أبي الحسن بن الشاطر، ولا البيروني، ولا … ولا … ولا … أي واحد! أن الكون بهذه السعة، بهذا الغناء، بهذه الخصوبة، بهذا التركيب! شيء لا يكاد يُصدق يا إخواني!

معناها ما هو الله – لا إله إلا هو -؟ ما هو جلال الله؟ ما هي عظمة الله؟ وتقول له القرآن يقول لي هناك سبع سماوات، ويقول لي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ *! هذا مُهم جدا، ومحور أساسي أيضا في خُطبة اليوم، لكن سوف يكون في درس اليوم!

محور أساسي؛ لأن هناك الملاحدة الذين ظنوا أن المؤمنين الوحيانيين ضاعوا، ضاعوا لما تبين أن الأرض، ولا تأتي حتى هباءة في الكون! لا تأتي حبة رمل! لا تأتي! أصغر من ذلك بكثير! بالقياس طبعا إلى حجم الأرض! حبة رمل، بالنسبة إلى الأرض! الأرض أصغر بكثير من أن تكون حبة رمل في أرض الكون، في رمال الكون، أصغر من ذلك!

فيقولون لك أين؟ أين الإله الخاص بكم؟ أين الإنسان؟ وكرمنا الإنسان، وخليفة الرحمن؛ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً *! مساكين هؤلاء! والخُطبة اليوم للجواب عن هذه الشُبهة على فكرة، وبفضل الله من زوايا سوف تقفون عليها!

وجوهرها ليس دينيا، لكنها تخدم الجوهر الديني، جوهرها فلسفي وعلمي وتأملي، ومُقارناتي! يتناولها المُلحد والمؤمن والشكوكي وكل مَن شاء، ويُجيب! نحن نقول، ولهم أن يقولوا، ونرى مَن أقرب إلى المنطق، ومَن أقرب إلى الحقيقة الحاكمة في الوجود – إن شاء الله تبارك وتعالى -؛ في الوجود البشري، وجودنا المعرفي الفلسفي الفكري النماذجي، سوف نرى – بإذن الله -.

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ *! حديث ابن حبان، وهو صحيح، وصححه غير واحد، حتى الشيخ الألباني، من المُعاصرين، أيضا صححه، وهو حديث أبي ذر الطويل! وفي هذا الحديث يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا أبا ذر ما السماوات السبع، إلى الكرسي – وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ * -، إلا كحلقة مُلقاة بأرض فلاة! بصحراء! تخيل خاتما؛ خاتم أصبع! الختام هذا، بقطر واحد سم أو سم ونصف، ومرمي في الصحراء الكُبرى! ما حجمه هذا؟

إذن انتبهوا، هذه ضربة شديدة للملاحدة! القرآن يقول وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ *، بلا شك أن السماوات كانت عظيمة دائما! مهما كانت صغيرة، في ذهن الناس الغابرين، إلا أنها عظيمة! الأرض عظيمة! الأرض عظيمة جدا جدا جدا!

الأرض يُمكن أن تحتمل ليس سبعين مليارا، وإنما أكثر من سبعمائة مليار بشر، يعيشون عليها! وأكثر بكثير أيضا، لا يملأونها! سبعمائة مليار لا يملأونها! تخيل! والأرض عظيمة جدا جدا بالنسبة إلى الإنسان! والسماء أعظم من الأرض بمراحل، الكل يعلم هذا! ولكن، مع ذلك، الله يقول الكرسي الذي لا تعرفونه ولم ترونه ولا تتوهمونه، يسع السماوات والأرض، وبسهولة! كم يفضل منه؟ لا يعلم هذا إلا الله.

العجيب أن الله قال لنا هي ليست سماء واحدة، هناك سماوات، وليست أرضا واحدة، هناك أرضون! لا إله إلا الله! فالنبي يقول لأبي ذر انتبه! أي الدين يُلح، ومن مصلحته هذا، وقد سبق الملاحدة، وسبق هؤلاء الذين ظنوا أن الأبعاد السحيقة، يتلاشى معها وهم الإيمان!

بالعكس، بالعكس! الدين من أول يوم كان يُصر على أن الكون سحيق، والكون هائل، والكون ضخم جدا جدا! أضخم مما يسمح به الخيال العادي اليومي. إلا كحلقة مُلقاة بأرض فلاة! بفلاة، بصحراء!

في حديث أبي داود في السنن، والضياء المقدسي في المُختارة، من حديث جابر، ومثله عن أنس عند الطبراني في الأوسط، وأيضا هذا رواه الطبراني في الأوسط! المُهم؛ حديث أبي داود، والضياء المقدسي، عن جابر – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – أُذن لي!

والإشارة موحية جدا: أُذن لي! كأنه يقول لو لم يؤذن، ما تكلمت. لأن من الناس مَن سيُكذب! وخاصة في ذلك العصر. اليوم من الناس مَن سيتصغر، ويقول فكان ماذا؟ ما هذا؟ ولا شيء هذا أيضا! لا، هو شيء كبير، كان وما زال! وهذا للتقريب.

أُذن لي أن أُحدّث – والحديث هذا أيضا صحيح، بفضل الله. صححه الهيثمي والألباني وغير واحد! حديث صحيح أيضا – عن ملك، من حملة العرش!

ثم – على فكرة لم نُكمل – النبي قال في الحديث الأول وما الكرسي في عرش الرحمن إلا كالسماوات إلى الكرسي! لا إله إلا الله! لا يزال العرش أعظم من الكرسي، بما لا يعلمه إلا الله! لا إله إلا الله! إذن معناها ما العرش هذا؟ ما هو العرش هذا؟ لا نعرف.

خيالك البسيط؛ أنه كرسي كبير، قد هذا المسجد مئتي مرة! السماوات والأرض كلها بالنسبة إلى الكرسي، مثل خاتم في الصحراء! والكرسي بالنسبة إلى العرش مثل السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي! لا إله إلا الله! تُريد أحسن من هذا؟

هذا النبي محمد، قبل جيمس ويب James Webb، وقبل الإلحاد، وقبل كل هذه المعارك العجيبة الغريبة! النفسانية! كلها معارك نفسية، هي ردود فعل عاطفية، ليس أكثر! ليست فلسفية، وليست علمية! سأقول لماذا.

جيد، نرجع؛ أُذن لي أن أُحدّث عن ملك، من حملة العرش، بين شحمة أُذنه وعاتقه – العاتق هو الكتف، أي هذه المسافة، نحن بين الشحمة والعاتق كم؟ فتر! هذا اسمه الفتر. هناك الشبر: من هنا إلى هنا: من الإبهام إلى الخنصر، وهذا هكذا، اسمه الفتر. فتر! فتر واحد! أي تقريبا اثنا عشر سم، الملك هذا، من حملة العرش، كم؟ – مسيرة سبعمائة سنة!

الله أكبر! ليس الملك، لا! المسافة هذه فقط. إذن المسافة من أعلى رأسه، إلى أسفل بدنه، أو جثمانه أو جثته، أي جِرمه، كم هي؟ لا يعلمها إلا الله. هذا عالم، عالم قائم بذاته، هذا واحد فقط من حملة العرش!

خلائق الله عجيبة! القرآن دائما يؤكد هذا! ولذلك قال الله – تبارك وتعالى – لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *! أَكْبَرُ * في الدلالة على ماذا؟ على عِظم الله، وجلال الله، ومُطلقية الله! أَكْبَرُ * بكثير، لا يزال! وأَكْبَرُ * من نواح كثيرة!

أعجبني جدا الإمام الراغب الأصفهاني في مُفرداته – وله تفسير، طُبع منه أجزاء الآن، مُحققة في رسائل دكتوراة -! في مُفرداته لاحظ مُلاحظة في مُنتهى الذكاء! قال لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ * من حيث ما أودع الله فيهما – في السماوات والأرض – من بدائع صُنعه وحكمته!

وإلا، من حيث الجثة – هو يقول الجثة، إي الجِرم، من حيث الجِرم، الحجم -، فمنهم مَن يعلم هذا. الكفار يعرفون أن السماوات أكبر، والأرض أكبر، وأكبر من خلق الإنسان، أكيد! من ناحية ماذا؟ من ناحية الحجم، الجسم! لكن من ناحية الحكمة والدلالة، هم لا يفهمون، ويغترون بحالهم، ويجعلون حالهم المركز النهائي للكون والحُكم على الكون وعلى رب الكون! وهذا ما سُنفيض فيه – إن شاء الله – بعد صلاة الجُمعة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

(الخطبة الثانية) 

 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

إذن، إخوتي وأخواتي، المؤمن مبدئيا – وأنا أتحدث عن المؤمن القرآني، الذي يستمد نموذجه التفسيري من القرآن العظيم – مسألة الحجوم والأجسام والاتساع السحيق المهول، لا تُزعجه أبدا! المفروض أنها تزيده إيمانا، ولا تنقص من إيمانه.

أما، الجواب عن الشُبهات الأُخرى، وعن حجمنا ومكاننا وأهميتنا وخطورتنا والتكليف والمبدأ الأنثروبي والتسخير وكل شيء مُسخر، فهذا سيأتي – إن شاء الله – في مُحاضرة بعد الجُمعة بالتفصيل – بإذن الله -! مُهم جدا!

وعلى فكرة، الإضافات هناك. في الخُطبة إلى الآن تقريبا لم نُضف شيئا حقيقيا، الإضافات ستأتي في المُحاضرة؛ للجواب عن كل الشُبهات، من الزوايا الجديدة – بإذن الله تبارك وتعالى -.

فالمؤمن لا يهوله هذا، ولا يُزعزعه، ولا يُقلقل إيمانه. المفروض أنه يزيده إيمانا، وهو يعلم هذا. في نهاية المطاف، نحن شعارنا في كل صلاة: الله أكبر! ليس فقط أكبر من السلاطين، من الجبارين، ليس أكبر من الأرض والليل والنهار، ليس أكبر من شهواتنا وغضبنا، أكبر من كل ما يُمكن أن تتوهمه، أكبر من كل ما عداه! تقول لي الكون والأكوان ومئات الملايين! من كل ما عداه! يبقى أكبر، لا إله إلا هو! وأكبر على جميع المُستويات.

إذن، أنت إذا شعارك هذا؛ الله أكبر، فلن يُزلزلك شيء، إطلاقا! يبقى الله أكبر، إلى أبد الآبدين، لا إله إلا هو! يبقى! كما كان، الأكبر، لا إله إلا هو! أبدا!

واضح يا إخواني؟ هذا لا يزيدنا إلا إيمانا – بإذن الله تبارك وتعالى -. فقط أُريد أن ألفت إلى أن من المُفيد جدا لتدعيم الإيمان وتثبيت الإيمان، إطالة التفكير وغلغلة النظر في عجائب الكون، وبالذات الكون!

انظر؛ يُوجد عندك عالمان – لا إله إلا هو -:

عالم البدن الإنساني؛ لأن وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ *. وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ *: هذا عالم كبير، أيضا شبه لا مُتناه، للوقوف على عجائب الإبداع الإلهي! شيء غريب!

والإنسان فيه امتياز، ليس فقط خطورة، وهذه نُقطة أيضا محورية سأعود إليها! فيه ليس فقط خطورة وأهمية، لا! فيه امتياز واختصاص، وهذا الشيء مُهم جدا، سوف نُفصله أيضا في محور وحده!

لكن في المُقابل أيضا ماذا؟ الملكوت؛ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ *! ماذا؟ إشارة أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ * إلى ماذا؟ قال أبو جعفر بن جرير، عن قتادة – وهذا الذي اعتمده أبو جعفر تقريبا، عن قتادة -، قال السماوات والأرض. مَن أشد؛ خلقهم، أم خلق السماوات والأرض؟ وتشهد لها آية مؤمن، أو آية غافر؛ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ *.

ولذلك أختم بما ورد عنه – عليه الصلاة وأفضل السلام -؛ تعليقا على الآيات التي أُنزلت عليه تلك الليلة الكريمة السماوية العلوية، آيات أواخر آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ * … إلى آخر السياق الكريم!

النبي دخل عليه بلال، وقد بللت دموعه حجره الشريف، ونزلت على الأرض! يبدو أنه قضى جُزءا كبيرا من ليلته يبكي؛ بسبب هذه الآيات العظيمة! وأخبر بلالا بما حصل، ثم علق فقال ويل لمَن قرأها ثم لم يتفكر فيها، ويل لمَن قرأها ثم لم يتفكر فيها، ويل لمَن قرأها ثم لم يتفكر فيها!

وربما شاهدتم جميعا المقطع الرائع جدا لكارل ساغان Carl Sagan، الذي يُعلق فيه على الأرض وقد بدت كنُقطة صغيرة باهتة، كذرة غُبار! في مشهد كوني، شديد الإثارة والإعجاب والإدهاش!

في نهاية المطاف، يقول – معنى كلامه – إن الدرس الأكبر من هذا أن نتعلم كيف يُحب بعضنا بعضا، وأن نتواضع، وألا نُبالغ في كراهية بعضنا البعض، واستئصال بعضنا البعض! يبدو أن الأمر لا يستأهل، لا يستأهل! لكن هناك أمر آخر يستأهل، كارل ساغان Carl Sagan لم يُحاول أن يُحققه، للأسف الشديد! وارتحل عن هذا العالم، دون أن يُحققه، ومن أسف شديد!

هناك شاعر أمريكي – مات سنة ألف وتسعمائة، أمريكي – اسمه ستيفن كرين Stephen Crane. كرين Crane عنده أبيات جميلة، لفتتني! يقول فيها الآتي، على لسان رجل يُخاطب الكون – هذا كارل ساغان Carl Sagan، على فكرة! وهذا كل مُلحد، وكل واحد صاحب نموذج مادي، لم يتجاوزه إلى نموذج توحيدي إيماني -!

ماذا يقول الرجل هذا للكون؟ يقول له ماذا؟ يقول له Sir, I exist! أي يا سيدي، أنا موجود! يقول للكون، يقول لصور هابل Hubble هذه، يقول لهذا العالم العجيب: Sir, I exist!

قال له However, replied the universe! أجاب الكون! فكان ماذا؟ وماذا بعد؟ ماذا يعني؟ موجود! ماذا أعمل لك؟ The fact has not created in me a sense of obligation. ذلك لم يُوجد في إحساسا بالالتزام! موجود، غير موجود، ماذا أعمل لك؟

وفعلا هذا المنطق الذي يُفرغ عنه كل مُلحد اليوم، وكل شكوكي، وكل كافر بالنموذج الوحياني التوحيدي! يقول لك مَن نحن؟ وما نحن؟ نحن ليس لنا مكانة! نحن! نحن لا شيء، كوكبنا لا شيء! تُحدثوننا عن كرامة الإنسان، وعن الـ Morality، وعن الأخلاقية!

شيء غريب، على فكرة! أليس كذلك؟ إذن انتبهوا، الإلحاد وعد بسحق الإنسان، وعد بنزع ما تبقى من Dignity أو كرامة للإنسان، وعد نهائي، ولا يُمكن الرجوع عنه على فكرة، الإلحاد! إلا بأن يرجع عن نفسه الإلحاد، أن يكفر بذاته، يُلحد بإلحاده، وإلا أبدا، هذا وعده! عكس الوعد الإيماني.

إذن هل الكون فعلا لا يتلزم؟ نعم، لا يلتزم! لكن النموذج التوحيدي يقول لك الله مُلتزم، لا إله إلا هو! الله! الله رب الأكوان كلها، رب السماوات والأرضين، رب العرشي والكرسي الذي وسع السماوات والأرضين، مُلتزم معك. تقول لي أي كلام هذا؟

المُلحد يقول لك مُلتزم؟ والله العظيم مُلتزم، والله مُلتزم، لا إله إلا هو! ويتواصل معنا. وكل مَن له تجربة دينية حقيقية، روحية حقيقية، أنا أقول لكم هو يعلم أن الله مُلتزم إزاءه، لا إله إلا هو! إن جاز هذا التعبير.

وهو المعنى الحقاني؛ أتدري يا مُعاذ حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟ هذا هو! المعنى الاستحقاقي، الحقاني. هذا مجاز كله، مجازات! لذلك Obligation؛ التزام، كذا! Commitment، أقرب حتى من Obligation، أي نوع من الـ Commitment. يُوجد التزام، يُوجد!

كل مَن له هذه التجربة، يعلم ويسعد بأن الله مُهتم به، مهتم به! يسمعه، ويُبصره، ويتواصل معه، لا إله إلا هو! ويُجيبه، لا إله إلا هو! شيء عجيب! الذي عنده تجربة حقيقية! الذي ليس عنده تجربة، فليذهب وليبحث عنه. يُصحح النموذج، لا يكفر بالرب الكبير، لا إله إلا هو!

يُوجد خلل في نموذجك، يُوجد خلل في العدسة، يُوجد خلل في المرآة. صحح المرآة، اصقل العدسة، والذي أهم من كل هذا؛ أن تكون لك النية الصافية، والتواضع اللائق بنا كبشر، في كوكب مُتواضع جدا! أن نخضع ونبخع للحقيقة، إذا أطلت برأسها، ولو أول طلول.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا. اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مُستقيم. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *. حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم، في هذه الساعة المُباركة، ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا نفسته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا غائبا إلا رددته، ولا أسيرا إلا أطلقته، ولا مدينا إلا قضيت عنه دينه، وأذهبت همه وغمه وحُزنه، برحمتك وفضلك وكرمك ومنّك، إلهنا ومولانا، رب العالمين.

لا إله إلا أنت، سُبحانك، إنا كنا من الظالمين. نبوء إليك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب، إلا أنت.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.

(جزء من تسجيل الصلاة)

 

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ * ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ *

 

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ *

 

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ * ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ *

 

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا * قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا * سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا * تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا *

 

(2/9/2022)

بين الجنة والنار ـ شيرين أبو عاقلة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين. هداة مُهتدين، غير ضالين ولا مُضلين. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

أحسب أن موضوع الخُطبة لاح لكم من خلال الآية الجليلة؛ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ *.

قتلوك يا شيرين أبا عاقلة برصاص الخسة والجُبن والغدر والعدوان، ولا عجب. لا عجب من قتلة الأطفال، أن يقتلوا المُراسلين والصحفيين، لا عجب البتة. ولكن العجب، كل العجب، مِمَن لا يزال يُجادل ويُساجل ويتردد ويُجمجم – أيها الإخوة – ويلتمس الأعذار، لذوي سجل الإجرام المُمتد على أكثر من سبعين سنة! على أن الموضوع سيفصل فيه ذوو الضمائر، وقد فعلوا. والرصاصة التي غدرتها واغتالتها تحتفظ بها الرئاسة الفلسطينية – بحمد الله تبارك وتعالى -، ليست رصاصة الفلسطينيين، إنها رصاصة القتلة المُعتدين، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ *. لا أُريد أن أقول أكثر من هذا، وسأعمد إلى موضوعي من أقصر طريق.

ليست أول مرة، ولن تكون الآخرة – أيها الإخوة -، أن تثور عجاجة، وأن يثور سجال وجدال مُحتدمان، حول مصائر الناس في الآخرة، خاصة الذين ليسوا من هذه الأمة، أو حتى مِمَن كانوا من هذه الأمة، على أن لذوي التدين ولذوي الخطاب الديني – أعني لبعضهم – نظرة خاصة في الحُكم عليهم! لكن بالله ما هذا الانشغال؟ ما حُمي وما هجير هذا الانشغال الدائم المُتجدد بمصائر الناس؟ هل جعل الله تبارك وتعالى حساب الناس إلينا؟ هل جعل مصائر خلائقه بأيدينا؟ شيء عجيب! كيف نجرؤ على هذا؟

قد يُقال ليس هذا موضوع السجال. إنما موضوع السجال أقل بكثير وأبسط من هذا. ما هو؟ هل يجوز الترحم والاستغفار لمَن مات وليس من المسلمين؟ وشيرين كانت مسيحية فلسطينية، نعم مُناضلة، مُجاهدة، شريفة، شجاعة، ثابتة، جبل من جبال – أيها الإخوة – الثبات في وجه هذا المُحتل الغاصب المُجرم، الذي عرته عبر أكثر من عقدين مُتواصلين، ولما تبلغ ما تشتفي به؛ لأنها كانت تعيش المأساة في ليلها ونهارها، كسائر فلسطيني الداخل، الذين يصطلون ليل نهار بلظى ونيران هذا الاحتلال المُجرم، الذي لا يعرف – أيها الإخوة – معنى للإنسانية، ومعنى لقيم الرحمة. قاتل الأطفال! ماذا تُريدون من قاتل الأطفال؟

العجيب أن أحد برلمانيهم في كنيستهم – أيها الإخوة -، برلمانهم؛ بن غفير، حيا الجيش القاتل، ودعاه إلى مزيد من قتل الصحفيين! نعم، نعم! والعالم ساكت، العالم هنا في الغرب والشرق، كأنهم لم يسمعوا هذا البرلماني، ولم يسمعوا ما قال، له أن يقول! كلامي هذا، وهو مُنضبط تماما، وفي حدود، أعلى حدود اللياقة، قد أُسأل عنه وقد أُحاسب عليه، كما حدث غير مرة معي! لأنني فقط أتكلم ببعض الحقيقة، ببعض ظلال الحقيقة! ماذا قصدت؟ وما الذي تُريد؟ وكيف تصفهم بالقتلة؟ وكيف تصفهم؟ هذه بعض الحقيقة، هذا بعض الحقيقة، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، ثبتنا الله على الحقيقة. هناك مَن يدفعون دماءهم وحياتهم ثمنا للوفاء بمُقتضيات هذه الحقيقة واستحقاقاتها، فلا أقل من أن نجهر ببعض الحقيقة، ويغفر الله لنا جُبننا وسكوتنا عن أبعاضها الأُخرى، وهي كثيرة! لكن لكل مقام مقال، وفي فمي ماء، وهل ينطق مَن في فيه ماء؟

نعود إلى ما كنا فيه – أيها الإخوة -، يقولون القضية أقل وأصغر. لا، هي قضايا مُتداخلة تثور، ومُشتبكة يأخذ بعضها برقاب بعض وبأعناق بعض. نُريد أن نُعالج هذا الملف من أكثر من زاوية. وقبل أن أخوض، وكنت أُريد أن أتحاشى وأتحايد وأتجنب الدخول – أيها الإخوة – إلى هذه الزاوية بالذات، وهي أن مثل هذا الكلام لا تُمليه عواطف. بعض الناس قد يتكلم عن عاطفة! هذا الكلام كما ستقفون بُعيد قليل كلام في صُلب ولُباب العلم الشرعي، كلام في لُباب العقيدة، كلام في قلب مفهومنا عن الله – لا إله إلا هو – ورحمته، كلام في قلب مفهومنا لكلام الله ونصه وكتابه. هذا الكلام ليس ترفا، وليس عبثا، وليس مُجاملات، وليس عواطف. كلام علم، وعلم مُهم جدا لهذه الأمة.

ثانيا؛ هذا الكلام ليس كلاما تُمليه ظروف طارئة وأحداث عارضة، ربما – أيها الإخوة – تُذكّر به، على أنه كان ينبغي أن تُفتح مثل هذه الملفات، لا أقول من عقود، بل من قرون، وأن ينظر المسلمون بنظر الإنصاف، لا أقول لغير المسلمين، لكتابهم! لا بُد أن نُنصف كتابنا. الذي رأيته عبر أكثر من عشرين سنة، وتكلمت في عشرات المُناسبات، أن البون في هذا الباب بالذات – وأبواب أُخرى، لكن في هذا الباب بالذات – بين منطق القرآن، بين روحية القرآن، بين توجه القرآن، وبين ما عليه الأمة بعلمائها وعوامها، كبير جدا! البون كبير جدا، واسع، شاسع، وهائل! كما سيضح لكم بعض بُرهانه في تضاعيف كلامي – إن شاء الله – في هذه الخُطبة، الذي ما نلت فيه من صواب، فهو من توفيق الله ومن تسديده وتأييده، وما عرض لي فيه ويعرض – وهذا مُحتمل جدا – فيه من خطأ، فمن نفسي ومن شيطاني، والله بريء من ذلك ورسوله. وعلى أنني على أتم الاستعداد إلى أن ألقى الله تبارك وتعالى، وأسأله أن يُثبتني على ذلك، أن أعود وأنفي راغم للحق، مهما ظهر لي بُرهان الحق، ولكن ليس التشغيبات والمُسارعة إلى الأحكام العاطفية، التي لا علاقة لها بمحل النزاع! مُجاملات، تنازلات، عُقد نقص، باعوا نفسهم للغرب، باعوا نفسهم للشرق، باعوا نفسهم للحكام العرب، وأمثال هذه الخزعبلات. هذا كلام خزعبلات، لا علاقة له بالعلم، العلم شيء آخر!

وإلا ما الذي يضطر وما الذي يلز امرأ يزعم أنه يتكلم باسم العلم، بمنطق العلم، يُفرغ عن منطق العلم! إلى أن يستفز وجدانات العامة؟ وأنتم عليمون، وربما أكثر مني، بوجدانات العامة. ليس عامة المسلمين، بصراحة ربما يكون عوام المسلمين أفضل في أبواب كثيرة من غيرهم، هذا واقع أيضا؛ حتى لا نظلم أنفسنا! العوام من كل أمة وفي كل أمة وملة ودين، كما قال بعضهم أشبه بكذا – لا أُريد أن نُسيء حتى إلى العوام -. العوام بحسب علم النفس الاجتماعي – لكن نظريات قديمة، لا يزال بعضها صحيحا – عقلهم كمجموع عقل أردأهم. خُذ لي قطيعا، خُذ لي مجموعة من الناس، من مئة مثلا، أردأهم عقلا، عقل المجموعة كمجموعة، من حيث هي مجموعة، يُساوي عقل هذا. 

لذلك صعب جدا هندسة عواطف ووجدانات العوام، لكن ما هو أصعب وما هو أسوأ بمراحل، أن يختط العلماء والقائلون والمُتكلمون في دين الله وفي ملة الله خطة العومنة! ما أسميته قبل سنين بالعومنة، أي مُجاراة أهواء العوام! سأتكلم بطريقة بحيث يُصفق لي العوام، سأتكلم بطريقة بحيث يكثر مُتابعي من العوام، يرضى عني العوام. يا رجل ما ينبغي أن تجعل وجهك له وعينك إليه رضا الله تبارك وتعالى، وهذا دين!

ولذلك ما الذي يلز مَن يتكلم في دين الله، أن يتكلم بطريقة تُثير عليه العلماء، ثم العوام؟ بحيث ينال قسطا أكثر من الوافر، أكبر من كبير، من أحكام الزندقة والتكفير وأنه باع نفسه واشترى نفسه وفاوض على نفسه! شيء غريب! أنا أعتقد أن الذي يفعل هذا، من غير أن يكون حقا باع نفسه أو فاوض على نفسه وعلمه، هو خشيته الله تبارك وتعالى. لأن الله سائل كل أحد منا؛ علمت بشيء، فلِمَ سكت عنه؟ والله الذي لا إله إلا هو، لن يسعني ولن يسع كل مَن ينتمي إلى العلم، أن يقول له يا ربي خفت المُجتمع العلمائي، خفت من إخواني العلماء، وأنا أعلم وأنت أعلم بتوجهاتهم، ثم خفت من العوام. الله سيقول له كما في الحديث المعروف فإياي كنت أحق أن تخشى. 

يجب أن نخشى الله أكثر مما نخشى أنفسنا، علماء وعواما، وأن نقول بما أدانا إليه نظرنا واجتهادنا، على أننا قد نكون – وهذا احتمال وارد أبدا – مُخطئين غالطين، طبعا لسنا أنبياء ولسنا ملائكة، لكن هذه القضايا لا بُد أن تُفتح، ولا بُد أن يُبدأ فيها ويُعاد، ولا بُد أن نُغلغل فيها الأنظار؛ لكي يستبين لنا من أقصر طريق وأدناه، أن ما يُدعى بقطعيات ليس بقطعي، وأن ما يُحكم فيه الإجماع ليس فيه إجماع، وأن ما يُقال إنه النص ليس بنص، إنما هو ظواهر قابلة للتأويل، فاتقوا الله في دينكم، اتقوا الله في ربكم، لا إله إلا هو! اتقوا الله أن تصوروا ربكم إلها ضيق الرحمة، مُتربص بعباده، كأن غرضه أن يُهلك مُعظم مَن خلق، حاشاه! لا إله إلا هو! وهو القائل وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا * على لسان أملاكه المُكرمين – عليهم سلامات الله تبارك وتعالى -. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ  *، على أنه ساقها مساقا غريبا! قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ  *، فقيّد الإصابة بعذابه بالمشيئة، وأطلق في الرحمة وقال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ  *، إن كنا نفقه ما نقرأ وما نتلو! عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ  *، مَنْ أَشَاءُ ۖ  *! 

كل ذنب بعد الشرك، ودون الشرك، وعدا الشرك، عسى أن يغفره الله تبارك وتعالى! كل ذنب! إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ  *، يبقى هذا المُذنب الخاطئ الزال الضال في خطر المشيئة، في خطر المشيئة كما يقول علماؤنا. وهذا في حق مَن؟ ليس في حق مَن تاب، إنما في حق مَن وافى بالذنب. وافى بالذنب، أي مات – مسألة الموافاة في العقيدة – وهو على ذنبه مُقيم، لا يريم. عسى أن يغفره الله له! أما مَن وافى بالشرك والكفر، فهذا لا يغفره الله، كقاعدة عامة، كقاعدة عامة! وسنأتي إلى تفصيل الكلام في هذا الموضوع، وهذا من أهم محاور خُطبة اليوم.

وقفنا على علماء كبار، بعضهم حائز على جائزة نوبل Nobel في الفيزياء، الذي أكفره – أي صيره إلى الكفر – وأضله، الصورة المُعتقدية لله في دينه، في دين أهل الكتابين، أي في التوراة والإنجيل. قال إله قاس، إله غضوب، إله مُتربص بعباده، إله يُريد فقط أن يُدخلهم النار بأوهن الأسباب! قال أنا لا يُمكن أؤمن به. عالم، حاصل على جائزة نوبل هذا، ليس أهبل! لا أؤمن بإله مثل هذا. للأسف من المسلمين اليوم مَن يُسارع ومَن يُريد أن يُصور الله على نحو مُشابه! 

الله قال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ  *. سيقول لك أحدهم أتم الآية. فلتُتمها أنت يا مسكين، الآية حُجة لنا، وليست حُجة لك! فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ *…إلى آخر الآية! إذن ما مُفاد الآية؟ مُفاد الآية ماذا؟ هل تظن أنه يُمكن أن يُستخلص من هذه الآية الجليلة حُكم ينص على أن رحمة الله مقصورة على، مخصوصة بمَن ذُكر؟ سوف تقول نعم. سأقول لك أنت تائه. إن قلت نعم، فأنت لا تدري ماذا تتلو يا رجل! هذه الآية تنص على أن الله سيكتب الرحمة، لجماعة من أهل الكتاب، نعتهم ما تُلي. إذن أين نحن؟ لسنا أهل كتاب، نحن مسلمون مُحمديون! ليس لنا نصيب في الرحمة؟ أي ورطة! إذن أنت لم تفهم الآية. 

الآية تقول وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ  *، يعيش في رحمته البر والفاجر، المؤمن والكافر. رحمته في الدنيا! ستقول هذه رحمة دنيوية. أقول لك اربع على ظلعك، خفف قليلا من توفزك. رحمات الآخرة أوسع بكثير. في الحديث المُخرج في الصحيحين، من حديث أبي هُريرة، قال – صلوات ربي وتسليماته عليه – جعل الله الرحمة مئة جُزء، فأنزل في الأرض جُزءا واحدا منها، فبه تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها؛ كي لا تُصيب، أو قال حتى لا تُصيب، ولدها. طبعا هو ذكر الدواب، والدواب كل ما دب على الأرض، وإن خصه بعضهم بما يُركب، لكن غير صحيح، هو عموما كل ما دب على الأرض! لكن لماذا خص من الدواب ذوات الحافر؟ لأنها كانت مركوبهم أو عُظم مركوبهم، لأنها كانت عُظم مركوبهم. أعظم وأكثر ما يركبون، ذوات ماذا؟ ذوات الحافر. فيُلابسونها مُلابسة أكثر، ويرون شؤونها في تصرفاتها مع أولادها! وإلا فذوات الظلف داخلة في الحديث، وذوات الخُف داخلة في الحديث، وسائر الدواب داخلة في الحديث؛ لقوله الدواب. ليس فقط ذوات الحوافر، على كل حال قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – في تتمة الحديث وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، بها يرحم عباده يوم القيامة. 

الله أكبر! هذا غاب عنا، والحديث في الصحيحين، غاب عنا! وكأننا أردنا أن نجعل من رحمة الله يوم القيامة أضيق من رحمته في الدنيا! أوسع بكثير يا أخي. بعزته، ونحن في يوم جُمعة، بعزته، لا إله إلا هو! لا يبلغ وهم واهم، ولا خرص خارص، ولا خيال مُتخيل، ولا ظن ظان، أقل القليل مما يُمكن أن تكون رحمته يوم القيامة. ولذلك قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – أبشروا وأملوا، فوالله الذي لا إله إلا هو، ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة لا تخطر على قلب بشر. سنرى لماذا! النبي قال كل ما في العوالم، كل مظاهر الرحمة، زهاء ثمانية ملايير من البشر! رحمة عجيبة بينهم! بأولادهم وبأنفسهم وبأزواجهم! فقط البشر، ليس الدواب والكائنات على اختلافها! كل هذه الرحمات هي جُزء، من جُزء، من مئة جُزء! ما عساها تبلغ الأجزاء التسعة والتسعون الأُخرى؟ لا إله إلا الله!

ولذلك أنا أتعبد الله، أدين الله تبارك وتعالى – وهذا مُعتقدي، ومؤسس على كتابه وما صح عن نبيه، صلوات ربي وتسليماته عليه -، أن مُعظم الخلق يوم القيامة داخلون في رحمة الله. اعتقادي الذي أدين الله به، أنك يا نار لن يدخلك إلا مَن حقت عليه كلمة العذاب، وسيدخلك وهو يقول الحمد لله رب العالمين! لما رأى من عدل الله ورحمته وفضله. هو سيقول لا أستحق أقل من النار، هذه أمي، هذه أمي وأنا كنت ابنها، الذي أشعلت العالم، وسعرته حروبا وضغائن ومُعادات وشنآنات، وحولته إلى مرائر وعذابات، بحيل ومكائد الليل والنهار. 

لذلك جهنم ستمتلئ، لها ملؤها، والجنة لها ملؤها، لكن النبي أفهمنا أن جهنم ستمتلئ بعدد قليل! كما أقوله دائما، دائما أُنبه على هذا! فيما ورد عنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن الكافر يكون عظيم الجُثة، عظيم الجسم جدا، حتى أنه يكون بين شحمة أُذنه وعاتقه، كما بين مكة مثلا وهجر، كما بين مكة وصنعاء! مئات الكيلومترات، من هنا إلى هنا! ما معنى هذا؟ ولم يرد مثل هذا في حق مَن؟ الجنائنيين – جعلني الله وإياكم منهم، وأجننا بستره الجميل في الدنيا والآخرة -. لم يرد! إشارة إلى أن النار لها ملؤها، ولكن ستُملأ بعدد قليل. 

إذن لماذا؟ لماذا مُعظم البشر – بعون الله – سيدخلون في رحمة الله؟ سوف نرى لماذا، واضح! لا نحتاج أن نُوافي القيامة – إن شاء الله – بالإيمان حتى نعلم، في الدنيا واضح! وأول هذا الواضح أن أحدنا لو أنصف من نفسه، وترك دلاله وغطرسته، وتخفف من عُجبه وإدلاله، لعلم أنه تقريبا لا فضل له في كونه مسلما. بالله عليك، أخترت أن تكون مسلما؟ والله أنا ما اخترت أن أكون مسلما، على أنني أسعد الخلق أو من أسعدهم بكوني مسلما.

ومما زادني شرفاً وتيهاً…………..وكدت بأخمصي أطأ الثريا. 

دخولي تحت قولك يا عبادي……….وأن صيرت أحمد لي نبيا.

شأني شأنكم وشأن كل المُوحدين الصادقين، من أسعد الخلق نحن، بأننا مسلمون! لكن هل لنا في هذا كسب؟ أهذه مكاسب حقيقة أم مواهب؟ والله مواهب. الله أعطانا هذا بفضله ومنه! الكفار يقولون مُجرد صُدفة سعيدة. أي إن كنتم على حق وكنتم مُحقين، فهذه مُجرد صُدفة سعيدة! أنك ولدت في بلد مسلم، من أسرة مسلمة! صُدفة. وُلو ولدت في بلد غير مسلم، فبنسبة تسعة وتسعين في المئة، إن لم يكن أكثر، ستكون على دين آبائك ودين أهل بلدك، يدل له ويُبرهنه أنه في البلاد المسلمة مَن وُلد في صُقع سني، كان سُنيا، ومَن وُلد من قبيل شيعيين، أتى شيعيا، أليس كذلك؟ هذا هو!

فالآن ما هذا العُجب؟ ما هذا الإدلال؟ ما هذه السطوة في خطابنا وفي كلامنا؟ الله أكبر! قيل لأعرابي مرة – هذا الأعرابي أذكى منا! وأزكن وأفطن منا – يا أعرابي تُحسن تدعو ربك؟ أي تُحسن أن تدعوَ، تُحسن تدعو ربك؟ قال نعم. قيل فادع. قال اللهم – رفع يديه وقال اللهم – إنك أعطيتنا الإسلام دون أن نسألك، فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألُك. اللهم آمين. صادق! قال أنا لم أختر، لم أختر أن أكون مسلما. هذا محض فضل من الله!

ثم لدينا أولئكم الذين لم يُسعدهم القدر! هذا من زاويتنا، نحن نقول من زاويتنا، ولعلهم يقولون مثل قولنا! لعل اليهودي الذي وُلد بين يهود، والمسيحي الذي وُلد بين مسيحيين، يقول هذا! على أن المسيحيين شأنهم عجيب غريب! اليوم العالم يزحمه أكثر من خمسة وأربعين ألف فرقة مسيحية! ونحن مُحتاسون – بالعامية مُحتاسون – حائرون ضائعون كيف نُدبر اختلافنا الملي؛ شيعي وسُني وإباضي وزيدي وإسماعيلي، والسلام عليكم! أين فرق المسلمين اليوم؟ إمامية، زيدية، إباضية، سُنية، ثم ماذا؟ إسماعيلية. خمسة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! انتهى كل شيء. مُحتاسون حائرون ضائعون! ما أضيق عطننا! عطننا ضيق، مساحات الفكر لدينا والروحية – أيها الإخوة – واضح أنها مُختزلة جدا جدا جدا. القوم طبعا ليسوا – أكيد ليسوا – خيرا حالا منا، خمسة وأربعون ألف فرقة، مُعظمها بروتستانت، ليسوا كاثوليك، والكاثوليك في فرق، ومُعظمها لا يرى الخلاص إلا لنفسه.

على فكرة، لا تُصدم، ولا تعجب، ولا تندهش، ولا تبتئس، ولا تيأس، حين ترى فيلسوفا مسيحيا كاثوليكيا كبيرا، تستمع إليه، فيه ظرف، فيه لُطف، فيه عقل، فيه ذكاء! ويشرح ماذا؟ يشرح الفلسفة! يمر عبر أحقابها التاريخية، رجل عنده عقل فلسفي! ويُسأل مرة – فيلسوف كاثوليكي يُسأل مرة – الخلاص – ال Salvation، الخلاص، أي النجاة، الفلاح بالصيغة الإسلامية، ها الSalvation  هذا – لمَن؟ يضحك الفيلسوف الذكي، واسع الحيلة والعلم، يقول بصراحة وبصدق لنا نحن فقط الكاثوليك. لا مسلمون، لا يهود، لا بروتستانت! إذن لا تسبوا أنفسكم كثيرا. 

وهنا أنا لست في معرض الدفاع عن ماذا؟ عن ضيقي العطن، عن الذين شوهوا صورة الإسلام ورحمة الإسلام، أبدا أبدا أبدا! لكن أيضا لا أُريد هذا مِمَن يتصيدون ومِمَن يقفون على العتبات والتخوم! كل مَن تكلم باسم الإسلام، كل مَن فعل فاحشة، كل مَن أتى بمصيبة وداهية دهياء باسم الإسلام، قالوا هذا هو الإسلام! مَن قال لكم؟ فإن بلاهم الله بأمثالنا، يقول لا، لا تسمع لهؤلاء، هؤلاء يُرقعون! ما الذي تُريدونه؟ إذن أنتم حرب على الدين، أنتم تشنأون الدين وتُبغضونه. اتركوا لنا ديننا، نحن أعلم بديننا، أعلم بجماله، برحمانيته، بسعته. ووالله الذي لا إله إلا هو ما وجدنا لا فلسفة دنيوية ولا دينية، أوسع من هذا الدين رحمة على ما نفهمه. سيُقال مُرقع! رضينا بالترقيع، جميل! رضينا بالترقيع، على أنه ليس ترقيعا، فهم وله أدلاته وعليه براهينه وبيناته، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم. شنشنوا بغيرها، ترقيع! ناقشونا فيما نقول. 

على كل حال هكذا بُليَ الإسلام، دُهيَ! كُرث الإسلام، بقبيلين من الناس! قبيل مُتزمت، مُتطرف، ضيق العطن، يُريد أن يجعل من مُعتقده في الله، يُريد أن يُحيل صورة الله المُعتقدية، إلى صورة جبار أرضي بصراحة! وهذا الجبار الأرضي – صدقوني – قد يكون أكثر جبروتا وأضيق سعة من فرعون ذاته! هو نفسه هذا المُتمشيخ أو المُتدين! ما رأيكم؟ ستقول لي وعليها برهان؟ عليها، هناك برهان عليها. فرعون نفسه قد يكون أرحم من هذا الإله الذي يُصوره هذا المُتدين المُتزمت الجاهل الجهول، والذي يسب كل مَن أراد أن يفتح بابا حقيقيا للنقاش وإعادة النظر بهدوء وتؤدة في هذه المسائل الخطيرة.

الأرض! ولعلكم قبل أسابيع وقفتم على المقطع الذي انتشر في الشبكة انتشارا واسعا جدا، للراحل كارل ساغان Carl Sagan، صاحب Cosmos، وعالم الفلك الأمريكي الشهير، ومسؤول عن فوياجر 1 Voyager 1! الأرض على بُعد مئات الملايين تظهر كنُقطة بيضاء صغيرة، لا تكاد تُرى! فإن أبعدنا بعد ذلك ضعفي المسافة، لا يظهر شيء على الإطلاق! طفأ! وهناك هذا السواد، هذا هو الكون، هذا هو الكون الذي يتسع لملايير، ملايير، ملايير، إلى انقطاع النفس من أرضك، من الكوكب الأرضي! وهذا مُصور، صور هذا، ليس خيالا، ليس فلسفة هذا. والرب هو رب العالمين، وهذا كله لا يزال عالما واحدا! 

كوننا هذا – أي ال Unser Kosmos أو ال Our cosmos -، هذا كله، لا يزال عالما واحدا، والأرض فيه هباءة لا تُرى! الله قال لك أنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا  *. كيف؟ كيف يُمكن أنت أن يتسع عقلك لتصوير هذه الرحمة؟ والله لا يتسع، ولا تستطيع. أرحم مما تظن يا مسكين! ولذلك أنا أقول لك هذه الرحمة التي لا يُمكن أن ينالها وهم واهم، أو خيال مُتخيل، مهما طفر، مهما طفر وشذ وند! قد تُحرمها أنت! الله أكبر! يا مُتناقض. ستقول لي يا مُتناقض. نعم، قد تُحرمها أنت في حالة خطيرة، وهي قريبة جدا منك، أيها المُتزمت. تقول لي ما هي؟ أقول لك إن جعلت نفسك مُتحكما فيها، بوّابا عليها! تُدخل في رحمته مَن تُريد، حسبما يتسع خيالك وذهنك، وربما شغفك ونفسيتك العجيبة الغريبة! لن أصفها بأكثر من هذا. قد توبق دنياك وآخرتك، وهذا حديث الإمام مسلم، الذي ذكرناه، حتى من قريب، غير مرة! حديث جُندَب – بفتح الدال طبعا، جُندَب بن عبد الله، وليس جُندُب، جُندَب بن عبد الله، في صحيح مسلم، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، في الرجل الذي قال لأخيه اذهب، والله لا يغفر الله لك. فقال الله مَن الذي يتألى – أي يحلف، وَلَا يَأْتَلِ * أي لا يحلف، الألية هي الحلِف، الحلِف بكسر اللام! مَن ذا الذي يتألى – علي ألا أغفر لعبدي؟ قد غفرت له، وأوجبت لك النار. هيا، تفضل! لكي تتفلسف، وتأتي تفتئت على رب العزة! ملكك الله مفاتيح رحمته؟ أوكل الله حساب الناس إليك؟ 

ستقول لي يا أخي هو الذي أخبرنا أنه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ *، هو الذي أخبرنا أنه مَن مات كافرا، فله النار. أقول لك أخبرك يا حبيبي، يا أخي، وما أبغي لك والله إلا الخير، أخبرك بقاعدة عامة. أما تفاصيل الحالات والأحوال، فليست لي ولا لك ولا لجبريل وميكال ومحمد وموسى وعيسى، لله وحده. والحُكم العام غير الحُكم في الأعيان يا حبيبي. الحُكم العام؛ كل مَن مات كافرا، له النار. الآن هل هذا مات كافرا، أو لا؟ لا ندري، لا نعرف. هل يستحق اسم الكافر؟ قضية صعبة جدا جدا! لأن الكفر في القرآن – وهذه مسألة أُخرى، وطالما تحدثت فيها -، الكفر في القرآن بطوله، لا يتحدد سلبا، كما يُوهمك بعض المشايخ اليوم، من ضيقي الأعطان، أن كل مَن ليس بمسلم، فهو كافر! غير صحيح، كذب على الله ورسوله، وكذب على الوقائع، غير صحيح، بالمرة غير صحيح! لا، ليس كل مَن هو غير مسلم، فهو كافر، أبدا! هو غير مسلم وحسب. الآن عند الله ما هو؟ الله أعلم. ما مصيره؟ الله أعلم. 

أما الكافر، فهو الذي قامت عليه الحُجة الرسالية، التي قطعت وتقطع معاذير مثله، تُفحم مَن كان في رُتبته ودرجته، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ *. بعد أن جاءهم النذير، والنذير مَن هو؟ رسول نبي. والله أكبر! الله أكبر! هل أحدنا له القدرة ولياقة أن يُقيم الحُجة الرسالية كما يفعل نبي ورسول؟ فرق بين السماء والأرض! لماذا أقول هذا؟ الكلام طبعا هنا اشتجر، وأنا كانت خُطتي أن أُرتب حُججي، وهي كثيرة جدا! تحتاج حقيقة، بغير مُبالغة، إلى عشرات الساعات. كنت قبل حوالي عشرين سنة – وسأفعل هذا، إن شاء الله، بدءا من الجُمعة المُقبلة – تكلمت في مصير أهل الكتاب، اليهود والنصارى، في القرآن الكريم، كما أخبر الله! أكثر من عشرين ساعة، وسكت ولم أسمح بالنشر، وبقيَ لدي أكثر من عشرين ساعة! وإخواني يعلمون هذا. وسأعود إلى اختزال الحديث وتوضيبه في المسألة من جديد؛ لأن العبد الفقير كما قلت لكم لا يزال يُرمى بالكفر والزندقة وأنه يقول اليهود والنصارى في الجنة! لم أقل هذا، أنا ما قلت إلا ما في كتاب الله، وعليكم أن تسمعوه جيدا. وسنبدأ بتلاوته ومُدارسته جميعا – بإذن الله – بدءا من الجُمعة المُقبلة، وما يتلوها من دروس، وسوف نرى كم يتسع البون والشُقة بين فهمنا وبين ما نُشّئنا عليه ودرجنا عليه، وبين ما يقوله الله تبارك وتعالى! وسيع وسيع، شاسع مهول! القرآن عجيب! ستقول لي ماذا تقول؟ 

سأتلو عليك الآن أربع أو خمس آيات فقط من عشرات الآيات، وأتركك معها، أو معهن – إن شئتم -؛ لكي تتفكروا وتتدبروا! أولها آية البقرة، الثانية والستون؛ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ *، فالآية واضحة جدا! يكون المرء يهوديا أو نصرانيا أو صابئيا أو مؤمنا، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ *، منا، من أمة محمد، ويتحقق بالإيمان بالله واليوم الآخر، ليس فقط المُحمديين هم فقط مَن يتحققون أبدا، الآية واضحة! قال لك لا، هذا فيما سبق. تكذبون على الله؟ الله يقول إِنّ *. يُقرر قاعدة، صادقة وقت النزول وبعد النزول وإلى يوم القيامة، قاعدة! يقول إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ *. إذن و: الَّذِينَ آمَنُواْ * في الماضي؟ أمة محمد، وعليها نُزّل هذا الكلام. اتقوا الله! وهناك ما هو أكثر، إذا تأولتم هذه الآية، فكيف تتأولون غيرها، وهي كُثر! كثيرات نيرات زاهرات صادمات صاعقات وزاعقات؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *، البقرة، الثانية والستون، الآية الثانية والستون!

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ *، كسر إعراب! اسمه كسر إعراب. لسنا الآن في الإعراب، مسألة ثانية هذه، ربما في دروس الجُمعة المُقبلة نتطرق إليها، وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *، المائدة! قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا *، على طريقة المسلمين اليوم والمشايخ والعلماء تَعَالَوْا * ادخلوا في ديننا، وإلا فلكم الويل والثبور وعظائم الأمور! الله لم يقل هذا، قال بالعكس! قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ *، يبقى الكتابي كتابيا، والمسلم مسلما، المُحمدي محمديا! لكن هناك كَلِمَةٍ سَوَاءٍ *، نلتقي عليها. 

ماذا تُريد أن تقول هذه الآية؟ الآية تُريد أن تقول أبدا لا نُطالبكم بأكثر من أن تُصححوا التحريف الذي أحدثتموه في عقيدتكم، عودوا إلى الإسلام، دين الأنبياء، ملة الأنبياء! ثم ابقوا كتابيين، لا بأس، لا تُوجد مُشكلة. الإسلام هو دين الأنبياء جميعا، ملة واحدة، دين واحد! قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ  *، تحريفات كلها! واقعة! وقعت ولا تزال واقعة للأسف عند أكثرهم! وبعضهم تبرأ منها – بفضل الله تبارك وتعالى -، فحُق أن يُسمى مسلما، بنص كتاب الله. فَإِن تَوَلَّوْا *، لا يُريدون، يُحبون أن يعبدوا الأحبار والرهبان، ويُحللون ويُحرمون ويلعبون في الكتاب ويُثلثون ويُربعون ويُخمسون! الله قال فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *. إذن آية آل عمران دعتهم إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ *، ما هي الكلمة السواء؟ أن يتركوا دينهم أو شرعهم، ويأتوا إلينا؟ أبدا أبدا أبدا! ظلوا على دينكم، الذي هو ماذا؟ دين الأنبياء جميعا! دين موسى وعيسى هو دين آدم وشيث وإدريس ونوح، ودين محمد! هو دين ماذا؟ الإسلام. وسنقول هذا بعد قليل. الآية عجيبة!

الآية الرابعة؛ لَيْسُواْ سَوَاء *، أو الآيات هي، ليست آية واحدة! لَيْسُواْ سَوَاء *، أيضا في آل عمران. الله يقول أهل الكتاب لا يستوون، ليسوا كلهم لفقا واحدا، طبقة واحدة! يختلفون، يتمايزون. لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ *، قال لك الذين أسلموا! تكذبون على الله أنتم؟ هل تعرفون العربية؟ قال لك مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ * الذين أسلموا! ما شاء الله! والله يُسميهم أهل الكتاب؟ تضحكون على مَن؟ الحق أبلج، والباطل لجلج. أولتم هذه، كيف تؤولون هذه؟ كيف تؤولون هذه؟ القرآن مُتجار، مُتسارع، إلى تقرير حقيقة واضحة، لم نشأ أن نراها، لا نُحب أن نراها، أبدا! إما أن تُصبح على شرعنا وبطريقتنا، وإلا فأنت في جهنم! اكذبوا على الله ما شئتم أن تكذبوا. اللهم إنا نبرأ إليك من كل افتراء عليك ورد لكلامك في الصدور والأعجاز.

لَيْسُواْ سَوَاء *، كيف يا رب لَيْسُواْ سَوَاء *؟ يقول مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ *، كتابيون! أُمَّةٌ قَائِمَةٌ *، عُباد رُهبان حقيقيون صادقون، أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ *. أعلم، اقشعرت أبدانكم، كما اقشعر بدني، أُقسم بالله! إذن لماذا اقشعرت أبدانكم؟ اقشعرت أبدانكم أن الآية تدل على نجاة كتابيين؟ ليس كل الكتابيين، كما أنه ليس كل المسلمين ناجون، نعلم هذا! اللهم اجعلنا من الناجين بفضلك ومنك يا رب العالمين. لا كلنا ناجون، ولا كلهم ناجون، لكن دلت على الأقل الآيات على أن من أهل الكتاب أمة ناجية، ووصفوا بالصلاح والتقوى، ووصفوا بأنهم لن يُكفروا صالح أعمالهم – كثّر الله صالحاتنا -، واضح؟ لماذا اقشعرت أبدانكم؟ أنا أقول لكم هذا لامس الفطرة، لامس الفطرة المُعتقِدة بعدل الله، هذا من عدل الله، هذا من عدل الله! الموضوع طويل، طويل ومُعقد. 

وآخر شيء؛ لئلا أُطيل، الآيات كثيرة جدا، لكن أنا آتي بأوضح الآيات! آتيكم بآيات النساء؛ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ *، الله يُخاطب مَن؟ يُخاطبنا، يُخاطب أصحاب محمد – صلوات ربي وتسليماته على محمد وآل محمد -. لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ *، القضية ليست قضية أماني؛ نحن أصحاب موسى، نحن الأولى، نحن ال Chosen people، نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ *، الشعب المُختار! أماني، اذهب، تمن يا حبيبي، اذهب، تمن. لا، نحن أصحاب كلمة الله وابنه وروحه، مُحيي الموتى، القائم من الأموات، الذي قام من الأموات، عيسى! اذهب، تمن. لا، أنا صاحب محمد، ختام الأنبياء والمُرسلين وخير الخلق وحبيب الحق. تمن. الله قال ليست هذه القضية، القضية ليست عناوين، وليست مانشيتات. لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ *، وبدأ بمَن؟ بالصحابة، بنا، بأصحاب محمد وبنا. لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ *. 

إذن ما أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ *؟ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ  *. إذن أمانينا؟ لن يدخل الجنة إلا مَن كان مسلما مُحمديا. أماني! فهمتم القرآن؟ عجيب القرآن! أُقسم بالله العظيم! أُقسم بالله القرآن عجيب! وأنا مُتأكد الآن كلكم ستقولون الله أكبر! لعلنا دخلنا تحت طائلة مَن قيل فيهم يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا *. كأننا ما تلوناه، ولا فقهناه! ستقولون يا ويلنا! ويا ألف ويل لنا! كم مرة قرأنا هذه الآيات ولا مرة فكرنا فيها! ولا مرة! الله يقول لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ *. ما هي أمانينا؟ مثل أماني أهل الكتاب. ولذلك أخبر الصادق المعصوم الأبر الأطهر أننا سنحذو حذوهم، ونتقيل طريقتهم، حذوك القُذة بالقُذة، حذوك النعل بالنعل! حتى إن كان منهم مَن يأتي أمه على قارعة الطريق، ليكونن من أمتي مَن يفعل ذلك. إن دخلوا جُحر ضب، أي انجحروا! حتى إن انجحروا في جُحر ضب، سيكون منكم مَن ينجحر في جحور الضباب. وقد انجحرنا، وعُمي علينا، وغبيت علينا الحقائق. مثلما تأملوا تأملنا، مثلما تمنوا تمنينا، ونحن واثقون! الله يقول لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ *. 

ما يا رب إذن؟ ما الحقيقة يا ربي؟ كيف؟ كيف تُعامل الخلق أنت؟ كيف تنظر إلينا؛ مُسلمين، ويهودا ونصارى هم؟ قال مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا *. يقول مَن *. مَن * مِن ألفاظ ماذا في أصول الفقه، في فقه العربية؟ من ألفاظ العموم. مَن *، وتعم مَن؟ تعم المذكورين بعنوان أصحاب الأماني؛ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ *. إذن تعم المسلمين المُحمديين، والمسلمين اليهود، والمسلمين النصارى. تقول لي مسلمون؟ مسلمون بنص القرآن، وهذا ما سنقوله الآن للتو، مسلمون بنصوص الآيات القرآنية، دين واحد، أمة واحدة، في نهاية المطاف! مَن يَعْمَلْ *…وَمَن يَعْمَلْ *…وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا *.

ثم قال الله الدين واحد، وأنتم جعلتموه أديانا. أي دين يا رب؟ عن أي دين تتحدث؟ قال وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا *. الآية التي بعدها. القرآن عجيب! هذا القرآن – أُقسم بالله – عجيب! وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً *. الله أكبر! الله يقول يا مسلمون، يا يهود، يا نصارى، أو يا مسيحيون – لا يُحبون كلمة نصارى، لا تُوجد مُشكلة، يا مسيحيون -، الدين واحد، وإنما أدعوكم ودعوتكم إلى دين واحد، هو دين الحنيفية، هو دين الإسلام، دين آدم، دين نوح، إدريس، شيث…ودين الأنبياء! 

أين؟ ماذا قال نوح – عليه الصلاة والسلام – في سورة يونس؟ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *. نوح، هذا نوح، هذا! انتبهوا! ليس محمدا. نوح يقول وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ *، مَن؟ إبراهيم الخليل. قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *. لا إله إلا الله! مُسْلِمُونَ *.

موسى ماذا يقول لقومه؟ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ *. موسى يقول لقومه فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ *. موسى! سُليمان! ماذا تقول بلقيس، ملكة سبأ؟ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *، وَأَسْلَمْتُ *، تقول إسلام. هي تعلم أن سُليمان دينه هو الإسلام. عيسى والحواريون! وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ *. الحواريون! دين واحد! ويأتيك شيخ يحكم بالزندقة على أمثالنا وعلى غيرنا؛ زنديق، كافر، يكذب عليكم! نحن نكذب عليكم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. ويقول لك وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا *. والله؟ أفحمتنا! ما شاء الله على العلم! العلم المُتطاول النافذ العميق! يا رجل اتق الله. الآية هذه من سورة آل عمران، في آل عمران إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ  *، في آل عمران! أي إسلام؟ الإسلام بالمعنى العام، هذا الإسلام الذي تلونا عليكم الآيات المُبرهنة على أنه دين الأنبياء جميعا، هذا هو! 

آية سورة المائدة عامة تماما؛ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ *، عجيب! الله يقول يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ * المسلمون. النبيون المسلمون؟ نعم. أنبياء بني إسرائيل – الله يقول – هم أنبياء ماذا؟ مسلمون. لا إله إلا الله! لماذا لا يُقال لنا هذا كثيرا؟ يقول لك هذا مكتوب! ركزوا، ركزوا! لا تُضيعوا الأمة، ولا تُضيعوا الدين! على فكرة إذا كان عالم نوبلي ألحد وكفر بالله؛ لأن عقله لم يتسع أن يكون الله بهذا الضيق الرحموتي، فهذا ما يحصل الآن وعقل ابنك وعقل ابنتك – والله العظيم – وعقل ابني وعقل ابنتي أضيق بكثير من عقل هذا النوبلي الكبير، وهو نوبلي في فيزياء الكم، من العباقرة الندرة! عقل أبنائنا وبناتنا أضيق بمراحل من أن يتسع لمثل هذا الضيق كله. يقول لا، سنشك في هذا الدين، سنشك في دينك يا أبت ويا أمت. أيتها الأم المسلمة سنشك في دينك، الله ليس كذلك. إن كان الله موجودا – وهو حق، لا إله إلا هو، الحق الأعظم، لا إله إلا هو -، فينبغي ألا يكون بهذا الضيق. لا! الله في القرآن أوسع بكثير من إله الأحبار، والرُهبان، والرابيين، والقُسس، والأساقفة، والكرادلة، والباباوات، ومشايخ المسلمين؛ شيعة، وسُنة، وإباضية…لا أستثني أحدا. الله أوسع بكثير من كل هؤلاء، والله العظيم! ستقول لي ما الطريق؟ الطريق؛ اقرأ كتابه، اقرأ كتابه، العصمة كلها في كتابه، ولكن لا تُجاوز، لا تُجاوز ما يقول الكتاب، ولا تُحاول أن تتلاعب بالكتاب. الكتاب واضح، جد واضح – بحمد الله تبارك وتعالى -.

ولذلك إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً *، منصوبة على الحال، إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ *، انتهى الخبر، هَٰذِهِ * مبتدأ، و: أُمَّتُكُمْ * خبر، وتعم! هذه عامة، لفظ عام. الله يُخاطب مَن هنا؟ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ *، يُخاطب مَن؟ يُخاطب الأنبياء على الأرجح. قيل الجُملة مُستأنفة وتُخاطب بها الأمة. الأرجح والأظهر، والسياق والسباق يدل عليه، أن الخطاب للأنبياء؛ لأن الله تبارك وتعالى اقتص علينا طرفا صالحا من أخبار الأنبياء – عليهم الصلوات والتسليمات جميعا -، ثم قال وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ * إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ *. أما في المؤمنون – وطبعا مرفوعة على الحكاية. ولو قلت في سورة المؤمنين، يجوز. لكن حتى لو قلت في سورة المؤمنين على الحكاية، صحيح – أو وفي المؤمنون، فقال تبارك وتعالى وَإِنَّ هَذِهِ *، وأيضا قراءة بأن؛ وأن هذه. وأن وَإِنَّ *. هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ *. أيضا هنا الأمة هي الملة، الأمة! الأمة لها أكثر من ستة معان! لكن أيضا الأمة بمعنى ماذا؟ الملة والشريعة والدين، أصول الدين! الله يقول ملتكم، شريعتكم، أيها الأنبياء، واحدة. صحيح واحدة.

شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ *. إذن دين واحد، لا إله إلا الله! لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ  *، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ *، كفروا! هم الكافرون حقا. لماذا؟ لأن الله قطع وجزم بماذا؟ بأن دين الأنبياء جميعا دين واحد، ملة الأنبياء ملة واحدة، أمة الأنبياء أمة واحدة. قرآن هذا يا أخي! كيف نُهدره؟ 

وفي الحديث المُخرج في الصحيحين أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة. لماذا؟ لماذا يا رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليك وآلك وأصحابك، إلى انقطاع النفس، إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين -؟ لماذا؟ لماذا أنت أولى؟ قال ليس بيني وبينه نبي! عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ *، ليس بيني وبينه نبي. والأنبياء إخوة لعلات. العلات هن الضرائر، جمع ضرة. والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد. لم يقل أبوهم. عاد إلى الحقيقة! أتى بالمجاز، ثم عاد إلى الحقيقة. قال أمهاتهم شتى، ودينهم واحد. ولو قال أبوهم، لما فُهم. ربما اعتاص فهمه على بعض الناس! اللقاح واحد، اللقاح واحد كما في مسألة لبن الفحل! لأن اللقاح واحد كما في حديث ابن عباس. أمهاتهم شتى، ودينهم واحد. 

الدين واحد يا إخواني، والشرائع الفرعية؛ حلال وحرام وكيف تُصلي وكيف كذا، هذه مُختلفة، لا بأس، وكلها من عند الله، كلها من عند الله! والله أمر الجميع، على اختلاف شرائعهم الفرعية! وهذا ما سأخوض فيه بالتفصيل – بعون الله تعالى – في خُطبة الجُمعة، إذا أبقاني الله، إذا أبقاني الله ومد في فُسحتي! أسأل الله أن يعسلنا، ويمد في فُسحنا جميعا، مع تمكيننا من صالح الأعمال والتوبة النصوح التي يرضى عنا بها أتم الرضا، اللهم آمين. سنخوض في التفصيل – أيها الإخوة – في هذه المسائل، وكله من عند الله.

الله أمر أصحاب الشرائع المُختلفة والدين الواحد أن يتسابقوا في الخيرات. اعبد الله، أنت اعبد الله، وأنت اعبد الله، ولن يُكفر أحد ماذا؟ عبادته وعمله الصالح. ما أحلى القرآن يا أخي! ما أوسع القرآن! تالله وبالله ووالله لو قيل لرجل حكيم، لرجل عاقل، صاحب حيدة وإنصاف وعدل في الأحكام وتوازن في الرؤية، قيل له هؤلاء المليون ما بالهم يختلفون؟ وكلٌ ينحو ناحية ويُناكر صاحبه! ينحو ناحية ويُناكر صاحبه! بل يُبالغ في النكير عليه، مُدعيا أنه الأحق بالحق، وأن الحق لا يعدوه ولا يعدو آباءه وتراثاته وتراثات أجداده! فسيقول هلموا، ما الذي يعتقده كلٌ منهم؟ وسيحتكم إلى خُطة! 

سيقول إذا كانت هذه الأديان أو الشرائع شرائع توحيدية، تؤمن بإله مُوجد للأكوان، مُهيمن عليها، مُدبر لها، نبأ النبيين، وأرسل المُرسلين، وكلف عباده، فسيكون أقربها إلى الحق وأسعدها به، أي شرع؟ وأي دين؟ وأي دعوى؟ وأي قبيل من الناس؟ مَن يُصورون أو يُصور إلههم وربهم على أنه ماذا؟ الأرحم والأوسع والأعذر لعباده، مهما وُجد وجه لعُذر العباد، فإنه سيعذرهم؛ لأنه ماذا؟ رحمة! ووسع؛ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا *، لا إله إلا هو! أليس كذلك؟ أنا أقول لكم – بفضل الله – هذا؛ ليس لأنني مسلم مُحمدي، أسأل الله أن أعيش وأن أموت على ذلك وإياكم وإياكن جميعا وجمعاوات وسائر أمتنا المرحومة! ليس لأنني مسلم، بل لأن هذه هي الحقيقة التي يُعطيها العقل المُتفتح. تدّعي أنك تتكلم باسم رب العوالم؟ فما بال رب العوالم لديك هذا رب ضيق جدا جدا؟ 

لذلك أعود إلى موضوعي المُهم جدا، وأختم به هذه الخُطبة حتى لا أُعييكم. وما زلنا في مشارف الخُطبة، ما زلنا في أول الكلام. سنُكملها بعد ذلك – إن شاء الله – في المُحاضرة. ما زلنا في أول كلامنا، كل هذه لا تزال مُقدمات للموضوعات. ماذا أقول يا أحبتي؛ يا إخوتي وأخواتي – وفقني الله وإياكم إلى ما يُحبه ويرضاه -؟ رحمة الله التي لا أوسع منها، هذه الرحمة قد تتحايدك، قد تند عنك، قد لا يكون لك حظ فيها، ليس للذنب من الذنوب الفاحشة المعروفة، هذه قد تُغفر، باستثناء الشرك، مهما كانت بالغة من الفُحش ما بالغت! لكن لشيء لا يخطر على بال كثير جدا من هؤلاء المُتزمتين، وكلاء السماء، الذين افتأتوا على رب العالمين، وادّعوا أنهم يفصلون في مصائر الناس! كيف؟ ما الذي تُريد أن تقوله؟ نعم، سأقول لكم شيئا عجيبا جدا يا إخواني! 

الآية التي تلوتها، وهي الآن – ما شاء الله – محفوظة، أعتقد أن الأمة الآن حفظتها؛ لأن ألوفا من المسلمين وعشرات من ال  Youtubersوالمُتكلمين يُرددونها صباح مساء! مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓاْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ *، هل تلوتم الآية جيدا؟ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ *، هل تَبَيَّنَ *؟ إذن أنا أقول لكم هل تَبَيَّنَ * لكَ أو لي أو لكِ أو لأحد منا أننا من أصحاب الجنة؟ لا نعرف والله، أُقسم بالله لا نعرف! على أننا مسلمون، مُوحدون، مُصلون، صائمون، مُزكون، نخشى الله، نحفظ القرآن أو نتحفظه، أو…أو….إلى آخره! ونتأمل في رحمة الله، ولكن لا أحد منا يستطيع أن يقول تَبَيَّنَ * لي أنني من أصحاب الجنة.

روى الإمام أحمد في مُسنده – رضوان الله عليه – عن عمر بن الخطاب – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، فاروق الإسلام! ومَن مثل عمر؟ روحي وقلبي يا عمر! عمر هذا الخليفة المؤمن، فاروق الإسلام، المُتواضع الصادق النبيل، يقول مَن قال أنا في الجنة، فهو في النار. عجيب! ولم تغتر بأن النبي بشرك بأنك من العشرة؟ أبدا. في الصحيح ماذا قال لما طُعن؟ لعنة الله على طاعنه. والآن قد يُشيّر – Share – مقطع عن كرامات فيروز طاعن سيدنا عمر! ألا لعنة الله على فيروز، الذي أعدم المسلمين رجلا من أفضل الخلق بعد نبي الله، تبا للفيروز هذا، جدد الله على روحه العذابات، هكذا للأسف! المقام يقتضي هذا. يُقال له كرامات! يُقال! فيروز له مقامات، وله ضريح يُزار، ما هذا الخبل؟ ما هذا الحقد؟ 

كلمة (وعلى الماشي)، كلمة وأمضي؛ لولا عمر وجهاد عمر وجيوش عمر، ما عرفتم الإسلام هناك، في بلاد فارس، اتقوا الله! لو هناك حُب حقيقي للإسلام، والله ما عرفتم الإسلام بعد فضل الله، إلا بفضل ابن الخطب، فلو أحببتم الإسلام، أحبوا هذا الرجل، الذي جعله الله وسيلة لإيصال هذا الدين إليكم – رضوان الله عليه -. تُقدسون قاتله؟ على كل حال إن الله يفصل بين العباد، والله الموعد، لا إله إلا هو! و: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ  *. كل كلمة سيُحاسب عليها كل مَن يفوه بها، المسألة ليست سائبة.
إذن عمر! عمر في الصحيح لما طُعن – رضوان الله عليه -، أسعده الله بالشهادة، الحمد لله، فاروق الإسلام! ومات شهيدا، هنيئا له! عمر لما طُعن، أتاه مَن يقول له الآتي، وكان في حالة شديدة، ويخشى على نفسه من لقاء الله تبارك وتعالى. كان يقول ليت أمي لم تلدني! رجل صادق، يخشى الله، لم يقل لك أنا ضامن الجنة، أنا عمر! ابنتي زوج رسول الله، أنا صهر رسول الله، أنا أيضا نسيب آل البيت، فأم كلثوم – عليها السلام – بنت فاطمة – عليها سلام الله -، بنت علي بن أبي طالب – عليهم سلام الله جميعا -! فاطمة وعلي أبوا أم كلثوم، وأم كلثوم زوجي. زوجني إياها علي. يكره! لأن عليا يكره عمر جدا؛ لأن عليا يُبغضه. هو يُبغضه وأعطاه ابنته! ما شاء الله! 

هذا كلام له خبيء……………………….معناه ليس لنا عقول. 

تكلموا بما يُعقل، تكلموا بما يفهم، لا يُوجد! لكن سُبحان الله! الغرض مرض، الغرض مرض، نعم! الحقائق واضحة جدا. المُهم، فقيل له يا أمير المؤمنين، هنيئا لك! إن لك قدما وسابقة في الإسلام، وكذا وكذا وكذا وكذا! قال يا ليته كان كفافا! وحكمت، وَليت، أو وُلّيت! وَليت، فعدلت، وكذا. فأبشر يا أمير المؤمنين! فقال يا ليته كان كفافا! لا لي ولا علي! أنا راض بألا يكون لا لي ولا علي. وينتهي الأمر! ليس عنده هذا الاعتقاد أنه من أهل الجنة، هذا تواضع العارفين بالله – عرفني الله وإياكم به -، هذا عمر بن الخطاب.

عبد الله بن سلام – وهذا في الصحيح -، الحبر اليهودي، وهو المقصود بقوله يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ *، عبد الله بن سلام أو سلّام – رضوان الله عن أصحاب رسول الله أجمعين -، لما قال بعض الصحابة هو من أهل الجنة، ماذا قال؟ سمعوا النبي يُبشر أنه من أهل الجنة، فقالوا هو من أهل الجنة. فلما بلغه ذلك، قال لا يعلم بأهل الجنة إلا الله. وفي رواية في الصحيح قال سُبحان الله! كيف يقولون على الله بغير علم؟ هذه المصائر عند الله، مَن يعلم مَن يدخل الجنة ومَن يدخل النار؟ لم يفرح. بعض الناس الآن يفرح، يأتيه…ماذا أقول؟ لا أُريد أن أُسيء التعبير، يأتيه رجل مثله، يقول له أبشر يا أخي! رأيت في المنام مَن يُبشر بأنك في الجنة! فيفرح ويُستطار فرحا. يا رجل! لو قيل هذا لأحد الصالحين حقا، لقال له أما وجد الشيطان مَن يتلاعب به غير وغيرك؟ اذهب، العب بعيدا – قال له -، هذه أماني شيطان.

وأخيرا أختم بهلذا الحديث الجليل، الذي طالما أيضا تلوته على هذا المنبر، وهو في صحيح البُخاري، من حديث خارجة بنت زيد – ابن ثابت، أحد الفقهاء السبعة، خارجة! خارجة بن زيد، أي ابن ثابت -، عن أم العلاء – رضيَ الله عنها وأرضاها -. وأم العلاء إحدى النساء الأنصاريات، من الأنصار! وكانت بايعت، ربما بيعة العقبة، المعروفة في مكة. وكانت بايعت، هذا معنى بايعت. قالت – رضيَ الله عنها وأرضاها – اقتُسم المُهاجرون قرعة. اقتُسم المُهاجرون! لما هاجر الصحابة من مكة إلى المدينة، تعرفون كيف كانت لا تسعهم دار واحدة، فاقتُسموا قرعة، بالقرعة! فطار لنا عثمان بن مظعون – رضيَ الله عنه وأرضاه -. الصحابي المُترهبن، وتعرفون ابن مظعون، لا أتحدث عنه، معروف! هذا الصحابي الصالح، المُجاهد الصادق، الذي فقد عينه في ذات الله، عثمان بن مظعون! فأنزلناه في بيت من أبياتنا، فلما مرض، أو وجع – قالت -! وجع، أي أصابه الوجع! فلما وجع، وجعه الذي تُوفيَ فيه. ومات في مرضه مُهاجرا – رضوان الله عليه -، أبو السائب! تُوفيَ، وغسلناه، وكفناه، ودخل علينا رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -. يُريد أن يُصلي عليه الآن الرسول. 

فقلت هنيئا لك أبا السائب! عن عثمان بن مظعون، كان يُكنى بأبي السائب. هنيئا لك أبا السائب! شهادتي عليك أن الله أكرمك. ما شاء الله عليك، نعرفك ونعرف عبادتك، وها أنت ما شاء الله عليك، ومت مُهاجرا. فقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – وما الذي أدراك أن الله أكرمه؟ قالت فقلت يا رسول الله، فمَن يُكرم الله إذن؟ إذا لم يُكرم الله مثل أبي السائب؛ عثمان بن مظعون، فمَن يكون جديرا حقيقا بإكرام الله، بكرامة الله؟ فمَن يُكرم الله إذن؟ فقال والله – رسول الله، صلوات ربي وتسليماته عليه – وأنا رسول الله ما أدري ما يُفعل بي. قالت فقلت وأنا يا رسول الله لا أُزكي أحدا بعدك. بعد اليوم، لن أُزكي أي أحد، وأقول هنيئا له! له الجنة! لا ندري. الكلام في مَن؟ في الصحابة المُهاجرين الكرام الكبار. لا أحد يدري، لا أحد يدري بمصائرهم، نعم!

ثم قالت في رواية عند البُخاري فأحزنني ذلك. أحزنني أن النبي لم يقطع له بماذا؟ بالجنة. وقال أما هو، فقد أتاه اليقين. أي من ربه، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *. أما هو، فقد أتاه اليقين. والله الذي لا إله إلا هو وأنا رسول الله ما أدري ما يُفعل بي. قالت فلا أُزكي أحدا بعدك. وأحزنني ذلك، بزيادة في رواية أُخرى، أيضا في الصحيح. قالت فنمت فأُريت في منامي عينا تجري، قيل لي هذه لعثمان بن مظعون. فأخبرت رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، فقال هو عمله. فرح بها النبي، وقال هو عمله، يجري عليه. حسناته وصدقاته الجارية! الحمد لله، الله طمأنها وطمأن الرسول، أن وضعه بخير – إن شاء الله تعالى -.

فبالله عليكم أحبتي؛ إخوتي وأخواتي، هذا إذا كان المؤمن الصادق، إذا كان الصحابي المُجاهد المُهاجر الصابر المُتبتل المُترهبن، الذي استأذن في الاختصاء، ولم يأذن له رسول الله! أراد أن يتبتل تبتلا كاملا، ولم يأذن له رسول الله. مثل هذا لا يقطع أحد، إلا بوحي نزل، بسُلطان من الله، بمصيره الأُخروي. إذن لا نستطيع أن نتبين مَن هو أصحاب الجنة! هل يُمكن أن نتبين مَن هو في أصحاب النار؟ ستقول لي ما هذا السؤال الأحمق؟ لا، ليس أحمق والله، والله – إن شاء الله تعالى – هذا سؤال فطن وزكن جدا وذكي، تعرف لماذا؟ أيهما أرجح؛ أن يُدخل المرء – أي امرئ، أي إنسان خلقه الله هكذا، كقاعدة عامة -، أن يُدخل الجنة أو يُدخل النار؟ ستقول لي الجنة طبعا. طبعا الجنة؛ لأن رحمة الله واسعة، ووسعت كل شيء، أليس كذلك؟ ورحمته تسبق غضبه، رحمته سبقت غضبه! ورحمته الأُخروية تسعة وتسعون جُزءا، ورحمته الدنيوية جُزء واحد! واضح أن دخول الإنسان الجنة أقرب وأرجح بكثير من دخوله ماذا؟ النار. ومع ذلك لا يستطيع أحد، إلا بسُلطان وحياني – إلا بسُلطان وحياني، أي وحي، منسوبة إلى الوحي – من الله، أن يقطع على غيب مصير امرئ مات من المؤمنين. إذن من الأصعب، إلا بسُلطان أيضا، أن نقطع بمصير امرئ مات أنه من أهل النار. لماذا؟ هذا ما سنخوض فيه، ولكن في مُحاضرة بعد الجُمعة – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المُستغفرين!

 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. 

عباد الله/ 

اعلموا أن الله تبارك وتعالى قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، ثم ثنى فيه بملائكة عرشه وقُدسه، فقال جل من مُخبر قائلا وآمرا إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *. لبيك اللهم صل وسلم وبارك وشرّف وكرّم على حبيبنا، على نور الوجود، على سيد الخلق وحبيب الحق، النبي العربي الأُمي الهاشمي المُطلبي، ختام الأنبياء والمُرسلين، ومالك أزمة النبيين والمُرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المُباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان، وعلينا وعليكم، والمسلمين والمسلمات، معهم أجمعين، بفضله ومنه، في كل لمحة وحين، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، اللهم آمين.

ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحا، وأصلح لنا في ذرارينا، إنا تُبنا إليك، وإنا من المسلمين. اللهم ارزقنا الجد في خدمتك، والصدق والإخلاص في طاعتك، اللهم لا تخذلنا ولا تُسلمنا يا رب العالمين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اجعلنا هُداة مُهتدين، غير ضالين ولا مُضلين، سلما لأوليائك، وعدوا لأعدائك، نُحب بحُبك مَن أحبك، ونُعادي بعداوتك مَن خالفك. اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجُهد وعليك التُكلان، وأنت المُستغاث وبك المُستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك.

اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارا، اجزهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات مغفرة ورضوانا، واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميع قريب مُجيب الدعوات.

ربنا ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم اجمع شمل المسلمين، ووحد صفوف المسلمين وكلمة المسلمين، اللهم ارفع عن المسلمين الذل والعذاب والفُرقة والبغضاء والشنآن والاستعمار والصيال، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا عزيز، يا جبار، يا قوي، يا قهار، يا مَن لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

عباد الله/ 

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.

(13/5/2022)

وماتت أمي..عِبرتي من عَبرتي

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله عز من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

كانت النية أن أستهل هذه الخُطبة باستهلال غير الذي سأفعل لتوي، فبين أنا في تلاوة هذه الآيات الكريمات الجليلات، إذ خطر لي معنى أحسبه لم يخطر لي من قبل، وهذا عجيب! لأنه أوضح من واضح، وأظهر من ظاهر! الآيات تتحدث عما يُبشَّر به المؤمنون المُستقيمون الصالحون، من بُشريات الخير، على ألسنة أملاك الله – سُبحانه وتعالى، وسلام الله عليهم أجمعين -.

وحين يسمع المؤمن أو المؤمنة مثل هذا النبأ؛ نبأ البُشرى والتبشير الملائكي العُلوي، تطمح نفسه إلى معرفة السبيل الأقصر والأضمن لنيل مثل هذا الشرف العظيم الكريم. ما هي السبيل أن نكون من عباد الله الذين تُبشِّرهم الملائكة ساعة ارتحالهم عن هذه الدنيا، عن دار الغرور؟ الآيات تستتلي بعد ذلك، لتُجيب عن هذا السؤال المُفترض، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا *، أن تكون من دُعاة الخير، الذين يدعون إلى الله على بصيرة وبيّنة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر.

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ *، ثم قال وَعَمِلَ صَالِحًا *، جمع العمل إلى القول، ولم يكتف بالقول وحده، شأن أنفار من الناس – والعياذ بالله -، يظنون أن ذممهم تبرأ أمام الله تبارك وتعالى في هذا الباب بمُجرد الدعوة والبيان! كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ *. مَن دعا إلى الخير، كان حريا به أن يكون من أعجل الناس إليه. ومَن دعا إلى بر، كان قمينا به أن يكون من أسبق الناس إليه. ومَن نهى عن شر، كان واجبا عليه أن يكون من أنهى الناس أو أشد الناس انتهاء عنه وانكفافا عنه بالكُلية. وإلا كان أمره ونهيه وبالا عليه، كما في حديث أسامة بن زيد – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -.

وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *. وكأن هذا القيل الإلهي الكريم، الذي عقَّب به ذكر الدعوة إلى الخير وعمل الصالحات، كأنه إشارة إلى تحقيق النية! وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *، فأنا إنما أدعو، حين أدعو، وإنما أنشط وأجتهد في عمل الصالحات، حين أعمل، إنما أفعل ذلك كله ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى، الذي أسلمت وجهي له، إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *، هذا العمل ليس للرياء، ليس للناس، ليس للمحمدة، ليس لأي شيء آخر، غير وجه الله تبارك وتعالى، حقيقة الإسلام! هذه حقيقة الإسلام، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *، هذا هو! الآية عجيبة جدا!

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *، ثم عقَّب، فقال وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ *. حري بمَن تحقق بالدعوة إلى الخير وعمل الصالحات وإسلام الوجه لله، ألا يصرف نفيس العُمر، وثمين الأوقات، في مُقابلة السيئات بالسيئات. حري به ألا يجعل من حياته محكمة قائمة مُنتصبة على مدى الليل والنهار! قال، فرددت عليه! وفعل، فكافأته بفعله مثلما فعل! وكال لي، فكلت له بالكيل نفسه! الله يقول هذه علامة سيئة، ليست هذه شارة ولا علامة المُتحققين بالاستقامة، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا *. حري بنفائس الأعمار – أيها الإخوة -، وثمائن الأوقات، ألا تُزجى وألا تُضيع في هكذا مُكامعات ومُقارعات، إنما تليق بأهل الدنيا، بطلّاب الدنيا، لا بطلّاب الآخرة.

قال وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ *. ادْفَعْ *؛ لكي تظل ناشطا مُجتهدا في مُواترة ومُواصلة العمل على سبيل الهُدى والاستقامة – اللهم اجعلنا مِمَن تحقق بذلك، بفضلك ومنّك -. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *، كسَبته أو كسِبته *** إلى جانب الصالحين المُستقيمين، بعد أن كان في زُمرة الهالكين – والعياذ بالله -.

ثم قال تبارك وتعالى وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا *. السير في هذه الدرب، في هذه السبيل، لا يستطيعه إلا مَن صبر نفسه وحبسها على طاعة الله تبارك وتعالى، وأوعدها ما وعد الله به عباده الصالحين، مما سيُعقبهم في أُخراهم، بدءا من برازخهم، بصالح ما أسلفوا وبر وحسن ما قدموا واجتهدوا.

وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *. لا إله إلا الله! وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ *، نفس المعنى! وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *، نفس الشيء! قال إمامنا أبو عبد الله الشافعي – رضيَ الله عنه وأرضاه – لو لم تنزل إلا هذه السورة وحدها – يعني سورة وَالْعَصْرِ * – على المسلمين، لكفتهم. هذه تكفي من القرآن كله، هذا جوهر التدين، هذا لُب المسألة، لُب اللُباب يا إخواني! كل البشر خاسرون، الله يقول ويُقسم! الواو واو القسم هنا؛ وَالْعَصْرِ *، ولله أن يُقسم بما شاء من خلقه، لا إله إلا هو! وأما نحن، فلا يسوغ إلا أن نُقسم به، أو أن نُقسم إلا به، فلا يسوغ أن نُقسم إلا به، لا إله إلا هو! وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ *، كلهم في خسار، صفقاتهم مغبونة خاسرة – والعياذ بالله -، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *.

إخوتي وأخواتي/

كنت أُريد أن أستهل خُطبتي هذه بحديث وجيز عن معنى موت الأمهات، ما معنى أن تموت أمك؟ هذا من المعاني التي نسمع بها، ونُعزّي فيها – أيها الإخوة -، نُعزّي مَن مات له أحد الوالدين، وخاصة الأم، ولسنا نقف عليه، ولا نخبره، ولا نبلغ عُمقه ودركه، إلا بأن نعيشه. أسأل الله تبارك وتعالى أن يرحم بفضله ومنّه وكرمه وبره وجوده وعطائه مَن مات من أمهات المسلمين والمسلمات، وأن يُطيل وأن يُبارك في أعمار مَن بقيَ منهن، وأن يرزق أولادهن برهن على الوجه الذي يُرضيه.

معنى أن تموت الأم يا إخواني، أنك لأول مرة في حياتك ستعلم ما هو الحُزن، ما هو الألم، ما هي المُصيبة، ما هو الخسر! الأم؟ الأم بالذات. لو ماتت الزوجة، يسعك أن تتزوج بعدها غيرها. لو مات الابن، وهو أعز عزيز، فربما لك غيره من الأبناء. أو البنت، فربما جاد عليك القدر بسواها من البنات. لو مات الأخ، فلعلك أن تكون ذا إخوة. لو ماتت الأخت، ففي غيرها من أخواتها منها عوض أو بعض عوض. وهلم جرا! لكن الأم، ثم الأب، فيهما صفات الأحدية. ومن هنا قرن الله تبارك وتعالى الأمر بالوفاء بحقهما، بالأمر بالوفاء بحقه، لا إله إلا هو! وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ *، فهو الواحد الأحد، وحقه أعظم حق، وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۚ *. لِمَ الوالدان بالذات؟ فيهما صفات الأحدية. لا عوض من الأم، ثم لا عوض من الأب، على أن حق وحظ الأم أعظم من حظ الأب وحقه، لا شك! وكأنه مُثلث، كما في الحديث الصحيح؛ أي الناس أحق بحُسن صحابتي؟ قال أمك. ثم أي؟ قال أمك. ثم أي؟ قال أمك. ثم أي؟ قال أبوك. ثلاث مرار للأم، ومرة واحدة للأب. وهذا معلوم، ولا نخوض في تعليله، فالناس يتشاركون فهمه – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

بفقد الأم يا أحبتي، يا إخواني، ستُدرك لأول مرة في حياتك، أن العالم لم يكن جميلا؛ لأن الجمال أصيل فيه! العالم كان جميلا؛ لأن فيه أمك. العالم جميل بالأم، ولو كان بينك وبينها مفاوز وبحار ومُحيطات! ما دامت موجودة في هذا العالم، تدعو لك، وتأنس بذكرك، وتشتاق إلى لُقياك، وتتمنى لك الخير، وأنت منها على ذُكر وفي بال طوال الوقت، فالعالم جميل، وأنت لا تدري! العالم مُنير، وأنت في آخر الدنيا، أنت في الطرف القصي منها، وهي في الطرف المُقابل، جميل؛ لأنها موجودة.

هذا ليس كلام الشعراء، ولا كلام الحالمين. ستلمسه وتعيشه، حين تُولي أمك. سترى أن العالم فقد نوره، لم يعد ذلك العالم! وأشك أنه سيعود يوما! وهذا أوحى بمعنى عجيب وعزيز جدا! وهو أن الأم – والله تبارك وتعالى أعلم – قد تكون أعظم باب من أبواب تعرف الله على العبد بالرحمة! على أننا نعيش في ليلنا ونهارنا، وفي كل أوقاتنا، في فيوض رحمات الله تبارك وتعالى، مع كل نفس، ومع كل طرفة جفن! ومع ذلك أعظم ما تعرف به الله علينا من الرحمة المسوقة عبر خلقه، إنما كان ذلك عبر الأم – أيها الإخوة -!

ولذلك حين ترتحل الأم، يُصبح العالم – أيها الإخوة – وقد تبدى على حقيقته! لا أُنس فيه، بل هو موحش، لا نور حقيقيا فيه، على أن الشمس ساطعة مُنيرة! لا تكاد تُضيء شيئا! هناك ظُلمة تلف هذا العالم، هناك وحشة تغلغلت في حناياه، هناك قباحة تسربت إلى أنحائه. حتى الألوان – أيها الإخوة – حالت ونصلت، فقدت بريقها وجاذبيتها، وأصبحت باهتة، غير جذّابة! كل شيء يتغير، لا إله إلا الله! على أن هذا الأمر – أيها الإخوة – لا ينبغي أن يُكتفى بالوقوف عنده. سعيد مَن لا يزال والداه، أو أحدهما، في قَيد الحياة. سعيد، سعيد، سعيد!

وللأسف كأين من مرة سمعنا مثل هذه المعاني، ومثل هاتيكم المواعظ، على أن مَن انتفع بها أقل من القليل! وأندر من النادر! ستعود إليك، تُلح عليك، بألم مُمض، وبحُزن ساحق، حين تموت الأم. ستُدرك أنك لم تكن تفهم ما معنى الأم! أبر البررة، حين تُولي أمه، يشعر أنه أعق العققة! يشعر أنها كانت تستأهل وتستحق أن يجعل عُمره كله لها، بين يديها، بل بين قدميها! لكن مَن الذي يفعل؟ لا أحد تقريبا! لذلك أبر البررة سيستشعر – أيها الإخوة – بالتأثم العظيم، أنه كان من العققة! على أنها – رضيَ الله عن أمهاتنا جميعا أو جمعاوات – كانت تشهد بأنه من أبر البررة، ولا يكف لسانها عن الترضي عليه، آناء الليل وأطراف النهار، بل في كل الأوقات. هو سيشعر أنه عاق، ولم يكن بارا!

لكن ما هي العِبرة من العَبرة – أيها الإخوة -؟ عِبرتي من عَبرتي! الأم المُباركة تعيش مُباركة في حياتها، وتُولي مُباركة، وتترك البركات في إثرها ومن ورائها! اذكروا محاسن موتاكم، بركات الأمهات المسلمات الصالحات كثيرات جدا – بفضل الله -! من بركات أمي – رضيَ الله عنها وأرضاها، ورضيَ الله عن أمهاتنا جمعاوات، من صالحات المؤمنات المُباركات – أنها لم تدع قيام الليل تقريبا طيلة خمسين سنة! على أنها في آخر عُمرها أسنت، وأبدنت، وتعبت تعبا شديدا، وكانت حركتها؛ لكي تأخذ الطهارة وتتوضأ لقيام الليل، ربما تأخذ منها ساعة، أو قريبا من ساعة! على أنها لا تدع هذا القيام، قُرابة نصف قرن! فجزاها الله خيرا أن أورثتنا هذه البركة.
من بركات أمي – أيها الإخوة، وأقول هذا للأمهات اللائي لا يزلن صغيرات في السن! في الثلاثين، في الأربعين! هلممن، هلممن إلى الخير، وأقبلن إلى البر، وباركن أنفسكن وذُرياتكن، باركن أولادكن؛ أبناءكن وبناتكن، باركن الحياة، طيّبن الحياة والعيش، بطاعة الله تبارك وتعالى – رقة القلب. ولست وأنا على منبر رسول الله أُبالغ، إذا قلت تقريبا لم أُصادف في حياتي أرق قلبا منها، حتى على مَن آذاها، حتى على مَن أضر بها، حتى على مَن أساء إليها! مُجرد أن تراه في لحظة انكسار أو في لحظة افتقار، حتى تسيل دموعها، وتعفو عن كل شيء! فأسأل الله أن تكون أورثتنا هذه الرقة، وهذا اللُطف الروحاني. رقة قلب عجيبة – أيها الإخوة -، ودمعة سريعة! ما أقرب منها! لا أقرب من هذه الدمعة!

وأُثلث بواحدة، ولا أُطيل، فلست في مقام النعي، ولا في مقام التقريظ، و: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *؛ عفة النفس. وصدِّقوني، عِبرة هذا الكلام – أيها الإخوة – أن في الوالدين، في الأُسرة الصغيرة القريبة، من العلم والأدب والتربية، والله ما لا يُعطيك إياه لا أستاذ ولا كتاب. والله لو كنت أعلم الناس، وأقرأ الناس، وأحفظ الناس، هذا لا يُغنيك عن العلم والتأدب الذي تتلقاه مُنذ نعومة الأظفار على يد الأم والأب. عفة قل أن رأيت، وسأكون صادقا إن قلت لم أر في حياتي، مثلها! عفة نفس عجيبة غريبة! أورثتنا إياها بركة من بركاتها. ولذلك هذه العفة – أيها الإخوة – تجعل صاحبها قويا إزاء شهواته؛ شهوات البطن، والفرج، وما سواهما من الشهوات، أو ما سواها من الشهوات.

كانت ربما تسمع كلمة أو كُليمة، بخصوص فاكهة مُعينة، مأكول مُعين، فتقول لا أذوقه سنة أو سنتين! ثم تمضي لا تذوقه سنتين كاملتين! عفة عجيبة! كرامتي، احترامي، مثابتي، فوق كل هذه الشهوات، فوق كل هذه الأشياء. هذا ما نحتاج أن نُربي عليه أولادنا، لا أن نُربيهم على الجشع، وعلى الطمع، وعلى التوسع في المآكل والمشارب والشهوات، كأننا – أكرمكم الله – لم نُخلق إلا للإمتاع والالتذاذ – أيها الإخوة -، كشأن الآخرين، الذين وصفهم الله؛ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا *. أُعيذني وإياكم من مثل هذا الوصف – والعياذ بالله تبارك وتعالى -.

وحين أتى الموت – أيها الإخوة -، أتى الموت افتلاتا، كما في التعابير النبوية! إني أمي افتُلتت نفسها يا رسول الله – يقول سعد بن عُبادة -، وكنت غائبا. أتى الموت افتلاتا، لم يكن مرقوبا، ولم يكن مُنتظرا. لم يُسبق بمرض طويل، تطاولت أيامه! مُجرد اعتلال بسيط – أيها الإخوة -، اعتلال بسيط قبل يوم، وفي اليوم التالي لقيت ربها. لقيت ربها، وهي في الحمام تأخذ الطهارة، تتوضأ لصلاة الضُحى.

قبل ليلتين عشت سويعة صعبة جدا، وأنا أُتابع مقطعا في اليوتيوب Youtube، أبكاني بُكاء مُرا! عن سيدة – غفر الله لها، ولكل مُذنب من المسلمين – لقيت الله وهي – والعياذ بالله – في فاحشة! والله أبكاني هذا؛ شفقة عليها، وخوفا من مثل مصيرها على بعض أبنائنا وبناتنا. الله أكبر! يُبعث المرء على ما مات عليه، الله أكبر! هناك مَن يموت ساجدا راكعا، هناك مَن يموت مُتهيأ لصلاته بطهارته، هناك مَن يموت وهو يزور مريضا، أو يُعطي صدقة، أو يشهد جُمعة، أو يشهد جماعة. وهناك مَن يموت وهو يحتسي الخمر، وهو على فاحشة – والعياذ بالله -.

وكلمة لأبنائي وبناتي، لإخواني وأخواتي الصغار، الذين يعيشون في هذا العصر، أعانهم الله عليه! أعانكم الله على هذا العصر، أعانكم الله على ما تلقون من فتن الليل والنهار، وكيد الفسّاق والفجّار، آناء الليل وأطراف النهار، بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ * – والعياذ بالله تبارك وتعالى -! يا أبنائي ويا بناتي، يا إخوتي ويا أخواتي؛ الفاحشة شيء أفظع من أن يُستخف بأمرها! الفاحشة، الزنا، اللواط – والعياذ بالله -، تُنجس المرء، تتركه كومة من الدنس، من النجاسة.

حتى لا يُقال يُبالغ، فقط اقرأوا قول الله تبارك وتعالى في صفة عباد الرحمن؛ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا *…إلى أن يقول – انتبهوا! واكتفى الله هنا بثلاثة ذنوب، بثلاث خطايا – وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ *، الشرك! ليس بعد الكفر ذنب، ليس بعد الشرك ذنب. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ *، القتل – والعياذ بالله -! ونحن في زمن استحر فيه القتل، واستخف الناس، حتى المسلمون، حتى بعض أبناء المسلمين، بالقتل! وهو شيء فظيع، مُفظع، مُخيف! لا نُريد أن نتكلم. فقط نتكلم، ونحن الآن في حديث البُشريات – إن شاء الله تعالى -، نحن نُريد أن نتحدث عن حديث البُشريات، نحن نُريد أن نعظ أنفسنا وأحبابنا ومَن بلغ بنهج السبيل أو ببيان السبيل التي هي أقصر وأضمن سبيل إلى أن نكون كذلك حين نلقى الله تبارك وتعالى.

تقول لي نلقى الله؟ نعم. الموت هو لقاء الله. حين تموت، أنت ترتحل إلى الله مُباشرة. حين تموت، أن ترتحل إلى الله. يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ *، بماذا؟ بالموت. إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ *، إلى أين يُساق؟ إلى الله. في أي يوم؟ يوم الموت. كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ *، أي النفس، التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *، مَن يرقيه؛ حتى يعود إلى الحياة، حتى يُمسك الرمق؟ جاء الموت، انتبهوا! أمي حين جاءها الموت، وجاءت الإسعاف، وضعوا لها الأكسجين، فجعلت تُنحيه، وترفع السبابة. هي ترى، تقول لهم انتهى، انتهى! هذا موت، هذا ليس مرضا، ليس ذبحا. نحت الأكسجين، وفعلت هكذا؛ رفعت السبابة، عدة مرات! جاء، انتهى كل شيء، أجل!

الأمم لها آجال، الجمادات، الجبال، الأنهار، المُحيطات، الأرض، الكون! له أجل، كل شيء له أجل. الله خلق السماوات والأرض بماذا؟ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ *. أجل! لها أجل. الأرض لها أجل، الأمم لها آجال، الأفراد لهم آجال. هذا مما يُخفف، بعض ما يُخفف، على المؤمن، المُصاب بالحميم، المُصاب بالحبيب، المُصاب بالأم، بالأب، بالأخ، بالأخت، بالصديق، بالزوجة، بالابن، بالبنت، بالشيخ، بالأستاذ! أنه في علم الله، سابق في علم الله، مُقدر في علم الله، مُراد لله. وإذا جاء الأجل، فلا يستأخر صاحبه سويعة، ولا يستقدم ساعة، أبدا! هو الأجل، انتهى.

إذن يا إخوتي نعود إلى ما كنا فيه؛ نقول القتل شيء فظيع، مُفظع، مُخيف – والعياذ بالله -! يبدو أنه أعظم الذنوب بعد الكفر بالله! القتل! لذلك ثنّى الله به؛ الشرك، ثم القتل. في هذا الدين العظيم – أيها الإخوة، ونحن في طريق البُشريات كما قلت، في طريق البُشريات – حذار، ثم حذار، ثم حذار، أن تؤذي مخلوقا لا يستحق الأذى، مسلما أو غير مسلم!

استمعت إلى أحد العائدين من الموت، وأنا أنصح بمُتابعة هذه المقاطع المُباركة، التي فيها قصص حقيقية، حكايا واقعية، لمَن يُسمون بالعائدين من الموت، على أن المُصطلح يحتاج إلى تحرير، وربما يُفيد العود – إن شاء الله – إلى خُطبة الموتى يتكلمون! هؤلاء لم يموتوا الموت الذي يدخلون به عالم البرزخ؛ ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *، هؤلاء لم يدخلوا مرحلة البرزخ. هذا قبل ذلك، قبل ذلك! على أن فيه عظة بالغة، وفيه فوائد كثيرة! من أجزلها أن يعرف المرء بالإجمال مصيره؛ هل هو من الناجين، أو هو من الهالكين؟ هل بُشِّر – أيها الإخوة – بُشرى الخير، أو بُشرى الشر – والعياذ بالله تبارك وتعالى -؟ هو هذا!

إذن استمعت إلى هذا الشخص – أيها الإخوة -، وإذا به في اللحظات التي فارق فيها عالمنا هذا، رأى الآتي؛ (طبعا مرة أُخرى لأحبابي، إخوتي وأخواتي، لأبنائي وبناتي؛ لا تغتروا بكلام الملاحدة، وكلام الماديين، الذين – والله الذي لا إله إلا هو – مهما اجتهدوا، ومهما بالغوا، ومهما تعززوا وأخذتهم العزة بالإثم، لن يستطيعوا أن يُثيروا عجاجة حقيقية أمام هذه البراهين، التي بها بلغ الله حُجته على عباده. انس! إياك أن تغتر بقول للبروفيسور Professor فلان الفلاني، عالم الأعصاب، حامل جوائز كذا وكذا، الذي قال كل هذا مُجرد نشاطات دماغية! نشاطات دماغية؟ هذه نشاطات استكبارية – والعياذ بالله – من أمثالكم! تعلمون لماذا؟ لأن هؤلاء الذين ذهبوا وعادوا، أخبروا بأشياء، لا يُمكن أن يُخبر بها الدماغ، مهما كان ناشطا! ولا يُخبر بها إلا جوهر، فارق البدن، ثم حلّق في العالم بحُرية تامة أو شبه تامة.)

أحد هؤلاء العائدين، حين عاد إلى الحياة، قال لزوجته لِمَ خمشت وجهك حين بلغك نبأ موتي؟ قالت ما فعلت. قال بلى، فعلت، اكشفي عن وجهك – وكانت مُنتقبة -. هي لم تشعر، وإذا بها قد خمشت وجهها. قال لإخوته وأخواته ماذا فعل الكبش الأبيض، الذي أردتم أن تذبحوه؟ قالوا عن أي كبش تتحدث؟ قال الكبش الأبيض، من صفته كذا وكذا وكذا. قالوا أنت الآن تُخيفنا! كيف عرفت هذا؟ هذا إنما كان في الدار، وأنت في المُستشفى. قال أنا كنت عندكم، رأيت كل شيء. وحدثهم بكل شيء! ثم قال لأخيه الكبير، الذي أبى أن تُرفع عنه أجهزة الإنعاش – أبى، قال لا. وكان ميتا، القلب مُتوقف، كل شيء مُتوقف! كان ميتا. قال لا أسمح -، قال له يا أخي رأيتك حين خرجت وأنت تبكي، وكان الجو مطيرا، ثم أويت إلى جُندي. يبدو أنه كان على قارعة الطريق، يحرس أو يقوم بمهمة. أويت إلى الجُندي، وبين يديه نار أوقدها، فجلست إليه تبكي، وسألك، وقال لك، وقلت له. قال له عجيب! هذا شيء لا يكاد يُصدق! مَن أخبرك؟ قال أنا، لم يُخبرني أحد، أنا كنت معكما.

ويقول لك نشاطات دماغية! حُجة الله بالغة. يا أبنائي، يا بناتي، يا إخوتي؛ والله الذي لا إله إلا هو، والله عظمت حسرتي بموت أمي على إخوتي غير المُستقيمين من المسلمين، على أخواتي غير المُستقيمات من المسلمين! عظمت حسرتي جدا، والله الذي لا إله إلا هو! كما والله الذي لا إله إلا هو أخذني الحُزن والألم على مَن ألحد من الناس، على مَن كفر، وركب رأسه، وظن أنه يأتي ببُرهان وحُجة ودليل! أنت يا أخي تُضيع نفسك. لا أقول أكثر من هذا! أنت تخسر أبديتك، استيقظ. أيقظ الله كل مَن أخلص النية في طلب الحق، أيقظه الله ودله على الحق.

هذه الوقائع لا تُعد ولا تُحصى، لا يُحصيها إلا الله، والناس فيها مُشتركون، والناس فيها مُشتركون على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم! الذين عادوا من الموت بالملايين حول العالم، وكلهم، أو مُعظمهم، اتفق له أشياء مثل هذه، لا تفسير لها، إلا بأن جوهرا مُفارقا للبدن، هو الذي تحرر، وتابع كل شيء، في مشهد وسيع، وأُفق مُنداح. لم يعد للزمان اعتبار، ولا للفضاء والمكان اعتبار. إنها الروح يا سادة، إنها النفس يا إخواني، إنها النفس يا إخواني التي ينبغي أن نخدمها حقا، وأن نعمل لها، لا لهذا البدن الفاني البالي، الذي عما قليل سيأكله الدود، سيصير طعاما للديدان! على أنه ليس الجميع.

وعُذرا عن هذا الاستقصاء الذي أوجبه ربما المقام، أعود إلى ما كنت فيه؛ ليس القتل فقط، هذا الدين يقول لك إياك أن تصل بأذى إلى مخلوق! أحد الذين عادوا من الموت، وعاد تائبا، واستقام على السبيل – أيها الإخوة -، عُذِّب بألوان من العذاب، بحسب ذنوب مُعينة، وهذا في حياة قبل برزخية، لم تكن برزخية أصلا! ولعلها من عالم المثال. ومن ضمن ما نوقش فيه، وشُدد عليه فيه، أنه نظر ذات يوم، وهو جالس في الباص Bus، أي الأتوبيس، إلى أحد الناس، نظرا حادا! هكذا! قيل له لماذا نظرت إلى أخيك هذه النظرة؟ الله أكبر! طبعا! ستقولون يا ويلنا! فعلا يا ويلنا! ويا خيبتنا! ويا خسارنا!

يجلس أحدنا مع إخوانه وخلانه، فلا يطيب لهم الحديث، إلا بأكل أعراض الناس! فلان وفلانة! يا ويلنا! يا خسارنا! ويا ما أطيب المجالس يا إخوتي، يا ما أُحيلا المجالس، التي تنعقد، وربما تستطيل وتُسهب، ثم يقوم الناس ويتفرقون، لم يتفرقوا إلا عن ذكر، وإلا عن كلام في بر! ما أحلاها! نسأل الله أن يُكثّرها وأن يُباركها، وأن يُعيننا عليها. والله تجلس وأنت مُرتاح جدا، وتقوم وملء إهابك السكينة والوقار والجمال. أنت إنما كنت تخترف في جنة نعيم الحسنات، دون أن تدري! تقطف من هنا حسنة، من هنا حسنة، من هنا حسنة! السلام عليكم، سُبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. ختام المجلس! كفّارة المجلس! وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ *…السورة! هذا هو! هذا الذي يليق بكَ، هذا الذي يليق بكَ، بكِ، بي، بنا جميعا! أن نستعد للآخرة، كفى! كفى يا إخواني أن نغش أنفسنا! لا أقول أكثر من هذا. كفى أن نُخادع أنفسنا! كفى أن نُضيع أعمارنا في دين مُمزق، دين مُهلهل، دين كالثوب المُخرق! نحتاج إلى دين سليم، دين صحيح، يُوجب – إن شاء الله، بفضل الله وكرمه – لنا البُشرى، حين نلقى الله. والموت كما قلت لكم لقاء الله. مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ *…إذن لقاء الله هو الموت، المساق إلى الله الموت، واضح يا إخواني؟

إذن حتى النظرة؟ حتى النظرة! وهذا يُذكّرني بحديث الإمام أبي القاسم الطبراني، من حديث عبد الله بن عمرو – رضيَ الله تعالى عنهما -، قال قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين – مَن نظر إلى أخيه نظرة يُخيفه بها في غير حق، كان حقا على الله أن يُخيفه يوم القيامة. مرة أُخرى يا خسارنا! نظرة يا رسول الله؟ نظرة. رسول المحبة – عليه السلام -، رسول السلام، قال لك لا يسعك أن تنظر نظرة إلى عبد من عباد الله، لتُخيفه بها في غير حق. لماذا؟ أتستطيل عليه؟ بماذا؟ بسُلطانك؟ بقوتك؟ بماذا إذن؟ بعشيرتك؟ إياك! وهذا حديث مُهم جدا لرجال الأمن والشرطة والمباحث، مُهم جدا! إذا غرتك قدرتك، فتذكر قدرة الله عليك، تذكر فقرك وحاجتك إلى الله يوم تُدلى في حُفرتك قريبا. والمصير قريب، وأقرب مما نظن والله! أقرب والله مما نظن!

وفي حديث ابن عمر – رضيَ الله عنهما، ذاك عن ابن عمرو! هذا في حديث ابن عمر! وأيضا عند الطبراني – مَن نظر إلى أخيه نظرة، يُفزعه، أو قال يُخيفه، بها، كان حقا على الله ألا يؤمّنه يوم الأفزاع. يوم الفزع الأكبر، يُبعث مُفزّعا، خائفا، يرتعد! لماذا؟ لأنه نظر مرة إلى أخيه نظرة يُخيفه بها. ستقولون ما العمل؟ ما المخلص؟ التوبة الصادقة. فعلت هذا؟ بعضهم سيقول أنا ضربت، أنا ضربت الناس، مددت يدي على الناس، بصقت عليهم، أنا لعنتهم، أنا سببتهم، أنا دمرت حياة بعض الناس! ما المخلص؟ التوبة الصادقة. الحق نفسك.

الله قال وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *. ثلاثة أشياء؛ الشرك، والقتل، والزنا. الزنا الذي تُريد لنا المُسلسلات والأفلام والنت Net واليوتيوب Youtube وكل مصادر ما يُعرف بوسائل التواصل أن تُصوره على أنه شيء عادي، نوع من الثقافة، نوع من الفهلوة والشطارة! دنس، نجاسة – والعياذ بالله -، طريق جهنم، مُنزلق جهنم. إياك أن تلعب في هذه الأشياء!

إياك أن تنظر نظرة إلى فتاة أو امرأة لا يرضاها الله تبارك وتعالى! اتق الله. هل تُحب أن ينظر أحد إلى أمك أو أختك أو ابنتك هذه النظرة؟ فإياك أن تنظرها أنت! كُن عفيفا، تعلم العفة، تعلم الرجولة، تعلم أن ترقب الله، فالله رقيب عليك. أنت تنسى، وهو لا ينسى. أنت تغفل، وهو لا يغفل، لا إله إلا هو! أنت تتعامى، وهو بكل شيء بصير. إياك! وسترى غِب هذا قريبا، يوم تُدلى في حُفرتك، أقرب مما تتخيل! إياك أن تُصوّر لنفسك أن القيامة بعيدة، وأنني قد أموت، وربما أمكث في قبري مليون سنة! حتى لو مكثت مليار سنة، الزمن بعد الموت لا دور له. الذي مات الآن، والذي مات قبل مليون سنة – لو كان هناك بشر قبل مليون سنة -، واحد! وحين تقوم الساعة، سيُقسم الجميع مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ *، سَاعَةٍ ۚ *! انتهى كل شيء. الزمن في الدنيا له دور، بُعد الزمن! بمُجرد الموت، ليس له دور. ينتهي الزمان! ساعة كسنة، وسنة كمليون سنة، انتهى! فالأمر قريب، لقاء الله قريب جدا جدا! الميزان، الصُحف، الحساب، أقرب مما تتخيل!

قال وَلا يَزْنُونَ *. وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *. لذلك أقول أيضا لمَن تتعرى، أو تمشي شبه عارية، وهي تعلم أنها لا تُريد بهذا إلا أن تفتن قلوب المُراهقين، قلوب الرجال، مُتزوجين وعزابا؛ يا ويلك! يا ويلك من الله تبارك وتعالى! يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ *، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ *. ماذا تقولين لربك؟ عشت – البعيدة – شيطانة؟ أُريد أن أشيع الفاحشة في الناس، أُريد أن أُغري الناس بالفاحشة، مَن لم يقدر علي، قدر على غيري، ومَن لم يقدر علي ولا على غيري – والعياذ بالله -، سلك سُبلا مُنحرفة أُخرى، لا يعلمها إلا الله! وأنت السبب؟ الله أكبر! وكل هذا في صحيفة أعمالك، مسكينة أنتِ، والله مسكينة يا أختي، والله أُشفق عليكِ، أُقسم بالله، حزين لأجلك! لنتق الله في أنفسنا.

قال وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *، فسره بقوله يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ *. الله أكبر! لم يقل يُعذب! يُضَاعَفْ *! عذاب الشرك مُضاعف، عذاب القتل مُضاعف، وعذاب الزنا الذي جعلوه وكأنه شيء عادي، مثل شرب الماء! يزني ويذهب لكي يُصلي، يزني ويستغفر الله، يزني ويصوم! ما شاء الله! أين تعلمت هذا؟ انتبهوا يا إخواني، انتبهوا! وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ *. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *. إذن ما الحل؟ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا *. انتهى! يُوجد حل! توبة، توبة لا يعود بها في الذنب بعد ذلك، حتى يعود اللبن في الضرع، كما قال عمر بن الخطاب – رضيَ الله عنه وأرضاه -، توبة صادقة، ليست كتوبة المُتلاعبين! سُئل الإمام أحمد عن رجل أذنب، فاستغفر، ثم عاد، فأذنب، فاستغفر، ثم عاد! قال هذا كالمُستهزئ بربه. نعم! قال تائب هذا؟ هذا يلعب. قال! هذا! هذا كالمُستهزئ بربه. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً *…ماذا؟ الله قال نَّصُوحًا *. لم يقل توبوا فحسب! تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا *. قال عمر – رضوان الله عليها – هي التي لا يعود صاحبها في الذنب، حتى يعود اللبن في الضرع. هل يُمكن أن يخرج اللبن من ضرع الشاة أو البقرة، ثم يعود؟ مُستحيل، مُستحيل، مُستحيل! معروف! هذه هي التوبة النصوح. نسأل الله أن يمنّ علينا بتوبة نصوح. اللهم تُب علينا لنتوب.

وإياكم يا إخواني وإياي وإياكن – والله الذي لا إله إلا هو – من أن تغرنا الأماني! تعرفون ما الذي يُحزن؟ يُحزن أن كثيرا من الناس – لا أُحب أن أقول أكثر الناس – يقضون حياتهم، إلى ساعة الرحيل بالوفاة، وهم يعيشون بالأماني! تُوجد صلاة؟ مرة نعم ومرة لا، أو لا تُوجد صلاة. صلاة بنسبة مئة في المئة؟ لا، مرة نعم ومرة لا، ومرة نعم ومرة لا، حسب الظروف، وحسب المزاج، أو لا يُصلي نهائيا. وهكذا مع بقية الفرائض! أما الذنوب، فالله أعلم، لا إله إلا هو! لكن الله غفور رحيم، الله كريم، الله جواد، الله مُحب، الله…الله…الله…! هذا صحيح، لكن هناك موازين، مثقال ذرة من خير سوف يُرى، مثقال ذرة من شر سوف يُكتب ويوزن، وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ *.

أقول هذا وفي بالي والله ما…ماذا أقول؟ ما يكاد يشق مرارتي! من سماعي كلام أحد الذين خرجوا من طريقة صوفية! صوفية؟ هذا التصوف؟ لو أردت أن أُلخص التصوف بشيء واحد، لقلت التصوف هو كل ما يجعلك أتقى وأخشى لله وأعرف به. حاشا لله أن تكون مِمَن عرف الله أدنى معرفة، ثم أنت تعود بعقيدة تعتقدها أو قول تقوله على كلام الله بالنقض والتكذيب، بل هذا هو سبيل الزندقة!

طريقة صوفية، للأسف مؤسسها مات قبل سنتين، كم حزنت! أمره إلى الله! والعياذ بالله شيء مُخيف مُرعب! والذين في الأثر لم يتوبوا ولم يرعووا! يزعمون وزعم المؤسس أن كل مَن أخذ البيعة منه والعهد، سيدخل الجنة مع رسول الله. ليس بعد الرسول، معه أيضا! الرسول لن يسبقه إلى الجنة! لماذا؟ لماذا؟ أنت مَن؟ ستقول لي قد يكون! لا، لن يكون. تعرفون لماذا؟ لأن هذا الشيخ وطريقته يُبيحون لمشايخ الطريقة هتك أعراض المسلمات، مِمَن يأخذن العهد عليهم! ما رأيكم؟ يزعمون بهذا أنهم يُطهرونهن، ويُعطيهن طبعا مقاما عاليا عند الله! إن لم تكن هذه الزندقة، فقولوا لي ما هي الزندقة؟ هذه هي الزندقة! إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا *.

قال لي أحد الأحباب أمس ألا يُمكن أن يتسع لهم عند الله عُذر بجهلهم؟ قلت له أشك! لست أقطع على غيب أمر لا يعلم حقيقته إلا الله، لكن أشك جدا! وهو لا يسأل عن المشايخ، يسأل عن المخدوعين من النساء، وأزواجهن، الذين يُقدمون بناتهم ونساءهم قرابين لهذا الراسبوتين Rasputin وإخوانه! شيء كما قلت لكم يصدع القلب، والله العظيم! ما الذي يحصل؟ وطبعا في المُقابل هناك من أهل الظاهر – يُسمونهم أهل الظاهر – مَن يتلبس بالفواحش، ومنهم مَن هو مُتزوج بأربع نساء، ولا أزيد، وأبى الله إلا أن يفضحهم. هذا من أهل الظاهر ويرتكب الفاحشة، وهذا من أهل الباطن والتصوف ويتزندق! ما الذي حصل؟ لا إله إلا الله! تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

قلت له والله أشك؛ لأن الله تبارك وتعالى سيقول لهم يوم القيامة المسألة كانت واضحة للغاية! قلت وقلتم! مَن هو الذي يُمكن أن يسعك أن تستمع لقوله، وتُهدر قول الله؟ لا أحد، حتى النبي! ما رأيك؟ على أن النبي يستحيل أن يقول قولا يُضاد به قولا لله. ولذلك العلماء كأين من حديث قالوا في سنده كالنهار! سند مُمتاز، مُتصل، بنقل العدول الضابطين، ثقات! والحديث شاذ بالمرة، مُنكر! لماذا؟ لأنه خالف القرآن، على وجه لم يُمكن تأويله، بحيث يتفق مع القرآن. نضرب به عُرض الحائط، ولا كرامة! على أنه منسوب لمَن؟ لرسول الله. وبأي أسانيد؟ بسند كضوء النهار. قالوا! هذا موضوع ثان! فكيف لما يأتيني فلان وعلان، من مشايخ الجهل، في القرن الخامس عشر الهجري؟ وأعلم وتعلمون أنه لو طُلب إليه أن يتلو سورة قصيرة من كتاب الله، للحن فيها بعدد كلماتها! نحن نستمع إليك، ونُهدر كلام ربنا؟

ولذلك النبي قال أهل النار خمسة! تعلمون مِمَن هو من أهل النار، الذي يستحق النار، من هذه الأمة؟ الضعيف! الذين هم فيكم تبع! لا يبتغون مالا ولا ولدا! ولا زبر لهم! ما معنى هذا؟ أي ناس ضعفاء، لا يطلبون مكانة، ولا يطلبون أموال، ولا يطلبون وظائف، ولا يطلبون سُلطانا! لكن لا زبر له! ما معنى لا زبر له؟ لا عقل تاما له، يمنعه من مواقعة ما يُسخط الله. هؤلاء بالذات الذين يكونون أدوات في يد الظلمة، وفي يد الفجرة والفسقة. يقول له افعل، فيفعل! يقول له أحللت لك الزنا، فيزني! أحللت لك الخمر، فيشرب! النبي بشّرهم وقال هؤلاء من أهل النار. لم يقل جهلة، (غلابة)، مساكين، لم يكونوا يعلمون. لا يُوجد مسلم لم يعلم ولا يعلم أن الله له كلام، له كتاب، لا إله إلا هو! إذا قال الله، لم يكن بعد قوله لأحد قول، انتهينا! أليس كذلك؟ ما العبث هذا بدين الله عز وجل؟

على فكرة، على أني وإياكم وإياكن نُمارس شيئا من هذا الغرور، دون أن ندري! ما رأيكم؟ كل إنسان يعيش وقد بسط لنفسه ومد لنفسه حبل الأماني! يُقصّر، يرتكب بعض المُحرمات، صغرت أم كبرت! ثم يُمنّي نفسه؛ أنني عند الله – إن شاء الله – من المقبولين، بل لعلني من المُقربين! يُمنّي نفسه! هذا يُوشك – والعياذ بالله – أن يُخاطب كما يُخاطب المُنافقون؛ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ *، نعوذ بالله أن نكون من المُغترين في أمر الله وفي دين الله.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، إخوتي وأخواتي/

وصلا لحديث أن الموت ليس إفناء، وليس إنهاء، إنما هو بوابة للحياة الأبدية، الحياة حقا! الحياة الحقانية تبدأ بالموت، أما نحن في هذه الحياة الدنيوية القصيرة الوجيزة، إنما نحن في مُهلة اختبار، فقط لكي نمهد للآخرة، لكي نعمل للآخرة. مَن نجا هناك – اللهم اجعلني وإياكم والمسلمين جميعا، من الناجين والفائزين الفالحين، أيها الإخوة -، ينجو ولكن التفاوت في المقامات.

لما تُوفيَ شيخ الإسلام، الإمام عبد الله بن المُبارك، رؤيَ في المنام بعد حين، فقيل له ما فعل الله بك يا فلان؟ فقال الحمد لله، الحمد لله، غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب. اللهم اجعلنا كذلك يا رب، بفضلك ومنّك. غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب! فقيل له فما فعل سُفيان الثوري؟ قال بخ بخ! ذاك في الذين قال الله فيهم مع: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا *. اللهم اجعلنا منهم يا رب، بفضلك ومنّك.

قال جميل بن مُرة، أحد أصدقاء التابعي البصري العابد الخشن – كان خشنا جدا على نفسه في ذات الله – مورق العجلي، أبو المُعتمر! قال كنت له كالأخ، وكان يأتيني وآتيه، فتواصينا يوما مَن مات قبل صاحبه، تراءى له في المنام؛ ليُخبره ما فُعل به. لا إله إلا الله! هذا همهم، همهم النجاة. قال فتُوفيَ أخي مورق قبلي، فرأت أهلي فيما يرى النائم – لم ير هو، جميل بن مُرة، إنما أهله، زوجه – أن مورقا أتى وطرق الباب، كما كان يفعل في الدنيا، ففتحت له، كما كانت تفتح في الدنيا، وقالت له ادخل يا أبا المُعتمر، حتى يأتي أخوك جميل. فقال كيف أدخل، وقد ذقت الموت؟ أنا ميت، أنا لم آت؛ لكي أزور وأقعد في مجالس دنيوية. وإنما أتيت؛ لأُخبر أخي بما صنع الله بي، فإن هو عاد، فأخبريه أن الله جعلني في المُقربين. الله أكبر! اللهم اجعلنا من هذه الفئة.

المُقربون – أيها الإخوة – في أمة محمد ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ *، اللهم اجعلنا من هؤلاء القليلين. فإن لم نكن منهم، فلا أقل أن نكون من أصحاب اليمين! ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ *. أما المُقربون، فهم قلة في الآخِرِينَ *. في الصحابة والتابعين وتلكم الأجيال والطيبة كانوا كثرة – ما شاء الله -، أما في هذه الأزمان المُتأخرة، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، فهم قلة. اللهم اجعلنا من هذه القلة القليلة، اللهم اجعلنا من هذه! لكن الأمر كما قلت لكم، الأمر محكوم بميزان يا إخواني.

يا فاطمة بنت محمد اعملي لنفسك، لا أُغني عنك من الله شيئا. يا ربي ها هو شيخ في القرن الخامس عشر يقول أحبوني وعاهدوني، تدخلوا الجنة، كتفكم بكتف محمد! وأباح لهم الفواحش! والنبي يقول لفاطمة اعملي يا فاطمة بنت محمد لنفسك، لا أُغني عنك من الله شيئا. وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا *! لَقَدْ أَحْصَاهُمْ *، حكاية كتف وما كتف وهم، عيشوا في الأماني، عيشوا في الكذب على الله، حتى تبدهكم الحقائق الصاعقة الصادمة.

مالك بن دينار، تعرفون مالك بن دينار، البصري، العابد الكبير، وقصته العجيبة في التوبة! مالك بن دينار ذات يوم يُحدث، يقول رأيت مسلم بن يسار – عابد أهل البصرة! مسلم بن يسار أستاذ الحسن البِصري! لما مات مسلم بن يسار، صاح الحسن البِصري وا معلماه! وا معلماه! هذا مسلم بن يسار، من عيون العابدين، قدس الله سره -، لما مات مسلم بن يسار، رأيته في النوم ذات ليلة، فقلت له يا مسلم ما صنع الله بك؟ ما فُعل بك؟ قال يا مالك لقينا أهوالا شدادا، وزلازل عظاما. لا إله إلا الله! قال فقلت ثم ماذا؟ قال فما يكون من الكريم؟ عفا عن السيئات، وأثبت الحسنات، وتحمل عنا، لا إله إلا هو! ثم شهق مالك بن دينار شهقة، غُشيَ عليه. حُمل إلى بيته، وقد صُدع قلبه. مكث أياما، ثم مات! هذا سبب موت مالك بن دينار، هذه الرؤيا لما رآها. مسلم بن يسار يقول لقينا أهوالا شدادا، وزلازل عظاما!

ولعلي أختم بقصة صحابيين جليلين، من الصحابة! الصعب بن جثامة وعوف بن مالك – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -. وهذه القصة كما قال الأئمة صحيحة، صحت عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وهو البُناني، عن شهر بن حوشب! أن الصعب بن جثامة كان مؤاخيا – كان أخا في الله – لعوف بن مالك – رضيَ الله عنهما وأرضاهما -. صحابيان كريمان! وتواصيا مَن مات أولا قبل صاحبه، ترايا له في المنام؛ ليُخبره بما فُعل به. يبدو أن هذه كانت سُنة الصالحين، لا إله إلا الله! يقضون حياتهم، يتعاونون على البر، ويتواصون بهذه الوصية! مَن مات أولا، طمأن أخاه عليه.

على فكرة، مَن ذاق موت حميمه، بعد أن يستوعب الصدمة، ويعلم أن حميمه لن يعود، ذهب ولن يعود! يبقى ربما أياما – بعض الناس ربما يبقى حتى أسبوعين -، ينتظر أن يعود مَن مات، بمُعجزة إلهية، فلا يعود! بعد أن يُوقن أنه لن يعود، يُصبح همه كله أن تأتيه البُشرى بأن حميمه نجا، والله العظيم! أبدا ينقطع عنك الفكر الطفولي الساذج؛ يا ليته معنا ليأكل من هذه الأُكلة أو الأكلة! أفكار أطفال! يا ليته معنا ويعيش هذه الساعة الطيبة! أفكار أطفال! انتهى! الدنيا لا تسوى في الآخرة جناح بعوضة، لكن كل الهم يُصبح؛ يا ليت البُشرى تأتيني بنجاته وفوزه وفلاحه! يا ليت! فقط، هذه الأُمنية! وتُصبح تتندس الأخبار؛ هذا رأى رؤيا، هذا رأى في المنام، هذا كذا!

المُهم، يقول فمات الصعب أولا – الصعب بن جثامة مات أولا قبل عوف بن مالك -، فأُريه أخوه عوف بن مالك في المنام، فقال له يا صعب ماذا لقيت بعدنا؟ قال الحمد لله، غُفر لنا بعد المشايب. أسأل الله أن يكون المُراد بها؛ لأننا شبنا في الإسلام، أسأل الله! وألا يكون المُراد بها ما قاله بعض العلماء؛ يعني بعد أن مررنا بأشياء تُشيب الولدان! كما في حديث مسلم بن يسار.

أنا أختي عاشت مريضة – رحمة الله عليها -، عاشت مريضة مُذ كان سنها تقريبا سبع سنوات، إلى أن لقيت الله، حوالي أربعة عقود، أكثر من أربعة عقود، في الآلام والتباريح والشلل! وكان أكبر ما تطلبه من الدنيا أشياء تُشترى بثلاثة وأربعة وخمسة يوروات، هذه دنياها! لم تطلب لا عمارة، ولا سيارة، ولا زوجا، ولا أولادا! تخيل! وكانت مُحافظة على صلواتها كلها – بفضل الله تبارك وتعالى -. رأيتها أو أُريتها في المنام، بعد وفاتها بحين، زارتني في البيت! قلت لها يا أختاه ما فعل الله بك؟ قالت لي يا أخي الأمر أصعب مما تظنون. والله العظيم! هذا قطع قلبي. قالت لي يا أخي الأمر أصعب مما تظنون. وهي كانت محزونة! ثم قالت لي ولكن ما عسى الله يفعل بي وبمثلي فلان – رجل فاضل خيّر، مشلول أيضا، كان مثلها -؟ أي كأنها تقول نحن خُفف عنا ونجونا؛ لأن أين سيئاتنا؟ أي على ماذا نُحاسب؟ كما قلت لكم أختي هذه حين كانت تُوصيني، الآن أستذكر، أكثر شيء طلبته مني مرة أنواعا من العسل، أي عسل بعشرة يوروات، بخمسة يوروات، الكيلو! معاجين أسنان! هذه حاجتها من الدنيا! نحن انظر بماذا متعنا الله وماذا أعطانا، أعاننا الله، أعاننا الله على لقاء الله، اللهم تُب علينا لنتوب. مسألة خطيرة يا إخواني!

المُهم، فقال له بعد المشايب، غُفر لنا. قال عوف بن مالك ورأيت في عُنقه لُمعة سوداء! يُوجد سواد هنا! فقلت له ما هذه اللُمعة السوداء؟ قال عشرة دنانير استسلفتها من فلان اليهودي. لا إله إلا الله! صحابي، وكان مع رسول الله، وغزا معه، وقاتل معه؟ طبعا، أنت مِت وعليك دين! كيف بمَن يعيش بالديون؟ كيف مَن يموت وهو مدين لعشرات الناس؟ أعاننا الله فقط، أعاننا الله.

رحم الله الشيخ الرجل الصالح الطيب فتحي الصافي، السوري الذي مات قُبيل سنوات بالسرطان – رضيَ الله عنه وأرضاه -. يتحدث بلُغته المُحببة الطبيعية التلقائية الجميلة الصادقة – نحسبه كذلك، والله حسيبه -، يُحدث عن أحد أصدقائه، قال قال لي يا شيخ فتحي أنا الحمد لله مُستعد للموت. قلت يا رجل؟ كيف إذن مُستعد؟ قال له الحمد لله مُستعد، أنا مُستعد للموت. أنا أعددت زوادتي – الزوادة يأخذها المُسافر -، زوادتي معي. قلت له كيف؟ قال لا يُوجد شيء من بر الوالدين تركته – كل شيء اسمه بر والدين فعلته -، ولا أحد له علي ليرة سورية دين أبدا – بفضل الله -، فأنا مُستعد للقاء الله. قال والله بعد أسبوع مات! رضيَ الله عنه وأرضاه، ما هذا؟ بعد أسبوع! قال الكلام هذا، وبعد أسبوع كان ميتا هو، كان مُستعدا. هذا مُستعد، انتبهوا! فكونوا مُستعدين. لا يبيتن أحدكم ليلته، إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه، الوصية! انتبه، إياك أن تؤجل! لا تضمن.

فقال في عشرة دنانير استسلفتها من فلان اليهودي، فهي في قرن لي، فأدها إليه. ثم قال لي يا أخي يا عوف لا يمر بأهلي شيء في الدنيا، إلا وقفت عليه وعلمت به، وقد ماتت لهم قبل أيام هرة. قطة، قطة منزلية لهم! ماتت. قال! وأما بنتي فلانة، فتموت لست. أي لست ليال، أو ستة أيام، من هذه الرؤيا، تموت بنتي. فاستيقظ عوف بن مالك، قال وقلت إن في هذا لمعلما. فأتيت دار أخي الصعب بن جثامة، طرقت عليهم، فاستقبلوني وقالوا ما هكذا يخلف المرء أخاه في أهله! لم تأت إلينا مُذ مات أخوك! قال فاعتلت – أي اعتذرت – بما يعتل بمثله الناس! مشغول وكذا ويعلم الله الحوائج والدنيا! اعتذرت. قال! ثم سألتهم عن أحوالهم وعن أمورهم، وأتيت إلى الغُرفة، حيث القرن. ما هو القرن؟ الكنانة! كنانة السهم أو الأسهم، تُسمى القرن. قالت فأنزلتها، فانتثلتها، فإذا فيها صُرة، وفيها عشرة دنانير. أهله لا يعلمون بها! التي استسلفها من اليهودي. قال فأخذتها، وأخبرتهم بشأنها! هذه أخذها أخي الصعب من يهودي، أمرني بأدائها إلى اليهودي.

قال فأتيت اليهودي، فقلت له هل تطلب أخي صعبا بشيء؟ قال رحم الله صعبا – اليهودي -، فقد كان من خيرة أصحاب محمد. قال رجل صالح هذا، أنا تعاملت معه، وهو ما شاء الله! قلت هل تطلبه بشيء؟ قال نعم، اقترض مني عشرة دنانير. قال فوضعتها بين يديه. قال هي والله بأعيانها! ليست بديلة منها، هي نفسها، أنا أعطيته هذه الصُرة! هي والله بأعيانها! قال فأعطيتها إياه. لا إله إلا الله! بعد الموت؟ بعد الموت.

قال لك الدماغ! نشاطات في الدماغ! هذه نشاطات في الدماغ، قولوا هذا للماديين والملاحدة! الحمد لله أن جعلنا من أمة محمد، الحمد لله أن ورثنا هذا الميراث وهذه التركة، قبل حكايا العائدين من الموت في القرن الخامس عشر الهجري، من قديم هذا يحدث في أمة محمد، مُتواتر – بفضل الله عز وجل -.

قال ثم سألتهم عما حدث لهم، فأخبروني، حتى أخبروني بالهرة التي ماتت. فقلت هذه الثانية! ثم قلت لهم أين بنت أخي؟ بُنيته الصغيرة! فدعوا بها! قالوا هي تلعب! فدعوا بها، فمَسِستها – مَسَّ، يَمَسُ، والماضي مَسِستُ، وليس مَسَستُ! فمَسِستها، وضعت يدي عليها -، فإذا هي محمومة! فقلت استوصوا بها معروفا. قال فماتت بعد ستة أيام. لا إله إلا الله! أي الموتى أحيانا يُخبرون بأشياء!

هذا الباب فيه أشياء كثيرة جدا، ضاق المقام عن ذكرها، لعلي – إن شاء الله تعالى – أُفيض فيها وبسردها، لكن في موضع آخر.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارا، اجزهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات مغفرة ورضوانا، واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك إنك سميع قريب مُجيب الدعوات.

اللهم اخلف علينا في مصائبنا، في أحبائنا وأودائنا، خيرا منها، برحمتك يا أرحم الراحمين، وألهمنا الصبر والسلوان. اللهم لا تحرمنا أجورهم، ولا تفتنا بعدهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *. اللهم حبب إلينا وإلى أولادنا وأزواجنا وإخواننا وأخواتنا وقراباتنا ** وأصحابنا وأخينا فيك، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، برحمتك يا أرحم الراحمين. احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعزتك أن نُغتال من تحتنا. اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واقض حوائجنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.