هزيمتنا

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه الكريم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ * إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ * أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ * هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ * لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ * وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

أبدأ هذه الخُطبة، التي أسأل الله أن يُباركها وينفع بها، بسؤال:

لِمَ قضى الله تبارك وتعالى، إلى جانب ما قضى به، من نصر عبده ورسوله – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله – وإعزازه وإظفاره، لِمَ قضى إلى جانب هذا، بالهزيمة، في بعض المرات، كالذي حدث يوم أُحد، ويوم حُنين؟

سؤالٌ قد يبدو ميسورا، أو لا يزيد عن مُجرد استذكار واستعادة وقائع تاريخية، على أنه أكبر من هذا بكثير! وله تعلق عظيم أيضا، أو اعتلاق شديد، بواقع المُسلمين، وبتاريخهم جُملة.

الدرس الأول لهذا الذي أثرت السؤال حوله، هو أن الحق بذاته، وإن كان حقا في ذاته، إلا أنه لا ينتصر بذاته! الحق لا بُد له من حملة، وهؤلاء الحملة ليسوا آلهة، وليسوا ملائكة. إنهم بشر، فيهم ضعف البشر، وهشاشة البشر، وحرص البشر، وقصور البشر. فيهم كل ما في البشر من جوانب القوة والضعف.

والقرآن يُعلِّمنا أن حملة الحق، لا يُشكِّل وجود النبي الخاتم – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله – بينهم وبين ظهرانيهم، ضمانة وعصمة لهم من الزلل، ولا ضمانة ولا عصمة من الهزيمة والانكسار، كالذي حدث – أيها الإخوة –!

ودعكم من أقاويل بعض المُعاصرين، الذين زعموا، ذهبوا يزعمون، أنه لا يجوز أن يُقال هُزم المُسلمون، ورسول الله بين ظهرانيهم، ولم تكن هزيمة! هي هزيمة، بل مُصيبة، بنص كتاب الله تبارك وتعالى.

لا يُمكن أن نُغالِط في الحقائق، ولا أن نُغالِط في الوقائع. هزيمة، وأي هزيمة! لكن لم يلتفت هؤلاء، وربما عن حُسن نية، إلى أن الذي انهزم ليس النبي. انهزم أصحابه، وانهزموا بما استحقوا به ومعه الهزيمة، قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ *.

في معركة أُحد – وهذا درس بليغ آخر، في معركة أُحد – كان سبب الهزيمة مُخالفة ظاهرية ملموسة؛ لا تتركوا الجبل، وإن رأيتمونا تتخطفنا الطير. تركوه! فحاقت بهم الهزيمة.

في معركة حُنين كان السبب سببا باطنيا معنويا؛ الإعجاب بالكثرة، الإدلال بالعدد! لن نُغلب اليوم من قلة. هكذا قالوا! إذا كانت المغلوبية، إذا كانت الهزيمة والانكسار، يتأتيان عن قلة، فنحن أعزة اليوم بكثرتنا، ولن نُغلب عن قلة! أي من قلة. فجاءت الهزيمة. ثم أبدلهم الله سريعا نصرا، لما وعوا الدرس. سبب معنوي، سبب باطني.

قضى الله بهذا على أصحاب رسول الله، وفيهم خيرته وخاتم أنبيائه ورُسله، ليكون درسا لهذه الأمة، إلى أن تقوم الساعة. درس الذنوب الباطنة، الآثام الباطنة، قد تجر الهزيمة، إلى أمة محمد.

ليس فقط نقص العُدة، أو نقص العدد، وقلة الاستعداد، لا، لا، لا! قد تكون العُدة تامة والعدد مُستوفى، والعدد مُستوفى والاستعداد الظاهر على أحسن ما يُرام، لكن ثمة ذنوب باطنية.

وهذه الذنوب الباطنية ليست من فواحش الذنوب، لكنها نوع من العُجب! وليس العُجب بالشخص، وبالفرد، أبدا! إنما العُجب بالجماعة، بالمجموع! أُعجبوا بأنفسهم، بكثرتهم. وهم حملة الحق، وفيهم رسول الله. فأوتوا من هذه الناحية، عجيب! القرآن يُعلِّم تعليمات عجيبة جدا جدا! أنا موقن أننا بعيدون كل البُعد عنها.

كلما تأملت حال أمتي اليوم، علمت يقينا أنها تقريبا مُستوفية لكل أسباب الهزيمة! حتى من ناحية دينية، الأسباب الإلهية! كل أسباب الهزيمة مُتوفرة في هذه الأمة الآن! ولذلك النصر منها بعيد كل البُعد، بعيد كل البُعد!

والله لا يُبالي مَن لم يُبال به، الله لا يُبالي مَن لم يُبال به! الله لا يعبأ بمَن ضيّع شرعه ودينه وهديه، أليس كذلك؟ هذا هديٌ، هذا هديٌ عظيم، لا يُمكن أن نقع على أعظم منه! ضيّعناه هكذا.

اليوم أُريد أن أتكلم معكم في هذه المسألة، من بعض الزوايا – لا يُمكن استيفاء زوايا البحث والكلام فيها جميعها، أبدا! وإنما من بعض الزوايا -.

ولا زلنا أيضا في ذكرى ميلاد الحبيب – صلوات ربي وتسليماته عليه -، الذي لا أُريد أن أُعلِّق على هذه المعركة الضروس الطاحنة، حول جواز الاحتفال بعيد ميلاده، أو بذكرى ميلاده، أو عدم الجواز!

لا أُريد أن أُعلِّق؛ لأن هذا يجلب إلى المرء الكُباد، والمُرار، والشعور حتى بالغثيان، موضوع آخر هذا، أتركه لمَن أراد أن يخوض فيه، للأسف الشديد، هدى الله هذه الأمة. أمة… على كل حال، هداها الله تبارك وتعالى، ونحن من بينها طبعا، بلا شك!

إخوتي وأخواتي/

لِمَ يُمكن أن ينهزم المُسلمون الصالحون – فيما يبدو -؟

لأسباب كثيرة كما قلت، لأسباب كثيرة! نُريد أن ندور على ما ورد في الكتاب والسُنة، نُريد هذه الحكمة الإلهية، الحكمة المُصطفوية – على صاحبها أفضل الصلوات والتسليمات -.

لأسباب كثيرة – إخواتي وأخواتي -! في رأسها مُصادرة الآراء، وإعجاب مَن بيدهم الزمام بأنفسهم وآرائهم. ما يُعرف باللُغة السياسية، وباللُغة المفهومة، بالاستبداد.

بعض الناس يظن أن الاستبداد هو الطُغيان والظلم، لا! ليس هذا الاستبداد. قد يكون المُستبد صالحا وعادلا وطيبا، لكنه يستبد برأيه، بمعنى ينفرد. يصدر عن رأيه هو، يظن أن رأيه هو الأخير، هو الأفضل، هو الأحكم، هو الأنفع، ويُهدِر رأي الجماعة.

هذا سبب من أعظم أسباب الخذلان – والعياذ بالله تبارك وتعالى -، وهذه الآيات الكريمة من سورة آل عمران أشارت إلى هذه القضية، ولكن من زاوية بالغة العجب! وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ *.

سورة الأنفال أرّخت لوقائع بدر؛ معركة بدر. سورة آل عمران أرّخت لوقائع أُحد؛ معركة أُحد. معركة أُحد كانت فيها الهزيمة والدبرة على المُسلمين! كانت الهزيمة والدبرة على المُسلمين، للأسف الشديد! ولا نُريد أن نخوض في التفاصيل المعروفة للجميع.

السبب اللائح والظاهر، هو أن الخُطة لم تكن مُحكمة؛ خُطة مُلاقاة الأعداء لم تكن مُحكمة. من ناحية العدد والعُدة، وضع المُسلمين كان أفضل كثيرا، من وضعهم في بدر! في بدر انتصروا، في أُحد هُزموا! غريب! لماذا؟ وضعهم من ناحية العدد والعُدة كان أفضل، لكنهم هُزموا!

السبب اللائح المذكور في كتب السير، أن النبي – صلوات ربي وتسليماته عليه -، لما علم بتحرك جيوش الشرك إليه في المدينة، استشار أصحابه… هذا أول درس! النبي، وهو نبي، استشار. انتبهوا! النبي ليس قائدا، ليس مُصلحا، ليس فيلسوفا، هو أعظم من هذا بكثير، هو نبي رسول! يهمس مع السماء، تُخاطبه السماء، تُفضي إليه السماء، تُلقي إليه السماء، نبي!

ومع ذلك هو أوفر الناس عقلا وفطانة وزكانة، بلا شك! وأرجح الناس رأيا، بلا شك! الكل يعلم هذا. ومع ذلك، كما روى الإمام أحمد في مُسنده، والإمام الشافعي في مُسنده أيضا – مُسند الشافعي -، عن أبي هُريرة – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال لم يكن أحد أكثر مُشاورة لأصحابه من رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -.

شيء عجيب! بمعنى أبو هُريرة يقول أنا لم أر، لا أبا بكر ولا عمر ولا عليا ولا عثمان ولا مُعاذا ولا فلانا، ولا أي واحد! لم أر أحدا، أكثر استشارة، من رسول الله. عجيب! وهو رسول الله؟ وهو رسول الله.

هل تظنون أنه حقا يحتاج إلى شورى الناس؟ في الواقع، لا يحتاج. هو أوفر منهم عقلا جميعا! ثم إنه مؤيد معصوم، بالسماء! ولكن هو مُعلِّم. لذلك انتبهوا، صحيح أن المُسلمين هُزموا في معركتين، أو معركة ونصف معركة؛ لأن الدولة كانت في النهاية في حُنين للمُسلمين – بفضل الله تبارك وتعالى -، أي معركة ونصف، هزيمة ونصف، لكن انتبهوا! ليست نجاحات النبي المُحمَّد – صلوات ربي وتسليماته عليه – تقتصر على نجاحاته في حياته.

نجاحاته مُمتدة! طبعا إلى اليوم مُمتدة، نحن من نجاحاته، نحن من ثماره، جزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أُمته، ورسولا في رسالته – صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا، إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين -.

نجاحاته امتدت مع أصحابه، امتدت مع هذه الثُلة القليلة – أيها الإخوة -، الذين لم يكونوا على كبير علم وثقافة، وليسوا مُنحدِرين من خلفية حضارية ومدنية مشهورة على مُستوى العالم، ولا حتى في الإقليم، أبدا!

هؤلاء هم الذين ثلوا عرش فارس، وهم الذين زعزعوا وقلقلوا عروش روما هنا وهناك، وهم الذين فتحوا زُهاء ثُلثي العالم، في تسعين سنة، فقط! تُسمى هنا، لدى المؤرخين الغربين، بمُعجزة الفتح الإسلامي! Miracle!

هم يرونها مُعجزة! هناك شيء غير مفهوم! معقول؟ معقول؟ مجموعة أُناس من الصحراء، أُميون، (غلابة)، صناعتهم الشعر والقول، ليس عندهم أكثر من هذا! فقط يُحسنون أن يتكلموا، شعرا ونثرا! أكثر من هذا، ليس عندهم! يفتحون العالم، يدكون حصون أعظم إمبراطورياتهم! شيء لا يكاد يُصدق! فعلا معجزة! شيء غريب! الجواب الإجمالي، الذي يحتاج إلى تفاصيل كثيرة؛ امتداد لنجاح محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

على فكرة، قد تجد، وإن كان على سبيل الندور – هذا نادر، ونادر جدا، لكن قد! ليس مُستحيلا – قد تجد قائدا، ينجح ويُسجِّل نجاحات مُتصلة، أو بعض نجاحات في حياته. فإذا ما أدبر وتولى، جر أتباعه ذيول الخيبة في كل موقعة.

لا أتحدث عن نجاحات عسكرية، نجاحات بشكل عام؛ عسكرية وغير عسكرية. لماذا؟ هذا يعود إلى القائد نفسه. هذا القائد، رُغم ما سجله من نجاح في حياته، هو فاشل كقائد، أبدا! فاشل كقائد! عوامل الفشل تحتاج توضيحا، وربما – إن شاء الله – يضح وجهها، من خلال ما سنستعرضه بُعيد قليل، من عوامل نجاح رسول الله.

النجاح الوقتي، والنجاح البَعدي! النجاح حين كان، وحين تولى سعيدا حميدا، واصل أصحابه نجاحات مُذهِلة! ببساطة؛ لأنه عرف كيف يُربي، خلق قادة حقيقيين، ترك رجالا حقيقيين، ترك أمما! لم يترك رجالا.

أبو بكر كان أُمة وحده، عُمر أُمة، علي أُمة، فلان أُمة! أُمم! كل واحد منهم أُمة – رضيَ الله تعالي عنهم وأرضاهم -. وبناهم البناء الذي يُنتج النجاح في مُعظم الأحوال والشؤونات. هو هذا! هذا نجاح رسول الله، على فكرة!

هذا نجاح رسول الله! وإلا رسول الله حين ارتحل إلى الرفيق الأعلى، ترك دويلة صغيرة وبسيطة، وكان يُمكن أن توأد في مهدها! لم يحصل – بفضل الله تبارك وتعالى -، مع أن العرب تقريبا من عند آخرها، إلا قليلا، رمت هذه الدويلة الناشئة، في مهدها، عن قوس واحدة!

لكنها خرجت كالعنقاء، كسرتهم جميعا وأذلتهم، وتوسعت واستبحرت، ثم اتخذت من هذا النطاق، الواسع نسبيا، قاعدة انطلاق، لغزو العالم كله تقريبا! شيء مُذهِل! هذا الذي حصل، هذا الذي حصل!

لماذا؟ ما السبب الرئيس – أسباب كثيرة، لكن السبب الرئيس -، بعد الإيمان طبعا واليقين، والثقة بالله، والإيمان بالأقدار؟

لم يكونوا أُناسا يهابون الموت، كانوا يعلمون أنه ما من شيء يُمكن أن يُقرِّب أجلا، أو ينقص رزقا، يقين مُطلق عندهم. هذا جعلهم يُلقون بأنفسهم في أفواه الموت، دون أن يخافوا، يقين! هذه عقيدة القدر، التي حركتهم – رضوان الله عليهم -، لكن بعد ذلك، وراء ذلك، كما قلت لكم الرسول صاغهم – صاغهم، ولا أقول قولبهم، صاغهم – أحرارا، ورجالا. أخرج من كل واحد فيهم، أحسن ما فيه!

كل إنسان فينا عنده لياقات، على فكرة! انظر، المُربي الفاشل، هو الذي يجتهد أن يُخرِّج نُسخا، يحفظون ويُكرِّرون المفاهيم والأقوال والسلوكات. فاشل، فاشل! التربية في جوهرها استقلال، التربية هي منهج لصوغ شخصية مُستقلة، يُمكن أن تتركها، فتواصل المسيرة. هذه هي التربية! غير هذا، ليست تربية.

النبي أحسن مُرب عرفته البشرية، وهؤلاء أعظم رجال عرفتهم البشرية، باستثناء النبيين – عليهم الصلوات والتسليمات أجمعين -. ولذلك كان أكثر الناس مُشاورة لأصحابه، فيما يقول أبو هريرة – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -. ووقائع مشاوراته كثيرة جدا! في الدين، وفي السياسة، وفي العسكرية، وفي السلم، وفي الحرب! في كل شيء!

وكان لا يستنكف، ولا يستكبر، كان شخصية… ماذا أقول لكم؟ كما قلت مرة العظيم! كيف تعرف أن هذا شخص عظيم، وهذا شخص ليس عظيما؛ شخصا معياريا أو عاديا، أو قد يكون شخصا حتى مهزولا؟

بعض الناس قد يكون في موقع قيادة، على أنه شخص مهزول! والويل كل الويل، والفشل كل الفشل، لمَن دار في مداره! إنه يقمعك، بالطُرق الظاهرة وبالطُرق الباطنة، يُوحي إليك بالفشل دائما، يُوحي إليك بالصغار، يُوحي إليك بأنك العاجز، وبأنك لا تستطيع أن تُنتج، إلا العجز! لأنه صغير.

هو صغير، مُنطو على عُقد نقص، أو عُقد اضطهاد! يرى نفسه إلها صغيرا، أو ملاكا عظيما، أو شيئا… سُبحان الله! فلتة من فلتات القدر! هذه الشخصيات المُعقدة نكبة على أُمتها!

أما الشخص العظيم، هو الذي يُعطي كل فُرصة، لكل مَن عنده لياقة، أن يُخرِج أحسن ما فيه! وقد يُلفي كثيرين مِمَن حوله عظماء – سُبحان الله -! يُعطيهم هذه الفُرصة! هكذا كان رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه -! نعم، نعم! أخرج من هؤلاء، أبناء الصحراء، وحتى أبناء المُدن السُذج البُسطاء، قادة عظاما!

معقول عُمر، إن صحت قصة العجوة، على أنها تصح مع جاهلي العرب عموما، معقول أن هذا الرجل بعد أقل من ثلاثين سنة – أيها الإخوة -، بالعكس؛ بعد عشرين سنة، بعد عشرين سنة! يحكم نصف العالم تقريبا؟ معقول؟ أو ثُلث العالم! وأحسن طريقة!

حتى أن مايكل هارت Michael Hart، في كتابه الذي شرَّق وغرَّب؛ العظماء، أو الخالدون، مائة، أعظمهم محمد، ذكر عُمر بن الخطاب منهم! في تاريخ البشرية كلها، عُمر واحد من مئة! من الأعظم، في تاريخ البشر! الهند والصين، ثم النُطق الأُخرى، واحد من مئة!

لماذا؟ طبعا! ابن الصحراء البسيط هذا، أو ابن مكة البسيط الساذج، أن يحكم ثُلث العالم بهذه الطريقة، غير معقول! ما الذي يحدث؟ فهمتم؟ حتما لم يكونوا يفهمون الدين، ولا يصدرون عن منطق كالذي نصدر عنه اليوم.

نحن اليوم أصغر بكثير من أن نفهم ديننا حقا، والله العظيم! نحن صغار للغاية، صغار كالنمال، لم نقترب حتى من أن نفهم عظمة الإسلام حقا، للأسف الشديد. نُعيد إنتاج فهم للإسلام، فقط يُعبِّر عن حاجات ضيقة، وعن أهداف صغيرة، جد صغيرة! ونبقى صغارا، للأسف الشديد! هذا هو، هذا هو! نبقى صغارا! هم لم يكونوا كذلك – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم -.

النبي لم يكن يستنكف أن يستشير، حتى في القضايا شديدة الخصوصية والحراجة، شباب الصحابة! دون العشرين! في حادثة الإفك، استشار أُسامة بن زيد، معقول؟ استشاره! ماذا ترى أنت؟ ماذا تُشير علي؟ في حادثة الإفك استشار عليا! علي بن أبي طالب – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، وكان شابا لا يزال! استشار! كان يستشير، حتى الشباب الصغار، الذين لهم عقل ورزانة وفهم، واضح؟

في شؤون الدين كان يفسح المجال، كما لاحظ العلّامة الإمام النووي – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، حتى في الاعتقاد، في أصول العقيدة! هذه مسائل عقدية.

أم بشِّر – رضوان الله عليها -، فيما روى الإمام مُسلم في صحيحه، تقول سمعت رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، وهو عند حفصة. حفصة أم المؤمنين، بنت عُمر بن الخطاب – رضيَ الله تعالى عنهما -، أم المؤمنين! وهو عند حفصة، يقول لا يدخل النار – إن شاء الله تعالى – أحدٌ من أصحاب الشجرة، الذين بايعوا تحتها.

قال العلماء قوله إن شاء الله تبركا، لا تعليقا. هذا وعد من عند الله، خبر السماء، الله أخبره؛ هؤلاء، أصحابك – ونزل فيهم قرآن، في سورة الفتح -، هؤلاء مرضيون، رَضِيَ ٱللَّهُ * عنهم، لن يدخل أحدٌ منهم النار.

فقالت حفصة يا رسول الله بلى! بعضهم سيدخل النار. فانتهرها النبي! كيف تقولين هذا؟ قالت أليس قال الله تعالى وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا *. الله! أنا هنا سأشرح قبل أن أُكمل. طبعا النبي أجابها، قال لها أليس قال الله – عز وجل – ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *.

قبل أن نشرح المقصود بالآية وكذا، موضع الشاهد ما هو – أيها الإخوة -؟ موضع الدرس هنا الذي نتعلمه، هو أن حفصة – رضوان الله عليها، وهي زوجه، أم المؤمنين -، هكذا رباها النبي، هكذا علمها! أنها لا تقبل شيئا، حتى لو أتى على لسان زوجها؛ رسول الله، حتى تستفصل وتفهم.

أنت تقول الآن لن يدخل أحدٌ منهم النار! الله يقول وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ *! لم يستثن أحدا! إذن لا بُد أن يردوا عليها. لا أن نُسلِّم! نحن اليوم، على فكرة، وجه من وجوه ضعفنا، وصغارنا العقلي: تتساكن وتتعايش النقائض في عقولنا! نقبل الشيء وضده، بل نقبل الشيء بضده! لذلك حتى ليس لدينا إنصاف.

نحن لا نُنصِف، على فكرة! لا نُنصِف. يرى أحدنا القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عين نفسه! هكذا! ويرى أنه مُنحاز للحق! شخصيات مُتناقِضة! لا، أيام رسول الله، إذا شيء، حتى على لسان رسول الله، لم تفهمه، لم تستوعبه، فقل. فقالت! فالنبي أجابها.

على كل حال، هذه الآيات الكريمة من سورة مريم، عرضتها مرة أنا ورجَّحت فيها تفسير الشيخ الإمام الطاهر بن عاشور – رضوان الله عليه -.

وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ *: ليس خطابا للمؤمنين. وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ *: خطاب للكفار المُشرِكين، الذين سينزع الله مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا *، ثم قال وَإِن مِّنكُمْ *، يُحدِّث هؤلاء المُنتزعين، إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا *.

ولذلك قرأ ابن عباس، وهي قراءة عكرمة مولاه، وجماعة: وإن (منهم) إلا واردها، وهذا الصحيح! وهذا أسلوب بليغ، في كتاب الله! عودوا إلى التحرير والتنوير؛ لكي تفهموا سياق الآيات. هذه الآيات ليست في المؤمنين، ليست في المؤمنين! هي في المُشركين.

أما قوله ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا*، هذه ثُمَّ *، تُشير وتؤشِّر إلى ماذا – أيها الإخوة -؟ تُشير وتؤشِّر إلى معنى في الفضل والرُتبة، في الفضل والرُتبة! المؤمنون لهم مقام آخر. كما نقول مثلا، أو كما تقول – تُريد أن تُغيظ أحدا وتُحنقه، من أعدائك أو أخصامك – أنت لك مني كذا وكذا وكذا وكذا، ثم إن فلانا له مني كذا وكذا وكذا. هذا هو المقصود، هذا هو المقصود!

على كل حال، من وقائع مشاورته – عليه الصلاة وأفضل السلام – أُحد! فاستشار أصحابه، وكان من رأيه، أن يعتصم بمَن معه في المدينة. بلا شك، نكون في بيتنا ودارنا، مُتحصنين! ونعرف كل شيء! مخارجها، موالجها، مداخلها.

لكن جماعة من الصحابة، ومُعظمهم من شباب/ شبان، الصحابة، الذين تخلفوا عن بدر، حميت صدورهم، وأحبوا أن يُظهِروا لله ولرسوله، شجاعتهم وإقدامهم وبسالتهم، فقالوا بل نخرج إليهم يا رسول الله. لا ننتظرهم، حتى يأتوا ويدهمونا في مدينتنا، بل نخرج إليهم، ونُلاقيهم، وبإذن الله ننتصر.

فلما رأى النبي عددهم، عددا كبيرا، أرادوا هذا، نزل على رأيهم، وهو يعلم أن الخيرة فيما ارتاح إليه هو. ودخل داره، أو منزله؛ لكي يأخذ لأمته، أي عُدة الحرب، يتدرَّع ويضع على رأسه المغفر وهكذا!

فقالوا – كأنهم تلاوموا! تلاوموا وقالوا – النبي أراد شيئا، ونحن أردنا شيئا آخر، غير ما أراد النبي! فلو ذهبت يا حمزة – وحمزة سيُستشهد في هذه المعركة، عليه السلام، ورضيَ الله عنه وأرضاه -، فقلت لرسول الله، أمرنا لأمرك تبع. نحن نعتذر، نحن غلطنا.

فدخل حمزة، وقد أخذ النبي – أي لبس – لأمته؛ عُدة الحرب، قال يا رسول الله إن القوم تلاوموا، وقالوا أراد رسول الله أمرا، وأردنا أمرا! فيا رسول الله، أمرنا لأمرك تبع. نحن نصدر عن رأيك الآن. قال ما كان لنبي، أو قال لرسول، إذا لبس لأمته، أن يضعها، حتى يُقاتِل.

هناك سُنن روحية عجيبة! النبي يفهمها، نحن لا نفهمها! لماذا؟ النبي بالذات! انتهى. النبي إذا أخذ عُدة الحرب، ممنوع أن يعود. هذه أشياء تعز على الفهم الآن، لا نعرف! هذا عالم النبوة طبعا.

وخرج النبي، وكانت الهزيمة، وتعلمون ما الذي حدث في أُحد. ليس هذا الدرس، لا، لا، لا! الدرس يأتي بعد الآن، في هذه السورة الجليلة:

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ *، تُريدون أعظم من هذا الليان؟ نبي، رسول، خاتم، ورئيس الدولة، سياسة وعسكرة، وينزل على آراء أصحابه، ينزل! عجيب! ليان عجيب! مُراعاة عجيبة!

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ *، الدرس: وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ *. لا إله إلا الله! وما زال أيضا شَاوِرۡهُمۡ *؟ قال لك شَاوِرۡهُمۡ *. َشَاوِرۡهُمۡ *! هذه المرة لم تنفع، هذه المرة النتيجة كانت سيئة، لكن في عشر مرار أُخر، في مئة مرة، ستكون النتيجة أفضل بكثير! نعم، نعم! أكيد!

قد يصدر القائد عن رأي المجموعة، عن رأي الأغلبية، وتأتي النتيجة ليس على المُتوقع المأمول، لكن هذا يأتي نزورا وندورا، والنادر لا حُكم له، لكن:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به       رُغم الخلاف، ورأي الفرد يُشقيها

ورأي الفرد، إن أفلح مرة وأنجح، فإنه يُفشِل ويُعجِز – أيها الإخوة -، عشر مرار، ومئة مرة، وربما دهرا من الزمان، كالذي شهده المُسلمون في أزمان كثيرة. درس من أبلغ الدروس! درس من أبلغ الدروس!

في الحُديبية، في السنة السادسة من الهجرة، كان الصُلح، كما تعلمون، ولم يتمكن رسول الله، ومعه مَن معه من أصحابه، وقد ساقوا الهدي، أن يأتوا مكة، ويُنجزوا عبادتهم، لم يتمكنوا! فغاظهم ذلك جدا، ثم إن الشروط في الحُديبية كانت مُجحفة. تعلمون شروط الحُديبية!  

الآن النبي، وقد منعته وأصحابه قريش أن يأتي البيت، أصبح مُحصرا! هذا مُحصر – عليه الصلاة وأفضل السلام -. لا بُد أن يتحلل، ويذبح الهدي، وينتهي! يذبح الهدي، ويتحلل، ويعود. فأراد أن يفعل هذا، الصحابة لم يطيعوه!

شخصيات حُرة! لم يكونوا عبيدا، لم يكونوا روبوتات! لم يقم أحد منهم، فالنبي خشي عليهم الهلاك، عجيب! تمرد، حالة تمرد! فدخل حزينا، وفي نفسه موجدة، على أم سلمة – رضوان الله عليها -، أم المؤمنين!

هذه امرأة كانت تامة العقل! معروفة أم سلمة، تامة العقل – عليها السلام -! قالت يا رسول الله اعذرهم، فإنك تحملت من أمر الصُلح أمرا عظيما، وقد حيل بينهم وبين البيت، فهم مكروبون. أرى يا رسول الله أن تخرج إليهم، ولا تُكلم أحدا منهم، تعمد إلى ما أردت.

أنت تُريد النحر، تنحر أنت هديك. فإن هم رأوك فعلت ذلك، لم يسعهم إلا أن يفعلوا. امرأة عجيبة! امرأة لكن تامة العقل. أمة محمد لا تحفظ إلا ناقصات عقل ودين! دائما، ما شاء الله علينا! وتجد الذي يقول هذا قد يكون أُميا، لا يفك الخط، ويتحدث عن بروفيسورة في الجامعة: أليست امرأة؟ ناقصات عقل ودين! عرفنا مَن الناقص عقلا، ومَن الناقص دينا، عرفنا! واضح جدا، واضح!

على فكرة، هذه الطريقة في استدعاء النصوص، بمثل هذا الاستخفاف، من البلاء الذي مس الأمة اليوم! على فكرة، تجد الحالية والعاطلة، ومَن يعرف ومَن لا يعرف شيئا، مَن يعرف ومَن يهرف، يستدعون النصوص: الرويبضة، الرويبضة!

ولا يُوجد رويبضة، إلا أمثال هؤلاء بالذات، شيء عجيب! مرض عجيب! والجهلة الآخرون يُصدِّقون، يُصدِّقون! إذا سُب عالم كبير، قد يكون شيخا من شيوخ الإسلام، قد يكون شيخ الأزهر، مثل الشيخ شلتوت، إذا سُب بأمثال هذه العبارات، الذين أيضا يهرفون بما لا يعرفون، ولا يعرفون ما يسمعون، ولا يُميزون بين ما يسمعون، يُصدِّقون! يقولون لك نعم والله، كان من أعداء الإسلام، كان عالم سُلطان شلتوت. شيء عجيب! من البلاء الذي أُصيبنا به اليوم، هذا جُزء من البلاء.

والحل على فكرة، لو صدقنا، الحل في كتاب الله: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ *. لا تتشبع بما لم تُعط. إياك أن تجعل نفسا عالما، ولست بعالم! إياك أن تقضي بين العلماء، وأنت لا تعرف مبادئ العلم! احترم نفسك، واتق الله. وأنت مسؤول عن كل ما تفوه به.

لكن الأمة الآن لا تلوي على شيء، الكل يُحب أن يتكلم! الكل يُحب أن يكون له رأي، علمونا الرأي والرأي الآخر، ودمرونا ودمروا بلادنا، بالرأي الآخر! ولم نفهم لُعبة الرأي الآخر، إلى اليوم!

لم نفهم لُعبة الرأي الآخر، هذه لُعبة! نحن مع كل الحريات، مع تعزيز كل الحريات، لكن هذه لُعبة، ضُحك علينا؛ لأنه لا رأي لنا حقيقيا. ماذا لو كان لنا رأي حقيقي وفهم؟

والله من على هذا المنبر، قبل زُهاء عشرين سنة، لا أزال أذكر هذا جيدا، كنت أقول انتبهوا، هذه المنطقة، من بلاد الله، وهي العالم الإسلامي، وبالذات العالم العربي، هذه محل وموضع وموضوع، لخُطة جهنمية مُعلنة، من الستينيات! تُعرف باسم خُطة الأيدي النظيفة؛ الـ Clean hands.

وهي الخُطة التي وضعها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق إدوارد هيث Edward Heath، وهذه الخُطة استُحيت، وأنا علقت عليها، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. بعد أن غزا بوش الابن Bush Jr العالم الإسلامي، وفعل الأفاعيل – أيها الإخوة -، وحصل ما حصل، استدعيت أنا هذه الخُطة.

لماذا؟ لأن إدوارد هيث Edward Heath نفسه قال، قال أمريكا اليوم ترتكب حماقة كبيرة! معنى كلامه أنها ستُثير علينا العالم الإسلامي، ستُعيدنا إلى الصراعات المُرة مع العالم الإسلامي، وسنخسر، مصالحنا في بلادهم. قال على بوش Bush وعلى أمريكا والغرب، أن يستحيي خُطتي، التي وضعتها عام ألف وتسعمائة وواحد وستين، بعد الحرب العالمية بزُهاء خمس عشرة سنة.

قال خُطة الأيدي النظيفة! ما هي؟ تنسحب القوات الغربية، من بلاد المُسلمين، من بلاد العرب والمُسلمين، وتتركهم – انتبهوا، عودوا واقرأوا هذا بالإنجليزي وبالعربي -، وتتركهم لصراعات نُزكيها.

نحن الغربيين نُزكي هذه الصراعات! صراعات طائفية وإثنية وعرقية، مذهبية، دينية؛ هذا شيعي، هذا سُني، هذا كُردي، هذا عربي، هذا كذا، هذا كذا! واذبح! وما شاء الله، خُطة خب فيها وأوضع المشايخ والعلماء، من كل الأفراق، شيعة وسُنة.

ودائما كنا ضد هذا الخط، وما زلنا نُلعن؛ لأننا ضد هذا الخط! (صح النوم) يا أمة محمد، (صح النوم) يا أمة السياسة والفهم والمناهج! قال لك يفهمون في السياسة هم، وعندهم مناهج! دمرتمونا، ودمرتم بلادنا، ودمرتم كل شيء، واشتغلتم بأمانة عجيبة للمُستعمرين! وإلى الآن ما زلتم لا تفهمون، ولن تفهموا، إلا أن يشاء الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل!

خُطة مُشابهة فيما سُميَ بالحريق العربي. أنا أُسميه الحريق العربي. حتى الآن يدّعون أنهم لا يفهمون! ولن تفهموا، إلا أن يشاء الله. اتقوا الله في أنفسكم. سُبحان الله! صار فينا مثلٌ من الذين قال الله فيهم فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *.

تعرفون لماذا؟ لأنني وجدت أُناسا يُغرِّدون، على أساس هؤلاء أصحاب فكر وأصحاب رأي! ليس لهم علاقة بالفكر، على فكرة! ليس لهم علاقة بصناعة الفكر! أصحاب رأي، ورأي – بين قوسين – (خوّان أثيم). هذا الرأي المدفوع! يقول لك لا بأس أن يهلك مليون، ومليونان؛ ليعيش البقية!

طبعا المليون، والمليونان، ليسوا إخوته، وليسوا أهله، وليسوا أبناءه. هو يتمرأ بكم، يتمرأ بأهل البلد الفلانية العلانية، التي ليست بلده، يُريد أن يُحطِّمها، وقد فعل! ساهم في تحطيمها! يُريد أن يُدمِّرها، أن يُغرِقها في بحور وأنهار الدماء، وقد فعل! ولم يعتذر، وما زال يُغرِّد، ويتكلم بلُغة الملايين؛ ليمت الملايين! حسبنا الله ونعم الوكيل. ونحن أبناء دين، يهتم بالفرد الواحد، مهما كان!

يا جماعة، نحن أبناء دين، والله العظيم، العصفور حياته لها قيمة فيه! لماذا قلت لكم نحن ما فهمنا ديننا؟ ندّعي أننا فهمناه. ما فهمنا ديننا! البعض يصدر عن عصبية، عن غضب، عن حالة غضب، عن حالة حنق! وكلنا لدينا مصادر للغضب، أشياء كثيرة لا تُرضينا! لكن هذا ينبغي ألا يُفقِدنا حلمنا وعقلنا، أليس كذلك؟

ينبغي ألا يُفقِدنا فُرصة أن نستفيد من دروس المؤامرات، التي نُفِّذت – كما أقول دائما – كسكين في زبدة! متى نستفيد؟ متى نستيقظ؟ متى نرجع؟ طريق خاطئة، سلكنا فيها! نضع نُقطة، ثم نعود، ما العيب؟ لا! نُريد أن نُكمل عنادا! تعرفون لماذا؟

لأننا خسرنا ما خسرنا، الآن الخسارة مُنتظرة للآخرين؛ ليخسر الآخرون! تماما كما أشعر دائما، بل لست أشعر، هذا يُصرِّح به هؤلاء المجانين الخوّانون، هؤلاء خونة! يُصرِّحون بأنهم يتمنون أن يحصل في البلد الفلاني، ولنكن صريحين، مثلا في مصر، قلب العروبة والإسلام، أن يحصل فيها ما حصل في سوريا والعراق، ويدعون، ويستبشرون بذلك! حينئذ ستشفي غيظك؟ أن يموت مزيد من المُسلمين، مزيد من أهل الله! تُريد هذا؟ يُريد هذا! حسبنا الله ونعم الوكيل.

لكن؛ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ *. نسأل الله تبارك وتعالى أن يُفسد كل عمل فاسد، وأن يُخيّب فأل كل خوّان أثيم. كما قلت لكم هذا دين يحرص على حياة هرة، على حياة كلب – أعزكم الله -، على حياة عصفور.

ما من عصفور، إلا وله قيمة. النبي يقول العصفور يأتي يوم القيامة، يعج إلى الله تبارك وتعالى بدمه العبيط – عصفور، عصفور! ليس بشرا -، يقول يا رب سل فلانا فيم قتلني؟ لم يقتلني لمأكلة! يصيدني هكذا! اليوم البشر يُصادون!

وعن أبي هُريرة، في صحيح مُسلم، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا -، قال ليأتين على الناس – لم يقل حتى على أمتي، وهو يُريد أمته، أشفق منها! ليأتين على الناس – يومٌ، لا يدري القاتل في أي شيء قتل – لماذا تقتل أنت؟ يقول لك أتلقى أوامر! هناك أوامر، هناك حرب دائرة، هناك فتنة -، ولا يدري المقتول في أي شيء قُتل.

قال الصحابة كيف يا رسول الله؟ قالوا نحن لا نفهم! كيف يا رسول الله؟ قال الهرج. الهرج! ونحن الآن في الهرج. ما هو الهرج؟ الفتنة! اختلاط الأمور، اختلاط الآراء! اختلاط الأمور واختلاط الآراء!

ونرى جانبا من الصورة، ولا نرى الجوانب كلها. لا نرى جوانب التعاون مع المُستعمرين، التعاون! والاتفاقات التي خرجت بها الوثائق؛ وثائق المُستعمر نفسه، هذا إن كنا نقرأ، إن كانت أمة تقرأ. لا نقرأ ولا نفهم! الوثائق موجودة، وبأرقامها، وعلى ماذا تم الاتفاق.

وفي نهاية المطاف، معروف ما الذي يُريده المُستعمر! يُريد لك ديمقراطية؟ قسما بالله أنت واهم. يُريد لك حرية؟ بعزة الله أنت مُشتبِه. يُريد أن يُدمِّرك، يُريد أن يُمزِّقك، يا حبيبي، يا أخي، ويا أختي، افهم! افهم واتق الله في دينك وفي أمتك.

ولذلك، انتبهوا، أكثر من مرة، فيما ينبغي. انظر، هذا الذي ينبغي أن نتربى عليه، وأن نُربي أبناءنا عليه، أولادنا، بناتنا، عليه! ما هو؟ كما قلت لكم هذا الدين لا يُوجد أعظم منه في هذه الأبواب! لذلك هو دين أبي بكر وعُمر وعلي، وهؤلاء! الذي فتح العالم في تسعين سنة! دين عظيم، دين رجال أحرار.

هذا الدين يقول لك إن عطلت عقلك، وأجرته لغيرك، حتى إن كان قائدك أو سيدك، دخلت النار. لا إله إلا الله! نعم، ستدخل النار. لن يشفع لك أنك أخذت بالعمومات.

لا بُد أن أكون واضحا، ما هي العمومات؟ العمومات تقول أنا عبد مأمور، أنا جندي! أنا جندي أتلقى الأوامر. أليس كذلك؟ أتتني الأوامر بذبح الأبرياء، ذبح النساء، ذبح الركّع السجّد، فعلت! عبد مأمور! النبي أمرني أن أطيع الأمير، وقال مَن أطاع أميره، فقد أطاعني، ومَن أطاعني، فقد أطاع الله. أليس كذلك؟

لكن النبي نفسه – عليه الصلاة وأفضل السلام – علّمك: لا طاعة في معصية الله. إنما الطاعة في المعروف. ألم تقرأ حديث البُخاري ومُسلم، وطبعا رواه الترمذي والنسائي، حديث البُخاري ومُسلم في الصحيحين، عن الإمام علي – كرّم الله وجهه -، قال بعث رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – سرية، وأمّر عليها رجلا، وأمرهم أن يُطيعوه.

طبيعي! الأمير لا بُد أن يُطاع، له الطاعة، حق الطاعة! لكن ضمن ماذا؟ ضمن القاعدة المرعية المُتبعة؛ إنما الطاعة في المعروف. الطاعة ليست في المعصية، الطاعة لا تُبيح توقيف العقل، ولا تأجير العقل، ولا توقيف العقل.

على كل حال، حسنا، يقول الإمام علي فغضب. يبدو أن أحدهم أغضبه، فغضب! فقال لهم اجمعوا حطبا. فجمعوا. قال أوقدوا عليه النار. أي اشعلوه نارا، فأوقدوا فيه النار. قال ادخلوها. فهم بعضهم أن يدخلها! صحابة، وتعلموا أن يسمعوا كلام رسول الله، لكن هؤلاء الصحابة ليسوا من الذين فهموا الإسلام في عُمقه، ربما تأخر حتى إسلامهم.

وجعل بعضهم يُمسِك بعضا. لا، لا، لا تتدخل، لا تتدخل! يُمسِك بعضا. البعض يُريد أن يدخل، والبعض يُمسِكه. حتى خمدت! طفئت النار – بحمد الله -، وهدأ غضب الرجل؛ الأمير! انفثأت حدة غضبه.

فلما علم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بما وقع، قال – اسمعوا هذا جيدا، علِّموا أبناءكم هذا – والذي نفسي بيده، لو دخلوها، لم يخرجوا منها، إلى يوم القيامة.

يا رسول الله، ألست الذي أمرتنا أن نُطيع الأمير؟ قال إنما الطاعة في المعروف. لا طاعة في معصية الله. يأتيك: اذهب، فجِّر المسجد. لا أُفجِّر المسجد، وBye bye للجماعة والحزب والتنظيم، في ستين داهية.

اذهب، اقتل هذا. أقتل ماذا؟ أقتل ماذا؟ عالم على منبره، رجل حافظ لكتاب الله. اقتل؛ لأنه ضدنا. هذا لا يحمل سلاحا، كيف يُقتل؟ مُسلم مُوحِّد! قال لك اقتل. لا أقتل، وفي ستين داهية التنظيم. حتى لو قُتلت، تُقتل شهيدا. لا! يقتلون، ويذبحون! ليس عندهم مُشكلة! ولذلك هؤلاء الآن هكذا.

وربما أُتم الخُطبة الأولى بحديث، من أجمل الأحاديث! واقتبسته أيضا، مرات على هذا المنبر. أسأل الله أن يُعينني على تذكره بطوله. وسأذكره بطوله؛ لأن فيه فوائد. حديث عظيم! وموضع الشاهد منه – والله – من أعظم ما يكون! لا يقل عظمة عن حديث الشيخين.

وهو حديث أخرجه الإمام مُسلم في صحيحه، من حديث عياض بن حمار المُجاشعي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، قال قام رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – مرة فينا خطيبا – بمعنى خطب الرسول فيهم مرة -.

فقال في خُطبته إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أُعلِّمكم مما علَّمني يومي هذا. قال يُوجد عندي علوم، فتوح إلهية، أرزاق غيبية، أنا مأمور أن أُعلِّمكم. هيا يا رسول الله، يا أحسن المُعلِّمين، يا أفضل المُربين، يا أعظم الهُداة المُهتدين – صلوات ربي وتسليماته عليه -.

تتحدَّثون عن السُنة والمُتابعة؟ هذه السُنة والمُتابعة! أن تفقه حقيقة عُمق دينه، عُمق سُنته، عُمق تعاليمه.

قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – كل مال نحلته عبدا، فهو حلال. أي حلال له. الله يقول عز وجل! علّم النبي هذا، والنبي يُعلِّمنا. كل مال نحلته عبدا، فهو له حلال.

ثانيا؛ وإني خلقت عبادي حُنفاء كلهم. على الفطرة! كل مولود، يُولد على الفطرة. فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ *. وإني خلقت عبادي حُنفاء كلهم. ثم إن الشياطين اجتالتهم عن دينهم.

ما معنى اجتالتهم؟ اختدعتهم. اجتال الرجل الشيء: ذهب به. اجتال المال: أخذه وذهب به. بمعنى خدعتهم عن دينهم، حتى ذهبوا معها؛ مع الشياطين. صارت مسالكهم مسالك شيطانية! ممشاه ومسعاه، في مصبحه وممساه، كلها ماذا؟ شيطانية! هذا معنى اجتالتهم، تعبير عجيب!

ثم إن الشياطين اجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يُشرِكوا بي. وإن الله نظر الله إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم… الله! بمعنى تأتي أحوال كهذه على البشرية، في لحظات مُعينة. اللهم لا تجعلنا في مثل هذه الحالة. نحن الآن على أعتاب حرب عالمية، أليس كذلك؟ أنت ترى هكذا! على أعتاب حرب عالمية.

ظل المُسلمون عبر مئة سنة: بعون الله أُستاذية العالم، بعون الله العالمية الإسلامية الثانية، بعون الله نهدي العالم، نقود العالم! لم أقتنع بهذا يوما. تقود العالم بماذا؟ أنت لا تستطيع أن تقود مسجدا، أنت لا تستطيع أن تُدير خلافك مع أخيك في الله عز وجل! خلاف بسيط! انتهاك أعراض، وانتهاك ذمم وعصم ودماء! وتُريد أُستاذية؟ على ماذا؟ طوال عمري ما اقتنعت بهذا، وكنت أعلم – والله العظيم – أننا من بوار إلى بوار، حتى نُراجع أمر ربنا.

قال لك تنتهي القوى الغربية! لا، يا حبيبي. يبدو أن العالم الآن، كل العالم، على وشك الانتهاء، ونحن الأوضع والأذل في هذا العالم. ليس عندنا ذري، ولا نووي، ولا هيدروجيني، ليس عندنا شيء!

نحن سوف نكون محرقة، لا قدر الله، ونسأل الله أن يرفع البلاء هذا عن البشرية جمعاء، اللهم آمين، لكن هناك مكر رهيب، وهناك جنون مُنفلت الآن، هناك شيء أشبه بالجنون يُحيط بنا، الإنسان غير مُتفائل!

أرأيت كيف؟ على كل حال، حسنا، وأمرتهم أن يُشرِكوا بي. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم – كرههم أشد الكره! الله كره البشرية – عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. مَن هم هؤلاء؟ الرُهبان، العُبّاد، المُنقطعين عن فساد الأرض، عن هيمان وسدور أهل الأرض، يبتغون رضوان الله وحُسن جزائه، لا إله إلا هو!

ولذلك، على فكرة، في هذا المعنى، في صحيح مُسلم أيضا، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – عبادة، أو العبادة، في الهرج، كهجرة إلي. حينما يكون هرج وفتن، اعتزل، وكُن في بيتك، واشتغل بالعبادة والذكر، أحسن لك، أحسن لك! لأنه لن ينفع! ستكون إما قاتلا، وإما مقتولا. كُن كذلك، اشتغل بالعبادة؛ لكي تكون مِمَن لم يمقتهم الله. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم – كرههم أشد الكُره – عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.

وبعد ذلك؟ وإن الله تبارك وتعالى قال لي بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك. يقول لمحمد – صلوات ربي وتسليماته على محمد وآله – بعثتك لأبتليك؛ أنت ستُبتلى أيضا، ونرى كيف تقوم بحق الله؟ تقوم بحق الرسالة وافيا تاما كاملا، أم تُقصِّر – وحاشاه -؟ وهو النبي! داخل في امتحان!

نحن اليوم لسنا داخلين في امتحان! لماذا؟ لأننا أتباع محمد! بعض الناس، ليس لأنه من أتباع محمد، لأنه من أتباع الجماعة الفلانية، هو ليس داخلا في امتحان، هو على حق مُطلق، وأموره مُمتازة! جنون، حالة عُجب وغرور رهيبة!

النبي نفسه خاضع للابتلاء، ما رأيكم؟ اللهم علِّمنا ديننا، يا رب! اللهم أقدرنا على أن يكون لدينا بعض الصدق والإخلاص؛ حتى نفهم هذا الدين، ونعمل بما يُرضيك. نقِّنا من العُجب والغرور والانتفاخ.

قال له لأبتليك، وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا، لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان. تقرأه نائما ويقظان! طبعا ممنوعة من الصرف يقظان، تقرأه نائما ويقظان. لماذا لا يغسله الماء؟ لأنه محفوظ في الصدور، وليس في السطور، وهيأ الله له الحملة. ولذلك الله تكفَّل بحفظه، لا إله إلا هو!

وإن الله تبارك وتعالى أمرني أن أُحرِّق قريشا، فقلت يا رب، إذن يثلغوا رأسي. يشدخوه! إذن يثلغوا رأسي، فيدعوه خُبزا! قال استخرجهم، كما أخرجوك. واغزهم، نُغزك – وفي رواية نُعنك -. وابعث جيشا، نبعث خمسا مثله. وأنفق، فسيُنفق عليك. وقاتل بمَن أطاعك مَن عصاك. الله!

قال له هذا هو! هذه دورتك يا حبيبنا، هذه دورتك وهذه مُهمتك. حسنا! ثم قال الآتي، حديث عجيب! حين تسمع الأحاديث، تشعر – سُبحان الله – ببعض الأحاديث، وتقول فعلا هذه عليها مسحة النبوة، طلاوة النبوة!

ثم قال وأهل الجنة ثلاثة. اللهم اجعلنا منهم. سيختم الحديث بذكر أهل الجنة، اللهم اجعلنا منهم، وذكر أهل النار، اللهم حاشنا عنهم، وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين السماء والأرض، يا رب العالمين.

وأهل الجنة ثلاثة؛ ذو سُلطان مُقسِط، مُتصدِّق، مُوفَّق. رجل الله أعطاه سُلطانا، أي سُلطان، مهما كان! عظم أو ضؤل، فهو مُقسِط، وليس قاسطا! القاسط هو الظالم، المُقسِط هو ذا الذي رفع القسط، أي رفع الظُلم، من أقسط! لكن قسط: ظلم، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا *، قسط: ظلم. أقسط: رفع القسط. فهو إذن عادل!

حسنا، قال ذو سُلطان مُقسِط، مُتصدِّق، مُوفَّق. هذا من أهل الجنة، هنيئا لمَن كان علي هذا الوصف. اثنان: ورجل رحيم، رقيق القلب، على كل ذي قُربى ومُسلم. لا إله إلا الله! الرحمة؟ قال لك الرحمة. النبي ذكر ثلاثة أصناف، ثلاثة أصناف في هذا السياق، الصنف الثاني الرحمة! الذين ينطوون على رقة ورحمة، على كل ذي قُربى ومُسلم. عندهم رحمة، من أهل الجنة. اللهم اجعلنا منهم.

وأخيرا: عفيفٌ، مُتعفِّف، ذو عيال. رجل عنده عيال، مُعيل، بمعنى وضعه المادي (مش ولا بُد) كما نقول، لكنه عفيف، مُتعفِّف. هذا دين العزة والكرامة، يُحِب الأعفاء، المُتعفِّفين. يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ *.

إذن هؤلاء أهل الجنة. اللهم اجعلنا منهم.

وأهل النار خمسة. الشاهد في أولهم، أنا إنما أتيت بهذا الحديث المُبارك الطويل، من أجله. ولو لم يكن في الخُطبة – والله – كلها، إلا أننا سمعناه، والله يكفي، مع الآيات، والله يكفي! يكفي أن أُسرده، ثم أنزل، أُصلي بكم، هذا يكفي، خُطبة مُمتازة! حديث رسول الله هذا، حديث عظيم! وكله حكمة ونور وهُدى، وعليه من أنوار النبوة ما لا يخفى على ذي بصر.

قال وأهل النار خمسة. أولهم: الضعيف – رجل (غلبان) مسكين ضعيف – الذي لا زبر له. ضعيف! الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا، لا يَتْبعون، أو لا يَتَّبعون، أو لا يَبْتغون – ثلاثة وجوه للمُحدِّثين في ضبطها: لا يَتْبعون، لا يَتَّبعون (التخفيف، التشديد)، لا يَبْتغون – مالا ولا ولدا.

هذا مُذهل! هذا مُذهل! هذا صدمني، هذا! هذا الجُزء من الحديث صدمني قبل سنوات، شرحته أكثر من مرة! عمَن يتحدَّث مولانا وسيدنا – عليه الصلاة وأفضل السلام -؟ يتحدَّث عن الآن الذين هم وقود المعارك، ووقود الإرهاب.

أُناس بُسطاء مساكين (غلابة)، يُريدون الجنة، يُريدون الحور العين، يُريدون رضاء الله، لكنهم أدوات! مثل سكينة، مثل سوط، مثل قنبلة، تُفجِّرها أين شئت! تقول له فجِّر نفسك. يُفجِّر نفسه! اذبح. يذبح! اقتل. يقتل! النبي قال هؤلاء أهل النار. أول واحد من أهل النار هم هؤلاء. الله!

كما قلت لكم الصلة بيننا وبين عمر وأبي بكر وهؤلاء جد واهية، كانوا رجالا بعقول تامة. نحن اليوم حظنا من العقل قليل جدا، منزور يا إخواني! اجتيفت عقولنا ووعينا! قال ماذا؟ لأنه قال الله، قال الرسول، قال ابن تيمية، هيا! اذبح، على المذبحة، على القتل!

والله لو تقرأون تنظيرات هؤلاء الإرهابيين والقتلة، أُقسِم بالله تقشعر منها الأبدان؛ لأنها في غاية الغباء والبلادة! ثم يُقال لك مُفكِّر ومُنظِّر! غباء، بالله العظيم، وأنا أعرف ماذا أقول، غباء، علميا غباء!

النبي قال رقم واحد من أهل النار هم هؤلاء. الشخص الأداة، الشخص الأداة! الشخص الروبوت، الذي فقط يتلقى الأمر، ثم يُنفِّذ. النبي قال أهل النار، ورقم واحد هؤلاء.

الضعيف الذي لا زبر له. ما معنى لا زبر له؟ أي لا عقل يزبره. ما معنى يزبره؟ يردعه. ليس عنده عقل يردعه، عن الغلط والحرام والعيب، حتى وإذا قيل له. وعلى فكرة، ولا يُريد! لا يُريد ماذا؟ لا يسأل عن مال، ولا يسأل عن أهل!

هو فقط يُريد أن يُلبي التوقعات منه! أنا مُجاهِد، أنا مُقاتِل، أنا شُجاع، أنا أُدافِع عن ديني، هلم، هيا، حوِّلوني إلى قنبلة، حوِّلوني إلي لعنة! لا تُوجد مُشكلة عنده. النبي قال له مرحبا، في جهنم، من أقصر طريق.

واجعل مشايخك هؤلاء، الذين الله أعلم ما هم ومَن وراءهم، اجعلهم ينفعونك عند الله. لن ينفعك! إياك أن تظن أنهم سيشفعون فيك! هذا الدين، كما قلت لكم! لا شفاعة لمَن ألغى عقله. يا رجل أنت غير مُكلف بالإيمان، إلا بالعقل، افهم! بمعنى لو أُخذ منك عقلك، لا تُكلَّف بالإيمان! لا تصيرا كافرا، ولا مؤمنا، على الجنة هكذا؛ لأن لا يُوجد عقل، واضح؟ إياك أن تُلغي عقلك.

واحد إذن! اثنان: الخائن. نعوذ بالله من الخيانة، من كل أنواع الخيانة وتنويعاتها. الخائن، الذي لا يخفى له طمعٌ، وإن دق، إلا خانه. الله! كيف لا يخفى؟ كيف لا يخفى له طمع؟ بمعنى لا يظهر.

أي شيء فيه طمع، أهلا وسهلا! بمعنى يقدر على أن يسرق من المسجد مئة يورو؟ يأخذها! خمسة يورو؟ يأخذها! وقع منك شيء؟ يأخذه ويظل ماشيا! لا إله إلا الله! ما هذا؟ قال هذا خوّان.

الخائن، الذي لا يخفى له طمعٌ، وإن دق، إلا خانه. انظروا الثالث – والعياذ بالله -. يا أخي ما المُعلِّم هذا؟ ما هذا المُعلِّم – صلوات ربي وتسليماته عليه -؟ قسما بالله يُذهِلني رسول الله! دائما نذهل، ولا نستطيع إلا أن نذهل! لا إله إلا الله!

من أين؟ من أين أتيت يا سيد العالمين بكل هذا؟ أدبني ربي، فأحسن تأديبي. وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا *. يفهم هذا الفضل، مَن فهم هذه السُنة المُحمَّدية، بالطريقة الصحيحة.

حسنا، قال ماذا؟ الثالث: ورجلٌ لا يُصبِح ولا يُمسي، إلا وهو يُخادِعك عن أهلك ومالك. لا إله إلا الله! مُجرِم، يأتيك من جهات؛ عن اليمين يأتيك، وعن الشمال، ومن الأمام، ومن الخلف، مرة بداعي القرابة، مرة بداعي المودة، المحبة، الدين، المُساعدة، المُساندة، إلى ما لا تعرف! وهو عينه على زوجتك، عينه على ابنتك، عينه على أُختك – والعياذ بالله -.

ما البلاء هذا؟ ما اللعين هذا؟ النبي قال هذه الفئة الثالثة من أهل جهنم. دعه يذهب ليشبع صلاة وحجا وعُمرة، من أهل جهنم. المُخادِع! المؤمن الحق لا يكون مُخادِعا، أُقسم بالله. يا جماعة، يا جماعة انظروا رسول الله، والحديث في الصحيح.

الحديث في صحيح مُسلم: حُذيفة بن اليمان انطلق مع أبيه… والله نسيت اسمه، كأنه حُسيل! أبوه اسمه حُسيل – على ما أذكر، إن شاء الله لا أكون غلطت -. انطلق مع حُسيل، وهو أبوه، انطلق من مكة إلى المدينة، يُريد أن يلتحق برسول الله، قُبيل بدر.

سمع، قال لك نلتحق. فوجده الكفار في الطريق، قال آه. قالوا له تذهب إلى محمد؟ تُريد أن تنصره؟ قال لا، ما أُريد إلا المدينة، ما أُريد أن أُقاتِل معه. قالوا تُعطينا عهدك؟ تُعاهدنا بالله أنك لا تفعل؟ قال لهم أُعطيكم العهد. كان يُمكن أن يقتلوه!

فلما أتى النبي قص عليه؛ يا رسول الله حدث كذا، كذا، كذا! قال اعتزلنا، ولا تُقاتِل معنا، فِ لهم بعهدهم، ونستعين بالله عليهم. اقشعر بدني، أُقسم بالله! أين الخداع والكذب اليوم؟ نُظهر أنفسنا مُسالِمين طيبين، حتى إذا أمكنتنا فُرصة، قفزنا على مَن عاهدناهم وأعطيناهم الأمان! وتُريد أن الله ينصرنا؟ لا، والله العظيم، لن ينصرنا! والله العظيم، لن ينصركم!

يا جماعة اتقوا الله، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ *. هذا الدين دين أخلاقي، هذا الدين دين راق، أرقى بكثير مما أردنا أن نفهمه، وأن نُطوِّعه له. قال فِ لهم يا حُذيفة بعهدهم، ونستعين بالله عليهم. الله الذي ينصرنا – إن شاء الله -. والحديث في الصحيح، وهذا الذي حدث.

إذن رجل مُخادِع – والعياذ بالله -، لا يُصبِح ولا يُمسي، إلا وهو يُخادِعك عن أهلك ومالك. ارتفع الدولار، نشتري لك يورو؟ ارتفع اليورو، نُحضر لك كذا؟ نُحضر لك ذهبا؟ نُحضر لك بيتكوين؟ أعطني، عندي تجارة!

وهو يُريد ماذا؟ أن يتغول مالك. تبا! تبا لكل مُخادِع، خوّان، أثيم! قال لك هذا من أهل النار. لا يُريد النصيحة، يُريد فقط أن يتغول أي شيء، من عِرضك أو من مالك. اللهم باعد بيننا وبين هؤلاء، اللهم نجِّنا منهم ومن مكرهم ومن اختداعاتهم.

ثم ذكر الكذب، أو البُخل. يقول الراوي! الراوي شك، قال لا أدري، الخصلة الرابعة، الفئة الرابعة، من فئات الجهنميين – نعوذ بالله منهم ومن مصيرهم -، قال إما الكذب، وإما البُخل.

والخامسة؟ الشنظير. نعوذ بالله من الشنظرة. ما الشنظير؟ الشنظير هو الفاحش. المُسلم لا يكون فاحشا. اليوم – ما شاء الله – عندك مُسلمون هكذا، ويدّعون أنهم أصحاب قضية!

هناك قيادي إسلامي كبير، قيادي! عاش خمسين، بل ستين سنة، في جماعته، ثم تركها الرجل، بعد ستين سنة. أدرك أنه كان يسير في طريق خاطئة. حُر يا أخي، ترك الإسلام هو؟ مُسلم، مُسلم طيب. سبوه في أمه! رأيته في التلفزيون Television يبكي! والله بكيت عليه، أُقسم بالله!

قال هذه هي التربية؟ قال هذا هو العمل الإسلامي؟ هذا هو؟ لكن جميل! درسٌ له، ودرسٌ لنا! هؤلاء قالوا طالبين التمكين! إذا نوَّر الملح – كما يُقال -، إذا شاب الغراب – إن شاء الله -! إذا شاب الغراب، تتمكنون. اللهم لا تُمكِّن لهؤلاء، ولا لأمثالهم.

لأنهم هكذا! وعلى فكرة، هذا من لُطف الله. الله يرحمك يا شيخ محمد الغزّالي – وأختم بهذا -، شيخ الدُعاة! الشيخ الطيب المُبارك محمد الغزّالي، قل أمثاله – رضوان الله عليه، في عليين، إن شاء الله -.

محمد الغزّالي كان في الجزائر، وفي مؤتمر كبير، حضره عشرات العلماء! تكلم، تكلم وكان مألوما، ثم قال الحمد لله، الحمد لله أن الله تبارك وتعالى لم يُمكِّن للإسلاميين.

للإسلاميين! يقول الحمد لله أن الله لم يُمكِّن لهم. فضحك العلماء، وكذا، كذا! ثم بكى، الشيخ الغزّالي! وقال بألم (ليه كدا؟ ليه تظلموا الإسلام كدا؟ ليه الإسلام دين نظيف في أمة وسخة؟) وهو يعلم ماذا يقول! (ليه الإسلام دين نظيف في أمة وسخة؟)

يسب الدُعاة، ويسب علماء كبارا، وأناس أفنوا حياتهم في سبيل ما ظنوه حقا، مساكين، في أمهاتهم! وقال يُريد أن يتمكَّن. سوف تتمكَّن، أنا أُبشِّرك، إذا شاب الغراب، وإذا نوَّر الملح.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

(الخطبة الثانية) 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

إخوتي/

حديثان أسردهما عليكم؛ لكي أُنير بهما زاوية جديدة، لم نعتد أن نُكلَّم فيها، ولا أن نُوعَظ، من خلالها! ما هي؟  

انظروا يا أحبتي؛ إخوتي وأخواتي، مثل هذا التجمع، والله العظيم، لن أوفق فيه كما ينبغي، ولن توفقوا فيه كما ينبغي، بمعنى إن كان في كلامي للفائدة، لن تقتطفوا هذه الفائدة كما يجب، ما دام يُوجد بينكم مَن نيته غير صالحة. أنا كذلك، وأنا أولى منكم، إذا كان نيتي في كلامي غير صالحة، لن أوفق، لن يُجري الله على لساني، من روحي، ممزوجة بنفسي، ما يُمكن أن ينتفع به بعضكم؛ لأن هناك خبثا! خبثا لدي، أو خبثا لدى بعضكم.

هذا لم نتعلَّمه على فكرة. سوف تقول لي هذه مُصيبة عظيمة! وعلى فكرة، هذه أحد أسباب الهزائم أيضا. وسأسوق لكم حديثين عجيبين غريبين جدا جدا!

لم نُحدَّث، ولم نتعوَّد أن نُحدَّث، عن أن الفتوحات الغيبية، الأرزاق العلوية المعنوية – وهي أهم ما يُمكن أن يُرزق به المؤمن والمؤمنة، أليس كذلك؟ ليس الأرزاق المادية، لا، لا، لا! الأرزاق الغيبية، العلوية، الربانية، من جنس ما يؤتى الأنبياء والرُسل والصدّيقون والصُلحاء والعُرفاء. اللهم اسلك بنا مسالكهم وسُبلهم -، هذه يُحرمها المرء – والعياذ بالله -، بماذا؟ بالخبث الذي يكون في النفس، بالنوايا والقصود غير البارءة، غير الطاهرة.

الحديث في صحيح مُسلم، عن عُبادة بن الصامت – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال خرج رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، في رمضان – ذات ليلة في رمضان -، خرج ليُخبِرنا بليلة القدر.

قال الحفّاظ أي بتعيينها. يقول لهم ليلة القدر هي ليلة كذا وكذا. الظاهر في الكلام أن ذلك مُمكن تلك السنة، أو ممكن على الدوام، لا ندري، لا ندري!

فتلاحى اثنان. أبو الخطاب بن دحية، العلّامة الحنبلي الكبير – رحمة الله عليه -، وله كُتب تفنن فيها جدا، في رسول الله وما يتعلق برسول الله، نعم! وشخصيته العظيمة! قال هما اثنان؛ هما كعب بن مالك، وابن أبي حدرد. الله أعلم! لم يذكر مُستنده في ذلك، لا يهمنا. المُهم، تلاحى اثنان من الصحابة.

ما معنى تلاحى؟ المُلاحاة هي المُنازعة والمُخاصمة. لا، أنت. لا، أنا. هذا حقي. لا، ليس حقك، وكذا. كلام! فتلاحا اثنان، فقال – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – كنت خرجت لأُخبِركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فارتفعت.

ذهبت ليلة القدر، لا تُوجد ليلة قدر، انتهت ليلة القدر الآن! هذا العام، أو إذا أراد تعيينها؛ من كل عام! نسيَ النبي، بشؤم المُلاحاة نسيَ! الله أخذ هذا من قلبه، من حافظته، لم يعرف! أين؟ ماذا قيل لي؟ ماذا؟ لا يعرف. قال وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في التاسع والسابع والخامس – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

والحديث الأخير، الذي أسوقه إليكم، ويا له من حديث! حديث رواه الإمام أحمد في مُسنده، عن أحد أصحاب رسول الله. هكذا قال الراوي عنه؛ عن رجل. وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول. القاعدة! جهالة الصحابي لا تضر.

عن رجل، من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – صلى بهم الفجر – ركعتي الفجر، أي الصبح – بالروم – بسورة الروم -، فالتُبس عليه.

ما معنى التُبس عليه؟ القرآن! التبس عليه القرآن. يقرأ، يغلط، ينسى آية، يُدخل آية في آية، وعلى قلبه أُنزل! لا إله إلا الله! ما الالتباس هذا؟ فالتُبس عليه.

يقول الصحابي فلما صلى – أي فرغ، أو انصرف من صلاته، هذا معنى صلى، بمعنى أنهى الصلاة! فلما صلى، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين -، قال مَن الذين، أو مَن الذي، أتى الصلاة، ولم يتطهر؟ أولئك الذين يلبسون علينا قرآننا، أو قال صلاتنا. يلبسون علينا صلاتنا! فمَن أتى الصلاة، فليُحسِن الطهور.

لا إله إلا الله! ألهذه الدرجة يُوجد تراسل وتواصل وتفاعل وتآثر، بين نفسية الإمام والمأمومين؟ حتى لو كان الإمام النبي، كما لفت إليه العلّامة مُلا علي القاري، الحنفي – رحمة الله عليه -، في القرن الحادي عشر – في أوله – الهجري.

قال حتى لو كان هذا الإمام هو رسول الله! أعظم القلوب، بحر، مُحيط، مُحيطات، كون! مع ذلك تأثر، تأثر مُحيط الرحمات، مُحيط الطهارات تأثر، برجل من أصحابه، لم يُحسِن الطهارة! كيف برجل أحسن الطهارة الظاهرية، وجاء وقلبه كله مُلوَّث؟ هو جالس ويدعو على الإمام! يدعو على القارئ، يدعو على الخطيب؛ الله لا يوفقه، إن شاء الله يغلط، إن شاء الله ينسى! لماذا؟ لأنه حسد وحقد، أو خلافات حزبية وسياسية! حسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم أصلِحنا بما أصلحت به عبادك الصالحين. اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت. علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علما وفقها ورشدا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تُفقِرنا بالاستغناء عنك. نسألك حُبك، وحُب مَن أحبك، وحُب العمل الذي يُقرِّبنا إلى حُبك. اللهم ما رزقتنا مما نُحب، فاجعله قوة لنا فيما تُحب، وما زويت عنا اللهم مما نُحب، فاجعله فراغا لنا فيما تُحب، واجعل حُبك أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا وكل ما خولتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارا، اجزهم بالحسنات إحسانا، وبالسيئات مغفرة ورضوانا. واغفر اللهم للمُسلمين والمُسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ *. اللهم لا ترفع يدك عنا، اللهم لا ترفع يدك عنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك. اللهم إنك إن تكلنا إلى أنفسنا، تكلنا إلى ضعف وعورة وعوزة وحاجة، وإنا لا نثق إلا برحمتك. لا إله إلا أنت سُبحانك إنا كنا من الظالمين، نستغفرك ونتوب إليك.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْق ُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقم الصلاة.

(14/10/2022)

السرهندي وحسن البنا

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله جل مجده في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ * وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ * وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ * فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ * إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ * أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ * هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ * لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

نتنسم في هذه الأيام المُباركة، والليالي الزُهر، أرواح ذكرى ميلاده – عليه الصلاة وأفضل السلام – الميمون المُبارك، الذي وَسِع العالم رحمة وتسامحا وخيرا وعطاء وإسعادا وإكراما! فصلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، صلاة وسلاما دائمين كاملين أتمين، إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، في كل لمحة وحين، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ *: هذا إعلان! إعلان الفضل، إعلان المنّ، إعلان الكرامة الكُبرى، لهذه الأمة. هذه الأمة ما كان لها أصلا أن تكون بغيره – عليه الصلاة وأفضل السلام -. وإنما كان مَن كان قبله أُناسٌ من العرب، أُناسٌ من العرب مُتفرقين أيادي سبأ، يأكل قويهم ضعيفهم، ويجور غاشمهم على مهضومهم. ما من قانون، وما من تُقاة، تمنع الضعيف من القوي، وتمنع القليل من الكثير العزيز، والعزة عندهم كانت للكاثر!

فجاء هذا الإسلام، ولا أُريد أن أقتص عليكم أطرافا مما تعلمون، من معالم ثورته الكُبرى، التي أحدثها، في العرب أولا، ثم انبسطت وانداحت أنوارها، في العالمين! ولا تزال، وستبقى إلى يوم الدين – بإذن الله، الذي تأذّن بذلك -.

على أنه يعن للمرء أن يُعلق مُلاحظة – أيها الإخوة -، لا بُد منها في مثل هذه الذكرى العاطرة، وهي أن هذه الأمة المرحومة، ليست أوضاعها اليوم في أحسن حال، ولا على ما يُرام، والعجيب أنها كانت كذلك تقريبا في مُعظم دوراتها التاريخية! في مُعظم دوراتها التاريخية!

قد توالى عليها من الخُلفاء والسلاطين ما يُناهز الخمسين والمئة، وربما أكثر من ذلك، لكن لنأخذ بالقدر المُتيقن؛ زُهاء مئة وخمسين خليفة وسُلطانا، في الأنحاء المُختلفة، وفي السلطنات والخلافات؛ لأنها صارت خلافات بعد أن كانت خلافة واحدة، وسلطنات بعد أن توحدت سلطنة واحدة!

توالى عليها هذا الجماء الغفير، وهذا العدد الكبير، من الخلفاء والسلاطين، الذين كانوا في جُملتهم، على شيء كثير، أو قليل، من الظلم، ومن العسف، ومن عدم إقامة عمود العدل في هذه الأمة المرحومة.

العجب أن هذه الأمة بقيت! وهي باقية إلى اليوم! لم تدثر، لم تبد! والعجب العاجب، في المُقابل أيضا، أن هذه الأمة أنجحت وأفلحت واستطاعت أن تُشيّد بناء ومعمارا حضاريا مُعجبا مُذهلا، يدين له العالم، لو أنصف! يدين له العالم، لو أنصف!

ثم تُجيل النظر وتُغلغله، في جنبات تاريخ هذه الحضارة المُسلمة العريقة، لتجد أن الأشطار الأكبر، والأجزاء الأعظم، من الفضل الذي يُعزى في تأسيسها وتشييدها وإمدادها ورعيها، إنما تُعزى إلى الأمة، لا إلى الحُكام والسلاطين! الأمة!

الأمة هي التي بنت حضارتها، بينما كان مُعظم خلفائها وسلاطينها سادرين في غيهم، حاطبين في حبال شهواتهم، لا يلوون على شيء! وكأنهم، كأنهم، من أقل وأوضع طبقة، من طبقات هذه الأمة! قيّضت لهم الأقدار أن يتحكموا في رقابها، وأن يسوسوها!

لكن كيف أفلحت الأمة أن تُنتج وأن تُعطي، وإن جاز التعبير، كيف تمكنت خلاياها من أن تُعسِّل؟ ولا زالت خلية الإسلام تُعسِّل، اليوم، وإلى يوم الدين – بإذن الله تبارك وتعالى -. هذه هي عجيبة الإسلام! هذه هي عجيبة الإسلام!

العلماء الأيقاظ، والنُصحاء الألباء، من علماء هذه الأمة، فسَّروا، أو حاولوا تفسير، هذه الظاهرة، فعزوها إلى جهود البررة، من أبناء وبنات هذه الأمة! وفي مُقدمهم العلماء! علماء هذه الأمة، الذين قطعوا إياسهم من الحُكام والسلاطين، أغفلوهم تقريبا، بالكُلية! ثم مضوا على طيتهم، في سمتهم، يقرأون ويُقرئون، يَدرسون ويُدرِّسون، يَحفظون ويُحفِّظون، يَفهمون ويُفهِّمون!

فإذا بتُراثات الإسلام غنية، خصبة، في كل الأبواب! وليس في علوم الدين وحدها، وإن كان لعلوم الدين تميز كبير في هذا الباب! العلماء كانوا من وراء ذلك! على أن من هؤلاء العلماء مَن لم يسلم من عسف هؤلاء الحُكام، وجور أولئكم السلاطين.

فبعضٌ لقيَ حتفه شهيدا، في سجونهم، وبعضهم دُس له السُم، فقضى على عجل، وبعضهم عاش مُهجّرا غريبا مُغرَّبا عن أهله ودياره وأُناسه، وبعضهم قضى حياته في السجن! يُوجد عددٌ له بأس به! على أنهم لم يُعطوا الدنية، ولم يلتووا – أيها الإخوة -، وهكذا حُفظ الإسلام أيضا! حُفظ الإسلام أيضا! شيء عجيب!

اليوم سأقص عليكم، وأسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُمدني وإياكم بتوفيق من عنده، حتى أُلم بأطراف هذه القصة الطويل، المُسهبة، وهي قصة – كما وصفتها للتو – من أعجب العجب!

قصة فصل من الفصول الطويلة، في تاريخنا الإسلامي، في الهند! في الهند المغولية! في الهند المغولية! نحن طبعا، وأنا أُكلِّم مَن لم يقرأ التاريخ، ولا دراية له بالتاريخ، نحن طبعا نسمع – أيها الإخوة – بتاريخ المغول، والحملة الدهماء الطخياء، التي حملوها وشنوها على عالم الإسلام، فدمروه، إلا قليلا! فدمروه، إلا قليلا، وأودوا بحضارتنا، إلا قليلا!

على أن هذا القليل الباقي – كما قلت لكم – مُعجب، وكثير، وفوق الكفاية! وفوق الكفاية! أي يبدو أن هناك ملايين الكُتب، قد أُحرقت – أيها الإخوة -، وأُلقيت في مياه الأنهار، دجلة والفرات وغير ذلك! ملايين، فيما يُقدر المؤرخين، وملايين الأرواح أُزهقت!

ولكن، كما يُسجل المؤرخون، مُتعجبين، مُندهشين، لأول مرة في تاريخ البشرية، وعلى غير قانون التاريخ وسُنة الله في المُجتمعات، يدخل الغالب في دين المغلوب! ابن خلدون في مُقدمته يُحاول أن يُجلي وجه هذا القانون، الفاعل في كل دورة تاريخية، والذي هو أن المغلوب أبدا مُولع بتقليد الغالب! هذا هو القانون!

أما أن الغالب، الذي انتصر سيفه، ولم ينكسر، يدخل في دين المغلوب، يُصبح على دينه، فلأول مرة في تاريخ البشرية، تتفق هذه الحادثة! والذين دخلوا ليسوا أُناسا قليلين، بل هم شعوب كثيرة، كثيرة العدد، شديدة الوطأة والبأس، مُرعبة! أفلحوا من قبل أن يُشيدوا أعظم إمبراطورية في التاريخ!

لو سألك أحدهم، وقال لك ما هي أعظم الإمبراطوريات – طبعا من حيث ماذا؟ من حيثية ماذا؟ من حيثية أخلاقيتها؟ من حيثية عدالتها؟ لا! من حيثية اتساع رقعتها -؟ قل له الإمبراطورية المغولية. ليست الإسلامية طبعا، المغولية! أيام جنكيز خان Genghis Khan، الجد الأكبر لهؤلاء، الجد الأكبر لهؤلاء!

أوسع إمبراطورية! أوسع من الرومانية، وأوسع من الإسلامية! أوسع من كل الإمبراطوريات! شيء مُخيف! هؤلاء دخلوا في الإسلام، طائعين، مُختارين! ثم إن هذا الإسلام الحنيف العظيم، قلب طبيعتهم، وأعاد جوهرتهم! كان لهم جوهر، مقدود من البأس والشدة والقسوة والخشونة – أيها الإخوة – والغلظة، فأصبحوا من ألطف الناس، معشرا ومظهرا ومخبرا وفنا وشعرا وتعبيرا وإنشاء!

إذا ذَكرنا المغول، ذُكر تاج محل Taj Mahal! دُرة العمارة – أيها الإخوة – العالمية، وبالذات طبعا المغولية! هذا بناه السُلطان، صاحب لقب: صاحب القرن الثاني، شاه جهان Shah Jahan. شاه جهان Shah Jahan بن جهانكير Jahangir بن جلال الدين محمد أكبر Jalaluddin Muhammad Akbar! وأكبر Akbar بن همايون Humayun، همايون Humayun بن بابر  Babur! هذه هي الأسرة كلها!

بابر Babur هو الذي قضى على الأسرة اللودهية، التي كانت تحكم الهند الإسلامية، قضى عليها – على ما أذكر – سنة ثنتين وثلاثين وتسعمائة، محمد بابر Muhammad Babur! ثم جاء ابنه همايون Humayun، ثم جاء أكبر Akbar، ولنا اليوم حديث مُوسع عن أكبر Akbar هذا.

جهانكير Jahangir: شاه جهان Shah Jahan! شاه جهان Shah Jahan بنى تاج محل Taj Mahal؛ تخليدا لذكرى زوجته الثالثة، التي دلهه حُبها! كان يعشقها عشقا عجيبا! ثم عودوا إلي المواقع والمظان؛ لتعلموا قصة هذه البناية، وكيف أراد، من خلالها، أن يُخلد ذكرى زوجه الحبيبة، التي قضت وهي تضع طفلهما الرابع – رحمة الله تعالى عليها -؛ مُمتاز محل Mumtaz Mahal! اسمها مُمتاز محل Mumtaz Mahal! لذلك تاج محل Taj Mahal؛ نسبة إليها! إلى مُمتاز محل Mumtaz Mahal. هؤلاء؟ هؤلاء! 

أكبر Akbar، الذي الآن سنسوق أطرافا من حديثه، هذا الإمبراطور الذي نشأ أُميا، واستعصى تعليمه على أبيه! حاول أبوه أن يُعلمه، أنفذ إليه كبار المُعلمين، أفاضل المشايخ المُربين، دائما يلتوي عليهم، لم يُفلحوا! حتى أيس منه أبوه، وقال اتركوه. بقيَ أُميا، لا يكتب ولا يقرأ! لكنه كان واسع العقل، يُحب السؤال، ويُحب المُباحثة، ويُحب الاطلاع، وكان سليم الدين، مُستقيم السيرة، مُحبا لله ورسوله، مُعظما للعلماء والأئمة.

حتى أنه مرة قدّم الحذاء، وهو سُلطان الهند، جلال الدين أكبر Jalaluddin Akbar، قدّم الحذاء، أو النعلين، لأحد العلماء الكبار، بيديه! وهو صدر الصدور Sadr-us-Sudur، الشيخ عبد الغني Abdul Ghani، الذي كان يُلقب بصدر الصدور Sadr-us-Sudur! وكان من علماء الشريعة، بلا شك!

بعد ذلك، الشيخ عبد الغني Abdul Ghani هذا، سيلتقي بحافظ الإسلام والفقيه الشافعي الكبير ابن حجر الهيتمي، في الحجاز، ويُحسن وفادته وإكرامه العلّامة الإمام ابن حجر الهيتمي، الذي يعود إليه نصف الفضاء الشافعي – أيها الإخوة -، في وقته، وإلى الآن! مكة واليمن، ابن حجر! وهناك – المُهم – فضاء آخر.

على كل حال، قدّم إليه الحذاء، السُلطان يفعل هذا! لكن، للأسف الشديد، وهذا ربما أيضا نُريد أن نعود إليه، لم يُقابل هذا العالم الجليل، تواضع السُلطان العظيم المُعظم، بلا شك! وهو سُلطان كبير، لم يُقابله بما ينبغي، من إجلال السُلطان!

على فكرة، حتى لا أنسى، وأنا اليوم – سُبحان الله – أستحضر هذه الآيات الكريمات، من سورة آل عمران، أيضا خطر ببالي، ولأول مرة في حياتي:

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ *.

شعرت كأن الله – تبارك وتعالى – يُريد أن يُنفذ إلينا رسالة، أن يُوصِّل إلينا رسالة، ويا لها من رسالة! ليس وجوده – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه -، ليس وجوده بين ظهرانينا، والمعنيون هنا الصحابة؛ لأنه هو الذي وُجد بين ظهرانيهم، هم الذين وُجد بين ظهرانيهم! ليس وجوده بين ظهرانيكم عصمة لكم من الزلل، ولا من الانكسار والهزيمة.

عجيب! ليس وجوده! ليس حتى دعاؤه لكم عصمة! مبروك ومُبارك ومقبول، بلا شك، دعاؤه، بلا شك! وأي شيء أبرك من دعائه؟ ولكن لا يُشكل عصمة. قضاء الله نافذ!

إذن إن كان ثمة عصمة، أو ما يُشبه أن يكون عصمة، ففي ماذا؟ في اتباعه. ليس في مُجرد الانتساب إليه؛ أنني مُسلم، وهذا نبيي! حسن، جميل! ولكن هذا لا يكفي، ليكون خُطة للاهتداء، وخُطة فيها العصمة من الزلل والخطل، ومن الهزيمة والفشل.

ولذلك جاءت الآية على الولي، عقّب الله مُباشرة! وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ *، أي في أُحد! هزيمة المُسلمين في أُحد. قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا *، أي في بدر. وفعلا أصابوا مِّثۡلَيۡهَا *، أصابوا ضعفيها. قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ *.

طبعا مُحال أن القرآن يُحيل هنا على القدر، وإن كان كل شيء بقدر، لكن القدر لا يُحتج به، لا يُحتج به في الخطل! القدر يُعتزى إليه في الخير والبركة، تقول هو من عند الله، هو من فضل الله. فإن أخطأت، وجنفت، وجنجت، قل هو من نفسي، ومن شيطاني. ولا تنسبه إليه.

ولذلك كان من دعائه – صلوات ربي وتسليماته عليه – الخير كله بين يديك، والشر ليس إليك. انتبهوا، أن تنبسوا الشر إلى الله! لماذا يا ربي يُصيبنا هذا؟ لماذا فعلت بنا؟ نحن فعلنا بأنفسنا، نحن الذين أحللنا ما حل بنا وحاق بنا بأنفسنا. يجب أن نتأدب مع الله، وأن نتأدب مع كتابه. أما أن نظل هكذا، فلا.

ولذلك العصمة في اتباعه. نعم، الآن سوف نرى إذن، هل اتبعت هذه الأمة، هل اتبع خلفاؤها، سلاطينها؟ لماذا؟ انظر، المُعادلة بسيطة، وأيضا مُدهشة! هذا الدين باق! انتبهوا! هذا الدين باق! لو تمالأت عليه أمم الأرض، وأوشكت أن تفعل، في فترات، هذا الدين باق! أبدا!

تُركيا الكمالية؛ كمال أتاتورك Kemal Atatürk! كمال أتاتورك Kemal Atatürk ضيّق كثيرا على الإسلام والمُسلمين، حتى منع النداء أن يكون – الأذان – بالعربية، ممنوع! ومنع الحجاب، ومنع أشياء كثيرة! وطارد العلماء، فهجر تُركيا أعاظم علمائها!

آخر شيخ إسلام كان فيها العلّامة الكبير الشيخ مُصطفى صبري – رحمة الله عليه، رضوان الله عليه -، صاحب الكتاب العجيب في علم العقيدة؛ موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المُرسلين! في أربع مُجلدات! أُعجوبة! هذا الرجل في علمه وتحقيقاته الكلامية العقدية أُعجوبة – رضوان الله عليه -! والشيخ زاهد الكوثري أيضا، وكيل المشيخة الإسلامية، هرب إلى مصر! هربوا هكذا!

وأما بديع الزمان، العلّامة سعيد النورسي، فكُردي الأصل! وهذه عظمة الإسلام! هذا كُردي، وهذا تُركي من أصل كُردي، وهذا مغولي، وهذا عربي، وهذا مالاوي، وهذا فارسي! شيء عجيب! شيء عجيب! والكل يعمل بجد واجتهاد؛ لحفظ مُهجة الدين، ويفدونها بالمُهج والأرواح والنفس والنفيس! والنفس والنفيس! ويعيش هذا الدين!

هذا الدين باق، عائش – بإذن الله – أبدا! وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ *، ومُغالب الغلّاب مغلوب! لييأس كل مَن يُريد أن يجتث شأفة هذا الدين! لكن أمة هذا الدين، الأمة المُسلمة، لا تكون دائما في أحسن أحوالها، ولا فيما يُرجى لها، ولا فيما يصبو دينها لها، من الأحوال والعز والكرامة، أبدا!

وهذا إنما يكون بتقصيرها هي، وبإجرامها هي! لا نُغفل ولا نُسقط دور العوامل الخارجية؛ العدو الخارجي دائما، ولسنا في هذا، ومن هذه الناحية، بدعا من الأمم! كل الأمم، تعيش صداقات وعداوات، لسنا بدعا! لسنا بدعا! ولا بُد دائما، لا بُد دائما، أن يُوجد مَن يتربص بنا، ومَن يُجاهرنا بالعداوة، هذا موجود!

ولكن التعويل كله علينا نحن، علينا نحن! كيف نعتصم بحبل الله حقا، إزاء كل هذا المكر؛ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ *؟ كيف نعتصم؟ ما هي الخُطة؟ خُطبة اليوم، مُحاضرة اليوم، مُحاولة للجواب عن هذا السؤال، وربما من زاوية جديدة، وبمُقاربة لا تخطر على بال كثيرين، لا تخطر على بال كثيرين! وسنسمع أشياء في المُحاضرة، ربما تصدمنا؛ لأننا لم نسمعها من قبل، ولم نتعود أن نُصارَح بها.

ولا بُد أن نُصارِح أنفسنا بالحقيقة، والناصح مؤتمن؛ إما أن تنصح بأمانة، وإما أن تُمسك! لكن أنت تتكلم، وتُجمجم، وتتردد، وتعمل حسابات، تُجري حسابات! الله سائلك عن ذلك كله. والله أكثر ما نحتاجة يا إخوتي وأخواتي الصدق، أولا مع أنفسنا، أي مع ربنا – تبارك وتعالى -، ثم مع بعضنا البعض.

ولذلك لو طالب أحدنا أخاه بشيء، فعليه ألا يُطالبه بالتزام الحقيقة. الحقيقة شأن خلافي كثير، وتتعدد فيها وجهات النظر، للأسف الشديد! وما كل أحد يُصيبها، على الأقل من أول مرة! لكن عليه أن يُطالبه بماذا؟ بالصدق. يقول له تُعطيني عهد الله، أنك تكون صادقا معي.

إن أعطاك هذا العهد، انتهى! على الأقل تُصبح المُباحثة والمُناقشة مُريحة جدا! لكن إن لم يلتزم الصدق، وأدخل في مُباحثته حسابات كثيرة، هذا هلك وأهلك، وهو مسؤول عن هذا أمام الله يوم القيامة.

ولذلك لست أستبعد، لست أستبعد، أن نرى أُناسا يوم القيامة، نطقوا بالحق، لكن بُعثوا هالكين! وأن نرى آخرين، نطقوا بحق مشوب بباطل، وربما حتى في بعض الحالات بباطل، على أنهم يُبعثون ناجين! لماذا؟ كيف؟ أين هذا من العدل؟ هذا هو العدل نفسه! لأن هؤلاء نطقوا بما نطقوا، وكانوا صادقين. وأما هذا، فنطق بما نطق، وافق الحق، لكن لا عن رغبة في الحق، ولا ولاء للحق، وإنما عن مصلحة وحسابات.

النبي يُشير إلى هذا المعنى اللطيف العجيب، بقوله في حديث الفتن تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عُودا عُودا، وضُبط عَودا عَودا، قال حتى تصير القلوب على مثل قلبين، وذكر القلب الأسود المرباد، كالكوز مُجخيا!

الكوز المقلوب! لا يُمكن أن يُمسك ماء، يُوضع فيه! لأنه مقلوب! كالكوز مُجخيا! مهما تكلمت، مهما وعظت، حتى ولو نطق أمامه الأنبياء، لن يُفيده، لن يُفيده شيئا، لن يُجديه شيئا! لماذا؟ لأن القلب أسود – والعياذ بالله -، غلبت عليه ظُلمة الهوى، ظُلمة الشهوات، ظُلمة حُب الباطل وحُب المصلحة والمنفعة.

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله وأصحابه – لا يعرف معروفا، ولا يُنكر مُنكرا، إلا ما أُشرب من هواه. أي في حالات مُعينة، نعم، سيعرف المعروف! يقول نعم، أنا مع هذا، وأنا أؤيد هذا! لا لأنه من أولياء المعروف، ولا لأنه من الذين انحازوا إلى أهل المعروف، ولكن لأنه وافق هواه، وافق مصلحته! هذا يُبعث يوم القيامة هالكا. فنسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُحققنا بصدق الباطن، قبل صدق الظاهر. هذا أهم شيء يا إخوتي، والله العظيم، هذا أهم شيء على الإطلاق!

لا أُريد أن أُطوِّل بالمُقدمات، أُريد فقط فيما بقي – إن شاء الله، ولا أُطيل – أن أقتص عليكم، على ما وعدت، قصة الإسلام في الهند المغولية! فصل من أعظم فصول البلاء التي حلت بجانب أمة محمد! بلاء عظيم! كيف؟ أي بلاء؟

مع السُلطان أكبر Akbar، الذي ذكرت لكم طرفا من شخصيته، جلال الدين أكبر Jalaluddin Akbar ثالث سلاطين الدولة المغولية في الهند، ومن أعظمهم! وحكم فترة طويلة، وحكم فترة طويلة! قريبا من خمسين سنة! وهو في الحُكم!

هذا الرجل – كما قلت لكم – نشأ نشأة ساذجة، للأسف بعيدا عن العلم والكتاب، إلا أنه كان مُحبا للدين، لله وللرسول، للعلماء والأولياء والصُلحاء، مُعظما لهم. عالم الدين الأكبر في إمبراطوريته كان يُلقب بمخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk! ليس خادم الملك، مخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk! أي الملك يخدمه، تخيلوا! الشيخ عبد الله السُلطانفوري Abdullah Sultanpuri.

الشيخ عبد الله السُلطانفوري Abdullah Sultanpuri كان يُلقب بمخدوم Makhdum! هذا لم يحدث على الأقل في الفضاء العربي! لم يُلقب عالم على الإطلاق بماذا؟ بمخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk! الملك في خدمته، الملك يخدمه، عجيب! هذا هو! السُلطانفوري Sultanpuri! لأنه عالم، من علماء الدين.

صدر الصدور Sadr-us-Sudur هو الرجل الثاني بعد السُلطانفوري Sultanpuri، صدر الصدور Sadr-us-Sudur! الشيخ عبد الغني Abdul Ghani؛ صدر الصدور Sadr-us-Sudur! الذي قرّب إليه نعليه مرة السُلطان بيديه!

للأسف الشديد بدأ الخرق – أيها الإخوة -، الذي اتسع على الأيام، من المشايخ، من علماء الدين! الذين لم يتقوا الله فيما خولهم من أمر الأمة وسُلطانها. الله – تبارك وتعالى – هو الذي قيّض لك هذه المحبة، هذه المهابة، هذه المكانة، وجعلك بهذه المثابة! فهلا راعيتها، ووافيت بحقوقها؛ نُصحا للدين وللأمة؟ لم يفعلوا!

السُلطانفوري Sultanpuri هذا، مخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk – أيها الإخوة -، كان وكده وسعيه واجتهاده، في تحصيل ماذا؟ الذهب والفضة والأموال! حتى أنهم وجدوا في مقابر عائلته صناديق من الذهب! كان يدفنها، بحيلة من الحيل، مع الأموات! صناديق! ماذا تفعل بها يا رجل؟ ماذا تفعل بها يا عالم الدين، يا رجل الدين؟ ماذا تفعل بالذهب؟ تدفنه مع الموتى! لمَن؟ ستموت عما قريب! شيء غريب!

ثم انتبه السُلطان أن هذا العالم، مخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk، تحيّل على أمة محمد في الهند، فأسقط عنهم فريضة الحج، بذريعة أن المياه تعترضهم! وإذن، شرط الاستطاعة غير متوفر؛ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا *!

قال نحن لا نستطيع. ثم يتبين الناس والملك أنه فعل ذلك؛ لئلا يحج هو! مُقصر في الحج، قال لك أحج لماذا وأتعب نفسي؟ نطلع فتوى للكل! ما شاء الله على نُصح العلماء أمثاله لأمة محمد! نُصح عجيب! في سبيل ماذا كله؟ في سبيل الأموال، واكتناز الأموال!

لم يكن الشيخ عبد الغني Abdul Ghani؛ صدر الصدور Sadr-us-Sudur، أفضل منه حالة، بل كان مثله! ومما زاد الطين بِلة، أن نزاعا واختصاما شجر بينهما، وانتقل إلى أتباعهم وحواشيهم، فأحدث رجة وقلقلة، والملك يقف على التفاصيل! وكل يوم يكبر الغضب في صدره.

الشيخ عبد الغني Abdul Ghani هذا؛ صدر الصدور Sadr-us-Sudur، بلغت به الجراءة أن هتك حجاب الحشمة، وخرق حدود الأدب، التي ينبغي أن تُراعى مع السلاطين! اليوم ذكرت لكم، قُبيل قليل، إذا أردنا العصمة، علينا أن نتبع محمدا – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه -، أليس كذلك؟ وبدقة! وبدقة! وسوف ترون نموذجين مُتباعدين مُتقابلين، تقابل الطرفين الأقصوين! المشرق والمغرب! المشرق والمغرب!

النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أخبرنا وأنهى إلى علمنا أن من إجلال الله – إذا أردت أن تُجل الله، وهو الجليل الأجل، لا إله إلا هو، أن تُجله – إجلال السُلطان، المُقسط! العادل! وهذا سُلطان عادل مُحب! هذا يخدم! وربما كنس المسجد بيديه! السُلطان أكبر Akbar، كان يكنس المساجد مرات! كان مُتواضعا! كان نموذجا للسُلطان المُسلم التقي البسيط الصادق في تواضعه وتقواه.

الشيخ عبد الغني Abdul Ghani هذا؛ صدر الصدور Sadr-us-Sudur، أتى والملك يحتفل ذات مرة، وطبعا دعا إلى القصر أُناسا من العلية والهيئات، وكان يلبس لباسا أصفر مُعصفرا، وهذا ورد النهي عنه طبعا، في الأحاديث، والملك لا يدري، هو جاهل بعلوم الدين!

فيأتي الشيخ عبد الغني Abdul Ghani، ويُقرّعه أمام الحاشية والبطانة والضيوف! هذا لا يجوز، وهذا باطل، وهذا معصية! فهلا علمته؟ هلا انفردت به؟ هلا ذكرت له ذلك قبلا؟ أمام الناس! يتقوى بما له من منزلة ومثابة عند السُلطان!

ثم إنه رفع عصاه! على جلال الدين أكبر Jalaluddin Akbar! حتى مس بها حاشية ثوب السُلطان! فانكسر السُلطان، مُغضبا! قال له لا بأس. دخل إلى أمه – رحمة الله عليه -. انظر، هذه أمة طيبة، فيها الخير! آخ، آخ! مرة البلاء من العلماء، ومرة البلاء من الأُمراء، ومرة البلاء من العامة، لسنا برآء أيضا! للأسف!

وكانت سيدة صالحة، وامرأة تقية، قال لها يا أماه، انظري كيف فعل هذا الشيخ بي، أمام الناس، وأمام ضيوفي، وأنا سُلطان البلاد! فهدأت من روعه، وكسرت من حدة غضبه وثورته، وقالت له يا ابني، والله لئن صبرت وكظمت غيظك، لله – تبارك وتعالى -، ليُكتبن هذا في سجل تاريخك، منقبة لا مثلبة. سُتذكر بهذا! يُقال سُلطان احتمل هذا، لعالم! لأنه عالم، يُمثِّل الدين. فهدأ ورضيَ المسكين! وخرج إلى الشيخ، وإلى الناس، وقد نزع عنه لباسه ونضاه، ولبس لباسا آخر! إلى هذه الدرجة؟

الآن انتبهوا، طبعا هناك مَن يتربص، هناك مَن يتربص! هناك فئات حاقدة، فئات زنديقة! الهند انتقلت إليها فرقة باطنية زنديقة من إيران، اسمها النُقطية! من النُقطة، نسبة إلى النُقطة! لأنهم – المُهم – النُقطة بلُغتهم تعني الطين، يرون أن كل شيء خُلق من طين.

المُهم، وهذه الفرقة الضالة النُقطية وأتباعها النُقطويون، عندهم رجل إيراني – كما قلت لكم -، بسخاني Pasikhani؛ محمود بسخاني Mahmoud Pasikhani، هو الذي أسسها! زنديقة! ترى أن شريعة الإسلام آن لها أن تُنسخ! لماذا؟ لأن الله – تبارك وتعالى – يبعث إلى العالم، كل ثمانية آلاف سنة، نبيا يأتي بشرع جديد!

وقد مر، في هذه الحقبة – يقول محمود بسخاني Mahmoud Pasikhani -، مر على البشرية، ثمانية آلاف سنة بتمامها، فدين مُحمد أصبح منسوخا، لا وزن له، ولا عمل به، وينبغي أن يُترك، ولم يعد مُناسبا للمرحلة!

واقتنع بهذا للأسف جُملة مِمَن يدّعون العلم والفلسفة والحكمة، وأصحاب النفوس المُنحلة! هناك ناس عندها انحلال، هناك ناس تُحب أن تتحلل طبعا، طبعا! من المُسلمين!

الآن يخرج لك أي واحد، باسم التنوير، باسم التجديد، باسم الإصلاح، يقول لك لا، لا، الصلاة غير واجبة! على الأقل الصلاة الحركية هذه! أول مرة نسمع هذا: الصلاة الحركية! وهل تكون الصلاة إلا حركية؟

هل نحن نُصلي، هذه الصلاة طبعا؛ ركوع وسجود وقيام، هل نُصلي هذه الصلاة؛ لأننا قرأناها في البُخاري ومُسلم؟ مَن منكم فعل هذا؟ نحن نُصلي هذه؛ لأننا أخذناها عن آبائنا وأمهاتنا. إلى أن ننتهي بسيد الكل – عليه الصلاة وأفضل السلام -! هذا اسمه تواتر طبقي، ليس تواتر رواية! تواتر طبقي، لا يُشكك فيه مغلوب على عقله، أو مجنون، أو زنديق.

الآن يسخرون من الصلاة الحركية! هذا تجديد – ما شاء الله -؟ هذا دين؟ الناس، بعض الناس، تُحب هذا، يؤيدون! لأنه لا يُحب أن يُصلي، ولا أن يتوضأ، ولا أن يتطهر، ولا أن يقوم في الليل، والليالي الباردة الزمهرير! ما شاء الله عليك! إذن انتهى، أمامك حساب – إن شاء الله -، وأمامك سؤال.

بعضهم يُفهمك باسم التجديد أن المُساكنة حلال! ماذا؟ يقول لك هذه مُساكنة، مُعاشرة، هذا غير الزنا! الزنا الذي هو السفاح شيء، والمُساكنة شيء آخر! ويبدأ يلعب بكتاب الله! عادي! مثل هؤلاء المغلوبين على عقولهم وعلى أديانهم، موجودون دائما، في كل حقبة! لو تقرأون تاريخ الزندقة والزنادقة، والأقاويل التي قالوا بها واحتملوها، تقشعر منها الجبال، وليست الجلود! لا الجلود! الجبال تقشعر منها، والله العظيم!

فدائما يتجدد لهذه الأمة المرحومة أمثال هؤلاء! لكن دائما يطويهم التاريخ – بفضل الله -، ويبقى، يبقى الاتجاه العام، لهذه الأمة، هو اتجاه الاستقامة، وإن عصت! فتأتي إلى مُسلم عاص، سكّير شرّيب، كذا! يقول لك ولكن أعلم، هذا بلاء عظيم، ادع الله لي، والله أعلم أنه حرام، لعنة الله على الخمر، وعلى الساعة التي كذا! يبدأ هكذا يتحدث بلُغة عامية! يعلم أنها حرام هو، لكن يأتيك مُجدِّد مُصلِح، ويقول لك لا، الخمر ليست حراما، الخمر حلال!

المُحزن أنك ترى بعض الناس، يتلقفون مثل هذه الزندقات! يقولون لك هذا تجديد وإصلاح! وهذا الكلام الآن سيُغضب أُناسا كثيرين، مِمَن – قال – يُحبون هذه الطريقة في الإصلاح والتجديد! ما شاء الله! طبعا طريقة مُريحة جدا لأصحاب الشهوات!

على فكرة، كما سجل غير واحد من علمائنا، دائما الزنادقة الكبار يضربون على هذا الوتر! يضربون على هذا الوتر! وتر ماذا؟ التحلل والشهوات! لأن الذي يكون – والعياذ بالله – ضعيف العُقدة، كما يُقال، ضعيف العُقدة، مُندلع وراء شهواته، هشا، لا يتمالك، يُحب أمثال هذه الأفكار! يقول لك يا أخي مُقنعة، مُقنعة وأدلة، ردوا عليهم! أين في كتاب الله أن الله قال حُرمت عليكم الخمر؟ مثل هذه البلاهة! هذه بلاهة! هذا لا هو علم، ولا هو استنباط، هذا اسمه هبل! هذا ليس علما.

أين في كتاب الله أن الله قال حُرم عليكم الشرك؟ هيا، ائتني بآية واحدة أن الشرك مُحرم، آئتني بآية واحدة أن عبادة الأوثان مُحرم، هيا! لكن الله قال فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ *. قال وَاجْتَنِبُوا *! إذن فهمنا الآن! لم يقل حُرّم عليكم عبادة الأوثان، الرجس من الأوثان.

قال وَاجْتَنِبُوا *! علمنا أنها صيغة من أشد الصيغ على الإطلاق، لا أُحب أن أقول هي أشدها، وقد تكون أشد الصيغ؛ لأنه لا يُقول حُرّم، حُظر، مُنع، اترك، لا تفعل! لا، يقول اجتنب! اجعله في جانب، وكُن أنت في جانب آخر مُقابل.

مثل نهر، له جنبتان، له ضفتان، اجعل هذا الشيء المنهي عنه في تلك الضفة، وأنت هنا، بعيدا جدا! حتى إذا أردت أن تتناوله، لم يُمكنك هذا إلا بسعي جاهد، إلا بسعي جاهد! أن تعبر إليه سباحة وما إلى ذلك، فيطول الأمر، تتعنى، فلعلك تُراجع نفسك. صيغة مُشددة! الله لما قال اجتنبوا، عن الخمر، ليس معناها لأن الخمر ليس حراما! ما الاجتهاد هذا – ما شاء الله – والفقه؟

لا نُريد أن نُطوِّل، على كل حال، هذه الفرقة النُقطوية للأسف، جاءت وجاء بعض أعلامها الكبار من إيران إلى المملكة المغولية السُنية في الهند، وبدأوا يتسللون إلى بلاط الملك، شيئا فشيئا! علماء آخرون كانوا مُتسعي الدائرة في العقليات وعلم الفلك والحيل والهيئة والميكانيك والمنطق والفلسفة والأدب والشعر والإنشاء، مثل المُلا مُبارك الناكوري Mulla Mubarak Nagauri.

مُلا مُبارك الناكوري Mulla Mubarak Nagauri كان واسع الدائرة جدا، وكان له ابنان عجبٌ من العجب! أبو الفيض فيضي Abul Faiz Faizi، وأبو الفضل علّامي Abul Fazl Allami، اثنان! أبو الفضل Abul Fazl، وأبو الفيض فيضي Abul Faiz Faizi!

لو سألت الآن دارسي الأدب، أعظم شعراء الفارسية، الذين شعروا بالفارسية: خسرو Khusrow، وفيضي Faizi! هذا فيضي Faizi، هو هذا! هذا تسلل إلى بلاط السُلطان أكبر Akbar، وكان علّامة مُنقطع النظير وعقلية!

وأخوه أبو الفضل العلّامي Abul Fazl Allami، لم يكن دونه، لكنه كان في الإنشاء! كان في الإنشاء والكتابة، والعلوم طبعا! والتفسير. وللأسف كان الرجلان كأبيهما، ضاغنين على الإسلام! بسبب مواقف اتفقت للأب مع الشيوخ الكبار! مع مخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk، ومع صدر الصدور Sadr-us-Sudur. انتبهوا! ولذلك، والله يا إخواني، هذه نصيحة، وأقولها لنفسي أولا، ثم لكم ثانيا، خاصة لأبنائي وأحبابي وبناتي:

حتي حين تدخل على الفيسبوك Facebook، أو في وسيلة من وسائل التواصل، إياك أن تُعلق بطريقة تستفز بها الطرف الآخر، بحيث تحمله على أن يركب رأسه، وتأخذه العزة بالإثم، فربما زاد إلحادا أو كفرا أو كرها لله ورسوله! والله لتبوءن بإثم هذا.

انتبهوا! تقريبا كلكم يفعل هذا، إلا ما رحم ربي! الكل يفعل هذا! وتبدأون بالسباب وبالشتائم، وأنت يا مُلحد، يا مُعفن، يا ناتن، أنت لا عقل لك! إياكم أن تفعلوا هذا! خُذوا بطريقة مُحمد في الهداية، بطريقة مُحمد في الدعوة.

واعتبر نفسك مسؤولا عن ردة الفعل، التي سيُحدثها خطابك في هذا الطرف الآخر، سواء كان مُلحدا، أو زنديقا، أو أيا كان! أو على دين آخر! والله العظيم! أقول هذا على منبر رسول الله، وأعلم ما أقول، انتبهوا! كل مَن يسمع كلامي هذا، بعد اليوم سيُصبح عند الله غير معذور، لزمتك الحُجة! لزمتك!

ولذلك وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ *، مَن؟ قلتها مرة على هذا المنبر، الله لا يتحدث عن أبي لهب، وعن صفوان، وعن أبي جهل، وعن أُمية! عن مَن؟ يتحدث عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومُعاذ، وطلحة، والزُبير! عن شامات الأُمة، عن أماثل الأُمة، عن أكارم الأُمة!

يقول حتى هؤلاء، ليسوا استثناء. لو كنت غليظا، قاسيا، فظا، لتركوك! أي الآية تقول لنا بلُغة علمية قوية وصادمة البشر لا يتحركون، أكثر ما يتحركون، بالبراهين والأدلة والإثباتات العقلية! هذا حال البشرية! هؤلاء فقط الفلاسفة تقريبا إذن، الفلاسفة! وليسوا مُستثنين بالكامل، وفي كل الحالات! الفلاسفة!

لكن مُعظم الناس، على الإطلاق، وليسوا بفلاسفة، ليسوا عقولا روبوتية، ليسوا عقولا مُجردة، ليسوا زومبي Zombie فلسفي! الزومبي Zombie الفلسفي يُمكن نعم أن تتكلم معه، فلا يتفاعل إلا عقلانيا، فقط! نحن لسنا زومبي Zombie فلسفيا، نحن بشر، من طين وماء. بمعنى ماذا؟ فقط استفزني، سبني، اشتمني، فذلك وحده كفيل بأن أرد الحق كله منك، جُملة وتفصيلا! وألتوي على كل بُرهان تأتي به! تخيل! وأنت السبب.

لذلك الدعوة غير النقاش الفلسفي، غير المُكايدات السياسية. الدعوة إلى الله، الشأن الديني، غير كل المُكايدات، علمية وفلسفية وحزبية، غير! الشأن الديني دائما يختلف. مَن يُريد أن يقف موقفا لله، أو يدّعي أنه من أهل الله ومن أهل الدعوة ومن أهل النصيحة، دائما لا بُد أن يجعل وجهه لله، وقلبه مع الله، ونيته لله، رضيَ الناس أم غضبوا!

وطبعا يستحيل أن تُرضي كل الناس، دائما لا بُد أن تُغضب، على الأقل شطرا، أو أشطارا، من الناس، لكن التزم بالصدق، مع نفسك، وأمام الله – تبارك وتعالى -، واتق الله في هذه الأشياء دائما، وإياك أن تنتصر لنفسك! إياك! وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ *.

لا أُريد أن أُطيل، هؤلاء – المُهم – أحدقوا بالملك، السُلطان أكبر Akbar، للأسف الشديد! وبدأوا يفتلون له بين الذروة والغارب، كما تقول العرب بين الذروة والغارب، فأفسدوا عليه عقد دينه! تطرقت الزندقة والانحلال إلى نفس أكبر Akbar!

وأبو الفضل العلّامي Abul Fazl Allami هذا، على السنين، دائما كان يُفهم أكبر Akbar أنك أذكى الأذكياء! أنك أذكى منا جميعا! ما من مسألة يتم التداول حولها، أو المُباحثة فيها، إلا ورأيك هو الأمتع ميزانا، والأوضح بُرهانا! فصدّق ذلك مَن؟

والناس تُحب ذلك! ليس الملوك حتى بالذات، حتى الناس، أي واحد! حاول أن تنفخ فيه، ينتفخ! الناس يُحبون مَن يُكبِّر فيهم! فكيف إذا كان سُلطانا؟ وكيف إذا كان يتعانى كما يُقال – أي يُعاني -، يتعانى عُقدة نقص؟ الـ Inferiority complex هذه! لأنه يعرف نفسه، أُمي هو، لا يقرأ ولا يكتب، وحوله فلاسفة وعلماء وشعراء ومنشئون وأدباء وكُتّاب! فطبعا هذا يلقى منه قبولا عظيما، يحل منه بمحل الرضا! يحل منه بمحل الرضا! فصدّق ذلك أكبر Akbar.

صدّق ذلك أكبر Akbar! وبعد سنين، بعد سنين، قال أنا سأُنشئ دينا جديدا، لم يعد يُرضيني دين مُحمد. دين مُحمد هذا منسوخ! ومُحمد نبي العرب، والعرب بدو جهلة قُساة وغُزاة، لا قيمة لهم!

ثم أخذ على رسول الله جُملة أمور، أُنزه لساني عنها، مما ورد في السيرة، ومما ضاق عنه عقله الصغير. وهذه جناية حتى الدين – أيها الإخوة – بغير علم رجيح، وبغير فهم صحيح! مهما كان دينك قويا، ومتينا، لكن من غير علم، من غير فهم، مُصيبة عظيمة! ولذلك الإمام البُخاري – رضوان الله عليه – في صحيحه، يُبوّب، يقول باب العلم قبل العمل، قال – تبارك وتعالى – فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ *. قبل!

فرق بين إنسان يقول لا إله إلا الله عن غير علم، تقليدا وتأثرا! وبين إنسان يقولها عن علم واستدلال وبُرهان! مُختلف! عُقدة إيمانه تكون أقوى، أليس كذلك؟ أكبر Akbar لم يكن كذلك، للأسف الشديد! فأتى بدين، عُرف بالدين الإلهي!

الدين الإلهي؛ مزيج من أديان، وإن كان أهمها الإسلام والهندوسية، ولكن فيه المسيحية، وفيه البوذية، وفيه السيخية، أديان كثيرة! أديان كثيرة! وحَّد الله، قال الله موجود، وهو واحد أحد. عجيب! واحد أحد، لكن الشمس تُعبد، والكواكب تُعبد – والعياذ بالله -. أباح عبادة الشمس والنجوم والكواكب، على أنه يُوحِّد الله – تبارك وتعالى -.

أسقط عن أمة الإسلام، ويزعم أنه أخذ أشياء من الإسلام، لكن أسقط عنهم، الصلاة والطهارة والختان والحج والصيام! قال هذا ليس واجبا! ثم كرّه، ولم يُحرِّم، كراهة شديدة، زواج بنت العم وبنت الخال، القريبات! وأوشك أن يمنع تعدد الزوجات، لكنه لم يفعل! لكنه زهّد فيه كثيرا! تعدد الزوجات! وأدخل احتفالات كثيرة، لغير مُسلمين. احتفالات رسمية صارت في السلطنة، لغير المُسلمين، وخاصة الهنادكة، خاصة الهنادكة!

وأباح زواج المُسلمة من الهندوسي، زواج المُسلمة من الهندوسي! وزواج المُسلم أيضا من هندوسية! على غير ما عليه اتفاق العلماء، في وقته وقبله وبعده. وهناك أشياء كثيرة فاحشة جدا – والعياذ بالله -! وبدأ يضطهد المُسلمين والمساجد، ويفتك كثيرا من المساجد، ويجعلها في أيدي الهنادكة! خُذوها لكم! معابد لكم! مساجد، كان يُوحَّد فيها الله. لا، للهنادكة!

ثم سطا الآن بأكبر عالمين في بلاطه: بمخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk، وصدر الصدور Sadr-us-Sudur. دعاهما إليه بعد أن لزما بيتيهما فترة. علما أنه انتهى الأمر، انقطع الرزق وكل شيء! في البيت!

الآن الدولة لمَن؟ للعلّامي Allami؛ أبي الفضل العلّامي Abul Fazl Allami، وأخيه الشاعر فيضي Faizi، وبقدر أقل أبيهما مُلا مُبارك الناكوري Mulla Mubarak Nagauri. الدولة لهؤلاء صارت! هؤلاء هم المُقربون، هم المُقربون المحظيون.

بعث إليهما مرة، فجاء مخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk، وصدر الصدور Sadr-us-Sudur، فأمرهما أن يجلسا في صف الأحذية! قال هناك، عند الأحذية! إمعانا في إهانة علماء المُسلمين! لكن هما جرّا ذلك على نفسيهما، وعلى الأُمة! يا ويحهما، ويا ويلهما، عند الله – تبارك وتعالى-، بما فعلا!

انظر، العالم فعلا ليس كذلك. تذكر قصة:

مرة شاب لطيف ظريف، غُلام صغير، مر به عالم. فالشاب يكاد يقع، لا أدري في كذا، فقال له احذر أن تقع. لا عليك يا سيدي – قال -، أنا إن وقعت، وقعت وحدي، احذر أنت أن تقع! إن وقعت أنت، وقعت بوقوعك الأُمة!

أنت تختلف – قال له -، أنا شاب عادي، أقع وأتكسر، عادي! لكن أنت عالم، زلتك تزل بها أُمة، تشقى بها أُمة، تُعذَّب بها أُمة، تهلك بها أُمة! أحيانا! وفعلا، كان هذا الشاب حليما، لقنا، زكنا، فطنا، وما أحسن ما أجاب به!

المُهم، ثم سيرهما إلى الحجاز، في أوقات شبه مُتقاربة. سار الأول، ثم عاد المسكين، حن إلى بلده، فلما عاد، دُس له السُم، ومات! قتله! والآخر أيضا ذهب إلى الحجاز، وعاد بعد فترة، فسجنه! قيل مات في سجنه. وقيل مات مخنوقا. وقيل خنقه أبو الفضل العلّامي Abul Fazl Allami! مع أن هذا فيلسوف وعالم كبير! لكن انتهى، بأمر السُلطان! هذا الصراع – والعياذ بالله – بين هؤلاء!

بقيت هذه الحالة السيئة جدا، وما أحد يستطيع أن يفتح فاه! لا عالم، لا جاهل! سُلطان! أكبر Akbar هذا كان سُلطانا قاسيا، وجبارا، وفتح فتوحا كثيرة، وامتدت وانبسطت على ربوع الهند مملكته! كان شُجاعا جدا، وكان مُخيفا مهيبا!

في هذه الفترة – بفضل الله تبارك وتعالى – تأذّن القدر الرباني، بأن يُولد غُلام، سيُلقَّب بعد ذلك مُجدد الألف الثاني في الإسلام! الله أكبر! ليس مُجدد مئة، مُجدد الألفية! مُجدد الألف الثاني! هكذا لقبوه! مُجدد الألف الثاني! وهو الشيخ الإمام أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي!

سرهند هذه بلدة في الهند، تُسمى رأس الهند، أي سرهند! المُهم، وأما أنه فاروقي، فبينه وبين سيدنا عمر الفاروق – رضوان الله عليه -، إحدى وعشرون واسطة فقط! هو ابن سيدنا عمر، ابن سيدنا عمر بن الخطاب.

يُمكن أن تعودوا إلى سيرة حياته، أوفى كتاب أُلف في سيرة هذا الرجل الصالح والإمام المُجدد، هو كتاب العلّامة، أيضا الشيخ الصالح، وإن شاء الله من المُجددين، أبي الحسن الندوي – رحمة الله تعالى عليه -! الرجل العالم الصالح الزاهد! أبو الحسن الندوي!

الحلقة الثالثة في سلسلته الرائعة، التي أُهيب بكم أن تقرأوها؛ لكي تنتفعوا ببركاتها – إن شاء الله -، سلسلة مُباركة عظيمة؛ رجال الفكر والدعوة في الإسلام! رجال الفكر والدعوة في الإسلام! ولو تعلمون الباعث الذي بعث مولانا أبا الحسن الندوي على وضعها، لعجبتم!

حين كان في الثاني والعشرين، ألّف كتابا، شرّق وغرّب في الهند، وأثّر كثيرا! وطار له صيت وذياع! كتاب عن ماذا؟ أو عن مَن؟ عن الإمام أحمد الشهيد: ابن عرفان الشهيد، المعروف بالشهيد! هذا الرجل الصالح المُجاهد! أُعجوبة أيضا هذا من الأعاجيب!

على كل حال، لكن ما الذي حصل؟ أبو الحسن الندوي في كتابه عن أحمد بن عرفان الشهيد – رضوان الله عليه -، صدر عن منطق يرى أن الإسلام تقريبا برنامج لحكومة! برنامج سياسي! حكومة الناس! نحكم الناس، الحاكمية! نُراقبهم، كذا!

هو كان يؤمن بهذا! يؤمن بهذه الفكرة! ثم لم يلبث، يقول كنت صغيرا، في بداية شبابي، في شرخ الشباب، ولم أكن نضجت، ولا تعمقت في العلم والفهم، ثم أدركت أن هذه الفكرة، التي صدرت عنها في كتابي، جناية على الإسلام! جناية! ولها آثار مُخيفة سوداء! فأراد أن يُكفِّر عن هذه الفكرة!

كيف يُكفِّر عنها؟ ألّف هذه السلسلة! ألّف هذه السلسلة؛ لكي يضع أيدينا على مكمن الداء، وعلى جوهر الدواء، ولكي يُفهمنا أن هذا الدين لا يحيا، ولا يُبعث، ولا ينتعش – بإذن الله تبارك وتعالى -، إلا بماذا؟ إلا بروح الدين!

وروح الدين ليست هي برنامج سياسي، وبرنامج حاكمية ورقابة وسُلطوية! أبدا! روح الدين شيء مُختلف تماما عن هذا. وإن كان هذا من الدين، فليس له الصدارة. كما فعل مَن؟ مَن أول مَن جاء بهذه الفكرة، وجعل لها الصدارة، واتبعه خلائق إلى اليوم؟ الشيخ أبو الأعلى المودودي – رحمة الله عليه -! صديقه، صديق عُمره! لأبي الحسن الندوي! ولكن المودودي عاش ومات وهو يؤمن بهذه الفكرة، التي أخذها منه الشهيد سيد قطب – رحمة الله عليه -، وأثرت في ملايين!

الندوي أدرك، هذه خطيرة جدا جدا! هذه تُدمر الإسلام! كيف؟ ألّف رسالة، وبعثها إلى المودودي، قال له يا أخي وصديقي، وأنت حبيبي، انتبه! أنت وقعت في خطيئة فكرية كبيرة! وتكلم معه بالتفصيل.

المودودي كان رجلا طيبا مُتواضعا – رحمة الله عليه -، لم يغضب، لم تحتمله الحمية. تعرفون ماذا كان جوابه؟ قال له سأُرسل لك كامل مؤلفاتي، وأرجوك يا أبا الحسن، ما كان لك من نقود ومن تصحيحات ومؤاخذات، فاكتبها، فلست بفوق النقد! لست كبيرا على أن أُنقد! أبدا! أنا أُنقد! اكتب لي بكل مُلاحظاتك.

طبعا ولست أعدك بأنني سآخذها من عند آخرها، ولكن أُريد أن أنظر فيها. لماذا؟ لأن نقدات المودودي لفكرة الحاكمية وكذا، Oh، وقعت منه موقعا! معقول؟ معقول أنا الذي قلت هذا؟ أي مَن، مَن يُريد أن يتهم نية المودودي – رحمة الله عليه -؟ حاشا لله! لكن معقول أنني قضيت عُمري، وأثرت في الملايين؟ وخاصة في العرب!

على فكرة، فكرة الحاكمية أثرت في العالم العربي أكثر بكثير مما أثرت في الباكستان والهند! أثرت فينا تأثيرا، إلى اليوم على فكرة! وهي فكرة طبعا اجتمع معها التكفير، واجتمع معها ما يُعرف بالقتال المُسلح، وأشياء مُخيفة مُرعبة، على فكرة! سنُفكك هذا بطريقة – إن شاء الله – تكون قريبة وسهلة، في الدرس – بإذن الله تبارك وتعالى -. فالمودودي تقبل هذا.

على كل حال، الإمام الندوي ألّف هذه السلسلة الماتعة المُباركة؛ لكي يُكفِّر عن خطيئته، حين فهم الإسلام بهذه الطريقة الاختزالية! أنه برنامج سياسي، برنامج سُلطة، برنامج حُكم! لا، لا، لا! الإسلام المُحمدي شيء مُختلف.

على فكرة، انظر الإمام المودودي – رحمة الله عليه -، رجل له مؤلفات، ربما مؤلفاته أكثر من مئة وعشرين مؤلفا! وعاش حياته كلها يخدم في الإسلام، المسكين! لكن إذا أسست على غلط، يظل الغلط يتناسل، يتناسل هنا وهنا، ودون أن تدري! لكن النية، النية تشفع لصاحبها – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

المودودي لكثرة وقوة سيطرة هذه الفكرة عليه، غمز – دون أن يدري – من قناة الأنبياء، لكن تصريحا! تصريحا، لا تلويحا! كيف؟ الآن إذا سألنا أنفسنا قرآنيا، مَن هو أبو الأنبياء؟ تقول لي إبراهيم – عليه السلام -. أليس كذلك؟ مَن هو المُسلم الأول الكامل؟ إبراهيم. مَن هو الذي أتى بهذه التسمية العجيبة؟ إبراهيم. هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ *. إبراهيم الحنيف المُسلم الأول!

المودودي يقول بالنسبة للبرنامج الكامل للدين – أي حقيقة الدين، جوهر الدين، الغاية الأعظم من الدين -، الأنبياء يتفاوتون في الموقف منها! نعم؟ فبعضهم – قال – مهدوا وهيأوا لها الأرضية! لكن لم يُنجزوا هذا المشروع، ولا قاربوه! مثل الخليل إبراهيم!

لا إله إلا الله! كلام يقشعر له البدن! يا رجل، هذه كلمة مُخيفة ومُرعبة! قال لك هو هكذا! إبراهيم لم يعمل دولة. أليس كذلك؟ لم يحكم ناسا، لم يحكم إدارات ودستورا! إذن انتهى! إذن هو لم يحظ بالدين الكامل، أن يُطبِّقه وأن يُنفِّذه! شيء مُخيف!

وبعضهم قارب، ولكن لم يُوف عل الغاية! مثل سيدنا المسيح. يقول! حاول، لكن لا! وبعضهم بلغ محل النُجح – النجاح -! مثل موسى ومحمد – عليهما الصلوات والتسليمات -.

وهذه الفكرة الخطيرة الجريئة جدا جدا على جناب الأنبياء، جرته أيضا لكي يتنقص كل مُجددي الأمة! الأمة فيها ألوف المُجددين، أليس كذلك؟ خاصة، إذا أخذنا بأن مَن يُجدد لها ليس واحدا! هذه (مَن): لفظ من ألفاظ العموم، وخلنا نُعمم، ولا نُخصص، المُجدد لا يكون واحدا فقط! وإنما جماعة، كلٌ يُجدد في ناحية!

المودودي يُصرِّح – رحمة الله عليه – بهذا في كتابه موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه. على فكرة، الطبعة العربية مُختصرة جدا! الطبعة الأردية موسعة، وهي التي يُحيل إليها الإمام الندوي – رضيَ الله عنهما -. يقول مَن أجال نظره في التاريخ – تاريخ المُسلمين -، علم أنه لم يُوجد مُجدد كامل، بملء معنى الكلمة!

يا رجل، النبي بشّر بماذا إذن؟ لما قال إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مئة عام مَن يُجدِّد لها دينها، بشّر بماذا؟ بُعشر مُجدد؟ بكسور مُجددين؟ ما الذي تُريد أن تقوله؟ طبعا كان في باله – رحمة الله تعالى عليه – أن مشروعه لأول مرة، هو المشروع التجديدي الكامل، الذي حتى الأنبياء لم يبلغوه!

تعرفون، مَن الذي أفرغ عن هذا المنطق أيضا، بهذه الطريقة، بكلام تقشعر له الأبدان؟ الخُميني. نفس الشيء! يبدو العقلية هذه الأصولية واحدة! الخُميني! الخُميني له تصريحان من أشد ما يُمكن أن تسمع! ومُوثق كل شيء. في المُحاضرة – إن شاء الله – سأقول أين قال هذا، وبأي تاريخ؛ حتى يعود مَن أراد أن يتوثق.

الخُميني بضرس قاطع يقول، يقول لم ينجح الأنبياء، ولا محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، في إقامة الحكومة الإلهية العادلة! لم ينجح! وصرّح أيضا بأنه مما يحزنه ويسوءه أن أحدا لم ينجح في تحقيق مثل هذه الحكومة! ولن ينجح إلا الإمام المهدي، صاحب الزمان! وطبعا معروف، الخُميني هو – ولاية الفقيه – يُعتبر كأنه ماذا؟ كأنه مندوب، أو المُتكلم باسم صاحب الزمان!

عقلية أصولية مُخيفة، تُريد أن تُفهمك: الإسلام كُله عندي، الدين كُله عندي، البرنامج الأصح والأكمل والأتم عندي، كل شيء غير هذا لا. لذلك لما تسمع كلاما مثلا للشهيد سيد قطب، تتساءل كيف كتبه في الظلال؟ كتبه، عادي! كيف كتبه هناك؟ كتبه، عادي! طبعا أتباعه يقولون لك لا، غير صحيح! هذا صحيح، الكتاب مطبوع، والله يرحم الدكتور القرضاوي – رحمة الله عليه -، هو أول مَن أثار هذا الموضوع، بشكل قوي، على فكرة! فأغضبهم جدا!

الدكتور القرضاوي أغضبهم! لماذا؟ الدكتور القرضاوي كان عضوا في التنظيم الدولي للإخوان المُسلمين، وطلبوا إليه – رحمه الله – مرة الآتي! طبعا هو مُكلف بأعمال علمية، كعالم! إذن المرة هذه راجع لنا ظلال القرآن لسيد قطب. في ظلال القرآن، نقّه من الأشياء التي ينبغي أن يُنقى منها.

فشرع – رحمة الله عليه – في القراءة، ثلاثة أشهر كاملة، يقرأ! ثم عاد إليهم، وقال لهم بالحرف ما الذي يُمكن أن أُنقيه؟ أُراجع ماذا؟ وأُنقِّح ماذا؟ الكتاب يرشح تكفيرا! ماذا؟ يرشح. قال لهم! ينقط! ليس مرة ومرتين وعشرة وعشرين وثلاثين وأربعين! الكتاب كتاب تكفيري!

تكفيري! يُكفِّر الأمة، ليس فقط الحُكّام، والأمة! ويُعلن الهجوم؛ الجهاد الهجومي، على الأمة، ووجوب الانعزال عن الأمة، وترك الأمة! ولماذا؟ لأن الأمة هذه لم تعد مُسلمة، وإن زعمت أنها مُسلمة. هو يُصرِّح بهذا، على فكرة! وإن استعلنت بالأذان خمس مرات في اليوم أنها مُسلمة! ليست مُسلمة!

ستقول لي نعم، من هنا هذه الأفكار، وتكفير الناس، وقتل الناس، وتفجير المساجد. تأسيس! تأسيس خطير! هذه هي العقلية التي ترى أنها استبدت بماذا؟ بفهم الدين وجوهره. ولذلك ماذا إذا سألت الشهيد سيد قطب: يا أستاذ، وأنت لست عالم دين؟ أنت رجل أديب، شاعر وكاتب! لم تقرأ أي علم دين على أهله.

ومعروف! لم يكن مُبرِّزا، لا في الأصول، ولا في الفقه، لا يعرف هذا الشيء! ولا في التفسير! لو قرأتم كتابه مشاهد القيامة في القرآن، آخر صفحة: مراجع هذا الكتاب، يقول كان مرجعي الوحيد، أي الفذ، المُصحف الشريف. أما كُتب التفسير، والتي قرأت الكثير منها، ففي الحقيقة، لا أستطيع أن أُثبتها هنا؛ لأنها ليست لي مراجع! أي كأنه يقول لك أنا لم أستفد، ولا يُمكن أن أرجع إلى أي كتاب تفسير! أي ما شاء الله، منك ومن لدنك، يبدأ العلم، يبدأ الفهم، يبدأ الدين! يبدأ الدين!

لذلك لو قلت له يا أستاذ، يا أستاذ أنت وُلدت سنة ألف تسعمائة وستة تقريبا، قبلك لم يكن هناك إسلام؟ تُريد أن تُفحمه مثلا، ولو بطريقة جدلية! يقول لك لا، طبعا! من قرون! وصرَّح بهذا! يقول لك من قرون توقف الإسلام عن العمل! الإسلام غير موجود!

يا رجل، وعلماء الأمة، أولياء الأمة، عبّاد الأمة، آباؤنا، أمهاتنا، أجدادنا، الصُلحاء، العُرفاء، الحجّاج، المُعتمرون، المُجاهدون، الفرقة السنوسية، الفرقة كذا، الشيخ شامل النقشبندي، الشيخ عُمر المُختار، المُجاهدون؟ ما الكلام هذا؟ ما هذا الكلام؟ هذا الكلام!

فالله يرحم الشيخ الدكتور القرضاوي، قال لهم لا، لا، لا، لا! أنا لا أستطيع أن أُنقِّح هذا الكتاب، ولا أن أعمل على طبعة جديدة، الكتاب يرشح تكفيرا! غضبوا منه! وكيف تقول هذا؟ قال لهم ليس في موضع واحد، مواضع كثيرة جدا! وبدأ يُناضل عن نفسه ويُدافع، ويُثبت لهم أن الشهيد سيد قطب، الذي يترحم عليه طبعا، ويعتبره عظيما وكاتبا وكذا، لكنه تكفيري، بلا مثنوية! والكتاب يُعلِّم التكفير.

سيد قطب – رحمة الله عليه -، فيما حكى علي عشماوي في مُذكراته، وأختم بهذا، لم يكن يُصلي الجُمعة، ولا الجماعات! ولا الجماعات! لماذا؟ لأنه حين ذهب يُفسِّر قوله – تبارك وتعالى – من سورة يونس وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ *، تكلَّم كلاما يُفهَم منه الآتي في المُجتمعات الجاهلية! وعنده بضرس قاطع، كل المُجتمعات المُسلمة اليوم مُجتمعات جاهلية، ولا مُجتمع منها مُجتمع مُسلم، وكف الإسلام فيها عن الظهورعن التجلي!

في هذه المُجتمعات على الإنسان أن يلزم، كما أمر الله موسى وهارون، بأن يجعلا بيوتهم قِبۡلَةٗ *، فلذلك ترك كثير من القطبيين الصلاة في المساجد! لا يُصلون! قال لك هذه مساجد الجاهلين! ويُسمونها مساجد الضرار! المساجد عموما مساجد الضرار.

ولذلك المرحوم القرضاوي في الجُزء الأول، من موسوعته فتاوى مُعاصرة، صدر منها على الأقل أربع مُجلدات كبيرة، في المُجلد الأول، في فتوى طويلة: حُكم الصلاة في مساجد المُسلمين! أنت حين تقرأ العنوان، تقول ما هذا؟ أنا لا أفهم! السؤال عن ماذا؟ الصلاة في المساجد؟ طبعا يا أخي! الله يُحب هذا! وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ *، صد الناس عنها! قال لك لا، ليس صدا هنا، عندنا تأويل، عندنا اجتهاد! أشياء مُخيفة مُرعبة!

الله يرحم الشيخ الندوي، فهَّم مُبكِّرا – رحمة الله عليه -، أن هذه الطريقة في فهم الإسلام، هذه الطريقة الأُصولية المُسيسة في جعل الإسلام برنامجا سياسيا، ضيقا، يستهدف الحُكم والرقابة وإلى آخره! هذه الطريقة، بتعبير الإمام الندوي، تمنع المُسلم من أن يبني علاقة حقيقية مع الله – تبارك وتعالى -، وتحرمه من كل الكيفيات الإيمانية، التي يصطبغ بها المؤمن حقا!

قال لهم الشيخ الندوي شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه – كان أصدق فهما منكم، وأعمق فهما منكم، للإسلام! حين تكلَّم في كتابه العبودية، وذهب عرَّف العبادة والعبودية تعريفا جيدا جدا! ابن تيمية قال لك العبودية هي ماذا؟ ليست فقط مُنتهى الذُل. نعم! المودودي وسيد قطب – رحمة الله عليهما – قال لك هي مُنتهى الذُل والطاعة والانصياع الكامل للحاكم، السُلطان الوحيد، رب العزة، لا إله إلا هو! قال لهم ابن تيمية من زمان فهم الكلام هذا، أحسن منكم، وأعمق منكم!

ابن تيمية قال قد تكون ذليلا لأحد، ولا تكون عبدا له. لماذا؟ لأنك تُبغضه، وتكرهه وتلعنه! لكن تُعطي الدنية والذِلة؛ لأنك تخافه، مُسلَّط غشوم! قال لهم ليست هذه العبودية. العبودية بكلمتين – انظر شيخ الإسلام، رحمة الله عليه، العبودية بكلمتين – مُنتهى الذِلة، أو الذُل، بمُنتهى المحبة! أحسنت! بمُنتهى المحبة!

ولذلك الإسلام ليس فقط علاقة حاكم بمحكوم، لا يا حبيبي! علاقة مربوب برب، عبد بخالق كريم لطيف رحيم معطاء جوّاد منّان حنّان! قصة كبيرة! أين قصة الأسماء الحُسنى؟ أين قصة أسماء الله وصفاته – لا إله إلا هو – في القضية هذه؟ كل هذا رُكن على جانب، وبقينا فقط مع موضوع الحاكم، و: إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ *؟ قضية كبيرة!

إن شاء الله، بعد صلاة العصر، نختم، نُكمل قصة الإمام أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي، وكيف قيّضه الله؛ لكي تعود الهند المغولية مُسلمة مُوحدة، وعلى رأسها سُلطان، وهو أورنكزيب عالمكير Aurangzeb Alamgir – رحمة الله عليه -.

هذا السُلطان حين مات، وحكم أيضا زُهاء نصف قرن، حين مات – رحمة الله عليه -، في وصيته أن يُتصدَّق بأربع روبيات ونصف الروبية، في تجهيزه وتكفينه ودفنه، وهي من ماله الخاص، ويُتصدَّق بثمانمائة وخمس روبيات، وهي التي كسبها من نسخه للمصاحف! تخيلوا! سُلطان الهند كان يعف عن أموال المُسلمين، لا يأخذ شيئا من بيت المال، وإنما يعيش من ماذا؟ من نسخ المصاحف.

بقيَ وتحصل من نسخ المصاحف ثمانمائة وخمس روبيات، قال هذه ضعوها في الفقراء والمساكين، صدقة عن روحي. لا إله إلا الله! أين أكبر Akbar؟ وأين أورنكزيب Aurangzeb؟ عجيب! ومُجرد فقط: أكبر Akbar، ثم جهانكير Jahangir، شاه جهان Shah Jahan، أورنكزيب Aurangzeb! فقط، انتهي!

والبركة لمَن؟ كما سأتلو عليكم – إن شاء الله تعالى – لمولانا أحمد الفاروقي السرهندي. الشيخ الصوفي العابد العالم الذاكر، الذي ما رفع لا سيفا، ولا رفع صوتا حتى، إنما – أيها الإخوة – دعا إلى الله، بكل المودة، وبكل الحُب، وبالهدوء، والنية الخالصة لوجه الله – تبارك وتعالى -. فأتى الله بالبركة، من أطرافها، وأعاد للإسلام أُنسه.

ونحن نُكامع ونُصارع ونُخاصم أكثر من تسعين سنة إلى الآن! ومن خيبة إلى خيبة، ومن فشل إلى فشل، ومن مذبحة إلى مذبحة، ومن عذاب إلى عذاب! ولم نَتعلَّم الدرس! نُريد أن نتفكر في هذا الدرس، ما هو الدرس الذي يجب أن نَتعلَّمه، وأن نُعلِّمه؟

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *. اللهم أبرم لهذه الأمة المرحومة أمر رشد، تُعز فيه أولياءك، وتُذل فيه أعداءك، يُعمل فيه بطاعتك، يُتآمر فيه بالمعروف، ويُتناهى فيه عن المُنكر وتأمن فيه بلاد وسُبل المؤمنين، بعزتك وقوتك، يا عزيز، يا جبّار، يا قهّار، يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارا، اجزهم بالحسنات إحسانا، وبالسيئات مغفرة ورضوانا. واغفر اللهم للمُسلمين والمُسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *، وأقِم الصلاة.

(7/10/2022)

مصائب حسن البنا

https://www.youtube.com/watch?v=ugc9AwgIWhY&t=3619s

اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. نعود إلى مولانا أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -:

لا أُريد أن أقتص عليكم ما يُمكن أن تقرأوه براحتكم – إذا جاز التعبير -، في كتاب مولانا أبي الحسن الندوي – إن شاء الله -، في السلسلة التي ذكرت لكم، في الحلقة الثالثة منها، وهي أربع حلقات، أي أربعة أجزاء.

في الجُزء الثالث، يُمكن أن تقرأوا السيرة بشيء من التفصيل لهذا الإمام، عن ميلاده، عن تعلمه، عن مشايخه، عن رحلاته! المُهم أن هذا الرجل وُلد لرجل صالح، أبوه؛ عبد الأحد، كان عالما، جمع علوم الظاهر وعلوم الباطن، وهذا الذي ينقص الآن كثيرين من أهل العلم.

في الحقيقة، العالم إذا لم يجمع ما يُعرف في المُصطلح بعلم الباطن إلى علم الظاهر، لا بركة في علمه. وقد يغلب أن يكون علمه – والعياذ بالله – شِقوة له وللأمة. يشقى به هو، وتشقى به الأمة! لماذا؟

طبعا سوف تقول لي من أين هذه المُصطلحات، وعلم الظاهر وعلم الباطن؟ أليس هذا من التقسيم المُبتدع؟ نحن لا ندور على المُصطلحات، لا ندور على الألفاظ، ندور على المعاني والمباني، أهم شيء المعنى.

في نهاية المطاف، علم الباطن ليس شيئا غير مقام الإحسان. إسلام، إيمان، إحسان! هو هذا. كل مَن تكلم في هذا العلم، من العلماء المؤصلين المُشترعين، مثل إمامنا حُجة الإسلام الغزّالي – رحمة الله تعالى عليه -، إنما وضَّحوا هذه الجُملة!

علم السير، علم السلوك، علم تزكية النفس، ما يُعرف بعلم التصوف، إلى آخره! هو علم يُحاول أن يبلغ بك إلى مقام الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنك يراك. وهما مقامان، أحدهما أشرف من الآخر!

أن تعبد الله كأنك تراه: هذا أشرف مقام، مقام المُشاهدة، كأنك ترى الله، شيء عجيب هذا! فإن لم تكن تراه، فهو يراك: مقام المُراقبة، تكتفي بالمُراقبة عن المُشاهدة. ونسأل الله أن يُرقينا، من الإسلام إلى الإيمان إلى مقام المُراقبة فالمُشاهدة – بفضله ومنّه، إن شاء الله تعالى -.

أبوه جمع العلمين – ما شاء الله -؛ علم الظاهر، وعلم الباطن، علم الإحسان! علما الإسلام والإيمان، وعلم الإحسان. وكان رجلا صالحا، وعابدا. ومبادئ العلم وأوائل العلوم تلقاها الشيخ أحمد على أبيه الشيخ عبد الأحد – رضيَ الله تعالى عنه -.

وكان بارا جدا بأبيه، حتى أنه لم يُمكنه أن يحج بيت الله الحرام، إلا بعد أن ارتحل أبوه إلى الدار الباقية. بعد أن تُوفيَ أبوه إلى رحمة الله، استطاع الشيخ أحمد أن يذهب إلى الحجاز، ويحج بيت الله الحرام.

ثم طبعا بعد ذلك – لن نتحدث، كما قلت لكم، عن تفاصيل مشايخه وعلوم -، أحكم علوم الظاهر، سواء منها المنقولات والمعقولات! أيضا المنطق والفلسفة وكذا، يعرف هذه الأشياء، ما شاء الله! كان واسع الدائرة، وكان ذكيا جدا!

الشيخ أحمد بن عبد الأحد كان عالما ذكيا جدا! ويُذكر في سيرته أبو الفضل العلّامي Abul Fazl Allami، الذي ذكرت لكم أنه أخو الشاعر فيضي Faizi، وابن المُلا مُبارك الناكوري Mulla Mubarak Nagauri، وهذا كان أعظم واحد في ديوان الإنشاء!

وليس ديوان الإنشاء فحسب، أبو الفضل العلّامي Abul Fazl Allami هذا أصبح تقريبا كل شيء بالنسبة للسُلطان أكبر Akbar، كل شيء! تقريبا يسأله في كل المسائل ولا يصدر إلا عن رأيه! ولا يصدر إلا عن رأيه! وهو الذي زيّن له الباطل الذي كان فيه، وأفهمه أنك خاتمة المُجتهدين وأعظم العقول وأعظم المُفكرين، للأسف الشديد! وساعده على وضع دينه الباطل هذا.

ويُقال، يُقال بسبب الزندقة والانحلال التي كانت لدى أبي الفضل العلّامي Abul Fazl Allami هذا، تم قتله. هو مات مقتولا، وحزن عليه أكبر Akbar وبكى عليه مُدة طويلة، فُجع بموته! كان يُحبه جدا. أما الذي قتله، فهو جهانكير Jahangir! ابن السُلطان أكبر Akbar.

جهانكير Jahangir كان أقرب إلى السلامة – بفضل الله تبارك وتعالى -، أقرب إلى السلامة في العقيدة، ولم يتلوث كثيرا بأفكار أبيه، وبالدين الإلهي. لم يقتنع بالدين الإلهي، وقد ثبت لديه أن أبا الفضل العلّامي Abul Fazl Allami هذا يقول بأن محمدا كان أفصح الفُصحاء، وأن القرآن من وضعه وتأليفه وتركيبه!

ليس كتابا إلهيا! لكن محمد رجل كان فصيحا، كان فصيحا جدا جدا، وهو أفصح الفُصحاء العرب، لذلك اقتدر وتمكن، من ماذا؟ من تأليف القرآن! هكذا كان يعتقد أبو الفضلAbul Fazl  هذا، للأسف الشديد.

طبعا أبو الفضلAbul Fazl  بحد ذاته كان أُعجوبة، في البلاغة والبيان والكتابة! أُعجوبة! وله كُتب تشهد بذلك، له كُتب تشهد بذلك! حتى أنه ألّف كتابا، مُعظم الناس ينسبه إلى أخيه فيضي Faizi، ويبدو أنه – الأرجح – لأبي الفضلAbul Fazl ، هناك اختلاف في هذه المسألة، ألّف كتابا بالحروف غير المُعجمة!

لأن اللُغة الخاصة بهم، الأُردية هذه أو كذا، كانت تُكتب بالحروف العربية. الحروف العربية بعضها مُعجم؛ عليه نقاط، مثل الباء والتاء والثاء والجيم والخاء والغين والياء، إلى آخره! وبعضها مُهمل. هو ألّف كتابه بطوله، بحروف مُهملة!

عجيب! ويستطيع أن يُعبّر عن المعنى الذي يُريده! بالحروف المُهملة! فالناس استغربوا! وقد أجازه السُلطان أكبر Akbar، أعتقد بعشرة آلاف روبية، وهذه كانت ثروة طائلة، لا يحلم بها أحد، على هذا الكتاب!

وهو يضع هذا الكتاب، اعتاصت عليه لفظة، لم يستطع أن يصل إلى المعنى بلفظة بحروف مُهملة. وكان له اتصال بالشيخ أحمد السرهندي، الذي هو ربما في حُكم أبنائه، في سن أبنائه!

الشيخ أحمد متى وُلد؟ وُلد سنة إحدى وسبعين وتسعمائة للهجرة، سنة إحدى وسبعين وتسعمائة! فربما كان هذا؛ أي أبو الفضلAbul Fazl ، يكبره بعشرين أو ثلاثين سنة، الله أعلم!

كان أكبر منه هو طبعا، ومشهور! شُهرته أذيع، وصيته أبعد، من الشيخ أحمد حتى الآن، الشيخ أحمد ما يزال كما هو! لكن كان يعلم أنه عالم واسع الدائرة، وأنه مُتخصِّص.

سأله، فأجابه من فوره؛ اللفظة التي تُريد هي كذا وكذا وكذا! فاستغرب! وشهد له بحضور البديهة، وسيلان الذهن وكثرة العلم. قال هذا الشاب غير طبيعي! عالم كبير – قال – هذا! هذا مَن؟ الشيخ أحمد السرهندي.

وبدأ يكتب مكتوباته. سُبحان الله! أسعدته العناية الإلهية – أسعدني الله وإياكم -، بأن قيّض له في طريقه، شيخا ربانيا، عارفا بالله، قُطبا من أقطاب الصلاح! أصله من أفغانستان، من كابول، ثم جاء إلى دهلي – العرب يُسمونها دلهي ودهلي -.

جاء هناك، وأيضا ذاع له صيت عريض، في باب الصلاح والقُطبانية والتسليك والإرشاد، حتى أنه في زُهاء أربع سنين فقط، صار تلاميذه لا يعدهم عاد! شيء عجيب! نشروا النور الإلهي، في تلك البقاع، بسرعة شديدة! من قوة سره! مُجرد أن تجلس معه، يحصل لك ما يُعرف بالانجذاب! حالة حضور إلهي، بكاء، محبة لله والرسول، شيء عجيب!

كان رجلا صادق السر مع الله، واسمه الشيخ عبد الباقي، عبد الباقي النقشبندي الكابولي ثم الدهلوي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، المعروف بباقي الله، المعروف بباقي الله! والعجيب، وهذا أثّر في كثيرا، هذا وُلد سنة ثنتين وسبعين وتسعمائة! أي أنه أصغر في السن، من سيدنا مَن؟ الشيخ أحمد الفاروقي!

هؤلاء هم أهل الله، ليس عندهم غيرة، ولا تنافس غير شريف، ولا حسد؛ كيف وأنا الشيخ، جامع المعقول والمنقول، إمام من أئمة العصر، أتتلمذ وأطلب التسليك والإرشاد والهداية، على يد رجل أصغر مني، بسنة؟ لا، أبدا، أبدا.

ظل يدعو لمَن وصل حبله بحبل الشيخ باقي الله هذا؛ عبد الباقي. يدعو له! وقال أنا لن أترك الدعاء لفلان؛ لأنه هو الذي عن طريقه اتصل حبلي بحبل شيخي باقي الله. وفعلا مُجرد أن اتصل بشيخه، حدث له تغير جذري، في شخصيته الروحانية! شيء عجيب! مع أنه كان من الأصل إنسانا طاهرا وطيبا، لكن لم يكن واصلا.

وكان هذا في فترة شهرين وأسبوعين! في شهرين ونصف، فقط! بلغ مبلغ الرجال الكُمل، في العرفان الإلهي! على كل حال، لن نذكر التفاصيل أيضا التي جرت بينهما – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -.

بعد ذلك، الشيخ صار مُتصدرا للتعليم الشرعي، وللإرشاد الروحي أيضا، التسليك! وعُرف عنه، وكانت المرحلة تتطلب هذا! لماذا؟ الفرق الزنديقة، الصوفية المُنحلون، انتشروا!

نحن لما نقول صوفية، ليس معناها أن كل صوفي جيد، لا، لا، لا، لا! مثلما في أهل الظاهر، علماء كثيرون مبنى أمرهم على الكذب والمصلحة والانتفاع والمُنافسة الدنيوية الكريهة، كثيرون في المُتصوفة، مثلهم، مبنى أمرهم على الشهوات والمصالح والكذب والزندقة، والكذب على الله ورسوله، وتحريف الدين أيضا، وتضليل الناس! لكن كما في هؤلاء، في هؤلاء أيضا! أُناس مبنى أمرهم الصدق والإخلاص والربانية – كثَّر الله من أمثالهم، في الدائرتين والفضائين، بمنّه وفضله -.

فاتسع الخرق على الراتق، أو الراقع، كثيرا، بالذات في دوائر الصوفية! لماذا؟ للأسف في تلك الفترة، تسرب كثير من حُكماء وفلاسفة إيران، إلى الديار الهندية، وأثروا أيضا في كثير من الدوائر الصوفية! فصار تقريبا القول بوحدة الوجود شائعا جدا في المُتصوفة!

ويعتقدون أنه الحقيقة المُطلقة الكاملة، التي لا تُعرف إلا بالذوق، وأن تعيشها! إن عشت وجربت، أنت تعلم، أن ما في الكون، إلا الله! الله هو الكون، والكون هو الله! أستغفر الله العظيم. أي لا يؤمنون، بماذا؟ بالبينونة؛ أن الله وحده، والكون شيء آخر، وأن الكون كان بعد أن لم يكن. قال لك لا، لا، لا، لا! هو كائن أبدا، وأزلا! لن ينتهي، وليس له بداية! وهذه عقيدة إلحادية، Pantheism!

Pantheism – أي Pantheismus بالألمانية – هذه عقيدة إلحادية، وأصلها هندية طبعا! هي أصلا – أصل العقيدة الوحدوية هذه – في الهند. فللأسف صار مُعظم المُتصوفة، شيوخ الكذب هؤلاء، يدّعون وحدة الوجود، ينتحلون هذه الطريقة!

تصدى لهم الشيخ أحمد الفاروقي، على نحو غير مسبوق! طبعا يُمكن أن تعودوا إلى كُتبه. نحن لدينا الكتاب الذي طُبع – بفضل الله -، من عشرات السنين، وأنا قرأته في شبابي الباكر، حين كنت في العشرين؛ المكتوبات!

عنده المكتوبات – رحمة الله عليه -، في ثلاث مُجلدات، نعم! وهناك المُنتخبات من المكتوبات. وسُبحان الله، هذا الكتاب، مع أنه عنده عشرات الكُتب، من أهم كُتبه، على الإطلاق! وهو ماذا؟ هو رسائل! رسائل بينه وبين طلاب العلم، بينه وبين الشيوخ، بينه وبين العلماء! مُراسلات، مُباحثات، لكن قيّمة جدا، وفيها تحقيقات عجيبة!

والرجل أعاد الساحة الثقافية، المشهد الثقافي الإسلامي هناك، في الظاهر وفي الباطن، إلى ماذا؟ إلى الشريعة المُحمدية. وكان رجلا مُتسننا، مُتشرعا، حتى الغاية! لا يُفرِّط في سُنة، صغرت أو كبرت، مهما كانت ضئيلة! وهذا الشيء عجيب! هذا شيء عجيب وغريب!

لماذا أنا قلت لكم طرفان مُتقابلان؟ سواء صدر الصدور Sadr-us-Sudur، ومخدوم الملك Makhdum-ul-Mulk، وحتى الإمام المودودي، في العصر الحديث هذا، وسيد قطب وكذا، في الطرف هذا، والشيخ أحمد في الطرف القصي تماما! لماذا؟

بالنسبة للمودودي وسيد قطب ومَن لف لفهما، يعتبرون أن العبادات ليست مقصودة لذاتها! العبادات ليست غاية كبيرة! ماذا؟ قال لك لا، لا!

انظر، عندك المُصطلحات الأربعة! لكي تفهم هذه النظرية المودودية والقطبية، اقرأ كتاب المودودي – رحمة الله عليها – المُصطلحات الأربعة في القرآن! ما المُصطلحات الأربعة هذه؟ الإله، الرب. بعد ذلك: الدين، والعبادة! الدين، والعبادة!

قال لك الأهم هو ماذا؟ الإلهية هذه. الإلهية تعني الحاكمية، تعني السُلطانية، التوحد بالحاكمية والسُلطانية، هذه أهم شيء! هذه أهم شيء! والربوبية تخدمها وتعمل لها. وبالنسبة للدين والعبادة، هذه تخدم سُلطانية الله وحاكمية الله. تخدمها! فليست هي الغاية المطلوبة! ما الغاية المطلوبة إذن؟ هذه هي: إقامة الحكومة الإلهية! تعمل دولة إسلامية، فيها الحاكمية لله وحده، هذه هي الغاية!

هذا عكسٌ، على طول الطريق، لما ذكر الله مُصرِّحا في كتابه! الله قال لا. قال غاية الحاكمية، وغاية الحُكم، وغاية السياسة، وأنك تنتصر أو لا تنتصر، أنك ماذا؟ تُصلي وتصوم، أنك تعبد الله.

في الأخير تبا للحُكم، وتبا للسُلطة، بل تبا للحياة نفسها، إن خرجت منها دون أن يكون لي وصلة حقيقية برب العزة، لا إله إلا هو! علاقة حقيقية بربي. ماذا أُريد من الحُكم والعلم؟ لا أُريد، لا يهمني! الدنيا كلها لا تهمني.

الله قال الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ *. أي أعطيناهم ماذا؟ بلُغة المودودي: السُلطة والحاكمية وكذا! الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ *، اقشعر بدني! الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ *.

عيسى لم يُقم دولة، ولا طُلب منه ذلك، وإن صح ما يُنسب إليه؛ أن أعط ما لقيصر لقيصر، وأعط ما لله لله، ملكوتي ليس في هذه الدنيا، فإذن ملكوته أين كان – عيسى كما صرَّح به في الأناجيل -؟ في قلب المؤمنين. ملكوت عيسى الحقيقي في قلب المؤمن. قال وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *.

إبراهيم يا شيخنا، يا مودودي، مثله. طبعا وهو قال، قال إبراهيم هيأ الأرض! معناها ماذا؟ لم يُوف على الغاية، ولم يُحقق الغاية الأكمل، من الدين! وهي السُلطة والحاكمية، والكلام هذا كله! إبراهيم، الحنيف المُسلم، أبو المُسلمين، أبو الأنبياء! أليس كذلك؟

عكس للأمور، عكس للأمور! ولذلك سيدنا موسى أيضا، كان يعلم أن هذا عكس للأمور، وفهّمنا! قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ *. نحن دائما مُستذلون، مُهانون، مُستضعفون، مُستلحقون، ليس لنا استقلال بحُكم أنفسنا! نُريد أن نصير وحدنا، أي دولة وكذا! ماذا قال لهم؟ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ *، يُعطيكم الحاكمية والسُلطانية، جيد! وفقط؟ هذا انتهى؟ أوفينا على الغاية؟ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *.

فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *! ومن أهم العمل على الإطلاق، ما هو؟ جوهرة العبادة. تتجوهر بالعبادة الحقة لله! الله الذي قال أَقَامُوا الصَّلَاةَ *. ليس صلوا، أَقَامُوا الصَّلَاةَ *! تُصلي حقا، هو هذا! فلا نُريد أن نُطوِّل في الناحية هذه، نعود إلى ما كنا فيه.

فالشيخ أحمد الفاروقي السرهندي، اشتغل على هذين المحورين. نقّى الفكر والوجدان والعقل من كل الأباطيل والزندقات الصوفية والباطنية هذه، تماما! ضربها ضربة واحدة. ولم يكن عنده واحد كبير.

الكبير هو الله، ثم ماذا؟ نبيه. غير هذا، لا يُوجد واحد كبير. تقول لي مُحيي الدين بن عربي، ابن الفارض، الشيخ فلان، سيدي عبد القادر. قال لهم لا يُوجد! عندنا كتاب وسُنة، وأنا صوفي. وهو قطب صوفي كبير، هو! هو مُجدد، لكن الكتاب والسُنة يا حبيبي، الهداية كلها في الكتاب والسُنة.

أي واحد يُريد أن يختدعك عن مُتابعة الكتاب والسُنة، بأي حيلة، إياك! سؤ ظنا فيه، قل لا، هذا ربما يُريد أن يصيرني زنديقا. ماذا قال أبو سُليمان الداراني – قدس الله سره -؟ أيضا هذا من أقطاب الصوفية العظام جدا!

أبو سُليمان كان يقول – عبارة مشهورة لدى الصوفية – ربما وقعت النُكتة من كلام القوم في قلبي -أي كلمة تُروى عن الجُنيد، تُروى عن فلان، عن سهل بن عبد الله، عن أي واحد! تقع في قلبي، أي يكون لها لذة وحلاوة -، فأتوقف فيها، ولا أقبلها، إلا بشاهدي عدل، من الكتاب والسُنة.

لا يُوجد! كل حقيقة لم تشهد لها الشريعة، فهي زندقة وانحلال. أين الشاهد من كتاب الله؟ أين الشاهد من سُنة رسول الله؟ لا يُوجد عندك شاهد؟ كلام فارغ، تضرب به عُرض الحائط، هذا دين، لا يحتمل اللعب، لا يحتمل اللعب!

وكان مولانا الإمام الشيخ القُطب أبو الحسن الشاذلي – قدس الله سره -، ماذا يقول؟ يُعلِّق ويُعقِّب على كلمة الداراني، يقول صدق – كلامه صحيح، وأنا معه -، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يضمن لنا العصمة، إلا في الكتاب والسُنة.

البشر بعد ذلك، مُعرَّضون في اجتهاداتهم، للصواب والخطأ، مهما كانوا حسني النية! أليس كذلك؟ برآء القصود، مهما كانوا! الإنسان ليس معصوما، نحن لسنا أنبياء، نغلط، نغلط! تقصر بنا أفهامنا، تُضللنا عقولنا، مرات! يحدث هذا، يحدث هذا!

ولذلك كان من شعار الإمام السرهندي، الذي أورده في مكتوباته، كان يقول نحن لا نُريد كلام ابن عربي، نُريد كلام النبي العربي. كلام جميل! لا تقل لي مُحيي الدين بن عربي قال! لا يهمني، أُريد أنا أن أؤسس على كلام محمد العربي، ليس مُحيي الدين بن عربي.

ولا نُريد الفص، نُريد النص. أي فص؟ وأي نص؟ النص هو كلام الله وكلام رسوله، والفص فصوص الحكم. يُوجد هكذا مُجلد، طبعا له عشرات الشروح، وهو كتاب خطير، وفيه مقولات خطيرة ومُخيفة! فيه مقولات مرفوضة في ظاهر الشرع تماما، لا يُمكن أن يُقال بها! للأسف! وبعض الصوفية يقبلها، ويتمحل لها!

لسنا ملزوزين يا سيدي، لسنا ملزوزين أن نتمحل لها. بما أنه الظاهر باطل، تُبطله الشريعة، نحن نُبطله. ثواب الشيخ وأجره، على الله. ماذا قصد؟ ماذا أراد؟ هو حر، عند الله. نحن لا نتكلم في الشيخ نفسه، الشيخ الأكبر – قدس الله سره -!

لا نتكلم! لكن الباطل باطل، والغلط غلط، والذي ظاهره يُرد يُرد، إلا إذا كان ظاهرا قريبا، بتأويل قريب يُقبل، نتأول له، أما إذا كان عصيا على التأويل، نرده. فلا تُقل لي فصوص الحكم، وقال الشيخ الأكبر في فصوص الحكم! كيف قال الشيخ الأكبر، في مُقابل قال الله تبارك وتعالى؟

مثلا الله تبارك وتعالى قضى بأن فرعون من أهل النار، أليس كذلك؟ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ *، أم أنه يذهب ليوردهم، وبعد ذلك يرجع هو، ويذهب إلى الجنة؟ هل معقول هذا العبث في القرآن الكريم؟ مُستحيل! طبعا الآية واضحة جدا جدا.

قال لك هو إمام قومه أصلا! وهو – والعياذ بالله – يتقدمهم إلى جهنم، فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ *، هو يَقْدُمُ *. ما معنى هنا كلمة يَقْدُمُ * إذن؟ انتهى! هو قبلهم، يُغمس في جهنم قبل قومه وأتباعه وجيشه الظلمة.

ابن عربي عمل لك فصا هكذا، يُريد أن يُثبت لك فيه أن فرعون مات مُسلما مؤمنا، وهو ناج ومن أهل الجنة! كلام فارغ، لا نقبله، نرده تماما، لا نحتمل مثل هذه الأشياء. هل قال ذلك ابن عربي حقا؟ دُس عليه؟ أيضا لا يعنينا. يعنينيا أن نرده! لكن نحترم الشيخ، لا نُريد أن نقع في أولياء الله، لا نعرف!

لا أُريد أن أُطيل عليكم، فقط – بفضل الله – حين كنت شابا صغيرا، في نحو العشرين أيضا، أكرمني الله برؤية سيدي رسول الله في المنام، رأيته خرج من قبره، في الروضة الشريفة، إي والله! وسألته عن هذه المسألة بالذات!

شيوخ أجلاء مشاهير، كذا! يقولون كلمات تُنكرها ظواهر الشريعة! وهو يستمع إلي، فأنا قلت له يا رسول الله، إن هذه المقولات، لا بُد أن تُرد، بظواهر الشريعة؛ حفاظا على الشريعة المُصطفوية، ثم نكل أمرهم إلى الله! الله أعلم طبعا: قال، لم يقل، ما فهمه، دُس عليه!

فابتسم لي، وهز رأسه، وأضاف كلمتين: وقد يكونون عند الله على خير. والله العظيم! فالحمد لله، قلت هذه الطريقة التي ألهمني الله إياها. بعض الناس ليس كذلك! كأن عنده خصومة شخصية، مع ابن الفارض، أو مع الشيخ الأكبر، ويُريد أن يُثبِت لك أنه كافر وزنديق! يا رجل اتق الله، اتق الله!

أنت مطلوب منك إذن شيء آخر، غير أن تنهى عن المُنكر؟ إذا رأيت قولا نُكرا، وشيئا لا يقبل التمحل والتأويل، رده، ونحن معك. وقف عند هذا الحد، لا تتورط في أعراض العلماء وأولياء الله، أليس كذلك؟ وانتهى!

كما يقول المثل السوري – مثل جميل جدا! – أنت تُريد العنب، أم تُريد أن تُقاتل الناطور؟ لا! تُريد العنب، انتهى! انتهى، حصَّلنا المعنى، حصَّنا الشريعة، الحمد لله! نكل أمر هؤلاء وهؤلاء إلى الله تبارك وتعالى.

فالشيخ أحمد السرهندي – قدس الله سره -، اشتغل في هذا الجانب شغلا قويا جدا جدا، وعنده تحقيقات من أمتع ومن أروع ما يكون! أنا تعلمت منه، قبل حوالي ثلاثين سنة – أكثر من ثلاثين سنة! كنت في العشرين من عُمري -، لأول مرة!

لم أقرأ هذا في كتاب، ولم يُفهمني إياه شيخ! تعلمت منه التفريق بين صفاء القلب وصفاء النفس، تخيل! لم أكن أعرف هذا. وعنده طريقة في إثبات هذا وبرهنته، رجل قُطب كبير!

قال لك صفاء النفس يحصل للمؤمن وللكافر، للمُوحِّد وللمُشرك. وهناك أُناس يشتغلون على تصفية أنفسهم، ويصير عندهم لياقات وقُدرات عجيبة! بحيث يفعلون أشياء خارقة في العادة! قال لا تُوجد مُشكلة، هذا يحصل للكفار أيضا! وخاصة الهند فيها من هذا كثير، ما يُسمى بالفاكير Faqir! فقراء الهنود، المُتصوفة الهنود، الهنادكة والبوذيون.

قال أما صفاء القلب لا يحدث أبدا ولا يقع إلا للمُوحِّد. أبدا! مؤمن مُوحِّد، يحصل له صفاء قلب. وإذا ووجها الاثنان، دائما يتغلب القلب الصافي، على النفس الصافية، ويقمعها – بإذن الله تعالى -. عنده تحقيقات عجيبة!

عنده تحقيقات، كما لفت الإمام الندوي – رحمة الله عليه -، سبق بها كانط Kant؛ إيمانويل كانط Immanuel Kant! عجيب! في العقل المحض، أو العقل المُجرد. كلام عجيب! رجل كان عميقا جدا!

المُهم، لا نُريد أن نُطوِّل بهذا، هو أفلح وأنجح هنا كثيرا، وأفلح وأنجح في موضوع المُتابعة الشرعية، وخاصة للسُنة المُحمدية – على صاحبها ألف ومليون تحية وسلام، إلى أبد الآبدين -.

كان يُحافظ على السُنة في كل شيء، ما شاء الله عليه! عكس المُتصوفة الكذبة، الذين يُفرِّطون حتى في الفرائض! ويشربون الخمر، ويعملون الفواحش، شيء غريب! ويزعمون أنهم واصلون، وأن هذا حِلٌ لهم، حرامٌ علينا! زندقة، زندقة وإباحية حقيقية.

مرة من المرات، كان يقول لهم ما حصل لي ما حصل، من الفتوح والأرزاق والبركات، إلا بفضل مُتابعة الحبيب الأعظم – عليه الصلاة وأفضل السلام -! حتى إني – يقول لهم – دخلت مرة الخلاء – أعزكم الله – برجلي اليُمنى سهوا… لم يكن مُنتبها، ربما سارح في شيء!

دخلت سهوا. طبعا أدرك أن هذا خطأ، ومُخالف للسُنة – ليس أنه حرام، أي هذا شيء مكروه -. قال فحُرمت في ذلك اليوم الفتوحات والمقامات. اليوم كان فقيرا جدا؛ بسبب مُخالفة في سُنة واحدة صغيرة! انظر كيف يُعلِّم تلاميذه!

أعجب وأبلغ من هذا، أنه قال لهم مرة، أو قال لأحد تلاميذه، قال له يا فلان ائتني بحبات من القرنفل، من ذلك الكيس. كيسه! فأتاه بست حبات. فلم يُعجبه، وعُرف الحرد في وجهه، تضايق جدا!

قال أما يعلم الصوفي – كأنه ليس هو! وهو طبعا يُوجِّه إلى تلميذه، لكنه لا يقول له أما تعلم؟ انظر! رعاية لجانبه وخاطره! أما يعلم الصوفي – أهمية وعِظم الاستنان بسيد الكل – عليه الصلاة وأفضل السلام -؟ أما يعلم أن الله وتر، يُحب الوتر؟

أحضرت لي ست حبات؟ أحضر لي سبعا، أحضر لي تسعا، أحضر لي خمسا. حتى في هذه؟ حتى في هذه! والله – أقسم بالله، رحمة الله عليه، والله – لو أُعطي مُسلم الدنيا بما فيها، على أن يترك سُنة مثل هذه، ما وفت بها.

الله أكبر! ما الحالة هذه من الاتباع؟ معقول؟ والقُطب الكبير هذا يحلف بالله، أن الدنيا كلها تُعطى لك، على أن تترك سُنة مثل هذه، لا يُساوي شيئا! الذي تركته أفضل بكثير مما أخذته. الله أكبر! ما الروحانية العالية هذه؟ سوف تقول لي…

انظر، أنا الآن اقشعر بدني، والله! سوف تقول لي بدأت أفهم الآن، ألتقط! مثل هذا المُبارك، ميمون النقيبة، حقيق أن الله يُحيي به أمة ودينا! أليس كذلك؟ مثل هذا الصدق الساطع، هذا الاتباع العجيب!

بهذه الطريقة سار طبعا – كما قلت لكم -، بعث خلفاءه في البلاد، ليس فقط في البلاد الهندية، وفي البلاد العربية، بلغوا! الآن ترى أنت مشايخ وعلماء وصوفيين كبارا وأُناسا صالحين مُباركين، يقول لك هذا يتصل نسبه بالمُجدد، وهو من الطريقة المُجددية.

ذكرت لكم في الجُمعة السابقة الشيخ صبغت الله المُجددي، أول رئيس لأول حكومة في أفغانستان بعد نجيب الله، أليس كذلك؟ صبغت الله مُجددي! هو أيضا ينتهي إلى الشيخ المُجدد، من ناحية الطريقة، طبعا! إلى اليوم، ما شاء الله! إلى اليوم أتباعه بالملايين!

عمروا البلاد، بالألوف! ابنه الشيخ محمد معصوم بايعه زُهاء مليون، بيعة يد ليد! على تقوى الله وعلى الذكر والعبادة والتشحر والدعوة إلى الله تبارك وتعالى وبث الخير في الناس، مليون! ابنه! كيف هو – ما شاء الله عليه -؟

في كل مكان! شيء عجيب! بركة غير عادية! بركة غير طبيعية! فعلوا هذا لله، لا يبغون من الناس لا جزاء ولا شكورا. وعاشوا زاهدين، وماتوا زاهدين حميدين – رضيَ الله عنهم وأرضاهم -.

المُهم، ما الذي حصل؟ مات أكبر Akbar. جلال الدين أكبر Jalaluddin Akbar مات، إلى حيث ألقت، على ما هو عليه، لم يتب من كُفره، ولا من دينه الإلهي الجديد هذا. خلفه ابنه جهانكير Jahangir، فاتح العالم، أو قائد العالم!

وكان مُثقفا، وكان عالما، وعنده كتاب في التاريخ؛ تُزك جهانكيري Tūzuk-i-Jahāngīrī! اسمه تُزك جهانكيري Tūzuk-i-Jahāngīrī، تُزك Tūzuk معناها بالعربية مثل مُذكر! مُذكرات. أرّخ فيه لأول سبع عشرة سنة من حُكمه، لأول سبع عشرة سنة!

أول سبع عشرة سنة تأريخ تُزك جهانكيري Tūzuk-i-Jahāngīrī، كان مُثقفا وعالما وكاتبا ومؤرخا، وكان أفضل من أبيه، كثيرا! لم يتدنس بالأفكار هذه الحلولية، وأفكار الدين الإلهي عند أبيه – بفضل الله عز وجل -، لكن فيه بقايا، من أشياء مُعينة، للأسف! ليس على ما يُرام، وما زال أيضا يُحيط به علماء ليسوا صالحين، ليسوا صالحين! وبعضهم من فئات أُخرى ضالة – والعياذ بالله -.

حين مات، وجاء جهانكير Jahangir، دس بعض هؤلاء الوشاة لجهانكير Jahangir الآتي عن الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي!

طبعا الشيخ أحمد الآن أصبح ملء الدنيا، سمعا وصيتا، الكل يسمع بالشيخ أحمد بن عبد الأحد! وله تلاميذ في كل مكان، ورسائله، ومكتوباته، وكُتبه بالفارسية وبالعربية وبالأُردية، مشهورة وكثيرة!

فدسوا له أن الشيخ أحمد له رسالة، وهذه هي الرسالة! نحا فيها منحى باطنيا، فلعله من الزنادقة! صدَّق جهانكير Jahangir، صدَّق جهانكير Jahangir وغضب! مع أن هذه الرسالة مؤلفة سنة اثنتي عشرة وألف! ألف واثنتا عشرة!

ألف واثنتا عشرة! وهذه الواقعة الآن، كانت بعد موت أكبر Akbar، في سلطنة ومُلك جهانكير Jahangir، سنة ألف وثمان وعشرين! سنة ثمان وعشرين وألف! أي بعد كم؟ ست عشرة سنة! معقول؟ أي نمتم عنها، ولم تتكلموا عن هذه الرسالة، ست عشرة سنة؟

لذلك يُرجح مولانا أبو الحسن الندوي غير هذا. سبب محنة الشيخ الإمام أحمد السرهندي ليس هذه الرسالة، سبب المحنة أنه كان مُجتهدا في طريقته في الإصلاح، والتي تقوم على بنود!

البند الأول ترك الدولة والحكومة بما فيها ومَن فيها. لا نشتغل بهم، لا نتكلم عنهم، ليس لنا علاقة نحن بالسُلطان! السلطان راح، جاء، ليس لنا علاقة! اترك السُلطان، لا تُهيج السُلطان، لا تُهيج!

سوف تقول لي عكس خُطة الإسلاميين! عكسهم تماما! ولذلك الإمام أبو الحسن الندوي، حين وضع كتابه هذا، قبل أن يُكمله، ماذا كتب – هذا الرجل المُبارك، رحمة الله عليه -؟ قال هذا الكتاب إن قُدّر له أن ينجز، أو يتم، فسيكون – بعون الله تبارك وتعالى – هدية قيمة، أو رسالة، إلى القرن الخامس عشر الهجري.

رسالة. قال! انظر، عجيب! لماذا؟ لماذا عندك هذه الثقة؟ ماذا في هذا الكتاب؟ ما المُميز فيه؟ قال هذا القرن، قرن الأمة الإسلامية، التي حالت فيها أحوال، وتغيرت أشياء كثيرة، وتناوبت عليها صروف الدهر؛ صروف الدهر وغيره.

قال هذا الكتاب – بعون الله تعالى – سيكون عرضا لتعاليم وطريقة الشيخ الإمام السرهندي في الإصلاح، من غير أن نتورط في الدماء والقتل واستفزاز السُلطة والملوك والرؤساء. قال كما يفعل كثيرٌ من أبناء الحركات والتنظيمات الإسلامية المُعاصرة! مِمَن يُسارعون بلا هوادة في استفزاز السُلطات والرؤساء والدول والملوك، ويخوضون معها الأهوال!

فللأسف من أول الشوط يضطرون السُلطة دائما، إلى ماذا؟ إلى أن تتخذ موقف المُعارضة لهم. فتحصل كوائن عظيمة جدا جدا! ويصير هناك تشنيق وتغريب وسجون وذبح ومُلاحقة، وربما ضُيّق على النشاط الديني عامة طبعا، مُسيسا كان، أم غير مُسيس! ومَن السبب؟ هؤلاء! الذين حرَّكوا الوحش النائم، الذين حرَّكوا الوحش النائم!

نحن حُكمنا بزُهاء مئة وخمسين خليفة وسُلطانا وكذا، أليس كذلك؟ وملكا! جميل! مَن العادل منهم حقا؟ سوف تقول لي أورنكزيب Aurangzeb، أنت ذكرته! أورنكزيب عالمكير Aurangzeb Alamgir.

ليس كما تعتقد، أي ليس لآخر المطاف! أورنكزيب Aurangzeb قتل أخاه، وقطع رأسه! وقال لا تروني وجه هذا الحقير – لم يرض أن يراه -، وأرسلوه إلى أبيه. مَن أبوه؟ شاه جهان Shah Jahan – رحمة الله عليه -، السُلطان الصالح الطيب! والآن سأتحدث عن شاه جهان Shah Jahan.

شاه جهان Shah Jahan كان يُحب دارا شكوه Dara Shikoh – اسم أخي أورنكزيب Aurangzeb! اسمه دارا شكوه Dara Shikoh -! كان يُحب دارا شكوه Dara Shikoh أكثر من أورنكزيب Aurangzeb! يُحبه أكثر ويُقرِّبه!

أورنكزيب Aurangzeb، في آخر ثماني سنوات من حياة شاه جهان Shah Jahan، ألقى القبض على أبيه، السُلطان الصالح الطيب، الذي أعاد للإسلام مجده، قبل ابنه، ووضعه في قلعة! صحيح أنه كان مُعززا مُكرما، أكل وشرب، لكن هكذا تعمل بأبيك؟ تختطف أباك وتضعه في القلعة؟ مستعجل على الحُكم! وقتل أخاه، انس!

انظروا الدرس الذي أُريد أن أقول لكم إياه، انظروا:

إن شاء الله أكون مُلتزما معكم ومع ضميري ومع نفسي بالصدق. والصدق يا جماعة يفتح الأعين. عندما ترى الأشياء بصدق، تبدأ تفهم أشياء، أنت لم تكن فاهمها، مع أنها سهلة جدا على الفهم، وبعُشر ذكاء تُفهَم، بُعشر ذكاء تُفهَم!

السُلطة غيرة ولا تعرف الرحمة ومُتوحِّدة وباردة! لا تُوجد سُلطة، من حيث هي هكذا، تقية وطيبة ومُتسامحة ومعطاءة وكريمة، انس! يكفي أن تُنازع أحدا في سُلطانه، حتى ترى الأهوال! ولن أحكي! واقرأ تاريخك، من أوله إلى آخره، باستثناء الفترة الأولى، أول بضع سنوات! وانظر بعد ذلك ماذا حصل في تاريخك!

يا رجل، الأب قتل ابنه، الابن قتل أباه، الأم قتلت ابنها، الأخ قتل إخوته، الصديق قتل أصحابه وخلصانه! هذا التاريخ! وعلى فكرة، لسنا بدعا، قد نكون أحسن من غيرنا بكثير، ما زلنا! انظر تاريخ أوروبا، أسوأ وأسوأ! هذه السُلطة!

فلذلك أنا أقول لكم صدِّقوني الوصفة الجهنمية لاستعداء السُلطات على الإسلام وأهله وأحبابه ودُعاته، هي أن تُنازعهم أو تُقاتلهم أو تُفهمهم أنك تُريد مُغانمة ماذا؟ السُلطة. وصفة جهنمية! كفيلة أن تقلب كل الأمور ضدك، ما رأيك؟ وإن كنت من أقرب المُقربين لهذا السُلطان! والله لو كنت ابنه، سيسطو بك، سيذبحك! ذبحوا أبناءهم، ذبحوا أبناءهم!

الخيزران! سوف تقول لي هذه زوجة المهدي؟ زوجة المهدي، ابن أبي جعفر المنصور، وأم الرشيد. قتلت ابنها؛ الهادي! قتلته من أجل السُلطة! أن تُمكِّن لهارون، عبد الله هارون الرشيد، قتلت الهادي المسكين! غمته بالمخدات هي والخادمات، وقتلته! قتلت ابنها! وبكت عليه!

السُلطة لعنة! من أين لكم – ودعونا نكون واضحين -: لأننا مُسلمون، أو عندنا البرنامج الإسلامي، وعندنا المشروع الإسلامي، نُريد أن نُغانم السُلطة، وكل مَن يقف في وجهنا ولا يتنازل، فهو كافر، وعدو للإسلام وكاره للإسلام؟ كلام إنشائي باطل، ومؤسس كله على باطل! ليس كافرا ولا يكره الإسلام، الصراع على السُلطة! الصراع على ماذا؟ السُلطة!

سوف تقول لي أين تُريد أن تذهب؟ لا، لا! أنا أُقرِّر حقائق واقعية وتاريخية، كما هي! لأنني أُتهم بـ: أنت تسكت على الظلمة وعلى المظالم وكذا! لا، لا، لا، غير صحيح، ليس هذا. وأنت تؤيد الظلمة والفسدة! غير صحيح. أنا أقول لك ما هو!

لا أستطيع، لا أنا، وإلا كنت أكذب الكاذبين، لا أنا ولا غيري، أن أُنكر أن هناك مظالم، وأن هناك ظُلما، وأن هناك فسادا، وأن هناك مفاسد! لكن ليس فقط اليوم، عبر تاريخنا! وفي كل المُجتمعات! ما كان هناك مُجتمع نقي بالكامل، ومُجتمع نبوي مثل مُجتمع الرسول! حتى مُجتمع رسول الله، كان فيه المُنافقون، وفيه بعض مَن ارتكب الزنا!

درس التاريخ يقول – درس واحد، يتكرر دائما، كما هو – مس جانب السُلطة، هيَّجت الغول! فتحت باب الجحيم عليك، وعلى مَن معك، وأنت المسؤول. الآن طبعا يبدأ يعلو الصياح؛ الظُلم والمُسلم! نعم، ما سبب الظُلم هذا؟ لماذا هم في السجون؟ لماذا عُلقوا على المشانق؟ طبعا نحن لا نُبرر، لا سجنهم ولا حتى تشنيقهم.

فقصدي أن أقول، عند الكلام عن الظُلم والظلمة وكذا، وأنك تسكت؛ اسأل نفسك مَن الذي تسبب في هذا؟ مَن الذي جرنا إلى أن نكون مظلومين، وأن نُسجن ويُضحى بنا؟ مَن؟ مَن الذي لعب بنا ورقة ظن أنها رابحة، ولم تربح، وخسرت؟ ودفعنا نحن الثمن، أرواحا ودماء وسجونا ومُعتقلات وتهجيرا ونفيا! مَن؟

اتقوا الله، في أنفسكم، وفي أمتكم، وفي الشباب، وفي الناس، والله ستُسألون – أُقسِم بالله – عن كل شيء، قسما بالله! يظنون أنها لعبة هم! لا، لا، في سبيل المشروع وكذا! المشروع فاشل، لماذا الله تبارك وتعالى، رفع يده عنكم، يا أخي؟

انظروا يا جماعة، تسعون سنة، بالله عليكم، أليست كافية لاختبار أي فكرة؟ كافية. إذن أنا أُعطيكم معيارا عجيبا غريبا من نوعه! يُوجد عندي خُطبة، كنت أُريد أن أخطبها، من حوالي عشر سنين، منعني عنها ألا يُشتَم منها رائحة شماتة. لا أُحب هذا، ليس في طبعي هذا، انتهى!

أُناس سُجنوا، أُناس عُذبوا، انتهى إذن! أنا أسكت، لا أُريد. نصحنا وتكلمنا، عندما كانوا في الخارج، وفي القوة والعنفوان، لم يسمعوا! انتهى، أحرار. وغيري نصح! كثيرون! لم يسمعوا! ومن داخلهم، ولم يسمعوا!

بعد أن امتُحنوا، نحن نسكت. الخطبة، ماذا كان من المفترض أن يكون عنوانها – والإخوة يعرفون -؟ كم عُمر الابتلاء؟ كم عُمر الابتلاء؟ لأن كلما قلت لهم يا جماعة ما هذا الذي يحيق بكم؟ يقولون لك هذا ابتلاء، ابتلاء، ابتلاء!

إذن لا يُوجد احتمال، ولو ضعيف، أن يكون عقوبة؟ كيف ستُفرِّقون بين الابتلاء والعقوبة؟ لم يدرسوها، المسألة هذه! ليس عندكم معايير؟ هناك معايير كثيرة، على فكرة!

لا أُريد أن أحرق خُطبتي وفكرتي فيها، لكن على الأقل يُوجد عندك أنت معيار عجيب جدا جدا! المفروض ألا يتخلف، إطلاقا! وهو المعيار القرني، المئوي! إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام… ما معنى هذا الحديث ثقافيا، سُننيا؟ لو تُعيد إنتاج الحديث، تفسير الحديث، سُننيا، ما معناه؟

النبي – صلوات ربي وتسليماته عليه -، بضميمة هذا الحديث، مع حديث أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقل مَن يُجاوز ذلك، بضميمة هذا، إلى حديث التجديد، عند أبي داود والبيهقي، النبي يرسم لنا رسالة عبقرية، والله العظيم! من أعجب ما يكون!

تقول كل فكرة صالحة، كل فكرة فاعلة، كل فكرة مُنتجة، لا بُد أن تأخذ طريقها، إلى الفاعلية والإنتاج والتأثير، وبرهنة نجاحها، في كم؟ في عقود يسيرة! بحيث أنه إذا تم لها عشرة عقود، تكون استنفذت أغراضها، آتت كلها أُكلها! حتى لم تبق قادرة على العطاء الجديد، فلا بُد أن تحل محلها، ماذا؟ فكرة جديدة، تجديدية! لذلك ضرورة التجديد كل مئة سنة، النبي يقول! كل مئة سنة تجديد، تجديد، تجديد!

بالله عليك، إذا مرت المئة السنة، ونحن في السجون، وعلى المشانق، وفي المنافي، ودائما في موقع الضحية، ما تفسير هذا؟ إذا كنت تُريد الفكر! أنت تقول لي الفكر. يقول لك عدنان ليس عنده منهج! ليس عندي منهج، تركت المنهج لكم، تركت التفكير المُنظم والمنهجي لكم، ما شاء الله عليكم وعلى منهجكم! شيء عجيب!

إنه التشدق بالكلمات، على فكرة! وهذا أحد أمراض الإسلاميين، والمُسلمين عموما، في العصر الحديث. الرويبضة يتكلم! تظن أنك إذا نعت أي واحد بالرويبضة، صار رويبضة؟ التافه يتكلم في شأننا! المُتعالم! ما هكذا تورد يا سعد الإبل، لا يا حبيبي، المسائل ليست هكذا.

ولذلك المسائل تختلف. أوسعتهم شتما، وأودوا بالإبل! اذهب وتكلَّم وسب وقل قصائد هجاء، أنت الخسران في الأخير، أنت الضحية، أنت المُضحى بك، أنت الفاشل. اتق الله في نفسك، وفي أُمتك وفي دينك. واضح أن هذه الفكرة لم تشتغل، واشتغلت خطأ، بالعكس! دمرت نفسها، ودمرت كل مَن حملها، لم تُفدنا! ضعنا، ضيعت أشياء كثيرة، (تبهدلنا، نحن تبهدلنا).

وعلى فكرة، وهل خلا القرن من تجديد؟ حاشا لله! القرن فيه تجديد، وفيه مُجددون، وفيه علماء ربانيون، ظلوا أوفياء لروح الدين، وصدق الدين، وجوهر الدين. وبحمد الله تبارك وتعالى هم هؤلاء الذين يُلهِمون! يُلهِموننا ويُلهِمونك ويُلهِمون غيرنا، هم هؤلاء! الحمد لله. وعلى طيلة القرن – بفضل الله -، يُلهِمون على طيلة القرن! الذين فهموا الإسلام في عُمقه وجوهره، واضح؟

فنرجع إلى موضوعنا، يجب أن نُكمل موضوع الشيخ السرهندي، بسرعة! وأقرأ لكم بعض النقول، وأفتح ميدان الأسئلة؛ حتى لا أُطيل أكثر من ذلك.

المُهم، جهانكير Jahangir بلغته هذه الوشاية. الشيخ أبو الحسن الندوي يقول لا، ليست هي السبب! السبب ماذا؟ السبب يعود إلى الخُطة التي اختطها واصطنعها الإمام السرهندي في إصلاح الأوضاع في البلاد! في القارة الهندية. في أعظم مملكة، بعد السلطنة العثمانية!

لم يكن في عالم الدنيا، في ذلك الوقت، لم يكن في العالم كله، أعظم رقعة من الإمبراطورية العثمانية! تليها المغولية، في الهند، مُباشرة! من ناحية المساحة والرقعة الجغرافية، إمبراطورية عظيمة! يُعيدها مُتصوف، شيخ زاهد بسيط طيب؛ الشيخ السرهندي؟ نعم.

فيقول الخُطة التي اختطها: ترك الدولة والسُلطة، وإعلان اليأس الكامل منها. ليس لي علاقة أنا! ليس لي علاقة بالسُلطان أكبر Akbar وقضيته وفساده وإجرامه، لا أتكلم عنه، لا أُريد! لا، لا ينبغي إهاجة الغول.

الله يرحم شيخ الإسلام ابن تيمية. ابن تيمية اليوم يتشدقون كثيرا باسمه! كثيرا ما كان يُوجد عنده أشياء فيها ثقوب نظر، ونفاذ بصر، وحكمة مُستكنة، لم ينتفعوا بها، ولا أفرغوا عن منطقها! سواء السلفية أو المُسيَّسون.

الشيخ ابن تيمية – وهذا الكلام هم يعرفونه، وكم ذكروه! لكن عملتم به؟ – مر مرة، ومعه بعض تلاميذه، على جُندي مغولي – لأن المغول احتلوا أيضا بلاد الشام، كما تعرفون -، وكان قد تطوح من السُكر! على الأرض نزل، وسكران، (معبيها)! فتلميذ ابن تيمية قال الآتي!

طبعا المغول كانوا مُسلمين آنذاك. مُسلمون، نعم! كانوا مُسلمين. فقال أأمره؟ قال له لا، لا، لا، لا! لا تأمره، ولا تنهه، دعه يظل سكران، أحسن له، وأحسن لنا! قال له كيف يا شيخ الإسلام؟ الأمر بالمعروف، النهي عن المُنكر!

قال له هذا إن استفاق من سُكره، عاث في الأرض فسادا. نعم مُسلم، لكن جاهل! غبي هذا! بسيفه وبخنجره يذبح هذا، يغتصب هذه، دعه! هذا في سُكره أفضل لنا وللأمة والناس منه فائقا مُستيقظا! أرأيت الوعي؟ هذه عقلية ابن تيمية! عقلية الذي قال له إنه يفهم المقاصد. هذه المقاصد! من المقاصد ألا تُهيِّج السُلطان.

فنعود، فالمُهم أن الشيخ أحمد السرهندي، ماذا عمل؟ لم يترك أركان الدولة ورجال البلاط. بذكائه، وعنده تلاميذه ومُريدون، يسأل مَن فيهم له معدن طيب؟ مَن فيهم تشعرون أنه أقرب إلى الإسلام وحُب الدين؟ فلان، السيد فريد Farid! وكان هذا كذلك فعلا، السيد فريد Farid ! وكان شخصية علوية، من نسل رسول الله، وكان طيبا، أي الوزير هذا.

فيبدأ يُراسله، يُذكِّره بأصله، يبعث فيه حمية الإسلام، غيرة الإسلام. تبدأ المُراسلات! ومع هذا، ومع هذا، ومع هذا! وعشرات من رجال الدولة! أمر بالمعروف، نهي عن المُنكر، بأسلوب وادع. مُراسلات! ليس أكثر من هذا، وليس لها علاقة بالسُلطة والسُلطان والانقلاب عليه أبدا، أبدا، أبدا، أبدا! مُجرد: أنت مُسلم؟ في موقعك، اخدم دينك، خفِّف البلاء عن المُسلمين، قدر ما تستطيع، وفقط! وابق كما أنت.

سمع بها مَن هذه – فيما يُرجِّح الإمام الندوي -؟ جهانكير Jahangir. قال لك نعم، ربما تكون مؤامرة داخلية هذه! يُريد في الأخير أن تنتفض أركان الدولة علي! أحضروه، ابعثوا له. قال لأمير سرهند أحضره لي اليوم! بأي طريقة. قال له! فحمل الشيخ، استودع الله زوجه وأولاده. الله رزقه سبعة أولاد، مات أربعة منهم في حياته، وعاش ثلاثة؛ محمد صادق، محمد معصوم، محمد سعيد – رضوان الله عليهم -.

وجاء، فأُدخل على الملك، الذي هو جهانكير Jahangir! أُدخل على جهانكير Jahangir، لم ينحن له. من أيام أكبر Akbar طبعا، كان هناك انحناءة شديدة! لا بُد أن تنحني، أي أشبه بالسجود! وأيام أكبر Akbar كان الدخول عليه هكذا! وواحد يقول الله أكبر. فواحد ثان، من الحاشية، ماذا يقول؟ أكبر Akbar خليفة الله!

الأول يقول الله أكبر. الثاني يقول له أكبر Akbar خليفة الله! وشبه ساجد فعلا! وكان هناك سجود للسُلطان بصراحة. أيام جهانكير Jahangir شبه سجود. لا! الشيخ أحمد: السلام عليكم ورحمة الله أيها السُلطان.

فقال له لماذا لم تُحيني بالتحية التي تعلم؟ قال له أنا لا أنحني لغير الله تبارك وتعالى، ولم أسجد في حياتي، ولن أسجد، إلا لله الذي خلقني. فغضب السُلطان! كيف تفعل هذا؟ كيف تجرؤ؟ قال له هذا ديني، هذا ديني وبهذا أمرني. وجهانكير Jahangir أفضل كثيرا من أبيه – كما قلنا -، ويُحب الإسلام عموما، وفيه خير فعلا.

فأمر بسجنه، قال يُسجن! كواليار Gwalior! قلعة ماذا؟ كواليار Gwalior. سُجن فيها سنة كاملة! طبعا رجال السُلطان، ليلا ونهارا، يأتونه بتقارير! قالوا له يا سُلطان ألوف من الهنادكة والبوذيين أسلموا! ألوف!

هذه الواقعة؛ أن هناك ألوفا أسلموا، تذكرها التواريخ الإسلامية الهندية، ذكاء الدين وغيره وكذا! تواريخ إنجليزية، وحتى توماس أرنولد Thomas Arnold، نزلوا بها إلى مئات! قالوا مئات! وإرنست رينان Ernest Renan منهم! رينان Renan المُلحد هذا، قال مئات!

لا! مصادرنا الإسلامية، وهي أدق طبعا، ومن داخل المطبخ – كما يقولون -، أهل مكة أدرى بشعابها، قالت لك ألوف! ألوف! وما لا يُحصيه إلا الله، من سُجناء المُسلمين، تابوا وأصبحوا مُريدين للشيخ! أصبح السجن مسجدا! معبدا!

إذن هل يُحرِّض؟ قالوا له أبدا، أبدا! ولا يذكرك، إلا بالخير، ولا يُحرِّض أبدا! كلامه كله عن الله والرسول والروحانية والعبادة والذكر والأوراد. قال شيء عجيب! أخرجوه. بعد كم؟ سنة. تم للشيخ سنة كاملة، في السجن. قال أخرجوه.

فأتى، أيضا حياه من غير أن يسجد له، ولا ينحني. قبلها منه، وأكرمه، وألطف له في القول، وأجلسه إلى جانبه، ولكن سمح له بالعودة إلى سرهند، لثلاثة أيام، يرى أهله، ثم يعود.

حتى الآن في قلب جهانكير Jahangir تخوف، ربما يكون هذا الرجل عنده خُطة بعيدة! وأنتم تعرفون طبعا، الشعوب العجمية وكذا، وخاصة الفُرس، بعيدو الغور! لذلك الفرق الباطنية وكذا، كلها تجدها من الأقوام تلك، أليس كذلك؟ الحمد لله، العرب ليس عندهم هذا، لا تجد فرقة هكذا! نعم، فعلا! الحمد لله، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ *.

العربي ربما يكون سطحيا، أكيد! نحن سطحيون كثيرا. سطحي، مُتعجل، عفوي، اندفاعي، مُتقلِّب، غير مُثابِر، صحيح! هذه مثالب العرب! لكن العربي بطبعه – عربي اسمه – مُعرِب، صريح! العربي من الصعب أن يخفي حتى الذي في قلبه، أليس كذلك؟ صعب!

في بعض الأجناس – حتى لا نسيء للناس، ليس كلهم! بعض الأجناس – مَن يبتسم لك ابتسامة عريضة حانية؛ أخي، حبيبي، كذا! وهو – كما يقولون – والعياذ بالله منه! قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ *، لم تبد، والله! بالعكس، بدت السراء! مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ *.

العربي لا يقدر على هذا. إذا غضب عليك وتغير، ترى ذلك في صفحات وجهه، تشعر أنه غاضب منك. الحمد لله، الله جعل الدين هذا عربيا. العرب ليس عندهم نزوع للزندقة والباطنية هذه، الفرق الباطنية هذه دائما ما تكون عجمية، سُبحان الله العظيم!

فهو؛ جهانكير Jahangir، يعلم أن الناس، منهم مَن يكون بعيد الغور جدا، قال لك ربما يكون هذا عنده خُطة بعيدة المدى. أرى نفسي في عشية أو ضحاها، قُلب بي. لا! قال له تبقى معي في عسكري، حتى آذن لك. حبسه عنده! لم يرجعه إلى بلده. تظل معي! فظل معه، كم؟ ثلاث سنوات.

ثلاث سنوات يُصلي في الجيش، يُصلي في رجال الدولة، يعظ. بدأ حتى جهانكير Jahangir يميل إليه. أحبه وتأثر به، شعر أن الرجل صادق، وأنه فعلا ليس عنده أرب آخر غير الإصلاح.

هو يُريد الإسلام وفقط، لا يُريد سُلطة، ولا يُريد ولا تهمه الأمور هذه! وبعد ذلك؛ زاهد. أي كلما أراد أن يُعطيه شيئا، يقول لا يُريد! لا يُريد ذهبا ولا فضة ولا مناصب، لا يُريد شيئا، لا يُريد شيئا! يُريد الخير فقط لك. يُريد أن يُصلح لك آخرتك.

على فكرة، ألا تُحب أنت عالما مثل هذا؟ هذا لما تشعر أن هناك عالما أو داعية، هو يُريد صلاح آخرتك، ولا يُريد دُنياك، لا يرضى! وإذا عنده، هو يُعطيك، لكن لا يأخذ منك.

وهذا الداعية الرباني! الداعية الرباني يعطي، ولا يأخذ، ما رأيكم؟ هذه علامة مُهمة جدا! لا يعيش على أموال الناس، ولا على عطايا الناس.

الحسن البِصري – رحمة الله عليه – كان يتصدق ويعطي، وهو فقير، ولا يقبل شيئا من أحد. وكان يقول قبيحٌ بالعالم، أن يعظ الناس في صباحه، ثم إذا أمسى يكون سائلهم. في الصباح واعظهم، وفي المساء: أعطوني! قبيحّ.

خُطة الأنبياء كلها؛ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا *، لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ *. النبي – عليه السلام – لما كان يبعث رجاله وأصحابه إلى بعض الأنحاء، عُمان وغيرها وكذا، يبعث: قولوا الشهادتين وكذا، كذا، وأنتم على أماكنكم. الأمير أمير، المسؤول مسؤول، الوزير وزير.

لا يفهم الواحد أن ثمن دخولي الإسلام، أن تأخذ سُلطاني! النبي يقول لا، تبقى مثلما أنت. الملك ملك! أرأيت الذكاء النبوي؟ لأنه يُريد الدين، النبي! لا يُريد الدنيا، أليس كذلك؟ لا يُريد! الدنيا للناس، دع الناس تحكم، لكن دعها لهم.

ولذلك أبو الحسن الندوي – رحمة الله تعالى عليه -، لخّص لك القضية كلها بكلمة واحدة، بطريقة عبقرية! أفضل شيء – قال لك -، وأكثر خُطة مأمونة، لأسلمة حياتنا، وإعادة الإسلام إلى الحياة، وتحبيب الناس فيه، من السُلطة إلى القاع… تعرف ما هو؟ ليس أن تذهب أنت بالسُلطة – لي هذه صارت، لنا نحن! لا، لا، لا، لا -، بل أن تذهب بالإسلام إلى السُلطة.

تذهب أنت، وتقول للسُلطان تفضل هذا الضياء والنور، هذا السراج المُنير، الذي لا تنطفئ جذوته! لمَن؟ لك. لماذا؟ لوجه الله – أقول له -، حبا في الخير. أنا الآن أحكي تصويريا، مجازيا.

إذا وثق بهذا منك، أحبك وأحب دعوتك وأحب دينك. والعكس، إذا لمس منك غير ذلك. انتبه! أي واحد يؤيدك، بعد أن يؤيدك، ويُعطيك عهده ربما، وحُبه وولاءه، إذا لمس منك طماعية في الحُكم، وأنك تُريد الحُكم، وأنك ظفرت به، وأنك لن تسمح بأن يُفتك منك بعد اليوم، وأنك ستبقى إلى أن يشاء الله، ينقلب عدوا لدودا لك!

يشعر أنك خدعته وضحكت عليه، أليس كذلك؟ ويشعر أنك أتيته من باب المُقدس والدين، لكي تتغول الدنيا! يمتلئ غيظا وغضبا عليك، وبذلك تكون أنت قد أوديت بنفسك، إذا الله أمكنه منك. وهذا صار ويصير، هذا صار ويصير! فهمتم قصدي؟ فلذلك هذه الأشياء خطيرة.

ولذلك انظر، سوف تقول لي أين هذا من كلامك في الخُطبة؟ أين هذا في هدي محمد؟ والله، أوضح من واضح! والله، لو فقهنا وصدقنا، أوضح من واضح! أحاديث كثيرة في الصحيحين، وفي السُنن، وفي مُسند أحمد، وغيرها!

يقول أبو موسى الأشعري، والحديث في البُخاري ومُسلم، نحن كلنا سمعنا الأحاديث هذه! يقول أبو موسى الأشعري أتيت أنا ورجلان من بني عمي، إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، فقال أحدهما يا رسول الله، ولّني، أو أمّرني، على بعض ما ولّاك الله عليه.

عندك أنت أراض وبلاد وأنحاء وكذا، وحتى ولايات، صدقة وغيرها، أعطني ولاية، أنا أشتغل عليها! وقال الآخر – يقول أولاد عمي اثنان – نحو ما قال الأول.

فقال إنا والله – انظر، لماذا يُقسم النبي؟ قال لا والله! قال والله لا! قال؛ لأن قضية خطيرة هذه، إنا والله – لا نُعطي هذا الأمر مَن طلبه، ولا مَن حرص عليه. لماذا يا سيدنا، يا رسول الله؟ أصحابك هؤلاء! وأنت تُحب أهل اليمن، وقلت هؤلاء ألطف الناس، وأطيب الناس، وأحن الناس، والحكمة يمانية، والإيمان يمان، وأُناس طيبون، الأشاعرة!

الأشاعرة كان النبي يضرب بهم المثل. ليس أتباع أبي الحسن الأشعري، أتباع أبي موسى الأشعري، الصحابي الجليل عبد الله بن قيس. النبي قال الأشاعرة أُناس طيبون جدا جدا جدا؛ لأنهم كانوا إذا جلسوا، تقاسموا أكلهم وطعامهم وشرابهم.

كل واحد يضع أكله، وأكلك وأكلي، ونأكل مع بعضنا. النبي يُحب هذه الروح الجماعية، روح الأخوة، البُعد عن الأنانية والانفراد. فمدحهم النبي، الأشاعرة أُناس طيبون جدا، وطلب ولاية! قال لا والله. قال إنا والله لا نُعطي… الحديث معروف!

يا جابر بن سَمُرة لا تطلب هذا الأمر، فإنك إن طلبته، وُكلت إليه، وإن جُبرت عليه، أُعنت عليه. الله! وفي الصحيحين أيضا. ثم قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – مَن سعى، أو مَن طلب، القضاء، من أُمتي، فناله، فإن غلب… هو حريص! أُريد أن أصير قاضيا، أُريد أن أحكم، أُريد أي مسؤولية في الأمة! أنت الذي سعيت. نلته، أعطوك إياه، بسعيك، عملت خُطة وكذا!

قال فإن غلب عدله جوره، فهو في الجنة – انظر، لم يظلمه النبي -. وإن غلب جوره عدله، فهو في النار. كأنه يقول لك وليس لك عُذر عند الله، أنت الذي طلبتها! ما دمت قد طلبتها، (راحت عليك). إذا لم تعدل، (راحت عليك)، على جهنم، وبئس المصير.

فالسلامة أين؛ أن تطلبها، أو تزهد فيها؟ ازهد يا رجل، أُقسم بالله، خلها لمَن يُريدها، ازهد، ازهد فيها، لا تُردها، إلا أن تُجبر عليها. ولن تُجبر عليها، إلا وأنت تصلح لها – بإذن الله تعالى -! لأنك تُجبر، أنت لا تُريدها، أنت مُستكرَه عليها. واضح؟

في حديث آخر – أظن عند أبي داود، هذا حديث عجيب! – النبي يقول إذا الواحد أيضا طلب القضاء، وُكل إلى نفسه، وإن لم يطلبه، وأُسند إليه، أرسل الله له ملكا يُسدِّده. حتى في القضاء، حتى في العلم!

وما العجيب في حالة سيدنا أحمد الفاروقي السرهندي – قدس الله سره الكريم -؟ أن الله وضع من بركة روحه في مملكة مُترامية الأطراف، ورجّعها رويدا رويدا، إلى نور الإسلام وحياضه، لا أقول حظيرته، بل حياضه وفضائه.

ولذلك كتب شاعر وفيلسوف الإسلام في الديار الهندية محمد إقبال – رحمة الله عليه -، يقول أحمد الفاروقي السرهندي، ذلك الحامي لذمار الإسلام! ذلك الحامي لذمار الإسلام! ولولا أحمد الفاروقي السرهندي، وشاه ولي الله الدهلوي – ومَن الثالث يا عدنان؟ ذكر ثلاثة هو! ربما الشيخ أحمد بن عرفان الشهيد، نسيت الآن -، لذاب الإسلام في حضارة الهنادكة.

الذي أعطى الإسلام قوامه الصُلب، وجعله كعقيدة وكدين مُستقلا مُتماسكا، لم يذب في الهندوسية؛ دين الأغلبية، وثقافة الأغلبية، وقديمة! من ألوف السنين، قال هم هؤلاء. هم هؤلاء! عجيب! رجال!

رجال! قد يجمع الله العالم في واحد! وليس بمُستنكر على الله، أن يجمع العالم في واحد! إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً *، سيدي أحمد بن عبد الأحد كان أمة – رضوان الله عليه -.

فالمُهم، بعد ثلاث سنوات، أيقن جهانكير Jahangir أن الشيخ أحمد ليس له أرب في السُلطة، ولا يأتمر به، ولا يختدعه أبدا، أبدا، أبدا! فسمح له أن يعود إلى أهله، إن شاء، على أنه قال له والأحب إلى قلبي، أن تبقى عندي في مُعسكري. لم يعد قادرا على مُفارقته! قال له لكني أود أن أعود إلى أهلي. وصرَّح لبعض الناس أنه لم يبق من العُمر، إلا القليل، فلا بُد أن أعود.

وذكر متى يموت، قبل موته بخمس وأربعين ليلة! قال بعد خمس وأربعين ليلة، يكون الرحيل إلى الدار الباقية. وانقطع عن كل الناس! لم يعد يسمح لأحد بالدخول عليه، ولا مُدارسته، إلا لأبنائه واثنين من خواص أصحابه وخدّامه، فقط! وليل نهار في الذكر والعبادة والصلاة، في الذكر والعبادة والصلاة، ويستوحش!

قال الشيخ محمد معصوم – قدس الله سره -، ابنه وخليفته الأكبر هذا، البركة الكُبرى بعد أبيه! قال قلنا له يا أبت، لم نعد نشعر أنك تُحبنا وتتعلق بنا، كما كنت قبلا؟ قال نعم. لماذا يا أبت؟ قال الله أحب إلي. أُريد أن أرتحل إليه.

صار عنده شوق عجيب، أن يعود إلى ربه، لا إله إلا هو! شوق، شوق! يُحب أولاده، لكن أنا – قال لهم – أُحب ربي أكثر منكم، ولا بد أن أذهب، أُحب أن أذهب. وقصة وفاته جميلة! اقرأوها أيضا عن الإمام الندوي، جميلة ومؤثرة!

وكيف تُوفي؟ هو طلب طستا؛ لكي يقضي حاجة البول فيه، ثم أدرك أن الأمر لا يتسع. لماذا؟ لأن الطست، الذي أوتيَ به إليه، لم يكن فيه رمل، فخشيَ إن هو قضى بولته فيه، أن يُصيبه من رشاشه. ثم قال لهم الأمر ضاق عن تجديد الطهارة، وتكفي الركعتان اللتان ركعت. ومات طاهرا!

نام على جنبه اليمين، ووضع يده على هيئة السُنة. قال فقلت له – ابنه – كيف أنت يا أبت؟ قال أنا بخير، الحمد لله. وظل يذكر الله، ثم ردد الشهادة، وفاضت نفسه الشريفة – قدس الله سره -!

المُهم بعد ذلك؛ الآن يأتي ابن جهانكير Jahangir: شاه جهان Shah Jahan، شاه جهان Shah Jahan!

شاه جهان Shah Jahan كان مُحبا للشيخ السرهندي. وحين أرسل أبوه جهانكير Jahangir إليه، أول مرة، حين سجنه، استعجل أن يُقابله قبل الدخول على أبيه. وقال له يا مولانا، أنا أُحبك. مُتأثر به! يبدو أنه قرأ له أشياء أو كذا. أُحبك، وتعلم أن أبي يُحيا بتحية، أنت قد ترغب عنها، أدري، ولكن أنا راجعت الكُتب الفقهية، على مذهب السادة الحنفية.

الشيخ السرهندي كان حنفيا! رضوان الله على الإمام الأعظم؛ أبي حنيفة، وقدس الله سره الكريم. أبو حنيفة بركة كبيرة أيضا، إي والله! وهناك بركة كثيرة في رجاله وأتباعه، خاصة في بلاد العجم، شيء عجيب!

قال له يا مولانا أنا قرأت وراجعت في الكُتب الفقهية الحنفية، يجوز الانحناء، لا بقصد العبادة، رُخصة! قال له أعلم ذلك، يا سيادة الأمير. أعلم ذلك، ولكن تبقى رُخصة! والمؤمن مدعو، ما استطاع، إلى أخذ العزيمة، وأنا آخذ بالعزيمة، إن شاء الله. لن أنحني لأبيك، وليحدث ما يحدث.

يا سلام! رجال الله! انظر، زُهد، تصوف، علم، فقر، أُناس طيبون، لكن أقوياء في دين الله، واثقون بنصر الله، مُستسلمون لقضاء الله. وقد حمد ما قُدر له من واقعة سجنه! حمدها كثيرا، في مكتوباته! لأنه رأى الخير.

يكفي يا سيدي مَن هداهم الله على يديه، من الهنادكة والبوذيين وغيرهم، وهم بالألوف! يكفي! ولو اهتدى واحد، دخل به الجنة، كيف بألوف؟ يكفي الألوف الذين تابوا على يديه! بركة عظيمة! اللهم أعطنا من بركاتك يا رب.

المُهم، فشاه جهان Shah Jahan – سُبحان الله – كان لا يزال أفضل من جهانكير Jahangir، ولذلك بدأ الإسلام ينتعش، أيام شاه جهان Shah Jahan.

العلماء يعدون شاه جهان Shah Jahan من تلاميذ الشيخ السرهندي، ولكن لا بالإرشاد المُباشر. أي العلاقة لم تكن علاقة مُريد بشيخ، لكن علاقة مُستفيد من مُفيد. قرأ كُتبه، وقرأ رسائله، استفاد من روحه، دخل في خطه، أهلا وسهلا! لكن لم يكن تلميذا ومُريدا مُباشرا له.

فشاه جهان Shah Jahan – رضوان الله عليه – فعلا أعاد للإسلام روحه وأُنسه، وأعاد المساجد التي افتكها الهندوس. أبوها افتكها، وأعطاها للهندوس! أعادها. حرّم أشياء كثيرة مما أباحه أبوه، حرّم زواج المُسلمات من الهنادكة. المُهم، كان أيضا شغوفا ببناء المساجد، الحمد لله. بنى، ورمم الكثير أيضا، من المُتداعي الخرب منها. أشياء كثيرة طيبة!

وطبعا – كما قلت لكم – كان يُحب ابنه دارا شكوه Dara Shikoh، أكثر من أورنكزيب Aurangzeb. وحصلت هذه الكذا، اعتقله ابنه أورنكزيب Aurangzeb، للأسف الشديد! قبل وفاته بثماني سنين، ووضعه مُعززا مُكرما – نعم، أي لم يُهنه – في قلعة، يأكل ويشرب ويُخدم، ولكن انتهى، ممنوع عن الحُكم.

وارتقى سُدة الحكم مَن؟ أورنكزيب عالمكير Aurangzeb Alamgir. عالمكير Alamgir تعني ماسك زمام العالم، أو جامع زمام العالم. عالَم، ليس عالِم، عَالم! والذي لقبه هكذا، يُقال أبوه نفسه؛ شاه جهان Shah Jahan! عالمكير Alamgir!

مع عالمكير Alamgir، الوضع اختلف! لماذا؟ لأن عالمكير Alamgir، أو أورنكزيب Aurangzeb – رحمة الله عليه -، كان تلميذا ومُريدا مُباشرا لسيدي الشيخ محمد معصوم، ابن سيدي الفاروقي السرهندي، تلميذه! وعنده رسائل اسمها المكتوبات السيفية.

ثماني عشرة رسالة منها، من الشيخ محمد معصوم، إلى السُلطان المُعظَّم أورنكزيب Aurangzeb! يأمره، وينهاه، ويُوضّح له أمورا كثيرة في شؤون الدين والرعية. أي كان شيخا له. تخيل! ابن الشيخ السرهندي صار أستاذا لملك الهند كلها!

طبعا اتسعت الهند في أيام أورنكزيب Aurangzeb، كما لم تكن من قبل، إسلاميا! اتسعت المملكة! طبعا هناك مؤرخون، حتى أنا العبد الفقير، قبل سنوات، أخذت عليه أشياء! عنده تزمت.

أورنكزيب Aurangzeb عنده تزمت ديني، أي لم يكن مُتسامِحا جدا، كما قد يُتوقع! لكن هو كان يأخذ بماذا؟ بظواهر الفقه، التي يُعلِّمها العلماء! يأخذ بها، كما هي!

لكن كان بركة على الناس، في الجُملة، ووضع – يُقال – أكثر من ثمانين نوعا من الضرائب الظالمة. وضعها، ممنوعة! وضعها، ألغاها بالكامل! كان عنده عدل الرجل – كما قلت لكم -، كان صوّاما، قوّاما، مُتعبِّدا، ينام بعض الليل، ينام منه قليلا، ويقوم أكثره. لا يأكل إلا من كسب يده، وهذه أُعجوبة! أُعجوبة! لم يكن يأكل من أموال المُسلمين. ينسخ المصاحف، ويأكل من عرق جبينه وكد يمينه.

فالحمد لله، وعاد الإسلام، وإلى اليوم، الإسلام في الهند بخير. سيأتي بعد فترة الإمام شاه ولي الدهلوي؛ أحمد بن عبد الرحيم، وكذا! وعب عُباب الإسلام! عب عُباب الإسلام، وكله ببركة هذا الرجل، العالم المُتصوِّف الزاهد الصالح، الذي دعا إلى الله، وعمل بهدوء وبحكمة، لا يطلب إلا خير الأمة والدين، لا يطلب أي شيء لنفسه.

فلذلك أبو الحسن الندوي – رحمة الله عليه – قال أنا أعتبر كتابي هذا – بعون الله تبارك وتعالى – هدية قيّمة، ورسالة حية، إلى القرن الخامس عشر الهجري! تعلَّموا يا مُسلمون كيف تخدمون دينكم. إياكم أن تتأثروا كما تأثر المودودي – رحمة الله عليه -، والشيخ حسن البنا – رحمة الله عليه -، وسيد قطب من ورائه، بالنُظم النازية، الفاشية والشيوعية!

لماذا أقول هذا؟ لأنهم صرَّحوا بهذا! ادخل أنت الآن – ادخل الآن وأنت تسمع كلامي -، على إخوان ويكي Ikhwan Wiki – أي الويكيبيديا Wikipedia هذه الخاصة بالإخوان! إخوان ويكي Ikhwan Wiki -، واكتب حسن البنا: السنيور – سنيور Signore بالإيطالي – موسوليني Mussolini.

عنده مقالة عن موسوليني Mussolini! وبعد ذلك – أراد هذا بعد أن ذكر موسوليني Mussolini ماذا عمل، وماذا يفعل موسوليني Mussolini، وكذا، كذا – قال لك نقول للسنيور Signore كل هذا عندنا، وديننا سبق به.

من غير أن ندخل في هذا – لا نُريد أن نعمل الآن مُحاسبة -، في ماذا تأثر المودودي وحسن البنا بالفاشية والنازية والشيوعية؟ وصرَّحوا بهذا! والمودودي صرَّح بهذا! طبعا هذه روح الزمان، كانت تقبل هذا، وتفتخر به؛ لكي لا نكون ظلمة، انتبه!

أنت الآن من موقعك المُتأخر، تقول فاشية! لو كنت في زمانهم، لربما فعلت مثل فعلهم! على أن من علماء الإسلام الكبار، لم يفعلوا مثل فعلهم، وكانوا أوفياء لروح الإسلام الحقيقية، لم يؤمنوا بكل هذه الأشياء الحديثة المُخيفة.

الفاشية عندها طبعا مواصفات كثيرة:

عندها نزعة شعبوية! عندها نزعة شعبوية: واحد. اثنان: الفاشية في عُمقها لا تؤمن بالديمقراطية، بالمرة. الفاشية ضد تعدد الأحزاب، على طول الخط! مع الحزب الواحد.

الفاشية مع ما سميته قبل سنوات بالطاعوية. ليس الطاعة، الطاعوية! بمعنى تربية عسكرية، حتى النُخاع. تسمع وتُطيع، ولا تُناقش ولا تتردد ولا ترتاب، وإلا العقاب الأليم. تخيل!

وطبعا هي أيديولوجيا مُغلقة، ليست معرفة وليست علما! لا تقبل ماذا؟ لا تقبل النقد، ولا الأخذ، ولا الرد، وانتهى! وعندها جذورها، في التاريخ الروماني طبعا.

نفس الشيء؛ الشيخ حسن البنا عمل شيئا قريبا جدا من هذا! كيف؟ حين أقرأ عليكم ماذا قال، سوف تفهمون وحدكم! وسوف تفهمون كيف تأثر بالفاشية – رحمة الله عليه -!

تأثر، وكان سعيدا بهذا! حتى أنه في إحدى رسائله، المجموعة في رسائل الإمام الشهيد، ضرب أمثلة للنجاح؛ أن الله يُمكن أن يُقيض النجاح، لأُناس قليلين، ولفئات منزورة العدد، وبطُرق سريعة – بإذن الله تبارك وتعالى -.

فتحدَّث عن نجاح صلاح الدين، مثلا. صلاح الدين نجح – ما شاء الله – بسرعة! تحدَّث عن نجاح المَلك عبد العزيز آل سعود – الله يرحمه -، مُوحِّد المملكة، وكيف أن هذا المَلك، بعد أن منيَ بفشل كبير، وكيف شُردت أسرته، وشُرد هو، استطاع أن يبتز المُلك، مرة أُخرى، ببضعة وعشرين رجلا!

وكيف أن العامل – أي الـ Worker! العامل – الألماني – هكذا سماه هو؛ العامل الألماني – المُجتهد هتلر Hitler، قدر على بناء ألمانيا الحديثة! فضرب به المثل! بعبد العزيز، وبصلاح الدين، وبمَن؟ وبهتلر Hitler!

كان هكذا عنده! عادي! أنه عادي، أن هذا شخصية ناجحة وكذا! فهو تأثر به. فصار هناك نوع من التأثر؛ أننا نعمل مثلهم! نعمل! لا، خطير التأثر بهذه النُظم الكليانية الشمولية.

لذلك كان طرح المودودي شمولي، عنده شمولية! الآن لا يُوجد مُسلم مُثقف وواع منا يقبل الشمولية هذه، لا يُوجد، أبدا! طرح الشيخ حسن البنا شمولي، ويُصرِّح بأنه شمولي! لكن شمولي على أكثر من مُستوى، وبطريقة مُخيفة! سوف نرى لما نقرأ.

أي بطريقة مُتعددة الطبقات في شموليتها! حتى في الفهم المُجرد؛ فهمي أنا، كحسن البنا، هو الفهم الوحيد الصحيح! معقول؟ كل الفهوم الأُخرى خاطئة. لكن يا شيخ حسن، هناك جماعات أُخرى، هناك أُناس يعملون للإسلام، هناك شيوخ أزهر، هناك علماء ومُجددون!

قال لك المعيار: أنا، وجماعتي. جماعتك؟ قال لك جماعتنا! نحن، دعوتنا، منهاجنا! بقدر ما تتطابق معنا، أنت صحيح. بقدر ما تختلف عنا، أنت ضال، وسيدمغ الله باطلك بحقنا – إن شاء الله -.

وعنده مثل هذا كثير يا أخي! مُرعب، حين تقرأ له. على فكرة، أنا قرأت الرسائل وأنا صغير – أنا كنت أقرأها من سن ربما الحادية عشرة أو العاشرة -، لم أر فيها هذه الأشياء! لماذا إذن؟ قرأتها بمنظور ونفسية وروحية مُختلفة؛ الإمام الشهيد، العبقري الكبير، عبقري البناء، عبقري كذا!

فلا يُمكن أن ترى الأشياء الواضحة، التي تفقأ العينين! لكن حين تعود، فتقرأ الرسائل بروحية نقدية، بعقل نقدي مُتفتِّح، يروعك، يروعك في مواضع كثيرة، مثل هذا المنطق الذي يُفرِغ عنه الإمام – رحمة الله عليه -! وبكل ثقة يتكلم!

الآن، صدِّقوني، من غير مُبالغة، لو فعلت هذا أنتَ يا أخي الحبيب، أو أنتِ يا أختي، أو أنا هذا – أي واحد منا! أتى بنفس الجُمل هذه، فقط أعاد صياغتها، وخالف في ترتيبها، ونسبها إلى نفسه. لو أنا أطلع على المنبر، وأقول لهم هكذا: فهمي أنا، أو منهاجي، أو دعوتي كذا، كذا، وكل مَن كذا، فكذا، كذا، كذا! وفقط! وأتركها -، سوف ترى حربا ضروسا شعواء، لا تُبقي ولا تذر.

تصدمهم، وتقول لهم Sorry – لكن أنا لا أفعل هذا أبدا، ولا أُحب هذا الأسلوب، لكن يُمكن أن تعمله، عادي! أي سهلة، ليست صعبة، لكن أنا لا أُحب هذه الأساليب -. تقول لهم أنا مُتأسف جدا جدا، كان فقط خطأ في النسبة. كل ما ذكرت، ليس لي. كل ما ذكرت، هو للإمام الشهيد المؤسس حسن البنا.

سوف يُسقط في أيديهم، ولن يستطيعوا أن يخرجوا من هذه الورطة. وهذا يُمكن أن يعمله أي واحد، بأي طريقة، على فكرة! معه، ومع غيره. هم إلى الآن لا يُدرِكون أن هذا لم يعد مقبولا، لم يعد مقبولا! يرفضه الجيل، يرفضه أبناؤهم. يجب أن نفتح أعيننا، ونُدرِك الحقائق، كما هي؛ لكي يُنقِذنا الله مما نحن فيه. وإن شاء الله نبدأ نخطو خُطوات على طريق النجاح.

فاسمحوا لي فقط، في خمس دقائق، أقرأ لكم بعض النصوص، بسرعة. قد أكون ذكرت لكم الفحوى، لكن أنا أُريد أن أقرأ النصوص؛ حتى لا أُتهم بأنني، أو يُظن أنني، ظلمت، أو تحيفت، أو لم أكن أمينا! فأُريد أن أقرأها، كما هي.

أبدأ بالشيخ المودودي – رحمة الله عليه -، الذي قال في كتابه عن التجديد:

من أجل ذلك حاول الأنبياء إحداث الانقلاب السياسي. انقلاب سياسي! عجيب! أي هذه رسالة الأنبياء؛ انقلاب سياسي؟ فاقتصرت جهود بعضهم على تهيئة الأرض، كسيدنا إبراهيم – عليه السلام.

وقام بعضهم فعلا بحركة الانقلاب، ولكن عملهم قد توقف دون أن يتحقق تأسيس الحكومة الإلهية، كسيدنا المسيح – عليه السلام -. وبعضهم قد وصلوا بهذه الحركة إلى منزل النجاح، كسيدنا موسى – عليه السلام -، وسيدنا محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

أيضا في الكتاب نفسه، يقول:

نظرةٌ عجلى على التاريخ، تدل على أنه لم يظهر مُجدِّدٌ، في معنى الكلمة – أي بمعنى الكلمة -، بعدُ. بعدُ! النبي يُبشِّر بمُجدِّدين، هو قال إلى الآن لم يظهر! النبي قال كل مئة سنة، هو قال ها هي أربعة عشر قرنا، لم يظهر! يُمكن الآن أن يظهر مع حركته! بعدُ!

على فكرة، سوف تقول لي هل هناك علماء، غير أبي الحسن الندوي، ردوا عليه؟ كثيرون! كثيرون من علماء القارة الهندية ردوا على المودودي، وبعضهم اتهمه بالضلال والشذوذ، وبعضهم شدَّد العبارة. من أمثلهم طبعا وآدبهم، وكان مُنصفا، العلّامة محمد يوسف البنوري – رحمة الله تعالى عليه -.

محمد يوسف البنوري، هذا تلميذ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، الإمام العظيم، صاحب فيض الباري على شرح البُخاري! المُهم – وصاحب التواتر، أي التصريح بما تواتر من نزول المسيح -، فالشيخ البنوري رد عليه، على نحو مما فعل الندوي، أخذ عليه نفس المآخذ، وأثبت أن هذا كله غير صحيح، ومُخالِف لفهم الأمة ولفهم العلماء وكذا! هناك علماء كبار!

وكاد عمر بن عبد العزيز أن يعتلي هذا المنصب! التجديد. عمر ليس مُجدِّدا! ولكنه لم يتمكن منه. وكل مَن ظهر من بعده، من رجال التجديد، اقتصروا على العمل في ناحية، أو نواح خاصة. ولا يزال منصب المُجدِّد الكامل شاغرا.

هناك الروح الرسالية! صاحب الدعوة الكاملة، التجديد! هناك شيء مُخيف من وراء هذه الأشياء! أنا أخاف منها، أخاف منها كثيرا!

الخُميني! يقول الخُميني بهذا الشأن:

لقد جاء الأنبياء جميعا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم. نفس المنطق أيضا السياسي والسُلطوي، والحُكم والحكومة الإلهية، نفس المنطق، على فكرة! هذه الأصولية.

في العالم! لكنهم لم ينجحوا، حتى محمد، خاتم الأنبياء. أستغفر الله العظيم، كبرت كلمة! إي والله. الذي جاء لإصلاح البشرية. هو جاء – قال -، أهدافه جميلة وكذا، لكنه لم ينجح. عجيب! بمعنى عون الله قصَّر بمحمد، وأدركك أنت، يا رجل؟ والله شيء مُخيف! الذي جاء لإصلاح البشرية.

لذلك أنا أقول لكم مثل هذه الطريقة في التفكير أخطر مما تظنون! وطبيعي جدا أنها تفتح أنهار الدماء وبحورها. عادي، عادي عندهم، عادي! عندهم تفكير غريب بعض الشيء.

وتنفيذ العدالة وتربية البشر، ولم ينجح في ذلك. أستغفر الله العظيم! وإن الشخص الذي سينجح في ذلك، ويُرسي قواعد العدالة، في جميع أنحاء العالم، في جميع مراتب إنسانية الإنسان، وتقويم الانحرافات، هو المهدي المُنتظَر.

هذا النص جُزء من خطاب ألقاه الخُميني في ذكرى مولد المهدي المُنتظَر، في الخامس عشر من شعبان، ألف وأربعمائة هجريا، ونُقل عبر إذاعة طهران، وتناقلته بعض وكالات الأنباء والصُحف، ومنها صحيفة الرأي العام الكويتية، في عددها الصادر في الحادي والعشرين، من الشهر السادس، ألف وتسعمائة وثمانين.

وقد انتظرت رابطة العالم الإسلامي – لأن هذا هز العالم الإسلامي! الكلام هذا! ما هذا؟ تصريحات مُخيفة هذه! تصدر هذه عن مُفكِّر مُسلم، أو شيخ مُسلم، أو داعية، أو مُصلِح؟ – تكذيبا أو توضيحا، من الجهات الرسمية في إيران، بشأن هذا الخطاب.

ولما لم يصدر شيء من هذا، أصدرت الرابطة بيانا، بتاريخ التاسع من رمضان، ألف وأربعمائة هجريا، استنكرت فيه هذا الكلام، واعتبرته طعنا في الرسول الكريم – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

ويؤكِّد هذا المُعتقَد في موضع آخر – الخُميني -، حين يُبدي أسفه لفشل الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فيقول إني مُتأسف لأمرين، أحدهما أن نظام الحُكم الإسلامي لم ينجح مُنذ فجر الإسلام، إلى يومنا هذا، وحتى في عهد الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم -، ولم يستقم نظام الحُكم، كما ينبغي.

ضمن خطاب ألقاه الخُميني، في ذكرى مولد الرضا، الإمام السابع – عليه السلام -، بتاريخ: التاسع من الشهر الثامن، ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، واستنكرته عدة جهات إسلامية.

نأتي الآن إلى الشيخ حسن البنا. قال الآتي في رسالة دعوتنا، تحت عنوان أصناف أربعة! وتأملوا، تأملوا!

يقول وكل الذي نُريده من الناس، أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة. أنت أمام دعوة الشيخ البنا واحد من أربعة. القسمة رُباعية، حاصرة، عنده!

واحد: مؤمن. إما شخص آمن بدعوتنا، وصدَّق بقولنا، وأُعجب بمبادئنا، ورأى فيها خيرا اطمأنت إليه نفسه، وسكن له فؤاده، فهذا ندعوه أن يُبادِر بالانضمام إلينا، والعمل معنا، حتى يكثر به عدد المُجاهِدين، ويعلو بصوته صوت الداعين.

ولا معنى لإيمان لا يتبعه عمل، ولا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها والتضحية في سبيلها، وكذلك كان السابقون الأولون، مِمَن شرح الله صدورهم لهدايته، فاتبعوا أنبياءه، وآمنوا برسالته، وجاهدوا فيه حق جهاده، ولهؤلاء من الله أجزل الأجر، وأن يكون لهم مثل ثواب مَن اتبعوهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

اثنان: مُتردِّد. وإما شخص لم يستبن وجه الحق، ولم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة، فهذا نتركه لتردده، ونوصيه بأن يتصل بنا عن كثب، ويقرأ عنا من قريب أو بعيد، ويُطالِع كتاباتنا، ويزور أنديتنا، ويتعرَّف إلى إخواننا، فسيطمئن بعد ذلك لنا – إن شاء الله تعالى -، وكذلك كان شأن المُتردِّدين من أتباع الرُسل، من قبل.

موقف الناس منه، مثل موقف أتباع الرُسل، تصديقا وتكذيبا! وهذه خطيرة، خطيرة جدا!

ثلاثة: نفعي. الشخص الثالث: نفعي. والآخر: مُتحامِل. وفقط! هم هكذا! بمعنى أنت عندك خيار واحد: تؤمن به وبدعوته، تؤمن بدعوته! إذا لم تؤمن بدعوة الشيخ البنا، فأنت إما مُتردِّد، وإما نفعي، وإما مُتحامِل.

عجيب! لولا أن هذا الكلام مطبوع وكذا، لكنت أقول مُستحيل، لا يُمكن لشيخ من شيوخ الإسلام، عالم، أن يقول كلاما مثل هذا، لا يُمكن! لا، قاله، وللأسف، بسبب هذا – كما قلت لكم – لا تستغربوا عقلية الإخوان المُسلمين، التي لا تقبل أي نقد، ولا أي تصحيح. لا يقبلون! يُصيبهم شيء… لا أعرف ما هو، مثل ماذا؟

نفعي! وإما شخص لا يُريد أن يبذل معونته، إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة، وما يجره هذا البذل له من مغنم، فنقول له حنانيك، ليس عندنا من جزاء، إلا ثواب الله تعالى، إن أخلصت، والجنة، إن علم فيك خيرا. أما نحن، فمغمورون جاها، فقراء مالا، شأننا التضحية بما معنا، وبذل ما في أيدينا. ورجاؤنا رضوان الله سُبحانه وتعالى، وهو: نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ *.

فإن كشف الله الغشاوة عن قلبه، وأزاح كابوس الطمع عن فؤاده، فسيعلم أن: مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ *، وسينضم إلى كتيبة الله، ليجود بما معه، من عرض الدنيا، لينال ثواب الله في العُقبى، و: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ *.

وإن كانت الأُخرى، فالله غنيٌ عمَن لا يرى لله الحق الأول في نفسه وماله ودُنياه وآخرته وموته وحياته، وكذلك كان شأن قومٌ من أشباهه، حين أبوا مُبايعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

في كل مرة، نفس الشيء: الرسول! حتى في الرسائل، في بعض المواضع، يُسمي أتباعه بالأصحاب! بالأصحاب! ليس الأتباع، الأصحاب! غريبة إذن!

المُهم، إلا أن يجعل لهم الأمر – الناس الذين لا يرضون أن يُبايعوا النبي! إلا أن يجعل لهم الأمر – من بعده، فما كان جوابه – صلى الله عليه وسلم -، إلا أن أعلمهم أن: الْأَرْضَ لِلَّهِ – طبعا مَن هذا؟ أي الذي عمل هكذا؟ مُسيلمة الكذاب. طبعا! الكلمة هذه لمُسيلمة. الله قال له لا. النبي قال له الْأَرْضَ لِلَّهِ – يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *.

رابعا، وأخيرا: مُتحامِل. وإما شخص أساء فينا ظنه، وأحاطت بنا شكوكه، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم، ولا يتحدث عنا إلا بلسان المُتحرِّج المُتشكِّك، ويأبى إلا أن يلج في غروره، ويسدر في شكوكه، ويظل مع أوهامه، فهذا ندعو الله لنا وله، أن يُرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يُلهمنا وإياه الرُشد.

ندعوه، إن قبل الدعاء، ونُناديه، إن أجاب النداء، وندعو الله فيه، وهو أهل الرجاء، ولقد أنزل الله على نبيه الكريم في صنف من الناس – نفس الشيء أيضا – إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ *.

وهذا سنظل نُحبه، ونرجو فيئه إلينا – أي رجوعه -، واقتناعه بدعوتنا، وإنما شعارنا معه ما أرشدنا إليه المُصطفى – صلى الله عليه وسلم – من قبل اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

نُحب أن يكون معنا واحدا من هؤلاء. وقد حان الوقت الذي يجب فيه على المُسلم أن يُدرِك غايته، ويُحدِّد وجهته، ويعمل لهذه الوجهة، حتى يصل إلى غايته المنشودة. أما تلك الغفلة السادرة، والخطرات اللاهية، والقلوب الساهية، والانصياع الأعمى، واتباع كل ناعق، فما هو من سبيل المؤمنين في شيء.

هذه آخر الكلمات، شيء غريب! الآن هذه القسمة لا يُمكن أن تكون حاصرة، على الأقل اجعلها خُماسية! والقسم الخامس: مُسلم مؤمن صادق مُخلِص، لا يقل عنك، على الأقل، صدقا، يا شيخ حسن، له اجتهاد لم يوافق اجتهادك، وله نظر لم يُطابق نظرك.

هذه طريقة الشيخ أحمد السرهندي مثلا في الدعوة، ليست كطريقتك على الإطلاق! أليس كذلك؟ عشرات الدُعاة والمُجدِّدين، طريقتهم لم تكن كطريقة الشيخ حسن البنا! فلماذا لم تُخمِّس القسمة وتقول هناك قسم خامس: مُسلمون صلحاء طيبون، ولكن قدَّر الله لهم من الفهم، وقيَّض لهم من الاجتهاد، ما لم يُطابق اجتهادنا، نرجو لهم الخير، ولأنفسنا؟

لا، غير موجودة! واحد من ثلاثة، غير المؤمن طبعا. إذا آمنت بدعوته، انتهى! أنت على خير، ولك كل خير. وإلا، فأنت واحد من ثلاثة! غريبة! لذلك تجد صدر الإخواني ضيقا. بعضهم تساءل كيف يكون الآتي! الشيخ محمد الغزّالي كتب هذا.

محمد الغزّالي كتب كتابة قوية، ووصف هذا بالـ… ماذا أقول لكم؟ وصفه بالمسخرة، وبالمهزأة، وبالزي المُنكر! قال مَن الذي زي الإسلام هذا الزي المُنكر؟ قال حتى بلغ بهم السفه أن يسألوا وكيف يكون مُسلما مَن ليس في جماعة الإخوان؟ نعم، طبعا!

الشيخ أحمد الشريف – رحمة الله عليه، وغفر الله له -، هذا كان من مكتب الإرشاد، من مكتب الإرشاد! وكان مسؤولا إداريا، لا أعرف عن أسيوط أو عن غيرها، أي شيء كبير! سُجن في الواحات، في الفترة الناصرية، فخطب فيهم الجُمعة.

هذا طبعا – أعتقد – في كلام محمود عبد الحليم، أو كلام عشماوي، لا أدري! عشماوي؛ مُذكرات علي عشماوي، هذا كان أيضا من قواد التنظيم الخاص الأوائل. خطب في الواحات يوم الجُمعة، خُطبة سمعها كل إخوانه في السجن؛ أننا من جماعة الإخوان، أي واحد ليس من هذه الجماعة، أو خلع بيعة الجماعة، فقد خلع الإسلام نفسه! وكلاما هذا معناه، سأتلوه الآن! الإسلام؟ الإسلام!

الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه – يكتب أيضا في مُذكراته؛ سيرة ومسيرة، المُذكرات المطبوعة! يكتب الشيخ القرضاوي قائلا أُشيع عني وعن الدكتور العسال أننا خرجنا من الجماعة، وخُنا الجماعة! انتهى، مُباشرة!

قال فلقيت جماعة، بعضهم بمثابة تلاميذي، وتلقوا مني العلم، وبعضهم إخوة أحباء، فازوروا عنا، ونأوا بجانبنا، وأشاعوا أننا خونة، خُنا الجماعة!

ببساطة! مُجرد إشاعات، عن أي عالم، عن أي قيادي! شيء عجيب! ترصد، وتربص، وكذا! ورغبة عجيبة في دمغ الناس! فكيف حين لا تكون إخوانيا، وتتناولهم بنصيحة؟ والله هو رب القلوب، ورب النوايا.

للشيخ البنا أيضا كلام في رسالة دعوتنا. له كلام نظير الكلام الذي ذكرت لكم، أنا لم أُحب أن أذكره بطوله؛ لأنه طويل. في مواضع: الإيمان إيمانهم، تُريد الإيمان الحق؟ هو ما عليه الجماعة. في مواضع واضحة جدا! اقرأوا الرسائل.

الإسلام إسلامهم، ما عليه الجماعة، وهذا الإسلام الحق! والدعوة الحق دعوتهم! ودعوتهم! ليس الإسلام الرباني المعيار، القرآن، لا! دعوتهم، هي المعيار! تعير نفسك بها، وتعير كل الجماعات الأُخرى، بقدر ما تقترب أو تبتعد.

كتب – رحمه الله -:

وموقفنا من الدعوات المُختلفة، التي طغت في هذا العصر… كان هناك جماعة شباب محمد. هم كانوا إخوان مُسلمين، وخرجوا على الشيخ البنا؛ بسبب أمور مالية! تتعلق بالتبرعات لفلسطين، كيف تصرف فيها؟ وأشياء مذكورة كلها في تاريخ الجماعة! فغضب الإخوة وكذا، وخرجوا.

وهناك مصر الفتاة الخاصة بحُسين وكذا، وهناك جماعات كثيرة! وكانت هناك طبعا جماعة السلفيين، والشيخ السَبَكي وكذا – أو السَبْكي، لكن ليس السُبكي، أكيد طبعا! كانوا يُسمونه السَبَكي، الخاص بالكذا -، جيد! وهناك الأزهر وهناك كذا.

قال ماذا؟ طغت في هذا العصر، ففرقت القلوب – الجماعات هذه -، وبلبلت الأفكار، أن نزنها بميزان دعوتنا! أنا ظننت بميزان القرآن، بميزان الإسلام. بميزان دعوتنا! ثقة عجيبة، ثقة مُطلقة! هو مُمثِّل حصري للإسلام، فهمه الوحيد للإسلام هو الصحيح، غيره ليس كذلك أبدا!  

فما وافقها، فمرحبا به. وما خالفها، فنحن براء منه. عجيب! تُعلن البراءة من إخوتك في الدين، من المُسلمين، مُجتهدين، كل واحد مُجتهد بطريقته! لأنه لم يتطابق مع دعوتك، مع طريقتك في فهم الإسلام؟ وها قد جُربت تسعين سنة، جرت علينا الويلات والخرائب! انظر، لذلك الثقة الزائدة هذه لم تكن في مكانها.

ونحن مؤمنون – انظر – بأن دعوتنا مُحيطة. انظر الشمولية! قلت لكم الشمولية في فكر الشيخ البنا على أكثر من مُستوى! سوف تلمسونها من خلال نقوله. مؤمنون بأن دعوتنا مُحيطة، لا تُغادر جُزءا صالحا، من أية دعوة، إلا ألمت به وأشارت إليه.

كأنه يقول لك كل الصيد في جوف الفرا. لا أحد يقدر على أن يكون عنده خير، ليس عندنا! وكله عندنا! ونحن وحدنا الجامعون للخير! والله دعوة عريضة، والله عريضة جدا جدا يا شيخ حسن.

يا شيخ حسن، جماعتك وتنظيمك، تورطتم في قتل أُناس! في قتل عُظماء مصريين كبار! أحمد ماهر، ومحمود فهمي النقراشي – رحمة الله عليه -، الذي أنت وصفته، وقلت هذا من أعلام نهضة مصر!

انظروا واقرأوا! اقرأوا بيانه لما تحدث عن اغتيال النقراشي. وقال نحن لسنا أقل حُزنا وألما باغتيال هذه الشخصية الكذا! وبدأ، ولم يبالغ، بالعكس! أعطاها بعض حقها. وقال من أعلام نهضة مصر، ومن أبناء مصر الأعفاء البررة النُزهاء، وكذا! النقراشي كان شيئا كبيرا – رحمة الله عليه -، فخر لمصر!

في حين أن الذي قتله بالرصاص، من تلاميذ الجماعة، من أتباع الجماعة، سُئل لماذا قتلته يا شقي؟ قال لأن هذا فرّط في قضايا الأمة، ولم يكن موقفه من الدين جيدا. عجيب! لكن إمامك يقول هذا ما شاء الله عليه! النقراشي شيء كبير!

العلّامة القاضي، والمُحدِّث المُحقِّق الكبير أحمد شاكر – تعرفون أحمد شاكر، أكيد تعرفون أحمد شاكر! مُحقِّق المُسنَد – كتب مقالة قوية جدا، مطبوعة الآن في جمهرة مقالات العلّامة أحمد شاكر: الإيمان قيد الفتك. وصفهم بالخوارج! قال هذه الفئة من الخوارج الضالين. مقالة من نار!

وعقّب عليها الشيخ البنا تعقيبا ناقصا من جهات، حين ادّعى أن المقالة أيضا ناقصة من جهات! والتعقيب ناقص من جهات، ولعلنا نُعلِّق. اقرأوا مقالة أحمد شاكر: الإيمان قيد الفتك! لا يفتك مؤمن.

على فكرة، في تلك الفترة، الاغتيالات السياسية هذه، كانت مشهورة في مصر. وهذا يعني أن الذي يقول إن الإخوان هم الذين ابتدعوها، يظلمهم. لا، هم وغيرهم، من قبل موجودة! يعملها أي حزب سياسي، عادي! إلى حيث ألقت، لكن لا تعملها جماعة إسلامية.

وهذا الفرق، على فكرة! هذا الفرق بين أنك تخوض السياسة بالسياسة، وتلعب السياسة بالسياسة، المعرة أين تلحق في الأخير؟ السياسة، والساسة، والحزب! وأنك تفعل هذه الأشياء، باسم الدين! المعرة تلحق مَن؟ تلحق الدين! تجلبون لنا العار، تجلبون لنا المُصيبة!

هذا الذي لا يقدرون هم أن يفهموه، على فكرة! وهذه سوف أشرحها بإيجاز، قولوا لماذا لا يصح أن يكون هناك حزب ديني يتحرّك سياسة؟ سوف نرى!

المُهم، فالشيخ البنا يقطع بقايا الموالاة بينه وبين إخوانه في الدين؛ فقط لأنهم لم يتطابقوا معه! وها هو الشيخ البنا – رحمة الله عليه -، بغير تردد، في رسالة دعوة للشباب، تحت عنوان ماذا نُريد؟

أيها الشباب إن منهاج الإخوان المُسلمين محدود المراحل، واضح الخُطوات… إلى أن يقول وإنما نُعلن في وضوح وصراحة أن كل مُسلم لا يؤمن بهذا المنهاج – منهاج دعوة الإخوان المُسلمين -، ولا يعمل به، لا حظ له في الإسلام.

لذلك الآن المراجعات لفكر الإخوان المُسلمين، قالت لك بذور التكفير ليست مع سيد قطب، مع حسن البنا. ها هو! هذه البذور تكفيرية، على فكرة! واضحة! لا حظ له في الإسلام. يا أخي لم نؤمن بدعوة الإخوان، لا نُريدها! قبل أن تكون الإخوان، ويُولد حسن البنا، كان هناك إسلام! أليس كذلك؟

ما حال الناس الذين قبلك؟ ما حال أبيك – رحمة الله عليه -؟ العلّامة عبد الرحمن البنا، المُحدِّث! لم يكن إخوانيا، أليس كذلك؟ ما أحوال شيوخ الإسلام الكبار، وشيوخ الأزهر، والأمة كلها، وفي زمانك، وبعد زمانك، وإلى يوم الدين، الذين ليسوا من الإخوان؟

لا حظ له في الإسلام؟ عجيبة والله! عجيبة! مُخيفة! نقل مُخيف! وأنا وثقت كل شيء، لذلك كان لا بُد أن أقرأ، ممنوع أحكي من رأسي. سوف يقول لك كذّاب! يكذب! والناس سوف يُصدِّقون! لكن أنا قلت لك هذه دعوة للشباب – رسالة دعوة للشباب -، تحت عنوان ماذا نُريد؟ ها هي! وإنما نُعلن في وضوح وصراحة أن كل مُسلم…

وسوف تقول لي نعم، إذن هذا هو تفسير روحية التعصب عند الإخوان والانغلاق: أخ أم ليس أخا؟ ما دام ليس أخا، انتهى! لذلك أنا حدّثتكم غير مرة، عن عالم، الآن انتقل إلى رحمة الله، حدّثنا عنه أخونا هيثم صالح؛ أبو حسام، من سنوات! منذ اليوم الذي جئت فيه إلى النمسا. قال لي أُشهد الله، وأَشهد بهذا أمام الله، أن هذا حدث، في ميونخ، وعليه شهود، ومُعظمهم أحياء.

جاء الشيخ الدكتور فلان الفلاني، وألقى المُحاضرة وكذا، وفي الليل جلسنا، كلنا إخوة. قال! وهذا؛ أبو حسام، كان إخوانيا أصلا، ثم تركهم. والمُهم، وخلع الشيخ عمامته، وجلس واستروح إلى إخوانه، فطرح أحدهم سؤالا.

قال له يا مولانا، بصراحة هناك أُناس فُضلاء، وأهل علم وفضل وصلاح وكذا، لكن ليسوا في الجماعة! فما تقول فيهم؟ فضحك وقال تُريد رأيي رأيي، أي قناعتي؟ الشيخ المرحوم! قال له نعم. قال له يُشك في إيمانه. أو قال يُشك في إسلامه.

نعم، والله العظيم! يُشك في إسلامه، أو قال يُشك في إيمانه. الشك مني أنا، لا أعرف هل قال إسلامه أو إيمانه؟ المُهم، كلمة كهذه. يُشك في إيمانه، أو يُشك في إسلامه.

ليس بعيدا عن كلام الشيخ البنا! الشيخ البنا أصرح من هذا، لم يقل يُشك، قال لا حظ له في الإسلام! ما هذا؟ على فكرة، هذا الكلام الآن سوف يُغضبهم جدا، وأرجو، ألا يظنوا أنني أُريد هذا، حاشا لله! يعلم الله أنني ما أردت إلا النُصح، والله! ولا أُريد إلا النُصح.

ويعلم إخوتي المُقربون مني، أنني من أشهر طويلة، كنت أقول لهم والله أخشى ما أخشاه أن أموت دون أن أبوح بما في نفسي، من هذه الأمور. في نفسي أشياء كثيرة! لأنني أشعر أنني إن قلت هذا كما هو، أكون قد أبرأت ذمتي. لو سألني ربي، أقول له يا ربي، أنا قلت.

سوف يقول لي أنت علمت أن هذه الجماعة وأن هذا التنظيم وهذا الفكر خطير في كذا وكذا وكذا وكذا! وأودى بالأمة، وأودى بالدين، وسبَّب عذابات كبيرة، وأزهق أرواح الألوف من الناس! لِمَ سكت؟ ماذا سوف أقول له؟ يا ربي، خشية على سُمعتي، على كرامتي! أبدا! لا بُد أن أتكلَّم. فأرجو أن يفهموني، وألا يغضبوا مني، أنا ناصح أمين – إن شاء الله تعالى -. الله من وراء قلب كل امرئ ولسانه.

فيقول لا حظ له في الإسلام. فليبحث له عن فكرة أُخرى، يدين بها ويعمل بها. أي غير الإسلام! هو هذا الإسلام! لم تتطابق معه، ابحث عن دين ثان إذن، لا يُوجد! هو هذا الإسلام! حصرية، وكالة حصرية تامة!

مُخيف، مُخيف الكلام هذا! مُماهاة ومُطابقة، مُماهاة ومُطابقة كاملة، بين الجماعة وبين الإسلام! بمعنى لا إسلام خارج الجماعة! كما تقول الكاثوليكية؛ لا خلاص خارج الكنيسة! بالضبط، حسن البنا: لا إسلام خارج الجماعة! كيف؟ على أي أساس؟

وها قد كتبتها: ولذلك لا عجب أن يقف الشيخ أحمد الشريف، عضو مكتب الإرشاد، ورئيس مكتب إداري أسيوط، في سجن الواحات، في خُطبة جُمعية، يقول نحن جماعة المُسلمين!

نحن جماعةُ المُسلمين طبعا. هذه: مُبتدأ، خبر. لو قال نحن جماعةَ المُسلمين… أكمل، ماذا؟ منصوبة على الاختصاص. نحن جماعةَ المُسلمين، نُعلن كذا، كذا، كذا، كذا! لكن قال لك جماعةُ المُسلمين. بمعنى لسنا جماعة من المُسلمين.

الشيخ محمد الغزّالي في كتاباته النقدية لهم، في تلك الفترة، قال وطُرح هذا السؤال بين الشباب: أنحن جماعة من المُسلمين، أو نحن جماعة المُسلمين؟ قال والجواب عن هذا السؤال يترتب عليه آثار ضخمة مُخيفة! تتعلق بها استباحة دماء وأموال وأعراض!

والله العظيم! الشيخ الغزّالي! وما أحلى كلامه – رحمة الله عليه -! نصح لهم، وما استمعوا. كما قال حتى المُرشد الهضيبي – الله يرحمه، ويغفر له -، قال مقتنا مقت الكفّار والفسّاق! مقتنا مقت الكفّار والفسّاق!

لماذا؟ يُوجد إسلام، الإسلام أولى، أولى من الجماعة، أولى مني ومنك! الإسلام أولى من كل شيء! صحيح؟ أي جماعة؟ وأي حزب؟ جماعة ماذا؟ وتنظيم ماذا يا حبيبي؟ يُوجد إسلام، يُوجد دين محمد، هذا! يجب أن يكون ولاؤنا المُطلق له، ليس لشيء أقل منه! والتعصب خيانة.

التعصب خيانة! إن تعصبت للإسلام، كل الإسلام، أنت وفي له. إن تعصبت لشيء أقل من الإسلام في سعته، أنت خنت الإسلام. وارجعوا إلى خُطبتي القديمة التعصب خيانة. هذا لكل مَن تعصب!

انظر، في قضية فلسطين كنت أقول إذا تعصبت لحماس، خُنت القضية الفلسطينية. تعصبت لفتح، خُنت القضية الفلسطينية. تعصبت للجبهة، خُنت القضية الفلسطينية.

تتعصب؟ تعصب لقضيتك الفلسطينية، كفلسطيني! وبعد ذلك، تعاون مع حماس، أنت حُر، مع الجهاد، مع فتح، مع الجبهة، هذا شيء ثان! لكن في القضايا الواسعة دائما، التعصب لنطاق أضيق فيها، يجعل التعصب خيانة، موضوع طويل هذا!

أرأيت كيف؟ ماذا قال؟ نحن جماعةُ المُسلمين. نحن وفقط! مُماهاة أيضا! فمَن خرج علينا، فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه. شيء مُخيف!

وقد كتب الشيخ محمد الغزّالي – يرحمه الله – ولقد عجبت لخلاف وقع بين شباب من المُسلمين، أثاره بعضهم بتشاؤم! هو: أنحن جماعة المُسلمين، أم نحن جماعة من المُسلمين؟ والإجابة عن هذا السؤال – انظروا، قال عن، لُغته قوية! ليس على! يقول لك الجواب على! ليست على، لا يُوجد الإجابة على! أجاب عن السؤال، وليس على السؤال. انظر! لُغة، الشيخ الغزّالي هذا! والإجابة عن هذا السؤال – لها نتائج ذات بال!

بل نتائج ترتبط بها صيانة دماء وأموال! فإن الذين يحسبون أنفسهم جماعة المُسلمين – ليس جماعة من المُسلمين، جماعة المُسلمين – يرون مُخالفة قائدهم – الزعيم، المُرشِد – ضربا من مُخالفة الله ورسوله، وطريقا مُمهدَة إلى النار، وبئس القرار!

إلا أنني عزّ علي أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدد – بمعنى تُستحيا وتُبعث – سياسة الخوارج مرة أُخرى. أرأيت؟ كان واضحا. العلّامة أحمد شاكر قال خوارج ضالون. الغزّالي ماذا قال؟ خوارج. خوارج! قتلة وتكفير وذبح ودماء! أين أنتم؟ أي مذهب هذا؟

أن تتجدد سياسة الخوارج مرة أُخرى، باسم أن القائد وبطانته هم وحدهم أولو الأمر، وأن لهم حق السمع والطاعة، وأن الخارج عليهم يصدق فيه قول رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – مَن رأى مِن أميره شيئا…

هكذا يُعلِّمونهم! هكذا يُعلِّمونك، على فكرة! يُعطونك البيعة، هي بيعة الخليفة، هي! وهذه بيعة لجماعة. يُفهِّمونك كأنك بايعت خليفة رسول الله! لا، هذه بيعة، بيعة لجماعة عادية، لا! فماذا يقول؟ مَن رأى مِن أميره شيئا، فكرهه، فليصبر، فإنه ليس أحدٌ يُفارِق الجماعة شبرا، فيموت، إلا مات ميتة جاهلية.

نعم. وقوله – أي يصدق فيه، يصدق فيه قوله! وقوله – مَن خلع يدا من طاعة، لقيَ الله لا حُجة له. ومَن مات وليس في عُنقة بيعة، مات ميتة جاهلية. هكذا يضحكون على أولادهم! ماذا قال الشيخ الغزّالي؟

وهذه الأحاديث وأمثالها، وردت في منع الفتوق الجسيمة – الثقوب! في منع الفتوق الجسيمة – التي يُحدِثها الشاغبون على الدولة، الخارجون على الحُكّام – السلاطين -. وقد عانى المُسلمون، وعانت خلافتهم الكُبرى، أقصى الآلام، من ثورات الحانفين والناقمين! وربما كان سقوط الحُكم الإسلامي في الأرض، بسبب هذه الانتفاضات الهائلة!

النبي – قال – منذ زمن، أحب أن يضع حدودا لهذه الثورات الهائجة دائما. كل واحد يرى نفسه قائدا، يرى نفسه مُصلِحا مُجدِّدا! نبدأ في الخروج على الدولة، نلعب بحبل الأمن، ونعمل كذا. خربتم – قال – تاريخ الأمة. الشيخ الغزّالي! انظر، دارس للأمور كلها.

بيد – استتلى يقول بيد – أن تعليم هذا الجنون – سماه جنونا! وهو كذلك. هذا ضرب من الجنون، على فكرة! لا تقل لي اجتهادات. بيد أن تعليم هذا الجنون! – كان أسلوب تربية – في الجماعة! يُربون أولادهم عليه، أسلوب تربية – وتجميع عند بعض الناس.

أن يُقال إن الولاء للقيادة يُكفِّر السيئات، وإن الخروج عن الجماعة يمحق الفضائل! أي إسلام هذا؟ ومَن مِن علماء الدين، الأولين والآخرين، أفتى بهذا اللغو؟ وكيف تُلبسون الدين هذا الزي المُنكَر؟ وهيهات! فقد تغلغل هذا الضلال.

أرأيت ماذا قال؟ هيهات! قال لن ينفع كلامي، نُصحي لن ينفع، لن يستمعوا إلي. وطبعا لم يستمعوا إليه، وسبوه وكذا! وهددوه بالقتل! تسكت، أو تُقتل. قال! ماذا؟

وهيهات! فقد تغلغل هذا الضلال، في نفوس الناشئة، حتى سأل بعضهم: هل يظن المُسلم نفسه مُسلما، بعدما خرج من صفوف الجماعة؟ بعدما خرج من صفوف الجماعة! تترك الجماعة، وتظن أنك مُسلم؟ انتهى! أنت انتهيت.

ويذكر فيه أيضا أنهم لما اختلفوا مع الهضيبي، يقول الشيخ الغزّالي مقتنا الرجل أشد المقت! مقتنا كما يمقت الكفّار والفسّاق! أين الدين هذا؟ لذلك لا يُوجد نجاح، خُذوها مني! ولن ينجحوا، صدِّقوني! وسوف أقول لكم وصفتي في الأخير ورأيي!

تسعون سنة، فقط ضحايا، فقط أُناس ضاعت أعمارها، أُقسم بالله! ضيعوا حياتهم، مُستقبلهم! سجون، مشانق، مناف! دمار، دمار هائل! حرام! والله من باب النصيحة، يجب أن يقف هذا العبث، حرام!

المُهم، انظر الآن، حسن البنا كيف يُعلِّم تلاميذه وأتباعه، مَن أنتم؟ نوع من الاستعلائية، نوع من الاختصاصية، نوع من الفوقية! لك أن تُسميها النرجسية الجماعية! نحن، نحن! أي الـ Chosen people، نحن أمة الله المُختارة، عباد الله المُختارون، نحن ليس لنا مثيل! انظر ماذا يقول – رحمة الله عليه -.

قال في رسالة الإخوان المُسلمين – رسالة الإخوان المُسلمين، هكذا اسمها! رسالة الإخوان المُسلمين – تحت راية القرآن:

هذه منزلتكم – يحكي لأتباعه -، فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم. لا! إذن أين إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * وكذا؟ أين كلام رسول الله؟ مَن بطأ به عمله، لم يُسرع به نسبه. لا تنتسب لجماعة الإخوان، كُن ابن الشيخ البنا، بل كُن ابن رسول الله، بنت رسول الله!

والنبي حكى هذا الكلام لأهل بيته أيضا، ما رأيك؟ وقال لهم مَن بطأ به عمله، لم يُسرع به نسبه. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي، ما شئت – أي أعطيك -، اعملي لنفسك، لا أُغني عنك من الله شيئا.

هذا الإسلام، الذي يدّعي البنا أنه فهمه أحسن فهم! لا والله، ما فهمه أحسن فهم. والله، هذا المنطق لا يصدر عمَن فهم الإسلام أحسن فهم.

يا جماعة الخير، حتى رسول الله! حتى رسول الله؛ وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا * إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ *، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ *. كلٌ مأمور بأن يكون عبدا لله. وقال لك العبودية! هذه العبودية الحقة. الحاكمية! هذه الحاكمية الحقة.

قس نفسك بمقياس القرآن الكريم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ *، لا فضل لهذا وهذا وهذا، وإخواني على غير إخواني، وتحريري وصوفي وسلفي وأشعري ووهابي، أبدا، أبدا!

ولذلك بفضل الله – نسأل الله أنه يزيدنا -، والحمد لله، أنا سعيد أن الله أعطانا هذا الإنصاف. كم يمقتني الوهابيون، ويكرهونني! ودائما أقول وأُسجِّل بالمُناسبات فيهم صالحون ندر أمثالهم!

وهابي وصالح! يُوجد، يُوجد! ورأينا! ورأينا أمثلة. وفي الأشعرية صالحون ندر أمثالهم، وفي الشيعة صالحون، وفي الزيدية صالحون، وفي الإباضية صالحون، وكان في المُعتزلة صالحون!

كل واحد في نهاية المطاف ابن عمله، ورهين كسبه، انس! ولا يُمكن إلا هذا، كما دأبت على أن أقول، على هذا المنبر، والله لن يأتي أحدٌ منا ربه يوم القيامة بالعناوين والمانشيتات؛ سُني، عربي، أشعري! انس. عملك! اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا *. يستوي في هذا حسن البنا، وأصغر واحد من أتباعه – رحمة الله على الجميع -.

هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلا غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم… احذروا أن تقيسوا دعواتكم بالدعوات الثانية! لا، لا، لا، لا! أنتم شيء مُميز، تماما! مُغاير! أنت إخواني! ارفع رأسك يا أخي، إنك إخواني.

أو توازنوا بين دعوتكم، التي تتخذ نورها من نور الله، ومنهاجها من سُنة رسوله، بغيرها من الدعوات، التي تُبرِّرها الضرورات – انظر، أي دعوة غير دعوتنا، تجد أن أملتها الضرورة! الضرورات -، وتذهب بها الحوادث والأيام.

كأنه يضرب بالغيب، أن دعوتنا نحن مُؤبدة، على الأيام! مَن قال لك؟ الآن هذه الدعوة تنتهي، على فكرة! هي الآن في طور الأفول. وهذا الذي آلمهم من خُطبتي، التي أردت بها النُصح، وسأقول آلمهم جدا أن نقول إن موت المرحوم القرضاوي – رحمة الله عليه – جاء استفتاء على الإسلام السياسي.

وتذهب بها الحوادث والأيام. فمَن تبعنا الآن، فقد فاز بالسبق. ومَن تقاعد عنا من المُخلِصين اليوم، فسيلحق بنا غدا. قال لا يُوجد مُخلِص، إلا وسوف يأتي إلينا! معناها، الذي لا يأتي إلينا مَن هو؟ الكذّاب. انظر، لُغة غريبة! المُخلِص، حتى لو اليوم تقاعس عنا، سوف يلحق بنا، في يوم من الأيام! أكيد آت، آت! المُخلِص، إخلاصه سوف يُلزِمه أن يأتي!

وللسابق عليه الفضل. ومَن رغب عن دعوتنا، زهادة أو سُخرية بها أو استصغارا لها أو يائسا من انتصارها – وأيضا لم يضع ماذا؟ خامس القسمة! ماذا يعني؟ رأيا لغيرها، تفضيلا لغيرها عليها، قناعة بغيرها، استغناء بغيرها عنها! ما المُشكلة إذن يا شيخ البنا؟ -، فستُثبت له الأيام عِظم خطئه، وسيقذف الله بحقنا على باطله، فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ *.

لُغة مُرعبة، ثقة فائقة! أنا أعلم أنكم مصدومون، وكل مَن سيسمع كلامي هذا سيكون مصدوما! صدِّقوني، حتى مُعظم الإخوان، الذين لم يقرأوا، مع أنهم أكيد قرأوا الرسائل، لكنهم سوف يقولون نحن قرأناها! لم نقرأ هذا! لعله يكذب! يا رب أن يكون قد كذب! لا، لا أكذب، راجعتها بنفسي، بنفسي.

لا نُريد أن نتكلم عن الوطن؛ لأن أيضا ورطة الأوطان مع الإخوان المُسلمين ورطة كبيرة! و(طز) في مصر، وفلسطين (نكشة سنان)، والوطن حفنة عنفة من التراب! الشيخ البنا عنده كلام كثير في الوطن، على فكرة! يحتاج إلى خُطبة بحيالها، لكن من ضمن كلماته، رسالة دعوتِنا – في رسالة دعوتِنا، أو (دعوتُنا):

أما وجه الخلاف بينا وبينهم، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية. لا! بالتخوم الجغرافية، والقرآن يرد عليك يا شيخ حسن، شئت أم أبيت، شئت أم أبيت!

كم مرة في كتاب الله تبارك وتعالى هذا! إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ *. التي هي مكة، أرض ماذا؟ الشرك والكفر! أليس كذلك؟ ديار محمد هي مكة، وهي بلاد كفر، وبلاد شرك! دياره. كل الآيات هكذا! وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ *! فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا *.

وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي *، مِن دِيَارِهِمْ *! أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ *، الحشر: دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ *. القرآن دائما يقول: ديارهم، ديارهم، ديارهم، ديارهم، ديارهم. لا، الوطن يا جماعة، هذه مسألة واقعية.

انظر، الشيخ البنا لم يكن مُفكِّرا طبعا هو، هو إنسان – أي كما قلنا ماذا تعلم وماذا كذا – لم يقرأ الفكر ولا كذا! في الفكر، المقولات إما إنشائية وإما خبرية، فهمت قصدي؟ لا يُمكن، مهما أوتيت من حذق وذكاء وحماس عقدي وأيديولوجي، أن تُحوِّل المقولة الخبرية إلى مقولة إنشائية. سوف تقول لي لم أفهم شيئا! كلام عادي هذا، وليس فيه أي شيء، سهل جدا وبسيط.

الآن أبوك، كونه أباك، مقولة خبرية أو إنشائية هذه؟ خبرية. هذه حقيقة واقعية، Positive! شئت أم أبيت، أبوك هو أبوك، أنت تحمل نصف جيناته. أخوك من أبيك وأمك، شقيق أو حتى لأب أو لأم، هو أخوك، شقيق أو لأب أو لأم، مقولة خبرية! وطني، وأنه هذا البلد الكافر، أيا كان، مكة أو غير مكة، هذا وطني، شئت أم أبيت، هذا الوطن! أليس كذلك؟

وعلى فكرة، الشيخ حسن البنا، بعد مُحاولة تفجير محكمة الاستئناف قال الآتي. لا أُريد أن أُدخلكم في التاريخ مرة ثانية، لكن أدعوكم، أنا أدعوكم إلى أن تقرأوا بتدقيق وتفصيل تاريخ جماعة الإخوان! وأولا من مصادرهم؛ لكي لا تظلموهم. اقرأوا ما كتبه قياداتهم، سواء في التنظيم الخاص، أو في الجماعة! اقرأوا، وسوف تقعون على مثل هذه الأشياء، وسوف تندهشون!

الشيخ البنا: هذا بيان للناس. ليسوا إخوانا وليسوا مُسلمين. في البيانين كان مُمتازا! ويتبرأ من الجريمة، ويتبرأ من الإرهاب، ومن سفك الدماء، وكذا، كذا! وأبدا، أبدا! ويؤكد سلميته، وسلمية جماعته، وحرصها على استقرار البلد، وعدم كذا!

وبعد فترة بسيطة؛ مُحاولة تفجير محكمة الاستئناف، وطبعا مُتورِّط فيها إخواني، أصدر بيانا اسمه: القول الفصل. رجل آخر! ليس حسن البنا صاحب هذا بيان للناس، وصاحب ليسوا إخوانا وليسوا مُسلمين!

يُلوِّح بالعنف – والله العظيم -، ويُهدِّد الدولة! وأن الأمر انتهى، وإلى متى؟ ولا تختبروا صبري، وكل شيء عنده حدود. باللُغة هذه! البيان مُخيف مُرعب! وأنه في الأخير يُلوِّح بالقوة! سوف نُحرِقها، سوف نُحرِقها!

وأيضا يستدعي القرآن الكريم، نفس اللُعبة! الدين يأتي في السياسة، وفي ألاعيب السياسة، بما فيها حتى حوادث الإرهاب والإجرام! نفس الشيء! وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ *… آيات الشورى، تخيل! نعم، أتى بالقرآن الكريم.

انظر، هذه الطريق، بالذات، وهي طريق مشأومة، غير محمودة العُقبى، النبي سدها، قولا وعملا، تنظيرا وتنزيلا – صلوات ربي وتسليماته عليه -! أُقسم بالله، شيء مُذهِل! مُذهِل! سوف تقول لي لم أفهم! أعرف، سوف نُوضِّح الآن طبعا:

قضية أن النبي في مكة، ثلاث عشرة سنة، قُتل مَن قُتل، وعذِّب مَن عُذِّب، وهجرتا الحبشة، وحتى في الأخير جاءت هجرة المدينة، هل سمح لأصحابه، مرة في الدهر، أن يثأروا لأنفسهم؟ أن يغتالوا؟ أن يفتكوا؟

وهل تظنون الصحابة، الذين باعوا نفسهم لله ورسوله، كانوا يتراجعون، حتى طرفة عين، عن أن يفعلوها؟ يقتل مَن قُيِّض له، أو قُدِّر له، قتله، ثم يموت، لا يهمه! هو شهيد. أبدا! لم يسمح لهم، لا القرآن ولا رسول الله! ودائما؛ أُمرنا بالعفو، أُمرنا بالصفح. والقرآن نفس الشيء: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ *، وكذا! باستمرار!

التعليل الإسلاموي، لهذه الحالة، تعليل ناقص، لن أقول أكثر من هذا! قال لك لأن المُسلمين كانوا قلة، ومُستضعفين، ومُستوحشين! ولو اصطنعوا هذه الطريقة العُنفية الصراعية الصدامية، لربما اجتُثوا من خضرائهم، من عند آخرهم!

صدَّقنا، لما كنا صغارا، صدَّقنا الكلام هذا! أليس كذلك؟ لكن لم يقل لنا أحد من الناس لكن ها هو رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه – في المدينة المُنوَّرة! أليس كذلك؟ وهو الكل في الكل، والقيادة العامة، الروحية والعلمية والعسكرية والسياسية، هو كل شيء! زعيم الأمة!

وشهدت المدينة حوادث كثيرة، من المُنافقين، الذين شككوا في الدين، وطعنوا في الرسول، وطعنوا في عِرضه وفي أمانته، وليس هذا فحسب! واحتقبوا – والعياذ بالله – جريمة الخيانة العُظمى، حين انخذل الملعون عبد الله بن أُبي بثُلث، وفي بعض الروايات بنحو نصف، الجيش! قريب من نصف الجيش، دعنا نقول كحد أدنى ثُلث؛ بثُلث الجيش! يوم أُحد، ورجع بهم، وأسلم الرسول بمَن معه للمكيين، خيانة عُظمى!

أبدا! لما الصحابة كانت تضيق وتحرج صدورهم؛ يا رسول الله، مُرني فلأقتله، دعني فلأضرب عُنق هذا المُنافق! ماذا كان يقول؟ أتُريدون أن يتحدَّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ الله، الله، الله، الله، الله! ما معناها الآن عدم قتلي لهؤلاء الكفار، الذين ظهر كفرهم، وسجَّل عليهم القرآن بالكفر؛ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ *؟ القرآن! ليس الرسول، القرآن قال لهم كَفَرْتُم *، أنتم كفرة.

لم يقتل أحدا منهم! أليس كذلك؟ وقال لا، لئلا يقول الناس يُوجد وضع داخلي غير سليم، بدأ يُصفِّي رجاله، يُصفِّي الذين خرجوا عن طوعه! لا. ليس هذا فحسب طبعا، جاء تنظيريا، النبي! عندنا أحاديث تشعر أنت أنها مُتعارِضة، تشعر أنها مُتعارِضة!

أحاديث: مَن قُتل دون نفسه، فهو شهيد. دون عرِضه، فهو شهيد. دون ماله، فهو شهيد. يا رسول، أرأيت إن جاءني أحدهم، يُريد أن يأخذ مالي؟ قال لا تُعطه. لا تُعطه، ما هذا؟ قال فإن قاتلني؟ قال قاتله. قال فإن قتلته؟ قال هو في النار. فإن قتلني؟ قال أنت في الجنة. الإسلام يعرف العزة، لا يعرف الدنية والخوف والرعدة والجُبن.

لكن هناك أحاديث أُخرى، أكثر من هذه الأحاديث، تقول لك ستكون فتن، وستكون أشياء، كُن كحلس دارك. مثل هذا السجاد! السجاد القديم اسمه الحلس. قديم، موضوع في الأرض، مرمي هكذا، الكل يدوسه. كن مثل السجادة القديمة! الزم بيتك، ولا تخرج، في الفتن.

في الفتن، الواقف أحسن من الماشي، والقاعد أحسن من الواقف، والذي في بيته أحسن من الذي في الشارع. أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى! كن وحدك.

قال له يا رسول الله، فإن دُخل علي داري؟ ها أنا قاعد، انتهى! ألقيت السلاح، تركت جماعتي، تركت حزبي، تركت الذين يُقاتلون هؤلاء، وقعدت وحدي، لا أُريد! لا أُريد أن أبوء بدم أي إنسان بريء! فإن دُخل علي داري؟ جاءوني! حرب أهلية هذه.

قال له فإن خشيت – النبي قال له إن خشيت – أن يبهرك شُعاع سيفه… انتضى سيفه هكذا! أنت تعرف أن الإنسان طبعا يُدافع عن حياته (يا روح ما بعدك روح)، وخشيت أن تكون منك ردة فعل؛ أيضا أنت تنتضي سيفك وتضرب!

قال له فألق عليك ثوبك. اعمل هكذا؛ حتى لا ترى. يُعطيك ضربة واحدة، تموت شهيدا أنت! يبؤ بإثمك وإثمه. أنت كُن كخير ابني آدم، كُن مثل هابيل، لا مثل قابيل.

جاءك بعض الشباب (يا حرام) الذين لم يسمعوا الكلام هذا، ولم يفهموه! وقال لك ما الكلام هذا؟ من أين؟ من أين؟ اذهب وانظر في الأحاديث، كثيرة جدا! لكن كيف والنبي قال مَن قُتل وكذا؟ لأنك لم تفهم! تعال، طبِّق على النبي نفسه، وسوف تفهم. طبِّق على المرحلة المكية، وعلى المرحلة المدنية، وسوف تفهم.

الحُكم في الحرب الأهلية والفتنة الداخلية شيء، وفي الحالات الفردية شيء آخر، أليس كذلك؟ واحد هكذا حرامي، لص، جاء ليعتدي علي، لن أُعطيه الدنية أبدا! سأُقاتله لآخر لحظة، سأدفع عن نفسي، بكل ما أستطيع، حتى وإن سال فيها دماء، أو زُهقت فيها نفوس؛ أنا أو هو، لا بأس! جيد؟ لكن هذا في الحالات العادية الفردية، والمُجتمع آمن مُطمئن! لكن لما تشتعل وتتأرث نار حرب أهلية وفتنة داخلية، ممنوع أن تُشارك في الفتنة.

فهمنا يا إخواني؟ الشيخ البنا للأسف الشديد لم يُلِم بهذا الفهم، ولم يُشِر إليه، وفهّمك أنني في الأخير كجماعة مُسلمة، مُستحوذة على الدعوة بالمعنى الكامل الشامل وكذا، عندي الحق إذا ضويقت، وصُدرت أملاكي، وحُلت جماعتي، وأُخذنا إلى الأسر، وربما إلى المشانق، في أن نُدافع عن أنفسنا! وتبدأ المذبحة!

إذن أسَّس للعُنف أيضا! نعم، نعم! في بياناته ورسائله. وصنع طبعا الجهاز الخاص، الذي مارس العُنف، وصفّى – كما قلنا – الشخصيات العظيمة المُهمة، وهذه كانت مُصيبة عظيمة جدا جدا – والعياذ بالله -! أرأيت كيف؟

حسنا، إذن أنا قلت لكم هذا هو المنطق المتعلق بالوطن. هو يقول عندنا في حدود العقيدة! يا أخي مقولة خبرية، وطني وطني، انس! وطني وطني. بمعنى الذي وُلد في النمسا هنا، من المُسلمين، من أبنائنا، وطنه النمسا، أبدا! ولها في قلبه حُب ومكانة، هذا شيء طبيعي، فطري! والإبل على غلظ أكبادها، تحن إلى بلادها، يا رجل! الطيور تحن إلى أوكارها.

النبي خرج من مكة، وثلاثمائة وستون صنما، وزُعماء الكُفر، هم سدنة الشرك والوثنية، وعلى الحزورة – وقف على الحزورة – وبكى! بكى وقال والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، ولأحب بلاد الله إلي! ولولا أن أهلك أخرجوني، ما خرجت.

ويبكي! وربنا في الطريق قال له إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ *. طمأنه، وقال له سوف نُرجعك، لا تخف، سوف ترجع وتفتحها وأنت مُعزَّز مُكرَّم. يُحبها! لم يقل لا، (طز) في مكة، بلد كفر، لا أُريدها.

لا، لا، لا، لا! البلد عزيزة، أيا كانت. لا تأتوا بمفاهيم مثل هذه خطيرة! مفاهيم خطيرة، وضربت في الصميم طبعا. وهذه المفاهيم ترتب عليها أشياء كثيرة يا إخواني، ترتب عليها أشياء كثيرة!

رأينا من شباب الدعوة، ومن شباب جماعة الإخوان، مَن يرفع يديه، ويدعو! ورأينا من دُعاتهم أيضا وأكابرهم – لكن ليس أماثلهم للأسف، أكابرهم – مَن يحلف، ويدعو بأنك يا مصر – بعون الله، بعون الله – سوف يأتي إليك ويحدث لك الذي حدث في العراق وسوريا!

لا إله إلا الله، معقول؟ معقول؟ والله هذا الذي حصل! وكل التسجيلات موجودة. إذا حذفوها، فشيء ثان! لكن كلنا رأيناها، شيء غريب! تعرف لماذا؟ مفهوم الوطن غير موجود، ليس له أي قيمة، ليس له أي شيء! قال لك وطني العقيدة! غير صحيح.

هناك آية أُخرى، الحمد لله أنا أدمنت على أن أُذكِّر بها، وأنا أعرف أنها تُزعِج كل الإسلامويين في هذا الباب، وتُزعِج طبعا السلفيين، أصحاب الولاء والبراء، والضيقين جدا، والعاطفيين الذين لم يُحرِّروا المسألة علميا! ما هي؟ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ *.

وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ *، اضطُهدوا! تم اضطهادهم، تم تعذيبهم! انصر أخاك، حتى لو لم يكن من أهل البلدة، ليس من أهل المدينة! في بلدة ثانية، في قبائل، مضارب، عشيرة، أي شيء! لكن هناك استثناء خطير مُخيف؛ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ *.

بمعنى، أن هذا المُسلم ليس عنده التابعية الخاصة بالمدينة المُنورة. هذا معناها، باللُغة الحديثة، ليس عنده الــ Citizenship؛ المُواطنة، ليس عنده جنسية المدينة هو. ليس من أهل المدينة، لكن مؤمن. على طريقة حسن البنا أخونا في العقيدة! أليس كذلك؟ والعقيدة هي الوطن! العقيدة هي الوطن! ينبغي أن تُدافع عنه لآخر نفس، كأنه أيضا ابن المدينة.

القرآن قال لا. القرآن قال هذا الكلام غير صحيح. وكلام غير عملي، وغير سياسي، ولا يشتغل! يورِّط الدولة في أشياء كثيرة! الدولة عندها تحالفات، عندها مُعاهدات. أرأيت كيف القرآن؟ عظمة!

فالقرآن قال إذا هذا المُسلم، المُضطهد في دينه – مُضطهد في دينه، ليس من أجل شيء ثان! في دينه -، إذا كان اضطُهد من أُناس، بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ *، لا! لست مُستعدا أنت أن تخسر الميثاق، وتخسر كل شيء، من أجل واحد لم يُهاجر!

لماذا لم يُهاجر؟ الهجرة في تلك الأيام كانت واجبة، كانت واجبة! يجب أن يترك مضاربه، ويأتي إلى النبي، ويُهاجِر. بماذا انقطعت الهجرة؟ بفتح مكة. لا هجرة بعد الفتح، وإذا استُنصرتم فانصروا.

فهذه الآية، مع آيات الديار، وديارهم وديارهم، كلها ترد على الشيخ حسن البنا؛ أن حدود الوطن هي العقيدة! غير صحيح، الوطن حدوده معروفة، وهذه مقولة خبرية، لا تستطيع أن تنسفها، ولا أن تُشكِّك فيها! فضلا عن أن هذا هو العالم المُعاصِر.

أنت الآن لديك تركيا! لا تقدر على أن تذهب هناك، وحتى لأنك من الإخوان المُسلمين، وتقول أعطوني جنسية. يقول لك لا، لا! لا نقدر، ليست بالبساطة هذه! لا بد أن تبقى، وتعمل استثمارا، وتبقى كذا، أو تكون حالة خاصة، والبرلمان وكذا!

لا نقدر، دولة هذه! نُعطيك هكذا جنسية؟ لا يُوجد من الكلام هذا! تحلم أنت؟ لا يُوجد منه. دول، منطق حديث! منطق الدولة شيء ثان! تمام، وبعد ذلك عنده كلام ثان، لا نتحدَّث عنه.

نأتي الآن أيضا إلى نقل عن الشيخ البنا – رحمة الله عليه -، في رسالته إلى أي شيء ندعو الناس؟:

مهمتنا سيادة الدُنيا. انظر! على فكرة، هذه النزعة، ليست الاستعلائية فحسب، بل هي أُستاذية العالم، كما يُسمونها هم! وهو سماها أُستاذية العالم! بماذا؟ والله أنا لا أعرف!

أنت مع المُسلمين، لست قادرا على أن تضبط أوضاعك! مع علماء الجماعة، لست قادرا على أن تضبط أوضاعك! مع الناس الذين تركوك، لست قادرا على أن تضبط أوضاعك! مع الشيخ القرضاوي، وهو معكم، كتب نقدا بسيطا، لست قادرا على أن تضبط أوضاعك! تتأستذ على العالم، في ماذا؟ على أي أساس؟

لا يزال هناك الكثير من النقول! دعوني أقرأ عليكم، وأختم بهذا قبل الأسئلة، رسالة الأستاذ عبد الرحمن يوسف إلى أبيه. نقرأ منها فقرات فقط؛ لأنها رسالة طويلة. طبعا وجهها بمُناسبة ماذا؟ في شهر طبعا ماذا؟ قلنا ألفين وثلاثة عشر، بمُناسبة فتوى المرحوم القرضاوي في قضية مُرسي، لما حدث ما حدث، بعد الثلاثين من يونيو، ألفين وثلاثة عشر.

قال في رسالته:

أبي الغالي، الذي تشهد كل قطرة دم تجري في عروقي، بعلمه وفضله، لقد أصدرت أمس – أمس بمعنى البارحة! البارحة، اليوم الذي قبل يومك! لقد أصدرت أمس – فتوى بضرورة تأييد الرئيس المُقال (بحق) – بين قوسين (بحق)! مُقال بحق. يقول مَن؟ ابنه. قال هذا أُقيل بحق. سوف نرى لماذا! المُقال (بحق) – محمد مُرسي.

جاء فيها نصا:

“إن المصريين عاشوا ثلاثين سنة – الشيخ القرضاوي يقول -، إن لم نقل ستين سنة – قصده: من أيام عبد الناصر -، محرومين من انتخاب رئيس لهم، يُسلمون لهم حكمهم باختيارهم، وبمحض إرادتهم، وهو الرئيس محمد مُرسي، وقد أعطوه مواثيقهم وعهودهم، على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر، وفيما أحبوا وما كرهوا.

وسلمت له كل الفئات، من مدنيين وعسكريين، وحكّام ومحكومين، ومنهم الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزير الدفاع والإنتاج الحربي في وزارة هشام قنديل، وقد أقسم وبايع أمام أعيننا، على السمع والطاعة، للرئيس مُرسي.

واستمر في ذلك السمع والطاعة، حتى رأيناه تغير فجأة، ونقل نفسه من مُجرد وزير، إلى صاحب سُلطة عُليا، علَّل بها أن يعزل – يمكن أن يكون قصده: لعله – رئيسه الشرعي، ونقض بيعته له، وانضم إلى طرف من المواطنين، ضد الطرف الآخر، بزعم أنه مع الطرف الأكثر عددا”.

هذا كلام المرحوم القرضاوي. ماذا قال له؟

أبي الكريم، إن المُقارنة بين مُرسي ومُبارك غير مقبولة، وهذه رؤية جيلنا، التي ربما لا يراها مَن قبلنا. قصده: أنت والذين هم مثلك. نحن – قال له – جيل مُختلف.

يا سيدي، جيلنا لم يصبر على الاستبداد ستين، أو ثلاثين عاما، كما تقول – قصده إذن ماذا؟ أنتم! بل هو صرَّح -، بل هو جيلكم، الذي فعل ذلك، باسم الصبر. أما نحن، فجيل تعلَّم ألا يسمح لبذرة الاستبداد بالاستقرار في الأرض، وقرَّر أن يقتلعها من عامها الأول – يصف حكومة مُرسي بماذا؟ بأنها ماذا؟ استبداد! في العام الأول ظهر الاستبداد الإخواني، والآن سيبدأ يُفصِّل! من عامها الأول -، قبل أن تنمو، فهي شجرة خبيثة، لا بُد أن تُجتث من فوق الأرض.

ولو أن مُرسي قد ارتكب واحدا في المئة، مما ارتكبه سابقوه، فما كان لنا أن نسكت عليه، وهذا حقنا، ولن نقع في فخ المُقارنة بستين عاما مضت؛ لأننا إذا انجرفنا لهذا الفخ، فلن نخرج من الماضي أبدا!

إلى أن يقول:

لقد تعلَّمت منكم، أن المُسلمين عند شروطهم، ألست القائل – يقول لأبيه، الله يرحمه – إن الإمام إذا التزم بالنزول على رأي الأغلبية، وبويع له على هذا الأساس، فإنه يلزمه شرعا ما التزم به، ولا يجوز له بعد أن يتولى السُلطة، أن يضرب بهذا العهد والالتزام عُرض الحائط؟

(طبعا كإسلاميين آخرين، وصلوا إلى الحُكم، عبر صناديق الاقتراع، وانتخابات، ثم انتهى كل شيء بعد ذلك! لا انتخابات، ولا صناديق اقتراعات، إلى يوم يُبعثون! هو فاهم، عبد الرحمن فاهم الحالة هذه، تتكرر طبعا للأسف الشديد).

ويقول إن رأيي في الشورى – قال له أنت الذي قلت هذا! أنت الذي قلت هذا! إن رأيي في الشورى – إنها مُعلِمة، وليست مُلزِمة. الشيخ القرضاوي – الله يرحمه – يحكي كلاما، هو الحق، الحق! إذا رئيس، أو واحد، بايع الناس، بايع الناس على أن يسمع كلامهم، وينزل على رأي مَن؟ الأغلبية. لا ينبغي بعد أن يصل إلى دست السُلطة، أن يقول ماذا؟ لا والله، أنا عندي اجتهاد، وأنا مع المُجتهدين! وهم جمهور الفقهاء، على فكرة! الذين قالوا الشورى مُعلِمة، ليست مُلزِمة. وأنا لست مُلزما بأن أنزل على رأي الأغلبية! القرضاوي قال هذا لا يصح. ويكون هكذا نقض بيعته إذن. هذا كلام جميل!

ويقول إن رأيي في الشورى إنها مُعلِمة، وليست مُلزِمة. فليكن رأيه ما يكون! ولكنه إذا اختاره أهل الحل والعقد، على شرط وبايعوه عليه، فلا يسعه إلا أن يُنفذه، ولا يخرج عنه، فالمُسلمون عند شروطهم، والوفاء بالعهد فريضة، وهو من أخلاق المؤمنين…

ماذا قال له ابنه؟

لقد عاهدنا الرجل – لقد عاهدنا الرجل! الذي هو مَن؟ مُرسي، الله يرحمه -، ووعدنا بالتوافق على الدستور، ولم يف!

أنتم تعرفون الإعلان الدستوري، والقصة هذه، التي عملت الشرخ الكبير، على فكرة! دمرت مُرسي وجماعته، تصرفات عجيبة! هناك أُناس لا يعرفون شيئا، لا يعرفون حتى ما الذي حصل، وفقط مُتحمسون! اذهب اقرأ، وتابع كل شيء بدقة؛ لكي تفهم.

وبالتوافق على الوزارة، ولم يف! وبالمُشاركة، لا المُغالبة، في حُكم البلاد، ولم يف! وبأن يكون رئيسا لكل المصريين – ليس فقط لجماعته -، ولم يف! وأهم من كل ذلك، أننا عاهدناه على أن يكون رئيس مصر الثورة، ثم رأيناه في عيد الثورة يقول لجهاز الشُرطة، الذي عاهدنا على تطهيره، ولم يف أيضا، يقول لهم “أنتم في القلب من ثورة يناير!!!”، فبأي عهود الله، تُريدنا أن نُبقي عليه؟

هذا مَن؟ ابنه. لقد تصالح مع الدولة العميقة، ومع الفلول، ومع رجال أعمال مُبارك، ومع كل الشرور الكامنة من العهود البائدة، بل حاول أن يُوظِّفها لحسابه، وأن يستميلها لجماعته، وأعان الظالمين على ظُلمهم، فسلَّطهم الله عليه…

لقد ناشدت أبي العظيم في فتواك الفريق السيسي – يقول له أنت ناشدت الفريق السيسي -، وكل الأحزاب والقوى السياسية، وكل طلّاب الحرية والكرامة والعدل، أن يقفوا وقفة رجل واحد، لنُصرة الحق، وإعادة الرئيس مُرسي إلى مكانه، ومُداومة نُصحه، ووضع الخُطط المُعالجة، والبرامج العملية، فماذا لو أخبرتك يا مولاي أنهم طالما فعلوا ذلك…

والذي شاهد مُسلسل الاختيار، يرى تسريبات أيضا، تؤكد أن منهم مَن فعل ذلك. ابنه، الذي قال له! قال له عملوها! كم نصحوا له! كم قالوا له! كم ترجوه! هو يتلقى من مكتب الإرشاد، هذه مُصيبة، انس! يُوجد خطأ بنيوي، هذه الجماعة، على فكرة، هي هكذا! تصنع الفشل، هي (شاطرة) في صناعة الفشل.

طالما فعلوا ذلك، طوال عام كامل – من يوم حُكمه -، ولم يستجب الرجل؟ ماذا لو أخبرتك يا أستاذي أن من مُستشاريه، الذين اختارهم بنفسه، مَن نثق بعلمه ودينه وإخلاصه ووطنيته، ومع هذا تركوه جميعا، بعد أن اكتشفوا حقيقة أنهم ليسوا أكثر من ديكور ديمقراطي، لاستبداد جديد؟

نعم، تخيل! كوارث يا جماعة! فتأتي، يا شيخ القرضاوي، تُعطي فتوى فقط! لا، الفتوى هنا ليست مُناسبة، وليست دقيقة.

فلم يكن الرجل يسمع لأحد، سوى جماعته ومُرشِده، الذين لم يكونوا له يوما ناصحين أُمناء، ولا بطانة خير، وإنما أعانوه على ما لم يَصلح في مصر دينا ولا دُنيا – أو ربما قصده: يُصلِح. الأشياء التي قالها وكذا، لم يُصلح بها حتى شيئا -، ودفعوه إلى مواجهة الشعب بالجماعة، لتبرير وتمرير قراراته المُنفرِدة، مما أدى إلى دم كثير، وفتنة في الأرض، وما على هذا بايعه المصريون والثوار.

كلام عجيب! ماذا لو أخبرتك يا سيدي وتاج رأسي أنني قد فعلت ذلك بنفسي، فما كان من الرئيس وأهله وعشيرته، إلا أن صعّروا لنا الخدود؟ لقد جلسنا مع كل الأطراف في أوقات صعبة، ولم يكن أحدٌ يُشكِّك في شرعية الرئيس، وكان من المُمكن لم الشمل بتنازلات بسيطة، ولكن – وللأسف – لم نر رجال دولة على قدر المسؤولية، بل رأينا مجموعة من الطامعين في الاستحواذ، مهما كان الثمن.

لقد كنا نتمنى جميعا لو أكمل الرئيس مُدته، وأن تنجح أول تجربة لرئيس مدني مُنتخب! ولكنه أصر على إسقاط شرعيته بنفسه، وذلك بانقياده لمَن يُحرِّكه، وبتبعيته لمَن لا شرعية لهم، ولا بيعة ولا ميثاق – الشعب بايعه هو، لم يبايع جماعته! أليس كذلك؟ هذه هي -، ثم هم الآن يبتزون أتباعهم ورموزهم عاطفيا، لكي يقعوا في هذا الشَرك، بدعوى حماية الشرعية والشريعة – قال كل هذا ابتزاز عاطفي -!

إن حقيقة ما حدث في مصر خلال العام الماضي، أن الإخوان المُسلمين، قد تعاملوا مع رئاسة الجمهورية على أنها شُعبة من شُعب الجماعة، ونحن ندفع وسندفع ثمن ذلك جميعا، دما وأحقادا بين أبناء الوطن الواحد!

كلام مُتزن! إن كل كلمة كتبتها يا سيدي وأستاذي – يقول لأبيه، الله يرحمه – أحترمها – إن كل كلمة كتبتها يا سيدي وأستاذي أحترمها. قال له أحترم كلامك -، وأعلم حُسن نواياك فيها، ولكن تحفظي أنها لم تكن رأيا سياسيا – يا الله! هذه أعظم كلمة قالها الأستاذ عبد الرحمن يوسف، لأبيه، الله يرحمه. قال له كلامك جيد وأحترمه، لكن تحفظي أنه لم يكن رأيا سياسيا – يحتمل الصواب والخطأ، رأيا يكتبه “المواطن” يوسف القرضاوي، ابن القرية والكُتّاب – اسم السيرة والمسيرة -، بل كانت فتوى شرعية.

اقشعر بدني! وهذا الفرق! فرق بين إدارة السياسة بالسياسة، وبمُصطلحات السياسة، ومُعجمية السياسية، وبين إدارة السياسة بالكفر والإيمان والحلال والحرام والجنة والنار، كارثة! هذه كارثة عمل الإسلام السياسي! فهمتم قصدي؟ تُلخِّصها الجُملة هذه، لمَن أراد أن يعي وأن يفهم. ابنه كان واعيا وفاهما.

بل كانت فتوى شرعية، يُفتي بها إمام الوسطية “الشيخ” يوسف القرضاوي، وهو ما أذهلني وأربكني وآلمني. لقد آن لهذه الأمة أن تخوض الصعب، وأن ترسم الحدود بين ما هو ديني، وما هو سياسي – أرأيت؟ سُبحان الله! وضع أُصبعه على العصب الحسّاس، على الوجع، تماما -؛ لكي نعرف متى يتحدَّث الفقهاء، ومتى يتحدَّث السياسيون – أو الساسة -.

جميل! ختاما: أنا أكثر واحد في هذه الدُنيا، يعلم أنك لا تبيع دينك بدُنياك، وأنك أحرص على الحق والعدل، من حرصك على المذهب والأيديولوجيا، وأن تفاصيل الحدث ومُلابساته كثيرة ومُربِكة، وأنت لديك شواغلك العلمية الكبيرة – كأنه يقول له ضللوك واستغفلوك، ولم يضعوك في الصورة، وإن شاء الله يكون هكذا، نتمنى والله -.

أعلم يا أبي أن فتواك ما جاءت إلا دفاعا عما رأيته حق المصريين، في أن يختاروا بإرداتهم الحُرة مَن يُمثِّلهم، دون العودة ثانيا لتسلط العسكر – وهو ما لن نسمح بحدوثه أبدا -، وهذا التعليق مني رد لأفضالك علي، وعرفان بجميل علمك الذي أودعته في.

صدِّقني يا أبي الكريم الحليم لو طبَّقنا ما كتبته في كُتبك، عن الأمة والدولة، وعن فقه الأولويات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، وعن الحرية التي هي قبل الشريعة، كما علَّمتنا، لكنت أول الداعين للثورة على مَن ظلم – انظر كيف يصف مُرسي، الله يرحمه، يصفه! على مَن ظلم -، وخان العهود والمواثيق، وأفشى أسرار الدولة، وزج بمُخالفيه في السجن بتُهمة إهانته، ولم يترك لهم من الحرية إلا ما كان يتركه لهم مُبارك: قولوا ما شئتم، وسأفعل ما أُريد.

أبي العظيم… في ميدان رابعة العدوية الآن مئات الآلاف – وهذا الكلام جميل! كلام مُشفق! مئات الآلاف – من الشباب، المُخلِص الطاهر، وهم طاقة وطنية جبّارة، سيضعها بعض أصحاب المصالح وتجار الدم، في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فلا هي معركة وطنية، ولا هي معركة إسلامية، ولا هي معركة ضد عدو، ولا هي معركة يُرجى فيها نصر، وكل مَن يدخلها مهزوم، إنهم ملايين المُخلِصين، الذين سيُلقى بهم في هذا الجحيم؛ ثمنا لأطماع ثُلة من الناس، في مزيد من السُلطة والنفوذ – انظر! هذا وصف شديد -، وما أحوجنا لكلمة حق عاقلة، تحقن تلك الدماء الزكية، التي ستُراق هدرا.

إن الإرادة الشعبية التي تحرَّكت في الثلاثين من يونيو – ثورة يونيو، يُسمونها انقلابا بعد ذلك – ليست سوى امتدادا للخامس والعشرين من يناير – ألفين وأحد عشر، ألفين وثلاثة عشر -، ولئن ظن بعض الفلول أن ما حدث تمهيد لعودتهم، فأني لأقول لفضيلتكم بكل ثقة إنهم واهمون، وسوف يقف هذا الجيل الاستثنائي أمام كل ظالم، ولن يترك ثورته حتى يبلغ بها ما أراد، سواء لديهم ظالم يلبس الخوذة، أو القبعة، أو العمامة…

المُهم، أعتقد الكلام هذا كله، صار واضحا. يُمكن أن تقرأوه، وموجود على النت Net إلى اليوم، مواقع كثيرة جدا! اكتب رسالته. وعلى فكرة، الأستاذ عبد الرحمن يوسف، دائما ما يغضب مِمَن يُسميه عبد الرحمن يوسف القرضاوي! قال لك أنا عبد الرحمن يوسف. أنا لم أكن فاهما لماذا! لكن لما سمعت منه لماذا، أعجبني هذا التبرير!

قال لك أنا لا أُريد أن أذهب إلى أي مكان، ولا حتى أن أُحترَم أو تُضرَب لي تحية، من أجل خاطر والدي. كرهنا المحسوبيات هذه، كرهنا. وشيء جميل! تبرير جميل! تُحب أن تحترمني؟ احترمني للياقاتي، لمواهبي، لشخصيتي. أنا اسمي عبد الرحمن يوسف، فقط.

في هذا البيان العجيب القوي الصريح، الأكثر من صريح وواضح، كتب تحته: عبد الرحمن يوسف القرضاوي. تعمَّد! تعمَّد هذا، وواضح لماذا طبعا.

فأكتفي بهذه النقول، ويُمكن أن تعودوا بأنفسكم إلى كل نقل تلوته عليكم، لتستوثقوا منه وتقرأوه. أكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

(7/10/2022)

الاستفتاء.. وفاة الشيخ الدكتور القرضاوي

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سُبحانه ومخالفة أمره، لقوله جل من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله سُبحانه وتعالى من قائل في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ * لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ * وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ * لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ * وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ * رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ * رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ * فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ * لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ * مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم.

أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا من الذين أقمتهم في مرضاتك وعلى سواء سبيلك، يشهدون بالحق وبه يعدلون.

اللهم ولا تجعلنا مِمَن ضلوا، ولا مِمَن غضبت عليهم، واجعلنا من الذين أنعمت عليهم وسلكت بنا سبيل الناجين، العاملين بإخلاص وصدق، لوجهك الكريم. اللهم آمين.

إخوتي وأخواتي/

في السادس والعشرين من الشهر الجاري، أعني هذا الشهر التاسع، من سنة ثنتين وعشرين، في الألفية الثالثة، انتقل إلى رحمة الله الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.

واختلف الناس فيه – رحمة الله تعالى عليه – بعد موته طرائق قددا، بل استُقطبوا فيه على نحو يندر أن يحصل، إلا في مرات معدودات ميسورات، كل حين من الدهر! فمنهم مَن جعله الوارث المحمدي، ومنهم مَن جعله – والعياذ بالله – خطيب الإرهاب والدماء والفتن! استقطاب عجيب!

منهم مَن وسمه بأنه عالم الأمة، وأنه أمةٌ في رجل، ورجلٌ بأمة، ومنهم مَن جعله عالم السُلطان والاستعمار الجاد والمُجتهد في تنفيذ مُخططات الاستعماريين، في تقسيم ما بقيَ غير مُقسم، وتمزيق ما بقيَ غير مُمزق، من بلاد العرب والمُسلمين! استقطاب عجيب وغريب!

منهم مَن أحجم حتى عن الترحم عليه والاستغفار له، وكأنه عاش ومات مُلحدا كافرا بالله تبارك وتعالي! وهذا شيء غريب! وهذا شيء غريب وعجيب! ومنهم مَن دعا بالويل والثبور وعظائم الأمور، على مَن أحجم عن الترحم على الشيخ والتعزية به وفيه! أيضا، مرة ثالثة أو رابعة، استقطاب غريب!

الله تبارك وتعالى عدلٌ، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وهو يُحب الإنصاف، ويكره العدوان والظلم والاعتساف. ومَن يشهد، فليعدل. بعض الناس يظن أن الشهادة لا تكون إلا في المحكمة، وتكون شهادة مُحلَّفة، بين يدي قاض! كلا، مَن ينطق بجُملة، بكلمة، مَن يفوه بتعبير من التعابير، إنما هو يُؤدي شهادة، وسيُسأل عنها، سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ *.

أما أن الرجل حقه على الأمة وعلى المُسلمين، أن يترحموا له ويستغفروا له، فما ينبغي أن يكون هذا من بين مثارات الخلاف في هذه الأمة! والآن، هذه الجُملة، أنا أعلم وأوقن أنها ستُغضب كثيرين علي، وسيفتحون النار!

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يُثبتني وأن يجعلني على ما يُحب وكما يُحب. حين أقول، أقول ووجهي إليه، أقول طلبا لمرضاته، ولا أُبالي نفسي أول الناس، فضلا عن أن أُبالي الآخرين!

للأسف بعض الناس إلى الآن يُفرغون عن منطق افعل كذا، وقل كذا، ولا تقل كذا، وإلا خصمت من حسابك عند الجمهور! وكأن حسابي عند الجمهور أصلا! لا ينبغي لمُؤمن، لا ينبغي لمُسلم، ولا مؤمنة، ولا مُسلمة، أن يجعل هذا أصلا في اعتباره، أبدا!

هذا ينبغي أن يُوضع في اعتبار الساسة، ومَن يلفون لف الساسة، ويتقيلون طرائق أهل السياسة. أما أهل الدين، الذين يُريدون وجه الله تبارك وتعالى، لا ينبغي أن يضعوا هذا أصلا في حسابهم. وإنما ينبغي أن يضعوا شيئا واحدا في حسابهم: الله تبارك وتعالى، ووجه الله تبارك وتعالى. ثم بعد ذلك سيان، رضيَ الناس أم غضب الناس.

وعلى فكرة، لن يرضى الناس عن امرئ قط، وما رضوا عن أنبياء الله في يوم من الأيام، أعني من عند آخرهم. لا يُمكن! إن رضيَ هؤلاء، غضب هؤلاء. ولاسيما، وخصوصا، وبالذات، إذا كان للموضوع جنبة سياسية! السياسة تُفرّق، ولا تُجمّع، إطلاقا! مُستحيل.

إذا كان للموضوع جهة، ناحية، جنبة سياسية، لا يُمكن، إلا هذا! مهما اجتهدت، مهما نافقت، مهما تملقت، مهما أمسكت بالعصا – كما يُقال – من المُنتصف، ستخرج بسواد الوجه، أغضبت قوما، وأرضيت آخرين!

لذلك العاقل الحكيم، عليه فقط أن يجعل وجهه لله، ونيته لله، وأن يحتسب ما يقول، وما سيُقال فيه وعنه، لله! في وجه الله تبارك وتعالى.

لا ينبغي أن يُجادل في هذا! نقول لهؤلاء الذين سترم أنوفهم؛ لأننا جعلنا موضوع الترحم على الشيخ والاستغفار له، من المسائل التي لا ينبغي أن تكون مثار خلاف، نقول لهم ما شاء الله! هذه لم تُعجبكم! لكن يُعجبكم أننا نفتح بابا ومساغا في رحمة الله لمَن مات مُلحدا!

أعجبهم هذا! كستيفن هوكينج Stephen Hawking! قلنا هناك ثمة مساغ. كيف؟ يُمكن! لا نقطع، ولا نُرجح، لكن نقول ثمة مساغ، رحمة الله واسعة، بكذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا. يُعجبهم هذا! أما أن نترحم على رجل عالم، من علماء المُسلمين، فلا!

أيها الإخوة/

ترك تراثا علميا كبيرا، له وعليه! الآن سوف يُفضي بنا الحديث عنه! لا نوافق على كل شيء، ولا نُعطي شيكا على بياض، وهذا ما أتينا من أجله، وما نسأل الله تبارك وتعالى أن يكون في مرضاته، وأن نُوفق فيه إلى الصواب، الذي يُرضي الله تبارك وتعالى.

هذا لا يُعجبهم! عجيب! أمركم عجيب! نحن قبل ذلك دمدمنا وثربنا وأنحينا، لا أقول باللائمة، بل بسلاسل من اللوائم، على داعش، مثلا! هذا التنظيم المعروف، ولكن لما فُتح موضوع تكفير داعش، لم نُكفرهم، ما علاقة هذا بهذا؟ فجُن أُناس، خاصة من إخواننا، من القوم الآخرين، من المذهب الآخر! جُن! أي لم يبقوا إلا أن يجعلونا من داعش! أو ربما من مُنظّري داعش!

ما علاقة هذا بهذا؟ ما علاقة أنهم قتلة، ومُجرمون، ومُستبيحون لدماء الأمة بغير حق، وأنهم كفار أو غير كفار؟ كأن القتل لا يكون إلا من كافر! لا يا حبيبي، القتل يكون أيضا من غير الكافر.

هذه من الأشياء التي غلط فيها الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، والله يغفر له -، حين قام يقول مُعلقا على قتل الشيخ الدكتور البوطي! وهنا أيضا أُحب أن أكون مُتوازنا؛ إن قلت الشيخ القرضاوي، فأقول الشيخ البوطي. إن قلت الدكتور القرضاوي، أقول الدكتور البوطي. الله يُحب العدل، كأنك فعلا في موقف مُقاضاة حقيقية.

لما قُتل الشيخ البوطي – نحن نظنه إن شاء الله شهيدا عند الله تبارك وتعالى، والرجل قُتل مظلوما، لا ريب! قُتل مظلوما، لا ريب -، قام الشيخ القرضاوي – والخُطبة موجودة، في أحد مساجد الدوحة، بقطر -، يقول لم يقتله أهل السنة!

لماذا يا شيخ؟ قال لأن أهل السنة لا يقتل بعضهم بعضا، أهل السنة لا يقتلون العلماء! عجيب! من متى؟ أي قاعدة هذه؟ أهل السنة يقتلون بعضهم بعضا، ويقتلون علماءهم، ويذبحون علماءهم، ويقتلون الآمرين بالقسط من الناس.

ألم يُذبح الشيخ محمد حسين الذهبي – رحمة الله عليه -؟ وزير الأوقاف المصري، العلّامة الكبير – رضوان الله عليه -، ألم يُذبح ذبح النعاج؟ على أيدي جماعات الإرهاب، المُسماة بجماعات الجهاد! وهي جماعات إرهابية! مَن الذين ذبحوه؟ زنادقة، باطنية، كفار، أم جماعات سُنية (جهادية)؟ جماعات مُسلحة!

ألم يُذبح رئيس وزراء مصر – طبعا قتلا بالرصاص – أحمد ماهر باشا – رحمة الله عليه -؟ رئيس الحكومة المصرية، والمطلوب رأسه للإنجليز؛ لأنه من أبطال ثورة تسعة عشر! طبعا وتبرأت جماعة الإخوان المُسلمين، من دمه، ثم ثبت أنهم هم الذين قتلوه!

العيسوي كان من الإخوان المُسلمين! وقال أنا من الحزب الوطني. لم يكن من الحزب الوطني، باعتراف الشيخ الباقوري. الشيخ الباقوري – رحمة الله عليه -، الذي خرج منهم بأخرة، إلى حد ما! سبقه بسنوات الشيخ العارف بالله مُتولي الشعراوي – رحمة الله عليه -!

ترك هذه الجماعة، بعد أن انتمى إليها بحين يسير، وبقيَ الشيخ الباقوري فيها، عمودا من أعمدتها، أسطوانة من أساطينها! لكنه بعد ذلك، في بقايا ذكريات، قال نعم، الجماعة هي التي قتلت رئيس الحكومة المصرية! لأنه تغلب عليهم في انتخابات الإسماعيلية.

عجيب! في أي دين هذا؟ في أي شرع، يُقتل رئيس حكومة، مُسلم، طيب، صالح، مُناضل، رأسه مطلوبة للإنجليز؟ ولم تكن الأولى، ولم تكن الآخرة! فيا شيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، وغفر الله له -، من أين قعدت هذه القاعدة؟ على ماذا أسستها؟ أن أهل السُنة لا يقتلون علماءهم! ولا يقتل بعضهم بعضا! غير صحيح.

وفي سوريا أيضا، في المعمعمة الحمراء، الوطيس، العجيب، ذبح بعضهم بعضا، وبالمئات! وليس بالعشرات، بالمئين! وذبحوا مشايخ وعلماء ومُفتين، دففوا عليهم وهم في المشافي! جاءوا وذبحوهم! لأنهم ليسوا من فصيلهم، من فصيل آخر! وكلهم أهل سُنة وجماعة.

من أين لك هذا يا شيخنا؟ غير صحيح. طبعا سأعود إلى موقف الشيخ القرضاوي – يغفر الله له – من الشيخ البوطي – رحمة الله عليه، وغفر الله له أيضا -؛ لأنه قبل استشهاد الشيخ البوطي بأربعة أيام، أعطى فتوى بقتله! فتوى بقتله، وبقتل كل مَن كان مثله! من العلماء والصحفيين، أيا كانوا! والفتوى موجودة إلى اليوم، وفي اليوتيوب YouTube، صوتا وصورة!

ولم يتراجع عنها، ولم يتبرأ منها! لكنه أحس بالورطة الكبيرة، إذ قُتل البوطي. وهو لم يظن أن هناك مَن سيستغل هذه الفتوى، وبسرعة! في ظرف أربعة أيام، قُتل الشيخ البوطي صائما، صائما – رحمة الله تعالى عليه – الخميس، ليلة الجُمعة، يُدرِّس كتاب الله ويُفسِّره في مسجد، في بيت من بيوت الله.

فلا! الله يُحب الحق، الله يُحب الإنصاف، الله يُحب العدل. نترحم على الشيخ؟ نترحم. نستغفر للشيخ؟ نستغفر. نعترف بأن الشيخ من علماء الأمة الكبار؟ هذه حقيقة! شيء سخيف أن يأتي لك الآن بعض مَن لهم مواريث وثارات!

انظر، هذه هي القضية! أنا لا أستطيع أن أفهم هذا! هذا ما لا يُمكن أن يتورط فيه مَن شم رائحة العلم، فضلا عمَن ذاق شيئا من طعم التقوى لله تبارك وتعالى. أي أنتم جماعات مُتزمتة دينيا، مُتزمتة علميا، ضيقة اجتهاديا، لكم ثارات مع الشيخ في حياته، بعد أن مات – رحمة الله عليه -، تأتون الآن؛ لتنزعوا عنه حتى لباس العلم! وتُعطوه لقب أنه مُبتدع وضال وكذا وكذا؟

غير صحيح! هو عالم، ومن كبار علماء الأمة، الشيخ القرضاوي! شئت أم أبيت، يعترف بهذا كل مَن أوتي حس العدل، هو عالم! لكن متى كان العلم يعني العصمة؟ إذا كان عالما، هل هو معصوم؟ إذا كان عالما، هل يُتابع على كل مواقفه، على كل سياسياته، على كل اجتهاداته؟ لا. فلا بُد أن نكون أيضا مُعتدلين ومُنصِفين.

عالم؟ عالم. ترك تراثا علميا كبيرا، كما قلت، له وعليه، هذا التراث! منه أشياء كثيرة تُقبل في الجُملة، وهي نافعة جدا! وتراث استفاد منه الملايين حول العالم! الحلال والحرام في الإسلام: هذا الكتاب من الستينيات وضعه، وهو في بداية العقد الرابع من عُمره! فقه الزكاة في الإسلام: مَن الذي يستطيع أن يُنكر فضل هذا الكتاب؟ فقه الجهاد: وهو من أواخر كُتبه الموسوعية، في زُهاء ألف وسبعمائة صفحة، ونفسه فيه كان بطوله مُعتدلا.

أُخذت عليه مواضع مُعينة، لا بأس! لكن الكتاب بطوله صدر فيه عن نفس مُعتدل وسطي، ودمغ فيه جماعات العُنف والإرهاب، التي تُريد أن تُغيّر وأن تُجاهد في البلاد الإسلامية، وفي البلاد العربية! لم يتفق معها، وخطّأها، على أنها هي التي خطّأت نفسها!

أذكر أنه في المُجلد الثاني اقتبس من هذه الجماعات المُسلحة، التي قامت ببعض المُراجعات، وأعلنت توبتها عن نهجها، بطريقة ما، وإن لم تُعجبني أنا تماما؛ لأن فيها جمجمة، وفيها تردد، وفيها ذرائعية وبراجماتية، وذكروا عشر نقاط! سردوا عشر نقاط، هي التي حملتهم على أن يتركوا (الجهاد)!

جهاد أين؟ جهاد الكفار؟ جهاد المُعتدين على أمة المُسلمين؟ لا! جهاد الأمة، في عُقر دار الأمة! قتل جيش الأمة، قتل الشرطة، قوات الأمن! قتل العلماء والمشايخ، قتل الناس العاديين، قتل السائحين! جهاد! قال لك جهاد!

وهنا المقام يستدعي – رحمة الله على الشيخ الشهيد محمد – الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي وضع قبل أكثر من ثلاثين سنة كتابه: الجهاد كيف نفهمه؟ وكيف نُمارسه؟ والذي لُعن بسبعين لعنة من أجله، في وقته!

على أن أكثر مَن لعنه آنذاك، عاد! فشكر له، وقدّر صنيعه العلمي الكبير! الذي أفضى بكلمة كان لا بُد أن تُقال، لكن الوقت لم يكن يسمح. الوقت كان أضيق صدرا من أن يتقبلها، فاتُهم الشيخ في دينه، وفي ولائه، وفي فهمه، وفي علمه!

ثم أبت الأيام والسنون، إلا أن تُثبت أن الشيخ كان مُحقا، وأن الجهاد – إذا فتُح ملف الجهاد – لا يكون في الأمة. ما يكون في الأمة هو فتنة داخلية، هو حرب أهلية، هو حرب طائفية، هو نُعرات مذهبية، تُدمر الأمة، يا إخواني! ونحن دُمرنا، ما شاء الله! ما شاء الله، دُمرنا بهذا الجهاد! دُمرنا بهذه الحركات! انتبهوا!

بعد ذلك عادوا، كثير منهم، واستغفروا للشيخ، وأيدوا ما في كتابه. وهذه دعوى لقراءة، أو إعادة قراءة، هذا الكتاب المُهم: الجهاد كيف نفهمه؟ وكيف نُمارسه؟ وعلى كل حال، مَن ضاق وقته عن قراءة كتاب مثل هذا، وهو يُقرأ في بضع ساعات؛ لأنه ليس بالكتاب الضخم، فيكفيه، ويكفيه إلى الأمد الأقصى، أن يستشير رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه -، فيما صح عنه، من أحاديث الفتن، والحروب الأهلية.

على ماذا تواطأت، وتواردت، وتعاضدت، وتساندت، وتساعدت، هذه النصوص النبوية الشريفة؟ على ماذا، في هذا الباب، في هذا الملف؟ على الكف! على الكف؛ تكف يدك، تترك سلاحك، تكون حلسا من أحلاس بيتك! مثل هذه السجادة! هذا هو الحلس! سجادة قديمة، حلسا!

يا رسول الله، إن دُخل علي بيتي؟ حسنا، هؤلاء؛ أهل الفتنة، أطراف في الحرب الأهلية، دخلوا علي بيتي! مع أنني كففت، وتركت السلاح، ولا أُريد أن أتورط في الدماء! قال إن خشيت – أي خفت – أن يبهرك شُعاع سيفه، فألق ثوبك على رأسك – اعمل كالنعامة -، يبؤ بإثمك وإثمه. يكن هذا القاتل المُجرم، الذي جاء يقتلك، باسم الجهاد، يكن كشر ابني آدم! مثل قابيل؛ قاتل هابيل! وعليه وزرك ووزر كل مَن ائتسى به واقتدى به، وسفك ولو محجنة دم.

هذا رسول الله، هذا ليس عدنان إبراهيم، وليس البوطي، وليس القرضاوي، هذا رسول الله، يقول لك في الفتنة هذا. لكن للأسف الشديد، مما أُخذ على الشيخ القرضاوي – يغفر الله له – أنه سعى في هذه الفتنة، وهو يعلم أنها فتنة! وقال إذا هذه فتنة، فأنا من شيوخ الفتنة! اللهم أحيني شيخ فتنة، وأمتني شيخ فتنة! لا إله إلا الله! يغفر الله له.

فتنة يا شيخنا! فتنة! لا أُريد أن أقول فتنة، وأنتم أيضا أمعنتم فيها، خببتم وأوضعتم، سرتم فيها مسيرا ليس يُحمد، حين حركتم الانشقاقات الرأسية في الأمة. هناك هويات جامعة، وهناك هويات فرعية. الهويات الفرعية، لصالح مَن تُحرك؟ أمة، بلد! لنفترض البلد X، هذا بلد، واسع، مُتسع لجميع الأطياف، لماذا نأتي في لحظة مُعينة، ونفعل هذا، بعد أن مدحنا البلد؟ مدحنا البلد، ومدحنا أمره وشأنه، وجعلناه بلدا يتصدى للاستعمار، ويتصدى للخطط الأمريكية، وأثنينا عليه! والفيديو Video موجود، صورة وصوت.

الحمد لله! الحمد لله طبعا من جهة أننا في عهد النت Net واليوتيوب YouTube، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه أننا أيضا في عهد النت Net واليوتيوب YouTube والسوشيال ميديا Social media؛ لأن أكثر من ستين في المئة – بحسب الدراسات الدقيقية العلمية، أكثر من ستين في المئة – مما يدور من أخبار وتحليلات، مُزيفة مُفبركة، في هذا العالم اللعين!

فالناس ضلت، لم تعد تعرف الحق من الباطل، يُضحك عليها! تُفبرك لها أشياء غريبة عجيبة! وتُصدِّق كل شيء! غرّد إيدي كوهين Edy cohen‎، الناطق باسم الجيش؛ جيش القوم إياهم، وأنتم تعلمون، غرّد وقال عن القيادة العربية كذا، كذا، كذا! حسنا، ولماذا علي أن أُصدِّق إذن؟

لماذا أُصدِّق إذا غرّد هذا، وهو عدو؟ عدو للأمة، عدو لمصالح الأمة، عدو لاستقرار الأمة، يغيظه أن تبقى الأمة مُتماسكة مُستقرة! كل سعادته أن تتقسم الأمة، وأن تتشظى الأمة؛ لكي تبقى دويلته، ويبقى قومه هم الأعلين! أليس كذلك؟ وهم السابقين! لماذا علي أن أُصدِّقه، إذا غرّد ضد قيادة عربية، ضد زعامة عربية؟ لماذا؟ لا، مُباشرة يحتفون بتغريده!

جميل! هذا الرجل غرّد قبل أيام، يُعزي في الشيخ القرضاوي، وأبرز الألم والحُزن! وقال الشيخ القرضاوي خدم إسرائيل، كما لم يفعل بن غوريون Ben-Gurion نفسه! هل نُصدّقه؟ نُعطيه شيكا على بياض؟ متى سنستيقظ؟

الآن حملة شعواء على شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب – وفقه الله -؛ لأنه لم يُعز في الشيخ القرضاوي! الشيخ أحمد الطيب ليس شيخا مُستقلا، هو شيخ الأزهر، والأزهر مؤسسة في دولة لها موقف من الشيخ القرضاوي.

الشيخ القرضاوي كان موضوعا على لوائح الإرهاب المصرية، ومطلوبا للحكومة المصرية. هذا موضوع ثان الآن! لسنا الآن قضاة. وهذا الرجل طبعا يرأس مؤسسة في هذه الدولة، ماذا تُريد منه إذن؟ رجل في مؤسسة! وأنت تقول – وهذه تعابير الشيخ القرضاوي، رحمة الله عليه – عالم سُلطة وشُرطة! نعم، عالم سُلطة هو.

وعلى فكرة، من الأشياء التي ينبغي أن نستيقظ لها: ليس معنى أن الإنسان عالم سُلطة، أنه شيطان. نعم، طبعا! كل الدول الإسلامية دول فيها نُظم حُكم، من أيام سيدنا عمر بن الخطاب! أليس كذلك؟ إلى اليوم! عدلت أم ظلمت، استقامت أم انحرفت! أليس كذلك؟ وهناك مؤسسات دينية، من كل شكل ولون، ولا بُد أن يكون في رأسها أو على رأسها أُناس، من علماء الأمة، من قامات الأمة.

ليس بالضرورة أنه إذا كان يرأس مؤسسة رسمية، أن يكون شيطانا، أو كذابا، أو مُنافقا! بالمرة، ليس بالضرورة! بالعكس، أنا أقول لكم، وجهة نظري – إحدى رسائل خطبة اليوم -:

الأفضل مليون مرة لعالم الدين أن يبتعد عن السياسة، وألا يُسيس خطابه، وأن يُفرغ، حين يُفرغ، عن منطق الدين وحده، على أن – وسأقول لماذا، أكبر رسالة في الخُطبة! هذا هو الموضوع! والدرس الأكبر هو الشيخ القرضاوي، رحمة الله عليه – هناك استثناء واحد:

في نهاية المطاف، تبقى أنت مُنتميا إلى أمة مُحددة، إلى شعب مُحدد، إلى دولة مُحددة! من واجبك شرعا، أن تقف مع أمتك، مع شعبك، مع دولتك، والنبي شجع على هذا.

النبي، حتى في الحروب النبوية، شجع على هذا! تخيل! دويلة إسلامية، كانت دويلة المدينة، وعلى رأسها خاتم النبيين والمُرسلين – روحي له الفدا، صلوات ربي وتسليماته عليه وعلى آله -، وكان – وذكرت لكم هذا غير مرة – للجيش راية أم، تُسمى الراية الأم! على أم لها. يقول الشاعر! راية أم، سوداء كانت! ثم بعد ذلك، كل قبيلة من قبائل المُسلمين – هم عرب، قبائل وعشائر -، كل قبيلة كان لها لواء تحمله! طبعا!

النزعة القبلية موجودة، هذا انقسام رأسي موجود، يُمكن أن يُوظف توظيفا جيدا، بما يخدم ماذا؟ التنوع الأُفقي. هذه عبقرية رسول الله! يسمح بهذا. ولذلك إذا كنت تنتمي إلى قبيلة مُعينة، عار عليك عظيم، إن ألحقت العار والمعرة بقبيلتك، كأن تلوذ بالفرار، أو تجبن عند اللقاء! ممنوع؛ لأنك تتبع هذه القبيلة. انظر العبقرية النبوية، لم يقل لا.

ولذلك النبي مدح – صلوات ربي وتسليماته عليه – مَن ينصر قومه وأهله. لكنه ذم، أشد الذم وأبلغه، ويا لنبوته الحكيمة العظيمة! يا لعبقريته التي لا تُدانى، والله، ولا تُسامى! حين قال الذي يُعين قومه في غير الحق، كالبعير تردى في بئر، فهو يُنزع بذَنبه. أخرجه أحمد، وأبو داود؛ تلميذ أحمد، وابن حبان؛ أبو حاتم – رحمة الله تعالى عليهم -.

الذي يُعين قومه في غير الحق، لماذا؟ لأنهم قومي! قومي، أهلي، عشيريتي، بلدي! لا، في الحق: نعم. في غير الحق لهم عليك ماذا؟ حق النُصح! أن تكون ناصحا أمينا.

والله، الحق لا يتضرر منه أحد. والله، الحق ينتفع منه الجميع، والله العظيم! والباطل، والسكوت عن الحق، يتضرر به الكل! الساكت والمسكوت لأجله، في الأخير! ألم أسكت إكراما لعيونك؟ أنت ستتضرر ربما قبلي! الحق يسع الجميع.

وكما قال الإمام علي – عليه السلام، وكرّم الله وجهه – مَن ضاق به الحق، فالباطل به أضيق. أنت لا ترى أن الحق يسعك؟ لا تُريده؟ تظن أن الباطل يسعك – بعون الله -؟ الباطل يُدمرك! انظر هذا المنطق النبوي! وانظر التعبير والتصوير المُذهل؛ كالبعير تردى في بئر. انظر أنت إلى بعير، تردى في بئر! فيُنزع بذَنبه! هل يُمكن أن تُخرجه من خلال ذَنبه؟ سينقطع الذَنب، ولا يخرج!

ماذا يُريد أن يقول؟ يُريد أن يقول تورط ورطة كبيرة! وقع في ورطة ليس منها مخلص! أي ورطة؟ أن تنصر قومك، في الباطل. انتبه، هنا القوم لا يقتصرون فقط على القبيلة، على العشيرة، على شعبي، على دولتي، على حكومتي!

على جماعتي، على فريقي، حتى لو فريق كرة قدم، على جماعتي! خاصة إذا كانت جماعة دينية، أيديولوجية، سياسية، مُسيسة! لا، الحق أبقى، والحق أتقى وأزكى، والحق أنفع للجميع. عليك أن تشهد بالحق، ولو على نفسك. الله يقول! ليس على جماعتي، وحزبي، وأمتي، ودولتي! حتى على نفسي! لكن فيما عدا ذلك، العالم مأمور أن يُدافع عن وحدة بلده، عن استقرار بلده، عن أمن شعبه.

وطبعا هذا ليس لي ولا إليك، أن نُنقب وأن نُفتش في قلوب العباد! هل نقبنا وفتشنا في قلب الشيخ البوطي – رحمة الله عليه -؟ أبدا! قال لك مُنافق باع نفسه! اتق الله، والله العظيم يُمكن لكلمة مثل هذه أن تودي بك إلى غضب الله! حين تتكلم عن أحد علماء الأمة، وربما أحد أعيان صلحائها وأوليائها، بكلام لا يعلمه إلا الله! من أين لك؟

والذي نعلمه ولمسناه، وقلت هذا مرارا، أن الشيخ الشهيد البوطي – رحمة الله عليه -، مات وترك ثروة عظيمة كبيرة! لكنها مع عظمها، لم تسمح لزوجه، ليلة استشهاده، أن تشتري رغيف خُبز! تعلمون كم ترك الشيخ البوطي؟ ترك سبعين ليرة سورية! والدولار بخمسمائة ليرة! زُهاء عشرة سنتات! الشيخ البوطي! شيء لا يكاد يُصدق!

والشيخ البوطي كان، والله العظيم، يُمكنه أن يُراكم ثروة، لن أقول بالملايير، لكن قطعا بعشرات، إن لم يكن بمئات، الملايين! لو أنه تاجر بدينه، لو أنه اختط خُطة النفاق والكذب والملق والتلون، أبدا! رحمة الله تعالى عليه.

لكن الشيخ البوطي ليس معنا، ليس مع هذا الحزب، ليس مع هذه الجماعة، ليس مع ثورات الربيع العربي، ليس مع الخُطة الأمريكية! خُطة الحزب الديمقراطي؛ حزب بايدن Biden الآن، وهيلاري كلينتون Hillary Clinton، وباراك أوباما Barack Obama! الذين لا زالوا مُصرين على تقسيم العالم العربي. انزعجوا جدا، كيف لم تسقط مصر؟ كيف لم تُقسم مصر؟ ولا زالوا يعملون! افتحوا أعينكم، يا عباد الله! ويدأبون!

البوطي لم يكن مع هؤلاء، البوطي من أول يوم فهم هذه اللعبة، قال لك هذه لعبة عالمية، تُريد تدمير البلاد، تمزيق المنطقة، لا يُمكن أن أخب فيها وأضع، لا يُمكن! لكن هل البوطي راض عن حكومته، أي رضا تاما؟ لا والله. وأنا أعلم ماذا أقول، ولن أقول أكثر من هذا. هل هو راض؟ ليس راضيا – رحمة الله عليه -. وبعد ذلك؛ مَن الذي قتل البوطي؟ شُبهة كبيرة، تُترك للأيام – إن شاء الله تعالى -.

البوطي كان يخطب في مسجد كله مرصود بالحراسات على مدار الساعات، وبالكاميرات Cameras على مدار الساعة! كيف تم اغتيال الرجل – رحمة الله عليه -؟ حتى الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه – تساءل مَن الذي قتل البوطي؟ طبعا هذا التساؤل مشروع، ولا زلنا ليس عندنا جواب نهائي، إلى الآن!

والعجيب، على فكرة، ما من جماعة مُسلحة، من هذه الجماعات المُسلحة، اعترفت بأنها هي التي فعلت! ولا جماعة! ولا جماعة! عجيب! ولو أنهم فعلوا، يعترفون! يقول لك شرف لنا! وعلى فكرة، بعضهم قالوا لم نفعلها، وللأسف أننا لم نفعلها! يا ليتنا قُيض لنا أن نفعلها! انظر الغباء إلى أين! قالوا نحن لو فعلنا، سنفتخر بها! أننا خلصنا الأمة، وخلصنا الدين، من هذا الرجل، الذي كذا وكذا! ينعتونه! الشيخ البوطي! قالوا لكن لم نفعلها.

إذن ليست هذه الجماعات التي قتلت البوطي، فمَن الذي قتله؟ ولماذا؟ وما المصلحة في قتله – رحمة الله عليه – الرجل؟ على كل حال، أبو سبعين ليرة! تركة بسبعين ليرة سوري! وقال لك البوطي عالم سُلطان! البوطي باع دينه! بأي ثمن؟ ما الثمن الذي قبضه يا رجل؟ اتق الله، ستُسأل عن هذه الشهادة يوم القيامة. اتقوا الله في كل شيء.

على كل حال، نعود إلى ما كنا فيه:

ولسنا أيضا – كما قلت لكم – إذن، لسنا مع هؤلاء النفر الموتورين، الذين ما إن انتقل الشيخ – إن شاء الله – إلى رحمة الله، حتى فتحوا الملف؛ الضال، المُضل، المُبتدع، وما إلى ذلك! ونزعوا عنه حتى صفة العالم! عن الشيخ القرضاوي! لماذا؟ لأنه خالف!

خالفكم أنتم؟ هو الإسلام ملكٌ لكم؟ أو الإسلام ملكٌ له أو لنا؟ هذا الإسلام! تراث الأمة، ملك الأمة، كل الأمة! خالفهم في مسائل: التصوير، التمثيل، الحجاب والنقاب، الموسيقى والغناء، فوائد البنوك – أي في نطاق ضيق مُعين -! قال لك هذا ضال مُضل! ولم يكن مذهبيا، يُفتي بمذهب واحد، لا يتعداه إلا في نطاق ضيق! لا، الرجل كان يتخير – رحمة الله عليه -، كان يتخير!

لا، لسنا من هؤلاء. ولسنا نعتب على الشيخ في هذه المسائل. وافقته أم خالفته، أنا أقول لك المُتيقن أنه عائد وراجع دائما، في كلتا حالتيه، دائما، بأجر! إما كان أجر واحدا، وإما كان أجرين اثنين، أليس كذلك؟ إذا أخطأ في اجتهاده، وإذا أصاب!

وهذا مَن؟ مَن الذي أفتانا فيه؟ رسول الله! إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران. فإن اجتهد فأخطأ، فله أجر واحد. لماذا تُثرب على الرجل، وكأن الرجل كان يسعى في هدم الإسلام بفتاواه؟ لماذا لا تنظر إلى المسألة من جهة أُخرى؟ بفتاواه المُيسرة أيضا، استبقى في الإسلام ملايين الناس، مِمَن لو خوطبوا وأٌفتوا دائما بالتشديد وبالأشد وبالأعوص، لربما خلعوا الربقة، وخرجوا من هذا المجال كله! لماذا تنظر بعين واحدة؟

هذا ليس مما نُريد أن نفتحه، ولا أن نعتب فيه على الشيخ – يغفر الله له، ويرحمه، إن شاء الله، بأوسع رحمته – لا في قليل، ولا في كثير! إذن لماذا جئنا؟ نعم، جئنا إلى النُقطة الأهم!

ولذلك فقه الزكاة، فقه الجهاد، فقه الطهارة، فقه الصيام، الفقه، مُشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، ومثل هذه الكُتب: أعمال علمية نافعة مُباركة، استفاد منها الكثيرون حول العالم! الحلال والحرام: حول العالم، استفادوا منه! الذي يُسميه الإخوة السلفيون، أو بعضهم: الحلال والحلال! سموه كما شئتم، لكن كتاب شرّق وغرّب، وانتفع به عشرات الملايين! وتُرجم إلى لُغات إسلامية كثيرة! الرجل كان خُطته خُطة التبشير والتيسير – رحمة الله عليه -، جميل جدا!

ويا ليته بقيَ كذلك! يا ليته عاش ومات على هذه الخُطة، ولم يدخل في عالم السياسة، ولم يرتهن نفسه لدولة أو جهة مُعينة، تقول له قل فيقول، حرّض فيُحرّض، كفّر فيُكفّر! لا، ارجع وأحسن في القول فيفعل! لا، هذا لا يليق بالعالم.

ولنكن مُحددين وواضحين يا إخواني:

السياسة، ما هي؟ الكل يعلم! السياسة فن الوسلية. روح السياسة هي البراجماتية، أليس كذلك؟ أبدا! الميكافيلية أيضا كذلك! ليس فقط الذرائعية؛ البراجماتية، وحتى ميكافيلية! يُمكن للساسة أن يتوصلوا بأخس الوسائل إلى أهدافهم وأغراضهم، لا يعنيهم! لا يعنيهم أن تكون الوسائل نظيفة وطاهرة أبدا، أبدا!

لذلك يقول العامة السياسة نجاسة. عبُّروا كما شئتم، لكن هذه هي السياسة! كانت، وستظل، على فكرة! عبر التاريخ! وخاصة في العصر الحديث، بالذات من أيام ميكافيلي Machiavelli، أصبحت السياسة لا أخلاقية، إلى حد بعيد جدا، وبشكل مُرعب!

ذكرت لكم مرة طُرفة عن ونستون تشرشل Winston Churchill؛

مر على قبر رجل – أحد الساسة، وهو من الأحزاب المعروفة -، ومكتوب على قبره: هنا يرقد السياسي والرجل الشريف فلان الفلاني! قال عجيب! كيف اجتمعا مع بعضهما إذن؟ لماذا هذان مدفونان مع بعض؟ لماذا قُبرا سويا؟

وطبعا يعلم أنهما نعتان لمنعوت واحد، لكن هو يقول هذان النعتان لا يأتلفان، ولا يتجاوران! مُستحيل! أن يكون سياسيا، ورجلا شريفا، قال غريبة هذه! وتشرشل Churchill! أي ليس أي واحد، قال لك هذا لا يُمكن!

أن تكون سياسيا، معناها أن تركب الصعب والذلول! لماذا؟ لأن السياسة في نهاية المطاف فن أن تكسب، لا أن تخسر! فن المُمكن، فن التوازنات، فن أن تصل إلى غرضك، بأقل المغارم، وأعظم المغانم! هذه السياسة، وهذا السياسي الناجح.

وبالله عليكم، سألتكم بالله، هل تعجبون أو يثور منكم نكير أو نُكر على سياسي يتقلب كل يوم وليلة، مرات ومرات، كالأغوال – الأغوال هي التي تتغول، تتقلب! السياسي كالأغوال! تتقلب -، لكن يفعل ذلك؛ لكي يخدم أمته، مشروعه، استقرار بلده، يدرأ عنها التهديدات، يدرأ عنها المشاكل، يدرأ عنها الجوع، العطش، البرد؟ تعجبون وتُنكرون، أم تؤيدون وتعجبون من سعة حيلته، واتساع دائرته؟ الثانية! أنا أعلم أنها الثانية! لا بأس، لا بأس! هذه هي السياسة.

لكن، كرة أخرى، أسألكم بالله تبارك وتعالى، ماذا لو فعلها عالم دين، وتلون في اليوم والليلة مرة أو مرتين، حتى من السنة إلى السنة؟ وتلون! وتعلمون أنه يُفرغ عن ماذا؟ عن منطق سياسي! يُلفّعه بماذا؟ بديباجة دينية! يُفهم الناس أن هذا هو الدين! يا مولانا، هذا الدين؟ إذن قبل سنة، كان هناك دين آخر؟ ما الذي يحصل؟ أهذا دين، وذاك دين؟ أهذا شرع، وهذا شرع؟

تُنكرون أم لا تنكرون؟ يُنكر الناس، أشد النكير! يسخرون، ويغضبون، ويزدرون بمَن يفعل هذا، ولا يُعجبهم هذا منه. لماذا؟ لأن الدين ينتمي إلى دائرة المُقدس. المُقدس من أخص خصائصه الثبات. أليس كذلك؟ الثبات! هناك نوع من الثبات! يبقى لفترات طويلة جدا.

الدين هو منبع القيم الأصيلة، التي ينبغي أن تبقى محفوظة مصونة، لا يُعبث بها، لا يُلعب بها. للأسف الشديد تسمع الآن مَن يُبرر، يقول لك لا، لا، لا، لا، لا! وطبعا واثق! بعضهم واثق جدا! بالعكس، طبيعي أن يأتي الشيخ والعالم الديني يمدح اليوم نظاما مُعينا، زعيما مُعينا، دولة مُعينة، يمدحها ويتصور مع القائد، بكل تواضع، ويفتخر، ويُلقي بكلمات كبيرة جُزافا في مدح الدولة وقيادتها! ثم بعد ذلك، يُحرِّض على قتلهم وذبحهم والتخلص منهم!

قال لك لا، لا، لا، لا! هذا اسمه أن تدور مع الحق حيث دار! والله؟ أجبتني، أقنعتني! انتبه، انظر، هكذا يغتالون وعي الشباب الصغار، وعي المُراهقين. قال لك هذا عالم رباني، يدور مع الحق حيث دار! يدور مع الحق حيث دار؟ لا، لا، لحظة، لحظة، لحظة! إياكم أن تتغولوا بقية المنطق!

وعلى فكرة، مثل التيارات الحزبية، ليس فقط الإسلامية، الحزبية المُؤدلجة، عموما، لا يُسعدها ازدهار الحس النقدي، عند القواعد الجماهيرية. يُسعدها دائما ماذا؟ ضمور وتراجع حس النقد. الحزبيات، والأيديولوجيات! معروف! الأيديولوجيا عموما تُعاكس المعرفة.

لذلك لا تكتب على نفسك أنك من البُسطاء السُذج، الذين توقعوا أن يُصيبوا الحقائق، من خلال ماذا؟ الأيديولوجيات. لا، لا! أنت تكون ساذجا جدا ومُغفلا. الحقائق لها طريق آخر؛ طريق المعرفة والعلم. الأيديولوجيا لها طريق الغلب والكسب، بكل الوسائل، وأكثرها خسيس!

فكارثة كبيرة، داهية ما لها من واهية، إذا تورط العالم الديني، وأصبح يُفرِغ عن منطق السياسي، مع ديباجة دينية! مُصيبة كبيرة، عليه وعلى الدين وعلى مَن يُصدقه، والله العظيم! شيء رهيب جدا! على كل حال، حتى لا أنسى، تخطر لي أفكار أحيانا وأنا على المنبر، فأُريد أن أُدلي وأن أُعرب عنها:

الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، وغفر الله له – موته كان استفتاء! لم، إلى الآن لم، يلتفت الناس إلى هذا! موته استفتاء، واستفتاء خطير جدا، وحسّاس، وحاسم أيضا! استفتاء على ماذا؟ ومِمَن؟ من الجميع، من الأمة، بكل أطيافها! من أمة محمد، من المُسلمين! استفتاء!

ستقول لي كيف استفتاء؟ وما نتيجة الاستفتاء؟ نتيجة الاستفتاء، انتقل وادخل على اليوتيوب YouTube، وادخل على المواقع وعلى التلفزيونات Televisions! موت الرجل لم يُثر عُشر مُعيشير ما كان ينبغي أن يُثيره موت رجل في مثل مقامه، وفي مثل وزنه! استجابة واهنة ضعيفة جدا جدا جدا! أنا لم أكد أُصدق! على أنني لم أستغرب.

لماذا؟ لأنني قبل وقت ليس بالطويل، صُدمت بوقوعي على حلقة من حلقات برنامج كان تبثه قناة الجزيرة للشيخ – رحمة الله تعالى عليه -، اسمه – على ما أظن – سياسة في دين! ومن سنوات هذا! وإذا بحلقات البرنامج – وادخلوا أنتم! ادخلوا واختبروا، حلقات البرنامج – شاهدها بضعة آلاف فقط! ومن سنوات طويلة! بضعة آلاف! يحضرها بضعة آلاف! وتبثها الجزيرة! استفتاء أيضا!

هذا كان استفتاء سُكت عنه، سُكت عنه! كيف بضعة آلاف؟ الرجل يتكلم سياسة في دين! بضعة آلاف! وعلى موقع الجزيرة! حلقة يحضرها بضعة آلاف: أربعة آلاف، خمسة آلاف، ستة آلاف، ثلاثة آلاف، عشرة آلاف، تسعة آلاف! قل أن أجد عشرة آلاف! فاستفتاء واضح!

موته الآن – رحمة الله عليه، وغفر الله له – استفتاء آخر، أوضح، وأخطر! أخطر بكثير! لم يُثر موته عُشر مُعيشير ما كان ينبغي أن يُثيره موت مثله! لماذا؟ استفتاء! الأمة تقول لك زهقنا، مللنا، تعبنا، من هذه الطروحات! من دمج للدين بالسياسة، والسياسة بالدين، واللعب بالأوطان وبالاستقرار وبالأمن وبحيوات الناس! بدماء الناس، بأدياننا، بكل شيء! مللنا، تعبنا! لذلك استفتاء! موته استفتاء، برنامج سياسة في دين كان استفتاء رهيبا، لم يُلتفت إليه!

وبرنامج في سبع سنين! الذي بثته الجزيرة، وأغضب أيضا زعامات الإسلام السياسي! وغضبوا جدا، وسبوا الجزيرة، وسبوا قطر! على أن البرنامج برنامج توثيقي، مع عشرات من الشباب، الذين كانوا في الإسلام السياسي، وانتهوا إلى الإلحاد! ليس كفروا بالإسلام السياسي، كفروا بالدين كله! فالآن الناس وصلت تقريبا إلى مثل هذه الحافة الرهيبة!

بعد ذلك، لن يُجديكم أن تصفوا الرجل بأنه أمة في رجل، وأنه الوارث المُحمدي الكامل، كلام! أنتم تتكلمون، أنتم تُخاطبون أنفسكم! الشيخ القرضاوي نفسه – رحمة الله عليه، وغفر الله له – علق على ثورة الشعب المصري، التي كانت في الثلاثين من يونيو، ألفين وثلاثة عشر، ماذا قال؟ وعلق على موقف شيخ الأزهر؛ الدكتور الطيب!

قال هؤلاء لا يمثلون الشعب! الذين خرجوا لا يمثلون الشعب المصري! يا مولانا، هل تعلم عدد الذين خرجوا؟ هل خرج مئة ألف، مئتا ألف، مليون، مليونان، خمسة ملايين؟ عشرات الملايين! وسائل إعلام عالمية مُحايدة، ليس لها علاقة بهذه المعمعة، خاصة صينية، قالت لك ربما يكون هذا للمرة الأولى، في تاريخ البشرية! بحسب أقمار صناعية، قال لك زُهاء ثلاثين مليونا! دونها ثورة الخامس والعشرين من يناير، ألفين وأحد عشر!

نفس الشيء؛ جماعة الرئيس المرحوم مرسي – رحمة الله عليه، وغفر الله له – وحزبه، قال لك لا، لا، لا، لا! نحن نُقدِّر أن الذين سيخرجون بين مئتي وثلاثمائة ألف! تقديركم! هذه مُشكلة الأيديولوجيا، مُشكلة الحزبية! تعمى عن رؤية ما يفقأ العينين! أنت لا تستطيع أن ترى الشارع أمامك! ماذا سيفعل لك الشارع؟ انتهي! ستُطبَّق عليك سُنن الله الكونية والاجتماعية، ستخيب وتخسر في النهاية!

من الأفضل لك أن تُتابع المشهد، بعيدا عن الأماني والأحلام والأدلجة والتسييس، يا أخي! خُذ الوقائع، استفد منها، تحرك مُستجيبا لها؛ لكي تكسب! أما أن تقول لي الذين خرجوا، وكأنهم بضعة آلاف، لا يُمثلون الشعب، فلا! كيف لا يُمثلون الشعب؟ عشرات الملايين! الآن تُخطئهم، تُزندقهم، تلعنهم: مسألة أُخرى! لكن خرجوا، وانتهى كل شيء! ماذا تفعل؟ هذه الحقيقة! عليك أن تدرس بحذق وأمانة؛ لماذا خرجوا؟ ما الذي أغضبهم؟

لعلكم تذكرون أن العبد الفقير، والله يغفر لي ويُسامحني، إن كنت أخطأت، كنت في مصر آنذاك، وأتيت هنا، ولا زالوا في الحُكم، وقلت هم خارجون، خارجون! وأقسمت على المنبر، أنهم خارجون، ولن يعودوا، على الأقل في المدى المنظور. إذن لماذا؟ كيف أنا أضع سُمعتي حتى على المحك إذن؟ وهل أنا أحمل غائلة عليهم؟ حاشا لله، أبدا! أبدا! أنا رجل، إذا تكلمت، أرجو أنني لا أتكلم إلا من مصلحة أمتي وديني، والله العظيم!

في نهاية المطاف، لست مُتحزبا – بفضل الله -، ولست محسوبا على أي جهة! بل الجهات (التي عاملتني مُعاملة لا تليق) أثنيت عليها. أنا طُردت من بلاد مُعينة، ورُفض أن أدخلها، ومع ذلك أثنيت عليها! لا أتدخل في السياسات، في الدول، لا أُحرض على أحد.

أنا مُنعت أيضا، مُنعت من كل شيء! ومع ذلك هذه الدول لا أُحرض ولا أقبل، مع أنه لو قبلت، فهناك مُقابل أكثر مما تتخيلون! والشهود أحياء – بفضل الله -! حاشا لله! أسأل الله – وقلتها مئة مرة – أن يقبض روحي، قبل أن أفعل؛ لأنه لو قبض روحي، سيقبضها نظيفة طاهرة، لم تتورط في التآمر على المُسلمين، وعلى العرب، وعلى استقرار دولهم وشعوبهم، حاشا لله!

والله العظيم، الموت أشرف مليار مرة، أُقسم بالله! على أن الإغراءات فوق ما يُمكن أن يخطر بخيالكم، ولن أتكلم أكثر من هذا! لا تقل لي ملايين، ولا عشرات ملايين! فوق ما يُمكن أن يخطر بخيالكم! والشهود أحياء! أنا لا أحكي من خيالي، الشهود على العروض هذه أحياء، وبعضهم الآن في المسجد. ينبغي أن نكون واضحين، انتبهوا! الأمة، استقرار الأمة، أمن الأمة، ووضع الأمة، هو المُهم.

في نهاية المطاف – نعود إلى قضيتنا يا إخواني، نعود إلى قضيتنا – الناس لا تقبل من عالم الدين، ومعها الحق، كل الحق، أن يتلون كما يتلون الساسة! الحد المقبول من عالم الدين، هو ما ذكرته لكم: أن يُدافع، وأن يُحامي، عن بلده، وعن سياسات بلده! حكومة بلده! معقول، هو ابن هذه البلد، ابن هذه الأمة، فليُحام. مطلوب! وإلا كان شيئا آخر.

القرضاوي – رحمة الله عليه – ذم بعض الدول العربية بالاسم، مع أنها لها تاريخ في دعم جماعة الإخوان المُسلمين، واحتضانهم! طبعا رقم واحد، الدولة رقم واحد في العالم، أكثر دولة، احتضنت هذه الجماعة ورموزها، وأغدقت عليهم المليارات، وفتحت لهم المراكز الإسلامية في العالم، وأمدتها وأنفقت عليها، ما هي؟ السعودية!

أيضا حرضوا عليها! لماذا؟ الإمارات أيضا، كانت تحتضنهم، معروف! لن أذكر التفاصيل. الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، وغفر الله له – قال لك الإمارات تقف موقفا من كل حُكم إسلامي! تُعادي كل حُكم إسلامي! كأنها تحكم بماذا؟ لا أدري بماذا؟ بالتوراة وبالإنجيل، ولا بماو تسي تونغ Mao Zedong، ولا بكتاب رأس المال؟ الإماراتيون لهم دولة مُسلمة، وحكومة مُسلمة! أُناس مُسلمون، يا حبيبي! والصلاة والصوم والإفطارات الجماعية بالملايين، والحج والعُمرة والقرآن! ماذا تُريد إذن؟

الآن سأحكي لكم شيئا، حاولوا أن تُركزوا، تُركزوا تماما! وقبل أن أمضي، سأذكر شيئا مُهما:

الإمارات، التي تُسب على أنها دولة ضد الإسلام، وضد الحُكم الإسلامي! الإمارات عرضت على قيادات الإخوان المُسلمين، في الإمارات – وأنا أعرف ماذا أقول، ويُمكن أن تقع المُحاققة -، قالت لهم أنتم أبناء هذه الأمة، أنتم أبناء هذا البلد، حياكم الله، هيا تفضلوا وانظروا ما هي المثابات، ما هي الوزارات، ما هي الوظائف العُليا في الدولة، التي يُمكن أن تُقدموا فيها، وأن تخدموا بلدكم، ويا حياهلا! تفضلوا، أنتم أولى ببلدكم. والله العظيم! أنا أحكي لكم، ووالله الآن اقشعر بدني.

تعرف ماذا كان الجواب؟ وليس واحدا هذا، فئة كبيرة منهم! بعد ذلك، أُدخلوا السجن! لا تقل لي أُدخلوا ظلما وكذا. ستعرف لماذا! لا بُد من الحقيقة الكاملة! قالوا أعطونا فُرصة؛ لنُفكر. تُفكر؟ أنت تقول حُكم إسلامي، خدمة الأمة وخدمة الدين! الحاكم يقول لك تفضل، تعال، اشغل الوزارات التي تُناسبك! بشرط أن تكون ماذا؟ كُفئا فيها! تستطيع أن تُقدم، أهلا وسهلا، أنت أولى من غيرك.

قالوا نُريد فُرصة؛ نُفكر! أُعطوا فُرصة! وعادوا بعد أيام، وبإجماعهم قالوا لا، العرض لم يُناسبنا! العرض لم يُناسبنا! تعلمون لماذا؟ لأن المُرشد العام في القاهرة، لم يوافق على العرض!

بالله عليكم يا إخواني وأخواتي، أي دولة في العالم، ولو دولة إخوان مُسلمين، لو حُكم حماس الآن في غزة، أي دولة في العالم، تقبل أن يرتهن أبناؤها، وخيرتها – على هذا الأساس -، والذين عُرض عليهم وزارات ومثابات عالية، أن يرهنوا قرارهم لسُلطة خارج البلد؟

وقال مُرشد عام! مُرشد ماذا؟ مَن المُرشد هذا؟ أنا ما أدراني! ولماذا؟ حتى لو كان نبيا من الأنبياء! مَن المُرشد هذا، خارج البلد، يُريد أن يُوجه أبناء البلد، وهم في وزاراتهم؛ افعلوا ولا تفعلوا؟ ما هذا؟ لا توجد دولة في العالم، تقبل بهذا المنطق! فهمتم؟

وبعد ذلك، خلونا نكون واضحين جدا جدا، وهنا أُريد أن أُلقي بالقنبلة، التي ألقيتها قبل ذلك! وأحسن الفريق الآخر، أحسنوا حين صمتوا، ولم يستجيبوا لكلامي؛ لأن إثارته سوف تُحرجهم جدا! سأقولها بالفم الملآن، وهذا سيُغضبهم، والله هو الساتر، الله هو الستير – لا إله إلا هو -، نسأل الله الحفظ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *:

الأصولية الإسلامية بفرعيها؛ السُني والشيعي، صناعة استعمارية! الوثائق أصبحت مُتاحة! قبل ذلك، لو قلنا هذا، قبل عشر سنين، سيُقال كذاب أشر! الآن الوثائق أُفرج عنها! ولم يُفرج عن كل الوثائق! ما رأيكم؟ أُفرج عن أجزاء منها، وأجزاء إلى الآن – مع أنه بالقانون ينبغي أن يُفرج عنها – لا زالت تحت التسويد، بالقلم الأسود، ممنوع!

لكن أن هذه الأصوليات أُنشئت وأُمدت ماليا، من اللحظة الأولى، حين لم تكن شيئا! مُجرد بذرة، بذرة بسيطة جدا جدا، كان يُمكن لأي جهاز سُلطة بسيط أن يئدها في مهدها، أُمدت بالأموال الاستعمارية! لماذا؟ لماذا؟

لماذا يُمد شيخ، شاب بسيط، في بداية الثلاثين – أي العقد الثالث -؟ هو مواليد ألف وتسعمائة وستة، وهذا الكلام كان سنة ثمانية وعشرين! أي كم؟ تخيل! في مُنتصف العقد الثالث! ليس عالما كبيرا، ولا مشهورا، ولا أي شيء!

إنسان بسيط مُتواضع، لا شيء، لا شيء! ليس عنده حتى شهادة ماجستير في أي علم من العلوم! عنده دبلوم، دبلوم فقط! لماذا تمده الدولة الاستعمارية، التي تستعمر بلده؟

ستقول لي ماذا تقول؟ أنا لا أقول شيئا من عندي، أقول الوثائق يا حبيبي، الموجودة الآن! والتي أحرجت الجميع، وفقأت العينين!

في المُقابل، مؤسس الأصولية الكبيرة الآن الشيعية – طبعا هو ليس المؤسس وكذا، لكن هو الرمز الأكبر، الذي أقام لهم دولة! تعرفون مَن هو؟ – في فرنسا! وفرنسا ترعاه صباح مساء! صباح مساء! في كل يوم، ليس أقل من خمسة عشر إلى عشرين لقاء مُتلفزا وراديويا وصحفيا، مع الرجل هذا باستمرار! وأُعيد مُعززا مُكرما، على متن طائرة! تفضل! ما هذا؟

لماذا؟ لماذا هذه الرعاية؟ لماذا هذا الاهتمام؟ لماذا هذا التلميع؟ لماذا خلق الشخصية؟ الخُطة واضحة، ذكرتها في برنامج ليطمئن قلبي، في ألفين وستة عشر تقريبا: خلق أصولية سُنية، وتغويلها – تُصبح غولا كبيرا شرسا -، وخلق أُصولية شيعية أيضا، تُصبح غولا، ثم ضرب الاثنتين! هذه بهذه، وينتهي الإسلام، والعالمي الإسلامي!

نسأل الله أن يُبطل مكرهم، والله العظيم! نسأل الله! كأن الله تبارك وتعالى – إن شاء الله – أبطل مكرهم، وأيقظ الأمة. وكما قلت لكم وفاة العلّامة القرضاوي استفتاء! هذا المشروع فشل. الأمة لم تعد تعبأ به. لكن تعرفون ما الذي يحصل الآن؟ الأمة تنتظر البديل! لأن الإسلام تم اختطافه، وعبر تسعين سنة!

الآن الناس تفشل أن تُفكر خارج القوالب والنماذج التي أتاحها الإسلام السياسي، عبر تسعين سنة! يقول لك كيف؟ الإسلام هو هكذا! الإسلام منهج حياة، مُصحف وسيف، دولة ودين، دين ودولة، دنيا وأُخرى، و… و… و… الكلام! المانشيتات! لا، لا، لا، لا! الإسلام قبلهم يا حبيبي، هم متى؟ متى خُلقوا هؤلاء؟ الإسلام ألف وأربعمائة سنة! هؤلاء بعده. إياك، إياك أن تُغر عن عقلك! هؤلاء بالأمس قريب وُلدوا، أي مع ولادتنا! بالأمس! أبدا! الإسلام ألف وأربعمائة سنة! الله حافظ دينه، تراث الأمة!

بالله عليكم الآن، ها هو مؤسس الأصولية، مؤسس هذه الجماعة، كم يُقتبس؟ هل ترونه كل يوم على النت Net يُقتبس؟ لا يُقتبس! الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه -، وبالذات في آخر سنوات، كدنا لا نراه! لا يُرى، لا يُقتبس! لماذا؟

ماذا تقتبس؟ الناس ماذا تقتبس؟ تقتبس خُطبه في آخر خمس عشرة سنة؟ كلها سياسية! تحريض على هذا، وضرب في هذا، وسب في هذا! مدح في هذا، ثم سفك دم هذا! نفسه! اليوم يُمدح وكذا، وبكرة اقتلوه برصاصة، اطلبوا الأجر بقتله! ماذا تقتبس الناس؟

لكن هل يُقتبس الشيخ الشعراوي؟ أكثر مما كنا نرجو – بفضل الله تبارك وتعالى -! يوميا، مقاطع للشيخ العارف بالله، مُفسر كتاب الله! مُصطفى محمود، المُثقف المُسلم الصالح الواعي، الذي كان يفهم لُعبة الأصولية الإسلامية، وحذّر منها، وقال للأمريكان، قال لهم صناعة غربية! صناعتكم. قال لهم! نحن فاهمون كل شيء. قال لهم! الله يرحمه.

لكن طبعا عاش في آخر بضع عشرة سنة، تحت حراسة الشُرطة المصرية، طُلبت رأسه للجماعات الإرهابية! مُصطفى محمود؟ صاحب العلم والإيمان! لأنه فاهم اللعبة! فاهم مَن خلقكم، ومَن الذي يُمولكم، ولصالح مَن! رحمة الله عليه؛ مُصطفى محمود. يُقتبس كثيرا مُصطفى محمود، أكثر بكثير من القرضاوي، يوميا! بمئات الألوف!

الآن سأحكي قصة الشيخ الشعراوي إذن، ويا لها من قصة! وما أجملها من قصة! هذا الشيخ المُنوَّر، الرباني، آية من آيات الله! رضوان الله تعالى عليه. وعاش سعيدا، ومات حميدا. اللهم ألحقنا بالصالحين من أمثاله، يا رب العالمين.

الشيخ محمد متولي الشعراوي، ولم يكن مِمَن يحمل الضغائن، اختلف مع الإخوان على طول الخط بعد ذلك، لكن لم يُحرض عليهم مرة، ولم يسبهم مرة، أبدا، أبدا! رجل مُهذب جدا! رجل رباني، يُريد نفع الأمة، نُصح الأمة!

يا شيخ سمعنا أنك كنت في الإخوان. قال نعم! نعم، أنا الذي كتب بخط يده أول منشور لهم في القاهرة! أنت؟ قال أنا! طبعا لما – قال – الشيخ حسن البنا – رحمه الله – انتقل من الإسماعيلية – هو أسس الجماعة في الإسماعليلة، ثمان وعشرين، انتقل في اثنتين وثلاثين، بعد أربع سنوات تقريبا أو خمس سنوات -، إلى القاهرة!

كنت أنا مَن خط أول منشور للجماعة، بخط يده! وذكرت فيه كذا وكذا وكذا! جميل! أي كنت معهم؟ قال لك طبعا، كنت معهم! وأُعجبت بطريقة الشيخ البنا في الدعوة! لكن يا شيخ شعراوي، يُوجد شيء مثار تساؤل: أنت وفدي، أنت من جماعة سعد زغلول، ومن جماعة طبعا المُعاصر لك النحاس باشا – رحمة الله عليه -! كيف تكون وفديا، ومن الإخوان المُسلمين؟ عادي! أصلا الشيخ الشعراوي كانت عنده المسألة مُسلَّمة!

الإخوان المُسلمون ليسوا حزبا سياسيا، ليسوا أيديولوجيا صراعية على السُلطة! الإخوان المُسلمون جماعة دعوية، تُقرّب الناس إلى الدين، تُعرّف الناس بالدين! هكذا كان يظن! هكذا كان واهما! للأسف كان مُتوهما هو، صدّق أنها جماعة دعوية!

وإذا كانت جماعة دعوية، فستقف على مسافة واحدة، من كل ماذا؟ من كل أطياف الشعب! من الأحرار الدستوريين، والوطني، والوفد! وعادي! لأنها جماعة إسلام، للمُسلمين جميعا! لكل أطياف الأمة الإسلامية، أليس كذلك؟ هو هذا! كما قال السيد المسيح – صلوات ربي وتسليماته عليه -، قال الله تبارك وتعالى يُرسل أشعة الشمس على البر والفاجر.

والله أنزل هذا الدين، وجعله ماذا؟ نُورًا مُّبِينًا *. مثل الشمس! شمس الإسلام تُغطي الوفديين، والأحرار الدستوريين – جماعة هيكل -، والحزب الوطني، الكل! حتى المسيحي، إن أراد أن يستدفئ بنورها، تسعه! شمس الإسلام! أليس كذلك؟

الإسلام واسع، وينبغي أن يبقى دائما واسعا! الإسلام ليس مصباح جيب، يُضيء في يد هذا، ولهذا! ويُعتِّم ويُظلِم على الآخرين! لا، لا، لا، لا. الإسلام لا يُمكن أن يُختطف، ولا أن يُوظف! انتبهوا! ولا أن نتكلم نحن فقط باسمه، الوكالة الحصرية! هذا ضلال مُبين.

الشيخ الشعراوي هو كان فاهما أن هذه جماعة دعوية! فأنا وفدي من جهة، وإخواني من جهة! ما المُشكلة؟ هذه سياسة، وهذا الدين والعلم! وهو أزهري، وعلّامة، وشاعر كبير، نابغة – رحمة الله تعالى عليه -.

حسنا! المُهم، قال في السابع والثلاثين خرج حزب الوفد من السُلطة، معروفة القضية هذه! في الثامن والثلاثين – قال – أحببنا أن نحتفل بذكرى الزعيم سعد باشا! سعد زغلول – رحمة الله عليه – باشا، المؤسس الكبير للوفد طبعا!

قال فأتينا إلى الدار السعدية، وفعلنا ذلك! وكان موجودا مَن؟ النحاس باشا! زعيم الوفد الكبير الآن؛ النحاس باشا. وقام الشيخ محمد متولي الشعراوي، وألقى قصيدة عصماء، مدح فيها الزعيمين الكبيرين: زغلول باشا، والنحاس باشا.

فعلم – يقول الشيخ الشعراوي – بذلك الشيخ حسن البنا، وغضب من ذلك! لماذا هكذا؟ الشيخ الشعراوي لا يفهم حتى مُبرر هذا الغضب! لماذا؟ لماذا تغضب؟ النحاس زعيمنا، زعيم الأمة، زعيم الوفد! رجل مُمتاز! خامة نادرة النحاس باشا!

قال ثم بعد ليال معدودة جمعنا مجلس ليلي! بالشيخ حسن البنا، وجماعة من أتباعه في الجماعة، وأنا معهم! الشيخ متولي الشعراوي بكل طيبة – رحمة الله على روحه -! فجرى حديث، فرأيت أن الحضور – الشيخ البنا ومَن معه – مُتحاملون جدا على النحاس باشا! تحامل شديد! النحاس… النحاس! لماذا؟

قال فقلت لهم يا إخواني لو كان للمُتدينيين – هو قال المُنتسبون إلى الدين. هكذا بالضبط؛ لكي أكون صادقا، أنا أُحب الدقة. لو كان للمُنتسبين إلى الدين – أن يؤيدوا زعيما سياسيا، فليس سوى النحاس باشا!

عليكم أن تؤيدوا النحاس، أنتم! كما فعلت أنا، ليس لأنني وفدي، ومن جماعته! لماذا؟ قال لأن النحاس باشا رجل طاهر، ونظيف، ومُخلص، وورع، و(بتاع ربنا). قال له في الآخير بالعامية (وبتاع ربنا). رجل عنده حس ديني عميق! النحاس باشا! وعلّامة في السياسة طبعا، السياسة شغلته طبعا، السياسة قصة هذه! غير قصة الدعوة! و(بتاع ربنا).

فقال فرأيت أنهم لم يقبلوا هذا المنطق، وكانوا مُنحازين إلى صدقي باشا. الذي هو إسماعيل صدقي باشا! وأيضا وفدي! لكن لم يكن عنده زعامة مَن؟ النحاس باشا. وعنده بعض الأخطاء! دستور ثلاثين وكذا! هو الذي وضعه! وبعد ذلك رجع دستور ثلاثة وعشرين، قصة ثانية هذه! المُهم، قال فرأيتهم مُنحازين إلى صدقي باشا.

وإذا بأحدهم، ولن أذكر اسمه – انظر، الشعراوي رجل عف اللسان، الله أعلم مَن هو طبعا؛ هل هو الشيخ حسن نفسه، البنا، ولا واحد ثان؟ لا ندري، الله أعلم، لا نقطع على غيب الله. قال وإذا بأحدهم، ولن أذكر اسمه -، يقول نحن عدونا الأكبر، أعدى أعدائنا، هو النحاس باشا!

لماذا؟ عنده موقف من الإسلام؟ لا، طبعا! يكره الإسلام؟ لا. يكره الدعوة؟ لا. يكرهكم لأنكم (بتوع دين)؟ لا. ولماذا صار أعدى أعدائكم؟ لماذا؟ الشيخ الشعراوي صُدم الآن! قال عدونا الأكبر، بل أعدى أعدائنا، النحاس باشا!

انظر المُبرر؛ وذلك لأن له أغلبية! الشعب يُحبه، مُعظم الناس معه، مُعظم الوفديين على الإطلاق يُحبون الناس باشا، ليس صدقي – إسماعيل صدقي – باشا! أما الآخرون، سواء في الوفد وغير الوفد، أما الآخرون، فكلهم لو بصقنا عليهم، لذهبوا وانتهوا!

قال وصُدمت! الشيخ الشعراوي استيقظ من غفلته! الذي يظن أن الجماعة جماعة دعوية و(بتاعة الله والدين)، وتحبيب الناس في الدين! أبدا، أبدا! اتضح أنها جماعة دعوية، بأجندة وأهداف ومطامح ومطامع ماذا؟ سياسية، سُلطوية!

تُريد السُلطة، تُريد الحُكم! وتتوسل ماذا؟ وسائل السياسة الخسيسة القذرة! وتُحارب الأطهار! من أجل أن تصل هي! مَن النحاس هذا؟ ليس (إخوانجيا)، نحن الذين نُريد أن نصل.

لا! قال فمن تلك الليلة، حزمت أمري، واتخذت قراري، وقلت لهم (أنا ماشي، وماليش دعوة في الكلام دا). قال تركتهم بكل أدب، وبكل عفة! السلام عليكم. أنتم لكم طريقكم. كما قال المعري فأموا سمتهم، وأممت سمتي.

لكم طريقكم ولي طريقي. ولي طريقي! وتركتهم في حالهم. ماذا استفدت يا شيخ متولي – رحمة الله على روحه الطاهرة -؟ قال استفدت أشياء كثيرة، تخص الدعوة! أما أولا، تعلمت أن أُخلص دعوتي لله.

نعم! فهم الآن، أنني لو بقيت مع الإخوان المُسلمين والشيخ البنا، ستكون دعوتي مُخلصة لماذا؟ للجماعة! لا لله. الجماعة! ماذا تُريد الجماعة؟ تقف معها. ماذا يؤيدها؟ الجماعة، ليس الدين، الجماعة! لذلك تتخذ أشياء غالطة، بغض النظر! حتى لو قتل أحمد ماهر باشا! النقراشي باشا بعد وقت يسير، قُتل أيضا – رحمة الله عليه -، ومطلوب للإنجليز أيضا! وبرصاص الإخوان! شيء لا يكاد يُفهم!

قال تعلمت أن أُخلص ديني لله تبارك وتعالى! أن أجعله خالصا. وتعلمت أن مَن أخلص نيته في العمل لله، جوزي على عمله قبل أن يعمله! لقوله – صلى الله عليه وآله وسلم – إنما الأعمال بالنيات. جميل! واحد!

اثنان؛ قال وتعلمت – من ذلك، بعد ذلك – أنه لا يُمكن أن يتأتى لأحد أن يتهمني أنني أعمل لمصلحة أو لمنفعة أو لغرض شخصي. أنا حتى غير مُنتسب إلى أي حزب سياسي!

طبعا الدرس الأكبر، في تجربة الشيخ متولي الشعراوي – رحمة الله تعالى عليه – ما هو؟ أنه ينبغي للعمل الديني، والعمل الدعوي، كما قلت لكم، أن يكون على مسافة واحدة من كل الناس، وألا يُساهم في شق المُجتمع، لا رأسيا، ولا ماذا؟ ولا أُفقيا.

لن أشرح هذه المُصطلحات الاجتماعية، التي تحتاج إلى وقت طويل! لكن للأسف الشديد، أقول لكم العمل الإسلامي السياسي يشق المُجتمعات رأسيا، وأُفقيا أيضا. وهذه مُصيبة! ويلعب بكلا نوعي الانقسام الاجتماعي! فقط من أجل أن يُحقق أغراضه! ماذا يحصل؟ يحصل ما يحصل! لا يهمنا! المُهم أن نكون نحن في المُقدمة، أن نستفيد نحن!

ولذلك ماذا قال الشيخ الشعراوي؟ لخص الأمر بطريقة عبقرية! ساحرة! قال تعلمت أنني كمُسلم يعنيني أن أُحكم بالإسلام، ثم لا يعنيني مَن الذي يحكمني. ليحكمني مَن شاء! المُهم أن الإسلام يحكم. الأخلاق الإسلامية، العقيدة الإسلامية، الشريعة الإسلامية! لكن مَن يحكم؟ لا يهمني! لا يهمني!

لا! قال الجماعة إياهم، للأسف الشديد، قضيتهم أن يحكموا هم بالإسلام! ولذلك كل مَن وقف لهم، أو تصدى لهم، أو اعترض … ماذا أقول لكم؟ نحن نعيش في أوروبا، وعانينا، ولا زلنا! إذا لم تكن معهم، إذا لم تكن تنظيميا، على الأقل تكون مُتعاطفا بالكُلية، كأنك منهم! سيعملون في عكس اتجاهك تماما! وسيعوقون حركتك، وسيضعون العصي في دواليب دعوتك! ولا يتأثمون! أن هذا حرام، الله سيسألنا! لا يهمهم! نحن وفقط!

الشعراوي قال لك لا، المُخلص للإسلام يهمه أن ينتصر الإسلام. على يد مَن؟ لا يهمني. أنا يهمني أن كل الناس تنصر الإسلام! يهمني أن يحكمني الإسلام. مَن الذي يحكم؟ لا يهمني. يحكمني فلان، علان، لا يهمني!

فهذه هي تجربة الشيخ العارف بالله المُفسر والفقيه وإمام الدعاة – رحمة الله عليه -، حاز هذا اللقب باقتدار وشرف! إمام الدعاة في القرن العشرين: محمد متولي الشعراوي! رضيَ الله عنه وأرضاه، وألحقنا جميعا بالصحالين من أمثاله، وفتح أعيننا على مُشاهدة ومُطالعة الحقائق التي، والله يا إخواني، يوم نبدأ نُطالعها، أُقسم بالله، ستُصبح أوضاعنا بخير.

نحن من تسعين سنة، وهي والله ليست بخير، الأوضاع والله ليست بخير! والله تشريد، وسجون، ومنافي، وظلم! ولماذا؟ لماذا دمرنا حتى حيوات ومُستقبل عشرات الأجيال؟ من أجل ماذا؟ من أجل أن حكامنا كفار؟ ليسوا كفارا! لا نكذب على الواقع، ليسوا كفارا! لكنهم حكام وساسة! محكومون بماذا؟ بإكراهات وضرورات السياسة.

وعلى فكرة، انظر أنت إلى الكلام – أختم بهذه الخُطبة -، الكلام سهل جدا، الكلام ليس عليه ضريبة يا إخواني! والكلام مجاني. بالكلام واحد مثلي، لا ذهب ولا جاء، يطلع على منبر! أستطيع أن أُخطئ سبعين دولة إسلامية، وأن أنسبهم إلى الخيانة، والعمالة للغرب، والعمالة لأمريكا، والعمالة لعدو الأمة، وكذا! عادي، بسهولة! سهل جدا جدا! وأن أُطالبهم بأن يُغيروا الكون! المجموعة الشمسية! على الأقل، الأرض بما فيها، لصالح الإسلام والقيم. كلام!

أعطني سُلطة، أعطني سُلطة كما أعطاهم الله؛ أعطاهم في غزة، أعطاهم أيام البشير، أعطاهم في أفغانستان، أعطاهم… أعطاهم… أعطني سُلطة، ثم سترى كل الميكافيلية والبراجماتية والتنازلات، في أبشع مظاهرها! وإذا كلمتهم، قال لك يا أخي، هذه هي! إكراهات السياسة! هذه حُكم الاضطرار؛ فَمَنِ اضْطُرَّ *.

أي أنت عندك العُذر، لكن الساسة الآخرون ليس عندهم عُذر! الحكومات الأخرى الأُخرى ليس عندها عُذر، فقط أنت الوحيد الذي عندك عُذر! هذا تلاعب بالدين. في نهاية المطاف، واضح أنه تلاعب لمصلحة أن نكون نحن مَن يحكم، ومَن يكون له الهيل والهيلمان والغلبة والظهور!

نسأل الله أن يُخلص نوايانا وألسنتنا وقلوبنا وأعمالنا، لله ولدينه. هذا يا إخواني هو الذي يبقى، والله العظيم! هذا هو الذي يبقى. هل أنا الآن أضمن أن أُصلي بكم الجُمعة؟ والله العظيم لا أضمن، أُقسم بالله يُمكن أن تُفتلت نفسي، قبل أن أقوم إلى الخُطبة الثانية، وأعلم هذا، وأنا دائما أستحضر هذا.

لذلك مَن تكلم، مَن كذا، دائما ليتكلم وليقل ووجهه إلى الله تبارك وتعالى. حتى إذا لقيت الله، تقول له يا ربي أنت تعلم، غيرك لا يعلم، أنت تعلم ما الذي حداني على أن أقول هذا.

طبعا هل أنا مُصيب دائما؟ لا، لا، لا! أبدا، أبدا! يُمكن أن أكون مُخطئا كثيرا! يُمكن أن يكون خطأي أكثر من صوابي! لكن هذا كله في غيب الله، أنا مُكلف أن أتكلم بما أفهمه الآن، بما أنا مُقتنع به. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يُصفينا، وأن يُزيل عنا عَمَاية أو عُمَاية الجهل وغبش حظوظ النفس، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

(الخطبة الثانية) 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

إخوتي وأخواتي/

اسمحوا لي، في الخُطبة الثانية، أن أُشير إلى نُقطتين مُترابطتين:

النُقطة الأولى؛ الإسلام السياسي طالما، ولا يزال، تورط في الدماء! لا يتورع في ملف الدماء، وهذا شيء مُخيف! ورأينا ما حدث في سوريا، هذا إسلام سياسي طبعا! ورأينا نشاطات الإخوة الشيعة – ما شاء الله -، إسلام سياسي أيضا! وقتل الناس! داعش والشيعة والسُنة والنُصرة! قتل الناس بالألوف!

الإسلام السياسي خطير جدا في ملف الدماء! انظر الآن طبعا، انظر الإسلام السياسي في القرن الحادي والعشرين، والخليفة الرابع الراشد عثمان بن عفان – رضوان الله عليه -، الذي قال لك أنا لن أترك الخلافة.

حسنا! لكن لن أتسبب في سفك محجنة دم من مُسلم. أنا سأكون الضحية، سأكون القتيل، لن أُساهم في قتل المُسلمين. تورع عجيب! تورع عجيب! انظر موقف الإمام علي، من الخوارج وكذا وكذا! شيء غريب! عندهم تورع شديد جدا، في باب الدماء!

سأحكي لكم قصة، شهودها أحياء، كثيرون شهودها، على فكرة! بفضل الله. هذه القصة قبل زُهاء رُبع قرن، ربما في خمسة وتسعين، ستة وتسعين! شيء مثل هذا! رُبع قرن!

أتى إلى النمسا هنا، إلى فيينا، الرجل الثاني في جماعة الجهاد. الرجل الأول عمر عبد الرحمن، في أمريكا مسجون – رحمه الله، وغفر الله له -. وهذا الرجل الثاني! ليس مُبالغة، هو هذا! هو الرجل الثاني! لن أذكر اسمه؛ لأنه أيضا مات – الله يرحمه، ويغفر له -.

فذهبت أنا ومجموعة من إخواني، وكنا في مسجد الهداية، ذهبنا إلى مسجد الصحابة، في الـ Lindengasse؛ لكي أُناظر هذا الرجل! لأنهم كانوا يُحجمون عن مُناظرتي. جميل! يقولون مَن يُناظره؟ هذا الآن عالم، ومرجعية كبيرة، وعنده مؤلفات، ومُنظِّر! أنا أتيتكم، أنا المُتعالم الجاهل الكذا، أتيت؛ لكي أُناظر شيخكم، في مسجدكم.

فأبوا علينا هذا، وأخذوا الشيخ أمامنا، أمامنا! قالوا لا، لا مُناظرة. وذهبوا به! الله يسهل عليكم، لا بأس! في اليوم التالي، اتُصل بي، وقيل يا فلان تعال، الشيخ أبو فلان الفلاني موجود عند الشيخ أبي بكر في Horn – حوالي تسعين كيلو مترا -. قلنا على بركة الله، نذهب نُناظره هناك! فذهبنا.

فأتيت إليه. الشيخ أبو بكر لا يزال حيا! في بيته، في Horn! وذهب معي مجموعة من إخواني، أكيد! خمسة، ستة، سبعة، أو كذا! المُهم، ذهبنا هناك. وجدت المجلس غاصا. ستسمعون تجربة تقشعر لها الأبدان، أُقسم بالله العظيم! المجلس غاص بالكامل، المجلس!

فجلست مُباشرة لقاء أو تلقاء وجه الشيخ – الله يرحمه، ويغفره له -، لكن بيني وبينه ليس أقل من بضع عشرة مترا! كانت ساحة كبيرة، صالونا كبيرا كان! وعن يمينه، وعن يساره، الإخوة جلوس! فأنا سكت، أستمع، يتكلم! مال إلى رجل – هو أيضا انتقل إلى رحمة الله قبل سنة، كان إماما في مسجد الصحابة -، وقال له يا شيخ فلان، أو يا فلان، ما أحوال الجالية الإسلامية في النمسا؟

قال له والله يا شيخنا ليست على ما يُرام! الأحوال ليست جيدة – بمعنى الكلام -، لا تُبشر! فقال الشيخ المُنظِّر – رقم اثنان في جماعة الجهاد، بعد عمر عبد الرحمن – ولماذا؟ قال هناك رئيس الجالية، واسمه الدكتور عبد الرحيم الزاي – الأفغاني، رحمة الله عليه -. قال له نعم. قال له هذا الرجل يعوق حركتنا، ويعوق نشاطنا! أي لا يُيسر أمورنا.

الشيخ المُنظِّر – جماعة الجهاد – لا يعرف عبد الرحيم الزاي، ولعل هذه أول زيارة له للنمسا، وأول مرة يسمع بعبد الرحيم الزاي، وأول سؤال يسأل عن الجالية الإسلامية في النمسا! مُهتمون بأمر المُسلمين طبعا! أمر المُسلمين يهمهم!

تخيل ما الذي حصل؟ تخيل! قال ألا يُوجد من بينكم مَن يُخلصكم منه، كما خلصنا مصر من طاغيتها؟ انظر العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية (التعبانة)! ولا واحد اعترض، من كل إخواني حتى! ومن جماعته طبعا لا يعترضون، ويُحبون هذه الفتاوى! فتوى سريعة، في لمح البصر، بسفك دم الرجل؛ الدكتور عبد الرحيم الزاي!

أنا سمعت هكذا، نظرت هكذا، لم يتكلم أحد! قمت، قلت له يا شيخ، أحقٌ ما سمعته أذناي؟ أصرخ بأعلى صوتي! جُننت! هل أعطيته فتوى بسفك دم الرجل؟ طبعا، أُسقط في يده، ارتبك! ونظر إلى مَن سأله، همس له بكلمات، أكيد يقول له مَن هذا؟ مَن هذه اللعنة؟ مَن هذا؟

أكيد أجابه؛ هذا الذي جاء بالأمس! ربما! الله أعلم طبعا، أكيد! أكيد تحدثوا عني؛ لأنهم أصدروا فيّ عشرات المناشير! أنني … وأنني … وأنني … لم أرد على منشور واحد، وأنشروا كتابا! لأن كله جهل، جهل! من بدايته! نحو لا يوجد، صرف لا يوجد! أرد على مَن؟ لم أرد.

هذا الذي حدثناك عنه، كذا، كذا، كذا! وإذا بالشيخ المُنظِّر يقوم، ويأخذ كذا، ويخرجون إلى الغابة، يتمشون طبعا! جيد أنهم لم يأتمروا علي، والله أعلم! ربك الذي يستر. فأنا لم أكد أُصدق ما اتفق لي ولإخواني، عشرات! الله أكبر! أهكذا تُستباح الدماء، في طرفة عين؟ الله أكبر يا جماعة الخير!

حدثتكم أنا عن شيخ الإسلام العراقي – رحمة الله عليه -، ليس الحافظ طبعا المُجدد، ابنه، ولي الدين! في عهده، أحدهم قال كلمة، سب سيدا شريفا، من نسل الرسول! قال له يا ابن ستين كذا. أنتم تعرفون طبعا الكلمة! فالعلماء قالوا لك – والعياذ بالله – وصلت المسبة إلى سيد الكل، كافر، اقتلوه.

فأوتيَ به! تخيل أنت سُلطانا مملوكيا، سُلطانا! على فكرة، انظر، حُكام المُسلمين، سلاطين المُسلمين، خُلفاء المُسلمين، عبر التاريخ، مُعظمهم، إلا ما استُثني، أظلم من أكبر ظالم عربي مُعاصر! والله لا أقول هذا تهويلا. والله لو تقرأون كيف كانوا يُعاملون الناس؟ كيف قتل البشر؟ كيف قتل العلماء؟ شيء مُرعب يا إخواني!

اسكت يا رجل! وقال لك هذا! المُهم، لكن مع ذلك هذا السُلطان المملوكي الظالم، قال لهم أي تُريدون قتله؟ وهذا مُرتد؟ حسنا، هل اتفق العلماء كلهم على هذا؟ قالوا كل العلماء تقريبا، هذا كذا! واضح! كفر وكذا!

هل بقيَ أحد؟ فجاء الولي العراقي – رحمة الله عليه، ابن الشيخ أبي الفضل، ابن الحُسين العراقي، شيخ الإسلام -. قال مَن الذي كفّره؟ فقام له واحد؛ البُلقيني! قال له أنا. كفرته. قال! قال لا، هذا غير صحيح، غير صحيح! والجواب عنه كذا، كذا! يعني هو الرجل لما قال له يا ابن ستين كذا، هو قاصد وعامد ومُستحضر أن السبة ستبلغ سيد الخلق – عليه السلام -؟ وفعلها؟ لو فعلها، لكفر! أليس كذلك؟ أبدا! لم يخطر ذلك بباله! كلمة تُقال هكذا!

فتخيل أنت هذا السُلطان! سُلطان، مع ذلك، كان أكثر تحرزا في الدماء، وأكثر ورعا، من أن يسفك دم امرئ مُسلم بأهون الأسباب! قال لك لا، لا، لا، لا! لا نقتل هكذا! ما القضية؟ وهناك قصص كثيرة، مثل هذه، على فكرة! أيام الجلال المحلي، وحدثتكم بها. أنا رأيت بعيوني – ما شاء الله – هذا!

ولذلك لماذا أقول هذا؟ بين يدي فتوى الشيخ القرضاوي – غفر الله له، ثم رحمه الله -، حين سُئل في الشريعة والحياة، ويا ليته ما سُئل! وتبا للسائل الذي سأل، ويا ليته ما سأل! البرنامج انتهى، انتهى وقته. فهذا الدكتور عثمان، قال يا شيخنا، هناك سؤال كذا، كذا. في آخر شيء! ما حُكم مَن يقف مع النظام السوري وكذا وكذا، ولكن ليسوا – أي بمعنى الكلام – من العسكر، أو كذا، من العلماء والصحفيين؟

وإذا بالجواب يأتي على غير فقه الشيخ، وعلى غير ما علّمه للأمة، وعلى غير ما كتبه في كتابه الجيد فقه الجهاد! وفي موضعين على الأقل! ذكر ما عليه جماهير علماء أهل السُنة والجماعة. حتى في ساحة المعركة – تخيل! أنت في ساحة المعركة -، لا تقتل إلا مَن يُقاتل بالفعل!

بمعنى؛ أحدهم يعمل مهام لوجيستية، يأتي بالماء، يأتي بالكذا وكذا، يُضمد الجرحى، ممنوع أن تقتله! تخيل! حسنا، هناك نساء، هناك أطفال، هناك كذا؟ ممنوع! كذا؟ ممنوع! أي تُقاتل مَن يُقاتل حقا.

حسنا، الشيخ البوطي كان يُقاتل مع النظام؟ حامل رشاش – الله يرحمه، ويغفره له -؟ يا جماعة الخير، نيلسون مانديلا Nelson Mandela كان في قبضة البيض العُنصريين رُبع قرن، لم يقتلوه! أليس كذلك؟ لم يقتلوه! لا يُقتل الساسة.

أنتم تعرفون مَن الذين شرّعوا في القرن الحادي والعشرين، بوحشية، قتل الساسة، وقتل الناطق السياسي؟ تعرفون! عدو الأمة! تعرفونهم مَن هم، القوم إياهم! في الدولة إياها! صاروا يقتلون الساسة والمُتحدثين والناطقين، وهذا إجرام عجيب! ووحشية! ما كان يحدث هذا!

فالآن الشيخ القرضاوي قال لك ما أدراني؟ نحن لا نُميز! كل مَن ساند هذا النظام، كل مَن أيد هذا النظام؛ علماء، جاهلون، أُميون، عسكريون، مدنيون! نحن نُقاتلهم! اقشعر بدني، وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله يا شيخنا!

وطبعا السؤال كان واضحا، وذُكر اسم البوطي! ذُكر اسمه في السؤال! بعد أربعة أيام، لقيَ الشهادة – إن شاء الله تعالى، رحمة الله تعالى عليه – الشيخ البوطي. أحس الشيخ القرضاوي – غفر الله له – بالورطة، التي ورط نفسه فيها، مع الله، ليس معنا! مع الله! هو الآن بين يدي الله.

أحس، فجعل مُعظم حديثه على النحو الآتي! مع أنه طبعا لم يجد على الشيخ البوطي بكلمة قُتل مظلوما، أو قُتل شهيدا، قال القتلى! حادثة المسجد، الذي فيه كذا، كذا! والقتلى الذين وقعوا! وقُتل فيها اثنان وأربعون. قتلى، قتلى، قتلى! مركز على قتلى!

وقال لك الشيخ البوطي كان صديقي للأسف! للأسف؟ للأسف! في الفتوى قال لك كنا نحسبه من العلماء! تحسبه، لا تحسبه، هو من العلماء! لست أنت الذي يُعطيه هذا. نحسبه! لا، هو عالم! حتى القرضاوي عالم، شئنا أم أبينا، الله يُحب الإنصاف، الله يُحب العدل. ينبغي أن لا يحتملنا أي شيء على أن نظلم أنفسنا، قبل أن نظلم غيرنا، وسنُسأل! وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ *.

المُهم، أحس بالورطة – رحمة الله عليه، وغفر الله لهم جميعا، المُفتي ومَن أُفتيَ في حقه -! أحس بالورطة، فجعل مُعظم الكلام: مَن قتل البوطي؟ طبعا يُريد أن يُشير إلى الدولة السورية. وهناك شُبهة قائمة، كما قلت! شُبهة كبيرة وقائمة ومُخيفة! كيف قُتل الرجل؟ مَن الذي قتله حقا – رحمة الله عليه -؟

لكن أيضا هذا يا شيخنا لا يُنجيك، أنت أعطيت فتوى بقتله! وعندنا أحاديث، لا نُريد أن نقولها؛ لأن الشيخ ذهب إلى لقاء الله، لا نُريد أن نقولها، لا نُريد أن نُشدد! الأحاديث موجودة! موجودة في الترغيب والترهيب، في حق مَن أعان على قتل مُسلم، ولو بشطر كلمة! فكيف في حق كذا؟

نسأل الله تبارك وتعالى أن نلقاه وليس لأحد – لا أقول لمُسلم، ليس لأحد – من عباد الله، في أعناقنا مظلمة، لا من دم، ولا من عرض، ولا من مال، وأن يسلك بنا خُطة الإنصاف، وأن يُجافي بنا عن خُطة الاعتساف، اللهم آمين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا. اللهم اجعلنا من أهلك، ومن خاصتك، ومن أوليائك، ومن أحبابك. اللهم ارزقنا حُبك، وحُب مَن أحبك، وحُب العمل الذي يُقربنا إلى حُبك.

اللهم ما رزقتنا مما نُحب، فاجعله قوة لنا فيما تُحب، وما زويت عنا اللهم مما نُحب، فاجعله فراغا لنا فيما تُحب. اللهم رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *.

اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلمين والمُسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ، مُجيبُ الدعوات.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، وأقم الصلاة.

(30/9/2022)

 

القرضاوي وورطات السياسة

https://www.youtube.com/watch?v=bb2ee0sr1wY&t=1783s

هناك بعض النقاط كنت أثرتها في الخُطبة، وسُبحان الله لم أستكملها! لم أستكملها! منها النُقطة التي تطرقت فيها إلى تعزية شيخ الأزهر – بارك الله فيه -؛ الدكتور الشيخ أحمد الطيب، في الملكة إليزابيث Elizabeth! فمواقع كثيرة بدأت تلوم على شيخ الأزهر، أنه عزى في الملكة إليزابيث Elizabeth، ولم يُعز في الشيخ القرضاوي – رحمه الله تعالى -.

أنا قلت الرجل في نهاية المطاف على رأس مؤسسة تتبع دولة مُعينة، بلا شك هو لا يسعه ولا يُمكنه أن يخرج عن السياسة العامة لهذه الدولة، خاصة أن هذه الدولة لها موقف خاص من الدكتور القرضاوي – الله يرحمه -، الذي له موقف خاص منها، وهو ليس موقفا سهلا ولا عاديا، موقف تحريضي!

الشيخ القرضاوي كان يدعو ويُحرِّض على مصر! وسأعود إلى هذه النُقطة بعد قليل. حتى أنهم وضعوه في لائحة الإرهاب، وحكموا عليه أحكاما، أعتقد حتى من بينها كان حُكما بالإعدام، ربما في سنة ألفين وخمسة عشر! هذا موضوع لا أُريد أن أتطرق إليه، على كل حال.

لكن أُحب فقط أن ألفت الإخوة، إلى أنكم لُمتم على شيخ الأزهر، ولم تنظروا في تغريدته! هل ترحم على الملكة إليزابيث Elizabeth؟ هل ترضى عليها؟ هل استغفر لها؟ التغريدة موجودة على تويتر Twitter.

لكن الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، وغفر الله له – في ألفين وخمسة، لا أقول غرّد، لم يكن حتى التغريد مشهورا، وإنما له مقطع على اليوتيوب YouTube، وربما في برنامج الشريعة والحياة، ترحم على البابا، بابا الفاتيكان؛ البابا يوحنا بولس الثاني Pope John Paul II، ووصفه بأوصاف جميلة كثيرة، ورجا له الخير عند الله، كفاء ما قدّم لدينه، وبشّر بدينه في العالم، على كبر سنه وعلو سنه، وكلام كثير!

هذا لم تلتفتوا إليه، ولم تروا – من جهتكم أنتم، وبحسب حتى مُنطلقاتكم ومبانيكم الفقهية – أن فيه ما يُنكر، لكن كأنه معرة كبيرة على الأزهر وشيخ الأزهر أنه عزى في الملكة! في حين خلت التعزية من أي استغفار أو ترحم. الإنصاف! الإنصاف! فعلا مَن كان بيته من زجاج، لا يرمين بيوت الناس بالأحجار. بيتك من زجاج، الإنصاف!

ربما قبل ثلاثين، أربعين سنة، كان يُمكن استغفال الناس. وذاكرة الشعوب والجماهير، وخاصة العامة، جدا قصيرة، جدا! الآن لا، ذاكرة اليوتيوب YouTube، المواقع. كل شيء مُسجل، حتى لو رفعته، محوته، غيرك يُعيد تحميله، انتبه! كل شيء مُسجل عليك، كل شيء مُسجل ومُدون عليك! كما تُحب أن تُعامَل، عامِل الناس.

لذلك – كما أقول لكم – مثل هذه المسالك، كلها بشكل عام، هذه ليست دينا، ليست دينا! هذه سياسة، هكذا هي السياسة! هذه المُناكفات السياسية، وهذه هي ألاعيب واختداعات السياسة. المُتدين حقا، الذي دائما يرجو بما يقول وبما يفعل وجه الله – تبارك وتعالى -، لا يُمكن أن تكون مثل هذه مُنطلقات له، أبدا!

المُتدين حقا لا يُمكن أن يقبل بالافتراء على عدوه، وإن افترى عليه! على عدوه، وإن بغى عليه! ما رأيكم؟ لن أتكلم أكثر من هذا! فأعتقد انتهينا من نُقطة الشيخ الطيب والتعزية هذه.

نأتي إلى موضوع تحريض المرحوم الشيخ القرضاوي على الدولة في مصر. هل هذا حصل؟ مُسجل للأسف، يا ليته ما فعل أيضا! مُسجل. ستقول لي نعم؛ لأنه يا أخي تم الانقلاب على الرئيس المُنتخب. لا نُريد أن نفتح هذا الملف، ولا أن نتكلم فيه، وليس من قصدنا أن نتكلم فيه! لكن الذي نحن موقنون منه أن الرئيس المُنتخب، خرج في الثورة عليه؛ في الثلاثين من يونيو، ملايين الناس!

الآن تقول لي لا، ليس كما قال كذا، ليسوا هؤلاء، أبدا! هم ربما عشرة ملايين! نعم، حسنا، الرئيس المُنتخب – رحمة الله عليه، وغفر الله له -؛ الدكتور مرسي، أيضا قال أيام الانتخابات، قال إذا مليونان يخرجان، أنا أستقيل.

جميل! بالإجماع، الذين خرجوا كانوا فوق ذلك، بكثير! لماذا لم تلتزم كلمتك وتستقيل؟ المُسلم عند كلامه! المؤمن لا يكذب. انتهى! أنا قلتها كلمة، انتهى! المُسلم عند كلمته. لما تقول يا دكتور محمد مرسي – رحمة الله عليه – إذا مليونان خالفاني، أستقيل، التزم بكلمتك! التزم، أثبت للشعب وللناس أنك رجل كلمة.

أنا قلت مليونان! خرج عشرون مليونا، خمسة عشر مليونا، تسعة ملايين، أربعة ملايين، السلام عليكم. لو ماتوا، لا ترجع. لن أعود! أنا قلت كلمة – قل لهم -، أنا هكذا عندي، تقديري الفكري، كان مليونين! Bye bye.

لا! والشرعية والشرعية والدماء وسوف نحرقك يا مصر! ورأيتم أنتم في قناة الجزيرة! سوف نُحرقك يا مصر! تحرق مصر؟ معقول؟ أنا عندي – كما قلت لك – هدي رسول الله، حرب أهلية: لا، فتنة أهلية: لا. فتنة طائفية: لا. وفاهم إلى أين سوف تذهب بنا! طبعا رأيتم إلى أين ذهبت بنا! لما رأينا الشباب المُنفلت العقال، الشباب غير الواعي، المُلتهب حمية، وجهلا أيضا! وسوف نحرقك يا مصر!

تحرق مصر لماذا؟ ما الذي حصل إذن؟ هو مرسي – الله يرحمه، ويغفر له – كان نبيا من الأنبياء؟ يا سيدي انتخبه الشعب، وبطّل عنه الشعب! ما المُشكلة! والذين بطّلوا أكثر بكثير من الذين انتخبوه!

كم مليونا انتخبوا مرسي؟ كم؟ ستة؛ ستة ملايين! الذين انتخبوا! انتبه إذن! لأن ليس الشعب المصري كله الذي انتخب. من الذين انتخبوا، اثنان وخمسون في المئة إلا قليلا، يأتي ستة ملايين! يا سيدي عشرة ملايين! جيد، خرج عشرون أو ثلاثون مليونا، يقولون امش، لا نُريدك. إذن انتهينا، Bye bye. الشعب لا يُريدني، أنسحب.

لا، الشرعية! ودخل الشيخ القرضاوي – غفر الله له – على الخط، وبدأ يُحرِّض. وادخل على اليوتيوب YouTube، وشاهد تسجيلاته المُصورة من مكتبه؛ كيف يُحرِّض على استقرار الدولة في مصر؟ معقول هناك رجل يُحرض على أمته، على شعبه؟ معقول يا دكتور قرضاوي – الله يرحمك، ويغفر لك، يا رب -؟

والله العظيم… ماذا أُريد أن أحكي؟ لا أُريد أن أحكي أكثر من هذا! يعلم الله، مدى الشفقة التي كانت في قلبي، لما سمعت بوفاته، واستحضرت كل هذه الأشياء! يشهد الله أنني بكيت؛ إشفاقا عليه. ودعوت له من كل قلبي، بالمغفرة والرحمة.

لكن أُقسم بالله الشفقة حملتني على أن أبكي. أي قلت الله يرحمه، الله يغفر له. وضع مُخيف يا إخواني! أنا أعرف أنه مُخيف! والله العظيم أعرفه مُخيفا! والله أنا أعرف أنك لو مت، أنت ولا أنا، وواحد له في عُنقك يورو واحد، وضعك ليس حسنا عند الله! كيف لو قاتل له ابنا؟ كيف لو أفتيت بقتل ابنه؟ كيف لو أفتيت بقتل، وراح فيها ألوف من الناس، أو مئات ألوف؟

أعرف أن المسألة صعبة كثيرا، غير ما تتخيلون، غير ما تظنون! صعبة المسألة كثيرا كثيرا! فبكيت! بكيت، بكيت بحُرقة، وخفت على نفسي خوفا رهيبا. وأدعو، وها اليوم دعوتها، وما زلت أدعو، أقول له يا رب إن كنت تعلم أنني سأُفتن، وأدخل مثل هذه المداخل، اللهم اقبض روحي إليك غير مفتون. ولو الساعة، الآن! في عُمري هذا! أولادي الله سوف يتولاهم، لكن لا ألقى الله وأنا – والعياذ بالله – مُتورط في دماء الأمة أو كذا. أعوذ بالله، شيء مُرعب يا إخواني هذا! فللأسف دخل على الخط، وحرض!

ولذلك موضوع تحريض القرضاوي – رحمة الله عليه – على بلده، على مصر، غير مقبول بالمرة! جُملة وتفصيلا! الإمام علي، مَن يُنكر أن الإمام عليا كان عنده نوع من عدم الرضا، عن الوضع الذي آل إليه؟ في البُخاري! اقرأ! سورة الأحزاب، تفسيرها، في صحيح البُخاري! لكي تعرف مجاريات الأحداث، كما رواها البُخاري، إمام المُحدِّثين! الإمام علي!

الإمام علي مكث ستة أشهر لم يُبايع أبا بكر – رضيَ الله عنهما جميعا -، لم يُبايع! ولم يُبايع إلا بعد وفاة الزهراء فاطمة – عليها السلام -، حين تغيرت وجوه الناس عليه. أي الناس كانوا يُراعونه من أجل بنت رسول الله. ها هي ماتت، نحن لن نُراعيك الآن. هكذا في البُخاري! ولأسباب أُخرى، وذهب وبايع.

لكن ماذا كان شعار الإمام علي؟ لأُسالمن، ما سلم الإسلام. يا ليتك يا شيخنا، يا قرضاوي، قلت هكذا: لأُسالمن، ما سلمت مصر! يا ليت! والله لحفظتها لك مصر، حكومة وشعبا وأزهر، إلى يوم الدين. لكانوا قالوا هذا عالم الدين، هذه المرجعية الحقيقية!

لا يهمني يكون إخوانيا ولا غير إخواني، أكون أنا ولا غيري، يهمني مصر ألا تُقسّم، مصر ألا تُمزّق، مصر ألا تتشظّى، كما تشظت سوريا والعراق، أليس كذلك؟ هذا الذي يهمني. ليس منطق الشرعية والدم وسوف نأتي بها وسوف نحرقك يا مصر! لا، لا، لا، لا، لا، غير مقبول! غير مقبول!

والحمد لله، أبى الله أن يحدث لمصر ما حدث لسوريا والعراق، وهذا من فضل الله. ونسأل الله أن يُتم النعمة، ولا يحدث ذلك، وتبقى مصر مُنقذة للأمة العربية والمُسلمة؛ لأنها لو راحت مصر، (روحنا كلنا في ستين داهية)، أُقسم بالله العظيم (روحنا)! والله سُنستباح – العرب -، والله لنُداس بالأقدام، انتبهوا إذن! ليست لعبة الحكاية! الله لم يسمح.

الذي أُريد أن أقوله الآن – نُقطة ثالثة -؛ لكي تعرفوا العالم أين يذهب، وماذا يحدث، وماذا يصدر منه، إذا، إذا ارتهن نفسه للساسة والسياسة، وبدأ يلعب لعبة الخلط بين الدين والسياسة! شيء سيء جدا يحدث، جدا جدا!

القرضاوي – الله يرحمه، ويغفر له – له الحق، كعالم كبير، بلا شك، أن يكون له موقف فكري وفقهي وعقدي، من ماذا؟ من أي أفكار يراها مُخالفة، أو شاذة، أو كذا! بل من واجبه أن يقول لنا انتهى اجتهادي إلى كذا، كذا! صحيح؟

القرضاوي قضى ردحا من الزمن، كما صرح هو، من يوم زيارته لإيران، سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، وهو في مُعسكر التقريب، وهذا يُحمد له. وليس معناها أنك كعالم سُني، تدعو إلى التقريب مع الإخوة الشيعة، أنك أنت شيعي، أو مُتشيع، أو عندك موقف من الصحابة، أبدا، أبدا، أبدا! أي مُسلم سُني، كيف لو كان عالما؟ هذا يُحزنه، هذا يُغضبه، أليس كذلك؟ أن الصحابة يتم النيل منهم، وخاصة أمهات المؤمنين.

لا يوافق عليها أي سُني، كيف لو كان عالما من علماء السُنة الكبار؟ بالتأكيد، هذا لا يُوافق عليه، ولا يرضاه. والقرضاوي كان يعلم، يعلم! يعلم ما الموجود في التُراث الشيعي وفي الحُسينيات والعاشوريات وفي خُطبهم ومنابرهم.

يعلم هذا! لكنه كان في موقف سليم وصحيح. وهو ماذا؟ لا نُريد أن نجعل هذا الخلاف الطائفي والمذهبي والعقدي، وقودا لنار حرب حقيقية بين السُنة والشيعة، لا تُبقي ولا تذر، تأكل الأخضر واليابس! قال لك لا. موقف سليم وجيد، ويُحمد له.

فجأة تغير كل شيء! على أي أساس؟ ما الذي تغير إذن؟ ما الذي تغير في المشهد؟ قال لك لا، أنا رأيت أن دعوات التقريب بين السُنة والشيعة لا يستفيد منها إلا الشيعة! نحن خسرانون – ويضحك -، لا نستفيد شيئا. نحن أولادنا – أي بالمعنى – هم الذي يتشيعون!

حسنا، لحظة! أنت عالم وأكاديمي ودكتور، بالله عليك عندك دراسة إحصائية؟ عندك إحصائية؟ محمد حسنين هيكل، الصحفي والكاتب الناصري – ليس إسلاميا -، هذا الموضوع كله لم يحمله على محمل الجد. قال هذا كلام فارغ! وكان ينتقد مَن؟ مبارك. وفي زمن مبارك! نعم، ليس بعده وكذا، في زمن مبارك، في مُحاضرة عمري ما أنساها، في نادي القُضاة.

قال أنا مستغرب، من موقف الحكومة وموقف الرئيس، كذا، كذا! ويقول لك لا، التشيع! قال تشيع ماذا؟ قدِّموا لي – قال -، كم واحدا تشيع في مصر؟ كم؟ مصر كانت أيامها ربما حوالي تسعين مليونا! هكذا كانت مصر! كم؟ ألف؟ ألفان؟ خمسة آلاف؟ إذا كانت هناك كثرة! سوف تجد مثلهم عشر مرات مُلحدين، ألحدوا! بمعنى إذا تشيع خمسة آلاف، انتهت مصر؟ انتهى السُنة؟ ثمانون مليون سُنيا صاروا في خطر إذن؟ هذا كلام فارغ!

فكلام فارغ هذا! فلا تقل لي إنه صار هناك خطر كبير على المُعسكر السُني والعلم السُني؛ لأن هناك شبابا سُنيا تشيع. حسنا، هناك شباب شيعي يتسنن يا حبيبي! هناك الكثير من الشباب الشيعي يحضرون عدنان إبراهيم! وقال لك أنا أترضى على عمر وأبي بكر. صح ولا لا؟ في كل خُطبة!

سوف تجد كثيرا من الشيعة تسننوا، أليس كذلك؟ لكن كثيرا بمعنى ماذا؟ بمعنى نسبيا، أيضا بضعة آلاف، كلام فارغ، كلام فارغ! في الأخير سوف يظل الخط الشيعي، هذا عُمره ألف وأربعمائة سنة، والخط السُني، ألف وأربعمائة سنة، لن ينتهوا! انس! احلم أنه ينتهي! واضح؟

فلا يُوجد مُبرر يا شيخنا؛ يا شيخ القرضاوي – رحمة الله عليه -، أنك تُغير موقفك هذا التغيير الكامل. أي لا يُوجد مُبرر علمي، معرفي، عقدي، لا! إذن ما المُبرر؟ أنا أقول لك سياسي، سياسي! ستقول لي كيف؟ وهذا الكلام ربما لأول مرة تسمعه، لكن لو أنت تابعت الملف وحدك، سوف تقول عدنان يحكي صحيحا، هو هكذا!

بالضبط، لقي نفسه، الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه – على مُفترق طريق، لا أدري – المُهم -؛ أوعز إليه، أوحي إليه، طُلب منه! أن الآن يُوجد عندنا مرحلة جديدة، نُريد صداما شيعيا سُنيا! ماذا؟ صداما شيعيا سُنيا؟ بمُستوى مُشرعن، وبمرجعية في وزن القرضاوي وجماعته وكذا! شيء خطير جدا جدا جدا!

وهذا متى كان؟ ومُرسي في الحُكم. انتبهوا إذن! افهموا! لكي تفهموا أين الأمور وكم هي خطيرة! ومُرسي في الحُكم. وقبل أن يصدر الكلام، وكان الرمز الكبير فيه هو الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه، وغفر الله له -، قبله بأشهر يسيرة، لا تتعدى أربعة أشهر، الرئيس مُرسي – الله يرحمه ويغفر له – اقترح لجنة حُكماء، أليس كذلك؟ لحل الأزمة في سوريا. وقلنا ما شاء الله! هذا الصح!

بعدها صار مؤتمر لعلماء الأمة، وجاءوا وشاركوا فيه ناس، وأنتم تعرفون، لن أذكر أسماء أكثر من هذا، نحن تكلمنا اليوم عن القرضاوي، ما زالوا أحياء يُرزقون، جاءوا، وأعلنوا النفير تقريبا العام، أعلنوا الحرب على سوريا، ودعوا للجهاد في سوريا! واضح؟

هذا الكلام لما تُترجمه سياسيا، ما معناه؟ معناه اشتعال حرب إقليمية، بين الشيعة والسُنة. رأس السُنة مَن ستكون؟ مصر. التي على رأسها مَن؟ الإخوان المُسلمون، الدكتور مُرسي! وها هو عالم الأمة جاء، وعالم الإخوان المُسلمين! وطبعا رأس المُعسكر الشيعي، ستكون إيران، طبعا! بقدراتها وإمكاناتها وطوائفها ومكرها وسياستها المعروفة للجميع، ما شاء الله! إيران! معروف إيران كيف تلعب في المنطقة.

دخلنا في عشرين، ثلاثين سنة، حرب، ستُدمر كل شيء! وستزدهر تجارة السلاح وتجارة الحرب الطائفية والقتل والاغتيالات، وسترى النتيجة في الأخير؛ ربما نصف الأمة يخرجون من الإسلام! نصف الشباب يكفرون بالدين!

ذكرت لكم غير مرة؛ فرنسا حكمت الجزائر مئة وثنتين وثلاثين سنة، ربما لم تنجح في أن تُنصِّر إلا العشرات، تخيل! عشرات! في العشرية الحمراء، التي قُتل فيها على الأقل رُبع مليون جزائري، طبعا دخلت كل أجهزة الاستخبارات، اللعينة هذه!

كانت هناك استخبارات يا حبيبي، من دول ثانية! ليسوا عربا، وليسوا مُسلمين! يلبسون اللحى، يذبحون الناس، باسم أنهم المُتطرفون! والمُتطرفون يفعلون طبعا! يُوجد منهم مَن يفعل، فعلا! لكن هؤلاء (يزيديون في الطنبور نغمات ونغمات)!

الآن الجزائر، من دول المغرب العربي، من أكثر الدول التي فيها تنصر! يصيرون نصارى، ويخرجون من الإسلام! قال لك لا أُريد. إذا هذا الدين خاصتكم، وهذا الإسلام خاصتكم، لا أُريد الدين كله! انتبهوا يا جماعة، شيء يُخوف!

نعمة الأمن رقم واحد، لذلك قلت لكم ما موقف رسول الله من الحرب الطائفية: انقتل، ولا تقتل. انقتل، عادي! تموت شهيدا. لا تُحاول أن ترفع سلاحا على مَن جاء يقتلك. وعلى فكرة، هذا الحل الوحيد لأي حرب أهلية.

إذا نشبت الحرب الأهلية، لا حل لها إلا ذلك! أن هناك طرفا يترك كل شيء، من غير حتى قيد أو شرط. هذا يصير عنده أمد محدود فقط، أن يُمعن في الذبح، وبعد ذلك لا يقدر، لا يقدر! لكن الخصومة تُسعر خُصومة، الدم يُنادي على الدم، الغضب يُورَّث ويؤرَّث، صحيح؟ ودخلنا في لعنة حقيقية.

ما الذي جد من جديد يا شيخ القرضاوي، ويا دكتور مُرسي، يا رئيس مصر؟ كنتم بالأمس تُريدون لجنة حُكماء وصُلح وكذا واحتواء للموقف، الآن أعلنتوها حربا؟ وستكون حربا مُدمرة! من أجل ذلك، في هذه المرحلة تم التحول – قبل ذلك بقليل -: شيعة وتشييع ونصر الله وحزب الله وإيران ويُشيعون وكذا.

إذن ليس موقفا علميا، ليس موقفا دراسيا معرفيا! موقف ماذا؟ سياسي. هذه الخطورة، هذه الخطورة الشديدة! وإلا القرضاوي ليس عالما صغيرا، وليس صبيا صغيرا، الآن بدأ يعرف ما هي الشيعة!

على فكرة، عنده عبارة عجيبة غريبة جدا جدا! أيضا في التلفزيون! قال لك الشيعة! والشيعة يستغيثون بالحسن والحُسين، وهذا كفر. عجيب! الشيعة يا شيخ القرضاوي من ثمانية وثمانين إخوانك في الدين – على أساس -، وكذا، وتُنكر قتلهم، وتُنكر استباحتهم، وهذا موقف حكيم وصحيح، الآن صاروا كفارا، أو كفرا؛ لأنهم يستغيثون بالحسن وبالحُسين؟

حسنا، ألا تستغيثون أنتم أيها السُنيون، في مصر والعراق والشام وفلسطين وفي كل مكان، بسيدي الدسوقي، وابن مشيش، وأبي العباس المُرسي، وأحمد البدوي؟ ما حياة الصوفية الإسلامية كلها استغاثة بالأولياء! أليس كذلك؟ بهذا المنطق، تعال كفِّر نصف الأمة السُنية، ما رأيك؟ نعم! وسوف تُكفِّر نصف الأزهر!

أكثر من نصف الأزهر يُجيز الاستغاثة بالأولياء، ما رأيك؟ من علماء الأزهر الكبار! يُجيزون، وعندهم رسائل في ذلك، وعلى رأسهم العلامة الكبير يوسف الدجوي – رحمة الله عليه -! الشيخ العلامة، لا يُشق له غبار كان – رحمة الله عليه -!

إذن هذا، مرة أُخرى، يا شيخنا الكريم، ليس ماذا؟ ليس علما! هذه سياسة، هذه سياسة! وليس مثلك مَن يخفى عليه الفرق، وليس مثلك مَن يُنبَّه إلى أنه إن كان الاستغاثة بالحسنين كفرا، فالأمة السُنية نصفها كافر. لا، لا، لا! أنت تعرف هذا جيدا، جيدا! لكن هذه هي السياسة، وحسابات السياسة، ولعنة السياسة. شيء خطير مُخيف مُرعب يا إخواني!

على ذكر الشيعة والشيعة وانقلاب المواقف، تُوجد عندي نُقطة لطالما أشرت إليها، وقبل الثورات العربية، ومن فضل الله تبارك وتعالى:

كان يُثير استغرابي واستنكاري واستهجاني الفتح المُفاجئ لملف الأقباط في مصر! والإخوة الذين تابعوا الموضوع أيضا يعرفون ماذا أعني، وعلى قنوات، وفي رأسها قناة اقرأ، عجيب! التابعة لمجموعة إيه آر تي ART، الخاصة بالمرحوم الشيخ صالح كامل – رحمة الله عليه -.

فجأة وجدنا في برامج أسبوعية تحريضا على الأقباط، مُراجعة لدين الأقباط! يا أخي المسيحية قبل الإسلام موجودة، نحن ما علاقتنا؟ وهؤلاء شركاء في الوطن، اتركهم وما يدينون. أناجيل صحيحة، ليست صحيحة، مُحرفة، ما علاقتك أنت؟ التزم بدينك. خاطب ناسك، وعرِّفهم به. نحن نحتاج كثيرا إلى تعريف بالدين، نحن تائهون، أمتنا تائهة، ديننا مغشوش أصلا، تدين الناس هؤلاء، أكثره مغشوش! علِّم الناس الدين الحق الجوهري.

أتيت تُحاسب النصارى والأقباط ودينهم وكتابهم المُقدس؟ وبغضب، على فكرة! هناك نبرة غضب كانت! بعد ذلك دخل أحدهم، ولن أذكر أسماء؛ لأن هناك واحدا مات – رحمة الله عليه -، وواحدا لا يزال حيا – الله يهديه، ويصلح حاله، ويختم له بالخير -. ودخل على الخط واحد ثان، علم من أعلامهم!

الأقباط والأقباط! ما لهم الأقباط؟ قال لك يُخزنون السلاح، الكنائس ثكنات عسكرية، أسلحة ومدافع ورشاشات! يا جماعة الخير، مجنون يتكلم، عاقل يسمع. معقول الدولة المصرية، ومعلوم قوة الاستخبارات المصرية وحذقها وذكاؤها – ما شاء الله -، تاركة الحبل على الغارب، للإخوة الأقباط، أن يُمعنوا في التسلح وتثكين وعسكرة الكنائس والأقبية التابعة لها؟ من أجل ماذا؟ من أجل ذبح السُنة – أي المُسلمين في مصر -، ولا من أجل تفجير الدولة المصرية؟ معقول؟ كلام مَن هذا؟

أنت يا شيخ، يا دكتور، أيها الذي لم يدخل مصر منذ سنوات، وأنت يا شيخ الذي لك في مصر ولم تُغادرها – الله يرحمه -، من أين لك المعلومات هذه؟ مَن أعطاك إياها؟ اعترفوا لك الأقباط؟ لا، طبعا! الاستخبارات المصرية سربتها لك؟ لا. التي لا يُمكن أن تسمح بها! التي لا يُمكن أن تسمح بها بالمرة!

حسنا، أُريد أن أزيدك من الشعر بيتا: لو سألتك ما هي أحوال الأقباط في الجُملة أيام المرحوم الرئيس الأسبق حُسني مُبارك؟ سيئة أو حسنة؟ سيئة. مُبارك لم يكن مُتعاطفا مع الأقباط، كل القوانين هكذ! هناك دكتور قبطي مُحترم جدا، اسمه الدكتور نبيل لوقا بباوي، هذا عجيب!

الرجل هذا دكتور كبير في القانون، وعنده – أعتقد – شهادتا دكتوراه. الرجل صار مؤلفا ربما ستة أو سبعة كُتب دفاعا عن محمد والإسلام والقرآن، والله العظيم! تقول ما هذا؟ من أروع الكُتب في الدفاع عن رسول الله وعن القرآن وزوجات النبي، وشيء غير طبيعي!

ولكن، يا للأسف الدكتور نبيل لوقا بباوي – لا يزال يعيش إلى اليوم، الله يمد في عُمره! الدكتور نبيل لوقا بباوي – أنا أذكر من أيامها، كان يتكلم وملؤه – تعتصره – المرارة، أن الأقباط مُضيعون في مصر حُسني مُبارك.

وحكى على التلفزيون المصري – كانت هناك حرية أيضا، في مصر، أيام مُبارك، والله كانت هناك حرية! وحكى أيام مُبارك -، قال نحن الأقباط، الذين في حالنا، لا نؤذي أحدا، نُقدِّم على كنيسة، عشرون سنة تمضي، عشرون سنة! لا نأخذ الترخيص! والمساجد تُبنى، بلا تراخيص! على نواصي الطُرق، هنا وهنا وهنا وهنا.

وقال لك الدولة المصرية! الدولة المصرية مُنحازة ضد الأقباط، ظالمة. لا يجوز يا أخي! الأقباط هم أبناء البلد، أليس كذلك؟ مثلهم مثل المُسلمين، يجب أن يأخذوا حقوقهم. قرآنك العظيم، الذي لا يُوجد كتاب مثله – بفضل الله عز وجل -: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ *، كلها قبل: وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا *. يا رجل، تعلم التسامح.

بمعنى – انتبه! افهم كيف الحقائق تُضفر مع بعضها – أيام مُبارك، المُخبارات المصرية، الحكومات المصرية، الدولة المصرية، الزعامة المصرية، مُتعاطفة ولا مُجافية للأقباط؟ لا، مُجافية. هذه غاب عنها أن الأقباط يُعسكرون الكنائس، ويُخزنون الأسلحة والقنابل والمدافع؟

لصالح مَن يُقال هذا الكلام؟ لم يُقل مرة ومرتين وعشر وعشرين ومئة، بضع سنين وهذه البرامج تشتغل! العبد الفقير – بفضل الله تبارك وتعالى – ذكر هذا. وكما قلت لك يكفي ألا تتخندق؛ حتى ترى ما يعمى غيرك عن رؤيته، الله يُعطيك بصيرة خاصة.

أنا غير مُتخندق، أنا يهمني الإسلام، ويهمني الشعوب الإسلامية، يهمني مصر ألا تُدمر، والسعودية والإمارات والكويت وتونس والعراق والجزائر وسوريا وفلسطين، كله! يهمني أن نظل مُحترمين آمنين مُستقرين، لا تنفذ فينا سكين المؤامرات الاستعمارية. لا أُريد، ولن أدخل هذا الطريق اللعين.

فالآن لصالح مَن كان يُفتح هذا الملف؟ والذين فتحوه إسلاميون، من الجماعات إياها، نفسها! لماذا؟ معناها كان هناك تخطيط لماذا؟ لحرب أهلية، تشق مصر، تُدمرها! لماذا؟ نرجع ونقول لماذا؟ نعم؛ لأن في ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين – وذكرت هذا أنا، أي من قبل رُبع قرن، أيام كنا في الهداية، وعمري ما أنساها -، مجلة اسمها كيفونيم כיוונים – بلُغتهم العبرية كيفونيم כיוונים، ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين تقريبا، أو خمسة وثمانين، لكن أربعة وثمانين على الأرجح -، عرّبها واحد يعرف اللُغة العبرية، ترجم المقالة، قال لك ما هذا؟ تخطيط ومكر رهيب جدا، وعلى أعلى مُستويات الدولة المُحتلة هذه؛ لتقسيم مصر، إلى أربع دويلات! الخُطة موجودة! ويُريدون الكلام هذا.

بيترز  Petersالأمريكي، عنده خارطة، وموجودة بالعربي، الآن صارت موجودة، وكانت موجودة بالإنجليزي، اسمها خارطة حدود الدم، اسمها حدود الدم! يذكر فيها الإرادة الماضية في تقسيم مصر!

الراحل سيء الذكر برنارد لويس Bernard Lewis، المُستشرق الأمريكي، بريطاني الأصل، المُتصهين، عدو الإسلام، الحاقد على الإسلام، عنده خُطة برنارد لويس Bernard Lewis؛ لتقسيم الشرق الأوسط، وفي الرأس مصر! أربع أو خمس دويلات!

المعاهد الاستعمارية، في أمريكا هناك، والمُتصهينة، وصفوا مصر بالجائزة الكُبرى The big prize! راحت العراق، حسن – قال لك -، مُمتاز، حسن! راحت سوريا، مُمتاز، لكن غير كاف! الجائزة الكُبرى. لن نرتاح ونشخر، إلا لما مصر تُدمر.

فهمتم قصدي؟ لصالح مَن كان يُستفز الأقباط المساكين، وتُنسب إليهم أنهم وأنهم وأنهم؛ الكلام الفارغ، الكذب كله هذا؟ كله كذب! ولو صدق منه واحد في الألف، لكان أول مَن تصدى لهم ماذا؟ جهاز الدولة! أجهزة الدولة المصرية! ولأخذت على أيديهم، بغير رحمة، أليس كذلك؟

ولذلك أنا أحمد الله – تبارك وتعالى -، وأنا جد سعيد، أن حاليا، ومن سنوات – بفضل الله تبارك وتعالى -، الأقباط في مصر، بدأوا يستشعرون مزيدا من الراحة! أنه الآن وضعنا أحسن، بدأنا نأخذ بعض حقوقنا المهضومة. جميل! بدأ يُرخَّص لنا.

الرئيس المصري يفتتح مسجدا من أكبر المساجد – ما شاء الله -! مسجد الفتاح العليم. في نفس اللحظة التي يفتتح فيها ماذا؟ أكبر كنيسة – ما شاء الله -! افتُتحت تواجه مسجد الفتاح العليم. كم سرني هذا!

وانظر إلى الإسلاميين – على الأقل بعضهم، مِمَن خبوا وأوضعوا واجتهدوا وسعوا، في ماذا؟ في تفجير الوضع -، كيف وصفوا هذا الحدث الجميل؟ كيف وصفوه؟ أرأيتم؟ فتح الكنائس! ولا يجوز! والكنائس لا تُبنى في ديار الإسلام! جُن جنونهم، طبعا! لأن هذه خطوات في الطريق الصحيح. خطوات ماذا؟ توطيد الأمن والاستقرار في الدولة المصرية – بفضل الله عز وجل -. لا يُريدون إياه!

الإمارات، الإمارات أيضا، نفس الشيء! تستضيف البابا فرنسيس Pope Francis، البابا! أعظم زعيم ديني في العالم، من حيث التبعية وكذا، كذا، بابا الفاتيكان! مليارا مسيحي وراء كلمته. يأتي إلى الإمارات، ويقوم يمدح الإسلام والرسول الكريم. يقول الإسلام ليس دين إرهاب ولا دين قتل، دين تعايش وتسامح. مَن الذي فعل هذا؟ الدولة الإماراتية. وأكيد هذا كلَّف الكثير، أليس كذلك؟ كلَّف الكثير!

أي هناك مَن يهدم، وهناك مَن يسيء إلى الإسلام، وهناك مَن يحرص أن يُصور الإسلام على أنه إرهاب وقتل ودمار وحرب على الأديان! وهناك مَن يُريد أن يُرمم، وأن يُصلح هذا، ويُلعنون! نعم، ما هي الإمارات دولة زنديقة! ما هي الإمارات مثل حكومة مصر! هؤلاء مع البوذيين، ومع الهنادكة، والصليبيين، والدين الإبراهيمي! اتقوا الله، اتقوا الله.

وأنتم، يا إخواني، الذين تسمعون كلامي هذا، لن أقول لكم فقط اتقوا الله، فتحوا أعينكم جيدا، فكروا باستقلال. قال لك لا، ما هي الإمارات عملت دينا، اسمه الدين الإبراهيمي! تكذبون على مَن؟ تكذبون على مَن؟

على فكرة، إلى الآن لم يُفتتح هذا المجمع، ولم يُصل في الكنيس ولا في الكنيسة ولا في المسجد، ولا واحد إلى الآن. والمفروض كان يُفتتح السنة هذه! لكن الحمد لله. ستقول لي ماذا؟ ماذا؟ ماذا قلت يا عدنان؟ أنا قلت هكذا، نعم، كنيس وكنيسة ومسجد. ستقول لي يعني هم فعلا كنيس وكذا؟ ليس معبدا واحدا للثلاثة؟ لا والله يا حبيبي، لا والله. يكذبون عليك، أو يستغفلونك.

يقول لك هذه خلطة، ثلاثة في واحد! ثلاثة في واحد يا كذّابون؟ حاشاكم. أنا أحكي عن هؤلاء الناس، حاشاكم! يا كذّابون ثلاثة في واحد؟ هناك مسجد لحاله، لما يدخل المسجد المُسلم، سيذهب يُصلي فيه، وهناك كنيس Synagogue يهودي، لما يدخل اليهودي، يأتي يُصلي فيه، وهناك Church – Kirche؛ كنيسة مسيحية، المسيحي الذي يدخل، يُصلي فيه.

هذا موجود هنا، في الـ AKH، ها هي، ها هي! المُستشفى الجامعي عندنا هنا في فيينا، ثالث مُستشفى في أوروبا كلها، مستشفى عظيمة وكذا! هناك مكان يُصلي فيه المُسلمون، وبجانبه واحد لليهود أو كذا، وبعد ذلك كنيسة بروتستانتية، وكنيسة كاثوليكية صغيرة، وهناك حتى غُرفة Meditation. ونحن مُعجبون جدا بهذا! لم يقل أحد اتفلوا على النمسا وحكومتها، يعملون خلطة إبراهيمية.

عيب، عيب! ولذلك أنا أقول لكم استقلوا، حاولوا أن تروا بأعينكم. كما قال السيد المسيح مَن كان له عينان، فلينظر. مَن كان له أُذنان، فليسمع. انتبه من المشايخ الذين يُحولون الدين سياسة، ويُحاول  أن يُعيد إنتاج السياسة، ودائما بديباجة دينية! لن أقبلك، لن أثق فيك، لن أستمع إليك، وضعك خطير أنت، أمام الله، وأمام الناس، أمام التاريخ.

إذن – ستقول لي – ما المقبول منه؟ قلت لك المقبول كحد أدنى من أي شيخ أنه يتخندق في خندق دولته. دولتي هذه! شعبي، حدودي! أنا مع دولتي. أي شيء يُهدد دولتي، يُهدد استقرارها، أنا ضده. مقبول!

إذن كيف يُعرب عن مواقفه السياسية؟ كيف يُعرب عن مواقفه السياسية؟ باختصار، تعرف ماذا يقول؟ يقول قادة بلدي، أي أهل الأمر في بلدي، هم ارتأوا خُطة مُعينة، هذا يُسلَّم إليهم، وأنا لست من أهل السياسة. أنا معهم، وأدعو لهم، وأدعو لهم بأن يُوفقهم الله إلى ما فيه خير البلاد والعباد. وفقط، السلام عليكم! أنا لست سياسيا.

على فكرة – وأنا ذكرت مرة، وأُريد أن أذكرها مرة ثانية، مُهمة جدا جدا جدا – الله تحدث عن طائفة من المُنافقين. انتبهوا، هؤلاء الناس مُنافقون! من المُنافقين، يُسمونهم المذاييع. يُسمع الخبر، ويظل ينقله هنا وهنا، ويُشيّره Share، ويدّعي أنه فاهم.

ربنا قال وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا *. الله قال هذا مسلك من أقبح وأخطر مزالق الشيطان وأكثرها زلقا! يُمكن أن يتهور فيه المُسلم، حتى لو كان صاحبا من الصحابة، دون أن يدري. ما هو يا رب؟ قال لك تتكلم في شؤون الدولة، وأنت لست مِن أهل مَن؟ لست من أهل الشأن، لست من أهل المجال.

بمعنى، هناك موضوع له علاقة بملف الزراعة! يُقال إن الزراعة كذا وكذا، واستوردنا بذورا، تأتي كذا، كذا، وتعمل وتُسرطن! مَن الذي يُسأل في هذا؟ وزير الزراعة. أليس كذلك؟ أنت لا تعرف. لا، قرأت تقريرا ألمانيا! ألماني، ياباني، لا يعنيني! الكذب مالئ العالم، والتآمر عليك وعلى بلدك ليس مُتوقفا، أنت أهبل؟

هذا الموضوع، ربنا فهمنا، وزير الإعلام لا يعرفه، وزير الدفاع لا يعرفه. مَن سيعرفه – الله قال -؟ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ *. صاحب المجال، الذي الملف بيده! ما دام قضية زراعة وبذور وكذا، معناها مَن الذي ينبغي أن يُسأل فيها؟ الوزير؛ وزير الزراعة. وهو الذي سوف يُعطيك – كما يقولون – القول الفصل! لا، الموضوع يُوجد منه، أو لا يُوجد منه. انتهينا! وكِّل الأمر لأهله.

أنت ما علاقتك، يا مُسلم، يا عبد الله، وأنت تعيش في آخر العالم؟ أتيت تحكم في شؤون العالم العربي، دولة دولة! والله العظيم! لا يترك أحدا! لا يترك أحدا، لا مصر، لا السعودية، لا الكويت، لا البحرين، لا الإمارات، لا فلسطين، لا تونس، لا العراق، لا سوريا! دولة دولة! وتجعل من نفسك يوتيوبر YouTuber، وتنزل مواضيع كل يوم، وأشياء وثبت والتقارير!

يا ويلك من الله! أُقسم بالله العظيم، يا ويلك! والله العظيم يا ويلك وظلام ليلك! والله بتقريرك هذا ومُتابعاتك واللايكات Likes، والله العظيم لو تسببت – تخيل – في سفك دم، إنسان واحد، لتهلك عند الله. والله لن ينفعك، لا المُتابعات، ولا الأموال التي أخذتها من وراء الأكاذيب هذه! وسوف تقول يا ربي أنا كنت كذا وكذا. الله يقول لك كذاب – البعيد -، لماذا لعبت دورا ليس لك؟ ما أنت؟ مَن أنت؟

أقول لك الآن تعال إلى أي دولة عربية، أو أي دولة في العالم، وتعال… تعرف ماذا؟ إلى رأس الاستخبارات فيها، إلى رئيس جهاز الاستخبارات، واسأله عن بعض شؤون دول أُخرى، فسيقول لك بصراحة هذا الملف ليس عندي، لا أعرف، لا أعرف! سمعت أخبارا وكذا، كالتي سمعت، أما أن عندي تأكيدا، فليس عندي.

لماذا؟ لأنه يكون معنيا بشكل أساسي هو بملفات بلده. أليس كذلك؟ وما يمت إليها، ويعرف! أما أنه ينبغي أن يعرف بلدا بلدا، وبالتحديد! لا يعرف، ليس عنده! ولا في الاستخبارات الأمريكية يعرف، لا يعرف!

أنت تعرف؟ ما شاء الله عليك يا يوتيوبر YouTuber! ما شاء الله عليك أنت! ويُصدقونك الناس، وتدّعي أنك أبو السياسة كلها! يا ويل ويلك! والقرآن قال لك يا ويل ويلك! أنت تتبع خطوات الشيطان، لا تزال!

لو كنت مُحترما، وتهتم بمُستقبل الأمة العربية والمُسلمة والدول والناس، لقلت لا، لا، لا، لا، لا أتكلم. يا أخي هناك تقرير ألماني خرج! يقول لك ما علاقتي أنا؟ وما الذي يعرفني أنا؟ لا أعرف! أنا لست سياسيا، لست في المطبخ، أنا لا أعرف، لا أتكلم.

تعرفون، حدثتكم مرة عن رجل سياسي، كان من أحبابي وإخوتي في الله، توفيَ السنة هذه – رحمة الله عليه رحمة واسعة -، وهو من عيون الصالحين! رجل عابد زاهد تقي، آية من آيات الله! الإخوة يعرفون، الدكتور حسن – رحمة الله عليه – الصومالي.

هذا الرجل كان سفيرا، وكان وزيرا. في وزارته ألوف! قال لي أنا يا فلان كنت وزيرا، وفي إمرتي حوالي ثلاثة آلاف وستمائة موظف. تخيل! أمة! وزير، ورجل مُفكر، يُجيد أربع لُغات إجادة تامة، وعنده دكتوراه، أي (خابز الدنيا وعارفها).

قال لي أنا لاحظت يا فلان – عني – أنك لا تقرأ الجرائد هذه، ولا تُعنى بالسياسة! قلت له نعم، ليس عندي وقت لها. قال لي أحسن شيء فعلته! وأنصحك؛ داوم على هذا، وإياك في يوم من الأيام أنك تتورط، وتدخل في العالم هذا، وتتصرف كأنك سياسي!

قلت له لماذا يا دكتور إذن؟ ما هي السياسة؟ قال لي نحن – وهذا أبو السياسة وأمها طبعا، هذا في المطبخ، في المطبخ فعلا – في عالم السياسة نقول السياسة الحقيقية Four eyes؛ أربعة عيون! لا الذي يُدرَّس في الأكاديميات، ولا الجرائد، ولا الصُحف، ولا التلفزيونات، ولا التقارير التي تُقال، ولا الـ Statements، أبدا!

السياسة الحقيقية أربعة عيون: واحد فوق، الشيطان الأكبر هذا، والذي يتلقى الأمر منه، فقط! وتمشي الحكاية، تنزل هكذا، ويُعاد الأمر! فهمت قصدي؟ ستقول لي ما دامت المسألة على هذا النحو، ومسألة مُخيفة ومُرعبة ومُلتاثة وغامضة وغير واضحة، إذن ما الحل؟ أقول لك ما الحل: اعتصم بالكُليات وبالمنائر الكبيرة. ستقول لي لم أفهم، مثل ماذا؟ أنا هكذا أعمل، العبد الفقير، ووجدت نفسي حتى الآن مُرتاحا. ارتحت، لما سلكت هذه الخُطة! كيف مثلا؟

أنا الآن لو كنت أُريد أن أدخل على العالم اللعين هذا الظُلماني؛ عالم الشبكة هذه، وأُريد أن أُجمع أدلة ضد الدولة المصرية، وأنها دولة كذا، سوف أجد عشرة آلاف دليل! لا، أُريد أن أُجمع أدلة مع الدولة المصرية، وأنها جيدة، سوف أجد عشرين ألف دليل! سوف أظل حيران، ولا أعرف رأسي من رجلي!

لا يهمني! لماذا إذن؟ لأن كله كذب في كذب، لا تعرف أين الصح من الغلط، لا تعرف! ليس عندك قدرة أن تعرف، تفرز أين الصح وأين الغلط، لا تعرف! ليس عندك Access، تصل إلى المصدر، في عالم أربعة عيون يا حبيبي، فاتك الأمر! لكن هناك أشياء كُلية. نفس الشيء؛ موقفي من الإمارات، ما الإمارات؟ تجمع وتأتي وكذا، لن تفهم!

هناك مسألة مُهمة جدا! لا، صور ومنائر كبيرة! أنا أخذت هذا المعيار، هداني – بفضل الله تبارك وتعالى -. ماذا قلت؟ كل دولة، كل سياسة، ستعمل في اتجاه تمزيق الدولة المصرية، إشعال حرب أهلية في مصر، ستكون دولة عدوة للأمة، وتعمل مع أعداء الأمة، لن أؤيدها، لن أُحسن الظن بها. وكل دولة ستعمل على تعزيز الاستقرار في مصر، وتوطيد أركان الأمن في مصر، أنا سأُحسن الظن بها، مهما بدا غير ذلك.

وهنا يكون عندك… تعرف ماذا؟ بُرهان لا يُنقض! لأن لو كانت هذه الدولة عدوة للأمة، وتبغي الأمة الشر، لعملت في الاتجاه المُعاكس تماما، وهو اتجاه ماذا؟ تفجير الوضع في مصر. أليس كذلك؟

فقط! وجدت هذا كثيرا كثيرا أراحني. ومضبوط ولا لا؟ انتهينا! وسوف تحس أنه كلام منطقي، وتقول لي فعلا كلام منطقي. وفقط! والأشياء الدقيقة، التي لا أقدر، ولن أقدر، أن أصل إليها، أتركها لأهلها! لكن أنا لي ماذا؟ الخط العام. هذا الخط العام – الحمد لله -.

هناك ناس بذلت وعملت ودفعت أموالا وكذا، وتحملوا كلاما كثيرا، في سبيل أن تبقى مصر واقفة إلى اليوم، ولا تُقسَّم، ولا تُمزَّق، ولا تتشظى بحرب أهلية. أقول بارك الله فيهم، شكر الله سعيهم، كثَّر الله من أمثالهم، تقبَّل الله عنهم، وأحسن جزاءهم وأجزل مثوبتهم.

وأنت حُر، ادع عليهم، اتهمهم بأنهم أعداء للأمة، حقداء على الإسلام، يكرهونه! لأنني أعرف مقياسك – على الأقل أتحدث عن ناس مُعينين -! أنت مقياسك: كل مَن حال بينك وبين أن تحكم وتتسلط، ستعتقد أنه عدو لله ورسوله، أليس كذلك؟ عدو للإسلام! وإن صلى في اليوم ألف ركعة! هذه موازينك أنت. وعلى فكرة، هذه لن تشفع لك عند الله. الله سوف يقول لك لا، كذبت وأثمت، كذبت وأثمت!

انظر إلى الإمام علي – عليه السلام -، ما أعظم هذا الرجل! وعلى فكرة، أنا لا أنسب إليه ما لم يقله. هذا يتفق عليه السُني، والشيعي قبل السُني؛ لأنه في نهج البلاغة. يذكر أنه وجيشه، لقوا أهل الشام، يقصد مَن؟ مُعاوية وجيشه. ثم ماذا؟ في نهج البلاغة!

قال لا نستزيدهم بالله إيمانا، ولا يستزيدوننا. يا سلام على الإنصاف يا أبا الحسن – عليه السلام -! وقال لك لماذا تعشق عليا؟ أعشقه حتى الموت هذا الرجل. هذا الرجل الذي فهم الإسلام الصحيح. قال لك خلافنا ليس على الدين. أنا لا أُكفِّر مُعاوية، ولا أُكفِّر أهل الشام. نحن مؤمنون، وهم مؤمنون، ونحن مُتدينون، وهم مُتدينون. إذن على ماذا؟ قال لك خلاف سياسي. يُوجد خلاف سياسي، على السُلطة والحُكم.

ستقول لي هنا يا عدنان هذا درس، لا يزال هناك درس آخر، تحت هذا الدرس الأول! في الإنصاف؛ إنصاف الإمام علي. ليس بمُجرد هذا، تذهب فتُكفِّر الآخرين. ثم هذا علي، ليس جماعة في القرن الحادي والعشرين، علي!

ابن الإسلام، أول الصغار إسلاما، على الأقل! لا يُوجد كلام طبعا، لا يُوجد صبي، أو لا يوجد صغير، أسلم قبل علي، أي هذا من (يوم يومه) في الإسلام والتوحيد، ما رأيك؟ عليه السلام! ومعروف بلاؤه، وحُسن بلائه في الإسلام، في جميع الميادين، ما شاء الله!

ومع ذلك هذا لم يغره، ليقول لك أنا وفقط! والذي يُعارضني سياسيا: (ستين في سبعين زنديقا هو). قال لك لا، لا، لا، لا. الحق! الحق وليس التواضع وحسب، الحق! هم مُسلمون، نحن مُسلمون. قال! هم مؤمنون، نحن مؤمنون. يُوجد خلاف في قضايا ثانية.

يا سلام على الإنصاف! يا سلام! ليس: لا، هذه الدولة ضد الله والرسول، ضد الإسلام، ضده! ليست ضد الإسلام، ضدكم أنتم، ضد أطماعكم، ضد خُططكم أن تقفزوا على السُلطة! لن تُعطيكم.

هنا الدرس الثاني؛ بالله عليك، مُعاوية تواضع، وقال والله أبو الحسن أحسن مني، وأقدم إسلاما مني، وأعلم، وصهر النبي، وأبو الحسن والحُسين، وأبو الذُرية، كذا، كذا، اترك له الحُكم؟ مع أن عليا كل الأمة، باستثناء أهل الشام، بايعته! كل الأمة! فقط بلدة وحيدة: أهل الشام. قالوا نحن مع مُعاوية.

معناها مَن الذي كفته أمتع وأرجح؟ علي. أليس كذلك؟ مع ذلك، مُعاوية لم يتواضع، ولم يتنازل وقال لك لا، نتركها لمَن؟ لعلي. لا! علي، من جهته، تتوقع منه أن يقول لك نعم، أنا الأمة كلها بايعتني، أُريد أن أتركها لمُعاوية؟ لم يتركها طبعا، وهو طبعا الأفضل ألا يتركها.

ستقول لي هؤلاء صحابة، وهذا بسبب موضوع الحُكم، وذبح بعضهم بعضا، ومات عشرات آلاف الصحابة والتابعين؟ نعم، عشرات آلاف! قال أنا إسلامي. ما معنى أنا إسلامي؟ أنت إسلامي، أنا مُسلم يا حبيبي! ما هذا؟ يُوجد عندك أركان غير الخمسة للإسلام؛ أركان الإسلام؟ سوف يقول لك لا. الإسلامي! سوف أقول له أنا عندي هذه، الأركان الخمسة أنا قائم بها – بفضل الله -.

يُوجد عندك أركان غير الستة الأركان الخاصة بالإيمان؟ سوف يقول لك لا. سوف أقول له وأنا عندي هذه أيضا! أي ما معنى إسلامي إذن؟ أنت متى وُلدت كإسلامي؟ سوف تقول سنة ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين! مع حسن البنا.

أقول لك بالأمس! الإسلام عُمره ألف وأربعمائة سنة! ألف وأربعمائة وثلاث وأربعون سنة! سوف أشطبك من التاريخ، أنت بأكملك، والإسلام باق، قبلك وبعدك يا حبيبي، (روح روّح)، العب غيرها! تلعب على مَن الآن أنت؟

لا! يُريدون أن يُفهموا الناس أن أي حاكم، وأي سُلطة، تمنع وتحول بينهم وبين وصول السُلطة واغتنام الكذا، فهم هؤلاء أعداء لله ورسوله! ضحك، ضحك على المُغفلين، والله العظيم! عيب!

ستقول لي أنت قلت يا عدنان في الخُطبة إن الناس صاروا، أي أصبحوا، شبه عاجزين عن إعادة واسترداد الإسلام، وقراءة الإسلام، وإعادة إنتاج فهم مُريح للإسلام، خارج الأنماط والقوالب والمناهج، التي سنها الإسلام السياسي، ماذا تقترح؟ إذن ما القصة؟

نبدأ إذن بأشياء يُمكن أن تدخل حتى في الحس المُشترك:

بصراحة لما تتأمل في الدول العربية والإسلامية، بشكل عام، تشعر أن الشعب وأجهزة الدولة ناس مُسلمون. الرئيس تجده يُصلي، ويذهب يحج ويعتمر ويلبس لباس العُمرة، مُسلم الرجل! إذن هل هناك بصراحة مساع ضد القرآن؟ الذي يحفظ قرآنا، كالدول الشيوعية مثلا قديما، الاتحاد السوفيتي، يضعونه في السجن؟ أبدا، أبدا، أبدا! أليس كذلك؟

أكبر دولة عربية كان فيها حفّاظ قرآن ليبيا القذافي. أنا أستغفر الله، حرضت على القذافي، أستغفر الله! لكن، يعلم الله، حرضت عليه بنية مُخلصة وصادقة، بحسب ما كان يصلني من معلومات، من الإسلام السياسي! القذافي عمل كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، والقذافي كذا! وصدّقت أنا.

ثم تبين لي أن كثيرا من هذه المعلومات خاطئة. القذافي طبعا لم يكن على رأسه ريشة، ولم يكن ملاكا مُنزها طبعا، لا! عنده أخطاؤه الرهيبة، مثل أي حاكم عربي أيضا، ولكن لم يكن بذلك السوء الذي صورته أنا، وأستغفر الله، دائما أشعر بالحُزن، والله العظيم! وربي يغفر لي، ربي يغفر لي عما ذكرته على المنبر هذا.

القذافي كان عنده أكبر حفاظ للقرآن الكريم، من ناحية العدد، في العالم العربي كله، أو الإسلامي! إذن كيف عدو للإسلام وعدو لله؟ هكذا فهمونا! واضح؟

لا تُوجد دولة عربية ومُسلمة تمنع الصلاة في المساجد، أو تمنع بناء المساجد. بناء (بالهبل) عندنا مساجد، خاصة مصر، ما شاء الله! ما شاء الله! (بالهبل، بالهبل)، حتى سوريا! ألم نذكر الحُكم هذا البعثي وكذا، كذا؟

ولن أقول الحُكم العلوي، انتبه! الحُكم البعثي! لأنني لن ألعب على الوتر الطائفي هذا، كما لعب عليه الإسلاميون، لن أغلط نفس الغلطة، حاشا لله! لكن هذا الحُكم البعثي، اللاديني – هو ليس له علاقة بالدين -، هل منع الإسلام؟ نحن رأينا سوريا، خرجت لنا كبار علماء الإسلام. علماء في الفقه والأصول والتفسير والتصوف، شيء عجيب! أليس كذلك؟

العلّامة البوطي، والشيخ الحلبي – رحمة الله عليه -، والشيخ وهبة الزُحيلي، والشيخ البُغا، والشيخ مُصطفى الخُن، علماء كبار! جهابذة! أليس كذلك؟ ومؤلفات ماتعة! وكُلية شريعة تُدرِّس!

والعجيب أنه لا تُوجد كُلية تُدرِّس المذهب العلوي. لا تُوجد، لا تُوجد! أي ليس عندهم حس تبشيري؛ بشِّر بالعلوية. ليس عندهم، ليس عندهم! انشر إسلامك السُني، لكن ما هو الشرط؟ الشرط الذي في سوريا، هو في العراق، هو في الإمارات، في الكويت، في البحرين، في مصر، في كل مكان! هو شرط الحُكم عموما! وهو شرط مُعاوية، وشرط فلان! ابعد عن السياسة، لا تُنازعني سُلطاني. فهمت قصدي؟

إذا نازعتني سُلطاني، لن أرحمك، لو كنت صحابيا. ولم يرحموا بعضهم، وهم صحابة! هذا الحُكم، لئلا نكون مُغفلين! أليس كذلك؟ فلا تقل لي عدو للإسلام! لا تكذب. هل هذا مَن سميته، أو سميتها من دولة، عدوة للإسلام – كما قلت لك -، تُحارب الصلاة؟ لا، والله. تُحارب القرآن؟ لا، والله. لا تطبع المصاحف؟ لا، والله. تمنع تدريس الشريعة؟ لا، والله، تُدرِّسها حتى في المدارس، إذا لم يكن في الروضة. لكن كل هذا مرهون بماذا؟

ستقول لي لا، لكن هناك دول ضيقت! صح، هناك دول بدأت تُضيق، تُضيق حتى على المُصلين، تُضيق على الحفّاظ، على الخُطباء، على العلماء! تعرف لماذا؟ لأن هؤلاء ناشطون في الحركات، التي يُسمونها بين قوسين (جهادية). قال! مُقاتلة، عسكرية! إسلام سياسي.

وهناك ناس ليسوا ناشطين، ضاعوا تحت الرجلين! السبب مَن؟ السبب في هؤلاء الذين أثاروا الوحش النائم، والغول الكاسر هذا، السُلطة! بماذا؟ بالنزاع على الكراسي. لن يرحمك أحد!

على فكرة، دعونا نكون واضحين جدا جدا جدا، وسوف أُعطيكم مثالين، فقط اثنين، ثلاثة أمثلة، ثلاثة أمثلة! نبدأ بأفغانستان:

كنت أنا في مسجد رسول الله – صلوات الله عليه -، ذات حجة – ربما آخر حجة من حجاتي، في مسجد رسول الله، بفضل الله تبارك وتعالى -، أجلس تماما تلقاء الإمام، وكنا ننتظر صلاة العصر، وها هو المحراب، وها هو الإمام جالس.

وإلى جانبي، عن يساري، رجل كبير وقور، يلبس جُبة، الذي لفتني فيها أنها جُبة تآكلت حواشيها! قلت هذا فقير. واضح أنه من أهل العلم والفضل، وجالس بوقار، ولحية وعمامة، كذا! ولكن الجُبة – زرقاء كانت، سبُحان الله! -، تآكلت حواشيها. لم أعرفه مَن هو، أخجل أنا، لم أُدقِّق في وجهه، لكن أعلم أنه رجل، واضح أنه رجل عجمي، مُسلم مُحترم.

أول ما جاء الإمام وجلس، وبعد ذلك رفع رأسه، قبل أن تُقام الصلاة: هيه! قال له الشيخ صبغت الله، أهلا أهلا سيدي، كيف الحال؟ هيه! أنا اقشعر بدني! هذا صبغت الله مجددي؟ هو! الله يرحم روحه، ومات – أعتقد – ألفين وتسعة عشر -، هو! عن ثنتين وتسعين سنة.

صبغت الله مُجددي! هذا رئيس أول حكومة في أفغانستان، بعد حُكومة نجيب، الشيوعي. أي ألف وتسعمائة وثنتين وتسعين كان أول رئيس لأفغانستان صبغت الله مُجددي، وعُرف بهذا. طبعا خريج الأزهر هو! خريج الأزهر، ومن عائلة دينية عريقة.

لماذا اسمه مُجددي هو؟ لأنه ينتمي إلى المُجدد. مَن المُجدد؟ سيدي مُجدد الألف الثانية في الإسلام أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي – قدس الله سره -. أنا هذا أعرفه من ثلاثين سنة طبعا، وقرأت له المكتوبات! عنده المكتوبات.

سيدي السرهندي شأنه عظيم! الذي يُحب أن يعرف عن الشيخ السرهندي، مَن هو وما شأنه، يقرأ الكتاب العظيم لسيدنا ومولانا أبي الحسن الندوي – رضوان الله عليه -، الذي اسمه رجال الفكر والدعوة في الإسلام. في أحد المُجلدات كلام طويل عن الشيخ المُجددي؛ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي.

فالمُهم، سلَّم عليه الشيخ الإمام؛ شيخنا وكذا، كذا، كذا. هيه! قلت هذا صبغت الله؟ فانتبهت! والله، وإذا بالإمام يُقرِّب رأسه من رأس الشيخ المرحوم، وقال له يا مولانا أُريد أن أسألك سؤالا. وأنا بجانب الشيخ، أنا أقرب إلى الشيخ من الإمام بكثير، لا أزال! أي بيني وبين الإمام هكذا؛ ربما خمسين سنتيمترا، أنا مُلتصق بالشيخ! وأنا أسمع كل شيء.

قال له تفضل، يا أستاذ، أو يا شيخ. قال له هل حقا ما سمعنا، أن المُجاهدين، حين اختلفوا، استباح بعضهم دماء بعض؟ فسكت هنيهة الشيخ مُجددي – رحمة الله عليه -، وتكلم بألم شديد، وبصوت خفيض، رجلا وقورا كان! عالم أزهري هو.

قال له يا شيخ، ليس هذا فقط! بل استباحوا أعراض أخواتهم المُسلمات! أُقسم بالله! أنا شهيد على هذا، هذا في مسجد رسول الله. هذا الإسلام السياسي! استباحوا أعراض أخواتهم! تعرف لماذا؟ لأنه بسهولة، هو سوف يُحاسبك دينيا! مع أنك أنت مثله، وقاتلت الروس، وقاتلت! نعم، لكن أنت على غير خطي، فأنت كافر – البعيد -.

ورأينا المعركة الرهيبة، بين الجمعية الإسلامية، والحزب الإسلامي! ستقول لي لا أفهم! الحزب الإسلامي مَن هو؟ قَلب الدين، يُسمونه قُلب الدين، حكمتيار. والجمعية الإسلامية مَن؟ بُرهان الدين رباني. أليس كذلك؟ لما ذهب الشيخ مُجددي، انتهت فترته، مَن جاء بعده، حكم؟ الجمعية الإسلامية.

الذي هو مَن؟ بُرهان الدين رباني. مثل الزفت حكم! مثل الزفت! فقط أصدر بعض القوانين الإسلامية الظاهرية هكذا، تخيل! وترك الأُسس، بما فيها حتى الانتخاب الحُر النزيه والشورى والديمقراطية! وصارت المعارك الرهيبة، بين الجمعية وقواتها، وبين الحزب وقواته! وسقوط الضحايا بالألوف، وحمامات الدم، شيء رهيب!

وانتقد الشيخ صبغت الله مُجددي نقدا حادا وأليما حُكم بُرهان الدين رباني! وبروفيسور! رباني كان بروفيسورا أيضا في الجامعة، في الإسلاميات! لكن انظر إلى الإسلام السياسي، ذبح بعضهم بعضا، وليس سفكوا الدماء، وحتى الأعراض، الأخوات اعتُديَ على أعراضهن! أي كأنهن سبايا وكذا، هذا الإسلام السياسي! هذا واحد.

ثانيا لن أتحدث عن كل كوارث حُكم الإسلاميين في السودان، عُمر البشير وفضائح عُمر البشير! وضاع جنوب السودان، ببركات حُكم الإسلاميين في السودان – الحمد لله -، ضاع، ضاع! لم تدخل إفريقيا كلها في الإسلام، ضاع منا الجنوب كله، ببركاتهم، ما شاء الله عليهم!

لا، لا، لا، لا! أنا أسألك فقط ما موقف إسلاميي السودان، البشير نفسه وزُمرته، من أستاذهم الأكبر، مُنظّرهم الأول والأوحد؟ الذي هو مَن؟ حسن الترابي – رحمة الله عليه، وغفر الله له، الثاني -. وضعوه في السجن، أهانوه، (بهدلوه)! تقول لي كيف؟ أليس أستاذهم؟ أستاذهم! هو الذي علَّمهم الإسلام السياسي، ولن أقول لك علَّمهم السحر، هو الذي علَّمهم!

فقال لك أصدقاء السياسة، أعداء بعد رياسة. حتى لو كان هذا، الذي اتخذوه عدوا، شيخكم وأستاذكم؟ الترابي؟ قال لك نعم! ضعه في السجن، وندوس عليه. الكرسي هذا! ماذا تظن، لما تأتي – أنت يا عدنان إبراهيم، أو يا حمدان إسماعيل -، وتقول له أنا رجل من أهل العلم، ورأيت رؤيا صالحة، وقرأت كُتبا كثيرة، وعندي وجهة نظر؟

يقول لك نظرك؟ (تنتص) في نظرك! وجهة نظر ماذا؟ نحن عندنا التسبيح وحرق (البخاخير). تقدر على أن تُسبح، تحرق (بخاخير)، وتُدافع عنا في الحق والباطل؟ أهلا وسهلا بك، نُعطيك ما تيسر من العظام التي عندنا. غير هذا، (تنتص) في بصرك، (اطلع انسلخ). يدوسون عليك، أو يضعونك في السجن. فهمت قصدي؟ هذا هو الإسلام، لما يُسيس. هذا لما الدين بقداسته ونزاهته، يُلعب سياسة.

ورأيتم حماس! وهذه حكومة حماس، وما شاء الله! والحريات الرهيبة التي عندها! الحريات المبسوطة! جرِّب أن تذهب، وانتقد وطوِّل لسانك، وانظر ماذا سيصير!

اسكت! لا تُحدِّثني، شيء رهيب الذي يحصل. فمتى سوف نتعلم نحن؟ متى سوف نتعلم الدرس؟ انس! لن نكون هكذا! وعلى فكرة، هناك مسألة أنا لفت إليها في ليطمئن قلبي، وازعجت هؤلاء، المُسيسين:

الحُكم الإسلامي، والحُكم الإسلامي، يا أخي والإسلام لا بُد أن يأخذ فُرصته! هناك شيء غريب جدا يحدث! عجيب! الإسلام لم يأخذ فُرصته في الحُكم؟ قال لك نعم، وضربه أتاتورك Atatürk الملعون هذا، في سنة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين، وكذا!

نعم، نعم، نعم! لكن بصراحة قبل سنة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين، الإسلام ألف وأربعمائة سنة يحكم، يا جماعة! مَن الذي كان يحكم ألف وأربعمائة سنة؟ من الراشدين، فالأُمويين، فالعباسيين، فالمماليك؛ برجية، بحرية! ثم العثمانيين، ثم آل سعود. هو الإسلام يا حبيبي! كله حُكم باسم الإسلام! وكلٌ له وعليه، وما عليه أكثر مما هو له.

تريدون أنتم أن تأتوا الآن، وكأنكم شيء جديد؟ بالعكس، أنتم شيء أسوأ بكثير! على فكرة، سوف تكونون أسوأ من أي حُكم إسلامي مضى في التاريخ، لا (تضحكوا علينا). تعرفون لماذا؟ لأنكم أبناء الحداثة؛ الـ Modernity.

ستقول لي ماذا؟ ولم أفهم! لا، لا! صدِّقني، افهم، افهم! لكن حاول أن تبحث عن فاشية أبي الأعلى المودودي. ستقول لي ماذا؟ اتق الله يا رجل، عيب عليك! أبو الأعلى أستاذ سيد قطب. لولا أبو الأعلى، لما كان هناك سيد قطب أصلا، لا ذهب ولا جاء! كل أفكاره الأساسية من أبي الأعلى المودودي.

على فكرة، المودودي مات – أعتقد – في التاسع والسبعين، الذي صلى عليه الجنازة، في الهند هناك، الشيخ القرضاوي. كان عُمره تقريبا ربما إحدى وخمسين سنة، الشيخ القرضاوي! نفس الخط، على فكرة! هو الإسلام السياسي هذا!

المودودي عنده كتاب اسمه الإسلام في وجه التحديات المُعاصرة، قرأته وأنا صغير، يحكي فيه أن الإسلام ليس أقل من البُلشفيك! وليس أقل من الفاشية! نحن أيضا نظام شمولي! يفتخر! تعرف لماذا؟ لأنه لا يعيش الآن، هو يعيش أيام كان العصر عصر مَن؟ الفاشيات والنازيات، والنُظم الكليانية، التوتالية!

فهذه كانت شيئا كبيرا، فهو يفتخر! قال لك الحمد لله، حتى نحن أيضا فاشيون، لا تخافوا، نحن فاشيون! تعني ماذا فاشيون؟ قال لك نحن لن نسمح لك أن تتنفس، إلا بدليل شرعي! حياتك ممسوكة في يدنا بالكامل! كل شيء الإسلام له رأي فيه، الإسلام رقيب عليك في كل شيء. تخيل! تحك شعرك، تحتاج إلى دليل! توتالية رهيبة مُخيفة مُرعبة، لو حكمت، يا لهول ما سوف تفعله في الناس!

فيفتخر المودودي أن الإسلام فاشي! تقشعر بدنك! لا تُصدِّقني، نزِّل من النت Net، اكتب: الإسلام في وجه التحديات المُعاصرة، أبو الأعلى المودودي! ستقرأ هذا بالحرف. دع هذا! الشيخ حسن البنا، انظر إلى تنظيمه.

وله صورة، حسن البنا، لابس فيها لباسا بُنيا، وواضع هنا هكذا علامة مُلصقة، ولباس عسكر وكشافة! بالضبط نفس أزياء النازيين في إيطاليا! وهو قال لك نعم، أنا أُقلِّدهم. قال لك لِمَ لا؟ القمصان البنية وكذا، ونحن نُقلِّد، نحن أيضا عندنا! عندنا نازيتنا! ماذا؟ طبعا! أبناء العصر!

داعش حداثية! ما بعد حداثية بالكامل داعش، على فكرة! انتبه! هذه الجماعات، وهذا الإسلام السياسي، وهذا اللعب كله، وهذا وهذا، ابن الحداثة، سيكون فيه كل لعنات وويلات الحداثة، سوف تترحمون على يوم حُكم الأموييين والعباسيين والذين أسمهم مماليك، وسوف تقولون كانوا أشرف ألف مرة!

الناس لا تفهم الحقيقة يا جماعة، الناس مأكول بعقلها حلاوة! الإسلام والإسلام هو الحل، ويظنون هذا، لو حكم الإسلام! مثلما كان واهما الرئيس مُرسي – رحمة الله عليه، وغفر الله له -. قال نحن دعونا نُحكم، بعون الله سوف نحل كل مشاكل مصر! في كم؟ كم قال؟ تسعين يوما! تسعين يوما. قال! ثلاثة أشهر.

أنا مُتأكد الرجل لم يكن يكذب، هو كان يُصدق نفسه! ويُصدق أن المسألة بالسهولة هذه! لما دخل المعمعة، أدرك. أنا مرة ضربت مثلا بسيطا، على فكرة! لأنني أراه في الناس. انظر، أي واحد، لما يكون إنسانا بسيطا وساذجا وليس صاحب تجربة، يقع ضحية أوهام.

الآن انظر إلى شخص عادي، احك له عن تجويد القرآن، قل له المنشاوي والشيخ مُصطفى إسماعيل والمقامات، يقول لك جيدون هم، لكن ماذا يعني هذا؟ هل مسألة صعبة هي؟

صعبة؟ تقدر؟ يقول لك أعمل مثلهم! إذن تعال، هيا! ها هو الميكروفون، اطلع، قلِّد لي الشيخ المنشاوي. يصير مثل الصوص، صغير و(يكوكو)، يصير مسخرة! أنا أحكي لك عن تجارب حقيقية عشتها! وينقطع نفسه وينخنق! ما شاء الله على عبد الباسط!

لكن انظر، الكلام – كما قلت لك – لا تُوجد عليه ضريبة، مجاني! الكل يتكلم، خاصة الإنسان الجاهل! الجاهل يقول لك سهلة، ما هذه؟ أعملها! هذا السؤال الفلسفي أُجيب عنه أنا! يأتي يُجيب عنه هو، فيتضح أنه لا يفهم كلمة، مسكين! كلما ناقشته في كلمة، يتضح أنه لا يفهمها، لا يفهمها! لكن هو في الأول قال سأُجيب عنه كله، لا، لا! الكلام هذا كله، كله أرد عليه، أفحمه! الجاهل!

لذلك المُتواضع الحق هو العالم. في الدنيا، طالما أنت في الدنيا، تستطيع أن تَلعب كيف شئت، ويُلعب عليك، وتَلعب على الناس، وتؤلف كلاما ومدائح وكذا! اعمل ما تُريد. بمُجرد أن تموت، ستواجه الحقيقة، انس! ليست الحقيقة كما قددتها أنت، أو توهمتها، أو رغبت أن تكون، لا! الحقيقة كما هي.

وفي الأخير، أكبر خصم لك، سوف يكون مَن هو؟ ضميرك! الذي الله يعرفه، وأنت كنت تعرفه. الله سوف يقول لك تعال يا عبدي، أنت لما قلت كذا وكذا، أنت كنت تعلم لِمَ قلت كذا وكذا.

إذن الخُلاصة، هو هذا! بفضل الله لا تنغروا، لا (يُضحك عليكم). خدمة الإسلام طريق واسعة، يستطيع الكُل أن ينخرط فيها، أنت وأنا وهو وهي، والله العظيم! ونخدم الأمة، ونخدم الإسلام، بأحلى ما يكون!

والله العظيم لو خدمنا الإسلام بهذه الطريقة، من تسعين سنة، لكنا اليوم في مكان آخر مُختلف تماما، ما رأيك؟ على جميع المُستويات! لكانت ديمقراطية وحكومات وشورى وعلم وعلماء ودكاترة وفلاسفة، شيء من أحلى ما يكون! وإسلام روحاني جميل حقيقي، ليس إسلاما سياسيا، تخيل!

لكن ما زلنا نتعثر إلى الآن في أذيالنا، وسجون ومناف وذبح ورابعة وكذا وما لا أعرف! ما هذا؟ إلى متى؟ إلى متى سنظل حمقى هكذا؟ لا بُد أن ننفصل عن هذا الخط بالكامل، وكما قلت لك الإسلام قبلهم وبعدهم وإبانهم، أبدا! الإسلام لا يحتاج كل هذه الأشياء، وبين قوسين في الأخير (صناعة استعمارية)، استحضروا هذا بوضوح، بوضوح! على فكرة.

الاستعمار نفس على فكرة، الاستعمار نفسه الذي الآن يشتغل، هو هذا، هو الذي لا يسمح لهذا الخطاب أيضا أن ينتشر كثيرا، ممنوع، ممنوع! الله يعيننا على ما قلنا وما نقول، ممنوع! أنت تُريد أن تُفسد علينا إذن شُغلنا ومُخططاتنا؟ اسكت! الذي يعرف، يسكت! طبعا؛ لأنهم يشتغلون، لا يزالون!

لا! لا نُريد، لا نُريد! نحن نُريد أن نعيش في سلام، نُسالم دولنا وحكوماتنا وشعوبنا والعالم كله، نحن في سلام مع العالم، نحن لا نُريد مشاكل، الإسلام ليس حربا على العالم وعلى الناس، الإسلام استقرار وأمن وإيمان. أعظم نعمة الأمن، أعظم نعمة!

ماذا قال إبراهيم – عليه السلام -؟ الخليل يا أخي! أنا أُريد أن أسمع حسن البنا وسيد قطب وكذا؟ أسمع إبراهيم الخليل، أبو الأنبياء، أبو الأنبياء! شيخ الأنبياء. قال رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ *. إبراهيم! ولا يحكي عن أمة من تسعين مليون ومئة مليون ومليارين! يحكي عن هاجر وإسماعيل وكذا. تُريد لأولادي وعائلتي يا ربي أن يُصلوا لك وكذا؟ أعطهم الأمان والرزق.

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ *، لماذا يعبدونه؟ الَّذِي أَطْعَمَهُم *… وَآمَنَهُم *… انظر، ها هو، القرآن نفسه، ليس إبراهيم فحسب، الله قال هكذا! أمن ورزق، وبعد ذلك عبادة – إن شاء الله تعالى -. إذا لم يكن هناك أمن، ولم يكن هناك أرزاق، أي عبادة؟ نحن نصير مجانين، نصير أغوالا، يأكل بعضنا بعضا، وباسم الإسلام! وجهاد وحركات مُسلحة!

تبا لكل هذا العبث، تبا لكل هذا الجنون الذي نحن فيه يا إخواني! فكفى، كفى! يجب أن نقول كفى – والله العظيم -. يجب أن نشق طريقا واضحة إلى الأمام – بعون الله تعالى -.

وسوف ترى أن الكل سوف يستفيد، وأول مُستفيد الدين نفسه – والله العظيم – والأمة، وسوف ترى – والله العظيم – يوم يُبشَّر بالدين الصحيح الجميل هذا، سوف ترى كيف الناس من غير المُسلمين يدخلون في دين الله أفواجا.

على فكرة، أنتم ألا تُلاحظون أن مثل الخطاب الذي أفوه به أنا، هناك ناس مُنصّرون، وهناك ناس حاقدون على الإسلام، كثيرا يكرهونه، ويُحاربونني حرب العمى؟ إذن لماذا؟ أنتم – على أساس – تكرهون الإسلام الإرهابي الداعشي القاعدي الذي يقتل ويُذبح، عدنان إبراهيم ضد هذا تماما! قال لك لأن هذا أخطر علينا! ذلك أحسن ذريعة لنا؛ لكي نسب الإسلام. أليس كذلك؟ سب الإسلام ومؤسس الإسلام وقرآن الإسلام وكذا، وعندنا ذريعة!

وقلت لكم قبل ذلك إبراهيم – عليه السلام – لما طلب الرزق والرغد والرفاه… لمَن؟ للمؤمنين. الله لباه؟ قال له لا، والكافرين أيضا. قال لك القرآن! وليس هناك أعظم من كتابي! كتابنا أعظم كتاب! أليس كذلك؟ قال له وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *. أليس كذلك؟

إبراهيم قال لا! اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم *. قال له يا ربي، فقط المؤمنين! إبراهيم – عليه السلام -! الله يُريد أن يُعلِّمه، إبراهيم ليس متعلما كل شيء! الله يُعلِّم، لا يزال! ومن خلالهم يُعلِّمنا. لم نتعلَّم، لم نتعلَّم!

قال له اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ *. قَالَ *، مَن هنا الذي قال؟ الله. وَمَن كَفَرَ *. يا سلام! أُقسم بالله شيء يقشعر! عظمة! هذا ليس كلام محمد، محمد مَن؟ محمد يعرف الكلام هذا؟ ولا يقدر، ولا هناك مخ يقدر، هذا رب العالمين!

لأنه رب العالمين! رب المؤمن والكافر، فالكافر ليس له رب إلا الله، أليس كذلك؟ الله يُريد أن يقول لك لا، أنا أُريد أن أعمل إسلاما سياسيا، إسلاما سياسيا يُعطي الحق في الحياة والرغد والرفاه فقط للمؤمنين الصالحين، والآخرون في (ستين داهية)؟

يُوجد عندكم تنظيم إسلامي شهير معروف، قال لك مال الجماعة للجماعة! ما شاء الله! بالمكشوف! مالنا لنا. معناها أنتم جماعة، أي ميلشية، أنتم لست حُكما! وكيف تحكمون البلد أنتم؟ تكذبون على مَن لا تزالون أنتم؟ تلعبون الأدوار المُزدوجة اللعينة هذه كيف؟ كيف تسمحون لأنفسكم أنتم؟ كيف سوف تلقون الله؟ كيف تحكمون الناس؟ اتقوا الله!

الله لم يقل هكذا، قال له وَمَن كَفَرَ *. فهمت كيف؟ المسائل سهلة، على فكرة! سهلة! يُمكن أن تنقض كل هذا الغزل، وكل هذا الخداع باسم الدين، بآيات بسيطة، صارمة! لكن لا بُد أن يكون عندك وعي، وألا تكون مُغفلا و(يُضحك عليك).

أعني أن أحد البواعث للخُطبة: لم أقدر – اقشعر بدني الآن -، لم أقدر على أن أُنكر بيني وبين نفسي أنني استفدت من الشيخ القرضاوي، في أشياء كثيرة – الحمد لله – في العلم! في فقه الجهاد أشياء مُعينة، في فقة الزكاة وأنا صغير! فالرجل له فضل علي، معناها لا أقدر على أن أُنكر، انتهى! تعلَّمت منه أشياء، من كُتبه، فله فضل.

فمن أجل ذلك أنا أتيت؛ لكي أقول ترحم واستغفر. لكن لا أقدر على أن أُعطي شيكا على بياض، ويجب أن أنصح للأمة؛ لكي لا نظل نُكرِّر أخطاء الشيخ القرضاوي – رحمة الله عليه -! لكن يُسعدنا – والله العظيم -، ونلهج بالدعاء، أن ندعو له بالمغفرة والرحمة، وأن يكون فيما كتب من علم، ووضع من علم، ما يشفع له – إن شاء الله تعالى -، والله كريم ورحيم! لكن الغلط غلط، والصح صح، يا إخواني، واضح؟

لكن خُطبة اليوم جاءت؛ لكي تزيد على هذه الجُملة المُهمة، المفروض – كما قلت – ألا تكون مثار نزاع أو خلاف؛ أن نقول هذا لما غلط فيه الشيخ، وخاصة الغلطات الكبيرة! لم نأت إلى هنا، ولا يجوز لنا أصلا، لكي نُناقشه الحساب في أخطاء فقهية وعلمية، لا، لا! هو عالم، وأعلم منا في الفقه والأشياء هذه.

لا! أتينا في الموضوعات السياسية، التي تورط فيها، ورأينا النتائج! أسوأ بكثير مما ظن هو أو ظننا! مزيدا من الدمار، مزيدا من الدماء، مزيدا من الخسارة، مزيدا حتى من خروج أبناء الإسلام من الدين، شيء فظيع الذي صار! شيء رهيب، رهيب، رهيب، رهيب! فكان لا بُد وضع نُقطة، وفتح الحساب لهذه الحقبة! ما الذي حصل؟ أين الغلط؟ ونقول ونُوضِّح.

ويعلم الله أن… كيف يُمكنني أن أقول لك إذن؟ الله وحده عليم، كان يجب أن نقعد هذا المقعد ونقول، فقط من باب النُصح لأنفسنا وللأمة، والله العظيم! شعرت بهذا. الأفضل لي أنا كشخص، كعدنان هكذا، ألا أحكي، كنت لا أتكلم، انتهى، اسكت!

فكان لا بُد أن أحكي؛ لكي لا تبقى الأمة تهيم في أودية الضلال، تسمع مشايخ وعلماء ودكاترة أفاضل، يقولون إمام الأمة، الوارث المُحمدي، والله! ولا واحد ذكر مسألة تاب عنها هو. القرضاوي لم يعلن توبة إلى الله. يا ليتها عملها! يا ليته عملها وقال أنا والله أتوب إلى الله وإلى الأمة، يا ليتني ما دخلت كذا وكذا وكذا!

والله يضعنا في الطريق التي هو يرضاها، أننا نظل نحكي الحق الذي يُرضي الله – عز وجل -، لا نتلون ولا كذا، نحكي الشيء الذي يُرضي الله، حتى لو فيه خسارتنا، تصور؟ وحتى لو فيه وفاتنا.

وإن شاء الله يوم الإسلام آت، آت! وهو قريب. سألني الشيخ الذي يرى كذا، قال لي يا فلان إذن هل ترى الفرج قريب؟ قلت له الفرج قد بدأ – بفضل الله -. والله العظيم! هو يظن غير هذا. قلت له لا، أنا الذي أراه – بفضل الله -، وأنا مُستبشر به، أنه قبل بضع سنين بدأ.

يوم بدأ ينحدر الطرح السياسي للإسلام، صدِّقني، بدأ يوم الإسلام! صدِّقني، بدأ يوم الإسلام! الناس الآن أعطش ما تكون إلى مَن يُحدِّثها عن الدين الخام، الصافي، الواضح، البعيد عن التوظيف السياسي وغيره. لو سمعوه، فسوف يرتاحون!

يقول لك هذا صح. تعال وتكلَّم له أي كلام، مهما كان رهيبا، ولمصلحته – ولمصلحتك وسوف نجعلك كذا -، ووظِّف لك إياه سياسيا، فسوف يقول لك لا، لا، السلام عليكم، توقفنا، لن نُلدغ من الجحر ألف مرة، كفى! الناس كفرت بكل هذا المشروع، افهموا، انظروا إلى الواقع كما هو.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

(انتهت المُحاضرة بحمد الله)

فيينا (30/9/2022)