‫سلسلة نظرية التطور l الدكتور عدنان إبراهيم l الحلقة 16

نظرية التطور 

السلسلة الأولى: الأدلة والمؤيدات

الحلقة السادسة عشرة

التطور الصُغروي – الجزء الأول

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المُرسّلين سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمين وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً.

أما بعد، أحبتي في الله، إخواني وأخواتي: السلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته، في هذه الحلقة سنبدأ بحول الله تبارك وتعالى في استعراض أدلة التطور، إلى الآن تقريباً ست عشرة حلقة أو خمس عشرة حلقة قضيناها في استعراضٍ تاريخي مُفصَّل للنظرية وما اكتنفها من ظروف مُختلِفة والمعارك التي خاضتها هذه النظرية والمد والجزر الذي اعتورها حتى استوت على سوقها في شكل نظرية تقريباً جديدة تُعرَف بالنظرية التركيبية المُعاصِرة أو التركيبية التطورية المُعاصِرة التي ختمنا بالحديث عنها الحلقة الأخيرة الخامسة عشرة مُلخِصين لها في عشر نقاط، فمَن أراد أن يفهم التطور فعليه أن يفهمه من خلال التركيبية المُعاصِرة، ومَن أراد أن يُسدِد للتطور أيضاً بعض النقود أو المُلاحَظات والمُؤخذات فعليه أن يتعامل مع هذه النُسخة الأخيرة وليس مع النُسخة الأولية البدائية لتشارلز داروين Charles Darwin فضلاً عن النُسخ التي تلت ذلك.

في هذه الحلقة السادسة عشرة سنتحدَّث ولنكن واضحين – نحن لا نُريد أن نُمارِس الإغماض والالتباس الذي يفتعله بعض التطوريين بقصودٍ لا تخفى – عن التطور الصُغروي أو التطور الصغير الـ Microevolution، وليس عن التطور الكبير وتطور الانتواع، فلن نتحدث عن انتواع، ولن تسمعوا في حلقة اليوم والحلقات التي تتلوها – بإذن الله – بصدد التطور الصغير أو الصُغروي أي شئٍ بصدد الانتواع، فلن تروا نوعاً يخرج من نوع ولن تروا نوعاً يتطور من نوع، إنما سترون ضروباً من التكيفات والتغايرات تطرأ على النوع نفسه، وهذا الضرب من التغيرات والتباينات يقبله التكوينيون ويقبله الخلقويون  Creationists، فالإلهيون والمُؤمِنون وأتباع الأديان السماوية يقبلون هذا ويستخدمونه دليلاً على وجود الله وعلى جميل صنعه بمخلوقاته كما سوف ترون، فأنتم ستُمارِسون هذا تلقائياً وسوف ترون أن هذا يدل على الله – تبارك وتعالى -ولا يدل على نفيه، لكن التطوريون على كل حال يعتمِدون نماذج كثيرة جداً تُعّد بالمئين من التطور الصغير أو الصُغروي على أنها أدلة حقيقية وقوية للتطور، وسوف نرى هذا وسوف نُناقِش هذا الحساب لكن في السلسلة الثانية، لكن أردت أن أكون واضحاً معكم منذ البداية، وهذه الأدلة في هذه الحلقات طبعاً ستتلوها أدلة أو ما يُرى أنه أدلة على التطور الكبير أو الكُبروي لكن بعد ذلك، فنبدأ بأقوى الأدلة وهى الأدلة الثابتة فعلاً على التطور الصغير أو الـ Microevolution،وطبعاً التطور الصغير يُمكِن أن يُعبَّر ويُمكِن أن نُعرِّفه تعريفاً مبدئياً إجمالياً بالقول إنه الانتخاب الطبيعي – Natural Selection – وهو يعمل.

تشارلز داروين

تشارلز داروين

تشارلز داروين Charles Darwin تحدَّث عن الانتخاب الطبيعي حديثاً نظرياً مُسهَباً لكنه لم يدعم حديثه بأمثلةٍ ونماذج مما رآه هو أو رآه غيره في زمانه، فهو لم يُفلِح في هذا ولم يفعل هذا ولم يُعنى أحدٌ في وقته أن يفعل هذا، إنما أتانا بأدلة على الانتخاب الاصطناعي أو الاستيلاد الاصطناعي Artificial Selection، فهو أتى بأدلة كثيرة قوية ومُوحية عن هذا وليس عن الانتخاب الطبيعي وذلك بحكم طبيعته، فهو يعمل في زمانية طويلة مُمتَدة لا يُمكِن أن تراه عين الإنسان في جيل واحد أو جيلين أو حتى ثلاثة أجيال على أن الجيل البشري الواحد يُساوي عشرين سنة، فالتطور بالانتخاب الطبيعي في نظام داروين Darwin لا يُمكِن أن يراه الإنسان في ثمانين وفي مائة سنة وفي خمسة أجيال مثلاً، هذا لا يُمكِن لأنه يحتاج إلى أزمان مُتمادية مُتطاوِلة جداً.

John Endler جون إندلر

جون إندلر John Endler

ما سنراه اليوم هو التطور يعمل أو قيد العمل In Action، لكن بالانتخاب الطبيعي على مُستوى النوع نفسه، أي داخل النوع ذاته، وهو التطور الصغير، إذن التطور قيد العمل أو كما استحب أن يدعوه التطوري الصلب ريتشارد دوكنز Richard Dawkins بالتطور أمام أعيننا Before Our Very Eyes، أي أمام أعيننا مُباشَرةً وهو يعمل، وهناك عالم تطوري كبير مشهور طبعاً في هذا الحقل إسمه جون إندلر John Endler أحصى في كتاب مشهور جداً على الإطلاق – لعله أشهر الكتب الجامعة للنماذج – إسمه الانتخاب الطبيعي في البرية Natural Selection in the Wild مائة وخمسين حالة للتطور وهو يعمل، وأعتقد أنه نشره في سنة 1986، أي أنه يُعتبَر قديماً الآن نسبياً، فجون إندلر John Endler أحصى مائة وخمسين حالة للتطور وهو يعمل In Action، لكن كل هذه الحالات كلها حالات من التطور الصغير أو الصُغروي، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه لأنه

مُهِم جداً، ونحن اليوم في هذه الحلقة وربما في حلقتين تتلو هذه الحلقة سنعرض لبعض هذه النماذج ولأشهر هذه النماذج التي أصبحت أيقونات – Icons – للتطور، فهى نماذج مشهورة جداً مثل براقش داروين Darwin أو الفينشز Finches الخاصة بداروين Darwin كما يُقال، فهى أصبحت أيقونة – Icon – للتطور، على أنها تُشير إلى تطور صغير وليس إلى تطور كبير، مع أنها أيقونة – Icon – من أيقونات – Icons – التطور، فيجب أن ندفع الالتباس منذ البداية وأن نكون مُحدَدين وواضحين.

نبدأ بسمك الجوبي Guppy، لكن لماذا أبدأ بسمك الجوبي Guppy؟ هذا السمك الجميل الذي يعيش في المياه العذبة مشهور جداً، وهو يعيش في الأحواض – Aquariums – التي تعيش فيها أسماك الزينة، وهو سمك فضي جميل أزرق بذيل مُزركَش وفيه بُقع كبيرة وصغيرة، المُهِم هو أن سمك الجوبي Guppy هذا المُلتمِع المُتألِق الجميل بدأت به أو آثرت – أي اخترت – أن أبدأ به لأن التجربة الفضل

الانتخاب الطبيعي في البرية Natural Selection in the Wild

الانتخاب الطبيعي في البرية Natural Selection in the Wild

فيها يعود إلى جون إندلر John Endler الذي ذكرت لكم أنه صاحب الكتاب الشهير الانتخاب الطبيعي في البرية Natural Selection in the Wild، فهو الذي قام بهذه التجربة، لكن ماذا فعل جون إندلر John Endler؟ سمك الجوبي Guppy ذكوره تجذب إناثه بفضل ألوانها الزاهية البرّاقة، وتعيش أسماك الجوبي Guppy عموماً في أحواض وفي جداول الماء في البرية وليس في الأحواض الصناعية على خلفيات مُختلِفة، وبعض هذه الخلفيات يكون فيها الحصى الغليظ، أي رمال كبيرة أشبه بالحصى الغليظ، فتكون لها – أي لهذه الأسماك – بُقعة مُعينة تُتناسِب خلفيتها، فلماذا إذن؟لدينا هُنا ضرورتان، أولاً ضرورة الكاموفلاج Camouflage أو التمويه، وثانياً ضرورة الازدهاء والزهو الجنسي، أي حتى تنتخب الإناث الذكور Sexual Selection كما حدثناكم عنه قبل ذلك، فهناك حالات كثيرة، وهذه حالة من حالات الانتخاب الجنسي، ولدينا حالات الطواويس ولدينا حالات الدراج  Phasianid وحالات كثيرة تُمارِس فيها الحيوانات الانتخاب الجنسي على حساب حتى ميزات بقائية بحيث يتعرض الذكر للافتراس أو لخطر الافتراس، ويبدو عند المُوازَنة تُفضِل الذكور كما الإناث أن يتعرض للافتراس على أن يبقى مزهواً بجماله وبهائه، فهذا الذي يحدث وسنُناقِش أيضاً هذه الفكرة مُعمَقاً في السلسلة الثانية، لأن الانتخاب الجنسي يُمكِن أن يخدم في اتجاه تأييد نظرية التطور كما يُمكِن أن يخدم في الاتجاه الناقض بشدة لنظرية التطور، وفكِّروا في هذا ملياً وخذوا وقتكم، وهناك خلفيات أخرى يكون فيها الحصى ناعم جداً مثل الرمال الصغيرة، فماذا فعل جون إندلر John Endler؟ صنع أو بنى عشر برك – جمع بركة – صناعية، ثم قسم هذه البرك العشر أو العشرة – يجوز الآن أن تقول البرك العشر أو العشرة، لكن قبل ذك ينبغي أن تقول عشر برك، لكن الآن يُمكِن أن تقول برك عشر أو برك عشرة، كلاهما فصيحان صحيحان – قسمين،فجعل خلفية خمس منها – أي خمس برك من هذه البرك – بالحصى الغليظ وبالحصى الكبير، وخلفية خمس برك أخرى – وهى سائر البرك – بالحصى الدقيق جداً الذي يُشبِه الرمال الناعمة، ثم بعد ذلك أخذ بركتين – بركة من الحصى الغليظ وبركة من الحصى الناعم – وأخلاهما أو سيخليهما من المُفترِسات Predators، فلن يكون فيهما أي مُفترِس لأسماك الجوبي Guppy – أي الـGuppies، فالـ Guppies هى مجموعة من أسماك الجوبي Guppy مجموعة، والواحدة منها تُسمى جوبي Guppy – الخاصة به، ثم بقيَ لديه ثمان برك، فأخذ أربعة من هذه البرك وجعلها مُستعمَرة لمُفترِس قوي يُشكِّل خطراً حقيقياً جدياً على أسماك الجوبي Guppy وهو رمح البلطي Pike cichlids، فرمح البلطي Pike cichlids يُعتبَر مُفترِساً قوياً خطيراً جداً على أسماك الجوبي Guppy، وسوف يضع رمح البلطي في أربعة من هذه البرك، اثنتان منهما بحصى غليظ واثنتان منهما بحصى ناعم، والآن بقيَ لديه أربع برك، فسوف يضع في الأربع البرك مُفترِسات ضعيفة لا تُشكِل خطراً، فتقريباً وجودها كعدمها، لكن لماذا يضعها؟ هو لديه بركتان بلا مُفترِسات، وهذا ظرف حاكم – كما يُقال في علم التجربة وفي الأدبيات التجريبية – في التجربة يجعلها أكثر طبيعيةً وأقرب من الواقع الطبيعي – الـ Real – من عدم وجوده أو مُقارنَةً بحال عدم وجوده، لكن لماذا؟ لأنه في البرية – Wild – تقريباً لا توجد جداول ماء يعيش فيها الجوبي Guppy أو غير الجوبي Guppy بلا مُفترِسات، فهذا قانون الله – تبارك وتعالى – وهم يُسمونه قانون الطبيعة:

ولكل شيءٍ آفةٌ من جنسهِ                     حتى الحديدُ سطا عليه المبردُ.
ففي الطبيعة في كل الجداول وفي كل المياه هناك مُفترِسات، إذن لنضع مُفترِسات ضعيفة وإن كان وجودها كعدمه من أجل أن نُحاكي الواقع في طبيعيته.

Guppy

الآن فهمنا كيف صُمِمَت التجربة، والآن سوف يترك البروفيسور Professor جون إندلر John Endler هذه الأسماك – أسماك الـ Guppies – في البرك العشر كما وصفناها لستة أشهر تتوالد وتتناسل وتتكاثر بشكل طبيعي كما هى من غير أي مُفترِسات، فما الذي يحدث الآن؟ تتكاثر كما تتكاثر بشكل عام، لكن علينا أن ننتبه إلى أن في هذه الحالة سوف نرى أن الأسماك تميل إلى أن يزدهي ذكورها بمزيد من عوامل الإغراء للإناث، فمثلاً البُقع الكبيرة هى عوامل جذّابة على بدن السمكة، وفي غياب المُفترِسات من المفروض هنا تنبؤات نظرية التطور تُفيد بأن الذكور يجب أن تُطوِّر عوامل جذب للإناث أكثر، وطبعاً كل نظرية علمية أحد أهم أركان نجاحها أو عناصر وعوامل نجاحها أن تُقدِّم تنبؤات، ثم تُختبَر هذه التنبؤات، لكي نرى هل تنجح أو لا تنجح، فالنظرية التي لا تستطيع أن تُقدِّم تنبؤات لا يُمكِن أن تُعتبَّر نظرية علمية، لذلك بشكل مبدئي الآن – هذا سنخوضه في التجربة أيضاً أي في السلسلة الثانية – نقول أن نظرية التصميم الذكي Intelligent Design Theory ID)) في الحقيقة هى نظرية تعجز فعلاً إلى حد بعيد عن تقديم تنبؤات، فهى تُحاوِل أن تُقدِّم انتقادات فقط لنظرية التطوروتُحيل دائماً على عامل آخر ذكي، على عامل مُصمِّم Designer يتمتع بالذكاء وما إلى ذلك، ولكن هل تستطيع الـ ID Theory أن تُقدِّم تنبؤات مُعينة وتُختبَر؟ للأسف لم تفعل هذا ولو لمرة، والذين كتبوا فيها هم أيضاً بروفيسورات – Professors – وأساتذة كبار في العلوم على مُستوى العالم أيضاً لكنهم لم يفعلوا هذا، فالنظرية تصميمها أصلاً تقريباً لا يسمح بأن تُقدِّم ذلك، لكن نظرية التطور قدمت تنؤات كثيرة ولاتزال تُقدِّم وتُختبَر هذه التنبؤات، والآن – مثلاً – من التنبؤات المُقترَحة هى أن في ظل عدم وجود المُفترِسات في بيئة هادئة مُسالِمة تماماً من المفروض أن تُطوِّر الذكور عوامل جذب للإناث أكثر كما يقول التطوريون، وهذا الذي حدث، يعني الآن لن يكون حتى للتمويه – الكاموفلاج Camouflage، أي أنها تُموِه نفسها – أرجحية، لكن لماذا هى تُموِه نفسها؟ لأنها تُحاوِل أن تتماهى بالخلفية، فمثلاً إذا كانت الخلفية ذات حصى دقيق جداً فمن مصلحة الأسماك أن تكون بُقعها على أبدانها دقيقة جداً وصغيرة حتى تتماهى بالخلفية،وإن كانت الخلفية ذات حصى غليظ يجب أن تكون هذه البُقع – Spots – ذات حجم كبير لكي تتماهى بالخلفية، وهذا في حال وجود المُفترِسات، لكن في حال عدم وجود المُفترِسات يكون العكس، وهذا الذي حدث، وهذا معناه أن الانتخاب الطبيعي يشتغل – It Works – ويعمل، فهذا نجح، لكن على كل حال ليس هذا هو المُهِم الآن، فنحن لم ندخل في التجربة الآن، هذه بداية التجربة فقط، لكن هو تركها ستة أشهر، وبعد ذلك وضع ماء – كما ذكرت لكم – ووضع في برك أربعة المُفترِسات من رمح البلطي، ووضع في أربع بركة أخرى مُفترِسات ضعيفة، وأخلى بركتين من أي مُفترِسات، وتركها بغير تعداد لخمسة أشهر، وبعد خمسة أشهر جاء وبدأ يعد، وطبعاً الآن البروفيسور Professor إندلر Endler مُهتَم بموضع البُقع مبدئياً طبعاً، فهو كان اهتمامه بموضوع البُقع من حيث عدد البُقع وأحجام البُقع، وعلى كل حال بعد خمسة أشهر بدأ يعد ما يُوجَد في كل البرك بما فيها طبعاً البرك التي فيها المُفترِس القوي، وهذا هو أهم شيئ، وبعد إجمالي أربعة عشر شهراً – تسعة أشهر بالإضافة إلى خمسة أشهر، فالإجمالي هو أربعة عشر شهراً – جاء وأعاد التعداد من أول وجديد، في الستة أشهر الأولى حصل ما ذكرت لكم، وهذا مفهوم، لكن ما الذي سيحدث بعد ذلك الآن؟ الذي سيحدث هو ما لاحظه وكان يتوافق تماماً مع تنبؤات نظرية التطور، ففي البرك التي فيها المُفترِسات القوية في الخلفية ذات الحصى الغليظ أصبحت البُقع عموماً تتماهى مع حجوم هذه الحصيات الغليظة، فهذا هو المطلوب الآن للتمويه، فالتموية هو المطلوب هنا، وفي البرك ذات الخلفية الحصى الدقيق جداً حدث نفس الشيئ، فالبقع أصبحت دقيقة، وهذا يعني أن الانتخاب الجنسي الآن أصبح مُتراجِعاً، فالاعتبار والاهتمام بالبقاء – Survival – حتى لا تنقرض وحتى لا تموت.

قد يقول لي أحدكم الآن: هذا الكلام فيه حلقة مفقودة، فيه شيئ غير مفهوم، فهل الأسماك تُدرِك هذا حقيقةً؟ هل تُدرِك أن رمح البلطي يُشكِّل خطراً؟ طبعاً معروف في الكائنات غير المُتطوِرة عموماً أن الكائن لا يُدرِك ولا يعي ماذا يُفكِر فيه الآخر أصلاً، فنحن نعرف هذا تماماً في علم النفس وفي علوم الدماغ والأعصاب، فكلما ارتقى الكائن في سلم التطور أصبح لديه القدرة على أن يعرف ماذا يُفكِّر فيه الآخر، ولذا الإنسان يتميز بهذا، وهذا يبدأ مع الطفل بعد قليل وليس بُمجرَد ولادته أو في الأشهر الأولى، وإنما بعد قليل، في حين أن الشمبانزي Chimpanzee يتأخر في هذا، لكن هل الأسماك تُدرِك هذا؟ قطعاً لا تُدرِك، مُستحيل أن تُدرِك الأسماك هذا، ويستحيل أن السمكة تُدرِك – سمك الجوبي Guppy مثلاً – كيف يُفكِّر المُفترِس رمح البلطي وأنه إن رأني بكذا وكذا سوف يفعل كذا، فهذا الكلام غير موجود على الإطلاق، وهى لا تُدرِك نفسها ولا ترى نفسها أصلاً، فهى ليس عندها مرآة لترى نفسها، ولا تستطيع أن تُدرِك أن شكل البُقع وعدد البُقع عليها جسمها سيكون مُماثِلاً أو مُضاهياً له على جسم أختها مثلاً، فهذا غير موجود في عالم الأسماك، وهذا شيئ عجيب، وهى لا تُدرِك أيضاً أن هذه البُقع تُماهي الحصى الغليظ مثلاً، فهى لا تُدرِك شيئاً من هذا، لكن ما الذي يحدث؟ يقول التطوريون يحدث انتخاب طبيعي، لكن ما معنى انتخاب طبيعي؟ وكيف تجري المسائل في الطبيعة؟ باختصار مثلاً في البدايات حين تكون البُقعة كبيرة في خلفية الحصى فيها دقيق وليس غليظاً سوف تُلتَهم هذه الأسماك، لأنها سوف تدل على نفسها وبالتالي رمح البلطي سوف يراها ومن ثم يأتي يلتهمها، والآن عدد قليل – سمكة أو أكثر – من الأسماك يكون فيه هذا التغاير وهذه الصفة المُباينة وذلك بأي حكم من الأحكام، سواء بحكم طفرة أو بحكم جينات Genes تشتغل أو بحكم أي شيئ، هذا ليس لنا علاقة به لكن المُهِم هو وجود برنامج جيني مضبوط أو طفرة في هذا البرنامج، فهى أصبح لديها بُقع صغيرة بدل البُقع الكبيرة، وهذه لديها فرصة أن تُموِه نفسها، لكن هى لا تُدرِك أنها تُموِه نفسها، فهكذا الأمور تجري بطبيعتها دون أن يُدرِك أحد، فلا البلطي يُدرِك ولا السمك يُدرِك ولا الطبيعة ولا الانتخاب الطبيعي الذي هو ليس كيان يُدرِك ويفهم، فهذا الكلام غير موجود، وطبعاً التطوريون يُؤكِدون هذا، فيقول لك الواحد منهم حين تُناقِشه لا تُناقِشني على أن الانتخاب الطبيعي كيان حقيقي وتبدأ تُوجِه له النقد، فنحن لا نقول هذا، هذا مُجرَّد مجاز Metaphor، علماً بأنني نبَّهت على هذا، لكن هكذا تجري الأمور وينبغي أن تجري هكذا، وذلك لأن البلطي لن يرى الأسماك التي تتماهى تقريباً إلى حد بعيد مع خلفياتها، فهو سيعجز عن أن يراها وبالتالي لن يفترسها، ومن ثم سيطول عمرها إذن، وسيكون لديها فرصة أن تُمرِّر جيناتها عن طريق أن تتناسل أكثر، وبعد جيل أو جيلين أو عشرة أو عشرين أو مائة أو مائتين أو ألف أو ألفين سوف نصل إلى نُقطة تستحوذ فيها هذه الأسماك الناجية على المشهد، فتقريباً لن يوجد إلا الأسماك الناجية بالبُقع الصغيرة، وسوف تختفي الأسماك بالبُقع الكبيرة لأنها تكون قد التُهِمَت، وهذا هو الانتخاب الطبيعي، فالموضوع لا يتعلَّق بأن هذا يُدرِك وهذه تُدرِك، فهذا الكلام غير موجود بالمرة، لكن أيضاً هذا إلى الآن كلام غير كافٍ، فسوف تسمعون في السلسلة الثانية أشياء عجيبة جداً لها علاقة بالتمويه – الكاموفلاج Camouflage – ولها علاقة بهذا الإدراك الذي سحبناه ولم نُرِد أن نُسقِطه على الطبيعة، سواء على المُفترِس أو الطريدة أو هذا المُسمى بالانتخاب الطبيعي، لكن على كل حال سوف نرى، فهل هناك فعلاً ثمة شيئ يتحرك أو ثمة وعي أو ثمة إدراك أو ثمة خُطةأو ثمة منطق ما؟ هذا شيئ مُحير ولكننا سوف نرى هذا بالتفصيل!

أنا أعتقد بقدر جمال نظرية التطور وبساطتها وقدرتها التفسيرية لأشياء كثيرة سوف يكون النقد أيضاً لها في أمور كثيرة أكثر جمالاً وأكثر عمقاً، والمفروض أن يستفيد منه أعداء التطور وقبل ذلك نُصراء التطور حتى يُعمِّقوا اللوازم أو التوالي الفلسفية لنظريتهم بطريقة صحيحة وليس بطريقة خاطئة كما يفعل أكثرهم خدمةً للإلحاد ولإنكار وجود الله والمُصمِّم وهذه الأشياء، قالمسألة أعقد من هذا بكثير ولذلك أعتقد أن الأمر يستحق أن نقضى فيه كل هذا الوقت الطويل، فنحن قضينا خمس عشرة ساعة تقريباً في التأريخ للنظرية وتاريخ النظرية، والآن سنقضي أكثر من ذلك أكيد في أدلة النظرية، لكن سنكون قد تعمقنا وأسسنا على أساس قوي ومتين، وبعد ذلك نبدأ نتأمل وننتقد ونرى أيضاً ما سجلته الأقدام الناقدة الأخرى حول العالم من المُتخصِصين ومَن يمت إليهم بسبب أو بآخر!

إذن النتيجة هى أن الأسماك في الأحواض التي فيها المُفترِسات بدأت تعمل على تمويه نفسها حتى تنجو، ولكن ماذا حدث في الأحواض التي ليس فيها مُفترِسات – حوضان أو بركتان – أو التي فيها مُفترِسات ضعيفة – Weak Predators – وهى أربع برك؟ حدث العكس تماماً، فتقريباً هذا المُفترِس الضعيف كأنه غير موجود، وعلى كل حال حدث العكس، والعكس ليس فقط في أن الأسماك الذكور بدأت تزدهي وتُكوِّن بُقعاً جذّابة للإناث كبيرة مع أنها ضد التمويه لكنها تعمل للجاذبية الجنسية أو الجذب الجنسي، فسوف يحدث شيئ أعجب من هذا في أمور أخرى الآن سنتلوها عليكم، لكن ما هو هذا؟ جون إندلر John Endler تابع معه هذه التجربة علماء

ديفيد رزنيك David Reznick

ديفيد رزنيك David Reznick

آخرون لأنها تجربة طويلة، فهى امتدت لفترة طويلة، وكان أحدهم يُدعى ديفيد رزنيك David Reznick، فديفيد رزنيك David Reznick من الذين تابعوا مع جون إندلر John Endler في هذه التجربة المُثيرة جداً والتي ثبت بها – كما يقولون – أن الانتخاب الطبيعي موجود وأنه يعمل أمام أعيننا Before Your Very Eyes، فلاحظنا هذا في بضع سنين أو أقل من هذا، لكن هم في أشهر لاحظوا هذا، ففي سنة وشهرين لاحظوا هذه النتائج المبدئية، لكن في الحقيقة رزنيك Reznick وصل بعد ذلك لسنين مع أسماك الجوبي Guppy، وعلى كل حال كلاهما – أي إندلر Endler ورزنيك Reznick – لاحظا ماذكرناه إلى الآن بخصوص البُقع والتمويه وعدد البُقع وأحجامها وكيفيتها، وهذا يسمونه بالتباعد التطوري، فهكذا يُسمى في مُصطلَح النظرية بالتباعد التطوري، وهذا هو جوهر تنبؤ التطور في هذه التجربة، لكن ما هو التباعد التطوري؟ المفروض إذا كان التطور صحيحاً والانتخاب الطبيعي يعمل ويشتغل أن يحدث لهذه الأسماك في البرك المُختلِفة تباعد بحسب التهديد وبحسب المُفترِس – المُفترِس موجود أو غير موجود، قوي أو غير قوي – وبحسب الخلفية، فالمفروض أن ننتهي إلى استبقاء الأسماك التي لها ميزات الآن وصفات مُغايرة عمل عليها الانتخاب الطبيعي طبعاً بحيث تنجو تبقى وتمتد، بمعنى – كما قلت لكم – أن تُؤثِر موضوع التمويه على موضوع الجاذبية الجنسية فتتماهى مع خلفياتها، ولكن عجيب أنك ترى في البداية في هذه الأحواض أسماكاً مثلاُ ببُقع مُختلِفة – بعضها كبير وبعضها مُتوسِط وبعضها صغير – وفي هذه الأحواض نفس الشيئ، وبعد سنة ونصف السنة ترى في هذه الأحواض فقط أسماكاً ببُقع كبيرة، وفي هذه الأحواض أسماكاً ببُقع صغيرة، فأين ذهبت الأسماك ذات البُقع الكبيرة؟ كل شئ تغيَّر وتبدل، وهذا إسمه التباعد التطوري،لأن الانتخاب الطبيعي يشتغل ويستبقي الأصلح Fittest، فهذا الذي حدث، وقد رأينا هذا، ولكن – كما قلت لكم – هذا لم يُخرِج الأسماك عن أن تكون أسماكاً، وأسمالك الـ Guppies بقيت كما Guppies، فقط الاختلاف في موضوع البُقع من حيث عددها وأحجامها.

لاحظ كلاهما أن هذه قمة جبل الجليد، فهناك شيئ أعجب من هذا بكثير، وهو أننا سوف نرى أن أسماك الجوبي Guppy في الجداول أو الأحواض التي فيها المُفترِسات القوية تبلغ نضجها الجنسي مُبكِّراً، وهذا شيئ عجيب، فهى تُبكِّر في النضج الجنسي لكي تُنقِذ نفسها، لأنها إن لم تفعل هذا سوف تفنى، فهناك شيئ – سبحان الله – عجيب يشتغل هنا كما قلت لكم، هى تبلغ نضجها الجنسي في وقتٍ أبكر من الأخرى، ووتيرة تناسلها أو تعداد ذّراياتها أكثر وأعلى، وهذه الذُرية تكون أكثر عدداً لكن أصغر حجوماً وإن كانت كثيرة، وذلك ليبقى هناك ما يعيش مهما التهم هذا المُفترِس، وعكس هذا يحدث في البرك التي خلت من المُفترِسات أو فيها مُفترِسات ضعيفة، فما الذي يحدث إذن؟ يتأخر نضج الأسماك جنسياً، ووتيرة التعداد نفسها تُصبِح واطئة، فتضع بيوضاً أقل وتكون أحجامها أكبر بعد ذلك، فتكون الأسماك أكبر وإن كانت أقل عدداً، وهى كلها قضايا نسبية طبعاً، فهى ليست أقل بشكل هائل لكن أقل بشكل نسبي، وهذه مُلاحَظة مفهومة جداً، فمعروف لماذا – كما قلت لكم – يُريد هذا أن يُسرِع في النمو، وذلك لكي يُنقِذ نفسه وإلا سوف يموت، في حين أن السمك في الجهة الأُخرى يعيش في أمان فينضج بشكل بطيء ويستغرق وقتاً أطول، أي أنه يأخذ وقته كما يُقال، فتكون الأعداد أقل وتكون الأحجام أكبر، وهذا كان مُثيراً جداً لرزنيك Reznick وإندلر Endler، فهو من أعجب ما يكون، ولذا قالا “هذا التطور يعمل إذن بشكل مُباشِر”.

هناك تجربة أعجب من هذا، ففي مُقابِل الشواطئ أو الساحل الكراوتي – كرواتيا، يوغوسلافيا السابقة Ex Yugoslavia – تُوجَد جزيرتان، جزيرة تُعرَف ببود مرتشارو Pod Mrcaru باليوغسلافية – الصربو كرواتية بود مرتشارو Pod Mrcaru – وبالإنجليزي تُعرَف ببود مركارو Pod Mrcaru كما يقولون، لكن هى إسمها بود مرتشارو Pod Mrcaru على كل حال، والجزيرة الأخرى إسمها : بود كوبيشته Pod Kopište، وبالإنجليزي تُنطَق بود كوبيست Pod Kopište، لكنها باليوغسلافية بود كوبيشته Pod Kopište، إذن هما جزيرتان.

بود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula

بود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula

في جزيرة بود كوبيشته Pod Kopište يُوجَد نوع من العظايا أو السحالي – Lizards – تقريباً يتغذى بشكل حصري على الحشرات بأسنان إبرية صغيرة مثل كل الكائنات التي تتغذي على الحشرات تكون أسنانها إبرية صغيرة وتكون غير قاطعة وغير طاحنة طبعاً، فهناك نوع من السحالي يتغذى بشكل شبه حصري على الحشرات وذلك في جزيرة بود كوبيشته Pod Kopište أو كوبيست بحسب النطق، من هذا النوع من العظايا يُوجَد كائن عنده إسم علمي باللاتيني وهو بود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula، فبود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula هو نوع من السحالي، وهذه السحالي غير موجودة في الجزيرة الثانية وهى بود مرتشارو Pod Mrcaru.

في سنة 1971 أخذ جماعة من العلماء خمسة أزواج من بود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula من الجزيرة الأولى وهى بود كوبيشته Pod Kopište ونقلوها إلى الجزيرة الثانية بود مرتشارو Pod Mrcaru – هاتان الجزيرتان مفصولتان طبعاً فصلاً فيزيقياً، فهناك مسافة بينهما – ووضعوها هناك لكي تتكاثر في ظروف جديدة، وسوف نرى هذه الظروف على كل حال، ففي الجزيرة الأولى تكون الحشرات مُتوافِرة دائماً، فتتغذى على الحشرات، لكن في الجزيرة الثانية سوف نرى الوضع!

بعد سبع وثلاثين سنة – أي في سنة 2008 – ذهب مجموعة من العلماء البلجيك – من بلجيكا – إلى الجزيرة بود مرتشارو Pod Mrcaru لكي يروا ما الذي حصل وما الذي طرأ من تطور – إن كان ثمة تطور – على هذه السحالي، وطبعاً تكاثرت وأصبحت أعدادها كبيرة جداً، فأخذوا عينات من أفراد من هذه السحالي وفحصوا الـ DNA ووجدوها فعلاً تنتمي إلى نفس النوع، أي إلى البود أرسيس سكيولا Podarcis Sicula نفسها، فهى هى ولا يُوجَد إلا هذا النوع، لكن الغريب أنهم لاحظوا أن تغيرات لافتة طرأت على هذه السحالي بسبب أن الحشرات قليلة جداً في هذه الجزيرة، لكن في المُقابِل فيها أعشاب وفيرة، فتكيفت هذه السحالي على أن تغتذي بالأعشاب، وأصبحت تتجه إلى أن تتغذى بشكل شبه حصري على الأعشاب فقط، لعدم وجود أي لحوم أو لعدم وجود أي حشرات، فما الذي حدث إذن؟ لاحظوا أن رؤوسها أصبحت أطول وأعرض وأكثر ارتفاعاً، وهذه مُلاحَظة لافتة، فهى من نفس العائلة لكن حدث تغير، والأسنان تغير شكلها من أسنان إبرية كانت تلتقط بها الحشرات لتتغذى عليها إلى أسنان عريضة مثل أسنان العاشبات عموماً، فالأسنان العاشبة تكون طاحنة لكي تقدر على أن تطحن، أما اللاحمة – Carnivorous – فتكون أسنانها قاطعة، ومعروف كيف يكون شكل هذه الأسنان القاطعة طبعاً، وتستطيع أن تنظر – مثلاً – إلى شكل أسنان الخيل – أكرمكم الله – أو الحمار أو المواشي أو الفيلة، علماً بأن عندنا كبشر إسنان طاحنة، فنحن عندنا هذه الطواحين التي تكون مثل الحجر، وعلى كل حال الفيلة والمواشي والحصان والحمار وإلى آخر هذه الكائنات عندها أسنان طاحنة مثل الحجر أو مثل الطاحون، فعلاً هذه العظايا في بود مرتشارو Pod Mrcaru أصبحت أسنان طاحنة وليست أسناناً إبرية، وطبعاً لها الآن فكان غليظان قويان، فلابد أن تكون الجمجمة أوسع وأكبر، لموضع العضلات التي تُحرِّك هذين الفكين، وهذا الي حصل، فالرأس – كما قلت لكم – أطول وأعرض وأرفع، فهو أضخم بشكل عام، وهذا شيئ غريب ولكن هذا تم في ظرف سبع وثلاثين سنة فقط من حيوان يتغذى على الحشرات إلى حيوان عاشب، وهذا يستلزم طرق وتكيفات جديدة بنيوية، لكن هذا الذي حدث، وهناك شيئ أعجب من هذا سوف نرى ما هو.
طبعاً نبدأ من هنا مسألة النباتات أيضاً، فكل الحيوانات النباتية – كما قلت لكم -تكون فكوكها أقوى وأسنانها أيضاً أقوى وجماجمها أكبر وأوسع نسبياً، فكل هذا شيئ نسبي، وأمعاؤها تكون أطول وأوسع طبعاً من الكائنات اللاحمة Carnivorous، فهذه كائنات عاشبة وتلك آكلة للحلم Herbivorous and Carnivorous، لكن هل نحن لاحمون أم عاشبون؟ نحن قارتون، فهذا يُسمونه بالقارت، لكن ما هو القارت؟ هو الذي يتغذى على الاثنين، أي على اللحوم وعلى النباتات والأعشاب، لذا نحن حيوانات قارتة!

إذن هذه صفات الحيوانات النباتية عموماً كما قلت لكم، فأمعاؤها تكون أطول وأوسع وأكثر تعقيداً، طبعاً لماذا ينبغي أن تكون لديها أسنان أقوى ويُترجَم هذا إلى أسنان أقوى وفكين أقوى وعضلات أكثرة قوةً؟ هذا يجد تعبيره في ماذا؟ في عض أقوى، فالعضة تكون أقوى من عضة اللاحم أو الحشري – وطبعاً الحشري لاحم – لأن في الخلايا النباتية هناك مادة إسمها السيلولوز Cellulose، والعرب يسمونها السيلِولوز، ومادة السيلولوز Cellulose هى التي تُعطي الخلية النباتية قوة أكثر من الخلية الحيوانية، فلكي تتغذى على النباتات لابد أن يكون العض أقوى، وأن يكون العضل أكفأ – أي أكثر كفاءةً – طبعاً، ولذلك تتكيف أمعاء الحيوانات العاشبة – Herbivorous – التي تقتات على الأعشاب والنباتات بوجود خلايا بكتيرية خاصة فيها تُساعِدها على هضم هذه المواد القوية السيلولوزية، وإلا لا تستطيع.

في كل الحيوانات العاشبة تقريباً يوجد السيكم Cecum وهو الأعور، علماً بأنالسيكم Cecum ليس هو الزائدة الدودية، فالزائدة الدودية التي عندك هى بقية الأعور الذي كان فيك، وهذا يُؤكِّد أننا مُنحدِرون من كائنات كانت تتغذى في الماضي البعيد قبل ملايين ملايين السنين على الأعشاب فقط والنباتات، فإذا رأيت الأرنب – مثلاً – سوف تجد أن هذا الأعور الذي عنده يُعَد طويلاً جداً، وهو قصير عند الإنسان، لكنه طويل عند الأرنب لأنه عاشب، فالعاشبات عموماً عندها هذا الأعور – السيكم Cecum – طويل ومُتخصِص، فهو عضو له فائدة، وهو يعمل كحُجيرة تخمير، وتكثر فيه هذه البكتيريا جداً على أنها موجودة في الأمعاء بشكل عام طبعاً، لكن هنا يكثر عدد هذه البكتيريا الخاصة، وهناك شيئ إسمه صمامات الأعور Cecal Valves، وصمامات هى جمع صمام، علماً بأنهم يقولون بالعامية الآن صمّام، لكن صمام هو اللفظ الفصيح، وعلى كل حال إذا نظرت في الأعور سوف تجد في الأعور نفسه قواطع لحمية أو عضلية أحياناً تكون غير مُكتمِلة، لكن ما معنى غير مُكتمِلة؟ أي لا تسده لأن إذا سدته سوف يموت طبعاً، وهذا القاطع يرتفع ثم ينزل ويرتفع ثم ينزل وهكذا، وهذه القواطع تراها إذا أخذت مقطعاً عرضياً – مثلاً – وتستطيع أن تراها الآن في الصورة، ويُمكِن أن تدخل على مرجع مُتخصِص

Cecal Valves صمامات الأعور

Cecal Valves صمامات الأعور

أو على الشبكة العنكبوتية، فقط اكتب Cecal Valves وسوف ترى الصورة التشريحية الخاصة بهذا الموضوع، وعلى كل حال صمامات الأعور موجودة فقط في الحيوانات العاشبة، لأنها تجعل المساحة أوسع، كما أنها تُنظِّم وتضبط عملية نزول هذه المواد إلى الأسفل، فهى يجب أن تنزل قليلاً قليلاً لأن هضمها صعب ويحتاج إلى وقت ويحتاج أن يمكث هنا في الأعور – السيكم Cecum – من أجل غرفة التخمير لكي تُنجَز العملية بكفاءة عالية، والآن المُفاجأة العجيبة جداً وهى أن عظايات بود كوبيشته Pod Kopište ليست عاشبة، فليس لديها ولا للعائلة – Family – بالترتيب الحيوي التي تنتمي إليها – ليس للعائلة نفسها، وليس حتى النوع وإنما العائلة نفسها – هذه الصمامات ولا تعرفها أصلاً، فهى ليس عندها صمامات الأعور من أصله، والعجيب أن بعد سبع وثلاثين سنة فقط وجدوا أن هذه العظايا في القبيلة أو العشيرة Population – يسمونها (P)، فهذه العشيرة الأولى وهذه العشيرة الثانية الآن – الموجودة في بود مرتشارو The Pod Mrcaru قد اتجهت – كما قلت – لتُصبِح حيوانات عاشبة بدل أن تكون لاحمة ولديها الأعور ولديها صمامات الأعور، وهذا شيئ غريب جداً، وطبعاً يفرح بهذا التطوريون، فهذه خطوة أقوى من خطوة الـ Guppies، فالآن هناك تطور على مُستوى البُنى الداخلية العضوية، حيث تنشأ أعضاء جديدة غير موجودة، فإذن لك أن تتخيل بعد ملايين السنين أن من المُمكِن أن يحدث هذا الانتواع، فيتطوَّر النوع بحيث ينتهي إلى أن يكون في نهاية المطاف نوعاً آخراً بتعريف النوع طبعاً الذي قدمناه عدة مرات، فهذه هى تجربة سحالي بود كوبيشته Pod Kopište وبود مرتشارو Pod Mrcaru، وهى تجربة مُثيرة وعجيبة جداً، فهى من أعجب التجارب في هذا الصدد!

نأتي الآن إلى تجربة أيضاً عجيبة ومُثيرة، وهى تجربة استمرت أكثر من عشرين سنة وتتعلق بالبكتيريا وبلايا البكتيريا وبكيف تتطور البكتيريا فعلاً بشكل جميل، فهذا الشيئ بالنسبة للعلماء الإخصائيين يدعوا إلى الإذهال، لكن بالنسبة لغير المُختَص يُعتبَر شيئاً عادياً، لأن للأسف لا يعرف قيمة الشيئ إلا من يُحسِنه طبعاً، فغير المُختَص سوف يقول لك هذا أمر عادي وكل شيئ قد يحصل، فهو عنده كل شيئ عادي لأنه لا يعرف قيمة هذا الشيئ، لكن المُختَص الذي يعرف الشيئ وقانونه ودستوره هو الذي يعرف أهمية التغير الذي يطرأ عليه، فحين أن غير المُختَص يرى أن الأمور كلها سيان، وعلى كل حال هى بالنسبة للمُختَصين بلغت حد الإذهال، فهم كانوا مذهولين من النتيجة وقالوا هذا الدليل من أقوى الأدلة على أن التطور يعمل وعلى أن الانتخاب الطبيعي – جوهر التطور – يعمل!
طبعاً لابد أن نُنبِه على أننا لاحظنا ما جرى للعظايا في ظرف سبع وثلاثين سنة، وهذه العظايا أو السحالي – التي ذكرتها لكم – جيلها في المُتوسِط سنتان، وهذا ما يُسميع العلماء بالـ Generation Turnover، وعلى كل حال الجيل دائماً يأخذ مُدة سنتين، وعندنا نقول ثمان وثلاثين سنة، أي تقريباً تسعة عشر جيلاً.
فقط في تسعة عشر جيلاً حدث عندنا تطور بنيوي على مُستوى الأعضاء الداخلية، فضلاً طبعاً عن الأسنان وعن العضلات وعن الفكين وعن الفك وعن كل هذه الأشياء التي ذكرناها، فهذا كله فقط في تسعة عشر جيلاً، فكيف إذا أمكن لنا أن ندرس كائناً يكون الجيل من حياتنا نحن البشر بعشرات آلاف الأجيال من جيله؟ أي أن يصل الجيل من حياتنا إلى سبعين ألف أو خمسين ألف أو ثلاثين ألف جيل، كالبكتيريا مثلاً، لأن البكتيريا أحياناً يكون جيلها – الجيل الواحد Generation Turnover – ثلاث ساعات أو أربع ساعات، وعموماً البكتيريا

الإشريكية القولونية Escherichia coli

الإشريكية القولونية Escherichia coli

التي سندرسها الآن هى الإشريكية القولونية Escherichia coli، وجيلها تقريباً في المُتوسِط أربع ساعات، ففي اليوم الواحد عندك ستة أجيال، فكيف لو درسناها لعشرين سنة؟ سيكون لدينا زُهاء سبعة آلاف يوم، ومن ثم سوف نضرب سبعة آلاف في ستة وبالتالي يصل الناتج إلى اثنين وأربعين ألف جيل، وفي الحقيقة أكثر من هذا لأن العشرين سنة أكثر من سبعة آلاف يوم بقليل طبعاً، لأن إذا كان عدد أيام السنة يصل إلى ثلاثمائة وخمسين سوف يصل الناتج إلى عشرين ألف لكنها أكثر من ذلك، ولذلك في عشرين سنة نستطيع أن نحصل على خمسة وأربعين ألف جيل من هذه الإشريكية القولونيةEscherichia coli، وهذا شيئ عجيب، فنستطيع أن نُجري تجربة وأن نُصمِم تجربة لكي نرى خط التطور واتجاه التطور ومفعول وأثر التطور على مدى خمسة وأربعين ألف جيل وليس على مدى تسعة عشر جيلاً، ولذلك هذه فرصة غير طبيعية كما قال مُصمِم التجربة العالم في البكتريولوجي Bacteriology الكبير ريتشارد لينسكي Richard Lenski، فهو قال “هذه فرصة أكثر من ذهبية لدراسة تبنؤات التطور”، فنحن نستطيع أن نفعل هذا، لأن خمسة وأربعين ألف جيل تُوازي بالأزمان الجيولوجية ملايين السنين، فمن المُمكِن أن يصل العدد إلى عشرين أو ثلاثين أو سبعين مليون سنة أو مائة مليون سنة طبعاً، فإذن نحن الآن سنُكثِّف الزمان وسنضغط الزمان ونختصره حتى نرى تأثير التطور على هذه الكائنات البسيطة جداً والوحيدة

لمزيد من المعطيات والمعلومات حول تجربة ريتشارد لينسكي

فهذه البكتيريا – علماً بأن العرب يُسمونها الإيشيريشيا القولونية -تعيش في الأمعاء – Colon – بشكل معروف جداً وبأعداد مهولة،

ريتشارد لينسكي Richard Lenski

ريتشارد لينسكي Richard Lenski

وتُسمى باللاتينية إسكريكيا كولي Escherichia Coli، وبالإنجليزية يُقال كولاي Coli، أي الشرشيا كولاي Escherichia Coli، لكن على كل الإسمها باللاتينية إسكريكيا كولي Escherichia Coli وهى الإيشيريشيا القولونية، ويُوجَد منها دائماً عشرة أس عشرين – عشرة مرفوعة للأس عشرين – على وجه البسيطة، أي مائة مليار مليار بكتيريا، لأن المليار يُساوي عشرة أس تسعة، فإذن سيكون العدد هو مائة مليار مليار أو مائة بليون بليون كما يُسميه الأمريكان، فالأمريكان يُسمون المليار باللبليون Billion، وهذا عدد هائل جداً جداً، ففي أمعاء الإنسان – أي في أمعاء كل واحد منا – يوجد منها بليون Billion – أي عشرة أس تسعة – أو ألف مليون بكتيريا تعيش في أمعائنا من الإيشيريشيا القولونية، لكن ما معنى هذا بلغة علم الوراثة وبلغة الأحياء التطورية؟ طبعاً هذه تتكاثر، ودورة الجيل – كما قلنا – هى أربع ساعات في المُتوسِط، بمعنى ست مرات في اليوم، أي ستة أجيال، ومعنى هذا أن يومياً بل ساعاتياً لابد أن يطفر جين Gene من الجينات Genes في كل عشيرة أو في كل مجموعة منها في العالم، وأنت عندك مائة مليار مليار، فلابد أن تتناسخ، وهى تتناسخ لا جنسياً طبعاً، فلا يُوجَد ذكور وإناث في البكتيريا كما تعرفون، ولذلك هى تتناسل وتتكاثر لا جنسياً Asexual Reproduction، وهذه فرصة أيضاً أكثر من ذهبية لكي يحدث الخطأ أو الطفر أو التطفر بوقوع طفرة -Mutation – ما، ولكن قد تقول لي ما علاقة الطفرة بهذا؟ ونحن فهمنا طبعاً علاقة الطفرة، فالطفرة هى المادة المُهِمة جداًوالعامل المُهِم لموضوع التطور وما يتعلَّق بكيفية حدوث التباينات وكيفية حدوث التغيرات، فأحد الأسباب الرئيسة هو الفطرة، والسبب الثاني هو الخلط الجيني وذلك في الانقسام الميوزي Meiosis – كما قلنا – وبعد ذلك في التلقيح، أي تلقيح البوييضة بالحيوان المنوي، فيحدث Recombination إذن، فهنا يُوجَد عندنا First Recombination، وهناك يُوجَد عندنا Second Recombination أيضاً، وتقريباً هذان هما المصدران العتيدان المُعتمَدان علمياً لحدوث التغيرات ولحدوث التباينات، وهنا يبدأ يشتغل الانتخاب الطبيعي طبعاً على هذه التباينات، فنحن لدينا الآن إمكان هائل لوقوع هذه التباينات، فلماذا إذن؟ لأن الأعداد كثيرة جداً جداً جداً والأجيال قصيرة الأعمار، لأن في كل أربع ساعات تقريباً يُوجَد جيل، فطبعاً يحدث باستمرار طفور، حيث يطفر جين Gene هنا وجين Gene هنا وجين Gene هنا وهكذا، فهذا أمر لازم، وبالتالي التطور يتنبأ أن مُستقبَل هذه الإيشيريشيا القولونية لابد أن يشهد تغيرات مُستمِرة – أي تطوات وتغيرات تطورية – ولابد نلاحظ أن هناك تطورات لافتة في حياة هذه البكتيريا، فهل هذا حصل؟ وهل هذا يحصل؟ هذا ما سوف نراه في الحلقة المُقبِلة – بإذن الله تبارك وتعالى – مع التجربة الطويلة التي امتدت أيضاً سنوات طويلة جداً والتي سنذكرها لكم وهى تجربة العالم الكبير لينسكي Lenski، فإلى أن القاكم أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)

‫سلسلة نظرية التطور l الدكتور عدنان إبراهيم l الحلقة 17

نظرية التطور 

السلسلة الأولى: الأدلة والمؤيدات

الحلقة السابعة عشرة

التطور الصُغروي – الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً.

ريتشارد لينسكي Richard Lenski

ريتشارد لينسكي Richard Lenski

أحبتي في الله، إخواني وأخواتي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أُكمِل معكم في هذه الحلقة وهى الحلقة السابعة عشرة من سلسلة التطور تجربة العالم الكبير ريتشارد لينسكي Richard Lenski التي شرعت في آخر الحلقة السابقة بالتقديم لها، فأنا قدمت لهذه التجربة دون أن أخوض في عرضها كما جرت، لكن كيف صُمِمَت هذه التجربة؟ كالتالي، حيث أتى هذا العالم الكبير وفريقه باثنتي عشرة قارورة، وملأ هذه القوارير كلها بحساء مُغذٍ للبكتيريا، وطبعاً العامل الرئيس فيه الجلوكوز Glucose – هذه المادة السكرية المعروفة بالجلوكوز Glucose – وطبعاً فيها مُغذيات أخرى مثل السترات Citrate، لكن البكتيريا عموماً لا تُحسِن الاستفادة من السترات Citrate، فالسترات Citrate هى التي تُعطي الليمون هذا الطعم الحامض، ومن هنا قُلِبَت Citron من السترات Citrate، فهى موجودة لكن غير مُهِمة لأن البكتيريا لا تستطيع أن تتعامل معها كمادة مُغذية أو كمادة غذائية، غذاؤها الأساسي هو الجلوكوز Glucose.

myxo

إذن اثنتا عشرة قارورة مليئة بهذا الحساء المُغذي – الجلوكوز Glucose -سيضع العالم لينسكي Lenski في كل قارورة البكتيريا الإيشيرشيا القولونية، وهم يقولون أنه سيُعدي To Be Infected- من العدوى Infectation – كما يُقال باللغة العلمية كل قارورة من هذه القوارير بكمية مُحدّدة من هذه البكتيريا الإيشيرشيا القولونية بكمية مُتساوية، وكلها نفس البكتيريا، يعني نفس الجينوم Genome ونفس التركيب ونفس النوع من البكتيريا، ولكن بفارق بسيط جداً، بكتيريا تتميز بجين Gene مُعين سيُسمى بالأرا ARA الموجب، وبكتيريا تتميز بجين Gene مُعين سيُسمى بالأرا ARA السالب، فالـ ARA: ARA+ أي (ARA Plus)، و ARA – أي (ARA Minus)، لكن لماذا؟ هذا لن يُؤثِر على الإطلاق، ولكن هذا سيكون مُهِماً فقط في تمييز هذه عن هذه، أي حتى نستطيع أن نُميز، مثل عامل مُلوِّن، أي باللون، فهذه فقط مسائل فنية ومسائل تقنية، لكن هو نفس النوع من البكتيريا وهى تشتغل بنفس الطريقة ومحكومة بنفس الجينوم Genome وبنفس المُخطَط الوراثي من غير أدنى فرق، فما الذي يحدث الآن؟ هذه البكتيريا سوف تتكاثر، فهى سوف تبدأ تتغذى الآن ثم تتكاثر بوتيرة سريعة في البداية إلى أن ينفذ الغذاء وينتهي الجلوكوز Glucose وتستقر عند حد مُعين فيبدأ الجوع الآن لعدم وجود الغذاء، فهى تكاثرت ونتج منها أعداد هائلة جديدة، ثم سكنت عند هذا المُستوى وبدأ الجوع، فماذا فعل البروفيسور Professor / لينسكي Lenski في اليوم التالي؟ كان يُعِد اثنتي عشرة قارورة جديدة، علماً بأن ذلك يحدث كل يوم، فالآن نحن سيكون لدينا خط طويل من القوارير، لأننا نتكلم عن عشرين سنة الآن، فالتجربة ستستمر لعشرين سنة، يعني تقريباً لأكثر من سبعة آلاف يوم، فسيكون لدينا اثنا عشرة خطاً من القوارير بطول سبعة آلاف يوم، وهذا -كما قلت لكم – يُناظِر أزماناً جيولوجية مُتمادية جداً، فهىتجربة من أحسن التجارب التي صُمِمَت على الإطلاق – على فكرة – لاختبار فرضيات التطور، وأخذت زمناً وجهداً وجهوداً وأموالاً بشكل غير طبيعي، لكن هذا هو العلم، فالعلم ليس مُجرَد تأملات وفلسفات كما لو كان أرسطو Aristotle جلس ليتأمل، فالعلم الآن موضوع مُختلِف تماماً، ولذلك – كما قلت لكم – علينا أن نحترم وضعنا وأنفسنا قبل أن نوجه أي نقد وأي كلام، فلابد أن نفهم ما الذي يحدث أصلاً وكيف يُبرهِن هؤلاء الناس على أقوالهم وعلى نظريتهم، فيجب أن نفهم كيف يشتغلون في الأول، وبعد ذلك إن كان لدينا شيئ من المُمكِن أن نتكلم، لكن لا نتهجم هجوم الجاهل الغرير هكذا، فهذه المسائل غير عادية على كل حال.

https://youtu.be/uXG8yqWStJ0?t=4m27s

في اليوم التالي إذن سيُعدي القوارير الجديدة، وأيضاً كلها ملأى بهذا الحساء المُغذّي “الجلوكوز Glucose”، فهو سيُعديها بالبكتيريا الآن التي تطورت في القوارير-قوارير اليوم السابق – لكن طبعاً ليس كل البكتيريا، وإنما سيأخذ عينة منها ويُعدي بها القوارير الجديدة، وهذه العينة تُساوي بالضبط واحد على مائة، فهو سيأخذ فقط واحد على مائة من هذه البكتيريا ويضعها في القوارير الجديدة ويُكرِّر المشوار، وتبدأ تتكاثر سريعاً، فالغذاء موجود ما شاء الله، لأن هذه بيئة فيها رفاه غذائي، ثم ينفذ الغذاء ويبدأ الجوع، وطبعاً هى تتكاثر وتصل إلى حد مُعين، فهناك حد مُعين لتكاثرها، وعندما ينتهي الغذاء يقف التكاثر، وطبعاً هذه القوارير عموماً موضوعة في حضانات مُهتَزة، أي أنها تهتز باستمرار، لكن لماذا تهتز؟ حتى تجعل توزيع البكتيريا على هذا الحساء مُتجانِساً، فتوزيع البكتيريا في القارورة عموماً يكونمُتجانِساً في كل أجزائها، ولذلك هذه الحضانات تهتز حتى لا ترسو البكتيريا تحت ولا تجد مكاناً تتكاثر فيه مثلاً، فكل شيئ مُصمَم وكل شيئ مدروس، فهى تهتز باستمرار لكي تبقى مُتجانِسة، وهذا جميل جداً!
إلى الآن هذا تصميم التجربة، وكل يوم جديد تُوجَد اثنتا عشرة قارورة جديدة، وتُعدى بواحد على مائة من آخر نسل، وتستمر المسألة، فما هى الفرضية التي يُراد اختبارها بهذه التجربة المُعقَّدة المُرهِقة؟ هذه التجارب يُسمونها تجارب أو دراسات طويلة الأمد – Long-term – لأنها تحدث على المدى الطويل، فهذه دراسات على المدى الطويل – Long-term Studies – أو تجارب على المدى الطويل، لأنها قد تستغرق طبعاً عشرة وعشرين وثلاثين سنة أحياناً، وهذا شيئ عجيب، لذا يُقال عنها أنها Long-term، وعلى كل حال الفرضية كالتالي: المفروض أن هذه البكتيريا تتكاثر باستمرار بنفس القانون وبنفس المُعدَّل، وقدرتها على استهلاك الجلوكوز Glucose محدودة بحسب برنامجها الوراثي، فهى تتكاثر إلى نفس المُستوى ثم تقف، وفرضية التطور أن الأعداد الهائلة من الإيشيرشيا القولونية – كما قلت في الحلقة السابقة – تفرض أن تقع طفرات، وبعض هذه الطفرات من المُحتمَل أن تكون نافعة في اتجاه وبخصوص أن تكون نافعة بحيث – مثلاً – تُمكِّن البكتيريا من استهلاك الجلوكوز Glucose بكفاءة أعلى، فربما – وهذا شيئ آخر مُحتمَل ولا نعرفه – تأتي طفرات تُمكِّن البكتيريا من استغلال غير الجلوكوز Glucose أيضاً، فهذا قد يحدث لو مثلاً وقعت طفرة أو أكثر من طفة مُركَّبة، وهذا شيئ مُعقَّد جداً، وهذا هو بالذات الذي يُنكرِه التكوينيون، فهم يقولون “هذا الكلام لا يحصل بالطفرة ولا يحصل بالصدفة، هذا مُستحيل، قلابد من مُصمِم يقوم عليه – وهو الله تبارك وتعالى – لأن نسبة حدوثه كذا وكذا” ثم يبدأ يحسب لك ويقول لك أن الناتج هو واحد على عشرة أس مائة وخمسين أو مائة وستين أو ثلاثمائة وما إلى ذلك، وهذا يستحيل لأنه يُساوي العدم، ولكن ماذا تفعلون إن حصل هذا في الطبيعة وإن حصل في الواقع؟ للأسف هذا ما يثبته التطوريون لأنه يحصل، ففي هذه التجربة هذا سوف يحصل ولك أن تتخيَّل هذا، بحيث تتراكب طفرتان أو ثلاث طفرات، وكل واحدة بحيالها لا تنفع شيئاً، لكن إن جاءت وطفرت بعد ذلك بمحض الصدفة – Randomly عشوائياً – طفرة أخرى وركبت عليها ثم جاءت طفرة ثالثة ستكون النتيجة في نهاية المطاف أن هذا الكائن سوف بطريقة مُثيرة جداً بحيث يمتاز الآن بأفضلية جديدة تجعله أكفأ بخصوص الناحية الفلانية، فهل هذا يحصل؟ للأسف هذا يحصل، وفي هذه التجربة سوف ترون كيف حصل هذا، لذلك هذه التجربة من أقوى الأدلة بيد الملاحدة وبأيدي التطوريين الملاحدة بالذات الذين يقولون “الصدفة تأتي بتنظيم مُعقَّد، وتأتي بأشياء لا يتخيَّل المُؤمِنون أو المُألِهة أو الخلقويون أنها تحصل، لكنها تحصل ورأيناها ونحن وثقناها أنها تحصل”، فسوف نرى إذن، فهذه أشياء خطيرة جداً، وسوف نرى هل هناك إمكانية للرد على هذا الشيئ أم لا وكيف يُمكِن الرد، فأنت لا تستطيع أن ترد التجربة، لأن هذه التجربة مُحكَمة علمياً، فلا كلام في هذا الشأن، لكن يُمكِن تأويل التجربة، فقد تكون التجربة صحيحة مائة في المائة لكن قد يكون الخطأ في تأويل ما حدث وفي تفسير ما حدث، فيبقى هنا هوامش للاجتهاد، وسوف نرى هذا لكن كما أقول دائماً في السلسلة الثانية !

ماذا فعل لينسكي Lenski؟ بعد أجيال – مثلاً بعد ألفي جيل أو ثلاثة آلاف جيل – بمُعدّل ستة أجيال كل يوم كما قلنا – كان يأخذ عينات من هذه العشائر Populations – Population مثل عشائر الحيوانات لكن هذه عشائر بكتيريا أو قبائل بكتيريا أو جمهرات سكانية – ويُجمِّدها تجميداً حقيقياً بحيث لا تتكاثر ولكن لا تموت، فيُمكِن بعد ذلك أن يفك تجميدها ويُعيدها إلى هذه البيئة التغذوية، فتبدأ تتكاثر، لكن هذه وقف تطورها، كأنك أخذت مخلوقاً من المخلوقات – مثلاً – التي جرى عليها التطور في ظرف – مثلاً – مائة مليون سنة ولكنك أخذته قبل سبعين مليون سنة، أي حين كان عمره ثلاثين مليون سنة، ثم جمدته وبعد ذلك أنعشته بعد سبعين مليون سنة – نفترض هذا لأن هذا كله خيال – حتى تُقارِنه بنظرائه الذين تطوروا وأصبحوا أنواعاً أخرى، وهذا هو الذي فعله لينسكي Lenski، فهو أخذ عينات من هذه البكتيريا وجمدها بعد أجيال مُحدَدة وتركها، ولكي يستطيع أن يميز يُوجَد عندنا – كما قلنا – الـ ARA+ (ARA Plus)، والـ ARA – (ARA Minus)، وذلك لكي يقدر على أن يُميِّز من أين هذا ومن أين هذا، وهو فعل هذا، وظلت هذه البكتيريا تتكاثر – كما قلت – إلى أجيال كثيرة، وجاء بعد مُدة مُتمادية لينسكي Lenski وقال نُريد أن نختبر وأن نرى ما الذي حدث، فهل هناك تطور مُعين حصل؟ هل طوَّرت تكاثرها أو طوَّرت أحجامها أو طوَّرت أي شيئ؟ فجاء ودرس وفعلاً وجد أن هناك تطوراً ملحوظاً، فكل العشائر الاثنتا عشرة – وهى اثنتا عشرة قارورة مُتجدِدة باستمرار – طوَّرت من كفاءتها في التغذية، أي أنها تسفيد من نفس الغذاء بطريقة أكثر كفاءة، لكن كيف أعرف أنا هذا؟ مثل إنسان كل يوم يأكل رغيفاً من الخبز ثم قال لي أحدهم أنه بعد خمس سنين طوَّر من كفائته التغذوية، مع أنه يتناول فقط رغيفاً من الخبز، فقد لاحظ لينسكي Lenski أن أحجامها قد ازدادت نسبياً، فهذا من ناحية الحجم وليس الأعداد، فالأعداد تقريباً كما هى، لكن كيف نعرف هذا؟ هذه كلها مسائل فنية وأنا أُبسطها لكم، لكن حين تعودون إلى الكتب العلمية المُتخصِصة سوف تقرأون هذا بالتفصيل المُمِل جداً جداً طبعاً، فتجربة لينسكي Lenski هذه موجودة في أكثر من سبعينأو ثمانين صفحة بلغة علمية فنية مُعقَّدة جداً، وتحتوي على Tables وDiagrams وأرقام ومُعادَلات رياضية، فهذا شغل مُتقّن جداً، وهم طبعاً يعرفون هذا بمقياس مُعين، فهم يضعونها على Diagram مُعيَّن للكثافة، ويظهر هذا بشكل حتى مُبصَر ومرئي في الإعتام والإضاءة، فكلما زاد الإعتام كان هذا يعني وجود عدد أكبر، وكلما خف الإعتام يكون العدد أقل، فهو يستطيع أن يعرف أن هنا تُوجَد أعداد أكثر وهناك تُوجَد أعداد أقل، فهذا واضح عندهم، ولديهم طرقهم أيضاً في قياس الأحجام، فإذا كانت كمية الغذاء – الغذاء هو نفسه – كانت هى نفسها ووجدنا أن الأحجام بدأت تزيد فإذن هناك طفرات نتجت أو نشأت أو ظهرت فعملت على زيادة كفاءة البكتيريا في الاستفادة من غذائها، وهذا ثبت للينسكي Lenski، لكن كيف تم هذا؟ درس الـ DNA في البكتيريا، وهذا شيئ عجيب، فكله يحتوي على DNA طبعاً، فيُوجَد نفس اللغة، وهذه اللغة نحن نسميها لغة إلهية مثلما سماها عالم الوراثة العظيم فرانسيس كولينز Francis Collins المعروف بكولينز Collins والمعروف دوره حتى في مشروع الجينوم Genome البشري، فهو عنده كتاب إسمه لغة الله، ولكن ما هى لغة الله هذه؟ الـ DNA، فالـ DNA هو لغة الله، وهو بصمة الله في الخلق وفي المخلوقات، فهذا الرجل مُؤمِن، وهو رجل تطوري وعالم عظيم جداً جداً ومُؤمِن أيضاً، فهو يرى أن التطور لا يتناقض مع الإيمان بالمرة، بل يكشف لنا عن أسلوب الله – كما أقول أنا بلغتي – في العمل، فهذه هى لغة الله إذن، والـ DNA هو هذه البصمة الإلهية والكتابة التي يكتب الله بها المخلوقات، ولذا هو عنده كتاب كامل إسمه لغة الله، وهو كتاب جميل!

على كل حال نعود إلى دراسة الـ DNA لهذه البكتيريا، حيث تعجب بسببها البروفيسور Professor لينسكي Lenski وزملاؤه وفريقه، فهناك طفرات وقعت في القبائل الاثنتي عشرة كلها بحيث مكنتها أن تزيد كفاءتها، وهذه الطفرات أصابت تسعة وخمسين جيناً Gene وليس جيناً Gene واحداً أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة أو عشرين، وإنما تسعة وخمسين جين Gene في القبائل الاثنتي عشرة، وهذا شيئ غريب، لكنها مكنت كل قبيلة أن تُطوِّر نفسها على نحو مُتميز، والنتيجة واحدة، فالكفاءة أعلى والحجوم أكبر، ولذا هو قال “هذا أمرٌ غريب”، وهو يقول طبعاً هو والتطوريون الملاحدة “بالضبط هذا هو النوع من الطفرات التي يزعم المُألِهة أو التكوينيون أنه لا يحدث، فهو يحدث بالغلط أو بالصدفة، وتكون نتيحته مُمتازة وإيجابية وهائلة، ويعطي ميزات بقائية وميزات تفاضلية، فهذا حدث ويحدث”، وهناك شيئ أغرب من هذا لعلي ألمحت إليه فيما سبق، ولكن ما هو؟

أعتقد بعد الجيل ثلاثة وثلاثين ألف ومائة – احسب أنت في أي يوم هذا، خُذ الثلاثة والثلاثون ألف ومائة واقسم على ستة وما إلى ذلك – وتحديداً ثلاثة وثلاثين ألف ومائة في إحدى هذه القبائل أو العشائر حدث شيئ غريب – وقد حدثتكم عن موضوع التكاثر وكيف يُعرَف بالإعتام، فكلما زاد الإعتام كان التكاثر أعلى – لاحظ البروفيسور Professor لينسكي Lenski فجأة أن في بعض القواير ارتفع هذا الإعتام، وهذا معناه وجود تكاثر انفجاري هنا، فحدث مثل انفجار في الأعداد، إذن هنا وقعت فعلاً طفرة خاصة لم تقع في كل القوارير أبداً ولكنها وقعت في هذه بالذات، ونحن قلنا فيما يتعلَّق بالأحجام طبعاً أنه أخذ بكتيريا وجمدها وأعاد فكها ورآها وقارنها بالبكتيريا المُتطوِرة بعدها على مدى – مثلاً – ألف يوم وزيادة أو ألفين فوجد أن الحجم فعلاً أصبح مُختلِفاً، فهذه هى الطريقة لكي يعرف الحجم، ولكن هذا لا يُعرَف بالعين مُباشَرة وما إلى ذلك بل بالمُقارَنة، فما الذي حدث إذن؟ الزيادة هنا كانت تقريباً ستة أمثال، أي أن التضاعف أصبح ستة أمثال وهذا فعلاً انفجاري، حيث وجد البروفيسور Professor لينسكي Lenski أن طفرةً وقعت في هذه العشيرة أو القبيلة مكَّنتها من أن تتعامل مع السترات Citrate وأن تستغل السترات Citrate وليس فقط الجلوكوز Glucose، وإنما السترات Citrate أيضاً، وهذا شيئ عجيب، فالآن البيئة ستغدو أكثر رفاهيةً تغذوياً، فلن يكون لدينا مصدر واحد وإنما سوف لدينا أيضاً مصدر زائد مخصوص لنا، فهناك لطف ما حاق بنا أو نزل بساحتنا، وطبعاً ما تتناسل من هذه البكتيريا من قوارير تتكاثر بمُعدَلات هائلة وهى ستة أمثال الأخرى، فلينسكي Lenski يعلم هذا ويعلم تردد الطفرات، فكل هذا محسوب عنده ومدروس، وهو مبدئياً يعرف أن هذا لا يُمكِن أن يكون ناجماً عن حدوث طفرة واحد، لأن لو طفرة واحدة لوقعت في غيرها حتماً، فهو علم أن هذه ليست طفرة واحدة، وبالفعل وجد أن هذا كان نتيجة وقوع ثلاث طفرات وبالصدفة وبشكل عشوائي، فالطفرة الأولى لم تُفِد شيئاً والطفرة الثانية أيضاً لم تُفِد شيئاً، لكن الطفرة الثالثة دخلت في تركيبة مع الثانية والأولى الآن ثم ظهرت النتيجة، حيث أصبحت هذه البكتيريا قادرة أن تتعامل مع السترات Citrate على أنها مادة تتغذى عليها، وبدأت تتغذى عليها إلى جانب الجلوكوز Glucose، وبهذا تتكاثر أكثر من غيرها بستة أمثال، ومن هنا يقول لينسكي Lenski – كما قلت لكم – والتطوريون الملاحدة بالذات “هذا نوع من المسائل التي يُصِر المُألِهة على أنها لا تقع، وهى تقع وأمام أعيننا، فأنتم تقولون أنها لا تقع ولكن نحن كعلماء نقول أنها تقع”، علماً بأن لا أحد يقول أنا كعالم مُلحِد أقول كذا وكذا، فالدين ليس علاقة بهذا، ولكن هناك مَن يقول أنا كعالم أقول لك أن هذا يقع ولدي الدليل، فأنت تنفي وأنا أُثبِت، والمُثبِت حُجة على النافي، وبطريقة إمبريقية مُوثَقة تستطيع أنت أن تتحقق منها بنفس الأسلوب الإمبريقي أو الأسلوب التجريبي.

نأتي الآن إلى مثال آخر، فهذا هو مُلخَص تجربة لينسكي Lenski، وهى – كما قلت لكم – تجربة مُعقَّدة وطويلة ومُرهِقة وفيها تفصيلات فنية، لكن نحن أعطيناكم روح هذه التجربة، ومَن شاء أن يزداد إذا كان مُتخصِصاً يستطيع أن يعود إلى الكتب المدرسية – أي الجامعية – ويقرأ هذه التجربة في كل فاصيلها وفنياتها.

web-croppedIvory-Stock-KWS-Ivory-Room-Credit-Kristian-Schmidt-for-WildAid_0نأتي الآن إلى الناب الخاص بالفيلة الذي يُسمونه العاج Ivory، وطبعاً هو مطلوب ومعروف في العالم ويُباع بأثمان باهظة جداً لغايات كثيرة معروفة، وعلى كل حال الفيلة من الكائنات أيضاً المُهدَدة بالانقراض، وأحد أسباب تهديها هو كثرة صيدها غير المشروع وغير المُقنَن للاستفادة من أنيابها العاجية، والمفروض أن التطور – وهذا ما فعله التطوريون – يتقدم هنا أيضاً بفرضية أو بتنبؤ يُفيد بأن عند ازدياد تجارب أو مُغامَرات الاصطياد غير المُقنَنة وغير المشروعة سوف يُعطي الانتخاب الطبيعي ميزة بقائية للأنياب الصغيرة، لكن قد يقول لي أحدكم لماذا تقول غير المُقنَنة؟ وبدوري أقول لأن المُقنَنة طبعاً تأخذ في اعتبارها ضرورة بقاء الفيلة، فتكون بأعداد ميسورة مُحدَدة، لكن لم يكن هناك ثمة قانون حاكم وحصل خرق للقانون سوف تكون العملية غير مُنضبِطة بحيث يُشكِّل هذا الاصطياد غير الشرعي تهديداً حقيقياً لبقاء الفيلة، فهو تهديد حقيقي لها ويُمكِن أن يُفنيها، فبعد عشرات السنين تفنى كلها ولا يبقى ولو فيل واحد، وذلك بفعل الاصطياد غير الشرعي وغير القانوني، لكن ما دخل الانتخاب الطبيعي الآن؟ المفروض إذا كان يُوجَد انتخاب طبيعي ويشتغل أن يُعطي ميزة للأسنان الصغيرة وللأنياب الصغيرة، لأن الذين يصطادون طبعاً لا يصطادون الفيلة الكبيرة الحجم أيضاً بأنياب صغيرة، بل يتركونها حتى تنمو أنيابها لكي يُصبِح ثمنها أجدى وأكبر،أما ذوات الأنياب الكبيرة فهى التي تُصبِح هدفاً لنيرانهم، وهذا معناه أن الانتخاب الطبيعي الآن سيُعطي ميزة تفضيلية للفيلة بالأنياب الصغيرة، فتكثر هذه طبعاً، وقد يقول لي أحدكم “هذا يحدث وبشكل طبيعي” وهذا غير صحيح، فهو يحدث ولكن بشكل غير طبيعي، فهل تعرفون ما هو الشكل الطبيعي؟ الشكل الطبيعي عندك هو أن الفيلة الكبيرة بالأنياب الكبيرة طبعاً تُصاد، والفيلة الصغيرة التي ما زالت تنمو بأنياب صغيرة تُترَك، لكن الفرضية ليست كذلك، فنحن سنفترض – وطبعاً الفيل يعيش في المُعدَّل خمس وأربعين سنة إلى خمسين سنة، وهو من أبطأ الحيوانات تكاثراً، نعم يُوجَد مَن هو أبطأ منه ولكنه من أبطأ الحيوانات تكاثراً، فكل ست سنين تقريباً يضع بطناً أو فرداً – وجود فيل في عمر خمس عشرة سنة مثلاً، ويكون العاج الخاص به بشكل مثالي ومُمتاز، وبحسب فرضية التطور المفروض أن ترى بعد عقود أو مئات السنين الفيلة في عمر خمس عشرة سنة وقد تراجع حجم أنيابها، فهذه هى الفرضية العلمية، وليس أن هناك فيلة صغيرة وأحجام عاجها صغير، ليس هذا هو، وإنما في نفس السن، فقبل مائة سنة تكون الفيلة – مثلاً- في سن خمس عشرة سنة ويكون العاج مثلاً بطول كذا وبحجم كذا وبوزن – نفترض مثلاً – عشرين كيلو – الناب الواحد – أو ثلاثين كيلو، والآن بعد مائة سنة من هذا الاصطياد وعمل الانتخاب الطبيعي سنرى الفيلة في سن الخامسة عشرة وقد انخفض وزن العاج ووزن الناب الواحد إلى عشرة كيلات، أي عشرة كيلو جرام وليس خمسة عشر أو عشرين، فهذا معناه وجود انتخاب طبيعي وهذا الانتخاب يشتغل تماماً، بمعنى أن الفيلة – علماً بأن هذا للتبسيط – التي يسمح برنامجها الجيني أنها تُنمّي في سن الخامسة عشرة عاجاً بطول كذا وبوزن كذا بحيث تُصبِح مُهيأة للاصطياد سوف تفنى لأنه ستُصاد، أما الفيلة الأخرى التي برنامجها الوراثي لا يسمح لها بهذا بسبب وجود خلل أو قصور أو أي شيئ لا ندري ما هو ولكن برنامجها لا يسمح لها بأن تبلغ سن الخامسة عشرة وعاجها على النصف أو الثلث أو أقل أو أكثر من هذا – أي أقل من المُعدَّل العادي – سوف تبقى وسوف تتكاثر أكثر، فالصياد لن يطمع فيها، مع أن حجم الفيل نفسه ضخم وسنه ضخم لكن العاج صغير، فهل هذا حدث؟ وهل يُمكِن اختبار هذا؟ قد يقول لي أحدكم أن هذا من المُمكِن أن يحدث ولكن في ملايين السنين، وهذا غير صحيح، لأنه حدث في فترة بسيطة جداً جداً تصل تقريباً إلى زُهاء ستين سنة.

إدارة الصيد الأوغاندية – أي في أوغندا Uganda – نشرت سنة ألف وتسعمائة واثنين وستين تقريرها عن هذه العملية، علماً بأن هذا يُغطي المسافة الزمانية من خمس وعشرين إلى خمس وثمانين، أي ما يقرب من ستين سنة تقريباً، وقالوا “وضح من هذا التقرير أن الفيلة فعلاً اتجهت اتجاهاً واضحاً إلى تصغير أنيابها من حيث الحجم والطول والوزن” ومَن فعل هذا بدأ الآن يسود، وهذا يدل على أن الانتخاب الطبيعي يشتغل، فهناك فيلة في نفس السن بأنياب أقل، والتي كانت قبل ستين سنة بأنياب أكبر تمت إبادتها بسبب كثرة اصطيادها ثم جاء النوع الثاني لكي يبقى.

طبعاً أنا مُتأكِد من أي إنسان مُؤمِن سوف يقول لي “هذا غير صحيح، وأنا غير مُقتنِع بأسطورة الانتخاب الطبيعي هذا، فواضح أنكم تشبثتم بشيئ لم تُحبوا أن تسموه قانوناً أو روحاً توازنية سائدة في الطبيعة وسائدة في العالم تسمح بأن تكون دائماً النتائج مُتوازِنة وتُعطي نوعاً من العقل، فهناك عقل لا يُدرِكه الكائن نفسه ولا يُدرِك عوامله أصلاً ولايُدرِك ظروفه ولا شروطه، هناك عقل سارٍ في العالم يضع كل شيئ في مكانه وفي موضعه وبقدره وفي قدره حتى تستمر الحياة” ونحن سوف نرى هذه التضمينات الفلسفية واللاهوتية ولكن مُتأخِراً.

الآن نأتي إلى تجربة من أعجب التجارب، وهذه التجربة أعتقد أنها تضاهي تجربة سحالي بود مرتشارو Pod Mrcaru وبود كوبيشته Pod Kopište في العجب بل من المُمكِن أن تكون أعجب قليلاً، فسوف أُحدِّثكم عن تكلبن الثعالب والذئاب، والمقصود بكلمة تكلبن أي تحول الثعلب إلى كلب وتحول الذئب إلى كلب، وطبعاً تحول الذئاب إلى كلاب مسألة معروفة، فعلماء الأحياء تقريباً الآن كلهم مُتفِقون على أن الكلاب الأليفة التي نعرفها تم تدجينها من الذئاب قبل عشرة آلاف سنة، وطبعاً يُوجَد منها أكثر من مائة وخمسين نوعاً، فهذه الكلاب الأليفة بدءاً من ذوات الحجم الصغير إلى ذوات الحجم الكبير التي قد يكون حجمها مثل الخروف مرة ونصف وأكثر تم تدجينها، وتقريباً بحسب إحصاء بعض العلماء الأمريكان يُوجَد أكثر من مائة وخمسين نوعاً من الكلاب الأليفة المُدجَنة التي تُسمى بالكلب الأليف Canis Lupus Familiaris، وهذا الكلب الأليف تم تدجينه من الذئاب قبل عشرة آلاف سنة، فالإنسان قام بهذه المُهِمة، وهذا نوع من الانتخاب الصناعي تقريباً، وفي الحقيقة سوف نرى مزيجاً من الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي كانت نتيجته ان الذئاب أصبحت كلاباً، علماً بأننا سوف نشرح هذا.

كونراد لورنتس Konrad Lorenz

كونراد لورنتس Konrad Lorenz

عالم سلوك الحيوان النوبلي – حامل جائزة نوبل Nobel طبعاً في هذا الحقل أي في علم الأحياء – النمساوي المشهور جداً كونراد لورنتس Konrad Lorenz له كتابه إسمه Man Meets Dog أي الإنسان يُقابِل الكلب أو الإنسان يلتقي بالكلب، وهو عالم كبير ودراساته جميلة جداً وقوية وفيها أصالة وإضافات كثيرة.

النمساوي لورنتس Lorenz اقترح فرضية وهى أن الكلاب الأليفة مُتحدِرة من نوعين، النوع الأول من الذئاب – Wolves – والنوع الثاني من الثعالب، أي من الذئاب ومن الثعالب فقط، وبقيَ الأمر مُحتمَلاً ومفتوحاً، ووُجِدَ علماء كانوا يُعارِضونه وكذلك علماء كانوا يُؤيِدونه، فالمُعارِضون يقولون “هذا غير صحيح، والأدلة الواضحة على أن هذا الكلب الأليف بكل أنواعه أتى من الذئاب لكن بالنسبة لموضوع أنه أتى من الثعالب أو من أبناء آوى – أي الجاكلز Jackals – فهذا غير واضح لدينا”، وطبعاً بالنسبة للنمساوي كونراد لورنتس Konrad Lorenz كان عنده مُلاحَظات سلوكية، فهو عالم سلوك حيوان كبير، ولاحظ هذا بالمُلاحَظات السلوكية، ولديه أدلة أوردها في كتابه الإنسان يُلاقي – أو يلتقي – بالكلب، ولكن بعد أن قدَّمت علوم الوراثة الجُزيئية أدلتها التي تقريباً من الصعب دحضها أو إدحاضها انتهت نظرية لورنتس Lorenz، فالآن لا تجد على الإطلاق عالماً واحداً يقول لك هذه الكلاب بعضها من نسل الثعالب أو ابن آوى، فكل هذه الكلاب الأليفة مأخوذة من ذئاب، أي أن كلها مُدجَنة من ذئاب، فمن قبل عشرة آلاف سنة بدأت هذه العملية، لكن قد تقول لي هل كل الكلاب ينطبق عليها هذا؟ طبعاً هذا لا ينطبق على كل الكلاب، فنحن عندنا الكلاب البرية، والكلاب البرية أصلها قبل مائة مليون سنة، فهى مأخوذة أيضاً من ذئاب أو شيئ له علاقة بالذئاب ولكن نحن لا نتحدَّث عنها، وإنما نتحدث عن الكلاب الأليفة المُدجَنة التي بدأ ظهورها من عشرة آلاف سنة.

رايموند كوبينجر Raymond Coppinger

رايموند كوبينجر Raymond Coppinger

طبعاً لدينا عالم كبير مشهور جداً إسمه العالم رايموند كوبينجر Raymond Coppinger، وكوبينجر Coppinger عنده كتاب عظيم جداً، وهو أكبر عالم مُتخصِص في هذه النظرية، أي في نظرية الكلاب والذئاب وكيف تطورت الذئاب لتُصبِح كلاباً، والآن سأشرح لكم مُلخَص النظرية، فالعالم عنده كتاب رايموند كوبينجر Raymond Coppinger إسمه Dogs: A New Understanding of Canine Origin, Behavior and Evolution، أي الكلاب: فهم جديد لأصول الكلاب – أي للأصول الكلبية – والسلوك والتطور، وهو كتاب مشهور وعمدة في هذا الباب، فكل علماء التطور يرجعون إلي كتاب رايموند كوبينجر Raymond Coppinger لكي يشرحوا ويُبسِّطوا هذه النظرية، أي نظرية كيف تحولت الذئاب إلى كلاب، لكن ماذا يقول كوبينجر Coppinger؟ يقول باختصار “ليست الذئاب العادية البرية هى التي تحولت إلى كلاب أليفة في بيوتنا وحظائرنا، فهذا مُستحيل، وذلك بسبب مسافة الهروب Flight Distance”، فما هى مسافة الهروب Flucht Abstands إذن؟ علماً بأنك حين تكون في البرية أو حتى في السفاري – مثلاً – أو تُلاحِظ حتى في البرامج الوثائقية ذلك الشيئ سوف تتعجب، فالسبع أو الأسد – Lion – قد يكون أمامك وتراه، وإلى جانبه الحمار الزرد – مثلاً – أو الغزلان أو الظباء والمها بشكل قريب جداً ومن ثم تستغرب من هذا، فهل هى لا تخاف؟ ما الذي يحصل؟ فمسافة الهروب قصيرة جداً وأحياناً تكون أمتاراً، فلماذا هى قصيرة؟ لكن هذه محسوبة وبالتالي لا تخاف، وهم يقولون هذا كان يحدث حتى بالانتخاب الطبيعي، فهم يعرفون هذا، وهذه الحيوانات تعرف قدرتها على الهرب، والأسد يعرف قدرته على الاختطاف، فهو يضرب ضربة بخطف سريع، والكل يعرف هذا، وطبعاً إذا اقترب أكثر من المسافة المسوح بها – مسافة الهروب – فإنها تنفر، لأنها تحسب حسباها وحدها غرزياً وتعرف هذا، وطبعاً هو يحظى بفريسته عموماً، لأن الضعيف والمريض والمهزول والمكسور هو الذي يقع، فالحيوان العادي في الظروف العادية يُفلِت لأنه يعرف مسافة هروبه، لكن لماذا يُغامِر الحيوان؟ لأنه مُضطَر أن يُغامِر، فإذا لم يقترب من هذا المكان – مثلاً خ لن يشرب الماء، فهذا المكان يُوَجَد فيه الماء وهو يُريد أن يشرب، فيأتي والأسود موجودة، وإلا سوف يموت من العطش إذا لم يأت إلى هنا مثلاً.

نفترض مثل وجود بعض الحيوانات القمّامة الرمّامة التي تأكل الجيف وبقايا الحيوانات الأخرى كالضباع Hyenas – هذه حيوانات قمّامة رمّامة، وهى الشريك الأول للأسود، فدائماً تُنازِعها وتغلبها باستمرار – مثلاً، وهذه تكون مُضطَرة كثيراً أن تنال من هذه البقايا الميتة، فهذا اضطرار إذن، وهذا هو قانون صراع البقاء وصراع الوجود، في حين أن الذئاب البرية مسافة هروبها من الإنسان كبيرة طبعاً، ولذلك ليس في برنامجها أن تأكل من القمامات البشرية، فالذئب البري لا يأتي على مزبلة بشرية ويأكل منها، لأنه يخشى من أن يقع في فخ الإنسان، ولذلك يقول رايموند كوبينجر Raymond Coppinger “مُستحيل أن الإنسان دجن – عمل تدجين Domestikation – للذئب البري كما نعلمه كذئب”، فهذا مُستحيل، وذلك بسبب مسافة الهروب، فالمسافة بعيدة جداً، ومن ثم يقول كوبينجر Coppinger “وإنما الذي حصل هو أن أنواعاً من الذئاب البرية قلصت مسافة الهروب وبدأت تتقمم على القمامات البشرية”، وطبعاً هذا العلم شيئ جميل، فسر الجمال في العلم وعامل النجاح فيه هو التخصص، ففي الغرب هنا طبيعي جداً جداً جداً – هذا لا يُمكِن إحصاءه – أن تسمع بعالم تخصَّص في حيوان واحد فقط، بالأمس – مثلاً – كنت أُشاهِد National Geographic Channel ورأيت عالماً مُتخصِصاً في البرص – أبو بريص – فقط، وقال لك أنه من عشرين سنة يدرس البرص، فله عشرون سنة بالضبط في هذا التخصص وهذا أمر عادي، ولك أن تتخيَّل هذا، ولذلك يخرج بنتائج عجيبة طبعاً، وهذا يحدث حتى في الصناعات، فهم يصنعون الآن مادة لاصقة بسيطة تستطيع أن تضعها بيدك وتحمل ثلاثمائة كيلو جرام، وهذه المادة مأخوذة من البرص، فهو أخذ هذا اللاصق من دراسة البرص، وهو لاصق بسيط تضعه على الزجاج فيحمل لك ثلاثمائة كيلو جرام ولا يقع، وهذا تم أخذه من البرص ولكن بعد دراسة وصلت إلى عشرين سنة على البرص فحصلت الاستفادة إذن.

هناك عالم آخر قال أنه تخصَّص في النمل من أربعين سنة، وهناك علم ثالث قال أنه من ستين سنة هو يدرس النحل، أي أنه قضى حياته كلها في دراسته، ولذلك هؤلاء بهذا التخصص وبهذه المُثابرة وبهذا العمق والفنيات طبعاً يستطيع الواحد منهم طبعاً أن يُعيد لك الماضي الذي لم نره ولم نكن هناك لنعيشه، فكيف لنا أن نعرف ما كان يحدث قبل مليون سنة مثلاً؟ لكن يستطيع العالم أن يفعل هذا بالتخصص والخيال والعلم والمُثابر، فيبدأ يُعطيك نماذج ومُقارَبات تُحاوِل أن تُفهِمك ما الذي حصل تقريباً في الوقت الذي لم نكن فيه مخلوقين حتى، وعلى كل حال كوبينجر Coppinger قال “هذا مُستحيل أن يحصل، وإنما الذي حصل هو أن أنواعاً من الذئاب البرية قلصت مسافة الهروب وبدأت تتقمم على القمامات البشرية”، فهى بدأت تفعل هذا ومن ثم كانت هذه البداية، طبعاً والنهاية عندكم، بمعنى أن هذا الحيوان لما بدأ يقترب ألقى الإنسان له – مثلاً – دجاجة ميتة أو قطعة لحم أو قطعة دهون، ومن ثم ائتنس هذا الذئب الذي دجن نفسه تدجيناً طبيعياً، واقترب من الإنسان وبدأ يأكل من قمامته، وهذا تدجين طبيعي، وإسمه تدجين ذاتي، فهم يُسمونه بالتدجين الذاتي Self-domestication، علماً بان هذا هو إسمه العلمي، فهو قام بتدجين ذاته بنفسه وبدأ بالمُبادَرة، وفي خطوات أخرى عبر مئات السنين وربما عبر عشرات السنين وربما حتى في جيل واحد من أجيال هذه الثعالب اقترب بعضها من الإنسان، وبدأ الإنسان يُربِّت عليه ويسمح له على جسمه ومن ثم ائتنس بهذا، فهو يُعطيه طعاماً، وبالتالي بقيَ عنده لأن طعامه كان مُتوفِراً باستمرار، فالآن يبدأ مشوار التطور إذن، وسوف يحدث ما رأينا حدث مع سحالي بود مرتشارو Pod Mrcaru، فهذا الذئب الآن لن يعدو في البراري باستمرار، وسوف يتخلى عن وسائل كثيرة في اصطياد رزقه لأن الرزق أصبح مضموناً وأصبح يُعطى له كل يوم على أن يقوم بالحراسة وأن يُحافِظ على حظيرة صاحبه، وهكذا بعد ألوف السنين سيتحول إلى الكلب الذي نعرف، فكل هذه الكلاب التي نعرف هى أبناء الذئاب، وهناك إجماع على هذا، فكل علماء الأحياء يُوافِقون على هذا،وطبعاً الدراسة الجينية للذئاب والكلاب أيضاً تُؤكِد هذا تماماً وتعطينا المُدة وتقول كيف يُمكِن أن يحصل في عشرة آلاف سنة، وهذا شيئ عجيب، فالبيولوجيا الجُزيئية تُحدِّد لك تماماً هذا، علماً بأن هذا سندرسه بعد ذلك عندما نأتي عند أدلة التطور أيضاً في موضوع الأدلة الجُزيئية، فسوف نرى كيف نعرف هذا وما إلى ذلك، وهذه كلها أشياء جميلة جداً ومُعقَّدة.

tumblr_miktxzi8mn1rtzgg3o1_1280نترك هذا الآن بعد أن فهمناه كمُقدِمة، فنحن نُريد أن نرى تجربة حديثة أمام أعيننا أيضاً، لأننا لا نُريد شيئاً يتعلَّق بعشرة آلاف سنة وإنما نُريد شيئاً يحدث أمام أعيننا، فكيف تم تحويل الثعالب إلى كلاب؟ الثعلب Vulpes — طبعاً ليس كالكلب، وخاصة الثعلب الأحمر عموماً الذي يُسمى بالـ Vulpes vulpes، وطبعاً كل الثعالب في نهاية المطاف هى ثعالب، لكن لماذا يُسمونها بإسم الثعلب الأحمر؟ لأنه الأكثر انتشاراً، فهناك ثعالب فضية ورمادية وبيضاء والكثير من الأنواع المُختلِفة من ناحية اللون لكن الثغلب الأحمر هو المُنتشِر – الأكثر انتشاراً – في أكثر القارات تقريباً،فأكبر الأعداد تكون من الثعلب الأحمر ولذلك تُسمى كلها بالـ Vulpes vulpes، أي تُسمى بإسم الثعلب الأحمر، وهويختلف عن الكلب طبعاً بلا شك، فهو حيوان غير مُدجَّن ولا يأنس بالإنسان ويفترق عن الكلاب في أشياء كثيرة جداً، لكن هل من المُمكِن أن يتخلى عنها ويبدأ يتعود عادات الكلاب ويغير نفسه عضوياً أيضاً في أشياء مُعينة لها علاقة بالجنس والتكاثر – مثلاً – بحيث يُصبِح كالكلب؟ هذا شيئ مُذهِل، وهذا الذي حدث أمام أعيننا، فهناك تجربة لعالم روسي كبير في علم الوراثة وفي علم الحيوانات أيضاً إسمه ديمتري بيليف Dmitry Belyaev أو ديمتري بيلييف Dmitry Belyaev، علماً بأن ديمتري بيليف

ديمتري بيليف Dmitry Belyaev

ديمتري بيليف Dmitry Belyaev

Dmitry Belyaev كان موجوداً أيام ستالين Stalin أيضاً، وأُسنِدَ إليه وظيفة في مزرعة ثعالب من أجل الفرو – أي من أجل فرو الثعالب – في الخمسينيات وذلك في أواخر عهد لينين Lenin، لكن بسبب أن ديمتري بيليف Dmitry Belyaev كان عالماً مُقتنِعاً بالوراثيات المندلية Mendelism والمورجانية Morganism – نسبةً إلى العالم مندل Mendel والعالم مورجان Morgan – تم عزله، فهو كان مُقتنِعاً بالوراثة العلمية كما شرحنا مبادئها بشكل سريع مُقتضَب، والمُهِم هو أن ديمتري بيليف Dmitry Belyaev كان عالماً مُقتنِعاً بالوراثيات المندلية Mendelism والمورجانية Morganism ولذلك تم عزله من وظيفته وذلك في سلطة العالم الزائف المُؤدلِج والمُؤدلَج تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko، علماً بأننا حدثناكم عن تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko من قبل، وعلى كل حال تم عزله، ولكن من حسن حظ العلم – وبالذات علم الأحياء – أن عالمنا ديمتري بيليف Dmitry Belyaev سوف

تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko

تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko

يُمارِس أبحاثه أيضاً بعد ذلك، وسوف يُسنَد إليه وظيفة أكبر لكن بعد وفاة ستالين Stalin في سيبريبا، فسوف يُقيم هناك مزرعة كبيرة للثعالب وسوف يُجري دراساته عليها، وطبعاً هنا سنكون أمام انتخاب اصطناعي وليس انتخاب طبيعي، وإنما انتخاب اصطناعي، وهذا الانتخاب الاصطناعي هو صورة مُقابِلة للانتخاب الطبيعي، وفي الحقيقة – كما قلت لكم – لكي أكون دقيقاً علمياً هو مزيج من انتخاب صناعي وانتخاب طبيعي جرى على الذئاب قبل عشرة آلاف سنة وحولها إلى الكلاب الأليفة، وطبعاً هو حوَّل أنواعاً منها وأفراداً منها بالحري، وإلا الذئاب كلها موجودة الآن، فهو حوَّل أفراداً منها إلى الكلاب الأليفة، فهذا انتخاب طبيعي وانتخاب صناعي، لكن هذا الانتخاب الصناعي يعتمد طبعاً على قوانين طبيعية وقوانين حيوية، سوف تُحوِّل الثعالب تقريباً إلى شيئ أشبه بالكلاب، فهناك تحويلات حقيقية على المُستوى أيضاً البنيوي والوظفي، فما الذي حدث إذن؟ سوف نرى الآن، حيث أتى بيليف Belyaev بثعالبه هذه لإجراء التجارب عليها، وطبعاً كان عنده الثعلب المعروف بالثعلب الفضي Silver Fox، علماً بأن الثعلب الفضي فروته مطلوبة جداً وثمينة، فهم كانوا يستجودنه ويُربوته من أجل أن يأخذوا هذا الفراء الذي يُباع بأسعار عالية، وعلى كل حال هو أتى بهذه الثعالب الفضية، ثم قسم الثعالب الفضية التي لديه إلى ثلاث مجموعات بهدف الاستيلاد، فهو يُريد أن يستولد وأن ينتخب الأنواع التي تناسبه أكثر، وطبعاً يُناسِبه بشكل مبدئي الأنواع الأكثر ألفة للإنسان والتي تُقبِل على الإنسان، فهذا يُناسِبه جداً، والهدف البعيد طبعاً هو الفراء وهو هدف اقتصادي، لكن العلم استفاد هنا في الطريق، وهذه الاستفادة قد تكون أتت عرضاً وليس غرضاً، لكن على كل حال استفاد العلم كثيراً والتطور استفاد كثيراً، فهو قسم هذه الثعالب الفضية إلى ثلاثة أقسام أو ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى هى الأسوأ وهى التي لا تستجيب للإنسان، فهى تنفر منه وتهرب مُباشَرةً وربما تعضه، وهذه لا تستولد، فنحن لا نحتاجها ولا نُريد أن نُدجِنها اصلاً ومن ثم استبعدها، والمجموعة الثانية هى التي تُقبِل على الإنسان ولا تهرب منه ولا تعضه ولكنها لا تُعطي استجابات إيجابية، أي أنها لا تُعرِب عن أي استجابات إيجابية معه، وهذه لا حاجة لنا بها أيضاً، والمجموعة الثالثة هى المجموعة الأخيرة وهى الأفضل، فهى التي تُقبِل على الإنسان وتألف به وتُحرِّك ذيلها وتُهمهِم له وتقبل أن يمسها وأن يُربِّت عليها وأن يُقدِّم لها طعامها، فهناك بعض الأفراد من الثعالب فعلت هذا، ومن ثم قالوا نحن نُريد هؤلاء، فلو وُجِد فردان في مجموعة من مائتين – مثلاً – تم أخذهما، وقالوا نحن نُريدهما فقط، فهما يفعلان هذا لوجود خطأ ربما في الجينات Genes جعلهما يفعلان هذا.

أنا لدي قط بلاني الله به، وهو قط فارسي جميل جداً جداً، وأنا أُسميه ملك جمال القطط، لكن سلوكه من أسوأ ما يكون، فهو لا يُحِب أن يُحمَل ولا يسمح لك أن تُمسِد عليه، فمُباشَرةً يخمشك، وهذا يدل على وجود خطأ جيني عنده، فهو يفعل هذا مع أن هذا النوع من أحسن الأنواع، وهو نوع شديد الحياء والإقبال على الإنسان، لكن أنا عندي منه فرد من أسوأ الأنواع، فهذا الفرد لا يُستولَد طبعاً، فقط يُرمى في أقرب مزبلة، لكن الله بلانا به والآن نحن نقوم بتربيته، فهو يُعامِلنا كخدك عنده، ويتعامل مع البيت مُعامَلة الفندق Hotel، فيخرج ويأتي كما يهوى ولا بيسمح لأحد أن يحمله لأنه ضيق الخلق – سبحان الله – بشكل غير طبيعي، وعلى كل حال هذه الحيوانات موجودة لأنها مثل البشر، فهناك بشر كذلك أيضاً.

إذن قال بيليف Belyaev أن هذا النوع الثالث أو هذه الفصيلة الثالثة مُمتازة ونحن نُريد أن نستولدها لأنها مُمتازة جداً، فبدأ الآن يعمل Breeding من خلال ذكر مع أنثى وذكر مع أنثى وهكذا من هذه الأفراد بالذات، أي أنه يقوم بعمل انتخاب صناعي Artificial Breeding، فالانتخاب الصناعي يختلف عن الانتخاب الطبيعي طبعاً، لأن الانتخاب الطبيعي يحتاج إلى زمن طويل، لكن الانتخاب الصناعي يُقصِّر الزمن ويحرق المراحل، والانتخاب الطبيعي غير واعٍ وأعمى – Blind – كما سماه دوكنز Dawkins، لكن الانتخاب الصناعي واعٍ ومُبصِر، وذلك لأننا نحن الذين نقوم عليه، فالبشر هم الذين يقومون به، فأنا كإنسان أفعله وأقول أنني أُريد مع هذا وأُريد هذه الصفات الفلانية بالذات دون غيرها، فأنا أعرف ماذا أُريد ولذلك هو انتخاب واعٍ ومُبصِر، ومن هنا كان داروين Darwin مُعجباً جداً بالانتخاب الصناعي، وعنده الحق في هذا صراحة، فهو رأى الذين يستولدون المواشي ويستولدون الخيول ويستولدون الحمام فأُعجِبَ به، وهو نفسه قام باستيلاد الحمام، فهو ربى الحمام عنده في مزرعته في الداون هاوس Down House، وقال “هذا أمرٌ عجيب، كأن الحيوانات لدائن – أي قطع لدائنية – يتم قولبتها وتشكيلها، فتخرج فيما بعد بالشكل الذي أُريده، كأنت تكون بريش مُعيَّن أو بحجم ذيل أو رأس مُعيَّن وما إلى ذلك، ولذا هذا شيئ عجيب”، وهذا طبعاً يحدث في سنوات، ولكنه كان مُعجبَاً جداً بهذه الإمكانية وبطواعية الحيوانات على أن تشتكل بيد الإنسان بهذه الطريقة، فكأنها قطعة من اللدائن وأنت تقوم بتشكيلها، فتُكبِّر من ناحية وتُصغِّر من ناحية أُخرى وهكذا، وفي خلال عشر سنين – مثلاً – تجد الشيئ الذي تُريده تماماً، ولذا كان داروين Darwin مسحوراً مجذوباً بهذا الشيئ، وسوف يحدث شيئ مثل هذا الآن مع هذه الثعالب الرمادية Silver على يد عالمنا ديمتري بيليف Dmitry Belyaev، فهو بدأ في أن يُولِّد بينها، ولكنه لاحظ أن هذه الثعالب – الأجيال الجديدة – الآن بدأت فعلاً تبتعد عن الثعالب وتقترب من الكلاب بشكل واضح، فأصبحت تنشج للإنسان وتُهمهِم له كالكلب، وأصبحت تُحِب التربيت واللمس والقرب من الإنسان، على عكس الثعالب، فالثعالب غير أليفة وتخاف من الإنسان وتنفر منه وتهرب دائماً، لكن هذه ليست كذلك، كما أنها تُحرِّك ذيولها كما تفعل الكلاب، ومن ثم هذا أعجبه جداً، علماً بأن الذي حصل في الحقيقة هو شيئ أبعد من هذا بكثير، فهذا مازال شيئاً عادياً ومُجرَّد سلوك، لكن ما جرى كان أكثر بكثير حتى أنه أجبر هذا العالم وأتباعه أيضاً وتلاميذه الذين واصلوا التجربة بعد وفاته على أن يُعطوا هذه الفئة الجديدة إسم Domesticated Elite، علماً بأنها ليست نوعاً طبعاً، وهم لم يقولوا أن هذا يُعَد نوعاً جديداً، هو أشبه أن يكون نوعاً جديداً ولكنه ليس نوعاً جديداً، فهو ليس ثعلباً رمادياً تماماً، كما أنه ليس كلباً خالصاً، وإنما هو شيئ يقع بينهما، أي بين الكلب وبين الثعلب، فلابد أن نُعطيه إسماً جديداً، وهذا لا يصح أن يُسمى ثعلباً رمادي، لأن حتى الفروة الخاصة به فقدها، وتبقع كما يتبقع الكلب الويلزي Welsh Dog، فاختلف حتى شكله، وطبعاً هنا خسرنا اقتصادياً لأننا كنا نُريده من أجل الفروة، لكنه فقد الفروة الآن، وحتى شكل الذيل الخاص به اختلف، فذيول الثعالب تكون إلى أسفل وتكون كثيفة، فذيولها مُنخفِضة على عكس ذيول الكلاب التي تكون مُرتفِعة إلى أعلى، فهذه الثعالب أصبحت ذيولها أخف ومُرتفِعة كذيل الكلب وهذا شيئ غريب، وفقدت الفروة وتبقعت مثل الكلب الويلزي Welsh Dog، ولذلك هم خسروا اقتصادياً هنا طبعاً، وعلى كل حال تم تسمية هذه الفئة الجديدة بالـ Domesticated Elite، أي النخبة المُدجَّنة، فهم أسموها بالنخبة المُدجَّنة لأنها ليست كلاباً وليست ثعالباً، ثم أنها – كما قلنا – بدأت تتكاثر، وبعد عشرة أجيال من الاستيلاد صار لدينا إجمالياً ثمانية عشرة في المائة من الثعالب من النخبة المُدجَّنة الجديدة، وهذا كثير جداً، وبعد عشرين جيلاً ارتفعت إلى خمسة وثلاثين في المائة في المزرعة، وبعد ثلاثين إلى خمسة وثلاثين جيلاً أصبحت بنسبة سبعين إلى ثمانين في المائة من عشيرة التجربة، أي من العشيرة – Population – التي جرى عليها التجريب، فمن هذه العشيرة صار عندنا من سبعين إلى ثمانين في المائة منها نخبة مُدجَّنة، والعجيب – كما قلت لكم – أنها فقدت فروتها الثعلبية وأصبحت مُرُّقَطة مثل كلاب الرعي الويلزية، فضلاً عن أن آذان الثعالب تكون مُدبَبة مثل السبعة وآذان الكلاب تكون مُتهدِلة، لكن هذه أصبحت آذانها مُتهدِلة، فحتى شكل الآذان اختلف ليُصبِح مثل شكل آذان الكلاب، وهو ما حدث مع الذيل أيضاً، وقد تحدثنا عنه وذكرنا كيف ارتفع الآن وأصبح أقل كثافة ليكون مثل ذيل الكلب، والأعجب من هذا كله كان ما يتعلَّق بالدورة النزوية وهى الدورة الجنسية لها، فطبعاً الكلاب عموماً كما تعلمون لها دورة خاصة بها، فالكلاب الذكور تستطيع أن تأتي إناثها في أي وقت، فأي أنثى تكون في فترة انتزاء أو اشتهاء يأتيها الكلب الذكر، لكن المُهِم الآن والعبرة تتعلَّق بالأنثى في الثعالب وفي الذئاب وفي الكلاب، فالأنثى في الكلاب لها دورتان في السنة فقط، وطبعاً تختلف بين عشائر الكلاب من عشيرة لعشيرة، فبعضها يكون في أكتوبر وبعضها في نوفمبر وبعضها في غير ذلك، لكن عموماً هما دورتان في السنة، وتستمر كل دورة تقريباً ستة أيام، ففي الكلاب تُوجَد دورتان وليس دورة واحدة، وكل مرة تقريباً ستة أيام، لكن في الثعالب تُوجَد دورة واحدة، والآن هذه النخبة المُدجَّنة صارت دورة إناثها النزوية مرتين في السنة، وهذا شيئ عجيب، فعبر التاريخ لها دورة واحدة لكن الآن صار لها دورتان، أي أنها دخلت تقريباً في عالم الكلاب، وهذا شيئ غريب لكنه حدث بالانتخاب الصناعي دون أن نُدخِل معها الكلب، فهنا لا يُوجَد أي تهجين، والكلب ليس له علاقة بالقضية أبداً، قالقضية كلها قضية استيلاد فقط – كما قلت – لأنواع مُعينة أو لأصناف مُعينة بصفات مُحدَدة، وهذا الاستيلاد يكون مُستمِراً بينها، ومع عوامل تربوية خارجية جنجت إلى أن تكلبن، فهذا هو تكلبن الذئاب وتكلبن الثعالب كما قلت لكم، وفي الحقيقة كانت هذه النتيجة لافتة ومُذهِلة جداً، فيبدو أن الذي جرى في تجربة ديمتري بيليف Dmitry Belyaev مع ثعالبه كان شيئاً مُشابِهاً لما جرى مع الذئاب قبل عشرة آلاف سنة، لكن – كما قلنا – فى تجربة بيليف Belyaev كان يُوجَد انتخاب صناعي محض، لكن في التجربة القديمة كان هناك مزيج بين الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي.

أدركني الوقت مرة أخرى، إلى أن ألقاكم لأُكمِل معكم أدلة التطور الصُغروي في حلقةٍ ثالثة أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)

 

‫سلسلة نظرية التطور l الدكتور عدنان إبراهيم l الحلقة 18

نظرية التطور 

السلسلة الأولى: الأدلة والمؤيدات

الحلقة الثامنة عشرة

التطور الصُغروي – الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أحبتي في الله: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أستكمل معكم في هذه الحلقة بعض الأدلة على التطور الصغير أو الصُغروي، ومن هذه الأدلة أُذكِركم بالبكتيريا التي تحدَّثنا عنها وهى البكتيريا القولونية الإشريكية Escherichia Coli، فقد تحدَّثنا عنها ربما قبل حلقتين، وهناك تجربة أخرى أيضاً رائعة على هذه الإشريكية القولونية Escherichia Coli، وهى تجربة قام بها العالم بيري هول Barry Hall من جامعة روتشستر Rochester، حيث أراد هول Hall أن يختبر هل بإمكان هذه البكتيريا أن تعيش في ظروفها الطبيعية – أخذنا طبعاً في حلقة سابقة تجربة لينسكي Lenski أنها تتغذى عموماً على المادة السكرية المعروفة بالجلوكوز Glucose – إذا نزعنا من هذه البكتيريا – أي من جينومها Genome – الجين Gene المسؤول عن إنتاج خميرة أو Enzyme يُكسِّر اللاكتوز Lactose حتى يجعله قابلاً للتغذية، فهل يُمكِن لها أن تعيش؟ طبعاً سيُجيب أيٌ مِنكم بأنه لا يُمكِن لها أن تعيش، لأنها تعيش على اللاكتوز Lactose مثلاً، والآن لا تستطيع، لكن فرضية نظرية التطور تقول يُمكِن أن تقع طفرة بالخطأ وبالعشوائية، فتقع طفرة تُمكِّنها من أن تعتاش منزوعة هذا الجين Gene، لكن كيف؟ هذه الطفرة ربما تُنتِج جيناً

بيري هول Barry G. Hall

بيري هول Barry G. Hall

Gene جديداً أو تركيباً وراثياً جديداً يسمح بتكوين Enzyme جديد يُكسِّر اللاكتوز Lactose غير الـ Enzyme القديم أيضاً، لكن هل هذا يحدث؟ بالضبط هذا ما حدث، وهذا شئ عجيب، فهذه تجربة قصيرة وجميلة وأيضاً مُذهِلة، وهى تجربة العالم بيري هول Barry Hall، فهذا فعلاً ما حدث، في البداية حين قام بنزع هذا الجين Gene وأصبحت هذه البكتيريا عاطلة لا تستطيع أن تتغذى على اللاكتوز Lactose لأن ال Enzyme أو الخميرة التي تُكسِّر هذا اللاكتوز Lactose غير موجودة أصابها جوع شديد ولم تتكاثر واقتربت من الفناء، وفجأة لاحظ بيري هول Barry Hall أنها بدأت تتكاثر، فما الذي حدث؟ هذه بكتيريا منزوعة الجين Gene كيف تتكاثر؟ بدأت تتغذى على اللاكتوز Lactose، ثم فحص ودرس فوجد أن طفرة Mutation وقعت وسمحت بتكوين Enzyme   جديد غير الـ Enzyme القديم المفقود، أي Enzyme   آخر، وأيضاً يُكسِّر اللاكتوز Lactose، لكن ليس هذا هو المُثير، ففي الحقيقة لم تكن طفرة مُفرَدة واحدة مثل التجربة السابقة وإنما ثلاث طفرات، الطفرة الأولى لا تُفيد، وانضمت إليها الثانية التي لا تُفيد، إلى أن أتت الثالثة، ومع الثالثة حدث التغير النوعي وتم انتاج هذا الـ Enzyme الجديد الذي مكنها من أن تُكسِّر اللاكتوز Lactose وتعيش عليه وتتكاثر، وهذه تجربة خطيرة، ومثل هذه التجارب بالذات إذا أردنا أن ندرس التضمينات العقدية والميتافيزيقية لها ولهذه المسائل سنجد أنها تُمثِّل التجارب الأخطر، لأنهم دائماً سيحتجون بها وسيعولون عليها ويُحيلون إليها في أن مثل هذه السبل الكيموحيوية – هذه أشياء كيميو حيوية مُعقَّدة جداً جداً – أو المسارات – Paths – الكيمو – أي الكيميائية – حيوية مُعقَّدة جداً، وأنتم رأيتم أنه لم يتسن حدوث ما حدث إلا بتضافر ثلاث طفرات عشوائية، فكل واحدة وقعت أيها وحدها من غير ارتباط بالثانية ولكن رغم هذه العشوائية وهذه الاعتباطية وهذه الصدفية أمكن أن يحدث شيئ أشبه بالمُعجِزة أو بالشيئ الذي لا يحدث ولكنه حدث، واستطاعت أن تعيش هذه البكتيريا من جديد بفضل ثلاث طفرات عشوائية، فتعاضدت ثلاثتها ورسمت سبيلاً كيميوحيوياً جديداً للبكتيريا المُختبَرة، وهذا من أعجب ما يكون، وهذه تجربة مُوثَّقة وعلمية، فإذن هذه الأشياء تحصل، وهذا يُذكِّر أو يحيل على البكتيريا المعروفة بالمُكوَرة العنقودية الذهبية Staphylococcus aureus، علماً بأن كلمة Aureus تعني ذهبي، وهذه بكتيريا مشهورة جداً تُسبِب Syndrome أو مُتلازِمة تُسمى بمُتلازِمة الصدمة التسممية Toxic Shock Syndrome، وهذا مرض قاتل، فقد يقتل في ساعات وقد يقتل في أسابيع إذا لم يُعالَج، فهو خطير جداً، وتُسبِبه هذه المُكوَرة العنقودية الذهبية، وقد تحدثنا عنها دون أن نُسميها قبل ذلك، فهذه البكتيريا تقريباً إلى سنة ألف وتسعمائة وإحدى وأربعين تم القضاء عليها وتم اختفاء هذا المرض بفضل المُضاد الحيوي الأكثر شهرة في التاريخ البنسلين Penicillin، فهذا المُضاد يعمل بخبث ومكر واحتيال شديد، لكن كيف يقضي على هذه المُكوَرة العنقودية الذهبية؟ كالتالي: هذه البكتيريا وكل البكتيريات – هناك السبحيات أيضاً – وهذه المُكوَرات يقضي عليها بنفس الآلية، فهى إذا كانت تمتص كمية من الماء ولا تُعيد تعديل جدارها بالطريقة المطلوبة كما تفعل فإنها تنفجر، لكنها لا تنفجر في العادة، لأنها تقوم على تعديل الجدار بإفراز مواد ليفية شُعيرية تسد بها فتحات الجدار المُعدَّل وبالتالي لا تنفجر، والمُضاد الحيوي يعمل على إتلاف الـ Enzyme الذي يُسهِّل عملية بناء هذه الألياف الشُعيرية وبالتالي حين تمتص هذه البكتيريا – المُكوَرة العنقودية الذهبية – الماء تبقى تتضخم ثم تنفجر، فهذه آلية عمل البنسلين Penicillin في القضاء على هذا النوع الخبيث من البكتيريا.

إلى سنة ألف وتسعمائة واحد وأربعين تقريباً سجل العلماء انتهاء هذا الخطر، وبعد سبعين سنة في ألفين وأحد عشر – أي قبل ثلاث سنوات – عاد أكثر من خمسة عشر في المائة من سلالات المُكوَرة الذهبية إلى الحياة، وطبعاً نحن الآن في خطر للأسف، ففي الوقت الماضي الأمر كان آمناً – Safe – تماماً، لكن في ألفين وأحد عشر بدأ الخطر يُطِل بقرنه من جديد، فنسبة خمسة عشر في المائة نسبة عالية جداً، حيث بدأ يعود إلى الحياة خمسة عشر في المائة من المُكوَرة العنقودية الذهبية وبدأ يُمارِس آثاره الإمراضية والإخماجية القاتلة، فلماذا إذن وما الذي حصل؟ البنسلين Penicillin موجود والطفرات موجودة، والطفرات – كما قلنا – جزء مُهِم من عملية التطور وإعادة التكيف ونشوء الأنواع كما يقولون، لكن للأسف هذه المرة الطفرات لم تعمل لصالح البشر ولكنها عملت لصالح المُكوَرة العنقودية الذهبية، فهى لم تعمل لصالحنا وإنما عملت لصالح العدو وهو البكتيريا، وقد فعلت طبعاً مئات ألوف ألوف الأجيال من هذه التجارب طبعاً الإصحاحية، وتعاطي البنسلين Penicillin كمُضاد حيوي، فالناس يُسرِفون في تعاطي المُضادات الحيوية، وحدثت طفرة مكنت هذه البكتيريا من تكوين ما تقضي به على البنسلين Penicillin، وهذا إسمه بنسلينيز Penicillinase، فهذا صار يقضي على البنسلين Penicillin ويُدمِّره، فتفوز البكتيريا وتتكاثر، وطبعاً الإنسان لا يستسلم أمام هذا الكائن الدقيق القوي والمُتكيف أيضاً، وأنتم تعرفون أن البكتيريا أكثر خطورة حتى من الفيروسات Viruses، فالفيرس Virus ليس خطراً كالبكتيريا، وعلاجه دائماً أسهل من من البكتيريا، فأي تسمم بكتيري أص%9 الطيور، فلابد أن تتكيف بشكل مُختلِف في حال الخصب عنها في حال الجدب والجفاف، وهذا ما حدث، فمثلاً في سنة ألف وتس%5 تيأس والبشر لا ييأسون، وتستمر طبعاً شركات إنتاج الأدوية والحجماها الصغيرة وبالكميات الضئيلة جداً فيها من النداوة والرطوبة والماء فإن البراقش تموت، والبراقش مُعظمها الأسهل لها أن تعيش على البذور الصغيرة، فإذا كانت هذه البذور الصغيرة غير موجودة سوف تموت هذه البراقش، إذن الصنف الذ9لى الميثيسيلين Methicillin وتستمر المسألة، وهذا صراع – سبحان الله – كالصراع بين النور والظلام وبين الحق والباطل وبين العلم والجهل، فهذا صراع ولا أحد يستسلم إلا أن يفنى بالكامل، فهذا يُذكِّرنا بهذه التجارب العجيبة على أنواع من البكتيريا.

ذبابة الفاكهة السوداء البطن Drosophila melanogaster

ذبابة الفاكهة السوداء البطن Drosophila melanogaster

سمعنا أكثر من مرة بذبابة الفاكهة Fruit Fly المعروفة بالدروسوفيلا ميلانو جاستر Drosophila melanogaster، فذبابة الفاكهة السوداء البطن الإسم العلمي لها هو الدروسوفيلا ميلانو جاستر Drosophila melanogaster، وهى ذبابة مُرتبِطة تماماً بأبحاث الجينات Genes، وعلماء الوراثة دائماً يُجرون عليها التجارب، فلماذا إذن؟ يُوجَد فيها ثمانية كروموسومات Chromosomes وجينوم Genome بسيط وليس ستة وأربعين، وإنما ثمانية، وواضح حتى البساطة في بنيتها وهيكلها وعيونها وأجنحتها، فحتى الشعر على البطن – Bristles Abdominal – يُمكِن عده، فهو يُعَد بسهولة، لذا هى جيدة جداً وهى مُصمَمة لإجراء التجارب، فهناك تجارب على هذا الشعر الموجود على كلا جانبي البطن – Bristles Abdominal – كثيرة، علماً بأن كلمة Abdomen تعني البطن أو الأحشاء عموماً وكلمة Bristles يُراد بها الشعر الخشن على كلا جانبي البطن، وهو يوجد بأعداد مُحدَدة دائماً ومُتوارَث أيضاً، لكن هل يُمكِن أن يزيد؟ وهل يُمكِن أن ينقص؟ يُمكِن بتجارب مُعينة، تجارب استنسالية وانتخاب صناعي، وهذا الذي حدث في أكثر من تجربة، وأنا سأُعطيكم الآن إسم مقالة لعالم اشتُهِر كثيراً في هذا الباب إسمه B. H. Yoo، علماً بأن B. H. Yoo من جامعة سيدني بأستراليا وله مقالة مُهِمة لمن أحب أن يعود إليها إسمها Long-term selection for a quantitativ character in large replicate populations of Drosophila melanogaster أي الانتخاب طويل الأمد – أو الانتخاب على المدى الطويل – للصفات الكمية في عشائر مُستنسَلة أو مُستوFناخ الحار، ففي أوروبا المناخ يُعتبَر بارداً بشكل عام، لكن في أستراليا المناخ يُعتبَر جافاً وحاراً، 9أبحاث الوراثية – في سنة ألف وتسعمائة وثمانين في العدد الخامس والثلاثين من الصفحة الواحدة إلى السابعة عشرة، فهذه كانت أول مقالة ولديه فيها أربع مقالات مُتوالية، وهذا الرجل أجرى تجارب على أكثر من تسعين جيلاً من الأجيال قبل أن تتوقف التجرب اختيارياً وبالفعل أثبت أنه يُمكِن زيادة عدد هذه الشُعيرات أو إنقاصها، وقال “هذه أيضاً خُطوة تُؤكِد إمكانية التطور، فالتطور يحصل على الأعضاء وما له علاقة بهذه الأعضاء”. 

FinchTreeنأتي الآن إلى إحدى أيقونات – Icons – التطور كما تُسمى، فهى من أشهر أيقونات – Icons – التطور على الإطلاق وهى البراقش أو الفنشيز Finches التي حد9جرانت Grant قال ” أنا مُتأكِد من هذا، فأ%راشير أو شراشير داروين Darwin أو حساسين داروين Darwin أو براقش داروين Darwin، فهناك ترجمات كثيرة للفنشيز Finches – كما قلنا – وتُسمى أيضاً بطيور داروين Darwin أو عصافير داروين Darwin، لأنه تقريباً أول مَن تحدث عنها وأتى بعينات منها وإن لم يذكر من أي الجُزر من جُزر جالاباجوس Galápagos أتى بها طبعاً، لكنه قال أنها من جالاباجوس Galápagos وفقط للأسف، وسوف نرى الآن كيف تطورت هذه البراقش أمام أعيننا وليس أمام أعين داروين Darwin ، وإنما أمام أعين العلماء في القرن العشرين، وتحديداً في النصف الثاني من القرن العشرين، فهذه القصة قصة جميلة وقد أُلِفَت فيها كُتب، ومن أشهر هذه الكُتب كتاب إسمه منقار البرقش The 9ى اختلاف حجم الرأس وسعة اٴ، والإسم الفرعي له هو A Story of Evolution in Our Time، أي قصة أو حكاية تطور في زماننا، يُريد أن يقول أمام أعيننا أو في وقتنا أو في حياتنا نستطيع أن نرى كيف تتطور هذه الفنشيز Finches، وهذا الكتاب أخذ جائزة بوليتزر Pulitzer Prize، فكتاب منقار البرقش يحكي بالتفصيل قصة زوجين عالمين قاما بتجربة في سنوات طويلة على برقش الجالاباجوس Galápagos، حيث ذهبا إلى جُزر الجالاباجوس Galápagos المشهورة – جُزر داروين Darwin – وأجريا هذه التجارب في سنوات، وهما Peter and Rosemary Grant، أي بيتر جرانت وزوجته روزماري جرانت، فإذن بيتر جرانت وروزماري جرانت Peter Grant and Rosemary Grant هما زوجان وعملا في معاً في هذا المجال، وطبعاً لهما كتاب، وبيتر جرانت Peter Grant كتب عدة مقالات في Scientific American وهو عالم أمريكي وله أيضاً مع زوجته كتاب في هذه المسألة، لكن كتاب منقار البرقش كان الأشهر لأنه مكتوب بطريقة فنية ومُحبَبة وقريبة للجماهير.

بيتر جرانت وروزماري جرانت Peter Grant and Rosemary Grant

بيتر جرانت وروزماري جرانت Peter Grant and Rosemary Grant

القصة تبدأ بأن هذين الزوجين العالمين ذهبا إلى الجالاباجوس Galápagos في سنة ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين – أي في أول عقد الثمانينيات، وأنتم تعرفون كيف يبدأ العقد طبعاً، ففي سنة أحد وسبعين كنا قد دخلنا في العقد الثامن وليس السابع، فالعقد السابع يكون من أحد وستين واثنين وستين وهكذا، لكن هذا كان في أوائل عقد الثمانينيات – ومن سبعة جُزر اصطادا أعداداً من البراقش، وقاما بأخذ بيانات دقيقة ومعلومات مُفصَّلة عن كُلٍ منها، مثل الوزن والحجم وطول المنقار وعمق المنقار، علماً بأن عمق المنقار يُعتبَر مُهِماً، لكن ما هو العمق؟ عمق – Deep – المنقار هو المسافة بين قمة المنقار وأسفل المنقار عند القاعدة، فهذه المسافة تُسمى عمق المنقار، فمُهِم جداً أن نقيس عمق المنقار هذا، ولذا هما قاما بقياس عمق المناقير وكل الأشياء المطلوبة، وذلك في سنة ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين، أما في سنة ألف وتسعمائة وخمس وسبعين ركزا أبحاثهما وتجاربهما على جزيرة محصورة، لأنها مساحة محدودة إلى حد ما، فيُمكِن أن تجعل التجربة أكثر انضباطاً وإحكاماً، وهى جزيرة تُسمى دافني ميجور Daphne Major، علماً بأن دافني Daphne تعني الرئيس أو الرئيسة، وذلك في سنة ألف وتسعمائة وخمس وسبعين، وفي عقد الثمانينيات وخاصة بعد سنة ألف وتسعمائة وخمس وسبعين شهدت الجزيرة مواسم من الجفاف تلت مواسم من الخصب والأمطار الغزيرة، والآن التطور يتقدم بفرضية أن هذا من شأنه أن يُؤثِّر على تكيف هذه الطيور، فلابد أن تتكيف بشكل مُختلِف في حال الخصب عنها في حال الجدب والجفاف، وهذا ما حدث، فمثلاً في سنة ألف وتسعمائة وست وسبعين كان الموسم موسماً خصباً، حيث ارتفع منسوب المياه ووصل إلى خمس إنشات، أي إلى اثني عشر سنتيمتراً تقريباً، فالإنش يُساوي اثنين ونصف سنتيمتر، لكن بعد ذلك مُباشَرةً في سنة ألف وتسعمائة وسبع وسبعين نزل الماء واحد إنش، وهذا شيئ عجيب، فكان الجفاف شديداً، ولقيَ هذا تعبيره المُباشِر في انخفاض براقش الجزيرة إلى خمسة عشر في المائة، ولكن أن تتخيَّل هذا، فإذا كان لدينا مائة طائر – مثلاً – سوف يكون لدينا الآن خمسة عشر طيراً، أما الباقي مات، لكن لماذا حدث هذا؟ لأن في مواسم الجفاف لا يبقى على الجزيرة إلا البذور الكبيرة، فمن خلال البذور الكبيرة بأحجامها تستطيع أن تواجه الجفاف لأن فيها كمية مياه أكثر، أما إذا كانت البذور صغيرة بأحجماها الصغيرة وبالكميات الضئيلة جداً فيها من النداوة والرطوبة والماء فإن البراقش تموت، والبراقش مُعظمها الأسهل لها أن تعيش على البذور الصغيرة، فإذا كانت هذه البذور الصغيرة غير موجودة سوف تموت هذه البراقش، إذن الصنف الذي بقيَ هو الذي يعيش على البذور الكبيرة الموجودة، والبذور الكبيرة تحتاج إلى مناقير قوية ومناقير أطول وأعمق، ونحن رأينا عمق المنقار، وهو المسافة بين القمة وأسفله عند القاعدة، وهذا جميل جداً، وإلى الآن كل شيئ واضح، وبالفعل هذا ما حصل، فوجد الزوجان أن هذه البراقش في الدافني ميجور Daphne Major قد زاد عمق مناقيرها بنسبة خمسة في المائة، وهذه نسبة تُعتبَر دراماتيكية، فأن تقع نسبة خمسة في المائة تقريباً في سنة أو في سنتين شيئ لا يكاد يُصدَّق، وخمسة في المائة تُساوي نصف ملليمتر، فلك أن تتخيَّل هذا، أي واحد على عشرين من السنتيمتر، وهذا بالنسبة لعصفور – كما قلت لكم في سنة أو سنتين أو حتى في بضع سنوات – يُعتبَر حدثاً غير طبيعي بالمرة، فهذا كثير جداً، والعلم الآن يقول لك الأرض تتحرك، وهى فعلاً تتحرك، لكن كم تتحرك؟ تتحرَّك كل عشر سنوات أو كل مائة سنة – مثلاً – أجزاء من الملليمتر، وهذا يحدث مع القارات، لكن هذا في مائة ألف سنة أو في ملايين السنين يُؤثِّر كثيراً جداً، وكذلك الحال مع مخ الإنسان، فكيف تطور مخ الإنسان مثلاً؟ تطور مخ الإنسان تطور ربما في ملايين السنين، بنسبة واحد على ألف للجيل فقط ولك أن تتخيَّل هذا، وليس بنسبة خمسة في المائة، والآن هنشوف سوف نرى شيئاً أكثر من خمسة في المائة، فهذه النسبة سوف تزيد أيضاً، لكن على كل حال هم لاحظوا أن أعماق هذه المناقير ازدادت بنسبة خمسة في المائة، وهذا يُساوي نصف ملليمتر، وهذا كان الجيل الأول، أما في الجيل التالي زادت الأعماق بنسبة عشرة في المائة، ولك أن تتخيَّل هذا، وهذه أيضاً – كما قلنا لكم وأنتم الآن أخذتم فكرة طبعاً – نسبة غير طبيعية بالمرة، فهى نسبة هائلة جداً، فطبعاً أدركت روزماري Rosemary وزوجها بيتر جرانت Peter Grant أن الانتخاب الطبيعي الآن فعلاً يشتغل ويعمل ويُلاحِق الظروف، ففي ظروف الجفاف يشتغل بطريقة، وفي ظروف الخصب يعود ويشتغل بالطريقة الرئيسة الأولى، ولو افترضنا أن الجفاف تواصل سوف يتواصل عمق المناقير في الازدياد، فهذا من المُفترَض أن يحدث بشكل مُؤكَّد بعد أجيال مُعينة، ومن هنا يقول بيتر جرانت Peter Grant في لقاء مع Scientific American “أنا أفترض لو تمت العملية بشكل تراكمي – أي أن يبقى الجفاف مُتواصِلاً مع وجود حبوب – سوف تبقى أعداد ضئيلة من العصافير لا بأس بها، وسوف تتكاثر ويزداد عمق المنقار وتزداد الحبوب قسوة، وأنا أعتقد في ظرف مائتي سنة فقط سوف نكون أمام نوع جديد من البرقش” فهو لن يكون البرقش نفسه وإنما سيكون نوعاً آخراً وسيُصبِح طيراً آخراً، وهذا أتى تأكيداً لحدس وفرضية داروين Darwin، فداروين Darwin افترض هذا، وجرانت Grant قال ” أنا مُتأكِد من هذا، فأنا قمت وزوجتي بهذه التجربة ورأينا هذا حدث بنسبة خمسة في المائة وعشرة في المائة”، وقد يقول لي أحدكم الآن “لكن البرقش بقيَ برقشاً” وهذا صحيح طبعاً، لكن جرانت Grant يقول “بعد مائتي سنة سوف يكون طائراً آخراً، أي سيكون نوعاً آخراً من الطيور”، وطبعاً هذا يُذكِّر بأمثلة كثيرة سأذكرها سرداً دون أن أشرحها، وهى مشهورة جداً في كتب علم الأحياء التطورية.

الأرانب البرية التي جُلِبَت من أوروبا إلى أستراليا عاشت في أستراليا بيئة جديدة، فاختلفت صفات كثيرة في الأرانب البرية المجلوبة من حيث حجم الآذان ومن حيث الأوزان والأبعاد حتى بين الأذنين، وهذا يُشير طبعاً إلى اختلاف حجم الرأس وسعة الجمجمة، وكذلك اختلف تكيفها مع المُناخ الحار، ففي أوروبا المناخ يُعتبَر بارداً بشكل عام، لكن في أستراليا المناخ يُعتبَر جافاً وحاراً، وهذا أثر على الأرانب من جهات كثيرة.

 مُتسلِق العسل القرمزي Scarlet honeycreeper

مُتسلِق العسل القرمزي Scarlet honeycreeper

لدينا طائر إسمه Scarlet honeycreeper، أي مُتسلِق العسل القرمزي، وبعض العرب يسمونه داب العسل ولا أعرف لماذا، لكن المُهِم هو أن كلمة Scarlet تعني القرمزي وكلمة Creeper تعني مُتسلِق أو مُتعشِش، فهو مُعشِش أو مُتسلِق العسل القرمزي، وهو طائر جميل ولذا يُمكِنكم أن ترونه في الـ Wallpaper الخاصة باللكمبيوتر Computer أحياناً لأنهم يستخدمون صورته في هذا، وهو طائر رجلاه حمروان – ساقاه حمروان – ولونه أزرق، فهو جميل جداً، وهو قرمزي بسبب لون الرجلين وليس الجسم، فالجسم أزرق لكن الساقان قرمزيتان Scarlet، أي لونهما قرمزي، وهذا الطائر يُوجَد في هاواي Hawaii، وفي مواسم مُعينة في هاواي Hawaii تلاشى مصدر هذا الطائر المُفضَل للرحيق – للنكتار Nectar – فاعتمد هو على مصدر آخر، لأنه كان يأخذ هذا النكتار Nectar من زهور مُعينة لكن هذه النباتات ربما تلاشت وفنيت، فبدأ يأخذ الرحيق من نباتات أخرى، فما الذي حدث إذن؟ منقاره أصبح أصغر حجماً، أي تصاغر المنقار واختلف حجمه وشكله، فهذا تكيف وتطور، إذن هذا يحدث!

لدينا الحلزون البحري في نيو إنجلاند New Engalnd، والحلزون البحري في نيو إنجلاند New Engalnd فيما يُرجِح علماء التطور تحت تأثير المُفترِسات – الحيوانات التي تفترسه – وخاصة السراطين – Crabs – والسلطعونات – حدث له تكيف تطوري بحيث أن الدَّرَقة أو الصدفة الخاصة به أصبحت أكثر سماكة وزاد حجمها حتى لا يُمكِن افتراسه بسهولة، وهذا شيئ عجيب، وهذا له صور تُؤكِّد فعلاً أن شكلها وحجمها اختلف، وهذا تطور يحدث أيضاً.

بقة شجرة التوت الصابونيSoapberry Bug

بقة شجرة التوت الصابوني Soapberry Bug

هناك تطور أعجب من هذا كله على كائن دقيق إسمه بقة شجرة التوت الصابوني Soapberry Bug، وهذه الكائنات توجد في أمريكا في مكانين مُختلِفين، وهى تعيش على أشجار مُتوطِّنة، وشُجيرة التوت الصابوني هذه موجودة في شمالي ووسط أمريكا، ويقوم البق Bug باستعمارها، وعندنا شجرة ثانية إسمها Perennial Balloon Vine، أي الكرمة المُنتفِخة – البالونية – المُعمَّرة، علماً بأن كلمة Vine تعني الكرمة، أي كرمة العنب، وهذه موجودة في جنوبي فلوريدا Florida، ويعيش عليها هذا البق Bug، وهذا البق له مناقير طبعاً، لكنها مناقير مُخصَّصة للبق وليست مناقيراً للعصافير، ولكنها تُسمى Beaks بالإنجليزية كما لو كانت منقاراً مثل منقار العصفور من حيث الإسم، فنفس الإسم يُستعمَل هنا وهناك، لكن هذا منقار خاص بالبق، وعلى كل حال هذه البق لها مناقيرBeaks، وهى تخترق بهذه المناقير الصغيرة جداً طبعاً البذور إلى أن تصل إلى النواة، فهى تسيخها وتُذيبها ثم تمتصها، وهذه هى طريقتها في التغذية، فلو عندنا فواكه تحت الأشجار وفيها بذور فإنها تدخل منقارها وتُذيب هذه البذور ثم تمتصها، أي أنها تعيش بهذه الطريقة، لكن ما الذي حصل؟ في هذه البلاد استعمرت هذه البقة أو هذا البق ثلاثة أنواع من الأشجار جديدة غير الشجرتين المذكورتين، نوعان من هاته الأنواع الثلاثة فاكهتها وبالتالي بذورها أكبر بكثير من فاكهة وبذور الشجرتين المذكورتين، والنوع الثالث فاكهته وبالتالي بذوره أصغر بكثير من الشجرتين المذكورتين، والآن سوف يتدخل التطور، فهم يقولون الآن تُوجَد فرضية أو نبؤة، فما هى إذن؟ على البقة أن تتكيف بتطوير مناقيرها بالزيادة والنقصان بحسب المُستعمَرات الجديدة لها، ونحن نُريد أن نختبر الفرضية طبعاً وهى كانت صحيحة، بمعنى أن البق الذي يستعمر الأشجار التي هى أكبر حجماً في الفاكهة والبذور من الأشجار الأصلية عليه أن يُطوِّر مناقير أطول، وعلى البق الذي استعمر الشجرة الأصغر بالفاكهة والبذور أن يُطوِّر ارتدادياً منقاره لكي يُصبِح أصغر حجماً، وبالضبط هذا ما حصل، فالعلماء يقولون “هذا ما حصل” بعد أن درسوا هذا، لكن كيف هذا؟ في الأشجار الأكبر فاكهة ً وبذوراً طوَّرت مناقيرها فأصبحت أكبر بنسبة خمسة وعشرين في المائة، وطبعاً هذا الرقم الآن أكيد له دلالة عندكم، فأن تصل النسبة إلى خمسة وعشرين في المائة في ظرف يسير لا يتجاوز ربما عدة سنوات يُعَد شيئاً هائلاً جداً جداً، ولو أردنا أن نُعبِّر عنه نسبياً وقلنا – مثلاً – في عشرة آلاف جيل من البق سوف يبقى التطوير هذا بشكل تراكمي وسوف يزيد باستمرار – علماً بأن جيل البق يكون كل سنتين، فهو ليس كالبكتيريا كل أربع ساعات وإنما كل سنتين، أي عشرة آلاف جيل في خمسة آلاف – وبالتالي لو بقيَ البق تراكمياً يُطوِّر منقاره بهذه الطريقة في خمسة آلاف سنة وبقيَ يطور حجمه أيضاً – طبعاً هذا افتراض لا يُمكِن أن يحصل، لكنه افتراض لكي تعرف قيمة الخمسة والعشرين في المائة، فهذا معناه أنه تطور بشكل غير طبيعي بالمرة، هذا تطور جذري – فسوف يكون هذا المنقار بطول ألف وثمانمائة ميل Miles، أي سوف يُصبِح طول المنقار قُرابة ثلاثة آلاف كيلو متر، وسوف يكون قادراً على تسييخ وامتصاص بذور فاكهة بحجم القمر، أي ربع الأرض، فلو عندك فاكهة بحجم القمر سوف يستطيع أن يُدخِل منقاره فيها ويُسيخ البذرة ثم يمتصها، إذن خمسة وعشرون في المائة في فترة أجيال يسيرة تُعتبَر تطوراً جذرياً دراماتيكياً مُثيراً جداً، فهذا أمر غير طبيعي ولكنه طوَّره بالفعل بنسبة خمسة وعشرين في المائة نحو الأكثر.

أسماك الجوبي Guppies

أسماك الجوبي Guppies

هناك تجربة أخرى أيضاً، وقد حدثتكم عن أسماك الجوبي Guppy – Guppies – وكيف أنها حين أمِنت الموت والفناء كانت تنضج جنسياً في وقتٍ مُتأخِر، وكانت وتيرة تكاثرها وتعداد بيوضها أقل، وقلت لكم أن حجم الأسماك بعد ذلك سيكون أكبر، وهذه الفرضية أو هذه الحقيقة ينبغي أن تتكرر نُطق أخرى مُختلِفة كثيراً، حتى في حق النباتات أيضاً وليس فقط الحيوانات، ولك أن تتخيَّل هذا، بمعنى أن نباتاً مُعيناً يعيش في بيئة تتعرض للجفاف من المفروض الآن تطورياً أن يكون إزهاره أكثر تبكيراً، والإزهار هو أهم شيئ في عملية التكاثر، فالمفروض الآن تطورياً أن يكون إزهاره أكثر تبكيراً وليس أكثر تأخيراً، فعليه أن يفعل هذا بسرعة، وطبعاً التبكير يكون قبل خمسة أيام أو قبل أسبوع أو قبل عشرة أيام بحسب اختلاف النباتات، والعكس صحيح طبعاً، فحين يكون هناك خصب ورفاه فإنه يتأخر إزهاره، وهذا كله نوع من التكيف أو أنواع من التكيفات، وهذا يحدث في كل أفراد العشيرة بعد ذلك، وهنا يشتغل أيضاً الانتخاب، وهذا الذي حدث فعلاً مع نبات إسمه نبات الخردل البري Brassica Rapa، فنبات الخردل البري Brassica Rapa جُلِبَ إلى ولاية كاليفورنيا California من حوالي ثلاثمائة سنة مضت، ومن سنة ألفين ميلادياً – أي قبل أربع عشرة سنة – عانى جنوب كاليفورنيا California الجفاف لمُدة خمس سنوات مُتوالية، فمن ألفين إلى ألفين وخمسة كان يُوجَد الجفاف الشديد لعدم وجود كميات من الأمطار الهاطلة بالقدر المُعتاد، والآن سيتم اختبار هذه الفرضية على النباتات، أي على نبات الخردل البري الذي يعيش في هذه البيئة،

آرثر فايس Arthur Weiss

آرثر فايس Arthur Weiss

فالعالم آرثر فايس Arthur Weiss – علماً بأن في اللغة الإنجليزية يقولون وايس ولا يقولون فايس، فهناك طبعاً مُشكِلة في نطق الأسماء الإنجليزية من أصل ألماني، فحتى إلى الآن تُوجَد مُشكِلة، فهم لا يعرفون هل يُنطَق بالأصل الأماني أو يُنطَق بالإنجليزية، فلا ندري هل نقول وايسمان Weismann – مثلاً – أم نقول فايزمان، وكذلك الحال مع إسم Werner ، يُمكِن أن يُنطَق ويرنر ويُمكِن أن يُنطَق فيرنر، مثل ويرنر Werner هايزنبرج Heisenberg، فحتى الآن يُوجَد اختلاف، والمُتعصِّبون يقولون يُنطَق بالـ Accent الإنجليزي وليس لنا علاقة بالنطق الألماني، لكن هناك مَن يقول يجب أن يُنطَق بالألمانية وليس بالإنجليزية، أي يُوجَد اختلاف على كل حال – وزملاؤه من جامعة كاليفورنيا درسوا هذه النبتة في هذه الفترة المُحدَدة النموذجية – أي من ألفين لألفين وخمسة – ووجدوا أن الانتخاب الطبيعي فعلاً يشتغل كما توقعوا في الاتجاه السليم، لماذا؟ لأن زهور الخردل البري تزهر قبل موعدها المعروف الاعتيادي بأسبوع كامل في الجفاف، فهى تُزهِر قبل ميعادها مُسابَقةً إلى استبقاء الحياة وإلى درء الفناء.
الآن سأذكر بعض الأشياء التي لها علاقة بالانتخاب الصناعي أو الاستيلاد الصناعي لكن بفضل وسائل غير بشرية، فنحن البشر ليس لنا علاقة بها، فسوف نرى كيف يتم في الطبيعة هذا الشيئ بوسائل غير بشرية، ولذلك هو أقرب إلى أن يكون حليفاً للانتخاب الطبيعي، لكن هو ليس انتخاباً طبيعياً، هو في الحقيقة استيلاد أو نوع من الاستيلاد الانتخابي، ويكون بين مخلوقين وأكثر، وأشهر الأمثلة على ذلك الزهور والحشرات، ومن هنا يقول علماء التطور “الحشرات هى أول المُدجِّنات The First Domesticators”، فأول المُدجِّنات ليست هى الإنسان وإنما الحشرات، أي أن الذي مارس التدجين لأول مرة ليس هو الإنسان وإنما الحشرات، فهى أوائل المُدجِّنات Domesticators، لكن كيف هذا؟ وتُدجِّن ماذا؟ تُدجِّن البناتات وتُدجِّن الزهور، فالحشرات تفعل هذا على أساس الألوان وعلى أساس الروائح وعلى أساس الرحيق والطعم والغذاء والطاقة Energy، لأن هذا الرحيق – النكتار Nectar – في نهاية المطاف هو غذاء سكري أو هو رحيق سكري، وهو يُعطي الحشرات الساقطة على الزهور المُمتصة لهذا الرحيق طاقة، فهى تتزود بالطاقة من خلاله، إذن نحن عندنا الطاقة أو الرحيق وعندنا الروائح وما إلى ذلك، لكن طبعاً ليست كل الروائح جميلة دائماً، وهذا أمر يجب أن ننتبه إليه، فهناك بعض الحشرات التي تُحِب الروائح القذرة مثل ذباب اللحم مثلاً Flesh Fly، فهو يُحِب الرائحة القذرة، وهناك – سبحان الله – نباتات تُزهِر بزهور روائحها قذرة جداً، فهناك نبات يُزهِر بزهرة إسمها بنجامين المُنتِن Stinking Benjamin، أي بنيامين الناتن، وهذه تحط عليها ذبابة اللحم، وهناك زهرة إسمها زهرة الجيفة Corpse Flower، والـ Corpse

بنجامين المُنتِن Stinking Benjamin

بنجامين المُنتِن Stinking Benjamin

تعني الـ Leiche وهى الجثة حين تتعفن وتتفسخ، فيتم تسميتها Corpse، فهذه الزهرة إسمها زهرة الجيفة Corpse Flower، وهى تحط عليها مثل هذه الأشياء، لكن هذه الأشياء قليلة، لأن مُعظم الزهور رائحتها – سبحان الله – طيبة، كأن مُعظم الحشرات تُحِب ما يُحِبه الإنسان، فتُحِب الروائح الطيبة، ولكن يُوجَد منها مَن يُحبون الأشياء الخبيثة، مثل بعض البشر سبحان الله، فهذا موجود حتى في الطير والحشرات، هذا موجود وهذا موجود، فكله موجود لكي يعيش ولكي يتوافق.

نأتي الآن إلى موضوعنا مرة أُخرى، فنحن الآن في بداية القضية، فكيف تحتال هذه النباتات المُزهِرة على الطبيعة التي فصلت بينها – أي بين ذكورها وإناثها مثلاً بالتعبير السهل – بفواصل فيزيقية؟ أي بفواصل مادية بين هذه وهذه قد تصل إلى واحد كيلو أو خمسمائة متر أو اثنين كيلو أو عشرين كيلو، فكيف يتم التلقيح رغم هذه الفواصل الفيزيقية؟ أول وسيلة هى التلقيح بالرياح، وهم يقولون أنها أول وسيلة ابتدعها النبات ودعمها الانتخاب الطبيعي ولا يقولون أي تعبيرات دينية أخرى، وعلى كل حال أول وسيلة هى التلقيح بالرياح Wind Pollination، وكلمة Pollination  تعني التلقيح ومنها كلمة Pollen التي تعني حبوب اللقاح، فالتلقيح بالرياح Wind Pollination كان وسيلة أولية وبدائية، وهذه الوسيلة موجودة إلى اليوم طبعاً لكنها مُكلِفة، فلكي يُنتِج النبات حبوب اللقاح سوف يسرق طاقة كبيرة طبعاً، وأصلاً هذه الطاقة مُخزَّنة في الأوراق الخضراء ومأخوذة من الشمس، فهو لن يستخدم هذه الطاقة في بناء الجذوع أو حتى في بناء الأوراق أو في بناء المخازن الخاصة به – عنده مخازن تحت الأرض تتعلَّق بالدرنات والبصلات المُتدرِنة – أو في بناء مثل هذه الأشياء وإنما سيضطر أن يستخدم جزءاً مُهِماً منها في بناء حبوب اللقاح، وحبوب اللقاح التي ينقلها أو تنقلها الرياح لابد أن تكون كثيرة جداً، فيجب أن يُنتِجها النبات بإسراف، حتى يضمن أنها تقع في الموقع المُناسِب، بمعنى أنها لا تعمل كالطلقة السحرية، وأنتم تعرفون تعبير الطلقة السحرية ـ Magic Bullet – طبعاً، والطلقة السحرية هى التي تُصيب الهدف تماماً، فعندما يُصاب هدف واحد بطلقة واحدة فإن هذه الطلقة تكون طلقة سحرية، لكن طبعاً التلقيح بالرياح ليس له علاقة بالطلقات السحرية بالمرة، فهو عنده طلقات عبثية أبعد ما تكون عن السحر، بدليل أن الرياح تأتي وتحمل ملايين الملايين من حبوب اللقاح وتضع مُعظمها على الإطلاق في الأماكن الغلط، وبدليل الذي نُعانيه أو يُعانيه كثيرٌ منا من حمى القش Hay Fever، وحمى القش هذه عبارة عن وقوع حبوب اللقاح في أنوفنا، فهى لا تقع في أماكنها السليمة وإنما تقع في آنافنا، فنستنشقها ويبدأ لدينا التحسس – Allergy – والمعاناة طبعاً منها، ومن ثم زيارة الأطباء للتخلص من فرك العيون ومن التحسس ومن كل المتاعب المُتعلِّقة بالحساسية، وعلى كل حال أجزاء بسيطة جداً منها هى التي تُصيب الهدف، ولذلك قالت النباتات قالت هذه المسألة لا طائل من ورائها وبالتالي يجب أن نبحث عن حيلة ثانية نحتال بها وأن نستخدم وسائل مُواصَلات أُخرى، فالرياح ليست وسيلة جيدة، نعم تؤدي الغرض ولكن بتكلفة كبيرة، فما هى الوسيلة الثانية؟ سوف نرى وسائل مُواصَلات مُتحرِكة مثل الخفافيش والنحل والذباب والطيور وسائر الحشرات، فهذه كلها وسائل مُواصَلات تستخدمها النباتات، لكن لابد أن تدفع لها الأجرة، فهذه لا يُمكِن أن تخدمها إلا أن تدفع لها الثمن، فما هو الثمن الذي تُقدِّمه هذه الزهور؟ الثمن هو الرحيق أو النكتار Nectar، فهى تُعطي لها الرحيق لكي تجلبها، وطبعاً في مُعظم الحالات الرحيق يدعو إلى نفسه عبر المظهر الجميل والألوان الجذّابة الحسنة، فيأتي الحيوان ويقع عليها ويمتص الرحيق ثم يذهب إلى زهرة أخرى، ويتفق في كثير من الأحيان أن تكون هذه هى الزهرة المطلوبة، فتكون من نفس النوعية المطلوبة ويتم التلقيح بين الذكر والأنثى، وهذا عمل جميل جداً، وهو الآن يُذكِّرني بزهرة السحلبية أو

Dendrobium Orchid

Dendrobium Orchid

الأوركيد Dendrobium Orchid، وهذه الأوركيد Orchid حدثتكم عنها في أول الحلقات حين ترجمت لتشارلز داروين Charles Darwin وقلت لكم أنه نشر في عام ألف وثمانمائة واثنتين وستين كتاباً عن الأوركيد Orchid وعن وسيائلها المُخادِعة في التلقيح، والرجل طبعاً أطلق نبؤة خاصة به، فهو سمع – سمع ولم ير هذا وإنما سمع به من العلماء والزائرين وربما السائحين – بوجود نوع من الأوركيد Orchid في مدغشقر يُسمى Angraecum Sesquipedale، فهذا هو الاسم العلمي لهذه الزهرة باللاتيني، وهى زهرة أوركيد Orchid كبيرة ويصل طول المسار الذي ينتهي بالرحيق إلى قريب من ثلاثين سنتيمتراً، وهذا شيئ عجيب ونادر جداً في الزهور في العالم أن يكون طول المسار قُرابة هذا الطول، فتنبأ داروين Darwin إذن وأطلق نبوءة مع ألفرد راسل والاس Alfred Russel Wallace – شريكه في ابتداع مفهوم الانتخاب الطبيعي – بضرورة وجود حشرة أو فراشة بالأحرى – أكثر كائن عنده هذا الخرطوم الطويل هو الفراشة – لها خرطوم يبلغ طوله ثلاثين سنتيمتراً، وهذه الفراشة لم يرها أحد،فهى فراشة بخرطوم يصل إلى ثلاثين سنتيمتراً مثل مسطرة، أين يُمكِن أن تُوجَد مثل هذه الفراشة؟ لكن الآن حين تذهب إلى النت Net وتكتب فراشة

Darwin's Moth

Darwin’s Moth

داروين Darwin’s Moth سوف تظهر لك وسوف تستغرب منها، وطبعاً هناك مقطع فيديو Video لعالم أحياء قد أفلح في تصويرها في الليل وهو يهتف فرحاً لأنه استطاع أن يُصوِّرها فعلاً، فهذا شيئ لا يكاد يُصدَق، وعلى كل حال هى موجودة وفعلاً تستطيع أن ترى هذا الخرطوم الطويل والملفوف أحياناً والذي هو بطول ثلاثين سنتيمتراً، وهذه الفراشة لم يرها داروين Darwin ولم يرها أحد، لكنه قال “هذه الفراشة لابد أن تكون موجودة”، ويموت داروين Darwin ويعيش والاس Wallace حياة أطول، وفي حياة والاس Wallace الطويلة في ألف وتسعمائة وثلاث تُكتشَف هذه الفراشة لأول مرة، ويصل الخرطوم فعلاً إلى زُهاء ثلاثين سنتيمتراً، وهو الذي يقوم بامتصاص الرحيق، وينقل طبعاً هذا الفراش حبوب اللقاح من هذه الزهرة إلى الزهور الأخرى المطلوبة، وتخليداً لداروين Darwin ونبؤة داروين Darwin أُطلِق على هذه الفراشة إسم النبؤة Predicta، فهى إسمها فراشة النبؤة Predicta Moth أو تُسمى فراشة داروين Darwin’s Moth، وهذا شيئ عجيب لكنه من الفصول الجميلة في تاريخ هذه المسألة.

سأُحدثك الآن عن شئ لطيف جداً – من ألطف ما يكون – يتعلَّق أيضاً بالأوركيد Orchid وحيل الأوركيد Orchid في التلقيح وفي إيصال حبوب لقاحه، فهناك أشياء غريبة جداً جداً من ضمنها أن بعض هذه الأوركيد Orchid تُشبِه إناث النحل، فهذه الزهرة طورت شكلها بحيث تُشبِه أنثى النحل أو أنثى الدبور- Wasp – أو أنثى الذبابة، فهناك أنواع كثيرة، منها ما يُشبِه أنثى النحل، ومنها ما يُشبِه أنثى الدبور Wasp، ومنها مايُشبِه أنثى الذباب، وهذا شيئ عجيب، وطبعاً هنا سيأتي ذكر الفائدة، فالفائدة أنها تفعل هذا الآن مجاناً بغير ثمن، فهى غير مُضطَرة أن تُفرِز رحيقاً، وسوف توفر الرحيق – كما قلت لكم – لأنه قد يُستخدَم في بناء الجذع أو في بناء الدرنات والبُصيلات أو في بناء الأوراق أو في بناء أي شيئ آخر، فكأنها تقول لن أصنع رحيقاً وسأخدع هذه الحشرات أو الطيور أو غيرها وسوف تقوم بالتلقيح لي مجانياً، وهذا شيئ عجيب وشيئ غريب، ومع ذلك يقولون لك هذا انتخاب طبيعي، فكل هذا انتخاب طبيعي، أي أن كلمة السر عندهم هى الانتخاب الطبيعي الذي يفعل كل هذه الأعاجيب، وهذا شيئ عجيب، وعلى كل حال هى تأخذ شكل أنثى هذا أو هذا أو هذا وفعلاً تأتي الحشرة المخدوعة بالمظهر المُناسِب، وتحط عليها لأنها تُريد أن تُجامِعها، وهنا ينتقل اللاقوح Pollenia، لكن ما معنى اللاقوح Pollenia؟ اللاقوح هو كمية كبيرة من حبوب اللقاح تكون مع بعضها البعض، وكل كمية تُسمى باللاقوح Pollenia، فهذه اللواقيح – جمع لاقوح – تتعلَّق بأرجل هذا الكائن المخدوع، ثم يحط على زهرة أخرى مُناسِبة فيقع التلقيح مجاناً، فهنا لن تُفرِز الزهرة أي رحيق ومع ذلك سيقع التلقيح.

 Spider Orchid

Spider Orchid

هناك أيضاً زهرة من الأوركيد Orchid تُسمى عنكبوت الأوركيد Spider Orchid، وعنكبوت الأوركيد Spider Orchid إسمها العلمي باللاتيني هو براسيا Brasia، وهى زهرة غريبة، وهناك دبور إسمه الدبور المُتفرِد أو المُتوحِد Solitary، وزهرة الأوركيد Orchid تُشبِه – كما قلنا – العنكبوت، وأنثى الدبور المُتوحِد – Solitary – طريقتها في الغذاء تمثل في أنها تقع على العنكبوت الحقيقي فتلدغه وتشله في مواضع مُعينة – عندنا دراسة في علم الأعصاب تُفيد بأنها تلدغه وتشله – ثم تضع بقها أو بيوضها عليه، فحتى إذا فقس يجد لحماً طازجاً، فهذه هى طريقتها إذن، والآن تأتي أنثى الدبور المُتوحِد وتُخدَع بعنكبوت الأوركيد Orchid، فهى تظن أن هذه الزهرة عنكبوتاً، فتقع عليها وتبدأ في لدغها حتى تتركها لحماً ظازجاً لبيوضها، لكنها في الحقيقة مُجرَد زهرة وليست حشرة أو عنكبوتاً، وهنا يحدث نفس الشيئ، حيث تتعلَّق بها حبوب اللقاح، ويتم التلقيح بنفس الطريقة مجاناً.
هذه خدع غريب من أغرب ما يكون، لكن مَن يفعل هذا؟ قالوا الانتخاب الطبيعي، فهم مُقتنِعون بأن الانتخاب الطبيعي هو الذي يفعل هذا وهو الذي يُعطي هذه الزهور هذه الأشكال لكي يخدع هذه المخلوقات، لكن – كما قلت لكم – لا السمك يعرف هذا ولا العصافير تعرف هذا ولا الحشرات عندها القدرة أن تُفكِّر فيما يُفكِّر فيه الآخر، فهل يظن أحد أن الزهور تُدرِّك أن أنثى الدبور المُتوحِد ترى أن شكلها على شكل العنكبوت التى تفعل كذا؟ هل هى تُدرِك أن شكلها شكل عنكبوت؟ هذا الكلام غير موجود بالمرة، ومع ذلك قالوا أن هذا يحدث بالانتخاب الطبيعي، لكن كل هذا سنُعيد تفسيره وتأويله في السلسلة الثانية وسوف نُحاكِمه بشكل فلسفي دقيق جداً لكي

ريتشارد دوكنز

ريتشارد دوكنز

نفهم ما الذي يحصل، وطبعاً على ذكر هذا العنكبوت وأنثى الدبور المُتوحِد قال ريتشارد دوكنز Richard Dawkins في أحد كتبه “أنا عند هذه المرحلة لا أستطيع أن أُقاوِم إغراء أن أذكر لكم شيئاً مُقابِلاً – وفعلاً كان شيئاً جميلاً جداً ومُثيراً إلى حد فعلاً الإذهال – لهذه الحالة”، فما هو إذن؟ قال “هناك حالة عكسية تماماً – نحن ذكرنا الآن أن زهرة أوركيد Orchid تأخذ شكل العنكبوت لكي تخدع أنثى الدبور المُتفرِد والآن سوف يقول لك العكس تماماً – حيث يُوجَد عنكبوت يأخذ شكل زهرة الأوركيد Orchid – ولك أن تتخيَّل هذا قكأنه يُجازيها بسوء صنيعها – وهذا العنكبوت إسمه Epicadus heterogaster”، فالـ Epicadus heterogaster يُقلِّد – كما قلت – شكل زهرة الأوركيد Orchid – أي كأنه زهرة – فتأتي الحشرات إلى تلك الزهرة على أمل أن تمتص رحيقها فتُلتَهم، وهذا شكل مُناظِر ومُقابِل تماماً لموضوع زهرة الأوركيد Orchid التي تأخذ شكل العنكبوت، فكأنه يقول لها أنا في هذه المرة سوف آخذ شكلكِ، فأنا عنكبوت حقيقي وسوف آخذ شكل زهرة الأوركيد Orchid وأقوم بحماية نفسي.

Orchid Hammer

Orchid Hammer

لم يبق لدينا إلا ربما دقائق معدودة ومن ثم سوف أختم هذه الحلقة بمثال عن زهرة الأوركيد المطرقة Orchid Hammer، هذه الزهرة – باختصار – لها ذراع Arm، وهذا الذراع ينتهي بكوع وبمفصل مرن مُتحرِك، أي أنك الآن عندك شيئ أشبه بالمطرقة، حيث يُوجَد ذراع فيه كوع ومفصل مُتحرِك، وعندك جزء آخر من الزهرة يُمكِن أن يُقال أنه السندان، فهذه هى المطرقة وهذا هو السندان، فيأتي نوع من الدبابير – Wasps – ويحط على على الطرف – طرف الذراع عند الكوع المُتحرِك – لحيلة ما جديدة الآن، وذلك لأن هذا الطرف المُتحرِك يُشبِه   الأنثى الخاصة به، فهو شكله مُتحوِر كأنثى الدبور، وطبعاً أنتم تعلمون أن الحشرات تملك عيوناً مُركَبة، لأن عيونها ليست كعيون الإنسان، ففي موضوع الحدة – Sharpness – في النظر نحن نتميز عنها ونرى بأعين أشبه بالكاميرا، لكن الحشرات لا ترى الأشياء كما نراها نحن بهذا الوضوح أبداً، لأن العيون مُركَبة من ألوف العيون والأجزاء، فأي مُشابَهة إلى حد ما هى تُدرِكها على أن مُشابَهة تقريباً تامة، فنحن نرى شيئاً من مُشابَة، أي أننا نرى أنها تُشبِه تقريباً أنثى الدبور، لكن ذكر هذه الحشرة يراها مثل أنثاه تماماً، فيُخدَع بها خداعاً كافياً أن يقع في المصيدة، وعلى كل حال يأتي الدبور ويقع على هذا الجزء الذي يحسبه أنثاه مُحاوِلاً الاتصال به جنسياً – أي أن يُجامِعه جماع الأنثى – طبعاً،والدبور يتحرك حركة خافقة طبعاً – كما تعرفون – مثل كل الحشرات والطيور،وهذه الحركة الخافقة تكفي لأن يتحرك هذا الذي يحسبه أنثاه، فيلطمه – أي يلطم الدبور – بالسندان حيث تقع حبوب اللقاح، علماً بأنك تستطيع أن ترى هذا مُصوَراً في الفيديو Video، فهذا مشهد من أعجب المشاهد، وهكذا يُضطَر رغماً عنه أن يحمل ببدنه وأيضاً ربما بأرجله إذا حركها شيئاً من حبوب اللقاح، ثم يقع على زهرة أخرى من نفس الصنف – أوركيد المطرقة Orchid Hammer – فيُلقِّحها بهذه الطريقة.

انتهى الوقت للأسف الشديد، أعتقد أننا أكتفينا في هذه الحلقات الثلاث بالعرض لنماذج من التطور الصغير أو الصُغروي، فلن نعود إليه – إن شاء الله – في الحلقات الأخرى، سندخل في قسم آخر أو في صنف آخر من الأدلة على نظرية التطور، لكن على التطور الكبير أو الكُبروي.

إلى أن ألقاكم في حلقةٍ مُقبِلة أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)