سلسلة التعريف بمباحث الفلسفة – حلقة 9

على كل حال بقيَ لدينا إخواني ساعة تقريباً، والمفروض أن نتحدَّث أكثر مما تحدَّثنا لكن ذهب الوقت، وغداً بقيت عندنا فقرة تستغرق ثلاث ساعات لكي نتكلَّم عن مباحث القيم كلها: الحق والخير والجمال، فسوف يكون الحديث مضغوطاً جداً وغير مُفصَّل للأسف، فالآن أنا مُضطَر أيضاً في هذه الساعة أن أُجمِل ما بقيَ من الحديث على الأقل لكي نمر على مُعظَم النقاط، هذا باختصار تقريباً ما توصَّل إليه كانط Kant، كنت أود أن أُكمِل كيف أنقذ الرجل الرياضيات وكيف أنقذ العلوم التجريبية لكن الوقت أدركنا، علماً بأن ما ذكرته أهم شيئ أن يُدرَك في فلسفة كانط Kant، تفريقه بين هذه الأشياء كوسائل إدراك وبينها كموضوعات للإدراك، هذا مُهِم جداً وغامض، حين تقرأه وحدك تجده غامضاً في فلسفته، لكن الآن أرجو أن يكون أصبح – إن شاء الله – أكثر اتضاحاً، على كل حال في نهاية المطاف كانط Kant زعم أنه أنقذ العلم – العلم الطبيعي – وأنقذ الرياضات طبعاً وأنقذ الدين، أما علماء الدين فلم يروا ذلك، رأوا أنه ضرب الدين ضربةً قاضيةً، حتى أنهم كانوا في ألمانيا والنواحي القريبة يُطلِقون اسمه على – أكرمكم الله – كلابهم، صار رجال الدين يُسمونه كلابهم إيمانويل كانط Immanuel Kant لأنهم يكرهونه، الشاعر الألماني الكبير هاينه Heine كتب يقول المُقارَنة صعبة بين كانط Kant نحيف الجسم الضعيف والمهزول وبين روبسبير Robespierre الطاغية الذي له علاقة بالثورة الفرنسية، قال في نهاية المطاف روبسبير Robespierre قتل بضعة آلاف من الفرنسيين وملكاً واحداً، لكن كانط Kant – أستغفر الله العظيم – قتل الله، قتل العقيدة ودمَّر أكثر ما نستوثق به، فهو رأى أنه أعظم إجراماً من روبسبير Robespierre نفسه، وهذا يعني أن كانط Kant موقفه لم يُرض علماء الدين ولم يُرض رجال الدين، وفعلاً حري ألا يُرضي علماء الدين، يُرضي الفلاسفة الوجوديين، كما قلنا من أمثال كيركغور Kierkegaard وما إلى ذلك، يقولون الإيمان ليس مسألة عقلية، ويُرضي الصوفيين والحدسيين، الإيمان ليس مسألة عقلية وليس شرطاً لكي تُؤمِن بشيئ أن تفهمه، سنرجع أيضاً إلى الحس المسيحي مع سانت أوغسطين Saint Augustine وغيره، قال أنا أُؤمِن لأنني لا أفهم، هم قالوا أنت تُؤمِن بماذا؟ أنت تُؤمِن بالشيئ الذي لا يُفهَم، أنت الذي تفهمه ليس شرطاً أن تُؤمِن به، فأنت تقتنع به لأنك فهمته، لكن كلمة إيمان عندهم تكون بشيئ غير قابل للفهم فيتعاجز العقل ويتعاياه، هذا يحتاج إلى إيمان، وهذا المعنى ليس باطلاً بالمرة، أنا أرى أنه بنسبة خمسين في المائة صحيح، قال تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ۩، إذن ما معنى الإيمان بالغيب؟ التسليم، هذا هو، أنا سوف أُسلِّم بهذا الشيئ، أنت لم تره ولن تقدر على أن تستدل عليه، هذا صعب جداً، هل يُمكِن أن يستدل أحد على وجود الجنة والنار؟ مُستحيل، هل يُمكِن أن يستدل أحد على الميزان والصراط وما إلى ذلك؟ مُستحيل أن تستدل عليها، هذه مسائل غيبية محض تُؤمِن بها، لابد أن أُؤمِن بها، وإلا لو كانت هذه المسائل قابلة للاستدلال القوي والذي يجعلها في حُكم أشياء ربما قريبة من الحس سوف يُصبِح الإيمان لا معنى له.

ذات مرة طرحت نظرية لا أعرف إلى أي حد كنت مُوفِّقاً فيها، قلت لماذا في آخر الزمان الإيمان لا يغدو نافعاً وبعد ذلك لا تُقبَل التوبة؟ لأن موضوعه يختفي، الإيمان لابد أن يكون بالغيب، أي شبيئ غيبي أُسلِّم به وأقتنع به سواء عن استدلال أو عن قناعة حدسية وشعور فطري داخلي، أنا رأيت أن تقدم العلم في كل يوم – سبحان الله – وكل جيل وكل حقبة يُقرِّب لنا موضوعات الإيمان، ويجعلها أسهل فعلاً، هناك أشياء كثيرة قديماً كان بسببها الناس يُلحِدون ويكفرون والآن أصبحت أشياء عادية تماماً، ولك أن تتخيَّل لو قبل ثلاثمائة سنة قلت لأحدهم أنا سأُسافِر الآن من الكويت إلى القاهرة فأتغدى في القاهرة ثم أعود وأتناول العشاء – إن شاء الله – في الكويت، سوف يقول لك أنت مجنون ولن يُصدِّق، لكن هذا اليوم أصبح شيئاً عادياً، يتم هذا بالطائرات اليوم وأصبحت مسألة عادية، لكن قديماً لا يُمكِن لإنسان أن يُصدِّق هذا، أليس كذلك؟ واليوم أصبح شيئاً طبيعياً، لو قلت لأحدهم قديماً أنا سأُعطيك شيئاً أصغر من هذا الكتاب بعشر مرات وهو لوحة بسيطة جداً ولكن سأُودِع فيه مائتي ألف كتاب سوف يقول لك هذا مُستحيل، واليوم نحن نتعامل مع الأقراص المُدمَجة وهذا شيئ عادي، إذا قلت لأحدهم قديماً سأحمل في جيبي الصغير شيئاً صغيراً يحتوي على ثلاثمائة ألف كتاب سوف يقول لك هذا كذب، لكن هذا أصبح عادياً، فالعلم بدأ يُقرِّب هذه الأشياء لنا، أليس كذلك؟ وكذلك الحال مع مفهوم الوحي، هذا سهل جداً جداً جداً، قديماً كان يُقال كيف؟ أين جبريل؟ وأين الوحي؟ وأين كذا وكذا؟ هذا كلام فارغ، لكن أنت اليوم يرن التليفون المحمول وتتحدَّث مع أهلك في القاهرة أو في أستراليا ولا يسمع أحدٌ لكن أنت تتحدَّث والطرف الآخر يسمعك، أليس كذلك؟ إذن اتضح أن الوحي مسألة سهلة، أليس كذلك؟ يأتي ملك ويقر في أذن رسول الله ما أراد الله أن يُوحيه إليه، يُوحي ما شاء وأنت لا تسمع لكن الرسول يسمع، ما المُشكِلة؟ أليس كذلك؟ اليوم التليفون المحمول قرَّبها وأصبحت مسألة عادية جداً وسهلة وبسيطة، أشياء كثيرة أصبحت كذلك، أمس الأخت الفاضلة سألتني عن أصحاب الكهف، من ضمن العبر الغريبة والعجيبة أيضاً في هذا الموضوع إمكانية تطويل أعمار الناس، ما معنى أن بعض الناس ناموا ثلاثمائة وتسع سنوات؟ معنى هذا سوف يأتي يوم من الأيام يعيش الإنسان ثلاثمائة سنة وربما ألف سنة وهم يشتغلون على هذا، علماً بأن هذا أُنجِز نسبياً، مُتوسِّط أعمار الناس قبل مائة سنة في المملكة المُتحدة كان أقل من ستين، والآن أكثر من أربع وثمانين سنة، وبعد ذلك يتوقعون أنه سوف يُصبِح مائة ثم يتجاوز بعد ذلك مائة، في مصر عشية الثورة الفرنسية كم كان مُتوسِّط أعمار المصريين؟ كان ثلاثين سنة، المُتوسِّط – Average – كان ثلاثين سنة، عند الثلاثين يموتون، هذا هو، هكذا كان الناس يعيشون، في مصر كانت مُتوسِّط أعمار الناس قبل مائتين سنة كذلك، الآن يعيشون في مصر ستين وسبعين سنة، أليس كذلك؟ بفضل النظافة العامة – Hygiene – والغذاء الجيد وكل هذه الأشياء التي نعرفها، فإذن هذا مُمكِن، لماذا؟ لأن هناك نظرية وفي الحقيقة هي ليست لي وإنما للمُفسِّر الجليل والولي الصالح بديع الزمان النورسي في تفسيره سورة الفاتحة في إشارات الإعجاز، ماذا ذكر رحمة الله عليه؟ قال كل معاجز – أي مُعجِزات – الأنبياء لها دلالة في تطوّر الركب البشري، كيف؟ قال معاجز الأنبياء الله – عز وجل – أتاحها وأمكنها – جعلها مُمكِنة – رسالة للبشر تُربِّت على أكتافهم وتقول لهم اعملوا واجتهدوا وامضوا وسوف تُحقِّقون هذه الأشياء، وحين تتأمَّل تجد هذا صحيح وهو ما حصل، مثلاً عن سليمان قال الله وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۩، ما معنى قول الله غُدُوُّهَا شَهْرٌ ۩؟ في غدوة واحدة – نفترض ثلاث أو أربع ساعات – يقطع ما لا يُقطَع بالإبل والخيول في شهر، أليس كذلك؟ وبعد ذلك في الروحة – حين يرجع – يقطع في ثلاث أو أربع ساعات ما لا يُقطَع في شهر، يا حبيبي اليوم الكونكورد Concorde أسرع من هذا بكثير، أليس كذلك؟ اليوم الكونكورد Concorde تقطع ما لا تقطعه الإبل ربما في أربعة أشهر في ساعة، وتذهب وتروح وترجع وتأتي، شيئ عجيب، فهذا تحقَّق، بساط الريح السليماني تحقَّق للبشر بل وخرجوا حتى عن حد الأرض كلها، اليوم أتحدَّث لبعض الإخوة العلماء وقلت لهم القرآن فيه إشارة حتى لاستعمار الفضاء، بمعنى أننا سوف نستعمره ونجلس فيه، والآن يُفكِّرون كيف يخلقون جواً اصطناعياً للمريخ لكي يكون قابلاً للسُكنة، أين هذا في كتاب الله؟ في سورة العنكبوت، قال الله وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۩، الفخر الرازي – رحمة الله عليه – الوحيد الذي تنبَّه لهذه الآية، قال هذه الآية تقول لو فُرِض أن لهم مُكنة مُعيَّنة فبها سيسكنون في السماء ومع ذلك سيظلون في قبضة الله تبارك وتعالى، هذا يعني أن استعمار السماء مُشار إليه في كتاب الله، أنتم لا تُعجِزونه لو كنتم في الأرض ولو كنتم في السماء، ولم يكونوا في السماء طبعاً، هذه إشارة واضحة، كذلك موسى – عليه السلام – حين يضرب الأرض تنبجس عيوناً، قال الله فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۩، هذا خرج منها، واليوم يحدث ما هو أغرب، آلات ضخمة تُخرِج لنا البترول وليس فقط الماء، وهذا كله بضغطة زر، تُوضَع الآلات فيخرج البترول، أصبحت أموراً سهلة، والماء طبعاً ينطبق عليه هذا، الماء يحدث معه نفس الشيئ ويخرج حين تُفجَّر الأرض، فالإنسان صنع هذا، أليس كذلك؟ عيسى يُبرئ الأكمه والأبرص، والآن انتهوا من هذا، يصنعون أعصاباً صناعية، يُولَد بعض الأطفال فعلاً كمهاً لا يرون شيئاً فيضعون العصب الصناعي للواحد منهم – طبعاً هذه لا تزال البدايات لكنها بدايات مُوفَّقة جداً جداً جداً – ويبدأ يُميِّز ويرى الأجسام ويراها تتحرَّك لكن بأشكال هندسية، وهذا غريب ويعني أنه بعد عشرين أو ثلاثين سنة سوف يرى، فسيُبرئون الأكمه والأبراص، كثير من الأمراض الجلدية قضوا عليها، فالقرآن يقول أهل الكهف ناموا ثلاثمائة وتسع سنوات وهذا يعني أنه سيأتي يوم تطول أعمار البشر ويعيشون ثلاثمائة وأربعمائة وربما ألف وألف وثلاثمائة سنة، كلها دلالات وأشياء – سبحان الله – تُشجِّع البشر على ذلك.

المُهِم حتى لا نُطيل عليكم نترك هذا ونعود الآن إلى مناهج المعرفة وأدواتها، عندنا منهج يُسمونه المنهج أو المذهب العقلي، أي Rationalism، طبعاً المذهب العقلي يُطلَق بإزاء أكثر من معنى، في الدين له معنى، في الحياة اليومية له معنى، وفي الفلسفة له معنى وهذا الذي يهمنا في نظرية المعرفة، المذهب العقلي في الدين ودراسات الدين يعني ماذا؟

ملحوظة: أرسل أحد الحضور ورقة إلى الأستاذ الدكتورعدنان إبراهيم فقال أخت لنا فاضلة أو أخ فاضل كتب لي الآن عن مسألة تقديم العقل على النقل، وهذا طبعاً لا يعني أنني أقول به، لكن على الأقل نأخذ فكرة عن ماذا فعل غيرنا وطبعاً لم يُصيبوا.

نعود مرة أُخرى إلى حديثنا، المذهب العقلي في دراسات الدين يعني أن الوحي لابد أن يخضع لمُقتضيات العقل والتفكير العقلي، فما يُقِره العقل يُسمَح به، ما لا يُقِره لا يُسمَح به، بالذات في باب الخوارق والمعاجز، يُسمى مذهب الخوارقية Supernaturalism، وهو غير مقبول، في الفلسفة العقلية وفي دراسة الدين مذهب الخوارقية غير مقبول، لأنهم قالوا هذا غير معقول، وطبعاً هذا كلام فارغ لا نقتنع به، المعاجز لها تفسير والخوارق لها تفسير، وأنا أقول لك مُعظَم الحياة أصلاً هي خوارق وليست عاديات، الشاعر الرومانسي الفرنسي شاتوبريان Chateaubriand قال عبارة مُمتازة، وشاتوبريان Chateaubriand عنده عمق فلسفي، ماذا قال شاتوبريان Chateaubriand؟ قال إن ما ليس بمُعجِز ليس أقل إعجازاً مما يُعَد مُعجِزاً، قال كل شيئ مُعجِز، هل تراه عادياً؟ قال لا يُوجَد شيئ عادي، وهذا صحيح، هذه عين إنسان مُؤمِن وعين إنسان فيلسوف، أليس كذلك؟ ليس عادياً أن تمشي على رجليك، هذا ليس عادياً بالمرة، حين تقرأ في وظائف الأعضاء كيف يُمكِن لك أن تتمكَّن في السير على رجليك سوف تجد هذا من أصعب ما يكون، شيئ إعجازي إلهي رهيب، لكن لماذا لا نراه إعجازاً؟ بسبب الألفة الغافلة، الآن لو افترضنا أننا حين نُولَد – من ساعة أن نُولَد – لم تكن هناك جاذبية في الأرض – مثلاً – أو كانت جاذبية ضعيفة جداً والناس دائماً كانت تُحلِّق في الهواء ورأينا رجلاً يجلس على الأرض سوف نُجَن من الخوف، سوف نقول هذا يجلس على الأرض، كيف هذا؟ هذه مُعجِزة، هذه خارقة، الله أكبر، أليس كذلك؟ كما لو رأينا أحدهم الآن يجلس في الهواء وما إلى ذلك، سوف نُجَن ونخاف منه ونظن أنه مسخوط ومسحور وأن جناً ما ركبه، كيف جلس في الهواء؟ علماً بأن بعض الأولياء كانوا يفعلون هذا، ابن تيمية – قدَّس الله سره – قال كرامات عبد القادر الجيلاني مُتواتِرة، والعز بن عبد السلام قال مُتواتِرة، فابن تيمية كرَّر هذا وقال مُتواتِرة، لماذا؟ لأن مجلس وعظ الجيلاني – قدَّس الله سره – كان يحضره على الأقل مائة ألف من البشر، كل يوم ثلاثاء يحضر مائة ألف، وهذا يعني أن هذه ليست أساطير، وأين كان يجلس كما ذكر الذهبي وغيره؟ في الهواء، عبد القادر كان يجلس في الهواء، لأن كيف سيراه الناس؟ فكان يصعد أمام الناس في الهواء ويظل جالساً في الهواء ويبدأ يعظ الناس، والناس تبكي وما إلى ذلك، في كل مجلس يهود ونصارى يُسلِمون وتحدث حالة صعبة، فتفضَّل هذا، ومع ذلك يُنكِرون هذه الخوارق ويقولون أنها غير موجودة لكن هذا غير صحيح، هذا الشيئ موجود ولا يُنكِره إلا جاهل أو مُباهِت كابر وهي مُتواتِرة، يجلس في الهواء – قدَّس الله سره – ويُعطي الدرس، قال الإمام الذهبي في النُبلاء من عجائب الجيلاني أن الذين يجلسون في آخر المجلس – تخيَّل مائة ألف من البشر قديماً – يسمعون صوته كالذي يجلس عنده، هذا من غير ميكروفونات Microphones، بلوغ الصوت الآفاق من كرامات الأولياء، يقول الإمام الذهبي – اقرأوا ترجمة الجيلاني في النُبلاء وستروا العجب، هذا جواب الشرط، فاقرأوا تروا – كان أحد الناس في آخر المجلس عنده سجادة وتحتها خيط، ويعقد عقدة من حين لآخر دون أن يراه أحد، حتى الذي يجلس بجانبه لا يتنبَّه له، ماذا يفعل هذا؟ بعد ذلك فهمنا القصة، يأتي يهود لكي يُسلِموا والناس تفرح بهذا وتقول الله أكبر، ويأتي نصارى أيضاً لكي يُسلِموا، رأوا كرامات هذا الرجل الصالح الغريبة، ما هذا؟ فكثير من الناس أسلموا وكانوا بالآلاف على يد الجيلاني، فهذا الرجل الذي كان في المجلس كلما أسلم يهودي – مثلاً – يعقد عُقدة، يُريد أن يعرف كم شخص أسلم، الذي يهمه هو العدد، حين يُسلِم نصراني – مثلاً – يعقد عُقدة، فالإمام الجيلاني وهو جالس في الهواء قال له أنا أحل وأنت تعقد، فالرجل قال في نفسه مُستحيل، هل يعنيني أنا؟ كيف رآني؟ لا يُمكِن لأحد أن يرى هذا، فأنا أفعله في الخفاء، سكت الرجل فقال له الجيلاني أنت أنت، يا مَن يجلس في الآخر أنت الذي تعقد الحبل وأنا أقول لك هذا، كيف طُولِع به وكيف رآه؟ شيئ غريب، لا إله إلا الله، آمن بالله، قال له أنا أحل وأنت تعقد، فالخوارق موجودة بلا شك، نحن نراها عجيبة ونقول كيف يجلس في الهواء لأننا لم نألف هذا، ألفنا أن نقعد على الأرض، أليس كذلك؟ ولو كان العكس لرأينا أنه خارق، فانظروا إلى شاتوبريان Chateaubriand، قال ليس غير المُعجِز بأقل إعجازاً من المُعجِز، كله مُعجِز، كل شيئ في الكون مُعجِز، النبي – عليه السلام – كان يعلم هذا، انظر إلى النبي، سبحان الله الفرق بين العقل المُؤمِن والعقل غير المُؤمِن أن العقل المُؤمِن يقظ وفعلاً لا تستهلكه ولا يصدأ بالإلفة، دائماً يرى الأشياء بنهم الطفل ذي النفس السئالة، فكل شيئ مُدهِش، والفلسفة هي الدهشة، فالمُؤمِن هو فيلسوف في النهاية ويرى كل شيئ غير قابل حتى للتفسير، أينشتاين Einstein عنده عبارة من أروع ما يكون، ماذا قال أينشتاين Einstein؟ قال ليس الغريب والمُدهِش في هذا العالم أننا نفهمه أو نُحاوِل أن نفهمه، لا ليس هذا، قال الغريب وغير المفهوم أنه قابل للفهم، وهذا غريب طبعاً، كونه قابلاً للفهم ليس عملية عادية، وهذا صحيح طبعاً، لعدم وجود عوامل فهذا كله بنور الله تبارك وتعالى، الرّسام الكبير بول سيزان Cézanne Paul مكث خمس سنوات يرسم لوحة غروب الشمس، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، الله يُقسِم بهذه الأشياء، قال الله قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۩ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ۩ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۩، وقال الله وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ۩ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ۩، فأديب مثل بول سيزان Cézanne Paul لا يرى هذا مشهداً عادياً، في خمس سنوات حاول أن يتمثَّل هذا فنياً، بعد ذلك قالوا له لقد أهلكتنا في خمس سنوات، فلنذهب بها إلى المعرض، قال حسناً، وجاء الناس والصحفيون وبعد ذلك قال اكشفوا عنها – كانوا يحملونها فقال لهم اكشفوا عنها – فكشفوا عنها، قال لا، ليس بعد، قال خمس سنوات فترة يسيرة على تصوير لحظة غروب واحدة، أرجعوها، انظروا إلى هذه النفسية، هذا الذي يستطيع أن يتأمَّل عظمة الله وجلال الله في خلقه، فهو ليس مثلنا، لا نرى ونفهم ولا نتأثَّر، كله عندنا كف عدس، لكن الناس الكبار ليسوا كذلك ويتحسَّسون هذه الأشياء، النبي – عليه السلام – كان في الذروة من هذا الشيئ، قال يوم القيامة هناك أُناس يُسحَبون على وجوههم، وفي سورة الفرقان قال الله الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ۩، فحكى النبي عن ناس يمشون على وجوههم، يحشرهم الله ويمشون على وجوههم، قالوا يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ فماذا كان الجواب؟ اسمعوا الجواب الآن، جواب المُندهِش الذي لم تُزايله الدهشة، قال إن الذي أمشاهم على رجليهم قادرٌ أن يُمشيهم على وجوههم، لأن المشي على الرجلين ليس عملية سهلة، هذه عملية مُعقَّدة جداً جداً جداً، غير مفهوم أن تمشي على رجلين، لكنهم يرون أن المشي على الرجلين مسألة عادية، فللأسف هذا المذهب العقلي أو العقلاني في الدين وفي تأويل النص الديني يرفض كل الخوارق والمعاجز ويعتبرها غير معقولة، أكبر رجل أثبت ذلك أو حاول أن يُثبِته للناس هو باروخ سبينوزا Baruch Spinoza، وقد قلنا هذا اليوم، وذلك في رسالته رسالة في اللاهوت والسياسة، قال لابد أن نُؤوِّل كل النصوص الدينية والمعاجز والخوارق على أنها مجازات وقصص وحكايا وأشياء لكنها ليست حقيقية، وهذا طبعاً كلام فارغ وغير صحيح.

في الحياة العادية يقولون هذا عقلاني أو إنسان عاقل أو مُتعقِّل وما إلى ذلك، ما معنى العقلانية؟ العقلانية في الاستخدام اليومي العادي تعني أن الإنسان لا يخضع لسُلطة التقليد ولا لسُلطة القِدم ولا لسُلطة الكثرة ولا للسُلطة حتى التنفيذية، وإنما يمضي على ما يُزيِّن له عقله ويقتنع، فيُقال هذا عقلاني، هذا المعنى العام، آخر شيئ وهو ما يمهنا العقلانية في الفلسفة وخاصة في الإبستمولوجيا Epistemology، ما معنى العقلانية؟ معنى العقلانية أصالة وجدارة العقل لاستمداد المعرفة وتحصيلها بإزاء مَن يقول بأصالة التجربة والحس، أي Empiricism، لكن هناك أُناس يقولون هذا غير موجود، جون لوك John Locke قال لا يُوجَد شيئٌ في العقل لم يُوجَد من قبل في الحس وفي الخارج، لايبنتز Leibniz وافق على هذا، أنه لا يُوجَد شيئ في العقل لم يُوجَد من قبل في الحس إلا شيئ واحد وهو العقل نفسه، وهذا جواب مُمتاز، قال إلا العقل نفسه، واليوم نحن سنُثبِت هذه، سنُثبِت هذه المقولة اللايبنتزية، فعلاً إلا العقل نفسه، فهل كانط Kant يُوافِق جون لوك John Locke أو يُخالِفه في رأيكم؟ يُخالِفه، كانط Kant قال الحس والخارج يُقدِّمان لنا أشياء لولا وجود العقل عندنا لن تُساوي شيئاً ولن نفهم منها شيئاً، والعقل – كما قلنا – عنده أحكام قبلية مُسبَقة مُتعالية – Transcendental – على التجربة وأحكامها ومُدخَلاتها، لولا هذه الأفكار الفطرية المركوزة لما فهمنا شيئاً، هل هذا يعني أن كانط Kant في النهاية كان تجريبياً؟ نعم، كان تجريبياً، هل كان كذلك وحده؟ لا، هل كان عقلانياً؟ نعم، كان عقلانياً، هل كان كذلك وحده؟ لا، إذن هو عقلاني تجريبي، كان الاثنين معاً، وهذه معنى عبارته الشهيرة في نقد العقل المحض التجربة لا تُنشيء معرفة أو إدراكاً، فالمعرفة تبدأ بالتجربة لكنها لا تنشأ، أرأيتم؟ فالرجل كان دقيقاً، حاول في سمطٍ واحدٍ – كما يُقال – أن يُوحِّد بين الاتجاهين والطريقيتين، أعني التجريبية الحسية والعقلانية، هذا معنى العقلانية لدى الفلاسفة أصحاب نظرية المعرفة، أصالة العقل وجدارة العقل وأهلية ولياقة العقل على تحصيل المعرفة بغض النظر عن موضوع الحس وما إلى ذلك، وهذا لا يعني أننا نتنكر للحس والتجربة، لا نتنكر وإنما نقول الأصالة لمَن؟ مَن الأصيل كما قلنا؟ الأصالة للوجود أم للماهية؟ قلنا الوجود، فالأصيل هو العقل، الذي عليه التعويل الأكبر والاعتماد الأعظم هو العقل، حين يُلغى العقل يُلغى كل شيئ، حين يُلغى الحس تبقى ألوان من المعارف عند الإنسان، كانط Kant يقول – مثلاً – بديهيات الرياضة موجودة في الإنسان، واحد زائد واحد يُساويان اثنين، قال هذه ليس لها علاقة بالتجربة، علماً بأن هذه هي التي تُفسِّر لنا التجربة، واحد زائد واحد يُساويان اثنين يُفسِّر لك التجربة، نفترض الآن أن عندنا تجربة ليست رياضية وإنما عندنا تجربة على شخصين من الناس ونُحاوِل أن نُجري تجارب طبية على موضوع ارتفاع ضغط الدم مثلاً، هذا الموضوع ليس له علاقة بالرياضة، أليس كذلك؟ هذه التجربة لا يُمكِن أن تُعقَل لدينا إلا ببديهات رياضية أولية غير تجريبية، فإذا وجدنا النتيجة هنا – مثلاً – ضمن حدود وهناك ضمن حدود أُخرى تُعزِّزها أخذنا المُتوسِّط، لماذا أخذناه إذن؟ لأننا نُدرِك بدهياً أن واحداً زائد واحد يُعطيان تدعيماً للنتيجة،ولذلك يقول كانط Kant هذه الأشياء لا يُمكِن أن تفوتها أي تجربة، كل التجارب تخضع لبديهيات الرياضة، وهذا صحيح ومضبوط، ولذلك قال في هذا الكون وفي أي كون آخر مُفترَض هذه البديهيات صحيحة، قال وقد يأتي يومٌ تنفك المعلولات عن عللها، فالنار لا تُحرِق مثلاً، قال هذا مُمكِن فالعقل يقبل هذا طبعاً، وهذا تبرير حتى للمعاجز، أليس كذلك؟ وعلى ذكر المعاجز نعود مرة ثانية ونُذكِّر بموضوع باروخ سبينوزا Baruch Spinoza والعقلانية، ديكارت Descartes قال أنا أُؤمِن بالمعاجز، لماذا؟ رفض ديكارت Descartes أن يُخضِع النص الديني للعقل، قال أنه أخضع كل شيئ للعقل إلا النص الديني، فهو ينزل بمدد من الله وبنعمة – Grace – وبلطف ويُفهَم بمدد من الله، وقلنا أن الرجل قد يكون داهن وما إلى ذلك، فديكارت Descartes ليس عقلانياً في مسألة الدين، وهو عقلاني فيما سوى النص الديني.

طبعاً موضوع انفكاك المعلولات عن عللها حتى في الفلسفة الإسلامية والعقلية مُمكِن، لأنه ليس ضرورة القوانين الرياضية والبديهيات المنطقية، من بديهيات الرياضة – مثلاً – المُساويان لثالث مُتساويان، أليس كذلك؟ إذا كانت إكس X تُساوي ألفاً، وإبسيلون ε Epsilon تُساوي ألفاً، إذن إكس X تُساوي إبسيلوناً ε Epsilon، هذه نتيجة حتمية بنسبة مائة في المائة، لأن هذه بديهيات، يقول كانط Kant هذه قبلية غير مأخوذة من تجربة وهي تصح دائماً، أما موضوع أن النار تُحرِق ليس كذلك، فيُمكِن في مكان مُعيَّن ألا تُحرِق النار، أليس كذلك؟ هذا صحيح ومعروف، الآن الماء – مثلاً – يغلي تحت أي درجة؟ مائة، أليس كذلك؟ لو اختلف الضغط تختلف درجة الغليان وهذا أمر معروف، ولذلك القضايا التجريبية الإمبريقية قضايا مشروطة مظروفة وليست يقينية، فيَمكِن أن تنفك، وكما قلنا هو ضرب مثلاً بالشمس، قال الشمس يُمكِن ألا تُشرِق من مشرقها غداً وتخرج من المغرب، قال هذا مُمكِن وأنا أتقبَّله، لكنه لم يتقبَّل تخلف قضايا الرياضة.

على كل حال نعود الآن إلى موضوع المذهب التجريبي، نترك الآن العقلانية قليلاً ونأتي إلى المذهب التجريبي، المذهب التجريبي – كما قلنا لكم – أول مَن رفع لواءه بشكل واضح وصارخ هو جون لوك John Locke بعد ديكارت Descartes ربما بشيئ بسيط، ديكارت Descartes تُوفيَ في ألف وستمائة وخمسين، جون لوك John Locke كان حياً في تلك الأيام، في عام ألف وسبعمائة وأربعة مات الرجل، أي أن هذا الرجل كان مُعاصِراً بمعنى ما لديكارت Descartes، وجون لوك John Locke يُعتبَر أول رجل تكلَّم بشكل مُفصَّل في نظرية المعرفة، ومكث يكتب في كتابٍ له – وهو ليس كتاباً كبيراً وإنما كتاب مُتوسِّط الحجم – عشرين سنة، أرأيتم هذه الجهود؟ اليوم البشر لماذا يتحدَّثون عن جون لوك John Locke وغيره؟ هؤلاء الناس لا يعبثون، كانط Kant مكث خمس عشرة سنة من أجل كتابه، حياته كلها كانت في التفكير لكن في التأليف مكث خمس عشرة سنة لكي يُؤلِّف كتاباً من أربعمائة صفحة، جون لوك John Locke كتابه حوالي مائتين صفحة – من القطع المُتوسِّط – وظل عشرين سنة يُؤلِّف فيه، ظل عشرين سنة يُؤلِّف ويُعيد ويُناقِش الفلاسفة وما إلى ذلك، وإلى اليوم هو يُعتبَر فعلاً مُدشِّن ومُؤسِّس نظرية المعرفة في الفلسفة الحديثة، داروين Darwin أستغرق في تأليف أصل الأنواع قريب من أربعين سنة وهو يشتغل ويذهب ويأتي ويزيد ويُنقِص ولم يرغب في طباعته إلا حين وصلته رسالة من والاس Wallace – كان في جزر أندونيسيا، وأدرك أن والاس Wallace توصَّل إلى نفس النتائج، استشار هكسلي Huxley فقال له اطبع كتابك واطبع أيضاً مُلخَّصاً لكتابك ورسالة والاس Wallace لكي تكون أميناً علمياً، لكن افعل هذا سريعاً وإلا سوف يضيع عليك السبق العلمي، فهؤلاء الناس يشتغلون بتركيز، ماركس Marx قضى أكثر من ثلاث وعشرين سنة يقرأ من الساعة السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً في المكتبة الوطنية وبعد ذلك ألَّف مُجلَّدين فقط من رأس المال وقلب الدنيا كلها رأساً على عقب Upside Down، فنحن نحتاج إلى هذا، نحتاج مُفكِّرين يشتغلون ثلاثين وأربعين سنة ثم يُقدِّمون شيئاً للبشرية لكي نُثبِت أننا على قدر هذا الإسهام العالمي.

فجون لوك John Locke إذن هو أول مَن تكلَّم بشكل مُفصَّل في نظرية المعرفة، عنده كتاب اسمه An Essay Concerning Human Understanding، أي مقالة بخصوص الفهم الإنساني، ظل عشرين سنة يُؤلِّف في هذه المقالة، ماذا قال هذا الرجل؟ قال إن الذهن الإنساني عنده أصالة، وهذا يُسميه الفاهمة البشرية، قال عنده هذا ولم يُنكِر، وهنا يلتقي جون لوك John Locke مع الفلاسفة العقليين، وهذا يعني أنه لم يعترف بأن العقل الإنساني سلبي بالكامل، مع أنه ابتدأ بالقول إن هذا العقل الإنساني Tabula rasa باللاتيني، Tabula rasa تعني لوحة بيضاء، هذا معنى Tabula rasa، قال يُولَد الإنسان وليس عنده أي شيئ، وهذا لا يعني أن كل معرفة من الخارج، قال لا، لكنه يُولَد فارغ، ما الذي يحدث؟ عن طريق وسائل الحس ترد إليه معلومات، عن طريق الحس الظاهر أولاً وبعد ذلك عندنا الحس الباطن ترد إليه معلومات، هذه المعلومات تستحيل إلى تصورات بسيطة، إذن – لكي نُركِّز – جون لوك John Locke يتحدَّث عن نوعين من التصورات: التصورات البسيطة والتصورات المُركَّبة، التصورات البسيطة تأتي عن طريق حسين: الحس الظاهر والحس الباطن، الحس الباطن هي قوى النفس الانفعالية الداخلية كمعرفة النفس بقواها وانفعالاتها كالحافظة والإدراك، قال هذه كلها أيضاً إحساسات بسيطة، لكن عن طريق الحس الباطن، الإحساسات البسيطة عن طريق الحس الظاهر – السمع والبصر واللمس والشم وإلى آخره – يُدرِك البسائط كالامتداد والحركة، وهذه يُسميها كيفيات أولية، لماذا؟ الكيفيات الأولية – لكي نُميِّز – في لغة جون لوك John Locke تقريباً لا تتوقَّف علينا، هي موجودة، فعلاً امتداد، كم يمتد هذا في الفراغ؟ هذا شيئ يخصه، وكذلك الحركة مثل حركة الهواء أو حركة حيوان أو حركة كذا وكذا، هذه كيفيات بسيطة لكن مُنبَتة عنها، هناك كيفيات ثانوية، لماذا أسماها ثانوية وهي بسيطة؟ السابقة كانت أولى أو أولية لكن هذه بسيطة ثانوية، لماذا؟ الكيفيات البسيطة الثانوية عند جون لوك John Locke تتوقَّف علينا، وقد شرحنا موضوع الضوء والصوت، قال هذه هي، فعند جون لوك John Locke إدراك اللون وإدراك الطعم وإدراك الرائحة وإدراك الملمس وإدراك كل هذه الأشياء التي تتوقَّف على تدخل الإنسان فيها قال هي بسائط لكنها كيفيات ثانوية، هل وضح لكم ما هو الفرق بينهما؟ أعتقد أنه وضح جداً، الكيفيات الأولية ليس لها علاقة بها، مثل امتداد أو حركة موجودة في الخارج نُدرِكها عن طريق الحس وهي من البسائط، ويُوجَد عندنا نوع آخر أيضاً من البسائط لكن تُسمى كيفيات ثانوية، فعلاً يُوجَد شيئ مُرتَّب، عشرون سنة من الشغل ولذا يُوجَد شيئ مُرتَّب وذكي فعلاً، قال موضوع الصوت وموضوع الطعم وموضوع الرائحة وموضوع الملمس وموضوع الوزن – هذا ثقيل أو غير ثقيل وإلى آخره – كلها كيفيات ثانوية تعتمد على المُدرِك، هل لها أصول في الخارج؟ طبعاً لها أصول كما قلنا في الواقعية النقدية، ألم نشرحها؟ هو يعترف بهذا أيضاً، وهذه بداية مُمتازة وجميلة، جاء وقال بعد ذلك يُوجَد عندنا شيئ اسمه الحقائق أو التصورات المُركَّبة، ليست البسيطة حيث يُوجَد شيئ أعلى من ذلك، مثل ماذا؟ مثل النسبية – مثلاً – أو النسبة – نسبة شيئ إلى شيئ – ومثل العلية – علة شيئ إلى شيئ – ومثل الغائية بمعنى أن الشيئ يُريد أن يذهب إلى ماذا؟ يهدف إلى ماذا؟ وهي من الغاية، وأما العلية فهي غاية من وراء، والتر ستيس Walter Stace عنده تعبير جميل، ماذا يقول؟ قال في نهاية المطاف تُوجَد علاقة بين الغائية وبين العلية، فالغائية هي علة من أمام والعلية هي علة من خلف، الذي يدعم من الخلف ماذا نُسميه؟ علة، وإذا كان يجذبك من الأمام ماذا نُسميه؟ غاية، وهذا صحيح، هذا تشبيه والتر ستيس Walter Stace، وهذا مُهِم لكي نفهم حين ندخل في أي مبحث فلسفي يتحدَّث عن العلية والتفسير العلي والتفسير الغائي، هناك تفسيرات غائية تتحدَّث عن العلة وهناك تفسيرات غائية تتحدَّث عن الأهداف Aims، هذا هو، وكله يُسمى تفسيراً غائياً لكن أحياناً يُخلِطون، على كل حال قال هذه كلها تصورات مُركَّبة، قال يُوجَد شيئ عندنا الآن لا يزال أعقد من هذا، الذهن يقوم بالمُقارَنة بين أشياء مثل المُتطايفات، الآن – مثلاً – الأبوة من غير بنوة لا تُفهَم، أليس كذلك؟ هل يُمكِن أن يكون أحدهم أباً بدون أولاد؟ مُستحيل، وهذا يعني أن الأبوة لا تُفهَم إلا بإطار البنوة، والبنوة لا تُفهَم إلا بإطار الأبوة، هذه يُسمونها المفاهيم المُتضايفة، الكبير هو كبير بإزاء ماذا؟ بإزاء ما هو أصغر، والصغير يكون صغيراً بالمُقارَنة مع ما هو أكبر، أليس كذلك؟ عندنا عبارة في المنطق الإسلامي وحتى في الفكر الإسلامي عموماً تقول الجهات إضافية، الجهات النسبية، فالآن أخي الفاضل – مثلاً – يجلس عن يميني، أليس كذلك؟ ويجلس عن يسار أخيه، فصار اليمين يساراً باعتبار، باعتباري أنا – مثلاً نفترض – عن يميني، باعتبار أخيه عن يساره، أليس كذلك؟ نحن الآن نجلس هنا فوق الناس الذين تحتنا في الطابق صفر لكننا نجلس تحت الناس الذين فوقنا في الطابق اثنين، فصرنا تحت فوق، هذه إضافة، أليس كذلك؟ هذه إضافة وهي مُهِمة حتى في العقائد، أبو حامد عنده في قواعد العقائد كلام وتبسيط جميل جداً جداً عن نسبية الجهات وهو مُمتاز من أجل موضوع التجسيم وتشبيه الله وأين الله وإلى آخر هذا الكلام، عنده كلام مُمتاز مُمتاز مُمتاز، ورحمة الله على مَن قال أبو حامد عقله أكبر من علمه، وعندنا علماء علمهم أكبر من عقلهم، يتكلَّمون في أشياء عقدية ويُخلِطون كل شيئ في الدنيا، لكن أبو حامد – سبحان الله – عنده عقل لا يكاد يقبل الأخطاء في هذه المسائل، رضوان الله عليه فهو مُفكِّر كبير حقيقةً.

إذن الجهات كلها إضافية، جون لوك John Locke قال أنا أتكلَّم عن هذه بطريق المُقارَنة كالإضافات، ماذا عن العلة والمعلول؟ مفاهيم مُتضايفة، أليس كذلك؟ لا يكون الشيئ علة إلا إذا كان له معلول ولا يكون الشيئ معلولاً إلا إذا كان لعلة، أليس كذلك؟ فهذه المفاهيم أيضاً مُتضايفة، المُهِم في جون لوك John Locke – حتى لا نُسابِق الوقت – أن الرجل قال هذه المفاهيم المُقارَنة والمُتضايفة لا يظفر بها الذهن عن طريق الحس وحده، الحس لا يستطيع، وهذا صحيح ومضبوط، لأن بصراحة الذي في الخارج هو رجل اسمه فلان ويُوجَد ولد اسمه فلان، مفهوم الأبوة والبنوة ليس في الخارج، هذا في العقل، أليس كذلك؟ هذا مفهوم في العقل، قال جون لوك John Locke كيف اكتسبه الإنسان؟ قال اكتسبه بالمُقارَنة، قارن حيثية هذا مع حيثية هذا وأخرج هذا الشيئ، هل هذا بالحس فقط؟ المُقارَنة مَن الذي قام بها؟ قال الذهن، وهنا بهذا الاعتراف تواضع جون لوك John Locke ولذلك لا يرضى عنه التجريبيون، هم يسخطون عليه، قالوا هذا غير جيد، هذا نصف فيلسوف عقلاني لا نُريده، نُريد شخصاً تجريبياً محض مثل هيوم Hume الذي جاء بعده ودمَّر الدنيا، فماذا قال؟ قال أنا أعترف أن الحس الظاهر والباطن غير كافيين لتوليد هذه المفاهيم، وإنما لابد من تدخل الفاهمة البشرية Human understanding، وأنا تُعجِبني كلمة Understand جداً، هل تعرفون لماذا؟ لأن ما معناها؟ يقف تحت، أي شيئ لكي تفهمه لابد أن تنبش خلفه، ولذا يُقال Understand، حين تقول الأمور واضحة لم تفهم شيئاً بصراحة، حين تقول الأمور بسيطة يا أخي لن تفهم شيئاً، فكلمة Understand جميلة وتعني تقف تحت لكي تفهم، قد تقول لي هل لها علاقة مُقابِل في العربية؟ طبعاً وهو اللُب، الله سمى العقل باللُب، إذا كنت تدور مع القشرة سوف تظل مع القشرة ولن تفهم شيئاً، لابد أن تنفذ إلى الداخل، لأن العقل هو الذي في الداخل، وهو اسمه اللُب، إذا نفذت في الداخل سوف تفهم أما إذا لم تنفذ لن تفهم، وهذه المسألة فيها شيئ من الصعوبة، الفاهمة البشرية تعضد عمل الحس وبتضافر القوتين يستطيع الإنسان أن ينال وأن يظفر بمثل هذه المفاهيم، وبذلكم كان جون لوك John Locke أقرب الثلاثة – وهم لوك Lock وبيركلي Berkeley وهيوم Hume – إلى الفلاسفة العقليين، وهذا سبب سخطة هؤلاء التجريبيين عليه، هل هذا واضح؟

جون لوك John Locke بهذه الطريقة رد على ديكارت Descartes، ديكارت Descartes عنده نظرية اسمها نظرية الأفكار الفطرية، ولن نقول ما هي فيُمكِن أن تقرأوا عنها فيما بعد لأن الوقت فعلاً تضيَّق علينا، هذه النظرية ترد على الأفكار الفطرية لدى رينيه ديكارت René Descartes، نأتي الآن إلى ديفيد هيوم David Hume، ديفيد هيوم David Hume صاحب An Enquiry Concerning Human Understanding، أي بحث في الفاهمة أو في الفهم الإنساني، ديفيد هيوم David Hume قال نعم الذهن يبدأ صفحة بيضاء وأنا أتقف مع جون لوك John Locke لكن لا يُوجَد شيئ اسمه العقل، قال لا يُوجَد شيئ اسمه العقل أبداً، قال إذا كنا نقبل به كمُصطلَح فهو في نهاية المطاف تعبير عن قوى الإحساس وما تُؤديه إليه، أي الحس، فهو يعتمد اعتماداً مُطلَقاً وصرفاً على الخارج فقط، لا يُوجَد ما هو أكثر من هذا، لا تقل لي هناك عقل وعنده لياقات خاصة ويُؤلِّف المفاهيم مثل مفاهيم النسبة والعلية وما إلى ذلك، قال هذا كله كلام فارغ، ماذا عن العلة والعلية؟ فسَّرهما، فهو عنده تفسير، طبعاً مَن كان أكثر اتساقاً مع منطق التجريبية والحسية؟ هل الأكثر اتساقاً مع منطق التجريبية والحسية هو جون لوك John Locke أم ديفيد هيوم David Hume؟ هيوم Hume، هيوم Hume كان أكثر صدقية وقال إذا أردنا أن نكون حسيين وأن نكون تجريبيين فالتجربة لا يُمكِن أن تُعطيك مفهوماً كُلياً عاماً – التعميم – فهذا غير موجود – لوك Locke اعترف بالتعميمات – ولا تُعطيك مفهوماً ضرورياً، وهذا مُهِم جداً فالتفتوا إليه، من الفروق الرئيسة بين الفلسفة العقلية والفلسفة التجريبية أن الفلسفة العقلية تقول الفكر الإنساني قادر على الظفر بمباديء كُلية شاملة عامة، إذا سمعتم كلمة شاملة فهي الكُلية، إذا سمعتم كلمة كُلية فهي العامة، والأسهل من الكلمتين – مثلاً – كلمة عامة، عندها تعميم، والشيئ الثاني ضرورية، ما معنى ضرورية؟ لا تتخلَّف، دائماً موجودة ودائماً تعمل، هذا اعتقاد العقليين أو العقلانيين، التجريبيون قالوا لا، هذا ليس شرطاً، كل أفكارنا لا تتسم لا بالتعميم – العموم – ولا بالضرورة، هيوم Hume قال هذا، لماذا يا هيوم Hume؟ قال لأن فعلاً التجربة والحس لا يُعطون أي شيئ يتعلَّق بالتعميم وبالضرورة.

طبعاً نحن قلنا قبل قليل أن جون لوك John Locke بالمُقارَنة قال أن الإنسان يظفر بمفهوم العلية، وشرحه قليلاً وتوسَّع، ماذا قال؟ قال الإنسان حين يرى اقتران ظاهرتين أو تتابع ظاهرتين – تحصل الظاهرة ألف وتتبعها الظاهرة باء – بالاستمرار وبالإلف ينتزع الإنسان مفهوم العلية عن طريق المُقارَنة، هيوم Hume قال هذه بداية مُوفَّقة وحقيقة، لكننا نقول له يا هيوم Hume نحن فعلاً كلما قرَّبنا النار من الورق أو القطن يُحرَق، قال هذا تتابع، هذه ظواهر مُتتابِعة، لكن هذا ليس علة لهذا ولا هذا معلول لهذا، وقد قلت لكم قبل فترة هذا مثل الأشاعرة، الأشاعرة يعتقدون بهذا، أليس كذلك؟ هو عنده نفس الشيئ، هناك مَن قالوا أنه تأثَّر بأبي حامد الغزالي وحاولوا أن ينسبوا له السرقة، على كل حال هو مُتأثِّر جون لوك John Locke، جون لوك John Locke ذكر هذا، هل أبو حامد مصدر لجون لوك John Locke؟ هذا أيضاً غير بعيد، لأن جون لوك John Locke قرأ ديكارت Descartes، وديكارت Descartes أبي حامد، لابد أن نكون واضحين، فكون الأشاعرة قد يكونون مصدراً للفكرة غير بعيد، تأثَّر بها ديكارت Descartes وجون لوك John Locke، وجون لوك John Locke أثَّر في هيوم Hume، لأن هيوم Hume عالة على جون لوك John Locke في أشياء كثيرة، والرجل يعترف بهذا ويقوله، يقول جون لوك John Locke قال كذا وكذا وأنا أُوافِقه، قال هذه الضرورة ليست ضرورة منطقية – هو لا يعترف بالمنطقية – ولا ضرورة خارجية وإنما ضرورة نفسية، هذه ضرورة نفسية، الإنسان يتوهم ذلك لأن هذا وراء هذا وهذا وراء هذا، لكي أُقرِّب لكم المسألة أُريد أن أنقده الآن وأهدم كلامه بطريقة – إن شاء الله – سوف تعجبكم، وعندي هنا أشياء خاصة، كيف؟ لكي نُقرِّب المسألة سنفترض أن شخصاً بدائياً جاء من جزيرة نائية ولم ير في حياته السيارات – Cars – التي عندنا ولو لمرة، ثم رأى باستمرار السيارات أمامه، ورأى أن الغمّاز حين يكون جهة اليمين تلف إلى اتجاه اليمين، وحين يكون جهة الشمال تلف إلى اتجاه الشمال، هذا الرجل ليس عنده فكرة عن آلية عمل السيارة وما إلى ذلك فربما يعتقد أن هذا الضوء هو الذي يُزيح السيارة إلى اليمين وذاك يُزيحها إلى اليسار، لعله يظن أن هذا هو السبب، لكن نحن نعرف أن الأمر ليس كذلك، لا تُوجَد أي علاقة علية، ولعل السائق يكون مُهِملاً ولا يُعطي غمّازة ويدخل فيتسبَّب في حادثة وتقع مشاكل، لكن هذا الرجل رأى السائق المُنضبِط فظن أن هناك علاقة علية، حدث اقتران بين الظاهرتين – الغمّاز حين يكون جهة اليمين تلف إلى اتجاه اليمين، وحين يكون جهة الشمال تلف إلى اتجاه الشمال – فظن أن هناك علاقة علية، ديفيد هيوم David Hume كل ما يحدث في الكون يحدث على هذا النحو، فقط أشياء تتبع بعضها البعض ومن ثم نحن ظننا أن هناك علية، لماذا أنكر إذن؟ سوف نقول له لماذا أنكرت؟ قال أنكرت لأنكم أنتم تقولون هذا مبدأ وضروري لكن أنا لم أر بالحس وبالتجربة أي شيئ يدل على الضرورة، الضرورة مفهوم غير موجود في الخارج، وأنا إنسان تجريبي فلا تُورِّطوني في مسائل عقلية، أنا لا أعترف بهذا، لا أعترف بالحس، إذن لا تُوجَد ضرورة وهذه مسألة نفسية، تداعي المعاني Association، فسَّر وقال المعاني تتداعى – يدعو بعضها إلى بعض ويتبع بعضها بعضاً – ضمن قوانين للتداعي، احفظوا هذه القوانين وهي ثلاثة قوانين عند ديفيد هيوم Hume، أولاً التشابه، ثانياً التجاور في الزمان أو المكان، ثالثاً العلية، وقد فسَّر العلية، بعض الناس قالوا هذا – والله – كلام جميل، وأبو حامد قال لعل الرجل عنده الحق، لماذا لا يكون الأمر كذلك؟ لكننا سننتقده وسنأتي بحُجتين قويتين إن شاء الله، الحُجة الأولى كالتالي، هل آنستم أن هناك ثمة فرقاً بين العلية كمفهوم تصوري وبينها كمفهون تصديقي؟ طبعاً، مثل سائر المفاهيم، بمعنى أن العلية كمفهوم تصوري كلكم تعرفونها، العلية أن يكون الشيئ على هيئة أو حالة بحيث يُؤثِّر في شيئٍ أو حالة أُخرى، هذه يُسمونها العلة، وهذا مبدأ العلية، كما قلنا الظاهرة والأثر، أي Cause and effect، العلية كمفهوم تصديقي ماذا عنها؟ هذا ما كفر به هيوم Hume، قال أنا لا أُؤمِن بهذا المفهوم، أن فعلاً الأشياء مخلوقة بطريقة مُعيَّنة بحيث يفعل بعضها في بعض ويتسلَّط بعضها على بعض، قال هذا الكلام غير موجود ولا أُؤمِن به ولا تُوجَد ضرورة لهذا الشيئ، نحن قد نتنزل اعتباطاً كما يُسمونه في النقاش ونقول لهيوم Hume نحن معك أيضاً ونحن كفرنا بالعلة مفهوماً تصديقياً لأننا لا نرى ضورة في الخارج ولا نقدر على قياسها ولا يُوجَد شيئ في الخارج اسمه ضرورة وإنما الذي يُوجَد مُجرَّد تعاقبات فقط، صحيح كلامك يا هيوم Hume، لكن يا هيوم Hume قل لنا بالله عليك، قل لنا بربك من أين ظفر ذهنك وأذهاننا بالعلية كمفهوم تصوري As a concept؟ هذا سؤال فلسفي خطير، هل فهمتم ما أُريد قوله؟ لأن ما في الخارج هذا الشيئ وذاك الشيئ، لكن المفهوم نفسه – مفهوم العلية كتصور – من أين أتى؟ مَن الذي ولَّده؟ والحس لا يستطيع أن يُولِّد هذا، أليس كذلك؟ الآن ليس أمام هيوم Hume إلا أن يعترف بأن في الإنسان شيئاً ما وهو العقل – هو لا يُحِب أن يتحدَّث عن العقل – أو لياقة ما أو قدرة ما قادرة على توليد مفاهيم تُسمى المفاهيم الفلسفية – معقولات ثانية فلسفية – ولا تستند في توليدها على التجربة، أليس كذلك؟ ليس أمامه إلا هذا، وإلا – إذا قال لأ – سوف نقول له إذن ما الذي أنكرته؟ أليس كذلك؟ أنت أنكرت العلية، ما الذي أنكرته؟ أنت أنكرت المفهوم التصوري، أليس كذلك؟ إذن أنت تُقِر به تصوراً، كيف ظفرت به؟ سوف يخربط، لم يُوجِّه له أحد هذا النقد في حياته، الآن سأوجِّه نقداً آخر، وهذا النقد ليس لي، النقد الذي ذكرته للفلاسفة طبعاً لكي نكون صادقين، لكن يُوجَد نقد من عندي الآن، وسآتي بمثال بسيط على هذه المسائل سوف ترونه، ما هو؟ هو يقول هذا مُجرَّد تتابع، ظاهرة تتبع ظاهرة، وهنا سأقول له هذا مُمتاز لكن أنت لم تعش في عصر الضوء والفلاشات Flashes والسينما Cinema، هذه الكاميرا Camera الآن نُريد أن نُحوِّلها إلى عارض ونُريد أن نبث منها فيلماً ثابتاً، لا نُريد أن يُخربَط هذا المسكين، وإلا سيُجَن هيوم Hume بالمُتحرِّك لأنه قديم، سوف نحضر فيلماً ثابتاً وصوراً من الكويت هنا، وانتبهوا إلى أن الصورة ثابتة تماماً ومُعتدِلة على الحائط في شكل مُستطيل، الرجل حرَّك الكاميرا Camera، هل تحرَّكت الصورة بعد الكاميرا Camera أو في نفس لحظة حركة الكاميرا Camera؟ في نفس اللحظة، أليس كذلك؟ حين حرَّكت الكاميرا Camera تحرَّكت الصورة سواء للأسفل أو للأعلى مثلاً، هل التتابع حاصل هنا؟ غير حاصل، حصل تزامن فقط، والعقل يُذعِن أن سبب حركة الصورة على الحائط واختلالها هو حركة الكاميرا Camera، أليس كذلك؟ وهذا إيمان بالعلية وبالسببية بشكل واضح وصارخ دون أن نتورَّط في شُبهة التعاقب، لا يُوجَد تعاقب هنا، تفضَّل هذا إذن، أليس كذلك؟ كيف يُجيب عن هذا؟ هذه أسهل طريقة في النقد على هيوم Hume، ولا يُوجَد جواب عنها، لأن الخطأ الذي وقع فيه أبو حامد والأشاعرة ووقع فيه هؤلاء جُزء منه هو هذا، فقط هم اشتبه عليهم موضوع التعاقب، لو أدركوا أن العلية ليست وقفاً على التعاقب بل هي أعم من ذلك بحيث تشمل وتتضمن حدوث التأثير ولو مُتزامِناً لاختلف الأمر، قال تعالى وَمَا أَمْر السَّاعَة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر أَوْ هُوَ أَقْرَب ۩، أنا أقول لكم علية أفعال الله – لا إله إلا هو – في الخلق وفي الكون آنية، هي آنية وسأضرب لكم مثالاً، علماً بأن العلم يُثبِت هذا، وكلما تقدَّم يُثبِته أكثر، وفي النهاية الإنسان سيُذعِن ويبخع بالكامل بأن فعلاً لا تُوجَد فاصلة زمانية بين أوامر الله الكونية وبين مُكوَناتها، لا يُوجَد فاصل زماني هنا، وهذه علية وهي علية مُقدَّسة، هذه أعظم أنواع العلية، أليس كذلك؟ هل تعرفون لماذا؟ من المُؤكَّد أنكم جميعاً سمعتم بالبروفيسور Professor المصري العلّامة أحمد زويل الذي حاز على نوبل Nobel في عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين، هذا الرجل عنده نظرية الفيمتو ثانية Femtosecond، نحن نعرف النانو ثانية Nanosecond، النانو ثانية Nanosecond كم؟ عشرة أُس ناقص تسعة ثانية Second، أي جُزء من مليار جُزء من الثانية اسمه النانو ثانية Nanosecond، زويل قال لا، قال الله وَمَا أَمْر السَّاعَة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر ۩، مَن يقول لي لمح البصر كم من الثانية وقد ذكرت هذا اليوم؟ واحد على ستة عشر، واحد على ستة عشر من الثانية، وهنا قد يقول لي أحدكم هذا القرآن للعرب وللقدماء في القرون الوسطى لكن الآن سوف نرى ما معنى واحد على ستة عشر، وهنا سنقول له أكمل الآية يا عبد الله، قال الله أَوْ هُوَ أَقْرَب ۩، ربك قال هذا، هذا القرآن عجيب، السرعة اللمحية كانت أعلى سرعة عند البشر في تلك الأيام ولم يتخيَّلوا ما هو أعظم منها، لم يكن عندهم ما هو أسرع من لمح البصر، لكن الله قال لا، يُوجَد ما هو أسرع منها، هذه الآية مفتوحة Open، قال الله أَوْ هُوَ أَقْرَب ۩، في قوله أَوْ هُوَ أَقْرَب ۩ تدخل أي سرعة مهما تضاءلت في الزمن طبعاً وتعاظمت في السرعة، تدخل أي سرعة، فنحن عندنا النانو ثانية Nanosecond، لكن أحمد زويل قال لا، هذه سرعة سلحفائية، أي النانو ثانية Nanosecond، هذه لا شيئ، النانو ثانية Nanosecond تعني أن الشيئ يتم في جُزء من مليار جُزء من الثانية، إذا جزأنا الثانية التي تنقضي في كلمة الله وتذهب حين نلفظها – حين نقول الله تذهب الثانية، أو حين نمد الإصبع بمقدار حركتين كما تعرفون في علم التجويد، هذا مقدار ثانية في المد، الحركتان تُساويان ثانية زمانية – إلى مليار جُزء سوف يُسمى جُزءً منها بالنانو ثانية Nanosecond، لكن زويل قال هذه سلحفاة تسير ببطء ونحن لا نُريدها، سوف نشتغل على الفيمتو ثانية Femtosecond، ما هي الفيمتو ثانية Femtosecond يا زويل؟ ما هذه القصة؟ قال الفيمتو ثانية Femtosecond عشرة أس ناقص خمسة عشر، أي جُزء من ألف تريليون جُزء من الثانية أو جُزء من مليون مليار جُزء، لأن المليون ستة والمليار تسعة إذن خمسة عشر، إذا قسَّمنا الثانية مليون مليار جُزء سوف نُجَن، وهذا شيئ لا يُصدَّق يا إخواني والله العظيم، لكن هذا الرجل أخذ نوبل Nobel وقد صوَّره، فزويل علّامة كبير حقيقةً، مُخه رهيب وقد أخذ تسع وتسعين جائزة ولكم أن تتخيَّلوا هذا، وبنوبل Nobel أتمهم مائة، عنده مائة جائزة عالمية هذا الرجل، عقل كبير وهو أينشتاين Einstein العرب حقيقةً، وهو ميت بيننا ولا يعرفه أحد لأنه عربي مُسلِم، لو كان يهودياً لتحدَّثت الدنيا كلها عنده ولهتفت باسمه، فالرجل عنده عقل ضخم جداً جداً، إذن هو تحدَّث عن الفيمتو ثانية Femtosecond، لماذا يا زويل؟ ماذا سوف تعمل الفيمتو ثانية Femtosecond؟ قال سوف تعمل ثورة في كل العلوم وخاصة الحيوية، وصوَّر الرجل ما يحدث وصنع الميكرسكوب رباعي الأبعاد، وهذا شيئ عجيب، صنع الآن رباعي الأبعاد وسوف يبدأ في تسويقه، هذا الرجل يُصوِّر ما يحصل في الخلايا عندنا من تفاعلات كيمياوية تحدث على مقاس فيمتو ثانية Femtosecond، الله أكبر، فهل الله – تبارك وتعالى – يُدبِّر الخلق ويُدبِّر أجسامنا والمُتعضيات وكل هذه الأشياء في أزمان من مقاس فيمتو ثانية Femtosecond؟ هذا المُكتشَف إلى الآن فقط، وأنا مُتأكِّد – والله – من أن ستأتي أيام سيسخرون فيها من فيمتو Femto زويل وسيقولون الفيمتو Femto سُلحفاة بطيئة، هذه سرعة إملائية، ولعلهم في يوم من الأيام يقولون جُزء على جوجل بليكس Googleplex من الثانية، وحين إذن سوف نصل إلى السرعة الآنية للأمر الآني، لأن كمال الربوبية لله – تبارك وتعالى – يكون هكذا، حين يصدر أمره ويُريد له أن يكون آنية ممنوع أن تكون هناك فاصلة زمانية، في كم تُقاس الفاصلة الزمانية؟ شيئ لا يعلمه إلا الله، قد تقول لي عشرة أُس ناقص جوجل بليكس Googleplex – الله أعلم – أو جوجل بليكس Googleplex مرفوع إلى كذا وكذا، هذا هو، هذا رب العالمين لا إله إلا الله هو، لكن شيئ مُذهِل ومُحيِّر أن تسير الأشياء في خلايانا – عمليات حيوية تتوقَّف عليها – في جُزء من مليون مليار جُزء من الثانية، لا إله إلا الله، شيئ عجيب جداً جداً.

أُريد أن أقول العلية ليس شرطاً أن نُورِّط أنفسنا في شُبهة التعاقب، بعض الأشياء قد تكون مُتعاقِباً – هذا صحيح ومضبوط – لكن هناك أشياء آنية، سنُبسِّط الآن ونبتعد عن مثال كاميرا Camera وما إلى ذلك فلعل أحدكم تضايق من هذا المثال رغم أنه سهل، لكن الآن سأقول مسألة أبسط من ذلك، هل ترون هذا الخاتم الذي ألبسه؟ هذا الخاتم وأنا ألبسه موجود على الطاولة ثم أصبح في الهواء، ما سبب حركته؟ كيف انتقل هذا الخاتم إلى الهواء هنا؟ بسبب حركة يدي، بالله عليكم هل انتقلت يدي قبل الخاتم بواحد على كذا فيمتو ثانية Femtosecond أم انتقلت في نفس اللحظة بالخاتم؟ انتقلت في نفس اللحظة، إذن ما سبب انتقال الخاتم إلى الهواء؟ حركة اليد، ما الفاصلة الزمانية بين حركة اليد وحركة الخاتم؟ لا تُوجَد فاصلة في هذه الحركة النسبية، قال الله وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۩، آية واضحة في حركة الأرض، لم نر يوماً جامداً وهو يتمخطَّر، كأن يخرج من السالمية ويأتي إلى هنا ثم يرجع، لم يحدث هذا، أليس كذلك؟ الجبال في مكانها، الإمام السيوطي – رحمة الله عليه – في تاريخ الخلفاء – انظروا إلى هذه الخُرافات، هذا عقل قروسطي – قال تواتر وتحدَّث أُناس وفلان ذكر مثل ابن الأثير أن الجبال تحرَّكت في البلدة الفلانية، هذا كلام فارغ لم يحصل، نعم الجبال تتحرَّك لكن كيف؟ بالملي في السنة، نعم هي تتحرَّك لكن بالملي، الله يقول وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۩، وفعلاً ما السرعة التي هي مثل سرعة السحاب؟ سرعة الأرض حول محورها وأيضاً في مدارها حول الشمس، قال بعضهم هذا يوم القيامة، وهذا غير صحيح، كيف يُقال أن هذا يوم القيامة؟ الله يقول صُنْعَ اللَّهِ ۩، أليس كذلك؟ أي صنع يوم القيامة؟ يوم القيامة الكل سيُدمَّر، الله يتحدَّث عن آية الآن، فأُريد أن أقول هذا مثل حركة الجبل بحركة الأرض، هذه اسمها الحركة النسبية، وكذلك حركة الخاتم بحركة اليد، لا تُوجَد فاصلة زمانية، وسوف نسأل هيوم Hume وأبا حامد الغزالي ما العلة في حركة الخاتم؟ سوف يقولا حركة اليد، وهنا سوف نقول أين التعاقب؟ لا يُوجَد تعاقب، فإذن تُوجَد علية، أليس كذلك؟ تُوجَد علية.

ديفيد هيوم David Hume تحدَّث طبعاً عن الأشياء التي تدخل إلى ذهن الإنسان على ثلاث مراحل: الصور الانطباعية Impressions، وبعد ذلك المعاني أو الأفكار Ideas، وآخر شيئ النسب Relations، ثم تحدَّث عن كل واحدة منها، الانطباعات قد ختم بها، لكن اهم شيئ في العلية انتقدناه وانتهينا منه، ولابد أن يعترف أن الإنسان عنده قدرة وهي شيئ آخر غير الحس ووسائل الحس اسمها العقل أو اسمها الفاهمة البشرية، وسبحان الله هذه القدرة – مثلما عرَّفها أرسطو Aristotle وقال الإنسان حيوان مُتعقِّل – قادرة على تكوين المفاهيم والتصورات الكُلية ومنها تصور العلية، هو لا يقدر على أن ينتقد هذا أبداً ويقول هذا شيئ حسي ومن الحس، فهذا من العقل ومن العقل وحده، الصور الانطباعية ما هي؟ هي الصورة الجُزئية كأن ترى كوباً وينتهي الأمر، فيرتسم عندك الكوب، كأن تحس بحالة الخوف، هذا الحس الباطني لكن من اين استفاده؟ من جون لوك John Locke، هذا نفس الشيئ، فاعترف هيوم Hume بالحس الظاهري وبالحس الباطني، بعد ذلك عندنا المعاني أو الأفكار Ideas، ما هي؟ هي ما شرحته لكم تحت عنوان الكُليات، أي المفاهيم الكُلية وخاصة المفاهيم الماهوية بالذات، مثل مفهوم الأبوة والجبل والولد والعلم وما إلى ذلك، المفاهيم الكُلية عموماً، وكيف فسَّرها إذا كنتم تذكرون؟ قال هي مُجرَّد معانٍ شبيحية غير واضحة مُبهَمة غامضة ولإبهامها أو انبهامها تنطبق على أكثر من شيئ فقط، لكن إذا أخذت وضوحها لا تنطبق إلا على شيئ مُحدَّد، فلا يُوجَد شيئ اسمه مفاهيم كُلية، وإنما كلها مفاهيم جُزئية، وقد أنكر ونحن انتقدنا، أليس كذلك؟ ومن ضمن الأشياء قلنا كيف يُفسِّر لنا ديفيد هيوم David Hume وجود المعاني الكُلية التي لا مصداق مادياً لها، أليس كذلك؟ إذا قال هذه المعاني الشبحية هي معانٍ جُزئية تشبَّحت فجاز أن تنطبق على أكثر شيئ سوف أقول له يا سيدي هناك معانٍ كُلية أصلاً ليس لها علاقة بالحس، لأن لا مصداق حسياً لها، أليس كذلك؟ وأنتم تعرفون مثل ماذا، هناك أشياء كثيرة على هذا النحو مثل الغول والعنقاء، هذه كلها كُليات، أليس كذلك؟ وليس لها مصداق حسياً، وكذلك الحال مع المَلك والروح، أليس كذلك ؟ لا تقل لي أنا لا أُؤمِن، ونحن قلنا أننا لا نتحدَّث عن حيثية الوجود وإنما عن حيثية المفهوم، أليس كذلك؟ وهذا مفهوم كُلي الذهن ولَّده بغض النظر آمنت أم لم تُؤمِن بوجوده، هو موجود كمفهوم، مثلما تحدَّثنا عن العلية كمفهوم تصوري، لن يقدر على الجواب هنا، وبعد ذلك سوف نقول له كيف ترد على وجود مفاهيم كُلية في الذهن الإنساني تنطبق على المُجرَّد وعلى المادي مثل مفاهيم العلة والمعلوم، أي العلية Causality؟ العلية مفهوم كُلي وينطبق على الله تبارك وتعالى، الله – لا إله إلا هو – سبب كل وجود، أليس كذلك؟ هو سبب كل وجود، الملائكة – فالمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ۩ – أيضاً هي علل لأشياء وهي مُجرَّدات، نحن نُؤمِن بهذا، فالعلية تنطبق على الله وعلى ملائكته وعلى الأرواح وعلى كذا وكذا، وتنطبق أيضاً على الأشياء المادية، فإذن هي ليست مفهوماً جُزئياً تشبَّح، وفي النهاية سوف نقول له كيف ترد على حُجة المفاهيم الكُلية التي تنطبق على المُتضادات كاللون؟ أليس كذلك؟ من مصاديقه الأبيض ومن مصاديقه، أليس كذلك؟ والأسود ليس لوناً تشبَّح بحيث يجوز على الأبيض وعلى الأسود في وقتٍ واحد، هذا غير صحيح، فهذه أدلة قوية جداً جداً جداً تهدم على هيوم Hume ما ذكره بفضل الله تبارك وتعالى.

أخيراً تحدَّث عن النسب Relations، ما هي النسب؟ قال هي العلاقات بين الـ Impressions وبين الـ Ideas، وتخرج منها المعانى التي هي أكثر تعقيداً، بطريق ماذا؟ قال – وقد ذكرنا لكم هذا – بطريق تداعي المعاني وفق القوانين الثلاثة، قال ومن ضمنها معنى العلية، قال هذا من النسب، وفي الحقيقة هذا ليس من النسب، هذا غير صحيح، هل تعرفون لماذا؟ لأنه لو كان من النسب يجب أن يكون مأخوذاً من الحس، ونحن أثبتنا أن مفهوم العلية كتصور لا علاقة له بالحس ولا بما يُعطيه الحس، وإنما كتصديق وهذا موضوع ثانٍ وعنده الحق في أن يكفر به، وهكذا نكون انتهينا من هيوم Hume.

للأسف بقيت فضلة بسيطة، لعلنا في سبع دقائق أو خمس دقائق ننتهي منها لكي نُنهي الحديث عن الإبستمولوجيا Epistemology، نُريد أن نرى ما هو موقف الاجتماعيين من المعرفة، باختصار باختصار علماء الاجتماع – مثل ليفي-بريل Lévy-Bruhl وإميل دوركايم Émile Durkheim – في العصر الحديث عالجوا القضايا العقلية كما عالجوا الظواهر الاجتماعية، مثل الزواج والطلاق والانتحار وما إلى ذلك بنفس الطريقة، بمعنى ماذا؟ لم يعترفوا بأن هناك مباديء ومفاهيم ومُدرَكات عقلية كُلية عامة شاملة وضرورية وأنها من فطرة العقل وأنها وأنها، قالوا هذا كله كلان فارغ، كل المباديء التي تُسمونها العقلية وتتسم بالضرورة الكُلية هي انعكاس للهيئة الاجتماعية وظروفها وشروطها، وجاء ليفي-بريل Lévy-Bruhl وتكلَّم عن موضوع العقل البدائي قبل المنطقي، ليفي-بريل Lévy-Bruhl تكلَّم عن هذا وأتى فعلاً بأشياء أنثروبولوجية، قال هناك قبائل بدائية تُؤمِن بالتناقض، هم ليسوا ضد قانون التناقض طبعاً، فهم يُؤمِنون – مثلاً – بأن الشخص حي وميت في نفس الوقت، يقولون نعم هو حي لكنه ميت أيضاً وهذا عجيب، قال يُوجَد هؤلاء ويعيشون في قبائل بدائية، فلا تنخدعوا بحكاية مباديء كذا وكذا، هذه مسائل خطيرة وشُبهات، على كل حال أسماه العقل البدائي قبل المنطقي ليفي-بريل Lévy-Bruhl وهو تلميذ إميل دوركايم Émile Durkheim، إميل دوركايم Émile Durkheim تحدَّث عن العقل الجمعي، أي عقل الجماعة، قال الإنسان يُفكِّر على نحو ما تُريد له الجماعة، قريب منهم هربرت سبنسر Herbert Spencer، وهو سابق عليهم بقليل، هو إنجليزي تطوري اجتماعي – Social Darwinism – طبعاً، هربرت سبنسر Herbert Spencer ماذا قال؟ قال في الحقيقة أنا أُسلِّم بأن هذه المباديء في حق الفرد فطرية لكن في حق النوع مُكتسَبة وهذا غريب، هذه نظرية مُلخبَطة وغير قوية، ضعيفة جداً وهشة، قال سر خضوع الفرد لهذه الأفكار وتسليمه له أنها فطرية فيه، وهذا في الفرد، أي على مُستوى الفرد، لكن في النوع الإنساني من البدايات كانت مُكتسَبة، أوائل البشر لم يكن عندهم هذه الأفكار واكتسبوها شيئاً فشيئاً وتناقلت عبر الوراثة والجينات Genes فطُبِعت في الدماغ، وأصبحت تأتي للفرد عن طريق الوراثة، يُولَد وهو عنده هذه الأمور، فهو يظن أنها فطرية وأنها تتسم بالضرورة، قال بالعكس هي في أصلها قبل مئات ألوف السنين أو الملايين كانت مُكتسَبة من البيئة الاجتماعية، فهي ليست كُلية ولا ضرورية، وطبعاً هذا الكلام كله غير علمي، وقد رأينا الفلاسفة وماذا يقولون ومن ثم يُمكِن نقد هذا الكلام، كلام علوم الاجتماع من أضعف ما يكون، أوهن من بيت العنكبوت، ليس عندنا الوقت لكي ننقده لكننا نُعطيكم فكرة عامة عنه.

نختم الآن بالموقف المادي وخاصة الماركسي من التفكير، واضح أن النظرية الماركسية مثل النظرية البراجماتية والنظرية الوسلية Instrumental – من وسيلة – فهم ينظرون إلى العقل على أنه عضو يُؤدي فوائد للحياة العملية، ليس أكثر من هذا، مثل العين ومثل الأذن وهكذا، وهو عضو تكيفي، ليس عنده مباديء أزلية وضرورية وفطرية، قال هذا كله كلام فارغ غير موجود، و عضو من الأعضاء يتكيَّف فقط لكي يُمكِن للإنسان أن يعيش في عالمه ومُحيطه، فهو عضوٌ من الأعضاء العادية، البراجماتية تقول بهذا والماركسية تقول بهذا، جون ديوي John Dewey كان يقول الإنسان لا يُفكِّر إلا عندما يُضطَر إلى التفكير، وطبعاً لابد أن يكون جون ديوي John Dewey مُتسِقاً مع نفسه – وهو براجماتي طبعاً – ومن ثم لابد أن يقول هذا، لو لم يقل هذا سوف تكون هناك مُشكِلة لديه، البراجماتية كلها سوف تنهار، قال الإنسان حين يُضطَر يُفكِّر، أمام عاديات الطبيعة أو مُتهدِّدات الوحوش والأشياء وما إلى ذلك يضطر أن يُفكِّر، والحاجة أم الاختراع ومن ثم يبدأ يُفكِّر ويخترع، لكن حين يكون آمناً وليس عنده حاجة لأن يُفكِّر يجلس ويأكل ويشرب ولا يُفكِّر، لكن هذا الكلام غير صحيح، برتراند راسل Bertrand Russell عنده كتاب في مدح الكسل، أي في امتداح الكسل، وقد رد عليه جورج برنارد شو George Bernard Shaw، المُهِم هذه كانت نظرية في تفسير الحضارة وهي جميلة وكانت أقرب إلى الحقيقة، برتراند راسل Bertrand Russell قال الحضارة بنت الكسل، الحضارة بنت الترف، لولا أن الإنسان عنده الحاجات والضرورات مُؤمَّنة وعنده فضلة وقت لما تعلَّم النحت ولا الرسم ولا المعمار الفني ولا كل هذه الأشياء، فالحضارة بنت الترف، وهذا كلام صحيح فعلاً، كلام جون ديوي John Dewey هو العكس تماماً، ديويDewey قال الإنسان يتحرَّك ويُفكِّر لكي يُؤمِّن نفسه فقط فيعيش ويأكل ويشرب ويذهب ينام، وهذا غير صحيح، الحضارة تنشأ لما الإنسان يُؤمِّن نفسه ويأكل ويشرب، وأنا أقول لكم حتى الدين ينطبق عليه هذا، اليوم كنت أتحدَّث مع علماء أفاضل سألوني عن كيفية الإسلام في النمسا، قلت لهم حقيقةً هو لافت عندنا، قالوا كيف؟ قلت هو لافت، في فيينا العاصمة يصل عدد العرب من حوالي عشرة إلى اثنتي عشرة ألفاً، طبعاً الأتراك بعشرات الألوف لكن العرب في النمسا كلها حوالي أربعة وعشرين ألفاً، في فيينا كلها من حوالي عشرة إلى اثنتي عشرة ألفاً، قلت لهم في مسجدي – مثلاً – يُصلي يوم الجمعة ألف، في مساجد أُخرى خمسمائة، وفي مساجد أُخرى ثلاثمائة، وفي مساجد أُخرى سبعمائة، حين تحصونهم يتضح أن في الحد الأدنى لا يقل عدد مَن يصلون الجمعة عن خمسة آلاف أو أربعة آلاف، لا أكاد أعرف عربياً هناك لا يُصلي، قال لي أحدهم هذا غريب، قلت لهم ما هم البقية؟ نساء وأطفال صغار، أليس كذلك؟ وهذا يعني أن تقريباً كل البالغين يُصلون، قال لي كيف؟ قلت له لأن الحاجات هناك مُؤمَّنة، سواء اشتغلت أو لم تشتغل الدولة تدفع كل شيئ، تأمينات صحية واجتماعية لك وأولادك ومساعدة للبيت والتعليم مجاني وإلى آخره، فأنا أقول لك الإنسان إذا أُومِّنَت حاجاته يفرغ للعبادة، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۩، إذا كنت تُريد منهم أن يعبدوك وأن يصلوا أمِّن لهم الحوائج، قال أبو حامد – رحمة الله عليه – فليت شعري متى يفرغ لعبادة الله أو يُوجِّه همة قلبه إليها مَن هو مُستغرِق ليله ونهاره في تحصيل رغيف عيشه؟ متى يعبد الله هذا؟ من الصعب جداً جداً، عقله ليس مع العبادة، فهذا ضد كلام ديويDewey، الدين والفن والعلم والاختراع متى يأتي؟ مُعظَمه يأتي في فترات الراحة، وإن كان أحياناً يأتي في وقت الحروب مثلاً، قالوا عدد كبير من الاختراعات يأتي في زمان الحروب وهذا صحيح، الحرب أيضاً أم الانقطاعات وأم الاختراعات، ليست أماً للانقطاعات فقط وإنما للاختراعات أيضاً، فهذا كلام الماديين والبراجماتيين وإلى آخره، وواضح أنه كلام غير صحيح، ماركس Marx عنده عبارتان مشهورتان جداً، عبارة تقول دأب الفلاسفة عبر العصور على أن يُفسِّروا العالم، وظيفتنا نحن أن نُغيِّره، لأن هكذا هو يرى العقل، وقد كفر بالنظرية الأرسطية التي ترى أن المعرفة تُطلَب لذاتها، قال هذا كلام غير صحيح، المعرفة لا تُطلَب لذاتها، المعرفة تُطلَب لكي نُغيِّر أنفسنا وبيئتنا، قال القط ليس عنده رغبة أن يتعرَّف على الفأر لكي يتعرَّف عليه، ماركس Marx كتب هذا في رأس المال، قال هو يُريد أن يلتهمه، والمزارع ليس عنده رغبة أن يعرف الرياح والأنواء وطبيعة الحبوب والأرض لكي يعرف، وطبعاً هذا كلام سخيف جداً لا أعرف كيف يقوله فيلسوف، لأننا سوف نقول له يا سيدي شيخك أرسطو Aristotle كان عنده رغبة أن يعرف لكي يعرف، وأضاعنا وأضاع نفسه في الماهية والوجود والميتافيزيقا وكل هذه المسائل المُعقَّدة جداً جداً جداً، فتفضَّل هذا، وسوف ناتي لك بمائة ألف فيلسوف ومُفكِّر فقط يشتغلون من أجل أن يعرفوا، أنت نفسك عندك شيئ من هذا، ليس كل ما تقرأه يا ماركس Marx من أجل التغيير، أليس كذلك؟ تقرأ أشياء كثيرة لأن هذه – سبحان الله – ضرورة بشرية وحاجة أساسية في الإنسان ومن ثم يقرأ.

على كل حال أخيراً عندنا الصوفية والعارفون والمعرفة، الصوفية كلهم تقريباً اتفقوا وأطبقوا طبقاً واحداً كما يُقال على أن الحس أدنى مراتب المعرفة، هذا كلام فارغ، المعرفة مُشوَّهة وبسيطة وما إلى ذلك، قالوا يُعطي معرفة لكنها بسيطة، وأوثق منه وأدخل في باب الاعتماد لكنها غير كافية، فتجاوزوها وقالوا بالتجربة وبالذوق وبالحدس تبيَّن لنا أن هناك إمكانية أن نرتاد آفاقاً وهي بعيدة وسحيقة وعميقة يُعتبَر ما يرتاده العقل من آفاقه شيئاً منزوراً وشيئاً محقوراً بالنسبة إلى تلكم الآفاق، قال أبو حامد الغزالي – قدَّس الله سره – بلغته هذه المعرفة تُنال بارتفاع الحجاب بين العقل وبين الغيب، إذا ارتفع هذا الحجاب – بإذن الله تعالى – يبدأ الإنسان يرى أشياء ويخوض في أشياء ويعرف أشياء، وهذا الكلام في الجُملة صحيح بلا شك، النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن حين مر ذات مرة على قبر فنفرت به دابته وكادت تُلقيه قال مَن دفنتم ها هنا؟ قالوا فلاناً وفلاناً من الأنصار، قال إنهما ليُعذَّبان، الدابة – سبحان الله – سمعت وصدق رسول الله، ولذا الدابة نفرت به، قال إنهما ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير إلى أن قال والذي نفسي بيده لولا تمزع قلوبكم – القلوب مُتوزِّعة ومُمتمزِّعة، فهمها ليس الله وليس الآخرة، الإنسان أصبح عنده خمسون ألف هم يتنازعه – وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، هذا يعني أن العملية مُمكِن او غير مُمكِنة؟ تُوجَد قاعدة في المنطق تقول تعليق الأمر على مُمكِن يجعله في حيز الإمكان، فالنبي قال لو يجعل الإنسان همه الله – تبارك وتعالى – ويجمع – الصوفية يُسمونها الجمعية – قلبه على الآخرة وعلى الله ولا يتزيَّد في الحديث – يكون دقيقاً جداً جداً، لا يكذب ولا يُبالِغ، لا يزيد ولا ينقص – بعون الله يُكشَف عنه الحجاب ويسمع، عبد الله بن عمر في صحيح البخاري لم يسمع فقط بل رأى، أليس كذلك؟ وأنتم تعرفون الحديث، ابن عمر كان يسير ذات مرة قال فرأيت رجلاً يخرج من الأرض وهو يلتهب ناراً ورجلين – أي ورأيت رجلين – يضربانه، فقال يا عبد الله، يا عبد الله اسقني، اسقني، فقالا يا عبد الله لا تسقه، لا تسقه، فضرباه فغاب في الأرض، رأى هذا بعينيه وهذا في البخاري، فأتى الرسول وقال يا رسول الله رأيت كذا وكذا فابتسم، قال ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة، تفضَّل هذا، ابن عمر قال هذا، يُقال أنتم تحكون خُرافات صوفية لكن هذا في صحيح البخاري، رأى ذلك ابن عمر، وهناك أشياء أعجب من هذا حدثت للصحابة والعارفين والصالحين من التابعين وغيرهم، وهي كثيرة جداً جداً جداً، فهذا كلام أبي حامد – رحمة الله عليه – حقيقةً، وهذا يُسمى في مُصطلَح الصوفية عموماً بالحدس Intuition، أي قوة الحدس عموماً، ويقولون هذه المعرفة الحدسية تحصل للأنبياء في أكمل صوره عن طريق الوحي – الوحي يأتي وينتهي الأمر – وتحصل للأولياء عن طريق الإلهام والنفث في الروع وتحدث للعامة – لبعض مَن استقام منهم وصلح حاله ولو قليلاً – عن طريق نماذج من الرؤيا الصالحة، أليس كذلك؟ النبي قال إذا اقتربت القيامة لا تكاد رؤيا المُؤمِن تكذب، أخرجه ابن ماجه، سبحان الله الرؤيا تأتي مثل فلق الصبح كما يُقال، وهذا نوع من الوحي، أليس كذلك؟ نوع من المعرفة الغيبية.

نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تابعونا في الحلقات القادمة)

سلسلة التعريف بمباحث الفلسفة – حلقة 8

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمداً يُوافي نعمه ويُكافيء مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً. اللهم آمين:

أما بعد إخواني الأفاضل، إخواني الفضليات:

أُحييكم جميعاً بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، هذه تذكرة سريعة، ابتدأنا بحمد الله في الحلقة الأخيرة من هذه الدورة المُبارَكة بالحديث عن نظرية المعرفة، وقلنا هذه النظرية تتصدى بالبحث ومُحاوَلة المُقارَبة والجواب لمسائل ثلاثٍ كبيرة، مسألة هل المعرفة مُمكِنة أو غير مُمكِنة، لأن السفسطائيين – مثلاً – أنكروا إمكان المعرفة من الأصل ومن الأساس، ولأن من الشكّاك مَن فعل هذا أيضاً على وجهٍ آخر، والشيئ الثاني سؤال طبيعة المعرفة، والسؤال الثالث والأخير أدوات المعرفة ومنابعها، وشرعنا في الحديث في المسألة الأولى – أعني إمكان أو إمكانية المعرفة – وقلنا إن الشكّاك ينقسمون إلى أقسام، هناك أكثر من تقسيم لأصالة الشك أو للمدرسة أو للمذهبية الشكية، فهناك الشك الإبستمولوجي أو الشك المعرفي وهذا الذي يعنينا، ضمن الشك الإبستمولوجي هناك تقسيمات، هناك تقسيم يتحدَّث عن الشك المعرفي المُطلَق، وهناك تقسيم آخر يتحدَّث عن الشك المعرفي بالمعنى الأضيق، وهناك تقسيم آخر أيضاً يتحدَّث عن الشك المعرفي بالمعنى المنهجي والشك المعرفي بالمعنى المذهبي، كل هذه تقسيمات وأعتقد بالأمثلة تُصبِح واضحة إن شاء الله تبارك وتعالى، فالشك المُطلَق هو شك بيرون Pyrrhon الذي تحدَّثنا عنه، تُوفيَ في مائتين وخمس سبعين قبل الميلاد في العهد الهلنستي، بيرون Pyrrhon كان يعتقد أن كل قضية تقبل النفي والإثبات بقوة مُتعادِلة، يقول كل قضية، فكل قضية يُمكِن أن تُثبِتها وبنفس الطريقة وبنفس القوة يُمكِن أن تنفيها، ما يُسميه علماء الأصول والفقه لدينا تكافؤ الأدلة، فبيرون Pyrrhon كان يقول بتكافؤ الأدلة، يُمكِن إثبات وجود الله ويُمكِن إثبات عدم وجود الله، أي نفي وجود الله، يُمكِن إثبات خلود النفس ويُمكِن إثبات نفي خلود النفس، يُمكِن إثبات وجود العالم الخارجي أو العيني الخارجي كما يقول الفلاسفة الميتافيزيقون ويُمكِن نفي العيني الخارجي عن الأشياء، وهكذا بقوة مُتعادِلة، هذا يُسمى الشك المُطلَق، هذا هو الشك المُطلَق.

طبعاً قلنا هناك تلميذ كان لبيرون Pyrrhon اسمه تيمون Timon هو الذي حمل لواء هذه المدرسة أو هذه الطريقة في التفكير، وبموت تيمون Timon تقريباً اختفى هذا الشك لكي يُبعَث بعد قرن وبعضهم يقول بعض قرن ونصف – المُهِم هذه اختلافات المُؤرِّخين – في الإسكندرية وبقيَ حياً إلى القرن الثالث الميلادي، فمُدة حياته وتواجده تقريباً تُغطي ستة قرون.

الشك المعرفي لا يتناقض – لأننا تحدَّثنا عن الإنكار Disbelief – مع تسليم الشاك في المُعتقَدات السائدة، لماذا؟ لأنه شكٌ معرفي، فقط بخصوص مسائل المعرفة التي نبحثها، أما الوجدانات كالحُب والكُره وهذا طيب وهذا خبيث وهذا كذا يُمكِن أن نُسلِم فيها بالذوق العام أو الحس البدهي – Common Sense – أو العقل المُشترَك، هذا أمر طبيعي، اعتقادات الناس كذلك، يُمكِن أن يكون الشاك – مثلاً – مُوافِق على دين من الأديان – غريب – ويتدين به مع أنه شاك معرفياً، اللافت للنظر أن كل أعلام الشك الإبستمولوجي كانوا يُسلِّمون بالعقائد السائدة، وهذا شيئ غريب، الآن يأتينا شخص يدّعي أنه شاك ويسير في طريق هؤلاء ويُشكِّك في كل شيئ، في أذواق الناس وفي عقائدها وفي موروثاتها وفي آدابها، نقول له أنت بدعٌ من كل الشكّاك، لم يُوجَد شاك على هذا النحو، لا بيرون Pyrrhon ولا تيمون Timon ولا أي أحد، كلهم من غير استثناء – من عند آخرهم – كانوا يتدينون بالأديان السائدة ويخضعون لمُقتضيات الذوق العام والتقاليد الشائعة بين الناس ومع ذلك عندهم شك معرفي في مسائل المعرفة، فهذا لا يتناقض مع هذا، فلابد أن نفهم هذا.

الآن الشك المعرفي من جهة منهجية ما الفرق بينه وبين الشك المعرفي من جهة مذهبية؟ طبعاً واضح، الشك إذا أصبح مذهباً فمعنى ذلك أنه أصبح عقيدة، أي أيدولوجيا، نستطيع أن نقول شبه أيديولوجيا، هو يُريد أن يشك ليشك، أصبح الشك أو آض الشك غايةً في ذاته، هو يُريد أن يشك لكي يشك فلا يُسلِّم بشيئ، هذا شك مذهبي، أما الشك المنهجي فهو كما قلنا وعبَّرنا عنه بأنه أشبه بالسلم أو الطريق التي ينتهجها الإنسان بيصل إلى غاية، فإذا وصل إلى الغاية استغنى عنها، إذا صعد بهذا السلم إلى سطحٍ استغنى عنه، لأنه وسيلة إلى غيره، فالشك المنهجي وسيلة، وسيلة إلى ماذا؟ إلى اليقين، الشك منهجياً يطلب اليقين، فإما وصل وإما انقطع، وضربنا مثلاً بمونتين Montaigne وبالذي عاصره تقريباً رينيه ديكارت René Descartes، مونتين Montaigne تُوفيَ في ألف وخمسمائة واثنين وتسعين، هذا الرجل بدأ شاكاً، طلب اليقين فشك شكاً منهجياً، لكنه لم يصل، قُطِعَ بالرجل ومات وهو في حالة عدمية نيهلية كما يُقال من التفكير، لم يصل إلى أي شيئ وتشتت، وفي آدابه وكتاباته يعرض لهذه الحالة النفسية المُؤرِّقة التي اجتاحته وهصرته هصراً في آخر حياته، رينيه ديكارت René Descartes جاء بعده بقليل – كان مُعاصِراً له – وخاض تجربة الشك وهي طبعاً الواضحة في كتبه المشهورة، في التأملات وفي مباديء الفلسفة وفي مقال في المنهج، وهذه كتب رينيه ديكارت René Descartes الشهيرة الثلاثة، الشك المنهجي يطبع هذه الكتب ثلاثتها، ديكارت ‌Descartes انتهى من الشك إلى ماذا؟ إلى اليقين، والعجيب أن ديكارت Descartes وهو المعدود كأب للفلسفة العقلية الحديثة وهي الفلسلفة التي نهضت لمُناهضة فلسفة الشك سواء في شكل ثورة مونتين Montaigne أو غيره استثنى النص الديني، نحن قلنا بدايةً من عشر النهضة اجتاحت موجات من الشك العقل العام، وذكرنا بعض الأسباب، منها الكشوف الجغرافية ومنها عودة المُبشِّرين من الشرق الأقصى وإلى آخره، فحدث شك عند الناس، بدأوا يشكون في دينهم وفي أصالة دينهم وفي صدقية مُعتقَداتهم، موجة شك تصدى لها رينيه ديكارت René Descartes، وفي الفلسفة أيضاً معرفياً تصدى ديكارت Descartes، العجيب أن ديكارت Descartes مُؤسِّس الفلسفة العقلية ويُعتبَر أبا الفلسفة الحديثة – أبو الفلسفة الغربية الحديثة رينيه ديكارت René Descartes، وهو طبعاً أبو الفلسفة العقلية الغربية على وجه التخصيص – استثنى النص الديني، من ماذا؟ من سُلطة العقل، قال النص الديني شيئ آخر، النص الديني يُؤخَذ بلطف إلهي، طبعاً مفهوم اللطف أو النعمة – Grace – مفهوم نصراني، قال النص الديني نازل ويُؤخَذ ويُفهَم بلطفٍ إلهي، وليس من الصحيح أن نُعمِل فيه قوة العقل، فهو جعله استثناءً، الذي أُرجِّحه والذي رجَّحه كثير من مُؤرِّخي الفلسفة أن ديكارت Descartes فعل هذا مُحافَظةً على حياته، وإلا الرجل فيلسوف مذهبي نسقي، فعليه أن يُطبِّق مبادئه على كل شيئ، فلماذا استثنى النص الديني؟ خاف، مع أنه في الوقت عينه عارض وناهض كلتي السُلطتين: السُلطة الدينية مُمثَّلةً في الكنيسة والسُلطة العلمية مُمثَّلةً في أرسطو Aristotle ومدرسته، فهو ناهض السُلطتين وعبَّر عن ذلك، لكنه قال المسائل الوحيانية – مسائل الوحي والعقائد – على العين والرأس، وهذه حتى لا نُعمِل فيها العقل، فهنا لم يكن عقلانياً، لدى حديثنا بعد قليل عن العقلانية – Rationalism – سوف نرى أن لها عدة معانٍ، من ضمن هذه المعاني ما لا يستثني النص الديني، يُعاد تأويل النص الديني بمُقتضى العقل كما فعل الديكارتي الكبير أيضاً – أول خلف ديكارت Descartes من العظماء – باروخ سبينوزا Baruch Spinoza اليهودي الهولندي إسباني الأصل، فهذا أعمل العقل في كل شيئ وبالذات النص الديني، ورسالته الشهيرة جداً رسالة في اللاهوت والسياسة تشهد بذلك وتشهد عليه.

الشك المنهجي إخواني لم يبدأ مع ديكارت Descartes، نحن قلنا في الحلقة السابقة أبو حامد الغزالي – مثلاً – كان أستاذ ديكارت Descartes الحقيقي في هذا الباب وهو صورة مُستنسَخة منه أو بالأحرى مسروقة، صورة مسروقة وغير معزوة، لكن حتى أبو حامد لم يكن هو البداية، في تراثنا هناك الحسن بن الهيثم مثلاً، وكان يُؤكِّد على قيمة الشك المنهجي، وكان يقول الحقيقة تكمن في بطن الشك، وعنده كتاب اسمه الشكوك طبعاً، هذ المنهج الإسلامي، لا تُوجَد حقيقة تُؤخَذ من غير مُساءلة ومن غير اختبار وإعادة اختبار وطرح تشغيبات وشُبهات، هذا التفكير الإسلامي الأصيل وليس التفكير التقليدي، الجاحظ – مثلاً – المُفكِّر والأديب المُعتزِلي الشهير يتكلَّم عن الشك بتمجيد طويل في كتبه ويدعو إليه، فلابد أن تبدأ شاكاً، لكن الجاحظ ليس البداية وليس حتى النص الإسلامي هو البداية، البداية أيضاً تنحدر قدماً إلى سقراط Socrates، سقراط Socrates يُعتبَر من شيوخ الشكّاكين منهجياً، وشكه كان ذا شُعبتين، الشُعبة السلبية والشُعبة الإيجابية، الشُعبة السلبية المعروفة بالتهكم السقراطي سوفرتاطك Socratic irony، وكانت وظيفة التهكم السقراطي التخلية، أن يُخلى العقل من الأفكا الفاسدة والأفكار غير الصالحة بالتهكم، يطرح عليك شيئاً فأنت تُعرِب عما تعتقد ويبدأ هو يسخر من هذا أو يحملك أو يحمل الآخرين على أن يسخروا من هذه الفكرة، يقول لك هل أنت تعتقد بهذا الكلام؟ بطريقة مُعيَّنة، هذا اسمه الشك السقراطي، وبعد أن تتنازل عن هذه الفكرة وتكون وتُصبِح مُستعِداً أن تتخلى عنها – مُصطلح التخلي هو مُصطلَح صوفي، التخلية والتحلية – وتُخلي ذهنك من هذه الفكرة يبدأ بالجانب الإيجابي أو بالشُعبة الثانية الإيجابية وهي استيلاد الفكرة الصحيحة، سقراط Socrates لا يُلقِّن، سقراط Socrates طريقته لم تكن تقوم على التلقين وإطعام الأفكار واستجوافها وبلعها، لا يُوجَد استجواف في الأفكار، وإنم تقوم طريقته على استيلاد الأفكار، بطريق ماذا؟ الحوار Dialogue، الحوار العميق والهاديء، أي على نار هادئة، في نهاية المطاف أنت تشعر من نفسك بأنك تَلميذ – مفتوحة التاء – وأستاذ، فأنت تلميذ عبر الحوار مع سقراط Socrates وأستاذ لأنك تشعر أن هذه الفكرة فعلاً كانت لديك وأنه أمكنك أن تصل إليها بضرب من ضروب الهداية، فهو هداك عبر هذا الحوار حتى لا يشق عليك، وهذا أسلوب تربوي ناجح، فهو لا يقوم على التلقين فقط وإنما على المُحاوَرة، لدينا في الفقه الإسلامي أكبر إمام اشتغل على هذه الطريقة ونجح فيها وهو أبو حنيفة النعمان رضوان الله عليه، أبو حنيفة لم يكن يُلقِّن تلميذه، كان يستخرج الأحكام بالمُحاوَرة الدائمة معهم، والمسألة قد تستخرج أسبوعاً أو أسبوعين أو شهوراً، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، بعض المسائل تستغرق شهوراً طويلة، ومع كم؟ مع ألف من التلاميذ، كان له ألف، فحلقته فيها ألف من طلّاب العلم الذين يتخرَّجون به، يُحصَرون ويُختزَلون ويُصفَون بعد ذلك في مائة والمائة في عشرة والعشرة في اثنين، يعقوب بن إبراهيم الكُليني المعروف بأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحب الكتب الشهيرة طبعاً وله فضل كبير على المذهب، فسقراط Socrates كان كذلك.

أرسطو Aristotle في كتابه ما بعد الطبيعة – هو طبعاً لم يُسمه كذلك كما قلنا لكم، لكنه سُميَ ما بعد الطبيعة – يدعو إلى الشك المنهجي، لا يُسميه شكاً منهجياً لكنه يدعو إلى الشك، أنت تشك في كل شيئ وأن تُعيد اختبار كل شيئ، إذن أرسطو Aristotle كان يقول بالشك المنهجي، وهكذا أفلاطون Plato إلى حدٍ ما، والتراث الإسلامي كما قلنا، وبعد ذلك جاء رينيه ديكارت René Descartes، ديفيد هيوم David Hume شكّاك واسمه شيخ الشكّاك، ديفيد هيوم David Hume اليوم سنقف معه وقفة مُطوَّلة قليلاً لكي نفهم فلسفته ونرد عليه، ديفيد هيوم David Hume كان يدعو إلى الشك ويُسميه الشك الأكاديمي، أصالة الشك الأكاديمي، الشك الأكاديمي – Academic skepticism – هو الشك العلمي كما نُسميه الآن، وطبعاً بعد ذلك مُعظَم الفلاسفة صاروا يحترمون ويُوقِّرون هذه الطريقة في البحث القائمة على الشك.

ذكرنا لكم أمثولة في حلقة سابقة وهي أمثولة سلة التفاح، حين بعث ديكارت Descartes إلى الأب ميلان Milan – والأب ميلان Milan كان أحد أصدقائه وأيضاً كان مُفكِّراً – بهذه الأمثولة التي تُوضِّح مذهبه في الشك المعرفي أو الشك الإبستمولوجي، نأتي الآن إلى مسألة أُخرى وهي طبيعة المعرفة، ما معنى طبيعة المعرفة؟ طبيعة المعرفة تعني كيفية العلم بالأشياء، كيفية علم الإنسان بالعالم الخارجي، طبيعة العلاقة بين قوانا المُدرِكة وبين الأشياء المُدرَكة هل هي علاقة مُطابَقة ومُشابَهة أم علاقة استنساخ – مثلاً – أم علاقة وهمية زائفة؟ لا ندري، وفي الجواب عن هذه الأسئلة الكبار يتحصَّل لنا مذهبان كبيران، مذهب المثالية – Idealism – أو الصورية، يُقال له الصورية أو المثالية، وطبعاً مشهور المثالية أكثر من الصورية في الترجمة، وبالإزاء – أي في القُبال – مذهب الواقعية Realism، إذن لدينا المثالية والواقعية، باختصار قبل أن نتكلَّم عن كلٍ بكلمات أيضاً مُوجَزة نُحِب أن نُعرِّف كل من المذهبين بجُملة واحدة، ما هي المثالية؟ وما هي الواقعية؟ باختصار المثالية لا ترى حقيقة للأشياء الخارجية، لا تعترف بخارجية الأشياء، كيف هذا؟ وما هذا العالم الذي أمامنا؟ وما هي قيمته؟ يقول لك هذه كلها أفكار، تعترف بوجود العالم لكن على أنه أفكارنا، فهي تعترف بالعالم لكنها تقول العالم أفكارنا، لا يُوجَد عالم مُتخارِج وحده، بمعنى أنه لو عُدِم المُدرِك ينعدم العالم، أي ينعدم الخارج، فهذه كلها أفكار، وهذا أمرُ عجيب، هل هذه كلها أفكار نحن نُولِّدها؟ هذه أفكاري أنا فهل هي أفكارك؟ ولماذا هي مُتطابِقة إذن؟ سوف نرى، طبعاً هؤلاء فلاسفة وليسوا أُناساً عُبطاً، وهذه نظرية في مئات الصفحات ويُجيبك عن كل شُبهة، يُخرِّج لك كل شُبهة، وسوف نرى أكثر الطروحات المثالية إسرافاً في المثالية وهب أطروحة جورج بيركلي George Berkeley وكيف يُجيب الرجل عن هذه الأشياء، يُجيب عن كل شيئ ويقول لك أعترف بالوجود لكن على أنه موجودي كأفكاري أنا، لو أُعدِمت أنا ينعدم كل شيئ، هذه هي المثالية، ما علاقتها بمثالية أفلاطون Plato؟ سوف نرى الآن، هناك الواقعية، وهي على الضدد من المثالية على طول الخط، تُسلِّم وتُقِر بعينية الأشياء، تقول بالعكس هي موجودة في عين الواقع، سواءٌ رصدناها أم لم نُوجَد لنرصدها هي موجودة، أدركناها أم لم نُدرِكها هي موجودة، وهنا قد يقول لي أحدكم هذا المنهج وهذه الطريقة هي الطبيعية، وهذا صحيح طبعاً، البشر عموماً واقعيون، البشر ليسوا مثاليين، انتبهوا إلى أنني لا أتحدَّث عن مثالية في الأخلاق – يُقال هذا مثالي – وإنما في المعرفة، فالكلام الآن في المعرفة وليس في الأخلاق والسلوك والقيم وإنما في المعرفة، البشر بطبيعتهم واقعيون، ولذلك لو سأل أحد ماذا تُقدِّرون في الأسبقية بالنسبة لهذين المذهبين أو هاتين الطريقيتين في التفكير؟ الأسبقية لمَن: للواقعية أو للمثالية؟ للواقعية، لأنك بشر فطبيعي أن تكون واقعياً، فهو لا يشك في هذه الأشياء، هذا كله موجود، ولذلك الواقعية سبقت المثالية، وبعد ذلك تلتها المثالية، نعود الآن إلى موضوع الروحية – مثلاً طبيعة الوجود – والمادية، ماذا تُقدِّرون في الأسبقية؟ أيهم أسبق: المذهب الروحي أو الروحاني في تفسير العالم – الروحية الواحدية أو الروحية المُتكثِّرة كما شرحناها – أم المادية؟ المادية، هذا نفس الشيئ، البشر يرى القريب، القريب هو المادة، ويقول كل شيئ مادي ويُفسِّر بهذا ثم يترقى بعد ذلك ويُجرِّد أفكاره ويقول لا، يبدو أن العالم عنده جوهر روحاني أكثر، لا تكفي المادة لتفسيره، فالبداية الطبيعية هي المادية وهكذا يقول على الأقل الفلاسفة، قد نُخالِفهم وقد يُخالِفهم بعض الفلاسفة الدينيين ويقولون الإنسان كائن فطري ومُزوَّد بالإيمان بالمُجرَّد والمُفارِق بالفطرة في قعر النفس، وهذ الكلام أيضاًغير بعيد من الصواب، لماذا؟ ذات مرة فكَّرت في ظاهرة غريبة جداً جداً ربما لم تُدرَس بشكلٍ كافٍ وهي ظاهرة تسليم الأطفال الصغار لعقائدة كبيرة جداً، وهي عقائد مُحيِّرة، فهي تُحيِّر الكبار، حين كنا صغاراً كنا نسأل مَن رب هذه الأشياء كلها؟ هذا سؤال فلسفي كبير وهو دليل من الأدلة على إثبات وجود الله وهو دليل قرآني لم يُلتفَت إليه، أنا حقيقةً لم أقع على عالم من علماء الكلام التفت إلى هذا الدليل وهو دليل قرآني ودليل ملموس في كل طفل صغير، الطفل يسأل لمَن هذا؟ ولمَن هذا؟ نقول لله، والقمر لمَن؟ لله، مَن رب القمر؟ الله، مَن رب السماوات والأرض؟ الله، ويتقبَّل هذا، مَن الله؟ نقول له الله هو خالق كل شيئ وهو كبير، فيتقبَّل الطفل مُباشَرةً مع أنها فكرة صعبة جداً جداً جدا وهي أكثر الأفكار تجريداً، المفروض أن يقول الطفل ما معنى الله؟ وكيف يكون الله؟ وكيف يكون رب هذه الأشياء؟ ويرفض، لكن الطفل لا يرفض ويتقبَّل، بسرعة يتقبَّل وهذا شيئ غريب، بعد ذلك حين يبدأ ينضج قليلاً يبدأ يسأل عن طبيعة الله، يظن أن لله طبيعة مُعيَّنة، أي أن لله ماهية مُعيَّنة، أليس كذلك؟ وطبعاً إذا أردنا أن نكون دقيقين فالمفروض أن ليس لله ماهية، ماهية كل شيئ تتكوَّن من جنسه وبعد ذلك من فصله، هل الله له جانس؟ ليس له هذا، لا إله إلا هو، هو وحده وانتهى الأمر، فهو ليس له ماهية، نعم هناك وجود لكن الماهية غير موجودة لعدم وجود جنس، جنس ماذا؟ لا يُوجَد جنس لكي يتميَّز بعد ذلك من آحاد جنسه بفصل يخصه، هذا الكلام غير موجود، لكن الطفل يتقبَّل هذا، كيف يتقبَّل هذا، هذا برهان وهو برهان عميق جداً جداً، ركزه الله في فطرة النفس الإنسانية والنفس البشرية، والقرآن ملآن وطافح بتقرير هذا البرهان على وجوه مُتعدِّدة، كيف؟ يسأل الله دائماً قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ۩، قال الله لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۩، كل الآيات التي تتحدَّث عن مُلك الله – تبارك وتعالى – وعن مِلكه – يُوجَد مُلك ويُوجَد مِلك لله وهما قريبان في المعنى – تتحدَّث عن برهان التابعية، أنا أسميته برهان التابعية، اليوم أنتم ترون قبل أن يرتقي البشر هذا المُرتقى الصعب في التقنيات وهذه الأشياء كان يُمكِن أن نجد جزائر – جمع جزيرة Island – غير مأهولة ولا تتبع أحداً، قبل خمسمائة سنة وقبل الكشوف الجغرافية أماكن كثيرة لم تكن لا مأهولة ولا مُكتشَفة، أليس كذلك؟ لكن بعد أن استبحر الإنسان في العمران وفي التقنيات ولم يدع شبراً على ظهر هذه البسيطة ولا في قعر البحر إلا اكتشفه وإلا وضع سُلطانه عليه لا تجد الآن جزيرة صغيرة في البحر إلا تتبع قوة عُظمى، هذه تابعة لبريطانيا أو لأمريكا أو لفرنسا أو لهولندا وهكذا، فهذا ضروري، أليس كذلك؟ مع قوة سُلطان الإنسان وضع يده على كل شيئ، ربنا قال لك مُنذ البداية كله تحت يدي، لا يُوجَد شيئ خارج عن مُلكي إطلاقاً، فاليوم العقل لا يُمكِن أن يستوعب أو يحلم بعض الطامعين من الرأسماليين أن يبحث عن جزيرة ويأخذها له، أنت مسبوق إليها، أينما تذهب سوف تجد أنها تتبع أحداً، كل شيئ يتبع شيئاً، حتى في كواكب المجموعة الشمسية التي تتبع الشمس، والمجموعة الشمسية جُزء من المجرة، والمجرة جُزء من المجموعة المحلية، هكذا صنَّف العلماء، وهذا هو الصحيح فعلاً، وهناك أشياء رياضية مُعيَّنة تجعل هذه التابعية الكونية مقبولة، لماذا بنى الله الكون وهذا المعمار الكوني الهائل على هذا القانون، أي قانون التابعية؟ لكي نسترشد به دليلاً عليه وإليه لا إله إلا هو، أليس كذلك؟ وهكذا الطفل يُفكِّر بهذه الطريقة، ما دام كل شيئ يتبع شيئاً فهذا الكون كله وكل شيئ يتبع مَن؟ يتبع الله، هذا هو، هذا برهان التابعية، ويستوعبه الطفل بالفطرة، حين تقول له هذه الشمس البعيدة جداً – هذه مائة وخمسون مليون كيلو متر – لله يقول لك نعم هي لله، هو ربها، فهو يقبل هذا، لأن الفطرة تقبل أن كل شيئ لابد أن يكون تابعاً لشيئ، لا يُوجَد شيئ همل وسُدى، فهذا اسمه برهان التابعية، فلو قيل إن الإنسان رُكِزَ في فطرته مُنذ البداية الإيمان وقابلية الإيمان هذا سوف يكون صحيحاً، فيُمكِن أن يكون التفسير الروحي أو الروحاني للعالم أسبق من التفسير المادي، قال الله كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ۩ وإلى آخره، فهم بدأوا على التوحيد، وبالمُناسَبة أنا الآن تذكَّرت – مثلاً – عالم السنسكريتية المشهور والخبير في الميثولوجيا Mythology – علم الأساطير – ماكس مولر Max Müller اليهودي الألماني في بداية القرن العشرين، ماكس مولر Max Müller خبير في الأشياء التي ذكرت لكم، هذا الرجل انتهت به أبحاثه إلى أن البشرية بدأت بالتوحيد ثم تطرَّق إليها الشرك والتعديد، هذا جميل جداً، وهذا ينطبق مع القرآن الكريم، بخلاف المشهور جرياً على عادة التطوّريين الاجتماعيين، أتباع منهج أو مدرسة هربرت سبنسر Herbert Spencer، قالوا البشرية بدأت بالشرك والتعديد وبعد ذلك انتهت إلى التجريد والتوحيد، القرآن يقول لا، قال الله كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ۩، لأن أول الناس مَن هو؟ آدم عليه السلام، وهو كان مُوحِّداً، إذن المُجتمَع البشري بدأ مُوحِّداً وبعد ذلك تطرَّق إليه التعديد والشرك، وهذا هو الصحيح، ماكس مولر Max Müller وغيره انتهوا إلى هذه النتيجة ببعض الأدلة والأشياء، التطوّريون قالوا العكس، للأسف وجدنا بعض المُفكِّرين الذين نحترمهم مثل الأستاذ الكبير عبّاس العقّاد ومُصطفى محمود وغير هؤلاء رددوا لمُجرَّد التقليد نظرية التطوّريين وهم من أذكياء المُفكِّرين ومن الناس الطيبين، قالوا كان يُوجَد الشرك وبعد ذلك البشرية وصلت إلى التوحيد، وهذا غير صحيح على كل حال.

إذن المثالية أو الصورية لا تعترف بعينية الأشياء ولا بخارجيتها وتراها مُجرَّد أفكار، أما الواقعية فتعترف للأشياء بوجدوها المُستقِل العياني الخارجي والذي لو قدَّرنا معه فناء الجنس البشري وفناء كل مَن يعقل ويُدرِك لبقيت الأشياء كما هي موجودة، ولو قدَّرنا بعث هذا المُدرِك مرة أُخرى لوجدها على حالها، وطبعاً واضح أنه من ناحية علمية لابد أن يكون مذهب الواقعية هو الصادق، أليس كذلك؟ لا يُمكِن تفسير حقائق العلم مُطلَقاً إلا ضمن الطريقة أو المنظور أو المُقارَبة الواقعية، وإلا كيف نقدر على أن نُقدِّر عمر الصخور ونستخدم طريقة الكربون 14 Carbon-14؟ هذا يعني وجود واقع خارجي، رصدته أم لم ترصده هو موجود وتعمل فيه قوانينه، أليس كذلك؟ هذا هو طبعاً، فالعلم كله يسقط بالنظريات المثالية إلا مع تكلّف شديد جداً جداً جداً، أشعة Röntgenstrahlen – أشعة إكس X rays كما يُسمونها – كيف تم اكتشافها؟ بالصُدفة، حين رأى تأثير مصدر هذه الأشعة في اللوح الحسّاس، هو لم يكن على باله ولا في خاطره موضوع هذه الأشعة، لكن هذه الأشعة اكتشفنا أنها موجودة من ملايين السنين، من أول يوم خلق فيه الله هذا الكون كانت موجودة على الأرض لكن الآن اكتشفناها، سواء اكتشتفها أو لم تكتشفها هي موجودة وفاعلة، وقد تأخَّر اكتشافنا لها عشرات ألوف السنين كجنس بشري، لكنها موجودة وتفعل، وتاركة آثارها في مُؤثِّراتها، وهكذا في كل الأشياء، أليس كذلك؟ كما يترك الزمن بصمته وآثاره في الصخور وفي الجبال وفي سيف البحار وإلى آخره.

نعود الآن مرة ثانية، نبدأ نُفصِّل كلمة عن الواقعية لنعود إلى المثالية لأنها أكثر تعقيداً وغموضاً نوعاً ما، فنبدأ الآن بالواقعية، الواقعية ليست واقعية واحدة وإنما هي واقعيات، أنا سأذكر منها فقط مدرستين لأنهما الأهم والأخطر، الباقي تنويع عليها وخاصة على الواقعية النقدية المُسماة بالتقليدية، الواقعية الأولى مُسماة بالواقعية الساذجة، علماً بأن كلمة ساذَج بفتح الذال، فالواقعية الساذجة هي Naïve realism، لماذا سُميَت ساذجة؟ هي واقعية ساذجة لفرط ثقتها بالحس، تثق بالحس ثقة مُطلَقة، ما يُؤديه إلينا الحس يقع منا موقع الثقة والقبول، وهذه سذاجة، هذا يعتبَر سذاجة لأن الحس – كما قلنا – يُخدَع والحس يُخطيء، مثل قضية القلم الذي ينكسر في الإناء، فهنا الحس أخطأ، وكذلك يرى الإنسان البعيد صغيراً والقريب كبيراً مع أن ذاك كبير في ذاته وهذا صغير في ذاته، فإذن هو ينخدع، لو أتينا بثلاثة من الآنية – وهذ مثال مشهور جداً – مثلاً، الأول فيه ماء شديد الحرارة، والثاني فيه ماء شديد البرودة، والثالث فيه ماء عادي فاتر كالذي نشرب مثلاً، ووضعنا يدنا اليمين في الماء شديد الحرارة ثم أخرجناها فوضعناها في الماء الفاتر كيف نجده؟ شديد البرودة، مع أنه ليس شديد البرودة، فالحس هنا خدعنا، أليس كذلك؟ نجده شديد البرودة وهو ماء عادي فاتر، ولو وضعنا يُسرانا أو شمالنا في الماء شديد البرودة وأخرجناها ثم وضعناها في الماء الفاتر سوف نجده شديد الحرارة، أي حار جداً، لأنها كانت في ماء شديد البرودة، إذن يُخدَع الحس، فالحس يُمكِن خداعه بسهولة وهذا أمر واضح، ولو لم يكن من خداع الحس إلا أننا نلحظ ونرصد أن الأشياء يتغيَّر مظهرها وتتغيَّر هيئاتها باختلاف زاوية النظر لكفى، أليس كذلك؟ زاوية النظر لابد أن تُؤدي إلى اختلاف المنظر، طبيعي أن تُؤدي إلى اختلاف المنظر، وهذا كان أولاً، ثانياً بالقُرب والبعد يختلف حجم الأشياء، وأحياناً تختلف هيئاتها، بقوة الإضاءة أو ضعفها أو انعدامها يحدث نفس الشيئ، لو انعدمت لن نرى شيئاً، ولو كانت ضعيفة نرى رؤية مُغبَّشة ومُشوَّهة، ولو كانت قوية نرى رؤية أقرب إلى الكمال، وهذا عجيب، هذا يعني أن الحس ليس موضعاً للثقة المُطلَقة لكي نثق به، واضح أنه ليس على هذا النحو، ولذلك هذه الواقعية كانت واقعية ساذجة، يُعبَّر عنها كالتالي، جون ستيوارت ميل John Stuart Mill ابن جيمس ميل James Mill قال العالم قبل إدراكنا له هو هو بعد إدراكنا له، وطبعاً أبوه فيلسوف كبير وهو ابن فيلسوف، وهو أحد العباقرة العجيبين، هذا كان عمره أربع سنوات وكان يعرف الإنجليزية واللاتينية والإغريقية ودرس المنطق والفلسفة، ولك أن تتخيَّل هذا، جنَّنه أبوه، وحين بلغ الثامنة عشرة من عمره أُصيب بعُقدة نفسية طبعاً وانهار الرجل عصبياً، أبوه من الصغر علَّمه هذا وهو شيئ غريب، كان عمره أربع سنوات وكان يعرف هذه الأشياء، فجون ستيوارت ميل John Stuart Mill فيلسوف كبير، ومع ذلك كان في رؤوس القائلين بالواقعية الساذجة، كان يقول العالم قبل إدراكنا له هو هو بعد إدراكنا له، نحن نُدرِك العالم كما هو تماماً، وهذا يعني أن العلاقة بين قوى الإدراك وبين العالم علاقة استنساخ وعلاقة مُطابَقة وعلاقة مُشابَهة، فصوة العالم في إدراكنا هي نُسخة طبق الأصل للعالم في ذاته، أي كما هو في ذاته، وهذه سذاجة، واضح أن الأمر ليس كذلك، اليوم لا يُمكِن أن يُوافِق عالم في الأعصاب على هذا الشيئ، لا يُمكِن أن يُوافِق، حتى الأدلة العصبية العلمية ترفض هذا، لا يُمكِن فهذا خطأ واضح جداً، ولذلك عدلوا بعد أن عدَّلوا في هذه الواقعية الساذجة عنها إلى الواقعية النقدية، فهم عدلوا عنها بعد أن عدَّلوها إلى الواقعية النقدية وهي تُسمى أيضاً بالواقعية التقليدية، أي الواقعية النقدية Critical realism أو الواقعية التقليدية Traditional realism، هذه جميلة وسوف ترون أنها ستروق لكم حقيقةً، وهذه الواقعية النقدية أو التقليدية هي المُعتمَدة في العلوم الطبيعية، ماذا تقول الواقعية النقدية؟ تقول نحن نُدرِك بقوانا العقلية والإحساسية – قوى الحس فينا – ليس عن طريق المُطابَقة وإنما عن طريق التعديل، طبعاً نُريد أن ننتبه دائماً يا إخواني إلى خطأ كبير يقع في أكثر المُتكلِّمين منا، حيث يُعادَل بين الشعور والأحساس وهذا خطأ، الشعور هو قوى الباطن أما الإحساس قوى الظاهر، فلا تقل أحسست بأنه يكرهني، هذا خطأ، قل شعرت بأنه يكرهني، الإحساس يعني أنني رأيته أو سمعته أو ذقته أو لمسته أو شممته، هذا الإحساس، إذا قلت فهذا هو الإحساس، وإذا كنت ستقول شعرت لا تقل شعرت بأذني وما إلى ذلك، فشعرت تأتي مع القوى الباطنة، هذا هو الشعور وهذا هو الإحساس، الإحساس ليس باطنياً عموماً إلا على سبيل المجاز، فالإحساس ظاهري، إذن هذه قوى الإحساس وهذه قوى الإدراك، أي الظاهرة والباطنة، قالوا نحن نُدرِك العالم لكن ليس على طريقة المُطابَقة – ليست مُطابَقة أو نُسخة كربون Carbon، فهذا غير صحيح – وإنما على طريقة التعديل، فالصورة الحاصلة عن العالم أو أشيائه في أذهاننا هي صورة مُعدَّلة عن هذا العالم، ما الذي قام بتعديلها؟ الذهن أو العقل، أي قوانا العقلية، فإذن العقل ليس قوة سلبية أو قوة غير ذات فعل، بالعكس هو قوة فاعلة ونشيطة ودائماً يظهر فعلها، حتى مع أي إحساس بسيط يظهر فعلها، وسوف نرى هذا بعد ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

سأضرب لكم مثالاً وأي أحد درس هذه العلوم سوف يقو هذا كلام صحيح، لماذا؟ لأننا درسنا أن القط يرى الأشياء بطريقة مُختلِفة، الألوان الحصان يراها بطريقة مُختلِفة، النحل تراها بطريقة مُختلِفة، الفئران تراها بطريقة مُختلِفة، كل أحد يرى بحسب جهازه البصري وبحسب تكوين دماغه، كيف يُترجِم هذه الأشياء؟ نحن نراها بهذه الطريقة، ونحن نعرف ما معنى اللون في الفيزياء، هذه موجات ذات تردد مُعيَّن تقع بعد ذلك عن طريق موجات الضوء على الشبكية ويحدث تصالب في المخ والمخ يُفسِّر هذا الشيئ بشيئ اسمه اللون، اللون الأخضر أو الأحمر أو البنفسجي وإلى آخره، وهذا جميل جداً، إذن قدرة هذا القلم ليست حقيقة مُستقِلة بذاتها، لكن شروطها الخارجية قائمة هناك لا تتغيَّر ولا تتوقَّف علينا، وهذا التعبير دقيق وهو من عندي، أعني تعبير شروطها الخارجية، عموماً في الكتب الفلسفية يُقال شروطها وهذا غير صحيح، فشروطها قسمان لمَن تأمَّل، شروط إدراك خُضرة الأخضر وحُمرة الأحمر وزُرقة الأزرق وإلى آخره شروط مُركَّبة من شيئين، شروط خارجية مُستقِلة هنالك وحدها بغض النظر عنا، وهي لا تُساوي الخُضرة، وإنما تُساوي شطر الخُضرة، تُساوي جُزءاً منها ولا تُساوي الخُضرة ككل، وشروط خارجية تتعلَّق بجهازنا الإبصاري وبدماغنا، أي بقوانا الإدراكية، إذا اجتمعت هذه الشروط وتكاتفت وتآزرت مع هذه الشروط وفعلت معها سويةً ماذا ينتج؟ إدراك خُضرة الأخضر وحُمرة الأحمر وإلى آخره، لكن هذه الواقعية النقدية تعترف – كما قلت لكم وهو مُهِم – بأن على الأقل شطر الشروط أو جُزء من الشروط أو بعض شروط خُضرة الأخضر وحُمرة الأحمر – طبعاً والأشياء الثانية، والملمس والشم وكل شي، فالأمر لا يتقصر فقط على الألوان – موجودة في الخارج ومُستقِلة عنا، وُجِدَنا أم لم نُوجَد هي موجودة، لكن لا يُمكِن أن ينشأ الإحساس باللون الأخضر إلا مع تكاتف الشروط الأُخرى الداخلية الذاتية، أعني شروط الإنسان، فيأتي الإنسان ويُعمِل حواسه ثم يعمل عقله ودماغه فيُدرِك منظر الأشياء وحجمها وبُعدها وقُربها وملمسها ورائحتها وإلى آخره، وهذا الكلام علمي وهو الصحيح، وهذا يُذكِّر بالذي قلته في أول يوم في هذه الدورة لبعض إخواني لكنهم لم يكونوا في الجلسة، قلت لهم هناك سؤال مشهور يسأله العلماء والفلاسفة، لو وقعت شجرة في غابة وهذه الغابة ليس فيها إنسان هل يصدر لها صوت؟ الآن نحن فهمنا الجواب، إذا قلت نعم تكون غلطت وإذا قلت لأ تكون غلطت، فالجواب بنعم غلط والجواب بلا غلط، الجواب مُركَّب، سوف تقول أول شيئ قبل أن أُجيب – هناك مُغالَطات كثيرة يقع فيها الناس بسبب أنهم يُخدَعون بالسؤال، السؤال فيه خطأ او فيه نقص، السؤال غير مُحرَّر – عرِّف لي الصوت، ما هو الصوت؟ كما اللون أيضاً، الصوت كاللون، ما هو اللون؟ لا يُوجَد شيئ في الخارج اسمه اللون أبداً، لكن يُوجَد جُزء من شروط إدراك اللون موجودة في الخارج، والأجزاء الأُخرى تختص بي أنا كإنسان وكمُدرِك، وكذلكم الصوت، أليس كذلك؟ ما هو الصوت؟ حين تقع الشجرة وترتطم بالأرض نسمع صوتً، حتى وهي واقعة ترتطم بالهواء وتتضاغط طبقات الهواء نسمع صوتاً مثل (شششششش)، أليس كذلك؟ وهي واقعة نسمع (شششششش)، ما هذا؟ لماذا نسمعه؟ لأن هذا تضاغط الهواء وبالاحتكاك مع الفروع والأغصان يحدث هذا الصوت وكذلك نفس الشيئ مع الارتطام بالأرض فنسمه هذا الصوت، هذا التضاغط والانضمام بغير جهازنا السمعي لا يُمكِن أن يصير صوتاً، هو يُساوي صوتاً عندنا نحن بجهازنا السمعي والإدراكي، هكذا يحدث الصوت، لكن لو لم تكن هناك شجرة ولم تكن هناك عوامل إحداث التضاغط هل سوف نسمع؟ لن نسمع، فهذا يعني أن الصوت ليس ظاهرة صوتية، وفي نفس الوقت ليس ظاهرة موضوعية، هو ظاهرة ذاتية موضوعية مُركَّبة من الاثنين، هذا ليس حلاً وسطاً، هذا حل علمي، وهذا باختصار ما تقول به الواقعية النقدية، وهو كلام جميل وجميل جداً، فعلاً عنده بُعده فلسفي وفي نفس الوقت عنده صدقيته العلمية، فالعلم يقول كذلك.
إذن في الحاصل الإدراك والمعرفة ليسا صورة مُطابِقة كما زعمت الواقعية الساذجة ولكنهما صورة مُعدَّلة كما ادّعت الواقعية النقدية أو التقليدية، نأتي الآن إلى المثالية أو الصورية، إيمانويل كانط Immanuel Kant أو عمانوئيل كانط – عمانوئيل ترجموها بالإلماني إيمانويل Immanuel، وهذه الكلمة تعني عطية الله – ادّعى في نقد العقل المحض أمراً مُهِماً، علماً بأن هذا كتابه الأعظم بلا شك والأشهر على مُستوى العالم، ادخلوا على أي موقع في الإنترنت Internet واكتبوا كانط Kant وسوف ترون أي مقالة عن فلسفته مُترجَمة تقريباً بحوالي أربعين أو خمسين لغة، شيئ غريب، وهناك لغات لا نفهمها حتى، فالعالم كله يعرف كانط Kant، العالم كله يدرس كانط Kant، فهو فيلسوف هائل القيمة، وكتابه هذا مُهِم إلى درجة غير عادية على الإطلاق حقيقةً، فكانط Kant حين تحدَّث عن المثالية تحدَّث عن أفلاطون Plato، لكن الرجل كان من الذكاء ومن الدقة الفلسفية بحيث أعطى مثالية أفلاطون Plato فعلاً قدرها اللازم لأنها ليست مثالية كما نعتقد، نعم تُسمى مثالية بسبب موضوع الأفكار والأفكار في العالم لكن أفلاطون Plato لدى التحقيق ليس فيلسوفاً مثالياً بمقدار ما هو فيلسوف واقعي مُسرِف في الواقعية، قل لي كيف؟ أولاً ليس من دليل في كل مُحاوَرات وكتب أفلاطون Plato على أن هذا الرجل يُنكِر العالم الموضوعي، لا يُوجَد هذا أبداً، فهو لم يُنكِره، كان يعترف به، كان يعترف بموضوعية الإحساسات وموضوعية الأشياء لكنه زاد على ذلك فأسرف في الاعتراف بموضوعية الأشياء مُجاوِزاً إياها إلى الاعتراف بموضوعية الأفكار الكُلية، أليس كذلك؟ فاعتقد أفلاطون Plato عكساً للاسمانيين أو الاسميين الذين أنكروا الكُليات بعكس ما اعتقدوا، قال بالعكس هذه الكُليات موجودة ولها وجود حقيقي، هي ليست مُجرَّد عمل عقلي، لها وجود حقيقي ماثل هناك في عالم آخر، وهو عالم كامل Perfect world، فهي موجودة وهي موجودة حقيقةً، موجود مثال الحصان ومثال الكوب ومثال الإنسان – مثلاً – وهو المثال المُطلَق الاكامل، نحن صوَّر مُشوَّهة منه، لنا واقع لكنه واقع مُشوَّه، الواقع الكامل في العالم الآخر، الآن هذه الفلسفة مثالية كما نفهم المثالية أم اتضح أنها واقعية؟ واقعية، هي مُسرِفة في لالواقعية لكنها تُسمى مثالية بسبب موضوع مُصطلَح الأفكار أو المُثل، أعني المُثل التي لها وجود موضوعي حقيقي، فعلينا ألا نظلم ونقول عكس هذا، لكن للأسف كثير جداً من الكتب الفلسفية المُتعجِّلة حين تُترجِم للمثالية تبدأ بأفلاطون Plato، تقول تجد جذورها عند أفلاطون Plato وهذا غير صحيح، فلسفته ليست مثالية وإنما واقعية، وهي مُسرِفة في الواقعية، تعترف بالواقع الموضوعي لكل ما يتعلَّق بالمحسات وتزيد عليه اعترافاً بالواقع الموضوعي للمُتعقَّلات أيضاً وهذا غريب، فهي موجودة وجوداً حقيقياً، طبعاً هل نقبل بهذا؟ لا نقبل، ونحن رددنا على الاسمانيين ورددنا على وليام الأوكامي William of Ockham وعلى ديفيد هيوم David Hume وعلى أمثال هؤلاء ومُمكِن أن نرد الآن بكلمة واحدة على أفلاطون Plato ونقول له هذا غير صحيح، سوف تنقول له هذه المُثل التي تحدَّثت عنها بمعنى المفاهيم الكُلية الماهوية – المفاهيم الأولى الماهوية – يا أفلاطون Plato غير صحيح أن لها أي وجود كامل في عالم آخر كما تعتقد، سوف يقول لماذا؟ سوف نقول له لأن منها ما لا يقبل الوجود أصلاً كمفهوم المُستحيل والمعدوم، وهنا سوف يُخربّط الرجل ويقول هذا صحيح فأنا لم انتبه إلى هذه المسألة من قبل، وهذا هو الصحيح طبعاً، ولذلك أفلاطون Plato في آخر حياته شك في فلسفته المثالية هذه، فهو شك طبعاً وكتب أشياء تُؤكّد أنه بدأ يشك فيها ويتراجع عنها، لوجود مفاهيم كُلية ومعقولات أولى أو مفهومات أولى لا مصداق لها ولا يُمكِن أن يُوجَد لها مصداق بطبيعتها كمفهوم المعدوم ومفهوم المُستحيل وهو مفهوم كُلي General term، كذلك المفاهيم الكُلية الأُسطورية كمفهوم الرُخ والعنقاء وإلى آخره، فهذه مفاهيم كُلية وغير موجودة، فهي أساطير والعقل يُؤمِن بها لكن من حيثية المفهوم، كما قلنا أمس لابد أن نُفرِّق بين حيثية الوجود وحيثية المفهوم، فالعقل قادر على أن يُكوِّن مفاهيم كُلية أُسطورية، لكن هي مفاهيم كُلية وليس لها وجود في عالم المُثل، فأفلاطون Plato مذهبه ضعيف، وهكذا نكون رددنا عليه كما رددنا على الاسمانيين، وفي النهاية يسلم لنا مذهب التجريد والانتزاع الذي أسمينه أيضاً مذهب التقشير، ولكي لا تنسوا التقشير يُشير إلى المطبخ، فنرجع الآن إلى المثالية.

في الحقيقة المثالية كما تُشرَح في الكتب الفلسفية المدرسية كالتالي، وأنا أنصح أن تقرأوا الفلسفة من كتب مدرسية، كيف؟ أي من كتب جامعية، أحسن ما تقرأ الفلسفة في كتبها العتيدة، إياك أن تتورَّط وتذهب تقرأ كانط Kant من كتبه، سوف تكره الفلسفة وسوف تشك في نفسك، أنا ذات مرة سألني أستاذنا الحبيب عبد الوهاب المسيري – رحمة الله عليه – في آخر لقاء معه حين كنت أُوصِّله إلى المطار قائلاً أُريد أن أسألك شيئاً يا عدنان، فقلت له تفضَّل يا أستاذ، قال لي ما رأيك في أبي يعرب المرزوقي؟ قلت له لا يُفهَم، من الصعب جداً أن يُفهَم، قال لي هل أنت مُتأكِّد؟ قلت له طبعاً، قال لي الله يُعطيك العافية، فأنا كنت أشك في ذكائي، حين كان يقرأ له لا يفهم المسكين شيئاً، لم أجد أحداً إلا سألني عنه، وكنت أقول أنه لا يُفهَم، وطبعاً أنا لا أُحِب أن أجرح في هذا المُفكِّر والفيلسوف العربي الكبير، ونحن نعتز به، لكن عندي قناعة بأن الذي يفهم جيداً سوف يقدر على أن يُفهِم غيره، أرسطو Aristotle قال هذا، صفة المُعلِّم الناجح أن الذي يفهم جيداً سوف يقدر على أن يُفهِم غيره، أليس كذلك؟ وسوف يقدر على التبسيط، والبوطي حدث معه نفس الشيئ – حوارات لقرن جديد عن تجديد أصول الفقه – وقال لي يا سيدي المرزوقي كذا وكذا، وهو حينها كان يكتب ويرد عليه، فقلت له ما له؟ قال لي عمل كذا وكذا، قلت له أنت لم تفهمه، أليس كذلك؟ قال لي لم أفهمه بالمرة، قرأته مرة ومرتين ولم أفهم، فقلت له هو أصلاً لا يُفهَم، قال لي مُمتاز، هكذا نحن فهمنا القصة، فحين تذهب تقرأ كانط Kant مُباشَرةً سوف تكره الفلسفة وتكره نفسك وتشك في قدراتك، فلا تفعل هذا، ولا تقرأ أيضاً هيوم Hume من كتبه ولا جون لوك John Locke ولا فلان ولا علان، ولا حتى ابن رشد ولا ابن سينا، ماذا تفعل؟ اذهب إلى كتاب جامعي، أُناس يدرسون فلسفة في الجامعة، وأول كتاب في أول فصل دراسي – Semester – خُذه واقرأه، هذا مُمتاز، سوف يُعطيك خُلاصات واضحة ومفهومة وقابلة أن تُفهَم، وهي خُلاصات دقيقة لأنها جامعية، هذا ليس أي كلام مثل كلام الجرائد والصحافة أو كلام شخص هاوي في الفلسفة، هذا كلام مُتقَن وهذه خُلاصة صحيحة لفلسفة الفيلسوف، أليس كذلك؟ وهذه نصيحة ليست من عندي، لست أنا مَن ينصح بها وإنما ينصح بها فلاسفة كبار بعد أن جرَّبوها، قالوا اذهب إلى الكتب الجامعية، فهذا أفضل لك من قراءة الكتب الفلسفية الأصيلة لأنها سوف تُتعِبك، نأتي الآن إلى المثالية ونبدأ مع الرجل فعلاً الذي بدأت معه المثالية الحديثة بشكلٍ صارخ وهو جورج بيركلي George Berkeley، وقلنا مات هذا الرجل الإنجليزي في ألف وسبعمائة وثلاث وخمسين، وهو كان قساً وكان مثالياً مُسرِفاً، سوف نُلخِّص مثالية جورج بيركلي George Berkeley – واحفظوا هذه الجُملة – بكلمة واحدة له، ماذا قال؟ قال To be is to be perceived، أن يُوجَد معناه أن يُدرَك، هذه فلسفة جورج بيركلي George Berkeley المثالية فقط، أن يُوجَد معناه أن يُدرَك، ما معنى هذا الكلام؟ هل جورج بيركلي George Berkeley يشك في العالم الخارجي؟ قال لك لا، أنا لست كذلك، لست شكّاكاً، أنا فيلسوف واقعي، كيف أنت واقعي؟ قال أنا واقعي لكنني أختلف معكم في معنى الوجود Existence، الوجود عندكم شيئ لكنه عندي شيئ ثانٍ، كيف يا شيخنا؟ ماذا عن الوجود عندك يا مولانا؟ قال الوجود في الأفكار وفي الذهن، فالعالم موجود لكن في ذهني، وهذا يعني أنه مثالي طبعاً، والعجيب أن هذا الرجل يُحوِّل المعاني إلى أشياء، بعض الناس يُحوِّل الأشياء إلى معاني، لكن هذا يُحوِّل المعاني إلى أشياء، قال لك أصالة الوجود هي التي في ذهني أنا، أي شيئ إذا أردنا أن نحكم له بوجود – وهذا وجود غير حقيقي – لابد أن يكون في الذهن، فما ليس في الذهن ليس له وجود، أن يُوجَد معناه أن يُدرَك، وطبعاً جاء بعد ذلك الخبيث وشيخ الشكّاك ديفيد هيوم David Hume وقال له مُمتاز لكن إذا كان ذلك كذلك فالله ليس له وجود، وأنت قسيس كبير مُؤمِن بالله، فبيركلي Berkeley كان مُؤمِناً، قال له هيوم Hume الله ليس له وجود وهذا أولاً، ثانياً الروح ليس لها وجود، وقال له آخر شيئ هو أنني سأضربك ضربة قاسمة، فالإدراك نفسه ليس له وجود، أليس كذلك؟ الإدراك ليس له وجود.

نرجع إلى جورج بيركلي George Berkeley، طبعاً بعض الناس حاولوا أن يُقزِّموا فلسفته، أصعب شيئ على الفيلسوف هذا، كما قال أفلاطون Plato أحق الناس بالرحمة عالمٌ بين جُهّال، بعض الناس يأتون باسم الجهالة وباسم عدم التعمق ويختزلون كل فلسفته التي كتب فيها – مثلاً – خمسمائة صفحة أو ألف صفحة في جُملتين بتراوين – مثنى بتراء – ويقولون هذه فلسفته وسنضربها بجُملة واحدة، لكن هذا لا يصح، هذا ظلم وبُهتان، جورج بيركلي George Berkeley تصدى له الأديب والمُفكِّر الكبير وأول مُعجَمي إنجليزي صمويل جونسون Samuel Johnson، أول مَن ألَّف Dictionary هو صمويل جونسون Samuel Johnson، فجونسون Johnson السمين الضخم تصدى له، قال المعتوه بيركلي Berkeley يدّعي في فلسفته كذا وكذا وكذا وأنا أقول له اضرب الحجر، هذا هو فقط، سوف أقضي على فلسفتك، أي اضرب برجلك الحجر وسوف تعرف أن العالم الخارجي موجود، لم يُحِب أن يقول سنضربك بحجر في وجهك لكي تفهم أن هناك عالماً خارجياً، لكن بيركلي Berkeley ليس بهذه السخافة، فهو فيلسوف كبير ويفهم هذا الكلام، ولو سألته يا بيركلي Berkeley لو ضربناك بحجر ماذا سوف يحدث؟ سوف يقول سينشج رأسي وينزل الدم وهذا كله في دماغي، أي أنه غير حقيقي، وطبعاً سألوه وقالوا له ما هذا التفكير العجيب جداً؟ الرجل مُؤمِن وهو مُؤمِن إيماناً عجيباً بالله، يرى أن الخلقية المُطلَقة كلها لله فقط، هذا هو معناه، ولعل هذا الذي حفزه أن يقول بهذا المذهب، في البداية الفلاسفة سألوه أسئلة ذكية وقالوا له إذا كنت ترى أن يُوجَد هو أن يُدرَك فإذا لم يُدرَك ليس له وجود إذن كيف نحن نتلقى إحساسات بما حولنا بشكل مُتواصِل؟ طالما نحن في اليقظة وأعيننا مفتوحة وآذاننا مُصغية وصاخية باستمرار نسمع أشياء وهواء ونرى ألوان وأشياء تتحرَّك وما إلى ذلك، ولا إرادة لنا في إيجادها، أليس كذلك؟ بالعكس قد أكتب الآن شيئاً وأرى شيئاً يتحرَّك رغماً عني على هامش الشعور، أليس كذلك؟ أحياناً وأنا أكتب يُزعِجني ظل يدي، أليس كذلك؟ أنا لا أُريده لكنه موجود رغماً عني بحسب الزاوية، أي زاوية الضوء، فأنا لا أُريد هذا وهو موجود رغماً عني، أي أنه فرض نفسه علىّ، وهذا يعني أن له وجوداً حقيقياً، فهم قالوا له هذا، وهذا اعتراض قوي جداً جداً جداً، قالوا له من أين تأتي هذه الإحساسات المُنهمِرة المُتلاحِقة المُتوالية علينا ونحن في غفلة منها وعلى غير إرادة منا أو توجه أو عزيمة؟ نحن لا نُريدها لكنها تأتينا باستمرار شئنا أم أبينا، ما رأيك يا بيركلي Berkeley؟ قال لهم الجواب حاضر وسهل، يخلقها الله، نحن غير مسئولين عنها، الله الذي يخلق كل شيئ كما يُريد هو، هو يخلق هذا الشيئ وأنت لا تستطيع أن تنفيه، إذا أراد الله أن يخلقه في ذهنك وأن يجعلك ترى هذا الظل ويُشوِّش عليك وأنت تكتب سوف يفعل هذا، قال هذا كله مخلوق لله، الذي يُنسِّق بين هذه الأشياء التي لا يقوم الذهن بالتنسيق بينها ولا القوة المُريدة في الإنسان على خلقها هو مَن؟ هو رب العالمين، لأن الله هو الذي يُريد هذا، هذا الكلام قد يُقنِع رجلاً صوفياً أو رجلاً عارفاً أو رجلاً استُهيم بحُب الله تبارك وتعالى، لكنه لم يُقنِع هيوم Hime الذي قال له والله نفسه وفكرة الله من أين أتت؟ هذا يعني على طريقتك في التفكير أن الله غير موجود، وهذه ضربة قاسمة طبعاً، أليس كذلك؟ الله – لا إله إلا هو – لا يخلق نفسه ولا يخلق فكرته، قال له من أين هذا؟ وماذا عن الروح؟ الروح غير ملموسة وغير داخلة في إطار الحس بالمرة، وكذلك الإدراك نفسه، أي إدراكك أنت نفسه، أنا طرحت تساؤلاً على بيركلي Berkeley حين قرأت فلسفته، لو تصوَّرناه وقلنا له يا سيد جورج George يا قس يا مُحترَم أنت الآن تجلس على كُرسي وجاء أحدٌ من خلفك ودون أن تدري أو تأذن به دعك دعة قوية قوية فسقطت، انفعلت سقوطاً قبل أن تُدرِك ما الذي حصل، وهذا معروف حين يأتي أي حدث سريعاً للإنسان، ماذا يحدث؟ ينفعل قبل أن يُدرِك، يحصل الانفعال وبعد ذلك يأتي الإدراك، ما الذي حصل؟ كالزلازل مثلاً، فبعد ثوانٍ يُدرِك الإنسان، والقرآن أشار إلى هذه الحالة وطبعاً هذا تفسير في جُزء آخر، قال الله لَوِ اطَّلَعتَ عَلَيهِم لَوَلَّيتَ مِنهُم فِرارًا وَلَمُلِئتَ مِنهُم رُعبًا ۩، حتى هنا تُوجَد ردة فعل – Reaction – قبل الانفعال، والانفعال قبل الإدراك، أرايتم كيف رتَّب القرآن هذا؟ لم يقل لمُئلت منهم رعباً ولولّيت منهم فراراً، وإنما قال لَوَلَّيتَ مِنهُم فِرارًا۩ وبعد ذلك قال وَلَمُلِئتَ مِنهُم رُعبًا ۩، فإدراكك للانفعال مُتأخِّر، أرأيت؟ إدراكك الحضوري للانفعال مُتأخِّر عن ردة الفعل، فهذا يحدث للإنسان، وهذا اعتراض مني، سوف نقول له يا سيد يا مُحترَم ما رأيك الآن؟ هنا لا يُوجَد أن أُدرِك Perceive، هذا الشيئ لم يُدرَك، وحصل حدث قابل للإدراك – هذا نقدي أنا – أنك وقعت، إذا حاول الرجل أن يُباهِت وأن يُكابِر سوف نقول له مثالاً أوضح من هذا، أنت نائم على تختك ونحن جئنا وألقينا بك من على هذا التخت أو السرير فوقعت على الأرض وتهشَّمت ثنيتك وسال دمك، وبعد ذلك لم تُدرِك إلى الآن، سوف تحتاج إلى دقيقة وتفتح الضوء وتقول ما الذي حصل؟ أليس كذلك؟ حصلت مجموعة أشياء انفعلت بها – هذا اسمع الانفعال وهو أحد المقولات العشر العرضية – وبعد ذلك بدأ الإدراك، رغم أن هذه الأحداث التي وقع الانفعال بها بحد ذاتها قابلة للإدراك، أليس كذلك؟ وهذا يعني أنه لم يصر وجود الشيئ رهناً بأن يُدرِك، فهو له عينية وله وجود قبل أن يُدرِك، هذا ما تقدَّمت به نقداً على جورج بيركلي George Berkeley، لم أقرأه لأحد وأرى أنه في نوع – إن شاء الله – من القوة، فهذا بالنسبة لجورج بيركلي George Berkeley.

طبعاً هناك نقود كثيرة أدق تتحدَّث عن كيف أن الرجل لم يُفرِّق بين التصوّر والتصديق، لكن هذه موضوعات موسَّعة سنتركها، عندنا فيشته Fichte أو فيخته المُتوفى في عام ألف وثمانمائة وأربعة عشر وهو التلميذ المُباشِر لكانط Kant، فيشته Fichte ماذا قال؟ قال هذا العالم مُجرَّد عالم من قوانين ومن دساتير، وهو ليس عالماً خارجياً موضوعياً، إنها قوانين فكري أنا، وكل تشويش أو مُفارَقة في إدراك العالم يعكس تشويشاً أو مُفارَقة في فكري أنا، فلو صححت هذا وتحكمت فيه سوف يتصحح العالم أمامي ويعود إلى سويته، لأنه عالم أفكر وليس عالماً خارجياً، وواضحة هنا المثالية، هذه مثالية ذاتية Subjective، سمى كانط Kant هذا الضرب من المثالية بالمثالية المادية، وقد وقع فيها تلميذه فيشته Fichte حيث قال بهذه المثالية المادية، وبعد ذلك ماذا قال؟ قال افتراض العالم الخارجي أصلاً هو خاطيء، قال افتراض وجود عالم خارجي هو افتراض خاطيء، ليس إلا عالم العقل والأفكار في داخل العقل فقط، وكل تناقض لابد أن يكون تناقضاً بين الأفكار فقط وليس أكثر من هذا، وطبعاً هذه مثالية مُغرِقة، فهو صورة أُخرى من جورج بيركلي .George Berkeley

نأتي الآن إلى المثالية النقدية، وسوف نرى لماذا أسموها مثالية وهل هي فعلاً مثالية، وهي مثالية كانط Kant، وقد أسموها المثالية المُتعالية Transcendental أو المثالية النقدية Critical للفيلسوف الألماني كانط Kant صاحب نقد العقل المحض أو نقد العقل الخالص Pure reason، أولاً ما معنى العقل المحض؟ وما معنى النقد Critique؟ ماذا يُريد بالنقد Critique؟ لا يعني النقد عليه أبداً، وإنما تمييز شيئ من شيئ، تمييز ماذا؟ العقل الخالص أو العقل المحض عند كانط Kant هو ماذا؟ هو العقل السابق على التجربة، أي أحكامه، فأحكامه تكون سابقة على كل تجربة وليست مُستمَدة من التجربة، وهي ضرورية لفهم كل تجربة، ومن غيرها لا يُمكِن أن تعني التجربة لنا شيئاً، تجربة حتى رؤية شيئ أو استطعام شيئ أو الإمساك بشيئ أو إدراك شيئ تصوراً أو تصديقاً، تصوراً إدراك الأشياء مُفرَدةً، تصديقاً بشكل قضايا، يُوجَد عندنا – مثلاً – السخونة: تصور، وكذلك الماء: تصور، هذا الماء الساخن: تصديق، فهو فيه حكم، هذا الماء يكون – Is – ساخناً، هو ساخن أو كائنٌ ساخن وإلى آخره، هذا هو التصديق، فقال العقل المحض هو هذا العقل، العقل غير المُستمَد من التجربة، وعنده أحكام قبلية، ما معنى قبلية؟ سابقة على كل تجربة، قال هذا النقد الذي أُحدِّثكم عنه وأكتب فيه هو تمييز ما هو حكمٌ قبلي سابق على كل تجربة وما هو مأخوذ ومُستمَد من التجربة، إذا قدرت على تمييز هذا الشيئ سوف تكون فيلسوفاً نقدياً، آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer صاحب العالم إرادةً وتمثّلاً كتب يقول إن فضل كانط Kant وميزة كانط Kant أنه ميَّز بين الأمرين، ميَّز بين الشيئ في ذاته وبين الشيئ في إدراكنا، لماذا؟ هذا له علاقة بالنقد، لأن كانط Kant اعتقد أن الأشياء لها وجود واقعي حقيقي، إذن كانط Kant بهذا المعنى ليس مثالياً ذاتياً، أليس كذلك؟ ليس مثالياً مادياً مثل بيركلي Berkeley، بيركلي Berkeley أيضاً مثاليته مادية وذاتية، أن يُوجَد أن يُدرَك يُراد بها عندي، أي أن يُدرَك عندي، وأيضاً بيركلي Berkeley سألوه السؤال الذي طرحته قُبيل قليل، هذا العالم موجود عندي بهذا التناسق، أنا الآن أرى هذه الوجوه الطيبة، لكن كل مَن يجلس هنا يراها أيضاً كما أراها، فقالوا له كيف هذا؟ قالوا لبيركلي Berkeley لو لم يُوجَد وجوداً حقيقياً كيف نرى جميعاً نفس المرائي؟ قال الله يُنسِّق بينها ويخلقها نفس الخلق، فهو يخلقها كلها عندك وعندي بنفس الطريقة، فهو أجاب عن هذه المسألة أيضاً لكن المُهِم أنه لم يجب عن الشُبهات التي أوردناها، فكانط Kant في مُقدَّمة الطبعة الثانية لنقد العقل المحض ماذا كتب؟ كتب هذه الطبعة فيها إضافة وحيدة وهي إضافة مُهِمة وأصيلة، وهي الرد على المثالية المادية، مثالية بيركلي Berkeley قال رددت عليها، فكانط Kant ليس مثالياً بهذا المعنى، اعترف بأن للأشياء عينية وخارجية، أي أنها مُتخارِجة عنها واعترف بأنها مُستقِلة عن إدراكنا، لكن ماذا قال؟ وفعلاً هذا ذكاء وهي نُقطة كبيرة جداً، قال بعد ذلك نحن نُدرِكها ولا نُدرِكها إلا على النحو الذي نُدرِكها عليه، أما كيف هي قبل إدراكنا لها؟ قال لا نعرف ولا أحد يقدر على أن يعرف، وهذ الكلام في الظاهر ليس من السهل نقده وفي الظاهر هو كلام صحيح إلى حد بعيد جداً، مَن يُدرِك الأشياء في واقعيتها كما هي إلا رب العالمين؟ نحن قلنا قبل قليل أننا نرى الأشياء بألوان لكن ليست كل الكائنات تراها بنفس الألوان، أليس كذلك؟ وهذا معناه أن حتى الحجوم والحدود لا تراها المخلوقات بنفس الطريقة، وهذا أكيد وصحيح، أنا أُريد أن أطرح سؤالاً هنا، كيف تكون الأشياء هي في ذاتها؟ هذا أسماه بالـ Noumenon، وكلمة Noumenon تعني الشيئ في ذاته بالألمانية، الشيئ في ذاته قبل أن نُدرِكه وقبل أن يتعلَّق به الإدراك، أنا أقول لكم واحد وحيد يقدر على أن يعرف الشيئ في ذاته وهو رب العالمين، غير رب العالمين لا يقدر أحد على معرفة ذلك، ومن المُؤكَّد أن جبريل والملائكة والجن والإنس والحيوانات طبعاً وكل المخلوقات مُركَّبة بطريقة مُعيَّنة لكي تُدرِك العالم بطريقة مُحدَّدة، العالم هو كما هو، كيف؟ لا نعرف، رب العالمين يعرف هذا، نحن نناله بحسب ما هُيّئنا له.

هناك عبارة لطيفة جداً تقول إذا اجتمع اثنان كم يتحصَّل منهما؟ سوف تقول لي اثنان، وهذا غير صحيح، يتحصَّل منهما على الأقل ستة، وأنا يُمكِن أن أجعلهم ثمانية أو اثنتي عشرة بسهولة، يتحصَّل منهم: الأول في ذاته كما يعلمه الله، هو لا يعلم نفسه كما يعلمه الله، هذا مُستحيل، قال الله وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ۩، مَن يعرف نفسه؟ كل أحد منا مخدوع بنفسه ولو على كل تفاوت، والثاني كما هو في ذاته، كما يعلمه الله تبارك وتعالى، وبعد ذلك الأول كما يرى نفسه، والثاني كما يرى نفسه، وبعد ذلك الأول كما يراه صاحبه، والثاني – هذا السادس – كما يراه صاحبه، وأنا زِدت من عندي أيضاً، هم قالوا ستة لكنني زِدت السابع والثامن، والأول كما يظن أن صاحبه يراه لا كما يراه صاحبه طبعاً، هذه صورة سابعة، والثاني كما يظن أن صاحبه الأول يراه لا كما يراه صاحبه فعلاً في واقعه وفي واقع رؤيته، إذن أصبحوا ثمانية، أليس كذلك؟ ويُمكِن أن تأتي بما هو أكثر من هذا، وهذه مسألة صعبة جداً، مَن أنا؟ ما حقيقتي؟ صعب جداً أن تعرف، أليس كذلك؟ وحتى سؤال مَن أنا؟ ومَن أنت؟ مِن أصعب الأشياء التي يُجاب عليها والله، فلسفياً صعب جداً جداً جداً، وكلما أجبت بسؤال سوف يأتي عليه ما يُشكِّك فيه، على كل حال نعود إلى كلام كانط Kant، نُريد أن نُبسِّط هذا الكلام المُعقَّد الكبير، وإن شاء الله سنُوضِّحه بأشياء قريبة بإذن الله تعالى.

كانط Kant ماذا قال؟ قال المعرفة تبدأ بالتجربة لكنها لا تنشأ عنها، هل يُوجَد فرق؟ يُوجَد فرق كبير بين الأمرين، واكتبوا هذه العبارة فهي مُهِمة جداً، تُلخِّص شطراً عظيماً من نقد العقل المحض، قال المعرفة تبدأ بالتجربة لكنها لا تنشأ عنها، لو قلنا المعرفة تنشأ عن التجربة فهذا سوف يعني أن العلة الكافية والعلة التامة للمعرفة هي التجربة، وهذا يعني أن كانط Kant آض أو صار فيلسوفاً تجريبياً حسياً مثل كل التجربيين، مثل ديفيد هيوم David Hume، وهيوم Hume سابق عليه كما قلنا، أليس كذلك؟ هيوم Hume في عام ألف وسبعمائة وستة وسبعين تُوفيَ، كانط Kant في عام ألف وثمانمائة وأربعة تُوفيَ، وهو يُعتبَر أستاذه لأن هو الذي أيقظه من سُباته الدوجماطيقي، فهيوم Hume تجريبي محض، وسوف نرجع إليه كما قلنا وكما وعدناكم، كانط Kant قال لولا الأحكام السابقة المُتعالية Transcendental – هذا يُسمونه التحليل السامي أو التحليل المُتعالي – وهي أحكام فطرية مركوزة فينا ولم تُؤخَذ من تجربة ولا تُستمَد من تجربة لما أمكن قيام معرفة لدينا أصلاً، والتجربة لا تقدر على أن تُعطيك شيئاً له معنى، لكن مع هذه الأحكام سوف يكون هناك معنى لمُدخَلات التجربة، كيف؟ قال كالتالي: أنت تُسلِّط البصر على أي شيئ فتراه، البصر ماذا يُؤدي إليك؟ يُؤدي إليك مُجرَّد صور لا تعني شيئاً، صور وألوان وأشياء وما إلى ذلك فقط، والمُشكِلة أن البصر لا يعمل وحده، يعمل مع السمع ومع وسائل الإحساس الأُخرى، قال فيأتيك باستمرار مئات إن لم يكن ألوف المُدخَلات الحسية، كلها تأتي إلى الدماغ من كل الجهات، وشبَّهها ديورانت Durant بالرسائل التي تأتي إلى القائد العسكري من كل الجبهات ومن أوقات مُختِلفة، واحدة أُرسِلت قبل أسبوع وواحدة قبل شهر وواحد قبل يومين وهذه من الجبهة الشرقية وهذه من الجبهة الغربية وهذه من إفريقيا وهذه من آسيا، وهذا كله أتى إلى قائد عسكري كبير في حرب عالمية مثلاً، أليس كذلك؟ وهذا تشبيه جيد، ما الذي يحدث؟ لو تُرِكَت كما هي على ما افترض ديفيد هيوم David Hume لما عقل الإنسان شيئاً، كم هائل وركام هائل غير مُتناسِق وغير مُتآزِر من الصور والمشمومات والمسموعات وإلى آخره، ولا هي صور ولا هي مشمومات ولا مسموعات أيضاً، هي مُجرَّد إحساسات ساذجة وبسيطة ومُتنافِرة ومُتشاكِسة ولا تعني شيئاً، هنا يتدخَّل كانط Kant ويقول ماذا؟ العقل، ماذا يُساوي؟ يُوجَد شيئ يُسميه كانط Kant القوالب، القوالب Categories، هذه قوالب مُعيَّنة، وهذه القوالب هي كقلب الزمان – قال هذا أهم شيئ – وقالب كانط Kant، وهذا يعني أن كانط Kant لا يعترف بأن المكان شيئ يُدرَك في ذاته، قال لا يُوجَد شيئ اسمه المكان طبعاً، ولا يُوجَد شيئ اسمه الزمان أبداً، فماذا هما يا كانط Kant؟ قال هاتان مقولتان أو قالبان فطريان مركوزان في العقل الإنساني، العقل الإنساني يعمل وفق هذه الكيفية، يستقبل مُدخَلات الحس ويُعيد مُباشَرةً موضعتها، يقوم بعمل مُعالَجة – Processing – ضمن قالبين، شيئ اسمه قالب الزمان وشيئ اسمه قالب المكان، إذن قالب الزمان وقالب المكان، بمعنى أنك الآن – مثلاً – أخذت تفاحة ونهست منها نهسة – نهس مثل نهش لكن بطرف أسنانه – فكيف يستقبل العقل هذا؟ يستقبل أن هذه تفاحة وأنا أخذت منها قضمة، أي قضمت منها قضمة، كيف عرف أنها تفاحة؟ الذي وصل عن طريق الحس للإنسان ما هو؟ لون، انفعالات لونية، اللون وحده، مثل لون التفاحة الأخضر والأحمر، أليس كذلك؟ وملمس ناعم، وإحساس بالضغط ما بين الأنامل، يُسمونه إحساس بالضغط بين الأنامل، وطبعاً الإحساسات أكثر بكثير من أن تكون خمسة أو ستة، هي كثيرة جداً لكن هذه مأنوسة للكل، فيُوجَد إحساس بالضغط ما بين الأنامل، وكذلك الطعم والريح أو الرائحة – رائحة التفاحة – وإلى آخره، كل هذا يُعالِجه العقل ويُعيد مُعالَجته ضمن قالبين، هما الزمان والمكان، فيفهم العقل أن هذه الأشياء كلها أنت تلقيتها في زمن واحد وهي مُتموضِعة على هذا الشيئ وهذا يُساوي تفحة، هذا عجيب، هذا الرجل عنده عقل كبير، وهم أسموه آلة Machine، قالوا عنه أنه آلة مُفكِّرة، فهو ليس بشراً عادياً، عنده دماغ كبير، لذلك قلت لك العالم كله مُهتَم به، ولم يكن العلم مُتطوِّراً كثيراً في أيامه، مات الرجل في عام ألف وثمانمائة وأربع، فكيف لو عاش اليوم وقرأ علوم الأعصاب والفسيولوجيا Physiology؟ هذا الرجل مُخيف، هذا الرجل مُصيبة، هؤلاء هم الألمان، فقال لك هذا الذي يحدث، لو لم يكن عندنا قالب الزمان وقالب المكان ما حدث هذا، سوف نقول له هل الزمان والمكان الآن يا كانط Kant ليسا أشياء قابلة للإدراك؟ سوف يقول انتبهوا ولا تتورَّطوا في هذا الغلط، الزمان والمكان ليسا أشياء قابلة للإدراك، قال كل الفلاسفة الميتافيزيقيين للأسف الشديد – وهذا صحيح – عاملوا الزمان والمكان من أرسطو Aristotle إلى ابن سينا إلى طبعاً المدرسيون وإلى آخره على أنهما موضوعان للإدراك، وهذه أكبر خطيئة فلسفية، الزمان والمكان وسيلتا إدراك المُحسات وليسا موضوعين للإدراك، إذا أردت أن تُعامِلهما على أنهما موضوعان للإدراك تقع في التناقض رُغماً عنك، وسر هذا التناقض الذي لا حل له سيقوله كانط Kant، فهو كان واثقاً من نفسه جداً وكان يقول كتابي هذا بغض النظر عن موقفك منه أنا أزعم – هو قال هذا – أنك لن ترتطم بأي مُشكِلة ميتافيزيقية إلا ألفيت لها حلاً فيه، أنا سوف أُعطيك الحل، وطبعاً الكثير من الناس اقتنعوا بكل فيه، وهناك مَن بدأوا ينتقدون، لماذا؟ قال مثلاً أنت الآن تسأل هل العالم محدود أو لانهائي؟ وهذا سؤال غبي وعبيط ولا يُوجَد جواب عنه وسوف تقع في المُفارَقة وسوف تقع في التناقض، لماذا؟ لأنك تُعامِل المكان – الفضاء – على أنه موضوع إدراك، قال وهو ليس موضوع إدراك، هو قالب إدراك، أي طريقة عمل تفكيرك، لكي يُنظِّم الأشياء التي يأتي بها الحس فقط ويُعطيها معنى، هل أنت تظن المكان شيئاً خارجياً يُدرَك؟ قال هذا غلط وهو مُستحيل، فما هي المُفارَقة؟ سوف تقول العالم محدود، لكن العقل نفسه سوف يقول لك لا، هو ليس محدوداً، لعدم وجود حد يُمكِن أن تتخيَّله إلا ويتخيَّل العقل نفسه شيئاً وراءه، أليس كذلك؟ وفي نفس الوقت لو تخيَّلت أنه مُستمِر بلا حد سوف تقول لابد من وجود حد، قال دائماً تقع في التناقض، وهذا بسبب ماذا؟ أنك ظننت أن المكان موضوع إدراك، هو ليس موضوع إدراك، هو وسيلة إدراك وليس موضوع إدراك، قالب للذهن، وهذا كان أولاً، ثانياً قال الزمان ينطبق عليه نفي الشيئ، خطير هذا الكلام، قال سوف تسأل وتقول هل للكون بداية؟ هل للزمان بداية؟ وسوف تقع في تناقض مُشابِه تماماً، إذا قلت نعم له بداية وكانت قبل خمسة عشر بليون Billion سنة أو قبل خمسة عشر جوجل Google سنة أو قبل خمسة عشر جوجل بليكس Googel Plex سنة لن يقنع العقل، هل تعرفون جوجل بليكس Googel Plex؟ هذا أكبر رقم إلى الآن، لا يُوجَد ما هو أكبر منه على الإطلاق، لا تقل – مثلاً – عشرة أُس مائتين وثلاث وأربعين، ليس هذا، فأكبر رقم على الإطلاق جوجل بليكس Googel Plex، لكن ما هو؟ مَن يقول لي ما هو؟ ما هو الجوجل Google؟ عشرة أُس مائة، الجوجل Google عشرة أُس مائة، الآن عشرة أُس جوجل Google اسمه جوجل بليكس Googel Plex، حين تضرب العشرة ليس مائة مرة أو مائة صفر وإنما جوجل Google مرة، أنت الآن تخيَّل الفرق بين مليون وبين رقم المليون، رقم المليون ما هو؟ واحد أمامه ستة أصفار، لكن لو ضربنا العشرة في نفسها مليون مرة – عشرة في عشرة في عشرة في عشرة في عشرة وهكذا – قل لي ماذا سوف يخرج الآن؟ فكيف إذا ضربتها في نفسها جوجل Google مرة؟ ليس مليون وليس تريليون وليس كدريليون مرة وإنما جوجل Google مرة، الذي سوف يخرج رقم اسمه جوجل بليكس Googel Plex، وهو أكبر رقم، نحن سنتحدَّث باسم كانط Kant وطبعاً أيامه لم يُوجَد لا جوجل Google ولا جوجل بليكس Googel Plex، وأنتم تعرفون جوجل Google، هو كان عالماً رياضياً أمريكياً وعالماً فلكياً وقد فكَّر في هذا العالم، قال سوف نقول عشرة أُس مائة وهو رقم كبير جداً جداً، واحد وأمامه مائة صفر، قال لابن أخته وكان ولداً صغيراً عمره تسع سنوات يا ولد إذا أردنا أن نضع واحد وأمامه مائة صفر ماذا نُسميه؟ قال له جوجل Google، هذه كلمة من عند الطفل مثلما نقول زنجل أو بنجل أو أي شيئ، فهو قال له جوجل Google ومن يومها وُضِعَت، فقط لأن خاله عالم كبير في الرياضيات دخل التاريخ هذا الولد الأهبل، أبو جوجل Google، هذه الكلمة فيها نوع من الاستهبال لكنه دخل التاريخ، فافترضنا على لسان كانط Kant – طيَّب الله ذكره – أنه يقول التالي، علماً بأن كانط Kant مات ميتة جيدة، هذا الرجل حين كان يُنزَع ابتسم وقال كان كله جيداً أو كان كله طيباً وأغمض عينيه، وكأن الرجل رأى بُشرى أو شيئاً كهذا، وطبعاً أنا أُؤمِن بهذا، أنا أُؤمِن أن أي إنسان لم يسمع بالإسلام ولم يعرف الإسلام ولم يبلغه الإسلام بلاغاً مُبيناً سوف يُحاسِبه الله على ما يعلمه وعلى مدى صفائه وصدقه في خدمة قضية الإيمان وما إلى ذلك، هذا هو، أما إذا بلغته الحُجة وكابر فهذا هو الذي يُسمى كافر، فهو أنكر ومن ثم ذهب في ستين دهية، علماً بأن هناك شُبهة في إسلام كانط Kant، الرجل قد يكون أسلم، له بعض المخطوطات في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي بعضها قول الله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ۩، فلعل الرجل آمن في داخله فعلاً لكنه لم يقدر في عصره أن يُعلِن هذا وإلا يُقتَل، على كل حال نعود، لو افترضنا على لسان كانط Kant – مثلاً – أن هذا الفيلسوف العظيم قال نفترض أن هذا الكون قبل جوجل بليكس Googel Plex له بداية فسوف يرجع العقل ولا يقف ويتمرَّد قائلاً هذه البداية لكن ماذا قبل البداية؟ لا يُمكِن أن يقنع العقل، لابد أن تكون قبل البداية بداية، أليس كذلك؟ سوف تقول له هناك بداية، إلى ماذا؟ سوف يقول لك هذا غير موجود، فمُستحيل أن الأمور تتسلسل بلا بداية، سوف يعود ويفترض بداية، وكلما افترض بداية رفض العقل أن تكون بداية، قال سوف تقع في التناقض ولن تنتهي، لماذا؟ قال هذا سؤال عبيط لأن ليس له أي جواب، لأن الزمان ليس موضوعاً للإدراك، يا ربي!

طبعاً كنت أُود أن أُلقي مُحاضَرة من أجلكم عن الزمان بالطريقة التي أُحِبها وكنتم ستسمعون أشياء عجيبة جداً جداً جداً، الزمان مَن يظن أنه يفهمه؟ مسألة صعبة جداً جداً جداً جداً، لكنكم سوف تسمعون أشياء فلسفية وعلمية وفيزيائية لطيفة جداً جداً، وسوف نقدر على تفسير أشياء كثيرة، مثل كيف يُمكِن لإنسان أن يجلس ويتصل بالمُستقبَل أو يتصل بالماضي أو يتصل بشيئ حاضر بعيده عنه؟ وكأن الزمان نوع من الوهم، وهو كذلك عند كانط Kant طبعاً، لا يُوجَد شيئ اسمه زمان في الحكاية، لكن نحن تفكيرنا محدود بصدد هذه الأشياء، وتحدث أشياء عجيبة، سأحكي لكم قصة واحدة فقط وهي قصة غريبة جداً جداً جداً، فيليب ك. ديك Philip K. Dick أديب أمريكا المشهور وهو صاحب رواية – أخذ عليها جائزة – اسمها “Flow My Tears, the Policeman Said”، أي “انهلي يا دموعي، قال رجل الشرطة”، وقد أخذ عليها في ألف وتسعمائة وأربع وسبعين جائزة كُبرى في أمريكا، قصته غريبة جداً فيها، يحكي عن نفسه شيئاً عجيباً، وطبعاً هذا وُثِّق وعُولِج وكتب عنه دراسات وأشياء، وتحدَّث عن هذا علماء الباراسيكولوجي Parapsychology ورجال الدين وإلى آخره، مسألة غريبة جداً، هذا الرجل من مواليد ثمانية وعشرين وتُوفيَ في سنة ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، يقول في يوم من الأيام ذهبت إلى حفل دُعيت إليه فتعرَّفت على سيدة – هل تعرفون هذه القصة؟ هل قصصتها عليكم؟ إذا قصصتها سوف أشطب عليها وأقول غيرها، وهذا كله من أجل إيضاح الزمان، فالزمان قصته غريبة – وإذا باسمها كاسم السيدة التي هي بطلة قصتي، قال هذا عادي وحصل بالصُدفة ويُمكِن أن يحصل، هناك أكثر من عشرة آلاف سيدة لها نفس الاسم، فلا تُوجَد مُشكِلة، قال بعد ذلك كنت تحدَّثني وتشكو من زوجها، فقلت هذا يُوافِق ما في قصتي، قال هذا لنفسه طبعاً ولم يقل لها هذا، فهذه السيدة التي تحمل هذا الاسم كان عندها مُشكِلة مع زوجها، وللأسف اتضح أن السيدة أثيمة وعندها علاقة مُحرَّمة للأسف مع رئيس الشُرطة في البلد، قال هذا أيضاً في القصة عندي، البطلة التي تحمل نفس الاسم عندها نفس العلاقة، قال لها ما اسمه؟ ما اسم رئيس الشُرطة؟ قالت لها فلان، قال هذا نفس الاسم، ثم قال عند هذه الدرجة استشعرت الخوف، يُوجَد شيئ غير طبيعي يحدث، ما الذي يحدث هنا؟ شك الرجل في نفسه، قال فتركت الحفل، هذا غير معقول، هذه توافقات دقيقة، وطبعاً هذه يُسمونها التوافقيات، أي Synchronicity، فكارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung أسماها Synchronicity، التوافقيات Coincidences، فقال تركت الحفل وكان معي رسالة أردت أن أودعها مكتب البريد، فذهبت إلى مكتب البريد وأنا أنتظر الدور لكي أودع الرسالة رأيت رجلاً يقف بالخارج عند سيارتي، وكان مُصاباً الهواجس ويشك في الناس وما إلى ذلك، قال فذهبت إليه، قلت له يا سيد هل هناك أمر؟ قال في الحقيقة انقطعت بي السبيل، سيارتي ليس فيها البنزين، ولا أعرف كيف أتدبَّر حالي، قال فأخرجت محفظتي وأعطيته بعض النقود، ثم ركبت سيارتي بعد ذلك، قال قبل أن أبلغ البيت قلت ليس هكذا يكون عون العباد، هذا الرجل مُنقطِع به، كيف سيصل إلى قرب محطة بنزين؟ علىّ أن أعود وأن أُقله بسيارتي إلى محطة البنزين ونعود بالبنزين إلى سيارته بعد أن نضعه في جالون مثلاً، قال وذهبت، عند هذه اللحظة تذكَّرت أن كل هذه الأحداث مكتوبة في روايتي، رجل يكون في حفلة ويحدث معه ما حدث معه تماماً وبعد ذلك يخرج ويذهب إلى البريد ويجد رجلاً وتُوجَد مُشكِلة تتعلَّق بالبنزين ثم يعود إلى بيته وإلى آخره، نفس الأحداث تقع، قال فدخلني فزع شديد، وطبعاً الشهود كلهم شهدوا على هذا الشيئ وكُتِبَت في الجرائد وما إلى ذلك، فيليب ك. ديك Philip K. Dick أديب أمريكي، قال ثم ذهبت إلى القس وقلت له يا مولانا انظر إلى هذه القصة، هناك شيئ غير معقول يحدث معي، قال له هذا سفر الأعمال، هذه الأحداث تُوجَد منها صورة تقريباً كربونية في سفر الأعمال، قال له ما هو سفر الأعمال؟ قال له هذا في كتابك ألم تقرأه؟ فقال لم أقرأه، قال موجود فاذهب واقرأه، قال فأدركت أن الزمان مُجرَّد وهم، يبدو أن الأمور كلها فعلاً كذلك، بتعبير لاهوتي كل شيئ مخلوق وكل شيئ حاضر وناجز في لحظة واحدة بل من غير لحظة، لا يُوجَد زمان، ونحن أدمغتنا – وسأُوضِّح لكم هذا الآن بمثال بسيط – مخلوقة بطريقة بحيث تُدرِك الأشياء شيئاً فشيئاً، مثل فيلم موضوع على كاسيت فيديو Videocassette ويستغرق أربع ساعات أو ثلاث ساعات، فأنت تُمسِكه – لو افترضنا أنه يُمثَّل لحظياً فهو لحظة مثلاً – وحين تضعه في الجهاز لا يُمكِن أن تراه إلا في ثلاث ساعات، لأن دماغك يعمل هكذا، انتبه إلى هذا، لو كانت عين الإنسان تلتقط ليس بسرعة واحد على ستة عشر لاختلف الأمر، وأنتم تعرفون أن الصور حين تتردد ست عشرة مرة في الثانية نرى لكن لو كانت أكثر من هذا سوف نرى الصورة ثابتة، وهذا هو فن السينما Cinema، السينما Cinema أكثر، حوالي عشرين تردد في الثانية، وأنت تراها مُتحرِّكة وهي كلها صور ثابتة، لو العين عندها القدرة – مثلاً – على أن تلتقط مائة ألف تردد في الثانية ماذا سوف نرى؟ سوف نرى كل شيئ مُتحرِّك أم ثابت؟ أنا أقول لك لو عينك كانت ترى الترددات بسرعة شديدة سوف ترى كل شيئ في أشبه بلا زمان لسرعة التردد، فهذا الفيلم كله يُمكِن أن تراه في عُشر الثانية أو في واحد على ألف من الثانية رُغم أن الفيلم يستغرق ثلاث ساعات، أليس كذلك؟ لو عُرِض عليك بهذه السرعة سوف تراه على هذا النحو وسوف تُدرِك كل شيئ، علماً بأن هذا هو بسط الزمان الذي يحدث لأولياء الله، يقولون الواحد منهم قد يقرأ خمس مُجلَّدات في ليلة، هذه هي، والنبي ليلة المعراج ذهب وجاء ورجع، هذه هي.

نرجع إلى ما كنا فيه، أنا الآن – كما قلت – أراكم وأنتم ترون أنفسكم في نفس اللحظة، أليس كذلك؟ في الحقيقة هل المفروض أن تكون لحظة واحدة أو لحظات مُتعاقِبة، لماذا؟ لأن الضوء حين يأتي – مثلاً – من أخي الذي يبتعد عني مترين يقطع هذه المسافة في زمن أقل من المسافة التي يقطعها بيني وبين أُختي التي تبتعد عن عشرين متراً، أليس كذلك؟ وأنت تقدر على أن تعرف هذا، فالضوء يسير بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، اضرب في ألف متر وبعد ذلك في مائة سنتيمتر وسوف يخرج لك المقدار بالسنتيمتر في الثانية، أليس كذلك؟ لكن العين لا تستطيع التقاط هذه الأبعاد البسيطة جداً، فأرى أنني أراكم في نفس اللحظة، لو كانت عيننا مخلوقة – كما قلت لكم – بحيث تلتقط هذه الأشياء بسرعات أكبر – ألفان تردد مثلاً أو ثلاثة آلاف تردد في الثانية – هل تعرف ما الذي سوف يحدث؟ لو افترضنا أن العين تلتقط ثلاثمائة ألف كيلو ضرب ألف ضرب مائة سنتيمتر في الثانية ما الذي سوف يحدث؟ سوف ترى كل أحد قبل الآخر بمسافة زمانية وليس في نفس اللحظة، الذي يأتي قبل سوف تراه قبل وهكذ، لكن هذا لا يحدث، فهناك علماء يقولون الزمان عنده نفس هذه الطريقة، نحن مُركَّبين لكي نُدرِكه على هذا النحو، لكن لو خلق الله لنا عقولاً على نحو مُختلِف سوف يختلف الأمر، فهنا طُرِح تساؤل عجيب وغريب، قالوا ما الذي يحدث مع هؤلاء الأدباء والفلاسفة ورجال الدين الذين يقولون علمنا الغيب أو مخرنا عُباب المُستقبَل أو عُدنا إلى ظُلمات وغياهب الماضي السحيق؟ ما الذي يحدث هنا؟ تُوجَد مسألة لها علاقة بالذهن بإذن الله، فهي لها علاقة بالذهن وهذا من الله طبعاً، هذه كرامة من الله وعطية من الله، وطبعاً هناك قصص مُشكِلة وروايات كثيرة جداً جداً جداً تُؤكِّد صدقية هذه الظاهرة، سوف نرى – إن شاء الله – مرة أُخرى ما هذه القصة.

إذن في منوضوع الزمان قال كانط Kant سوف تقع في مُفارَقة، وله رأي في موضوع العلية، وهذا طبعاً للأسف يسوءنا جداً، ولذلك كانط Kant قال لا تُوجَد إمكانية لإثبات وجود الله بالعقل، قال العقل النظري أو العقل المحض – Pure reason – غير قادر على أن يُثبِت وجود الله، كيف يا كانط Kant؟ ماذا عن قانون العلية؟ قال علية ماذا؟ لا يُوجَد شيئ اسمه علية، قانون العلية قالب عقلي، قالب مثل الزمان ومثل المكان يُوجَد في العقل، وسيلة للإدراك فقط وليس شيئاً يُدرَك، لا يُوجَد شيئ في الخارج اسمه علية، قال ولذلك إذا قلت أنت – مثلاً – أن وجود الله – تبارك وتعالى – ضروري بسبب قانون العلية سوف تكون أخطأت مرتين، أول خطأ في كلمة ضرورة، الضرورة قالب ذهني أو قالب عقلي، وأنتم تسمعون بقوالب كانط Kant، فهو عنده اثني عشر قالباً، هذه يُسمونها قوالب أو مقولات، قال قالب أو مقولة عقلية لا تُدرَك لكن بها تُدرَك الأشياء، بها نستطيع أن نُنظِّم مُدخَلات الحس ومُدخَلات التجربة ونتائج، لكن إذا أردت أن تُعامِل الضرورة على أنها معنى يُدرَك في ذاته كشيئ يُدرَك سوف تكون ارتكبت خطيئة فلسفية عُظمى، قال كذلك العلة، أنت سوف تسأل وتقول هل لهذا العالم أو ليس له علة؟ فإن قلت له علة – مثلاً لهذا علة – فما علة العلة؟ سوف تقول له علة أُخرى، يقول كانط Kant بعد ذلك إما أن تقف عند علة أخيرة ليس لها علة – قال هذا تناقض، كيف؟ لابد أيضاً أن تقول وما علة هذه العلة؟ ما علتها؟ قد تقول هذه علة بلا علة – ولن يقبل العقل هذا وإما أن تُسلسِل العلل والعقل أيضاً لا يقبل هذا، ما سبب هذه المُفارَقة؟ أنك ظننت أن العلية شيئ يُدرَك، أي موضوع إدراك، قال هذا ليس موضوع إدراك، هو وسيلة إدراك، يُوجَد فرق بين موضوع إدراك ووسيلة إدراك، هذه طريقة كانط Kant، وطبعاً كيف ردوا عليها؟ هذا يحتاج إلى مُحاضَرة طويلة، وكما قلت لكم في مرة سابقة أحسن مَن يرد على كانط – وليس من السهل مُطلَقاً الرد عليه، الكثير من الناس اقتنعوا بكلامه في الشرق والغرب – الفلسفة الإسلامية، سبحان الله هي الوحيدة التي عندها هذه القدرة، لماذا؟ كانط Kant أخطأ في تقييم بعض المفاهيم الفلسفية وظنها من قبيل المفاهيم المنطقية، وقد شرحت لكم هذا، ظن المعقولات الثانية الفلسفية معقولات ثانية منطقية، بعض الناس كانوا يقولون ما أهمية الفلسفة؟ الآن عند هذا الحد سوف يبدو لكم ما أهمية الفلسفة طبعاً، قد تقول لي أنا مُسلِم عادي، ونعم أنت مُسلِم عادي وليس شرطاً أن تكون فيلسوفاً لكن حين يأتيك رجل دارس ومُتعلِّم وذكي جداً وعقل ضخم وعبقري ويقول لك أنا غير مُقتنِع يا سيدي بكل براهين وجود الله سوف تقول له كيف؟ الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ٌ ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ لكنه سوف يقول لك اسكت، ألم تقرأ كانط Kant؟ تعال هنا Come here، ماذا تقول؟ بَعْرَة ماذا؟ وبعير ماذا؟ أين نجلس نحن؟ فينتقدك وأنت ترتجف، وسوف يُثبِت لك رأيه ويتحدَّث عن كانط Kant ويأتي لك بأمثلة فيُضيِّعك ويُضيِّع مَن حولك، فهنا لابد أن يُوجَد في المُسلِمين مَن يتخصَّص فعلاً ويفهم هذا الأشياء بعمق حقيقي لكي يرد على كبار الفلاسفة، وإلا لن ينفع هذا، أذكر ذات مرة أثناء قرائتي للفلسفة قبل حوالي سبع عشر سنة كنت أقرأ برتراند راسل Bertrand Russell وواجهتني شُبهة، وكما قلت لكم ليس من السهل قراءة راسل Russell الخبيث، هذا مُلحِد عتي، المُفكِّر الهندي الكبير وحي الدين خان أنتم تعرفونه، هو صاحب الإسلام يتحدى، وهو كتاب رائع جداً، هذا الكتاب هدى الله به أناساً كثيرين – سبحان الله – أيام طفولتي وكانوا ماركسيين، هذا الكتاب جميل وأنصحكم أن تقرأوه – والله – وأن تعطوه لأولادكم، اسمه: الإسلام يتحدى “مُدخَل علمي إلى الإيمان”، وحيد الدين خان في كتاب آخر ماذا يقول؟ يقول قررت في صيف تسع وستين أن أقرأ راسل Russell، لابد أن أقرأ برتراند راسل Bertrand Russell، هذا مُفكِّر هندي وليس عربياً، هؤلاء عندهم صدقية، قال لابد أن أقرأ كل أعمال راسل Russell لكي أرد عليه، ورد عليه في فصول بسيطة، حوالي عشر صفحات، لكنه رد قوي أيضاً ومُحكَم، قال ومن حُسن حظي وجدت مجموعة أعماله كاملة في مكتبة قريبة من بيتي فتأبطتها وعُدت إلى البيت، وزوجته – أي زوجة وحيد لدين خان – كانت مُثقَّفة مثله ما شاء الله، قال فلما رأتني زوجتي قالت برتراند راسل Bertrand Russell! أراك ستُلحِد عما قريب، قال دخلت عالم راسل Russell وخرجت أرسخ يقيناً بفضل الله تبارك وتعالى، فكنت أقرأ راسل Russell ذات مرة وشبَّه علىّ بشُبهة في الإلحاد من أخطر ما يكون، لأول مرة أقرأ هذه الشُبهة ولم أسمعها قبل من بشر لكن قالها هذا الرجل، هل تعرف ما هي؟ طبعاً ضد برهان النظم نفسه، قال هو أقوى برهان لكن يُوجَد ردان، رد من داروين Darwin والرد الثاني لم أذكره لكم لكن الآن سأذكره، ما هو الرد الثاني؟ قال أصلاً هذا البرهان كله قائم على تسليم مفهوم الحكمة، أن هناك حكمة، الأشياء مُتعاضِدة وتعمل كلها إلى غاية، هذا يعني وجود حكمة ومن ثم وجود حكيم أوجد هذا الشيئ، قال ما مفهوم الحكمة؟ أنا لا أُسلِّم به، لماذا نُسمي هذه الحالة في الكون والأشياء بالحكمة ونقول أنها حالة دقيقة ومُنظَّمة؟ أنت لكي تحكم عليها أنها دقيقة ومُنظَّمة وما إلى ذلك لابد أن يكون عندك إمكان المُقارَنة، ولا تُوجَد مُقارَنة، عندك كون – Universe – واحد وهو هذا، وهو موجود هكذا، هو انوجد هكذا، أليس كذلك؟ فسمه كما شئت ولن يُناقِشك أحد، لا يُوجَد مجال للمُقارَنة، قال أنا أفترض لو انوجد كون آخر عكس هذا الكون يسير فيه كل شيئ بقوانين مُناقِضة سوف نقول ما شاء الله، هذا كون مُمتاز جميل ومُنظَّم، هذه شُبهة خطيرة وملعونة، فقلت لي يا ربي ما هذا؟ بفضل الله لم تمر دقيقتان أو ثلاث دقائق وألهمني ربي الصواب – بفضل الله – إلى اليوم، هل تعرف ما هو؟ هذا الكلام من برتراند راسل Bertrand Russell وأمثاله كلام لا يعني التشطيب على وجود الذات الإلهية بقدر ما يعني – وهو كذلك فعلاً – التشطيب على العقل الإنساني طبعاً، لأن الذي ابتدع أو عقل أو يتعقَّل مفاهيم النظام والانتظام والغائية والعلية هو العقل، ولا يرى شيئاً ولا يرى نفسه ولا يعقل نفسه العقل إلا ضمن هذه القوالب أيضاً، فإذا أنت قلت هذه ليس لها معنى وهي أشياء اعتباطية فهذا سوف يعني أن العقل كله أصبح اعتباطياً، ومن ثم أصبح كل كلامه اعتباطياً ونقاشنا أصبح اعتباطياً والأقوال وأضدادها اعتباطية ودخلنا في عدمية نيهلية، أليس كذلك؟ ولذلك كان هيجل Hegel أذكى من راسل Russell، ماذا قال هيجل Hegel؟ قال قوانين العالم هي قوانين المنطق، أليس كذلك؟ وأن يُوجَد فعلاً بمعنى أن يُعقَل، هذا هو، لأن نظام العقل يشتغل هكذا،علماً بأن هذه عبارة أرسطية، وهي عبارة سينائية أيضاً، ابن سينا كان يقول هذا، ابن سينا حين عرَّف ماذا قال؟ قال الفلسفة هي سعيٌ وجهدٌ لجعل العالم الذهني على صورة العالم العياني، أي لكي يتطابقا تماماً، هذه الفلسفة وهذه كلمة هيجل Hegel، راسل Russell قال لا، وطبعاً أصبح عدمياً، شطب على العقل لكي يبقى مُلحِداً ومن ثم شطب على كل شيئ وسقط إلحاده أيضاً، أصبح إلحاده بلا دلالة لأنه عدمي، هو داس على العقل نفسه فانتهى كل شيئ ومن ثم انقطع النقاش.

فإذن هذا كانط Kant، كانط Kant قال لك بسبب هذا موضوع الله – تبارك وتعالى – وموضوع بداية العالم وخلق العالم كلها قضايا تُسلِم إلى مُفارَقات لا يُمكِن للعقل المحض أن يصل إلى البرهنة عليها والاستدلال الصحيح، فماذا نفعل يا كانط Kantوقد أضعتننا وأضعت الدين بهذه الطريقة؟ قال هذه القضايا نحن نُسلِّم فيها ليس بالعقل المحض وإنما بالعقل الأخلاقي والاجتماعي، على عكس ما كنا نعتقد نحن، كنا نعتقد أن قواعد الأخلاق والقيم الاجتماعية تتبع العقل النظري، قال لا، هذه الأشياء تابعة لمُسلَّمات العقل الأخلاقي، فمُقتضيات العقل الأخلاقي والاجتماعي تجعلنا نُؤمِن بأن الله موجود وأن الروح خالدة وبالحساب والعالم الآخر، أهلاً وسهلاً بهذا، لكن حين تقول بالعقل أستطيع أن أُثبِت هذه الأشياء فهذا غير صحيح، لا تستطيع ولا يستطيع أحد، قال لا أنا ولا أنت، هذا ليس ضمن حدود العقل، لكي أُوضِّح لكم أرجو أن تُركِّزوا معي في هذه الجُملة فقط التي سوف أختم بها ونأخذ الاستراحة – Break – إن شاء الله، ماذا يُريد أن يقول؟ يُريد أن يقول العقل النظري مُؤسَّس مفطور مخلوق مُركَّب ومُهيَّأ فقط ضمن هذه المقولات التي فيه – وهي مقولات سابقة، هذه كلها سابقة – Prior – على التجربة ومُتعالية على التجربة – فقط لإدراك وتنسيق مُدخَلات الحس ومُدخَلات التجربة، وليس لإدراك الأشياء في ذاتها، لا تستطيع هذا، ولذلك حين نقول له ماذا عن شيئ يتعلَّق بالله وبالآخرة وبالروح؟ سوف يقول هذا ليس حساً، هذه ليست أشياء محسوسة، أليس كذلك؟ العقل ليس له علاقة بها ولا يستطيع أن يتقدَّم خُطوة واحدة، العقل ليس مُهيَّأً لكي يتعامل مع هذه الأشياء، العقل مُركَّب ضمن هذه المقولات كلها – الزمان والمكان والضرورة والعلية والعنصر أو مفهوم العنصر وإلى آخره – فقط لكي يتعامل مع عالم الحس ومُدخَلات التجربة والحس، أي شيئ ليس من عالم الحس المُباشِر العقل لا يستطيع أن يتعامل معه، إن عاملته بهذه القوالب التي تُعامِل مُدخَلات سوف تقع في مُفارَقات، سوف يقول لك ما وضَّحته لك في قضية نهاية العالم ولا نهائيته وبداية العالم في الزمان ولا بدائيته وقضية خلود الروح من عدمه، لماذا؟ قال لأن الذين يقولون الروح خالدة عللوا ذلك بأنها عنصر غير قابل للفساد لكن مفهوم العنصر مفهوم Category، أي مفهوم قولبي، قال هذا قالبي وليس موضوع إدراك، فأنت أثبت الروح وخلودها بكلام فارغ وجعلتها موضوعاً وليست هي موضوعاً لأن العنصر نفسه ليس موضوعاً بل قالباً إدراكياً.

نكتفي – إن شاء الله – بهذا القدر لكي نأخذ الراحة ثم نُكمِل – إن شاء الله – فتفضَّلوا.

(تابعونا في الحلقات القادمة)

سلسلة التعريف بمباحث الفلسفة – حلقة 7

أكثر المواقف تطرفاً وإسرافاً في نقد الميتافيزيقا هي الوضعية المنطقية، ولذلك نُريد أن نقف معها وقفة إن شاء الله، لكن الوضعيون الأوائل مثل أوجست كونت Auguste Comte وهربرت سبنسر Herbert Spencer وإلى آخره قالوا الميتافيزيقا قضايا وعندها معنى لكنها ليست مُفيدة في الحياة، ماذا عن الوجوديين؟ ماذا عن الفلاسفة الوجوديين؟ باستثناء هايدجر Heidegger الذي كان عنده بعض المباحث والأشياء بلغته الصعبة غير المفهومة أنكر مُعظَم الوجوديين الميتافيزيقا ولم يولوها أي اهتمام، لماذا؟ لأنهم أصلاً لم يُؤمِنوا بقدرة العقل الإنساني على مُعالَجة التجربة الإنسانية، قالوا العقل حتى يعجز، فهل نُريد العقل يُناقِش أيضاً قضايا الوجود أصلاً؟ قالوا لا، ليس عندنا هذه الثقة فيه أصلاً، البراجماتيون ومنهم ويليام جيمس William James بشكل عام قالوا طبعاً نحن ضد الميتافيزيقا، لماذا؟ لأن العقل أداة مثل كل الأعضاء، والأدوات مخلوقة لتُؤدي وظيفة عملية، العقل يُسمونه أداة تكيفية، قالوا أنه مثل العين، العقل مثل العين ومثل اليد ومثل الإبهام وهكذا، هذا هو فقط، وقضايا الميتافيزيقا ليس لها علاقة لا واضحة ولا حتى غامضة بحياتنا ووجودنا وامتدادنا، ولذلك نحن لا نُؤمِن بها ولا نهتم به أصلاً، هكذا قال البراجماتيون، فتقريباً مُعظَم هؤلاء كانوا كذلك، مَن طبعاً الفيلسوف هائل القيمة الذي وقف موقفاً مُعادياً أيضاً ومُخاصِماً للميتافيزيقا؟ كانط Kant، ولذلك سوف نقف معه أيضاً اليوم لكن في الإبستمولوجيا Epistemology وهي لها علاقة بهذا الموضوع، فسوف نقف مع كانط Kant – إن شاء الله – وقفة مُسهَبة ونختم بها – إن شاء الله – إذا أسعفنا الوقت، سوف نُلخِّص فلسفة كانط Kant النقدية، ما هي؟ وما معنى العقل المحض؟ وما معنى التعالي Transcendence؟ ما معنى هذا؟ سوف نقول هذا – إن شاء الله – ونرجع له – بإذن الله – وسوف يكون وصلاً لهذا الكلام، الآن نأتي إلى الوضعية المنطقية وموقفها من الميتافيزيقا.

الوضعية المنطقية قالت القضايا إما أن تكون قضايا تحليلية وإما أن تكون قضايا تركيبية، القسم الثالث فارغ من المعنى، أي شيئ ليس تحليلياً وليس تركيبياً هو كلام لا معنى له، وسوف ترى أنت كلاماً مُرتَّباً ترتيباً وفق القواعد النحوية لكن من جهة المنطق والمعنى لا معنى له، أي أنه كلام فارغ Nonsense، ما هي القضايا التحليلية؟ القضايا التحليلية هي القضايا التي لا يزيد محمولها على موضوعها، يعتدل المحمول مع الموضوع، أي Tautology، تحصيل حاصل، لذلك الثقة موجودة وقائمة بهذه القضايا، بل تبلغ درجة القطع واليقين ولا يُمكِن الشك فيها، لماذا؟ لأن فيها اتساق داخلي، هو هذا تماماً، لكنه تعبير آخر، هذا تعبير آخر عن هذا، فكيف أُنكِر؟ لا أقدر على أن أُنكِر، مثل واحد زائد واحد يُساويان اثنين، واثنان ضرب اثنين يُساويان أربعة، وما معنى هذا؟ هذا يعني أن واحداً زائد واحد زائد واحد زائد واحد يُساوون أربعة أو يُساوون واحداً زائد واحد زائد واحد زائد واحد، طبعاً هذه القضية ليس فيها أي زيادة، فالقضايا التحليلية لا تُضيف علماً جديداً، مثل قضايا الرياضة، أي الرياضيات Mathematics، هذه القضايا أُؤمِن بها ولها قيمة، طبعاً مَن جدهم الأكبر في هذه المسألة وقد ذكرناه أمس؟ ديفيد هيوم David Hume قال إذا أعطاك أي أحد كتاب في اللاهوت أو الميتافيزيقا فأول سؤال اسأله هذا الكتاب يُعالِج مسائل بالأسلوب الرياضي المُجرَّد أم لا؟ أليس كذلك؟ هو هذا، فهذه قضايا تحليلة، هنا لا تُوجَد أصالة للوضعيين المناطقة، ليس عندهم أصالة، الأصالة لهيوم Hume، من غير أن يذكروا – هم لم يذكروا هذا – لكن هو أستاذهم في هذه المسألة، بعد ذلك عندنا القضايا الثانية وهي القضايا التركيبية Synthetic، القضايا التركيبية تُفيد علماً جديداً، تُضيف إضافة جديدة، المحمول يزيد على الموضوع، مثل قضايا العلوم الطبيعية والكونية، عبارة الحديد يتمدد بالحرارة وينكمش بالبرودة ليست قضية تكرارية وليست تحصيلية وإنما قضية تركيبية فيها زيادة وفيها إضافة وفيها علم جديد، حين أقول الحديد فهذا لا يُفيد بصراحة ولم يكن يفيد قديماً أنه يتمدد وينكمش بكذا، هذا لم يكن يُفيد بهذا، لكن بعد التجربة والاستقراء والاختبار ثبت لدينا هذا، أليس كذلك؟ كل الحقائق العلمية – ليس مُعظَم وإنما كل – هكذا، أي منافع – مثلاً – لمادة مُعيَّنة لبنات مُعيَّن، نبات الزنجبيل يُفيد في كذا وكذا وكذا لكنه يضر إذا أُخِذَ مع كذا وكذا وكذا، هذه كلها قضايا تركيبية، لا يُمكِن أن تُفهَم من مُجرَّد كلمة زنجبيل، أليس كذلك؟ وهذه فائدة العلم التجريبي والاستقراء والاختبار، أليس كذلك؟ كل قضايا العلوم على هذا النحو، طبعاً هنا اليقين ليس يقيناً قطعياً، أليس كذلك؟ هنا الاعتقاد بها لا يكون قطعياً لكنه يكون ترجيحياً، أي أنه يكون مُرجَّحاً، نعتقد فيه بنسبة تسعين في المائة أو تسع وتسعين في المائة لكن ليس بنسبة مائة في المائة، الآن سوف نأتي بمثال أكثر ربما إلهاماً، وهذا المثال من كانط Kant، أنا سأستلفه من كانط Kant من نقد العقل المحض، كانط Kant قال في كتابه هذا، هل تتصوَّرون أن يأتي يوم من الأيام أو في مكان من الأمكنة – هنا أو في الآخرة أو عند الله أو في الجنة أو في النار أو في أي مكان تُريد – ألا يُساوي واحد زائد واحد اثنين؟ كانط Kant قال لا، أنا أجزم بأن واحد زائد واحد يُساويان اثنين دائماً، هذا يقين قطعي، قال على الأقل بالنسبة لي كبشر، انتبهوا فكانط Kant ذكي، انا ليس علاقة هذا بالنسبة لله ماذا، الله أعلم بهذا، لكن بالنسبة لي أنا كبشر في أي زمان وفي أي مكان يكون الأمر على هذا النحو، لماذا؟ وهنا فعلاً كان كانط Kant ذكياً، قال لأن طبيعة عقلي والتركيبة الذاتية لعقلي – هو يُسميها التركيبة الفطرية للعقل – تقتضي ذلك، هو هكذا، وهذا صحيح، فواحد زائد واحد يُساويان اثنين دائماً في كل زمان وفي كل مكان وفي كل الظروف، لكن هل يُمكِن ألا تطلع الشمس من الشرق وتطلع من الغرب؟ قال مُمكِن، هذا قد يحدث، ولو حدث هذا لن يحدث أي تناقض مع العقل، يُمكِن أن يحدث هذا الكلام، هذه المسألة قابلة للانفكاك، أرأيتم؟ واحد زائد واحد يقين رياضي، الشمس تُشرِق من الشرق وتغرب في الغرب قضية خارجية وتركيبية، وفعلاً يُمكِن للرب القدير أن يجعلها تُشرِق من مغربها، فعلاً قبل يوم القيامة من العلامات الكُبرى سوف تُشرِق من مغربها، هذا صحيح، فهو ضرب مثالاً صحيحاً مائة في المائة، ولذلك قضايا العلوم الطبيعية والكونية والتجريبية بعامة قضايا لا تبلغ درجة القطع واليقين، وإنما اليقين فيها ترجيحي، ليس قطعياً وإنما ترجيحي، هذا الصحيح وهو كلام جميل، ولذلك قيل طبعاً أن نقد كانط Kant في نهاية المطاف احتفظ للعلوم التحصيلية – المنطق والرياضيات – بمجدها، وفي نفس الوقت تعاطف جداً مع العلوم التجريبية والطبيعية والكونية، لكن ضرب الدين، ضرب الميتافيزيقا كانط Kant حقيقةً، وسوف نرى هذا بعد ذلك فهو موضوع ثانٍ.

نرجع إلى الوضعيين المناطقة، قالوا إذن القضايا نوعان، قضايا تحليلية وهذا شأنها وقضايا تركيبية وهذا شأنها، وتُختبَر بالحس هذه القضايا التركيبية، الآن أي شيئ يُسمى قضية وليس هو تحليلياً كما أنه ليس تركيبياً قالوا نحن لا نعترف به وهو خُرافة وكلام بلا معنى، تركيبيات لغوية ونحوية لكن لا معنى لها، مثل ماذا؟ هناك أمثلة كثيرة، مثل أن تأتي وتقول الجوهر، للأشياء جوهر يقبع فيما وراء الأعراض كلها وليس هو مجموع الأعراض – ولك أن تتخيَّل هذا – بل لو زالت الأعراض كلها من عند آخرها يبقى جوهر الشيئ، قالوا هذا كلام فارغ، هذا كلام ميتافيزيقي غير موجود، الذي نراه بالحس وبالتجربة مجموعة ما يُسمى في الميتافيزيقا، لكن غير هذا لا يُوجَد، الآن خُذ التفاحة لكي أُعرِّفك كيف يُفكِّر الميتافيزيقي والوضعي والوضعي المنطقي، التفاحة في نظر الفيلسوف التقليدي الميتافيزيقي لها جوهر ولها أعراض، حجمها من أعراضها، ملمسها من أعراضها، طعمها من أعراضها، لونها من أعراضها، رائحتها من أعراضها، كذا وكذا من أعراضها، ما الجوهر؟ قال لك الجوهر وراء ذلك كله، وهو معنى تجتمع عليه هذه الأعراض كلها لكي تأخذ القوام المعروف بالتفاحة، ومن غير الجوهر لا يُمكِن لهذه الأعراض أن تجتمع ويتحصَّل لدينا في الخارج تفاحة، هكذا يُفكِّر الفيلسوف التقليدي لأنه يُؤمِن بفكرة الجوهر وفكرة العرض، الفيلسوف الوضعي قال هذا كلام فارغ، وطبعاً المادية الديالكتية والماركسية اللينينية ليس فيها شيئ اسمه جوهر، تقول لك هذا كلام فارغ، تُوجَد أعراض فقط، أعراض يُمكِن من خلالها أن أمسك وأن أضغط وأن أزن وأن أرى الحجم وأن أشم وأن أتذوَّق، فهذا الموجود لكن عدا ذلك شيئ لا يُمكِن اختباره حسياً، أي الجوهر، فإذن هو كلام فارغ وأسطورة من أساطير الميتافيزيقا، المرحوم المسكين زكي نجيب محمود طبعاً للأسف عاش ومات وهو مُتعبِّد ومُتحنِّث في محراب الوضعية المنطقية، لم أر إنساناً مسكيناً وفياً لهذه الفلسفة مثله، وكل ما كان عنده ما يقرب من مائتين معلومة وظل يُكرِّرها طول حياته، والله العظيم طول حياته، وهذا شيئ غريب جداً جداً جداً، مع أن الكتب التي كُتِبَت في نقد الوضعية قوية وأقوى مما كتب هو بكثير، وظل إلى أن مات – رحمة الله عليه – المسكين يتحدَّث عن الوضعية المنطقية باستمرار، وكأنها النجاة في الدنيا والآخرة، فعنده كتاب اسمه خُرافة الميتافيزيقا ألَّفه قديماً وهو كهل، قبل أن يُصبِح شيخاً كبيراً في السن ألَّف خُرافة الميتافيزيقا، طبعاً وقامت عليه مصر والأزهر والدنيا وقعدت، ذهب وطبعه طبعة ثانية ولم يُغيِّر فيه أي شيئ وأسماه قصة الميتافيزيقا، وطبعاً هو يثبت لك أنها قصة خُرافة في الدنيا، هي حديث خُرافة، في الأول أسماه خُرافة الميتافيزيقا، وطبعاً مشائخ الأزهر وحتى كل رجال الدين عموماً يظنون أن المقصود بالميتافيزيقا الله والجنة والنار ولا يعلمون موضوع العلة والوجود والعدم والماهية وما إلى ذلك، يظنون أن الميتافيزيقا تعني الله والماوراء، لكن ليس هذا معناها طبعاً وقد فهمنا معنى الميتافيزيقا، فهو أسماه قصة الميتافيزيقا بعد أن أسماه خُرافة الميتافيزيقا في البداية، قال هذه خُرافة، هذا حديث خُرافة، قال الروح لا تفنى، الروح خالدة لأن عنصرها غير قابل للفساد، بلغة أرسطو Aristotle الانحلال Decay، قال هذا كلام فارغ، جُملة مفهومة لغوياً، الروح لا تفنى، هذا مبتدأ وهذا خبر، فلا تفنى خبر، وماذا بعد؟ الروح لا تفنى لأن كذا وكذا، هذه جُملة جيدة لغوياً ونحوياً لها كذا وكذا لكنه قال في المنطق وفي المعنى ليس لها معنى، هذا كله كلام فارغ، كأنك تقول الإسكف جالس على المكف وذاهب إلى اللحف، فلم نفهم شيئاً، قال هو مثل هذا، قال لهم هذه كلمات ليس لها أي دلالة ولا يُمكِن التحقق منها بالرجوع إلى الخارج والحس، وهكذا كل قضايا الميتافيزيقا.

نُريد أن نُحاوِل مُناقَشة هؤلاء الحساب الآن، أول ضربة تلقاها المنطقيون الوضعيون أو الوضعيون المناطقة من فيلسوفين كبيرين جداً، من برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف التحليلي ومن كارل بوبر Karl Popper صاحب طبيعة المنهج العلمي، وكارل بوبر Karl Popper النمساوي هو صاحب مبدأ القابلية للتزييف، بوبر Popper وبرتراند راسل Bertrand Russell وجها النقد ذاته إلى الوضعية المنطقية، انظر إلى هذا النقد الذكي وهو بسيط جداً في سطر ولا يُوجَد جواب عنه، قالا لهم أنتم يا وضعيون ويا مناطقة لديكم تعميم يقول كل قضية لا يُمكِن التحقق من صدقيتها بالرجوع إلى الخارج وإلى الحس فهي قضية فارغة – لا يُسمونها فارغة – لا معنى لها – هي ليست كاذبة فانتبه، القضية الكاذبة تُقابِل الصادقة، أما القضية الفارغة لا معنى لها أصلاً، أي أنها صف كلام، فهي ليس لها أي معنى، كلام فارغ، مثلما قلنا لكم الإسكف جالس على المكف وذاهب إلى اللحف، كلام ليس له معنى – وهذا التعميم نفسه ليس قضية تحليلية، إذن فماذا قالا راسل Russell وبوبر Popper؟ قالا هذا التعميم نفسه ليس قضية تحليلية، انتبهوا إلى هذا الذكاء، هذا ليس تحليلاً طبعاً، لأن قبل أن يتبناه الوضعيون المناطقة لم يكن معروفاً للناس بالضرورة مثل واحد زائد واحد يُساويان اثنين، أليس كذلك؟ ولم يكن مُقرَّراً، وهذه ليست قضية تركيبية، كيف؟ لماذا ليست قضية تركيبية؟ لأنكم قلتم القضية التركيبية هي التي يُمكِن التحقق منها تجريبياً وبالخارج وتُضيف علماً جديداً، ويختلف العالم في حال صدقها عنه في حال كذبها، احفظوا هذه التمييزات، هذه القضية التركيبية من كل جهاتها، كيف؟ الآن حين نقول – مثلاً – الأرض تتندى بالمطر فهذه القضية تركيبية، أليس كذلك؟ لو جاء أحد من كوكب آخر ولم ير المطر يوماً وقلنا له هذا مطر سوف يسمع كلمة مطر وقلنا له الأرض والمطر يسقط على الأرض لن يستنبط ولن يعرف بالضرورة أن الأرض تتندى إذا نزل عليها المطر إلا إذا رأى، قال لماذا حدث فيها هذا؟ نقول له هذا التراب يتفاعل مع المطر بهذه الطريقة ويتندى ويُمكِن أن يتحوَّل بعد ذلك إلى طين، هنا تُصبِح هذه المسألة عنده من الأشياء المعروفة المُجرَّبة، إذن حين نقول الأرض تتندى بالمطر هذه قضية، لو كذبت هل العالم الخارجي يختلف أم لا يختلف؟ يختلف، لو قلنا الأرض لا تتندى بالمطر وجئنا رأينا المطر وهو ينزل ماذا سوف نرى؟ سوف نرى أنه يتندى، وبالتالي سوف نقول هذا كذب يا جماعة، أليس كذلك؟ والعكس صحيح، هذه القضايا وهذا منطق الوضعيين المناطقة، هم قالوا هذا، مثلاً في الصيف الدنيا تزداد حرارةً – مثل الوضع الآن في الكويت، أعاننا الله وأعانكم، نحن لم نعتد على هذا – وفي الشتاء تزداد برودة، هذه قضايا تركيبية، ليست بطبيعة الأمور، كان يُمكِن أن يحدث العكس، كان يُمكِن أن يعكس الله الوضع في الصيف وحين تقترب الأرض من الشمس قليلاً تُصبِح الدنيا باردة وما إلى ذلك، يقدر الله على هذا، لكن الله فعل العكس، لا تقولوا فعل المنطقي، لا يُوجَد منطق، هذه القضايا على هذا النحو دون أي تفسير كما قال نيوتن Newton، هي هكذا، الله شاء هذا، فلو افترضنا أن الدنيا في الصيف تزداد برودة فهذه تكون كاذبة أم صادقة؟ كاذبة، لأنها تخالف العالم، العالم يختلف عنها، أليس كذلك؟ فيختلف العالم في حال صدقها عنه في حال كذبها، وطبعاً هذا الكلام مثل قالوا أين ذقنك يا جحا، ماذا أرادوا منه؟ أرادوا منه أن يقولوا المرجع دائماً والمعيار في التقويم هو الحس والخارج والعيان، هو هذا بكل بساطة، أي أن هؤلاء الجماعة كانوا حسيين بشكل صارخ، ونحن ليس عندنا مُشكِلة إلى الآن، وهذا اسمه مبدأ التحقيق Verification principle، مبدأ التحقيق ماذا يعني؟ كل عبارة أو كل قضية أو كل ما يُزعَم له أن قضية ما لم يُمكِن التحقق منه بالخارج وبالحس فهي قضية فارغة لا معنى لها وهي خُرافة، هذه الجُملة – مثلما قلنا – ليست تحليلية، أليس كذلك؟ وليست تركيبية، لو كذبت هذه سوف نُكذِّبها والعالم لن يختلف، هل يختلف العالم مثل موضوع الندى وما إلى ذلك؟ لا يختلف لأنها ليست تركيبية، هي بطبيعتها ليست تركيبية، أليس كذلك؟ فالسؤال الآن من أي أنواع القضايا هي؟ تفضَّلوا هذا، أنتم قلتم الذي ليس تحليلياً وليس تركيبياً سوف نُلقيه في الزُبالة، أليس كذلك؟ إذن أنتم كل مذهبكم قائم على شيئ غير مُبرَّر وفق مبدأ مذهبكم، انظروا إلى هذه الورطة التي تورَّطوا فيها هؤلاء الجماعة، وهنا قد يتعجَّب أحدكم ويقول لي يا سلام، لكن هذا ليس كلامي، هذا كلام برتراند راسل Bertrand Russell وكارل بوبر Karl Popper وهما من أكبر الفلاسفة على الإطلاق في القرن العشرين، وهل هذا الغلبان المسكين الدرويش – رحمه الله – زكي نجيب محمود طول حياته كان من خلال دوكة المنطق الوضعي درويشاً فعلاً فيها في حين أن هذا المذهب يُنقَد بجُملة واحدة هكذا؟ طبعاً، هل تعرفون لماذا؟ هناك حقائق بسيطة – لعلي قلت هذا من قبل – في أمور مُعقَّدة، هناك الكثير من الأمور المُعقَّدة لكنها محكومة بحقائق بسيطة، مهما غفلت عن هذه الحقائق البسيطة أو جفوتها أو أعطيتها ظهرك أنت تبقى في عماية وفي تيه، تتهوَّك لا تهتدي السبيل، فالمسألة نفسية هنا مثلما قال والتر ستيس Walter Stace، قال هذه المسألة ليست عقلية وإنما مسألة نفسية، كأن تقول هل أنا سأحكم على هذا المذهب العظيم وما إلى ذلك من خلال جُملة؟ لا أُريد هذا، أُريد أن أقرأ كتابات أعظم، لكن أنت تركت الحق البسيط الواضح في جُملة وذهبت قرأت للوضعيين ألف صفحة فسوف تزداد ضلالاً ولن تفهم، أليس كذلك؟ هناك – كما قلنا – حقائق بسيطة في أمور مُعقَّدة فاعتصم بها، ولعلي ضربت لكم أو لإخوة آخرين – لا أعرف – مثالاً عن موضوع عيسى – مثلاً – في الديانة المسيحية، هل هو رب أو ليس رباً أو ابن الرب أو عبد أو ليس عبداً وإلى آخره؟ المسألة تُقرِّر بشريته واضح أن الرجل عاش ومات بشراً، عاش كبشر في كل حياته، واضح أنه بشر، كون هذا البشر مُكرَماً من الله – تبارك وتعالى – بكرمات أكرم الله بها إخوانه النبيين الآخرين أيضاً فهذا عادي ونحن نُؤمِن بهذا، لكن هو عاش كبشر، يأكل ويشرب ويتخلى، أليس كذلك؟ ويتألم ويتعب ويصفر وجهه وينزف دمه ويصرخ، هو من البشر، هذه حياة بشر، هذا هو البشر يا أخي، ذات مرة قرأت للمرحوم أحمد ديدات عبارة لطيفة جداً، قال هناك جماعة من المسيحيين ذهبوا إلى أقزام أستراليا – هؤلاء أُناس بدائيون بالكامل، لا تُوجَد ثقافة لها علاقة بعصرنا – وحدَّثوهم عن التبشير بالمسيح وأنه رب وابن الرب وما إلى ذلك، فقالوا لهم هل هو يذهب إلى الخلاء؟ سألوهم مُباشَرةً هذا، هل هو يتخلى ويذهب إلى بيت الخلاء Toilet؟ قالوا نعم، فقالوا ليس رباً، البدائيون ببساطة قالوا هذا، هؤلاء اعتصموا بالحقائق البسيطة في الأمور المُعقَّدة، كيف تقول أنه رب ويذهب إلى الخلاء؟ هذا كلام فارغ، قالوا لهم هذا لا يدخل الدماغ، وهذا صحيح، فهذا المنطق الوضعي بكلمة واحدة انتهى كل شيئ فيه، هذا حدث بكلمة واحدة، هو نقد نفسه بنفسه، لكننا سوف نذهب خُطوات أعمق قليلاً لكي نفهم وإلا سوف تكون كارثة في النهاية أن يُقال هذا.

سوف نأخذ استراحة – Break أو Pause – إن شاء الله سريعة، ثم نُكمِل إن شاء الله.

نعود إلى الوضعيين المناطقة ونتساءل، أنتم تقولون لابد من التحقق بالرجوع إلى الحس، اختبار صدقية أي قضية بالرجوع إلى الحس، فإن وجدنا لها مصداقاً ومردوداً في الحس سلَّمنا بأنها صادقة وإلا لم تكن كذلك، طبعاً إن لم – أي كانت كذباً – يكن هناك إمكانية لاختبارها أصلاً في الحس فهي قضايا فارغة، ليست صادقة وليست كاذبة، يا ليت تكون كاذبة، قالوا لك هذه ليست قضية أصلاً، وهذا هو المُهِم، هي غير قابلة أصلاً أن تُختبَر حسياً، قالوا هذا كلام فارغ، مثل قضية الروح خالدة، هي غير قابلة لهذا، لا يُمكِن أن نأتي بالروح ثم نرى هل ستتفكك أم ستبقى كائناً بسيطاً أو عنصراً بسيطاً غير قابل للفساد، هذا غير مُمكِن، لأنها غير داخلة تحت سُلطة التجريب، فقالوا هذه قضية فارغة، بما أنها من الأصل غير قابلة فهذا يعني أنها قضية فارغة، أنت فقط مخدوع فيها وتظنها قضية منطقية لها معنى، لكن هي بلا معنى من الأصل، فلا هي صادقة ولا كاذبة، هي قضية فارغة، ونحن الآن نسألهم ونقول لهم هل اشتراطكم هذا يتوقَّف ويتحدَّد بالمُعطيات الحسية المُباشِرة أم يُمكِن أن تقبلوا أن تكون هناك مُعطيات حسية غير مُباشِرة للقضية أو أفراد القضية؟ سوف نرى، لأن – مثلاً – قضية كقضية قانون الجاذبية قضية علمية، هذا قانون علمي ومُعترَف به في علم الطبيعة، أليس كذلك؟ ومبنية عليه تطبيقات كثيرة جداً جداً جداً، لكن ليس لها مُعطيات حسية مُباشِرة، لماذا؟ حين نعود إلى الخارج أو الحس ما الذي نراه؟ نرى جسماً – مثلاً – لو تُرِك في الهواء سوف يقع على الأرض، نرى الأرض ونرى الجسم ونرى الجسم يهوي إلى الأرض، لكن لا نرى شيئاً اسمه الجاذبية، لا نرى شيئاً اسمه قانون الجاذبية، التربيع العكسي لا نراه، لا نرى هذا كله، هذا غير موجود، وهذا الشيئ العقل هو الذي استنبطه، أليس كذلك؟ وذلك استناداً إلى مُعطيات حسية مُباشِرة، لكن هو نفسه ليس مُعطىً حسياً طبعاً، هذا ليس مُعطىً حسياً مُباشِراً، هم قالوا نحن نقبل بهذا، نقبل أن تكون مُعطيات مُباشِرة وغير مُباشِرة، ومن ثم سوف نقول لهم هذا جميل جداً، قضية وجود الله من هذا القبيل، ليس أكثر من هذا، هذا هو فقط وليس أكثر من هذا، نحن نرى كائنات دقيقة مُنظَّمة تنظيماً مُذهِلاً ومُحيِّراً وجئنا بالدراسات العلمية المُتخصِّصة واكتشفنا بل تيقنا أن احتمال انوجاد هذه الكائنات وهذه التنظيمات وهذه البُنى بالصُدفة مُستحيل، واحد على كذا كذا كذا كذا تريليون، فهو صفر، وبما أنه يُوجَد مبدأ اسمه مبدأ السببية ومبدأ العلية وأنتم تُسلِّمون به من حيث الأصل – هم يُناقِشون في التفاصيل وسوف نرى كيف هذا بعد ذلك – فهذا يعني لابد أن يكون لهذه الظواهر مُسبِّب وهو الله تبارك وتعالى، مثل الجاذبية التي لم نرها، ومع ذلك هذه الجاذبية أسمينها الجاذبية، نحن لم نرها ولم نلمسها ومع ذلك آمنا بها وقنناها، أليس كذلك؟ وكذلك الله لم نره ولم نلمسه – لا إله إلا هو – لكن أدركنا أنه موجود وهو المسؤول عن هذه المسائل كما أن الجاذبية مسؤولة عن هذه الظواهر، أليس كذلك؟ وذلك استناداً إلى مُعطيات حسية مُباشِرة، نأتي ونسأل العلماء الإخصائيين ونقول لهم الجسم الإنساني مُكوَّن من مائة تريليون خلية، وهذا في المُتوسِّط فهناك أُناس قالوا أكثر من هذا حقيقةً، لكن هذا رقم مُتوسِّط يدور في مُعظَم الكتب العلمية، أنه مُكوَّن من مائة تريليون، والتريليون يُساوي عشرة أس اثني عشر، أي ألف مليار، ألف مليار خلية تُساوي تريليون، والجسم فيه مائة تريليون خلية، وهذا غير معقول، عدد هائل جداً، وطبعاً كل خلية هي عالم بل معمار مُعقَّد جداً جداً جداً – ولك أن تتصوَّر هذا – من التكوين أساسها الجُزئيات البروتينية كما تعلمون، والجُزيء البروتيني الواحد يتكوَّن من أربعين ألف ذرة من سلاسل من الأحماض الأمينية المُتشابِكة، هذه الأحماض الأمينية المُتشابِكة طرق تشابكها أو انشباكها وتعالقها كثيرة جداً جداً جداً، تبلغ عشرة أس ثماني وأربعين طريقة، أي تريليون تريليون تريليون تريليون طريقة، ولك أن تتخيَّل هذا، طبعاً لأن كل واحد من اثني عشر، وحين نضرب اثني عشر في أربعة يكون الناتج هو ثمانية وأربعون، عشرة أس ثماني وأربعين طريقة، سنتخيَّل أن ربنا – تبارك وتعالى – تحدى البشر وقال لهم أنا لا أطلب منكم لا أن تصنعوا ذبابة ولا أن تصنعوا خلية ولا أي شيئ ولا أن تصنعوا حتى سلسلة حامض أميني، فهذا صعب، وهو أصعب مما تستطيعون بكثير، لكن أنا أعطيكم أحماض أمينية تتسلسل وتتعالق لكي تُكوِّن جُزيئاً برويتيناً وأقول لكم – وأنتم اكتشتفتم هذا، أي العلماء اكتشفوا هذا – هناك عشرة أس ثماني وأربعين طريقة لتشابك هذه السلاسل الأمينية، افرزوا لي الطريقة الوحيدة الواحدة الصحيحة التي حين تُشبَك بها هذه السلاسل يُمكِن أن تخرج لنا مادة حيوية مُفيدة، وإلا الطرق الباقية كلها سوف تكون عبارة عن سموم وأشياء مُدمِّرة، عيِّنوا لي هذه الطريقة، هذا تحدي إلهي مثلاً، مَن يقدر على هذا؟ كل الدنيا لا تستطيع عبر العصور، هذا شيئ مُخيف يا جماعة، لكن الناس يتكلَّمون هكذا، وبعد ذلك يأتينا الكونت دي نوي Le Comte Du Nouy، وهو عالم فرنسي مشهور جداً جداً، عنده كتاب اسمه قدر الأنسان Human destiny، في قدرالإنسان ماذا يقول؟ لكي نحسب بالرياضيات – وهو رياضي – إمكانية تخلّق هذا الجُزيء بطريقة الصُدفة – وحده يا أخي تخلَّق، ما المُشكِلة؟ داروين Darwin ودوكينز Dawkins وما إلى ذلك كانوا يعتقدون بأنه فعل هذا وحده، في الكون اختلطت الأمور ثم خرج، لكن هل خرجت خلية؟ هل خرج عضو؟ هل خرج إنسان؟ سوف نرى – فسوف نحتاج إلى مادة لا نضعها في وعاء كبير لا بحجم هذه الصالة – مثلاً – ولا بحجم الأرض ولابحجم الكون، قال الكون صغير، أي أن الكون سوف يكون وعاء صغيراً، وقد رأينا أمس أن الكون بقطر تقريباً ثمانية وعشرين مليار سنة، هذا القطر، أما نصف القطر ثلاثة عشر مليار وسبعة ملايين سنة، قطر الكون الضوء يمشي فيه ثمانية وعشرين مليار سنة، قال دي نوي Du Nouy نُريد كوناً الضوء يسير فيه عشرة أس أربعة وثمانين سنة، انظر إلى هذا، إذن كم تريليون سنة سوف نحتاج لكي يسير فيه؟ هذا عجيب، وبعد ذلك يكون مملوءاً بالعناصر المُكوَّنة بالأحماض الأمينية، أي بالعناصر الأولية، فينبغي أن يكون مملوءاً عن آخره، وبعد ذلك بقوة هائلة فوق كونية يتم هزه ورجه بحيث يتحرَّك خمسمائة تريليون حركة في الثانية، احفظوا هذا، فهذا كلام عالم، هذا لو قاله أي أحد سابقاً لقيل أنه إنسان مجنون، والحمد لله أنه لم يقله أي رجل دين، ولا يقدر رجل الدين على أن يقوله، قاله علماء مُتخصِّصون، يا جماعة هذا تخصصهم، قال لك خمسمائة تريليون حركة في الثانية، وما مقدار زمن الاهتزاز؟ كم سوف يستغرق من الزمن ونحن نخضه؟ بليون سنة، هل سنهزه بنفس مقدار عمر كوننا وهو ثلاثة عشر مليار وسبعة مليون سنة؟ قال لا، سوف نخضه لمده عشرة أس مائتين ثلاث وأربعين سنة، أي تريليونات السنين، طبعاً عشرة أس مائة جوجل Google، وهذا أكثر من جوجل Google بكثير، عشرة أس مائتين ثلاث وأربعين سنة، وفي النهاية قال لك بالرياضيات – هذه كلها حسابات، وهي حسابات مُعقَّدة – احتمال أن يتكون جُزيء بروتيني واحد صفر، سوف يبقى صفراً، الله أكبر، ومع ذلك تقول لي لا يُوجَد إله وعندي شك، هل أنت تفهم شيئاً؟ هؤلاء لا يفهمون شيئاً بصراحة، هؤلاء الوضعيون المناطقة يُنكِرون الله عز وجل، ينُكِرونه – للأسف – ولا يُؤمِنون به، والذي يُؤمِن منهم مثل زكي نجيب محمود يكون هذا بالتقليد وليس أن فلسفته تقول هذا، فمذهبه يقول لك هذا غير موجود، لا تقل لي الله موجود، هذا لا يُمكِن التحقق منه حسياً، لكن يُمكِن التحقق، وأنتم قبلتم أن المُعطيات الحسية يُمكِن أن تكون غير مُباشِرة، لماذا تُصِرون إلى الآن على عدم الاعتراف بالله وبالروح؟ لماذا؟ لا أعرف، نوع من إرادة الإلحاد مثلما قال بليز باسكال Blaise Pascal، أرادوا أن يكونوا ملاحدة، وهذا كان أولاً وهو مُهِم جداً.

نأتي الآن أيضاً إلى نقد من جانب آخر للوضعية المنطقية، حين فرَّقوا بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية قالوا التركيبية ترجيحية والتحليلية يقينية قطعية، أليس كذلك؟ ونحن وافقنا، طبعاً واضح أنها يقينة قطعية، واحد زائد واحد يُساويان اثنين وإلى آخره، ما هو أساس تسليمهم بهذه النتيجة؟ لماذا؟ لماذا هم اعتقدوا أن القضايا التحليلية قضايا قطعية؟ لماذا القضايا التحصيلية والتكرارية قطعية؟ نُريد مُبرِّراً فلسفياً، اعترفوا وقالوا المُبرِّر واضح وهو الاتساق، معيار الصدق في القضايا التحليلية الاتساق، اتساق الفكر مع نفسه البادي في القضية، إذن قالوا الاتساق، ما معيار الصدق في القضية التركيبية؟ الحديد يتمدد وينكمش وإلى آخر قضايا العلوم كلها ما معيار الصدق فيها؟ المُطابَقة Correspondence، فـ Correspondence المُطاَبقة أما Consistency الاتساق، إذن معيار الاتساق ومعيار الانطباق، هكذا تقول الفلسفة، وهم يعترفون بهذا وهذه هي طريقتهم، معيار الانطباق قلنا ما هو، نرجع إلى الواقع بالاستقراء وبالتجربة ونختبر – مثلاً – قطعة حديد ونجدها تمددت مقدار واحد على عشرة من الملي، فهذا يعني أن هذا صحيح، وتنكمش بالتبريد واحد على عشرة من الملي، إذن هذا صحيح، ومن ثم هذا انطباق، انطبق القول على الحس، هذه قضايا التركيبية، والقضايا التحليلية فيها الاتساق، ما معنى الاتساق؟ نحن إلى الآن لم نفهم ما معنى الاتساق، ما معناه؟ لماذا واحد زائد واحد يُساويان اثنين؟ هذه قضية يقينة لأن فيها اتساق، لأن فعلاً واحد زائد واحد هي اثنان لكن التعبير مُختلِف والشكل مُختلِف، فلو قلنا بدال واحد زائد اثنين وأنها تُساوي اثنين فسوف يكون نفس الشيئ، لأن طبعاً يا أخي الشيئ يُساوي نفسه، إذن الاتساق ما هو؟ قانون عدم التناقض، الاتساق هو هكذا، تعريفه في الفلسفة على هذا النحو، فالاتساق هو قانون عدم التناقض، هم ظنوا أنهم تخلَّصوا من المُشكِلة، لكن الآن تبدأ المُشكِلة، هذه هي الفلسفة، الفلسفة شيئ عميق وجميل، سوف نقول لهم هذا مُمتاز لكن لماذا أنتم سلَّمتم بقانون عدم التناقض الآن وعندكم يقين عنه؟ أنتم عندكم يقين وبالعكس أنتم تُبرِّرون اليقين في التحليليات – القضايا التحليلية – بقانون عدم التناقض، الآن كيف تُبرِّرون إيمانكم وتسليمكم بقانون عدم التناقض الذي ينص على أن النقيضين لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً؟ وأضافت الفلسفة الإسلامية والمنطق الإسلامي والثالث مرفوع؟ يُسمونه الوسط المرفوع أو الثالث المرفوع، هذا الوسط المرفوع أو الثالث المرفوع، لكن ما معنى الثالث المرفوع؟ لا يُوجَد احتمال ثالث، النقيضان إما أن يجتمعا وإما أن يرتفعا، أليس كذلك؟ ولا تُوجَد حالة ثالثة، مثل ألا يجتمعا النقيضان وألا يرتفعا، هذا غير صحيح، فلابد أن يكون الأمر على هذا النحو، وإذا اجتمعا سوف يكون مُستحيلاً، لا يُوجَد اجتماع للنقيضين، يُوجَد أحد النقيضين، كيف؟ أنت يا أخي الفاضل الآن حيٌ أو ميت، أليس كذلك؟ وحتى لا نخربط – انتبهوا إلى هذا – بين الملكة وعدم الملكة وبين الأضداد وبين النقائض – أنواع من التقابل – سوف يكون أحسن شيئ لكي نعرف ما هو النقيض أن نعرف النقيض بأنه المنفي، حيٌ ليس حياً أو حيٌ غير حي، واقف غير واقف وهكذا، انفها بلا أو ليس أو غير، أي Not، وهذا سوف يكون النقيض، فأنت الآن حي أو غير حي، إذا قلت أنا حي وغير حي فهذا سوف يكون مُستحيلاً، النقيضان لا يجتمعان، لا يُمكِن أن تقول أنا حي وغير حي، قد يقول لي أحدكم بصراحة لا أنا حي ولا أنا غير حي، لكن هذا غير صحيح، لابد أن تكون واحدة من الاثنين، إما أن تكون حياً وإما أن تكون غير حي، لا تقل لي غير هذا لأن الثالث مرفوع، مُستحيل أن تكون حياً ميتاً، أليس كذلك؟ مُستحيل أن تكون حياً ميتاً، ومُستحيل أن تكون لا حياً ولا ميتاً، ارتفعا النقيضان وتكون هناك حالة ثالثة، ما هي الحالة الثالثة؟ غير موجودة، فهذا معنى قانون التناقض، علماً بأنه أساس الفكر، طبعاً اختلف الفلاسفة والمناطقة وقالوا مَن أساس الفكر؟ أول لبنة في الفكر الإنساني ما هي؟ هل هو قانون الهوية – Law of Identity – أم قانون عدم التناقض؟ هناك مَن قالوا الهوية وهذا غلط، قانون الهوية لا معنى له من غير الاستناد إلى قانون التناقض، هل تعرفون لماذا؟ لأن قانون الهوية الكوب هو ذاته وأنا ذاتي وألف هي ألف وباء هي باء، فالشيئ هو نفسه أو الشيئ هو عينه، هذا القانون لو لا قانون عدم اجتماع النقيضين لن يصح، أي لن يصح قانون الهوية، يُمكِن أن تكون ألف هي ألف وهي غير ألف في نفس الوقت، أليس كذلك؟ لأن قانون عدم التناقض لا يشتغل، وهذا يعني أن أساس الفكر ليس قانون الهوية، الصح أن أساس الفكر وأرضية الفكر الإنساني هو قانون عدم التناقض، وهو يُسمونه بقانون التناقض أو قانون النقيضين، فقانون عدم التناقض أساس الفكر، وكما قلنا من هنا تبدأ المُشكِلة، ما أساس يقينكم بقانون عدم التناقض وقانون عدم التناقض – انتبهوا إلى هذا – ليس قضية تركيبية وليس قضية تحليلية من جنس ما تُمثِّلون له؟ هم قالوا هذه تحليلة وفكَّروا على هذا النحو، لكنهم أخطأوا فلا يُوجَد تدقيق هنا، قالوا هذا قانون عدم التناقض وهذه قضية تحليلية فقلنا لهم هذه ليست تحليلية بدليل أننا نستطيع أن نُفرِّق بسهولة بين قولنا النقيضان هما النقيضان وبين قولنا لا يجتمع النقيضان، أليس كذلك؟ فرق كبير جداً جداً، نحن لا نتحدَّث عن قانون الهوية، وإنما نتحدَّث عن قانون عدم اجتماع النقيضين، أليس كذلك؟ أو نقول لا يجتمع النقيضان لا يجتمع النقيضان وهذا غير أن نقول يستحيل أن يجتمع النقيضان، فيستحيل أن يجتمع النقيضان تُفيد غير ما تُفيد جُملة النقيضان هما النقيضان، أليس كذلك؟ إذن ما هو أساس الإيمان بهذا القانون وهو ليس تحليلياً ولا تركيبياً؟ هذا من مباديء العقل الأولى، من المباديء الفطرية، هذه هي الفلسفة العقلية، ولك أن تتخيَّل هذا، وهنا طبعاً قُطِعَ بهم ولم يعرفوا، لا يُوجَد أي جواب، لابد أن يرجعوا على الرغم منهم إلى التسليم بأُسس الفلسفة العقلية وأن العقل فيه أشياء على نحو مُختلِف، ولذلك الفيلسوف الألماني الكبير كانط Kant فعلاً اعتراف – كان أذكى من هؤلاء واعترف – وقال لا يُوجَد مناص فالعقل يحتوي على أشياء فطرية سابقة على التجربة وعلى كل تجربة ولا علاقة بالحس بها – ولك أن تتخيَّل هذا – وحين تعمل في التجربة الحسية تعمل منها على أن سابقة سبقاً منطقياً وإن لم يكن سبقاً زمانياً لكنها سابقة وهي مُتعالية، ما معنى مُتعالية؟ فوق التجربة وقبل التجربة، في مُنفصِلة عن التجربة، إذن كانط Kant اعترف بهذا لأنه لم يكن بالغباء الذي يجعله يقول هذا غير موجود مثل هيوم Hume، ألم يكن مُتأثِّراً بهيوم Hume الذي أيقظه من سُباته الدوجماطيقي؟ لكن أول مَن كسر رأسه هو هيوم Hume، انتقد كانط Kant جون لوك John Locke بشكل واضح طبعاً واختلف معه واختلف مع هيوم Hume أيضاً، لكن هيوم Hume هو الذي جعله يُغيِّر فلسفته القديمة، فأيضاً هذا النقد يُوجَّه إلى هذه الفلسفة.

آخر شيئ حتى لا نُطوِّل سوف نُوجِّه نقداً أخيراً للوضعية المنطقية وهو كالتالي، أنتم تحدَّثتم عن أن المعيار هو الرجوع إلى الحس لاختبار القضية، أليس كذلك؟ هل هذا الرجوع وهذا الاختبار لابد أن يكون واقعاً بالفعل أو مُمكِناً بالفعل؟ وإذا لم يكن مُمكِناً بالفعل فهل هذا يعني أن القضية فارغة؟ هل هذا الأمر لازم؟ حدث عندهم لبس هنا فانتبهوا، مثلاً إلى وقت قريب جداً كان العلماء يعتقدون أن على المريخ أنهاراً وودياناً من الماء، أليس كذلك؟ كانوا من خلال الرصد البعيد يقولون تُوجَد أنهار ومياه وقد يكون معموراً بالحياة وقد يكون كذا وكذا، أليس كذلك؟ هذه عبارة، وهذه العبارة يُطلِقها العلماء، المريخ عليه وديان من ماء وأنهار وغُدران وأشياء مثل هذه مثلاً، العلماء كانوا يقولون الوجه الآخر للقمر هو كذا وكذا، نحن لا يُمكِن أن نراه، وأنتم تعرفون أن القمر دائماً ما يُواجِهنا بوجه واحد، قالوا حركته مع الأرض مثل حركة المُصارِعين، المُصارِع لا يُعطي للآخر ظهره، دائماً يُواجِهه، المصارع الأول يلف والآخر يلف معه، والقمر دائماً يلف مع الأرض على هذا النحو باستمرار، فنحن لا نرى من القمر إلا وجهاً واحداً، ومن هنا يُقال بالعامية وجهك ولا وجه القمر، فكان العلماء يعتقدون أن الوجه الآخر للقمر هو كذا وكذا وقالوا هناك صحاري وما إلى ذلك، فهذه عبارة وهي عبارة علمية، هل هذه عبارة علمية أم عبارة فارغة؟ هم لابد أن يقولوا، هي ليست تحليلية طبعاً، هل سوف تكون تركيبية؟ متى تكون تركيبية عندهم؟ إذا أمكن التحقق منها بالرجوع إلى القمر، لكن هذا لا يمكن لأننا في ذات الوقت لم نكن قد صعدنا إلى القمر، نحن صعدنا في سبتمبر سنة ألف وتسعمائة وتسع وستين، لم نصعد إلى القمر حينها، ولم نصل إلى المريخ إلا من وقت قريب، ولم يصل حتى إنسان، وضعوا أدوات وأشياء وما إلى ذلك، لكننا سوف نصل في يوم من الأيام، هل هذه العبارة تُعتبَر عبارة فارغة لا معنى لها؟ هم أُحرِجوا جداً لأن العلم هكذا يتحرَّك، العلم كله هكذا، قالوا لا، ألفريد آير Alfred Ayer نفسه الإنجليزي قال سوف نُعدِّل من مبدأ التحقيق Verification، قال سوف نُعدِّله، قالوا نحن لا نشترط الإمكان الفعلي وحده، هذا مُمتاز ولكننا نقبل أيضاً بالإمكان المنطقي للتحقق، إذا كان منطقياً يُمكِن أن نتحقَّق فأهلاً وسهلاً، يُوجَد احتمال أننا في يوم من سوف نقدر على هذا، لا يُوجَد مانع بالمنطق أن نصل إلى القمر وإلى المريخ وأن نختبر وسوف تكون للعبارة معنى، أليس كذلك؟ تُوجَد مسألة أبسط من هذا، لماذا نتحدَّث عن القمر والمريخ وعن وجه وما إلى ذلك؟ هناك مسألة أبسط من هذا، عبارة هناك مساحات من الأراضي سقطت عليها أمطار لم يرها أحد هل هي عبارة منطقية أم غير منطقية؟ طبعاً هي ليست تحليلية، هذه عبارة تركيبية، أليس كذلك؟ سقطت ولم يتحقق أحد ولن يتحقق أحد، انتهى الأمر، أليس كذلك؟ قبل ألف سنة هناك مساحات من الأرض لم تكن مُكتشَفة، وسقطت عليها أمطار ولم يرها أحد، هل أنتم تشعرون الآن بأن هذه العبارة صحيحة أم غير صحيحة؟ من المُؤكَّد أنها صحيحة، وفعلاً لم يتحقَّق هذا ولا تُوجَد إمكانية حتى للتحقق منها، لكنها عبارة صحيحة، قالوا هذا صحيح وهذه ورطة كبيرة ومن ثم سوف نُعدِّل – لا فائدة – ونقول نحن نرضى بالإمكان المنطقي، المنطق يقول لو كان قبل ألف سنة هناك إمكانات ووصلنا إلى تلكم الأرض ورصدناها سوف نرى أن المطر نزل لعدم وجود ما يمنع، لكن ليست هنا المُشكِلة، هم خرجوا من مُشكِلة ووقعوا في مُشكِلة أكبر ورجعوا لنا في أحضاننا وفي أحضان العقليين، ما هي؟ سوف نقول لهم نحن – والله – نسألكم الآن عن مُحصَّل عبارة الإمكان المنطقي، حين تقولون نحن نقبل بالإمكان المنطقي فهذا معناه بجُملة واضحة أن الإمكان المنطقي له صدقية ومقبولية، أليس كذلك؟ هذا المفهوم استندتم في تقريره على ماذا؟ وهو ليس قضية أيضاً تحليلية، انتبهوا إلى هذا، هو قضية تركيبية، فالإمكان المنطقي سائغ، الإمكان المنطقي مشروع، الإمكان المنطقي له مقبولية، أليس كذلك؟ لكن كيف يُمكِن اختبار مقبولية الإمكان المنطقي بالرجوع إلى الحس؟ لا يُمكِن، هذا مُستحيل، هذا غير موجود ولا يُمكِن أن يحدث حتى يُنقَر في الناقور ويلد البغل العاقور كما تقول العرب، لأنكم تعرفون أن البغل – أكرمكم الله – لا يلد، فقالوا حتى يُنقَر في الناقور ويلد البغل العاقور، وهذا ذكَّرنا بأن ذات مرة كان يُناقِش رجل مُعتزِلي رجلاً سُنياً في قضية الجُزء الذي لا يتجزأ، السُني يُؤمِن بأن كل جزء يتجزأ بقدرة الله، هذا أمر عادي ويحدث إلى ما لانهاية، المُعتزِلي قال له لا، على طريقة اليونانيين لابد أن نصل إلى الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا نقاش ديني، قال له السُني قال تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۩ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۩، فإن عمل مثقال أقل من ذرة ماذا سيحدث؟ هذه ليست ذرة وإنما نصف ذرة، هل سيُجازى أم لا؟ إذا قال سيُجازى فهذا سوف يعني أنه آمن بانقسام الذرة، وماذا عن ربع ذرة بعد ذلك؟ وماذا عن نصف النصف ونصف الربع؟ وهكذا سوف يقول له، ففهم المُعتزِلي أن هذا الرجل أفحمه، فقال له أمهِلني، قال له أمهلتك الدهر كله، قال له أبلعني ريقي، قال له أبلعتك دجلة، هذا لن ينفع، اذهب وابلع دجلة وسأمهلك الدهر ولن تجد جواباً، طبعاً هناك مسائل يضح فيها الحق، فهنا تورَّطوا ورطة عُظمى، وإلى اليوم لم يقدروا على أن يخرجوا منها، حين آمنوا بأن الإمكان المنطقي سائغ كمعيار انتهوا، انتهى الأمر وانتهت الوضعية المنطقية، ورجعت العقلية مُتصدِّرة من أول وجديد، أعني الفلسفة العقلية، فالفلسفة العقلية فلسفة قوية، سبحان فعلاً مَن خلق الإنسان وزوَّده بهذا العقل وهذه الإمكانات، هذا العقل البشري، ولذلك أنا حقيقةً أدعوا فعلاً مَن أراد أن يدرس أن يدرس الفلسفة الإسلامية العقلية ويتمهَّر فيها، فهي فلسفة قوية جداً ومُمتازة حقيقةً ومن الصعب نقدها، مبادئها وما إلى ذلك قوية.

يُمكِن الآن أن أضرب لكم مثلاً أخيراً لكي ندخل قليلاً في نظرية المعرفة، على الأقل في نصف ساعة سنتحدَّث عنها.

ملحوظة: أراد أحد الحضور أن يسأل سؤالاً فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم تفضَّل يا سيدي، فسأله عن وجود تشابه بين الوضعية المنطقية والتجريبية من عدمه، وأجاب الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم بدوره قائلاً طبعاً يُوجَد تشابه حتى في الأُسس النفسية، لكن التجريبية – وهذا سيأتي إن شاء الله في نظرية المعرفة – اتجاه أوسع، وتُوَجد عنده تشكيلات مُتعدِّدة، فهم الآن – كما قلنا قبل قليل مثلاً – معيارهم في سبر صدقية القضايا التركيبية معيار تجريبي، واضح أنه تجريبي، لكن بعد مُلاحَقات وبعد نقود وُجِّهَت إليهم بدأوا في أن يتراجعوا قليلاً، وقالوا بأشياء لا يُسلِّم بها كل تجريبي، فطبعاً هم في نهاية المطاف تجريبيون، لذلك من أسمائهم تصديقاً لقولك التجريبية العلمية، يُسمون أنفسهم بهذا، اسمهم المنطقية الوضعية أو التجريبية العلمية، فهم لهم هذا الاسم، أعني التجريبية العلمية.
سأُعطيكم مثالاً – كما قلت – على مسألة من مسائل الميتافيزيقا أو الأنطولوجيا Ontology مشهورة جداً على الأقل لكي تأخذوا عنها فكرة، وهي مسألة أصالة الوجود أو الماهية، وسأبدأ بعبارة حسّاسة وخطيرة وجريئة لابن سينا، أي لأبي عليّ بن سينا الشيخ الرئيس، ابن سينا كان له عبارة تقول الله لم يُمشمِش المشمشة بل أوجدها، انظروا إلى هذه العبارة، لخَّص موقفه من مسألة أصالة الوجود أو الماهية بهذه العبارة الذكية جداً، قال الله لم يُمشمِش المشمشة وإنما أوجدها، ما الفارق؟ ما الفارق بين مشمشها وأوجدها؟ نحن لم نفهم شيئاً، ونحن لن نفهمها حتى تُصوِّر مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، أعتقد أننا أخذنا أمس فكرة عن مفهوم الوجود، وقلنا كل شيئ في العيان وفي الخارج ينعكس في الذهن إنما ينعكس بصورة هلية بسيطة، أي قضية من الهليات البسائط، كذا موجود فقط، والهليات البسيطة أو البسائط دائماً تنحل إلى ركنين بمفهومين، الموضوع والمحمول، الموضوع دائماً مفهوم ماهوي، والمحمول مفهوم موجود، هو مفهوم فلسفي، أليس كذلك؟ نحن اليوم أخذنا هذه المسألة، وهذا يعني أن الموضوع مفهوم أولي والمحمول مفهوم ثانوي فلسفي لأنه موجود، أليس كذلك؟ موجود، المريخ – مثلاً – عليه حياة، نفترض أننا قلنا – مثلاً – المريخ عليه حياة، ما الذي حصل؟ المريخ مفهوم ماهوي، هو هذا الكوكب الذي مثل كذا والمعروف بكذا وكذا، عليه يعني يُوجَد أو يمتلك، تُوجَد عليه حياة، أليس كذلك؟ هذا مفهوم يُوجَد، حياة موجودة على المريخ، مفهوم فلسفي، يُوجَد أو موجود من وجود، هذه الهليات البسيطة، إذن تُوجَد عندنا الماهية ويُوجَد عندنا مفهوم الوجود، فحين نقول زيدٌ من الناس الآن – زيٌد جالس يقرأ في كتاب مثلاً، المُهِم أنه زيد ونحن نُشير إليه – نحن نُشير إلى ماذا؟ نُشير إلى ماهية موجودة، في الخارج بصراحة الذي نراه هو زيد، هذا بشر وهو من لحم ودم، أليس كذلك؟ وهو أحد أفراد الإنسان، أحد مصاديق المفهوم الكُلي المُسمى بمفهوم الإنسان، فهذا مصداق له بعنوان زيد، وعرفنا أن هناك ماهية إذن وأن هناك وجوداً، الآن السؤال يأتي لكي نفهم ما هو موضوع الأصالة، هذا الموجود في الخارج وهو زيد – مثلاً – هو مصداق للماهية أو مصداق للوجود؟ بمعنى ماذا؟ بمعنى أن من المُستحيل أن يكون مصداقاً للاثنين، لو كان مصداقاً للاثنين سيكون لدينا في الخارج اثنان وليس واحداً، والواقع أن الذي لدينا في الخارج واحد، أليس كذلك؟ طبعاً في الخارج ذاته لا يُوجَد فرق بين الوجود والماهية، أليس كذلك؟ لكن الذهن حين يتعاطى مع هذه المسألة وينظر إليها لابد أن يُفرِّق، فيحتاج أن يعرف الأصالة لمَن، مَن الأصيل؟ ومَن الاعتباري؟ لابد من وجود أصيل أما الآخر سوف يكون بالاعتبار، هذا تصوير مسألة أصالة الوجود أو الماهية، الفلاسفة المشاؤون عموماً وفي رأسهم ابن سينا عندنا قالوا بأصالة الوجود، مُلا صدر الدين الشيرازي المشهور بمُلا صدرا طبعاً دعم هذا الرأي وأتى عليه بأدلة جديدة قوية وذكية جداً، قال الأصالة للوجود، لذلك فلسفته فلسفة أصالة الوجود، السهروردي المقتول – الفيلسوف الإشراقي الشهير – قال بأصالة الماهية واعتبارية الوجود، طبعاً الأدلة كثيرة جداً لدى الفريقين وهي مُعقَّدة، لعل في الدروس الفلسفية الأولى التي كانت موجودة على الموقع الخاص بي ذكرت خمس أو ست أدلة، والأدلة كثيرة ومُعقَّدة فلا نُحِب أن نخوض فيها، لكن نُريد أن نُصوِّر لكم ببساطة كيف استطاع المشاؤون أن يُقرِّروا موقفهم بأصالة الوجود واعتبارية الماهية بمثال ذكي وبسيط جداً نضربه لكم، نأتي الآن بصفحة بيضاء – صحيفة أو ورقاء بيضاء – ونبدأ بالقلم الأحمر نخط عليها بشكل مُنظَّم ودقيق ومُتتابِع حتى تشكَّل لدينا شكل مُستطيل – مثلاً – أو دائرة بالأحمر، الآن أسألكم الموجود في الخارج – في ساحة الخارج – ما هو؟ اللون، هذا اللون الأحمر بصراحة، هذا هو الموجود، لكن هذا اللون ينتهي عند حدود مُعيَّنة، حيث ينتهي يظهر ما يُسمى الحد، أينما نقف نقول هذا الحد، وحيث ينتهي من هنا نقول هذا الحد وإلى آخره، هذه النهايات في النهاية شكَّلت شكلاً اسمه المُستطيل، المُستطيل ماهية، أليس كذلك؟ مفهوم ماهوي، المُستطيل أو المُربَّع أو الكوب أو الإنسان من المفاهيم الماهوية، أليس كذلك؟ لكن الآن الموجود في الخارج فعلاً بهذا المثال هل هو الماهية وركب عليها الوجود أو الموجود هو الوجود والماهية تبع له؟ في الحقيقة الخيار الثاني هو الصحيح، الموجود أمامنا هو اللون، أي اللون الأحمر، كونه تناهى من الجهات الأربع – ولك أن تتخيَّل هذا – باختيار الراسم وظهر شكل في النهاية اسمه الشكل المُربَّع أو المُستطيل فهذه قضية اعتبارية، لا يُوجَد شيئ في الخارج حقيقةً اسمه مُربَّع أو مُستطيل، يُوجَد لون يتحرَّك، وحيث انتهى في النهاية برز لدينا هذا المفهوم الاعتباري المُسمى بالمُربَّع، لكن اللون هو الموجود حقيقةً طبعاً وهو الذي يُحدِّد هذا، ولو تحرَّك بطريقة ثانية حول مركز وعلى مُحيط لصار دائرة، أليس كذلك؟ وهكذا إلى آخره، إذن الأصالة للوجود وليس للماهية، فالماهية اعتبارية، هذا مثال كيف يُناقِش هؤلاء الفلاسفة هذه المسائل الأنطولوجية، ندخل اليوم – إن شاء الله – في أقل من نصف الساعة – فقط لكي ندخل في موضوعنا – في نظرية المعرفة.

ربما سمعتم أكثر من مرة – حتى في هذه الحلقات – باسم الفيلسوف الإنجليزي الكبير برتراند راسل Bertrand Russell، هذا الرجل كان فيلسوفاً ومُثقَّفاً موسوعياً وعالماً رياضياً ومُفكِّراً تربوياً واجتماعياً وناشطاً سياسياً، فهو أمة في رجل، عجيب هذا الرجل وهو حقيقةً من أذكياء البشر، أنا شخصياً أُحِب أن أقرأ له، طيلة حياتي أقرأ لهذا الرجل، فهو رجل مُمتِع وعنده أسلوب ساخر خاصة في كتاباته المُتأخِّرة وهو عقل كبير بلا شك، لكن للأسف عاش ومات مُلحِداً، وأنا اكتشفت أن هذا الرجل كانت عنده إرادة الإلحاد، كان يُريد أن يكون مُلحِداً، اعترف ببراهين علماء الكلام، فاليهود والنصارى عندهم نفس البراهين، وخاصة برهان النظم Design Argument، قال برهان النظم أقوى البراهين على الإطلاق، المُهِم لا نُريد أن نُطيل الحديث هنا لكنه نقده بشكل سخيف ليس فيه أي صدقية في النقد، قال التطور لداروين Darwin ينقد هذا البرهان، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، ينقد برهاناً عقلياً بفرضية علمية حتى غير ثابتة، ما هذه السخافة؟ هذا ليس تفكيراً علمياً، فهذا الرجل عنده إرادة أن يبقى مُلحِداً، للأسف هذا هو وإلا اهتدى، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ ۩، في عيد ميلاده تقريباً التسعين أقاموا له حفلاً وجاءت سيدة كبيرة في السن وكانت امرأة عامية وقالت له يا سيد راسل Russell أنت الآن في التسعين وعلى شفير القبر فعليك أن تُراجِع نفسك، ألا تخاف؟ قال لها في الحقيقة أنا غير خائف، قالت له لماذا؟ علماً بأن هذا كان أمام الناس، وكان ذكياً وعنده سرعة بديهة، قال لها لا أخاف، حتى لو افترضنا أنه موجود – عن الله سبحانه وتعالى – أنا سوف أُجادِله كما يُجادِلني، حين يقول لي لماذا لم تُؤمِن بي؟ سوف أقول له لماذا لم تترك لي من الأدلة ما يُقنِعني ويُقنِع أمثالي؟ أنا لم أقتنع، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، قال أنا عندي حُجتي، أنا أظن أنه كان كاذباً، بكل بساطة أظن أنه كان كاذباً، لأنه حين يعترف بأن برهان النظم أقوى البراهين على الإطلاق في الدلالة على وجود الله لولا أن نظرية داروين Darwin في التطور العضوي تنقده لآمن به سوف أقول له أنت تكذب علينا وعلى نفسك، كلام داروين Darwin فرضيات وحتى بالمنطق العلمي يُمكِن ألا تعتبر نظريته نظرية علمية، عند كارل بوبر Karl Popper هذه ليست نظرية علمية، فرضية التطور بحسب كارل بوبر Karl Popper لأنها غير قابلة للدحض ليست نظرية علمية، وكل شيئ غير قابل للدحض لا يُعتبَر علمياً عند كارل بوبر Karl Popper على الأقل، أليس كذلك؟ وهو يعرف بوبر Popper ويعرف فلسفته، هذا الرجل ماذا قال؟ قال أنا همي الأكبر في الفلسفة كان أن أُجيب عن أسئلة مُحدَّدة، هل يُمكِن لنا أن نعرف إمكانية المعرفة؟ علماً بأن هذه الأسئلة هي الإبستمولوجيا Epistemology أو نظرية المعرفة، فهو قال أنا بصراحة جوهر ومحور فلسفتي نظرية المعرفة، قال هذا كان همي وقرأت علوماً بما فيها الفيزياء والفسيولوجيا Physiology والفلك لكي أُجيب عن هذه الأسئلة، هذا الرجل قرأ الكثير جداً، هل يُمكِن أن نعرف؟ وما هو القدر الذي يُمكِن أن نذهب إليه في معرفتنا؟ أي ما هي حدود المعرفة؟ هل يُمكِن أن نعرف بلا حدود؟ أنتم تعرفون موقف الاعتقاديين الدوجمائيين، قالوا الإنسان عنده لياقة وقدرة أن يعرف بلا حدود، يعتبرون أنه لا تُوجَد أي حدود للعقل، أنت تقدر على أن تعرف أي شيئ حتى ولو في يوم من الأيام، وبعد ذلك ما طبيعة هذه المعرفة؟ هل هي مثالية؟ هل هي واقعية؟ وبعد ذلك ما هي وسائلنا التي ينبغي علينا اصطناعها في تحصيل هذه المعرفة؟ هل نكتفي بالحس أو نتزوَّد بالحدس مع الحس أو نُهرَع في النهاية إلى العقل على طريقة الفلاسفة العقليين؟ وهذه الأسئلة الثلاثة هي التي تُشكِّل جوهر وإطار وصُلب نظرية المعرفة، هذه هي الإبستمولوجيا Epistemology، هي تُجاوِب عن هذه الأسئلة، فإذا أجبنا عنها أو رأينا كيف يُجيب عنها الفلاسفة سوف نكون أخذنا – إن شاء الله – فكرة عامة مقبولة عن نظرية المعرفة.

نأخذ أول شيئ وهو إمكان المعرفة، هل خُلِقنا أو هل نحن مخلوقون لكي نعرف؟ بالعكس هذه كلها قضية سفسطة كلامية ونحن لا نعرف ولن نعرف وهذا كله غير موجود، فهذا مُمكِن ويُوجَد مَن قالوا بهذا طبعاً، السفسطائيون الحكماء أنكروا الحقائق، قالوا هذا لا يُمكِن، هذا كله كلام فارغ ولن نعرف، لا تُوجَد إمكانية للمعرفة، فهم أنكروا إذن، وهذا يعني أنهم شكّاك مُطلَقون لأنهم أنكروا هذا، ومنهم أيضاً الشكّاك أصحاب مذهب الشك أو الشكية، وسوف نتكلَّم بعد قليل بالتفصيل نوعاً ما عن الشكّاك وأقسامهم والشك المُطلَق والشك الابستمولوجي والشك المنهجي والشك المذهبي وسوف نرى أنواعهم وتاريخهم وأشهر الشكّاك في العالم مثل بيرون Pyrrhon وتلميذه تيمون Timon ومونتين Montaigne وإلى آخره، فضلاً عن شك ديكارت Descartes وأبي حامد الغزالي، كل هذه القصة لابد منها، فالشكّاك أيضاً من المُنكِرين لإمكانية قيام معرفة، قالوا هذا ليس شرطاً ولن نعرف، والأحسن لك ألا تشتغل بهذه القضية كلها، عكس الشكّاك السفسطائيين الدوجماطيقيون أو الدجمائيون، قالوا نحن نعرف ونقدر على أن نعرف الحقائق في ذاتها والأشياء في جواهرها ولا تُوجَد حدود للمعرفة البشرية، وهذا عجيب، أي أنها مفتوحة، قالوا أنها مفتوحة بالكامل، جاء الفيلسوف التجريبي الإنجليزي فرانسيس بيكون Francis Bacon وقال – على ما أذكر لكم – مثل الفلاسفة التأمليين – وهم الفلاسفة العقليون الذين يظنون أنه يُمكِنهم فهم الكون والوجود كله من خلال الذهن كما قلنا لكم – كمثل العنكبوت، تروعنا وتُدهِشنا بإحكام الصنعة، فهي تصنع لك بناءً عجيباً وعندها طريقة خاصة في النسج، لكن هذا البناء كله بناء مُتهافِت وضعيف وأضعف البيوت، وقال هذا كله من بطنها، فهو قال هذا هو الفيلسوف العقلي، من رأسه يأتي بأشياء وأبنية، وخاصة الفلسفة القديمة النسقية مثل أفلاطون Plato، ثم يأتي بالمُثل ومُثل هذه الصورة وما إلى ذلك، وهذا كله كلام من رأسه، قال مثل العنكبوت، تبنى بناءً وتراه جميلاً، مثل بناء أفلاطون Plato جميل ومُتقَن وجيد لكنه بالكامل بناء مُتهافِت وضعيف، وهو ذاتي لا يستمد من الخارج ولا نستعين به وليس له أي علاقة بي، وهذا تشبيه ذكي، وقال بعد ذلك يُوجَد منهم أناس مثلهم كمثل النملة، التي تظل تجمع الأكل باستمرار لكي تأكل الرزق بعد ذلك، قال هذا الفيلسوف التجريبي الذي يظل يجمع باستمرار، فهو ليس عنده استعداد خاص أو استناد أيضاً على مباديء مُعيَّنة ومن ثم سوف يظل يجمع باستمرار ولن يفعل شيئاً، قال هذا مثل النملة، ثم قال بيكون Bacon أحسنهم الذي مثله مثل النحلة، النحلة تعمل كالنملة – فهي تجمع باستمرار – ولكن بخاصة غريبة فيها تُحيل هذه الأشياء التي تستمدها من رحيق الأوراق والأزهار إلى مادة مُختلِفة تماماً، إلى عسل وإلى شمع، قال هذا الكامل، هذا الفيلسوف الكامل، وهو سوف يكون فيلسوفاً تجريبياً وفي نفس الوقت يعتمد على مباديء عقلية وقدرات في الإنسان، وهذا كان أولاً، ثانياً الذي طبَّق هذه الخُطة في نظر بعض الناس كانط Kant، كانط Kant فعلاً اعتبر العقل لكنه وضع له حدوداً، قال تُوجَد حدود مُعيَّنة ولا نستطيع أن نتعداها، واعتبر التجربة، فكانط Kant جمع الاثنين في سمطٍ واحدٍ، لم يتخل عن العقل لكن وفق فلسفته التي سنعرض لها غداً، ولم يتخل أيضاً عن التجربة ودور التجربة، فكانط Kant أخذ بالاثنين، فهذا مثله مثل النحلة في تمثيل فرانسيس بيكون Francis Bacon.

نأتي الآن إلى الشك، طبعاً هناك إذا ذُكِر الشك شيئ قريب من الشك لكن ليس به، فهو يختلف عنه، وهو الإنكار Disbelief، الإنكار – Disbelief – ليس هو الشك، هناك أناس يقولون هذا كله شيئ واحد، وهذا غير صحيح فهو يختلف، الإنكار ومن ضمنه حتى الإلحاد الديني – Atheism – فهو داخل حتى في الإنكار هو موقف، ودائماً له صورة إيجابية أو مظهر إيجابي وصورة سلبية، لماذا؟ حيث يُنكِر شيئاً من معقائد الناس وموروثاتهم ومُعتاداتهم سواء الأخلاقية أو مُعتقَداتهم الدينية ويتبنى موقفاً مُعاكِساً، ولذلك هو موقف نفسي كما يقول علماء النفس التربوي، قالوا دائماً كل إنكار – Disbelief – هو موقف نفسي، فهو ليس موقفاً عقلياً فقط وإنما هو موقف نفسي أيضاً، يُعارِض شيئاً ويتبنى شيئاً بإزائه، فهو هكذا طبعاً، في حين أن الشاك – كما قلنا – يُعلِّق الحكم ويقول أنا لا أعرف، الشاك الحقيقي هكذا، مثل بيرون Pyrrhon الذي قال أنا لا أعرف، وقال أنا لا أعرف حتى أنني لا أعرف، لا أدري ولا أدري أنني لا أدري، مثل إيليا أبو ماضي، قال لا أعرف ولا أعرف حتى أنني لا أعرف، فهذا هو الشك، أليس كذلك؟ هذا جوهر الشك البيروني في العهد الهلنستي في القرن الثالث قبل الميلاد، هذا شك بيرون Pyrrhon وتيمون Timon وبعد ذلك ذهب إلى الإسكندرية، لكن الإنكار – Disbelief – بما فيه الإنكار الديني أو الإلحاد هو موقف مُزدوَج، سلبي وإيجابي، يُنكِر شيئاً ويتبني شيئاً آخر، مثلاً نأخذ أي قضية علمية، مثل كُرية الأرض، هل الأرض كُرة أو ليست كُرة مثلاً؟ سوف نرى مواقف، لو جاء واحد وقال أنا لا أعرف هل هي كُرة أو ليست كُرة سوف يُسمى بالشاك، فهذا شاك، لكن قد يقول أحدهم الأرض ليست كُرية يا أخي، هذا مُستحيل لأن الأرض مُنبسِطة ومُمهَّدة وتنتهي عند أطراف، فهذا إذن مُنكِر، أليس كذلك؟ أنكر شيئاً وتبنى شيئاً بالمُقابِل، هذا لا يُقال أنه شاك، ولذلك هناك عبارة أعجبتني جداً أذكرها لويليام جيمس William James – الفيلسوف البراجماتي – وهي مُمتازة جداً، قال الذي يُقابِل الاعتقاد – الدوجما Dogma – ليس الإنكار، الذي يُقابِل الاعتقاد البحث والشك، يُقال لك هذا دوجمائي أو دوجماطيقي مثلاً، عنده آراء وعقائد ولا يقبل فيها النقاش وما إلى ذلك، كيف تنظر إلى هذا الموضوع؟ قال أنا أنُكِر، أنا أكفر بكل ما يُؤمِن به، يا رجل قد يكون هذا الرجل على حق، أليس كذلك؟ علماً بأن بعض الناس على هذا النحو، قد يأخذ أحدهم – مثلاً – موقفاً من المُسلِمين أو الإسلاميين فيبدأ يُنكِر كل شيئ، في النهاية ينتهي إلى إنكار الشريعة وإنكار حتى وجود الله، أستغفر الله العظيم، قد يكون من أبناء المُسلِمين لكنه يفعل هذا ويقول أنه لا يُعجِبه المشائخ وعقليتهم الجامدة والتقليدية وأنهم لا يفهمون ولا يُناقِشون، ولذا هذا كله كلام فارغ ودينهم خاطيء، يا أخي بالعكس، يُمكِن أن يكون دينهم صحيحاً يا أخي، وهو صحيح بلا شك، فويليام جيمس William James نبَّهنا وقال لا، نحن نفترض أن هناك مشائخ ودجمائيين، هذا عادي فهناك فلاسفة دوجمائيون حتى كذلك، هؤلاء في كل العلوم والفنون، فالأمر لا يقتصر على رجال الدين فقط، هذا موجود في كل مكان، فويليام جيمس William James قال انتبهوا إلى أن الذي يُقابِل الدوجما Dogma ليس الإنكار – وهذا صحيح – بل البحث والشك، الشك هنا ماذا يُسمونه؟ الشك المنهجي، أفترض أن هؤلاء قد يكونون على صواب وقد يكونون على خطأ، ثم أبدأ أبحث وأختبر دينهم ومُعتقَدهم ثم أنظر بعد ذلك فلعلي أكون منهم لكن ليس عن دوجما Dogma وإنما عن بحث وعن عقل، فأهلاً وسهلاً بهذا، هذا كلام جميل، الذي يُقابِل الاعتقاد ليس الإنكار، كأن تقول أنت مُؤمِن وأنا كافر أو أنت تُؤمِن بكذا وأنا كافر به، قال هذا غير صحيح، هذا الموقف غير فلسفي وغير علمي، الذي يُقابِل الاعتقاد هو البحث والشك.

إذن فهمنا ما الفرق بين الشك وبين الإنكار بأقسامه المُختلِفة، كما قلنا أول نشأة للشك كمذهب وكاسم كانت في العصر الهلنستي، وقلنا أنه امتد من وفاة الإسكندر Alexander، وذلك في ثلاثمائة وثلاث وعشرين قبل الميلاد إلى عشرين قبل الميلاد، أي ثلاثمائة سنة – ثلاثة قرون – تقريباً، هذا اسمه العهد الهلنستي، وقلنا ما هي مواصفاته وتحدَّثنا عن التقاء الروح الصوفية الشرقية بالعقلية الإغريقية الفلسفية العقلانية، فهذا التقى بذاك وخرج عندنا ما خرج وزوت – كما قلنا – الفلسفة وجف عودها وذهب رواؤها وأصبح الاهتمام بالإنسان وبالأخلاق وبالسعادة والفضيلة، وضعف الاهتمام جداً واختفى بقضايا الوجود والميتافيزيقا، هذا ما حدث، في العصر الهلنستي اجتاحت الناس موجة من الشك وتصدَّر لرئاستها وتقدّمها رجل شكّاك، هذا لا نُسميه بالفيلسوف لأنه ضد إمكان المعرفة، فإذن هو ليس فيلسوفاً، هذا الرجل شكّاك وهو شيخ الشكّاك في عصره، اسمه بيرون Pyrrhon، حوالي مائتين وسبعين وقيل مائتين وخمس وسبعين قبل الميلاد، فهو فعلاً في العصر الهلنستي، وكان له تلميذ – أنبغ تلاميذه – اسمه تيمون Timon، تيمون Timon تلميذ بيرون Pyrrhon، فهذا هو الشكّام الثاني، تُوفيَ تيمون Timon وبوفاة تيمون Timon انتهى الشك، هذه الموجة انتهت لتُبعَث بعد ذلك – بعد قرن كامل – في الإسكندرية، حدثت نهضة – كما رأينا – في مصر، فهي بُعِثَت في مصر وبقيت بعد ذلك إلى القرن الثالث الميلادي، فيُصبِح عمر الشك كله تقريباً موتاً وبعثاً وإعادة ازدهار في زُهاء ستمائة سنة، هذا اسمه الشك القديم، وهذا من المنظور التاريخي، بعد ذلك في العصر الحديث ازدهر مرةً أُخرى على يد مونتين Montaigne، وهو كان مُعاصِراً لإتين دي لابويسيه Étienne de La Boétie صاحب العبودية المُختارة، فهو كان صديقه، سُئل لابويسيه La Boétie لماذا أنت تُحِب مونتين Montaigne هذا الحُب كله؟ قال لأنه هو هو، قال هو يختلف عني، انظروا إلى هذه الناس الواعية، وفعلاً أنا أعتقد أن العقل الحُر والعقل غير العبد أو الذي لا يُحِب العبودية لا لنفسه ولا للآخرين هو الذي يميل إلى مُجانَسة وإلى مُقارَبة المُختلِفين، الذي يُحِب التطابق المُستمِر شخص جبان، وصدِّقوني هذه عقلية جبانة أيضاً، فهو لا يُحِب أن يجلس مع المُختلِف معه، يقول – مثلاً – أنا علماني ولا أجلس مع المشائخ لأنهم سوف يبهدلوني ويُكفِّروني، لكن الموضوع ليس له علاقة بالتكفير فناقشهم، وكذلك قد يقول شيخ أنا لا أجلس مع العلمانيين الحقراء، فهو يخاف من البهدلة أيضاً، لا يا أخي، أجمل شيئ أن تذهب مع المُختلِفين، أليس كذلك؟ وانظر ماذا عندهم، سبحان مَن خلق الرجل والمرأة، لأنهما فعلاً مُختلِفان في أشياء كثيرة فيحدث هذا التجانس، هذا بسبب الاختلاف، لكن لو حدث التطابق لكان قبيحاً جداً، فانظروا إلى هذا الرجل الذكي، سُئل لماذا أنت تُحِب مونتين Montaigne هذا الحُب كله؟ قال لأنه هو هو، قال هو يختلف عني، هذه الشخصية تماماً تختلف عني، ولذلك أنا أُحِبه، وأجد عنده الجديد، أليس كذلك؟ يا ليت نفهم هذا، نحن نُحِب المُطابَقة دائماً، لكن المُطابَقة لا تُولِّد شيئاً جديداً، أليس كذلك؟ المُطابَقة لا تُولِّد شيئاً جديداً، التخصيب لابد أن يكون بين أشياء مُتقابِلة، أي أضداد.

على كل حال مونتين Montaigne كان شيخ الشكّاك في عصره، كان شاكاً كبيراً، بدأ المسكين شاكاً ومات شاكاً، لم ينته إلى يقين، جاء بعده بحوالي ستين سنة رينيه ديكارت René Descartes، رينيه ديكارت René Descartes بدأ شاكاً لكن شكه كان شكاً منهجياً، وانتهى في مقال في المنهج إلى اليقين، وكتب أحد الأدباء عبارة جميلة جداً، يُقال إن رينيه ديكارت René Descartes بكتابه ذائع الصيت مقال في المنهج قابل قصة انتصار بقصة هزيمة، هزيمة مَن؟ هزيمة المسكين مونتين Montaigne الذي وصل إلى العدم في النهاية، شك ولم يستوثق من العقائد الدينية، قال لا إله ولاآخرة ومات مُحطَّماً طبعاً، إياكم إخواني وأخواتي أن تظنوا أن هؤلاء الذين يفتقدون الإيمان يعيشون حياة طبيعية أوسعيدة أو عادية، لا والله، لا يحدث هذا أبداً، ذات مرة شاهدت فيلماً وثائقياً وهو موجود على اليوتيوب YouTube مع فيلسوف بريطاني مُعاصِر كان في الستين من عمره وقد أبكاني، فجأة بكيت، أجروا معه لقاءً وهو مُلحِد طبعاً – كانت السلسلة عن الإلحاد والملاحدة – وقال له الذي يُقابِله طبعاً أنت الآن لك هذه الفترة الطويلة في الإلحاد وكذا وأنت مُكتفٍ ومُرتاح، فسكت ونكس برأسه وقال له أبداً، أنا صُدِمت من الجواب، قال له كيف؟ هذا المُذيع لم يُعجِبه هذا لأنه يُشجِّع الإلحاد، قال له أنا سأقول لك الحق والصدق، قال له من يوم فقدت إيماني لم أستقر ولم أجد نفسي بعد، هذا الذي أبكاني، وقلت هذا الرجل عنده الحق، لا تزال بقية إنسانية فيه، لا يُمكِن يا إخواني هذا، حتى جان بول سارتر Jean-Paul Sartre عاش مُلحِداً ومات مُؤمِناً، لم يمت مُلحِداً، طبعاً معروف عن سارتر Sartre وثابت عنه أنه حين كان في الاحتضار – في السياقة كما يُقال – قال ائتوني بالقسيس، فأتوا به بالقسيس لكي يُعمِّده، وفعلاً مات مُعمَّداً صاحب الوجود والعدم، قضى حياته كلها في الإلحاد، وسبحان الله في آخر لحظة قال ائتوني بالقسيس، وطبعاً الذي يقرأ آثار سارتر Sartre بدقة سوف يجد له عبارة تشي ربما بهذه النهاية، في النهاية سوف يعود هذا المسكين إلى الإيمان ركضاً ركضاً في آخر خمس دقائق، لم يقدر على الاستمرار، فهو عنده عبارة جميلة جداً، ماذا قال؟ قال يبدو أن هناك ثقباً في دماغ كل واحد منا – يُوجَد خرم – وهذا الثقب لا يسده إلا الله، علماً بأنه كان ذكياً جداً حين قال هذه العبارة، لكن اكتشفت قبل فترة بسيطة أن هذه العبارة قالها مونتسكيو Montesquieu صاحب روح القوانين أو روح الشرائع، فأخذها سارتر Sartre منه، ولماذا كان ذكياً فعلاً حين أخذها؟ هذه العبارة الآن لها دلالة علمية والله، ويُسمونها في الـ Frontal lobe ببُقعة الله، قالوا هذه بُقعة – Spot – الله، يُوجَد في الدماغ عندنا مراكز تتحرَّك لكي تجعلنا نُؤمِن رغماً عنا، هذا الشيئ موجود، وهذا والحمد لله من فضل الله تبارك وتعالى، وحين تُستثار هذه المراكز يجد الإنسان فعلاً دافعية كُبرى للإيمان والاعتقاد بالغيبيات وبالله وإلى آخره، يُوجَد شخص خبيث فظيع من نوعه والعياذ بالله، وأنا فهمت منه عبر تجربة أُجريَت عليه في كندا آيات قرآنية لأول مرة بهذه الدقة والرهف، ما هي؟ هو مصداق للآية، وهو دوكينز Dawkins – ريتشارد دوكينز Richard Dawkins – المُهتَم بالتطور وهو صانع الساعات الأعمى، وهو بيولوجي مُلحِد، فهذا الرجل أجروا عليه هذه التجربة وأتوا بالجهاز الذي يُثير هذا الجُزء من الدماغ ولم يُستثَر عنده الشيئ، من المُفترَض أن يُستثار رغماً عنه لكن لم يحدث أي شيئ، قال لهم لم أشعر بشيئ، قالوا هذا غريب، أول مرة يمر علينا شخص على هذا النحو، هناك ملاحدة قد يُفكِّرون إلا هذا، فقلت هؤلاء لا يفهمون معنى قول الله خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ۩، يُوجَد شيئ اسمه الختم، إذا ختم الله على قلب أحد أو فؤاد أحد انتهى الأمر، الختم ما هو باللغة العربية؟ أن يُختَم شيئ يعني أن يُستوثَق منه بحيث لا يخرج منه داخلٌ فيه ولا يدخل إليه خارجٌ عنه، مثل زجاجة المياه الغازية التي فيها ختم، الصودا التي فيها لا تخرج والذي في خارج لا يدخل إليها إلا حين تفتحها، والفتح بيد ربك لا إله إلا هو، المفتاح بيد الفتّاح، دوكينز Dawkins مختوم على قلبه، هم حاولوا أن يُحرِّكوا هذا المكان في الدماغ ولم يُحرَّك عنده أي شيئ، لأنه مختوم لن يدخل شيئ، قال أنا لم أشعر بأي شيئ، وطبعاً جاء ملاحدة – نُكمِل بهذه العبارة اللطيفة – وفرحوا، قالوا نحن قلنا لكم الإيمان كله قضية فارغة وقضية عندها أساس عُضوي، لكن هذا الدليل في صالحنا، لكنهم قالوا الإيمان عنده أساس عضوي وهذا الجُزء أو الفص – Lobe – بالذات يتحرَّك عند الناس المصروعين، الذين عندهم صرع – Epilepsy – ينشط عندهم هذا أكثر وتجدون عندهم تهويمات إيمانية وما إلى ذلك، هذا يعني أن هذه الحكاية كلها نوع من الجنون ولا يُوجَد إيمان وما إلى ذلك، فجاء رجل عالم وهو من أكبر العلماء في الدماغ والأعصاب اسمه راماشاندران Ramachandran في أمريكا وهو بروفيسور Professor كبير أصله هندي – رجل نابغة وعنده إبداعات في هذا العلم – وقال لهم لا، هذه التفسيرات مُبتسَرة وليست صادقة، لماذا لا تقولون أن وجود هذه الأشياء – وهو رجل علمي أصلاً ليس له علاقة بالأديان لكنه يُريد أن يُفكِّر تفكيراً علمياً – وكونها مزروعة في أدمغتنا يُشبِه أن تكون كالهوائي – Antenna – الموضوع فوق السقف لكي يستقبل إشارات خارجية؟ الرب فعل هذا لكي يُقيم الحُجة عليك يا أخي، أليس كذلك؟ أنت تستقبل أي حاجة بأشياء مُعَدة باستقبالها، أنت تستقبل الصور والمرائي بالعين، والمسموعات بكذا والمذوقات بخلايا كذا، وتستقبل أيضاً دفق الإيمان ووحي الإيمان وإلهام الإيمان والتحديث – وإن لربكم في أيام دهركم نفحاتٍ ألا فتعرَّضوا لها – وإلى آخره بهذا، قال لك وجِّه القمر الصناعي – Satellite – الخاص بك إلى هذا، وجِّه الهوائي – Antenna – الخاص بك إلى هذا، وجِّه هذا القرن بالصلاة والذكر، فانظر إلى هذا الحديث، قال النبي إن لربكم في أيام دهركم نفحاتٍ ألا فتعرَّضوا لها وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويُؤمِن روعاتكم، اللهم آمين، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واكفِنا ما أهمنا من أمر دُنيانا وأمر أُخرانا واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وإلى أن نلقاكم غداً فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وشكر الله لكم على حُسن استماعكم.

(تابعونا في الحلقات القادمة)

سلسلة التعريف بمباحث الفلسفة – حلقة 4

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأشرفان الأتمان الأكملان على سيد الأنبياء والمُرسَلين سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله النبي الأمين وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً.

في الحقيقة فاتني بالأمس أن أشكر الإخوة والأخوات القائمين على هذه الدورة وفي رأسهم أختنا الفاضلة أم محمد الداعية المُوفَّقة، في البداية – سبحان الله – ربما لأنني كنت مُحرَجاً – هكذا أنا في طبعي – نسيت أن أشكر الإخوة والأخوات القائمين على هذه الندوة والذين أسعدوني وشرَّفوني بأن أتاحوا لي فرصة أن ألتقي بهذه الوجوه الكريمة المُبارَكة – باركها الله في الدنيا والآخرة – وفي رأسهم أختنا الأستاذة الكبيرة الداعية المُوفَّقة أم محمد، بارك الله فيها وفيهم وفيهن جميعاً وجمعوات وشكر الله سعيهم وبلَّغهم الأمل. اللهم آمين.

بلغنا إخواني وأخواتي أمس في حديثنا إلى نُقطة أن ديكارت Descartes أبا الفلسفة الحديثة كما يُلقَّب أو كما يُنعَت كان فيلسوفاً عقلانياً أو عقلياً، وكان يعمل ضد موجة الشك التي اجتاحت أوروبا بدءاً من عصر النهضة وما تلاه، وذكرنا أنه اعتمد فكرة الأفكار الفطرية واعتمد الحدس كقوة أيضاً لمعرفة الحقائق وقال بالاثنينية أو بالازدواجية أو بالثنائية في تفسير الوجود فتكلَّم عن المادة على أنها امتداد وتكلَّم عن العقل على أنه تفكير، أي قوة تفكير، هذا مُلخَّص طبعاً مُشوَّه لفلسفة هذا الرجل، لكن في المُقابِل في نفس عصر رينيه ديكارت René Descartes بدأت بذور الحسية والتجريبية تنمو وتُنبِت نباتاً غير كريم وغير حميد، الفلسفة الحسية والتجريبية بصورها المُتطرِّفة بلا شك تعمل في اتجاه مُضاد لكل الفلسفات الروحية بل والفلسفات العقلية، ولذلك بلغت نهايتها وغايتها المنطقية في دعوات إلحادية تتنكر لكل غيب ولكل معنى روحي بل لكل لياقة عقلية مما اعترفت به الفلسفة العقلية بأقطابها المشهورين، من جهة أُخرى اجتماعية وأخلاقية انتهت مثل هذه الفلسفات إلى عدمية اجتماعية وعدمية قيمية، دائماً القيمي أو الأخلاقي يحتاج إلى سند مُفارِق، طبعاً هذه المسألة – إن شاء الله – سنتعرَّض لها ربما في دورات أُخرى – إذا قدَّر الله وفسح في الأجل – حين نتحدَّث عن قيام أخلاق بلا دين، هل يُمكِن أن تقوم أخلاق بلا دين كما يزعم كثير من الماديين؟ ونحن بكلمة واحدة نقول مُستحيل، مُستحيل أن تقوم أخلاق بغير معنى ديني، كل معنى خُلقي هو في بطانته وفي حقيقته في النهاية يستند إلى معنى روحاني أو معنى ديني، فكانت هذه الغاية الطبيعية التي انتهت إليها هذه الفلسفات الحسية والتجريبية والواقعية كما يُسميها بعضهم.

فرانسيس بيكون Francis Bacon الذي كان مُعاصِراً لديكارت Descartes – قلنا ديكارت Descartes تُوفيَ في ألف وستمائة وخمسين وفرانسيس بيكون Francis Bacon تُوفيَ في ألف وستمائة وست وعشرين – صاحب الـ Novum Organum أو الآلة أو الأداة الجديدة في مُقابِل الأداة القديمة وهي المنطق الصوري Formal logic – المنطق الأرسطي طاليسي المشهور – اعتمد التجريبية والمُلاحَظة والحس واكتفى بها للوصول إلى الحقيقة، في الحقيقة بيكون Bacon لم يكن مهموماً بمعرفة الحقيقة كما اهتم بها الفلاسفة الميتافيزيقيون بمقدار اهتمامه بالسيطرة على الطبيعة، هو لم يشتغل بمسألة معرفة الحقائق الماورائية والميتافيزيقية، رأى أن هذا يُشكِّل عبثاً فارغاً وترفاً يُمكِن أن نتجاوزه، المُهِم في المعرفة أن تُمكِّننا من السيطرة على الطبيعة، وله العبارة المشهورة التي تقول المعرفة قوة، إلى اليوم طبعاً هذا المنطق لا يزال يتخلَّل الفكر الغربي وبالذات الجُزء العلموي منه، طبعاً كان أيضاً مُعاصِراً بمعنى أو بآخر لهما الفيلسوف الإنجليزي السياسي توماس هوبز Thomas Hobbes صاحب كتاب الوحش Leviathan، هذا الوحش المذكور في العهد القديم أو في التوراة، طبعاً توماس هوبز Thomas Hobbes من ناحية الفلسفة السياسية كان يرى ضرورة الحكم المُطلَق ويُبرِّر للحاكم الفرد المُطلَق أن يُعيد حتى تأويل النصوص القانونية على ما يرى، على ما يرى فيه مصلحة المُجتمَع، فكان رجلاً مُتطرِّفاً في هذه الناحية، في ناحية نظرية المعرفة ونظرية الوجود في الإبستمولوجيا Epistemology والأنطولوجيا Ontology الرجل أيضاً كان حسياً تجريبياً مُتطرِّفاً، إذن هو جرى في نفس الاتجاه، لكن كبار التجريبيين هذه الحقبة المشهودة في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تمثَّلوا في ثلاثة إنجليز، في الحقيقة الفلسفة التجريبية بتشكيلاتها المُختلِفة أكثر مَن دعمها وأكثر مَن استشهد لها وشيَّد أركانها هم الإنجليز عبر العصور، ففرانسيس بيكون Francis Bacon إنجليزي، توماس هوبز Thomas Hobbes إنجليزي، جون لوك John Locke إنجليزي، جورج بيركلي George Berkeley، ديفيد هيوم David Hume اسكتلندي – Scottish – لكنه من نفس النطاق، لبرتراند راسل Bertrand Russell إنجليزي، جون ستيوارت ميل John Stuart Mill إنجليزي، كل هؤلاء إنجليز، فهم عندهم هذه النزعة، على كل حال علي عزت بيجوفيتش Alija Izetbegović له تصوّر آخر لهذا المجال الأنجلوسكسوني لكن يبدو أنه أغفل مُلاحَظة هذه الناحية الفلسفية في تاريخ الفكر الفلسفي، لو كان وقف عليها لتغيَّر منظوره، المُهِم مَن قرأ كتابه الإسلام بين الشرق والغرب يفهم ماذا أُريد أن أقول، فجون لوك John Locke إذن وجورج بيركلي George Berkeley وديفيد هيوم David Hume هؤلاء الثلاثة هم الأبرز، والثلاثة إنجليز، أقربهم إلى المذهب العقلي جون لوك John Locke، طبعاً أنا مُتأكِّد وأستمحيكم عذراً أن هناك بعض الأشياء أقولها وهي غير واضحة خاصة ربما لمَن لم يتمرَّس بدرس الفلسفة من قبل أو لمَن حتى لم يطلع ربما أي اطلاع على الفلسفة، أشياء كثيرة يسمعها وتكون غير واضحة بالنسبة إليه، فما هي حقيقة التجربيبة – مثلاً – أو أصالة التجربة؟ ما حقيقة العقلية أو المذهب العقلي بالضبط؟ غير واضح هذا، لكن هذا – إن شاء الله – سيضح شيئاً فشيئاً حين نبدأ نخوض في مباحث الفلسفة، سوف تُصبِح الأمور – إن شاء الله – أكثر وضوحاً وتبياناً، فجون لوك John Locke هو أقرب هؤلاء الثلاثة إلى المذهب العقلي، وسيضح لنا هذا تماماً عند مذهب الإبستمولوجيا Epistemology إن شاء الله، أما أكثرهم تطرّفاً فهو الاسكتلندي ديفيد هيوم David Hume، هو أكثرهم تطرّفاً على الإطلاق، جورج بيركلي George Berkeley اليوم سنتكلَّم عنه بإسهاب قليل يُناسِب المقام بعد قليل، الرجل مثالي من جهة لكنه يدعم التجريبية، تُوجَد لا أقول تناقضات وإنما مُفارَقات في موقفه الفكري، هؤلاء الثلاثة تصدوا بالنقد لديكارت Descartes ومنهجه وطريقته، انتقدوا موقفه من الأفكار الفطرية، لماذا؟ لأنهم يكتفون بالحس مصدراً أساسياً ورئيساً ووحيداً لاستمداد المعرفة، لماذا نحتاج إلى أفكار فطرية كالتي ادّعاها ديكارت Descartes واستند في صدقيتها إلى الله – تبارك وتعالى – المُفارِق المُجرَّد والذي لا يخدعنا لأنه ليس خبيثاً؟

بعد ذلك تُفضي النوبة إلى الفيلسوف العظيم والكبير – بعض الناس يُبالِغ في قيمته ويقول أنه حتى أعظم الفلاسفة باستثناء أرسطو Aristotle، وبعضهم يضعه على قدم سواء مع أرسطو Aristotle – وهو الفيلسوف النقدي إيمانويل كانط Immanuel Kant صاحب الكتب النقدية الشهيرة، مثل نقد ملكة الحكم ونقد العقل العملي، وأشهرها طبعاً وأضخمها وأصعبها نقد العقل المحض أو العقل الصرف، أي Critique of Pure Reason بالإنجليزية أو Kritik der reinen Vernunft بالإلمانية، سنتحدَّث عن حقيقة موقف كانط Kant, وهو طبعاً فلسفته مُعقَّدة جداً، مكث في تأليف كتابه هذا خمس عشرة سنة ثم أهداه إلى أحد زملائه من المُفكِّرين والفلاسفة، فمكث عنده أسابيع ثم أعاده إليه وقد كتب عليه مع الشكر الجزيل إلا أنني لا أحتاج إلى هذا الكتاب، لقد خشيت على عقلي، أي سوف أُجَن لو استمريت في قراءة هذا الكتاب، سوف أفقد عقلي، كتاب صعب جداً جداً ومُتقَن، علماً بأن هذه هي الطريقة الألمانية، الألمان عندهم دقة غير عادية، كل شيئ بشكل هرمي وSystemically – من System – وعندهم نسق مُعيَّن يخدمونه وكل شيئ يُفضي إلى شيئ، حتى اللغة الألمانية هكذا، كل شيئ مُرتبِط بكل شيئ فيها، إذا لم تعرف أداة التعريف لا تستطيع أن تتكلَّم الألمانية، وأداة التعريف لا يضبطها منطق، كل كلمة لها أداة تعريفها من غير منطق، الشيئ يكون مُؤنَّثاً في الحقيقة وتكون أداته مُذكَّرة، هو هكذا، لابد أن تحفظ هذه الكلمات، هذه طريقة التفكير الألماني وهذه طريقة اللغة الألمانية، كانط Kant باختصار كان عدواً للميتافيزيقا، طبعاً لم يكن فيلسوفاً عقلياً إذن أو ميتافيزيقياً، لماذا؟ في البداية طبعاً بدأ ككل الفلاسفة المشاهير فيلسوفاً ميتافيزيقياً يعتقد بالميتافيزيقا ويشتغل إلى مباحثها إلى أن قرأ للفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم David Hume، وهو لم يسبقه بكثير، على كل حال قرأ لديفيد هيوم David Hume، وديفيد هيوم David Hume تُوفيَ في ألف وسبعمائة وست وسبعين، كانط Kant تُوفيَ في ألف وثمانمائة وأربع، فهما تعاصرا بمعنى أو بآخر، قرأ كانط Kant له فقال لقد أيقظني ديفيد هيوم David Hume من سُباتي الدوجماطيقي، علماً بأن الدوجماطيقية – Dogmatism – عكس الشكية، عندنا الشكية وعندنا الدوجماطيقية – Dogmatism – وهي الاعتقاد الجازم بأشياء مُعيَّنة من غير أن يكون لدى المرء الأدلة الكافية التي تُبرِّر اعتقاده، نقول هذا يعتقد بدوجما Dogma أو عنده دوجما Dogma أو ينطلق من تفكير دوجماطيقي، هذا معنى ذلك الكلام، أن هذه الأشياء هكذا، رأسه وستون سيفاً أنها هكذا، وحين نبدأ نتحاور نجد أن ليس عنده أي أدلة كافية لكنه يعتقد بها ومُستعِد أن يموت من أجلها، بالمُناسَبة سُئل مرة الفيلسوف الإنجليزي التحليلي برتراند راسل Bertrand Russell هل أنت مُستعِد أن تموت من أجل أفكارك؟ قال لا، أنا غير مُستعِد، أنا لست شهيداً، قيل له لماذا؟ قال لأنني لست واثقاً منها، ولذلك قيل في التنكيت على هذا الرجل قالوا مَن أراد أن يعرف فلسفة برتراند راسل Bertrand Russell فلينظر إلى الساعة، كل ساعة يُغيِّر فلسفته، كان يتطوَّر باستمرار، الرجل طبعاً يُحِب أن يصل إلى الحقيقة، يبحث عن الحقيقة فدائماً يتغيَّر، من الصعب أن تقول هذه فلسفة برتراند راسل Bertrand Russell، هذا من الصعب جداً، لابد أن تقول في أي سنة ومن أي كتاب لأنه يتطوَّر باستمرار.

على كل حال كانط Kant يقول لقد أيقظني ديفيد هيوم David Hume من سُباتي الدوجماطيقي، اليوم طبعاً سنتوغَّل قليلاً في موقف ديفيد هيوم David Hume، ماذا قال ديفيد هيوم David Hume عن الميتافيزياء مثلاً؟ كيف تأتى له أن يُحاوِل زعزعتها – مثلاً – أو اجتثاث جذور شجرتها؟ طبعاً أشياء كثيرة من ضمنها التشكيك في المعقولات والتشكيك في المفاهيم الكُلية، المفاهيم الكُلية يُسمونها المعقولات بأقسامها، وربما سأُضطَر طبعاً – وأرجو ألا أكون ثقيلاً – إلى أن أشرح لكم أقسام المعقولات، المعقولات الأولى ثم المعقولات الثانية، المعقولات الثانية المنطقية والمعقولات الثانية الفلسفية والفرق بينهما والإضافة الإسلامية في هذا الباب وهي إضافة دقيقة جداً جداً بل وعبقرية، إضافة لم يستوعبها لأنه لم يقف عليها لا هيجل Hegel ولا كانط Kant من قبل ولا ديفيد هيوم David Hume ولا الوضعيون المناطقة ومن هنا تخبطهم الفلسفي، أما الإسلاميون فقد كانوا في مُنتهى الدقة بهذا التقسيم الثُلاثي للمعقولات، ديفيد هيوم David Hume لم يُؤمِن بالمفاهيم الكُلية أصلاً، وسنرى مذهبه فيها لكن في وقت لاحق اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى، فكانط Kant اختلف موقفه بعد أن قرأ هيوم Hume، انتهى بعد ذلك – بعد رحلة نقدية طويلة مُتعالية كما تُسمى – إلى أن العقل النظري ليس جديراً وليس مُؤهَّلاً وليس مُقتدِراً على أن يتعاطى مع القضايا المُسماة بالميتافيزيقية، سوف تقول لي ما هي؟ هذا الجُزء الثاني من درسنا اليوم، سوف نقول ما هي الميتافيزيقا وما إلى ذلك، وسوف نضرب طبعاً أمثلة مُسهَبة لبعض قضايا الميتافيزيقا وكيف تُعالَج وكيف تكون فيها المُحاجَجة لكي نفهم ما هي الميتافيزيقا، فكانط Kant قال غير مُمكِن، العقل النظري لا يستطيع أن يتعامل مع القضايا الميتافيزيقية، مُستحيل، مُستحيل أن ينتهي فيها إلى شيئ يُستعصَم بعروته، كلها أوهام وتخليطات وتخبيطات، أشياء لا يُمكِن أن يُعتصَم بها فلنتركها، هذا كلام فارغ، طبعاً ديفيد هيوم David Hume الذي أثَّر في كانط Kant له كتاب مُهِم تُرجِم إلى العربية والحمد لله، وهو ليس كتاباً كبيراً وإنما هو مُتوسِّط الحجم، اسمه An Enquiry Concerning Human Understanding، أي بحثٌ في الفاهمة البشرية أو بحثٌ في الفهم الإنساني، بالضبط ترجمته هي بحثٌ بخصوص الفهم الإنساني لكنه تُرجِم بحثٌ في الفهم الإنساني، قال فيه ديفيد هيوم David Hume إذا وقع في يدك كتاب في اللاهوت – أي الثيولوجيا Theology – أو في الفلسفة الميتافيزيقية – كانت تُسمى الفلسفة عموماً، أهم شيئ في الفلسفة هي الميتافيزيقا، إذا كنت لا تعرف الميتافيزيقا لن نتعرف الفلسفة، هذا أهم شيئ خاصة في العصورالقديمة والوسطى، بعكس العصر الحديث اختلف اهتمام الفلسفة وتعريفها تبعاً لذلك أيضاً صار مُختلِفاً – فانظر فيه، هل يبحث ويتعاطى مع مسائل وقضايا رياضية بتفكير رياضي مُجرَّد؟ ثم – طبعاً لن تجده هكذا، لا اللاهوت ولا الميتافيزيقا، ليس عندهما هذا المنهج – اسأل واستشر هذا الكتاب، هل يبحث هذا الكتاب في قضايا علمية طبيعية بالأسلوب التجريبي؟ أي أسلوب العلم، العلم التجريبي بمعنى الـ Science، فإن وجدته لا يفعل أنصحك أن تُلقي به في النار – مُباشَرة أرمه في النار – ولن تأسف عليه لأنه لا يحتوي إلا على أوهام وسفسطة وكلامٌ بلا معنى، هذا هيوم Hume، كان شديداً جداً في موقفه من الميتافيزيقا، طبعاً ليست مُجرَّد دعوى، الرجل عنده بناء من الاستدلالات وقد قرأها كانط Kant وتأثَّر، فالرجل عنده استدلالات قوية، وكما قلت لكم سنعرض لبعضها – إن شاء الله – بُعيد قليل، كانط Kant انتهى إلى أن مسألة وجود الله – تبارك وتعالى – ومسألة خلود النفس أو الروح – الناس يُسمونها الروح مثلاً – والآخرة والخلود هي أشياء لا يُمكِن للعقل النظري أن يتوصَّل فيها إلى شيئ ذي جدوى، وإنما يُمكِن أن نُوافِق عليها لا على أنها من مُقتضيات النظر العقلي بل على أنها من مُقتضيات تسليمنا للموقف العملي الأخلاقي، كان يُظَن قبل كانط Kant أن الموقف العملي الأخلاقي والقيمي هو نتاج للتصوّرات في الأبواب الثلاثة، في باب وجود الله وفي باب حرية الإرادة وفي باب الخلود أو الآخرة بشكل عام، إذن حرية الإرادة والخلود أو الآخرة ووجود الله تبارك وتعالى، كانط Kant أثبت العكس، قال بالعكس مُسلَّمات العقل العملي والأخلاقي تقتضي أن نُوافِق على هذه الأشياء، لكن أن يُدّعى أنها أشياء مُبرهَنة ومُدلَّلة بالأسلوب العقلي البحت هذا كلام فارغ، دعوى ميتافيزيقية، فقط رجال الدين يدّعون هذا والفلاسفة الميتافيزيقون، لكن ليس عندهم قدرة على أن يُبرهِنوا هذا، وطبعاً كانط Kant تحداهم، ولذلك كانط Kant جاء ليُقوِّض أُسس الميتافيزيقا – عجيب – وفي نفس الوقت ليُعيد الاعتبار إلى القيم الأخلاقية والمُجتمَعية التي زلزلتها وقلقلتها مباديء وروح عصر النهضة وما تلاها، أعاد إليها الاعتبار كانط Kant، كانط Kant كان أخلاقياً وكتبه تُؤكِّد ذلك تماماً لكنه لم يكن ميتافيزيقياً، هو في ذاته كان أشبه بالمُتدين – ليس عنده مُشكِلة – لكن ليس على أُسس نظرية، طبعاً هذه ضربة هائلة جداً للميتافيزيقا، من أقوى الضربات على الإطلاق، ومن أصعب ما يُمكِن أن يتصدى له فيلسوف ميتافيزيقي هو الرد على كانط Kant، أنا أرى أن الأقدر بإطلاق في مسألة الرد على كانط Kant هم الفلاسفة الإسلاميون الذين حذقوا الفلسفة الإسلامية، وطبعاً هي فلسفة ليست سهلة، فلسفة عميقة وصعبة جداً، طبعاً مَن درسها بتأنٍ ودرس مسائلها يعلم صدق هذا التقرير، وبعد ذلك لو قارن بين الفلسفة الإسلامية وبين الفلاسفة الغربيين الكثر وهم مشاهير وكبار سوف يرى مدى هلهلة مناهج هؤلاء ومدى ضعف ملكاتهم بالنسبة إلى الفلاسفة الإسلاميين، فالعقل الإسلامي عقل مُحترَم إلى حد أبعد مما يتخيَّل الدارس إلا أن يكون دارساً مُتعمِّقاً ومُقارِناً، سوف يستعيد الثقة بعد ذلك بنفسه حقيقةً.

العجيب أنه بعد كانط Kant وبعد مرحلة كانط Kant شهدت ألمانيا بالذات – وهو كان ألمانياً طبعاً وعاش في كونيغسبرغ Königsberg – ازدهاراً جديداً للمثالية، ليس للحسية وليس للتجريبية أبداً وإنما شهدت ازدهاراً جديداً ومُؤمِّلاً للمثالية، مذاهب مثالية كثيرة، أول هذه المذاهب على يد التلميذ المُباشِر لكانط Kant فيشته Fichte، في النمسا يُسمونه فيخته، اسمه فيشته Fichte أو فيخته والعرب يتأثَّرون طبعاً باختلاف هذه اللهجات، فيشته Fichte أو فيخته تُوفيَ في ألف وثمانمائة وأربعة عشر، أي أنه تُوفيَ بعد كانط Kant بعشر سنين، وهو تلميذه المُباشِر، كان فيلسوفاً مثالياً ورومانسياً، وطبعاً للتنبيه هناك نوعان من الرومانسية، رومانسية الفلسفة ورومانسية الأدب، رومانسية الأدب معروفة، من رومانسيي الأدب نوفاليس Novalis وجان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau وفيكتور هوجو Victor Hugo ولامارتين Lamartine وشيلي Shelley وبيرون Byron وأمثال هؤلاء وهم مشهورون، هؤلاء رومانسيو الأدب، رومانسيو الفلسفة أشهرهم على الإطلاق مَن سنذكرهم، مثل فيشته Fichte وشيلينج Schelling وبعضهم يعد هيجل Hegel إلى حدٍ ما لكنه ليس رومانسياً حقيقاً، فهؤلاء رومانسيون، ففيشته Fichte كان فيلسوفاً مثالياُ رومانسياً، ما معنى رومانسياً؟ أنه بدأ بالموقف الشخصي، بدأ بالموقف أو بالموقف الذاتي وانتهى في النهاية إلى تقرير حرية الإنسان وحرية الإرادة – Free will – وجعلها شيئاً أساسياً في فلسفته المثالية، من أقوال فيشته Fichte المشهورة أن الكون محكوم بقوانين ضرورية، أي بقوانين مضبوطة ودقيقة تماماً، هو نظام من القوانين، الكون كله نظام من القوانين، على تشبيهنا أمس – مثلاً – للجسر، نحن نراه كومة من حجارة ومن أشياء ويراه المُهندس بناء من قوانين، كذلك فيشته Fichte رأى أن العالم ليس مُجرَّد أشياء وكواكب وأجرام وأجسام وإنما رآه قوانين تعمل، وهذه القوانين ضرورية، القوانين لا تتخلَّف، قال الله وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۩، قال أما الإنسان فهو استثناء، الإنسان عالم من الحرية، الإنسان ليس عالماً من الحتميات، في جوهره وفي حقيقته هو عالم من الحرية، ولذلك قال فيشته Fichte نحن لا نتبع هذا الكون المحكوم بضرورة القوانين، إنما في الحقيقة العكس هو الصحيح، هذا الكون يتبعنا نحن، ونحن القادرون على أن نُعيد إنتاج وتشكيل هذا الكون بما يُعطيه هذا التصوّر مثلاً، أنه كون قوانين، نحن الذين فعلنا هذا، لماذا نفعل هذا؟ لأننا عالم من الحرية.

طبعاً سُميت أو نُعِتت مثالية فيشته Fichte بالمثالية الذاتية Subjective idealism، اسمها المثالية الذاتية وقد فهمنا لماذا، بعد ذلك جاء شيلينج Schelling، علماً بأن شيلينج Schelling تتلمذ عليه فيلسوفان كبيران أو مشهوران، كارل ماركس Karl Marx أخذ دورة على شيلينج Schelling وتتلمذ له وعليه وأيضاً الدنماركي مُؤسِّس الفلسفة الوجودية الروحية أو المسيحية سورين كيركغور Søren Kierkegaard تتلمذ على شيلينج Schelling فترةً من الزمن، شيلينج Schelling أيضاً فيلسوف ألماني مثالي، تُوفيَ في ألف وثمانمائة وأربع وخمسين، أي أنه مُتأخِّر قليلاً عن هيجل Hegel، هيجل Hegel تُوفيَ في ألف وثمانمائة وواحد وثلاثين لكن هذا تُوفيَ في ألف وثمانمائة وأربع وخمسين، لكن الثلاثة في حقبة واحدة، نفس الشيئ كان له فلسفة مثالية تنطلق من الشخص وأكَّد أيضاً أصالة الروح الإنسانية، ودُعيَت مثيالته بالمثالية الموضوعية – Subjective idealism – في مُقابِل ميثالية شيلينج Schelling الشخصية أو الذاتية، ثم أتى بعد ذلك آخر فيلسوف نسقي كبير، طبعاً الفلسفة إلى هذا الفيلسوف كانت نسيقة، ما معنى نسقية أو نظامية؟ كان يُطلَب من الفيلسوف أو هو ينتدب نفسه دائماً بطبيعة العمل الفلسفي والنشاط التفلسفي إلى أن يُقيم بناءً هرمياً مُتكامِلاً يُفسِّر كل القضايا التي اعتاد الفلاسفة أن يعتوروا البحث فيها، وهي قضايا الإبستمولوجيا Epistemology وقضايا الأنطولوجيا Ontology وقضايا القيم، لابد أن يتكلَّم في كل هذه القضايا ويكتب فيها، لكن كيف؟ ليس كلام دارس مثل أي أحد فينا، وإنما كلام فيلسوف، بمعنى أن عنده نسق واحد يتكلَّم بمُوجبه في كل هذه المسائل، هو هذا، الفلسفة المذهبية النسقية مثل أفلاطون Plato ومثل أرسطو Aristotle ومثل ديكارت Descartes ومثل هيجل Hegel، آخر فيلسوف نسقي، بعد هيجل Hegel لا يُوجَد فيلسوف نسقي، سوف نرى فلاسفة كُثر، الفلاسفة الوجوديون والفلاسفة البراجماتيون والفلاسفة التحليليون والفلاسفة الوضعيون والوضعيون المناطقة وإلى آخره لكن لا أحد فيهم هو فيلسوف نسقي أبداً، كل أحد اعتنى بجانب مُعيَّن وانتهى الفلسفة النسقية بوفاة الفيلسوف المثالي الكبير صاحب المثالية المُطلَقة – Absolute idealism – وهو هيجل Hegel.

هيجل Hegel كان يرى عكس الرومانسيين، طبعاً هو – كما قلت لكم – بمعنى ما امتداد للرومانسيين لكنه انحرف عنهم، ولذلك ثاروا عليه بعد ذلك، وأول مَن ثار عليه كيركغور Kierkegaard، وماركس Marx أيضاً ثار عليه، لكن لا انتقاماً للرومانسية وإنما كان انتقاماً لشيئ آخر، هيجل Hegel نظر إلى العالم وإلى التاريخ على أنه يسير من العام إلى الخاص ومن المُطلَق إلى المُتعيِّن، ووجد أن هذا الكون والتاريخ والعالم محكوم بقوانين أسماها قوانين الروح، الروح المُطلَقة أو العقل المُطلَق، وهذه القوانين قوانين جدلية، أي أنها ليست قوانين ميكانيكية، ليست ميكانيكية، الميكانيكية تعمل في اتجاه واحد، لكنها قوانين جدلية ديالكتيكية تعمل بالتآثر، فرأى – مثلاً – أن أعم الأفكار على الإطلاق كانت فكرة الوجود Being، فكرة الوجود أعم الأفكار على الإطلاق فجعلها البداية، هذه الفكرة أنتجت نقيضها، وهي فكرة العدم، وبعد ذلك بامتزاج النقيضين صار عندنا مُركَّب ثالث وهو الصيرورة، مُركَّب اسمه الصيرورة، ليس الوجود وليس العدم وإنما الصيرورة، وهو مُركَّب من الاثنين، بالألمانية يُسمون الأولى الطريحة أو الطروحة كما يقول بعض العرب، أي These بالألمانية وهي تُشبِه الإنجليزية، الأُخرى النقيضة، أي نقيضة الطريحة أو الطروحة اسمها Antithese، هذا المُركَّب اسمه Synthese بالألمانية، وهكذا هذا القانون الجدلي يفعل في الوجود بمُستويين، الذهني والعياني، الوجود الذهني يتعلَّق بعالم الأفكار وحتى عالم المُجرَّدات، والعالم العياني الخارجي الواقعي يخضعان كلاهما لقوانين الديالكتيك، هذا الجدل، كل شيئ يبدأ هكذا ويُولِّد نقيضه ويصطرع النقيضان وتأتي تركيبة ثالثة، هذه التركيبة تُولِّد نقيضها ويصطرعان وتأتي تركيبة وهكذا باستمرار، لكن يُوجَد ترقٍ، يحدث الترقي بهذه الطريقة، طبعاً واضح أن كارل ماركس Karl Marx قد استفاد هذا الجدل من هيجل Hegel، والجدل طبعاً عنده أصول يونانية معروفة مع هرقليطس Heraclitus، لكن هذا الجدل بالذات هو جدل هيجلي.

نأتي الآن إلى الفلسفة الوضعية، نحن إلى الآن لا نشرح وإنما نُؤرِّخ لكن تأريخاً سريعاً ولم ندخل في مباحث الفكرة، فقط نُريد أن نأخذ فكرة عامة عن تطوّرالفكر الفلسفي في تحقيباته المُختلِفة الثلاثة، نأتي الآن إلى الفلسفة الوضعية مع الفيلسوف الفرنسي الشهير أوجست كونت Auguste Comte الذي يُدعى أبا علم الاجتماع طبعاً زوراً وبهتاناً، أبو علم الاجتماع بجدارة ومن غير مُبالَغة هو ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون رحمة الله تعالى عليه، وطبعاً تكفينا شهادة المُؤرِّخ الإنجليزي الكبير الثقة الحُجة آرلوند توينبي Arnold Toynbee في A Study Of History الكتاب العظيم الذي ألَّفه في ثنتين وأربعين سنة وقال فيه بالحرف الواحد توينبي Toynbee إن التاريخ الإنساني لم يشهد في أي عصرٍ من الأعصار ولا في أي سُقع من الأسقاع – أي في أي مصر من الأمصار ولك أن تتخيَّل هذا، في أي مكان وفي أي زمان – مُؤرِّخاً وفيلسوف اجتماع مثل عبد الرحمن بن خلدون، توينبي Toynbee قال هذا، قال مُستحيل، هذا رجل فعلاً مُنقطِع النظير وغريب، وتخيَّلوا أن هذا في القرن التاسع الهجري، تُوفيَ في أول التاسع الهجري ابن خلدون، هو من أهل القرن الثامن وتُوفيَ في أول التاسع، ولذلك ترجمه السخاوي في الضوء اللامع، وقد ترجمه ترجمة من أسوأ ما يكون، على كل حال أبو علم الاجتماع هو ابن خلدون وليس أوجست كونت Auguste Comte، لكن هذه هي المركزية الأوروبي، أوجست كونت Auguste Comte أتى بالفلسفة المدعوة بالفلسفة الوضعية أو الفلسفة العلمية، بعض الناس سماها علمية، لكن هو سماها بالفلسفة الوضعية، ما معنى الفلسفة الوضعية؟ الفلسفة الوضعية بجُملة واحدة تكتفي بالمُعطيات المُباشِرة للحس، هذا هو فقط، طبعاً قد يقول بعضكم أنا استمعت أو قرأت مرة أن كونت Comte كان يُفسِّر تطوّر الفكر البشري بقانون المراحل الثلاث أو الثلاث، وانتبهوا إلى أن المُؤنَّث إذا وصفناه بكلمة تتلوه يجوز أن تُذكَّر وأن تُؤنَّث، نقول ثلاث مراحل لكن لا يُمكِن أن نقول ثلاثة مراحل هنا، وإنما نقول مراحل ثلاث ومراحل ثلاثة، هذا يجوز وهو صحيح، فقانون المراحل الثلاث أو الثلاثة صحيح، هذا من أشهر ما عُرِف عن أوجست كونت Auguste Comte، قال في البداية كانت المرحلة الثيولوجية، أي التأليهية، ثم تلتها المرحلة الميتافيزيقية، وفي النهاية الختام والانتصار النهائي والظفر التام – نهاية التاريخ الفلسفي والعلمي للبشرية – مع المرحلة الوضعية، ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن البشرية في البداية كانت تنزع إلى تفسير الظاهرات الطبيعية – أي ظواهر الطبيعة – بأسباب قابعة أو كامنة أو موجودة خارج الطبيعة، أي وراء الطبيعة، ليس في عالم الطبيعة، مثل ماذا؟ مثل الله أو مثل الملائكة أو مثل الأرواح، هذه لا تنتمي إلى عالم الطبيعة أيضاً وإنما هي خارج وماوراء – Behind – عالم الطبيعة وخاصة الله، قال هذه مرحلة ثيولوجية تأليهية – من Theos بمعنى إله أو آلهة – تجاوزتها البشرية إلى المرحلة الميتافيزيقية، وفيها نزعت أو جنحت البشرية والناس إلى تفسير الظاهرات الكونية والطبيعية بأسباب موجودة في الطبيعة لكنها ليست أسباباً محسوسة وإنما أسباب مُجرَّدة وخفية، لكن في الطبيعة موجودة، هذه المرحلة الميتافيزيقية، وبعد ذلك قال بلغنا المرحلة النهائية وهي أرقى مرحلة بلغها العقل الإنساني وتحرَّر فيها من كل هذه الخُرافات الميتافيزيقية والتأليهية وهي المرحلة الوضعية، في المرحلة الميتافيزيقية كان العقل الإنساني مُشتغِلاً على ومهموماً أو مُهتَماً بمعرفة علل الحوادث، يُريد أن يصف وأن يعرف لماذا، لماذا تحدث هذه الأشياء؟ يبحث عن الغايات، كونت Comte قال الآن في المرحلة الوضعية العلمية العقل تحرَّر من هذا البحث، هذا البحث بحث جُزافي غير مُفيد، ليس المُهِم أن تعرف لماذا تحدث هذه الأشياء ومن أجل أي غاية إنما المُهِم أن تعرف كيف تحدث، لكن لماذا تحدث لا يعنينا، وهذا الفرق بين التفسير الميتافيزيقي والتفسير الوضعي، الوضعي يهتم بماذا يحدث وكيف يحدث، ولذلك الآن فلاسفة العلم إلى اليوم – من أيام كونت Comte إلى اليوم – يعترفون ويُقِّرون بكل تواضع ويقولون ليست مُهِمتنا أن نُفسِّر، نحن لسنا معنيين بالتفسير، ما المقصود بالتفسير؟ ليس تفسير آلية الحدوث وكيفية الحدوث، وإنما التفسير الغائي، لماذا تحدث؟ وإلى أي غاية تهدف؟ قالوا هذا لا يعنينا، هذا التفكير ميتافيزيقي وهو تفكير عفا عليه الزمان، لكن يهمنا أن نصف، قالوا نحن نصف ولا نُفسِّر، وفعلاً النشاط العلمي في النهاية ليس تفسيرياً، النشاط العلمي مهما زعم له بعض الناس الذين لا يعرفون فلسفته أنه تفسيري هو ليس تفسيراً، هو وصف، مُجرَّد وصف لكن ليس تفسيراً، نأخذ الآن بعض القوانين – مثلاً – المُعقَّدة في عالم الذرات، تُقدِّم – مثلاً – الفيزياء الحديثة وخاصة فيزياء الكم – مثلاً – بعض الطروحات المُعقَّدة جداً جداً، هذه الطروحات تقتصر على أن تصف ماذا يحدث، لكن لماذا كانت الأمور تحدث على هذا النحو تقول لك هذا لا يعنيني، أنا فقط اكتشفت كيف تحدث وقدَّمته لكم وهذا كافٍ، وبهذا يتطوَّر العلم، أما لماذا هي هكذا، لماذا كانت الشُحنات – مثلاً – في عالم الطبيعة بالطريقة الفلانية؟ تُوجَد عندنا ثوابت، قالوا هكذا هي موجودة، نحن لا نبحث عن العلل، لكن في نهاية المطاف الآن يُوجَد بعض العلماء وجدوا أنفسهم مُضطَرين أن يُعيدوا السؤال من جديد، لماذا؟ وجدوا ثوابت كثيرة بغيرها لا يُمكِن أن يكون الكون على ما هو عليه، هناك تقريباً زُهاء أربع وعشرين ثابتة لا أقول حيَّرت بل بالعكس خصَّبت خيال العلماء، فهم وجدوا أن الكون بغير هذه الثوابت لا يُمكِن أن يكون على ما هو عليه الآن، سوف يكون شيئاً مُختلِفاً تماماً، ولكي يكون الكون على ما هو عليه الآن والساعة وجدوا أنه لابد من بقاء كل هذه الثوابت، هذا يعني أن هذه الثوابت لم تُوضَع جُزافاً ولم تنتخبها الطبيعة بطريقة الانتخاب الأعمى – انتخاب داروين Darwin ودوكينز Dawkins وأمثال هؤلاء – أبداً، لماذا؟ لأنها موجودة مُنذ البداية تقريباً، من البدايات الأولى، وهذا يعني وجود قوة عاقلة أكبر من الكون، وهي وراء الكون وتُهيمن على الكون وهي التي قنَّنت قانونه، بول ديفيز Paul Davies وهو رياضي تطبيقي ويعتني بهذه المسائل فعلاً بشكل جاد حقيقةً ومُحترَم ختم كتاباً له يبحث فيه كما سماه في عقل الإله بسؤال عجيب جداً وهو سؤال فلسفي وليس سؤالاً علمياً، هل هناك إمكانية لأن يكون الكون هو الذي أفرز قوانينه؟ وأجاب الرجل بوضوح قائلاً مُستحيل، علمياً حتى مُستحيل، طبعاً فلسفياً لا، واليوم سنقف وقفة مُسهَبة – إن شاء الله – مع الوضعية المنطقية لكي نُناقِشها بعض الحساب.

نعود إلى هيجل Hegel والذين ثاروا عليه في نقدٍ عاصفٍ، قلنا كان أول هؤلاء الفيلسوف الدنماركي الشاب سورين كيركغور Søren Kierkegaard، كيركغور Kierkegaard رأى أن هيجل Hegel خان الرومانسية وانحرف بها عن طريقها ولم يعد وفياً للإنسان ولحرية الإنسان ومسئولية الإنسان، كيركغور Kierkegaard كان يهتم بالإنسان، لا يهمه موضوع الطبيعة وموضوع الميتافيزياء، كان يهتم أكثر شيئاً بالإنسان، ومن هنا – كما قلنا – الفلسفة النسقية انتهت الآن، صار الاهتمام أكثر شيئاً مُصَباً على حياة الإنسان، الإنسان الفرد بالذات في الوجودية والإنسان في المُجتمَع في الماركسية والدعوات الشمولية والاشتراكية بعامة، كيركغور Kierkegaard كان يرى أن جوهر الإنسان يتجلى في ارتباطه بالله وفي موقفه إزاء الله، الموقف المسؤول إزاء الرب سبحانه وتعالى، والرجل كان مسيحياً لكنه كان ناقماً على مذهب بلده المسيحي وهو البروتستانتي، كان مذهباً بارداً، يرى أنه يفتقر إلى الروح، تحدَّث كيركغور Kierkegaard طبعاً عن القلق الوجودي الذي ينتاب الإنسان، هذا جوهر الوجودية، القلق الذي يعتصر الإنسان حين يُريد أن يُحدِّد أو يختار أو ينتخب خياراته في الحياة، طبعاً هذا جاء انعكاساً لتجربته الخاصة مع الفتاة التي أحبها وهويها ثم اضطُر إلى فسح خِطبته منها وسبب له هذا مأساة اجتماعية وعاطفية أيضاً، وظل يعود المرة تلو المرة إلى هذه الحادثة الأليمة ويُفسلِفها خاصة في كتابه إما أو، عنده كتاب عجيب اسمه إما أو، فكيركغور Kierkegaard تكلَّم كثيراً وكان يتحدَّث عن الإنسان، هذا هو حديث الوجودية، الوجودية التي ترى أن الإنسان يأتي وجوداً بلا ماهية، أما تحديد ماهيته فهو موكولٌ إليه تماماً، ولذلك الإنسان لابد أن يضطلع بحمل حمل ثقيل جداً، وهو أن يرسم ماهيته ومعالم ماهيته شيئاً فشيئاً، والخيارات كلها لك والكرة في ملعبك، لا تستطيع أن تُعوِّل لا على القدر ولا على أي شيئٍ آخر، هذه مُهِمة صعبة جداً، شبَّهها مرة كيركغور Kierkegaard بمَن ينظر في البئر، مَن ينظر في بئر لا قعر لها، بئر سحيقة تماماً، يُمكِن أن يُصاب بالدوار وأن يقع وتنتهي حياته، الفلسفة الوجودية مَن قرأها عموماً تلذ له وتشوقه، لأنها تتحدَّث عن جوانب لا يخلو منها فردٌ منا رجلاً كان أو امرأةً، لذلك نجد معالم هذه الوجودية عند أُدباء حتى وليس عند فلاسفة مشهورين، مثل الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoyevsky، دوستويفسكي Dostoyevsky هو أديب صحيح ولكن هو أيضاً فيلسوف وجودي بمعنى مُعيَّن، حين تقرأ كتابات هذا الرجل تُدرِك هذا، وهو من أروع الوجوديين، برديائيف Berdyaev الروسي – مثلاً – كان فيلسوفاً وجودياً ومُؤمِناً، كيركغور Kierkegaard – كما قلنا – تصدى بالنقد العاصف لهيجل Hegel، لماذا؟ لأن هيجل Hegel لم يعد مُهتَماً بالفرد إنما اهتم بالروح العامة، اهتم بجدل التاريخ، أين الفرد؟ الفرد الآن أصبح شيئاً لا يُنظَر إليه، مأخوذ دائماً في غمرة فعل هذا الديالكتيك التاريخي، ديالتكيك الروح أو جدل الروح، فلا مكانة مُتميِّزة له، وهذا عكس النزوع الرومانسي الذي تبدى مع فيشته Fichte ومع شيلينج Schelling وحتى مع الرومانسيين الأدباء، عكسه تماماً ولذلك تصدى له كيركغور Kierkegaard بالنقد.

من ضمن الأشياء التي أكَّد عليها سورين كيركغور Søren Kierkegaard هو التعالي من أو الترقي من الموقف الجمالي إلى الموقف الأخلاقي وأخيراً استحداث القفزة الأشد خطورة في حياة الإنسان وهي القفزة الدينية، قفزة الإيمان التي نعتها بأنها قفزة في مجهول، طبعاً الموقف الجمالي هو أن تُميِّز بين ما يلذ وما يُؤلِم وبين ما يُمتِع وما يُقلِق، وهذا طبعاً نشاط إنساني لكنه أشبه بالترف يمر به كل فرد، لكن علينا ألا نقتصر عليه، إذا اقتصرنا عليه لم تنضج ذاتيتنا، لا تنضج شخصياتنا ونبقى كالحصرم، فلابد أن نرتقي بعد ذلك إلى الموقف الأخلاقي الذي يُلزِمنا بأن نتخذ إجراءات مُعيَّنة وسلوكات مُعيَّنة قد لا تلذ لنا لكننا نرى أنفسنا مع ذلك مُلزَمين بها، قد تُخنِقنا، قد تُصيبنا بالسآمة والملل، كيركغور Kierkegaard يقول لا بأس، لكنها مواقف أخلاقية تعكس نضج الشخصية، عكس المواقف الجمالية، كأن يُقال أنا أعمل فقط ما أهوى وما يلذ وما يُريحني، هذه حياة بوهيمية، حياة عبثية أشبه بالحياة بالبدائية، لكن الحياة الأخلاقية حياة التزام وارتسام صعبة، يقول كيركغور Kierkegaard أصعب شيئ بعد ذلك – كما قلت لكم – القفزة، أن تُحدِث هذه القفزة وهي قفزة في مجهول، بمعنى أن كيركغور Kierkegaard أيضاً كأنه مُتأثِّراً بكانط Kant أكَّد أن العقل أعجز من أن يقضي في حقائق الإيمان، لا يستطيع، لا يُمكِن أن تقول لي العقل يستطيع أن يقضي ويستدل، كيركغور Kierkegaard كفيلسوف طبعاً قال لك هذا غير صحيح وهذا كلام فيه نوع من الدعوى والزعم الفارغ، العقل لا يستطيع، بالعكس أحياناً تكون حتى أدلة العقل وهي أدلة مُتعارِضة مُتكافئة، قال هذه المسألة لا تعود إلى أدلة تُكتَب وتُتحفَّظ ثم تُعاد وتُكرَّرد، تعود إلى خيار شخصي مُرتبِط بالإرادة الحرة، إرادة الإنسان، تُريد أو لا تُريد، يقول كيركغور Kierkegaard إذا أردت فالمُهِم الآن ليس أن تعرف أو لا تعرف وإنما بالعكس، المُهِم أن تسلك، اتخذ الخُطوة، اتخذ الإجراء، والآن عليك أن تُحدِث قفزة في المجهول، فإما أن تقع على أرض صُلبة وإما أن تهوي في هُوة سحيقة وينتهي أمرك، قال هذا الإيمان قفزة، إيمان قفزة، كأنه يُذكِّرنا أيضاً – وقد يكون مُتأثِّراً أيضاً ببرهان الرهان لبليز باسكال Blaise Pascal، باسكال Pascal صاحب برهان الرهان، أنت تُجري رهاناً، إما أن تنجح وإما تفشل، مع أن بليز باسكال Blaise Pascal كان أوثق حتى من هذا الكلام، على كل حال هذه القفزة الإيمانية، كيركغور Kierkegaard كان مُؤمِناً، كان مسيحياً على طريقته الخاصة، ويبقى كيركغور Kierkegaard هو أبو الفلسفة الوجودية، فالآن نتكلَّم عن الوجودية أيضاً كلمات سريعة.

مُلخَّص الوجودية إخواني – كما شرحت لكم قُبيل قليل – هي الفلسقات، لا أُحِب هي فلسفة لأنها فلسفات في الحقيقة، هناك فلاسفة وجوديون وهم مُؤمِنون بالله وإيماناً عميقاً وجميلاً، وهناك فلاسفة وجوديون وهم ملاحدة عُتاة، مارتن هيدجر Martin Heidegger الإلماني مُلحِد كبير، تلميذه جان بول سارتر Jean-Paul Sartre الفرنسي مُلحِد عتي، لكن كاريوس karius الألماني مُؤمِن، مُؤمِن جميل وعنده فلسفة في الإيمان رائعة جداً جداً في كتاباته، جابرييل مارسيل Gabriel Marcel الفرنسي مُؤمِن، وأيضاً نيكولا برديائف Nikolai Berdyaev الروسي مُؤمِن، هؤلاء وجوديون مُؤمِنون وهؤلاء وجوديون ملاحدة، وكلها فلسفة لكنها ليس فلسفة واحدة، هي أشبه بالفلسفات، لكن يجمعها أنها تهتم بالإنسان الفرد بالذات وبعد ذلك – كما قلنا – تُؤكِّد أن الوجود سابق على الماهية، الوجود – Existence – سابق على الماهية Essence، بمعنى أنك تأتي – كما قلنا – ولا تُوجَد ماهية مُقدَّرة لك أو مرسومة لك، تأتي أنت Tabula rasa كما قال جون لوك John Locke، Tabula rasa تعني لوحة بيضاء، عندك هذا العقل وينمو شيئاً فشيئاً وعندك التجارب الشخصية وتبدأ تختار أنت وتُحدِّد اختياراتك وتمحو وتُثبِت وتنقد وتُبرِم شيئاً فشيئاً وتتطوَّر، وهذه مسئوليتك أنت، جان بول سارتر Jean-Paul Sartre طبعاً له عبارة مُرعِبة، أراها عبارة مُرعِبة حقيقةً، بعض الناس مِمَن يُقدِّسون القوة بالمنطق النيتشوي – نسبةً إلى نيتشه Nietzsche – وأيضاً الإرداة – إرادة القوة – تلذ لهم هذه العبارة، تُعجِبهم عبارة حتى المعوق – أي الشخص المُعوَّق – في كرسي مُدولَب لو دخل سباقاً وعلى الأرجل ولم يفز فهو الملوم، ولك أن تتخيَّل هذا، سارتر Sartre يقول هذا، قال هو الملوم، لا يُوجَد قدر لكي نلومه لأن الرجل كان مُلحِداً، لا يُوجَد قدر، وليس أباه وليس أمه وليس المُجتمَع الملوم وإنما هو، كان لابد أن يكون وهو أشل الرجلين ولا يستطيع أن يسعى عليهم أن يُحقِّق النصر لنفسه وأن يفوز بإزاء مُتسابِقين أبطال في العدو، وطبعاً أنا أرى أن سارتر Sartre هنا لم يكن غبياً، كان قاسياً بلا شك، كان قاسياً جداً جداً، هذه العبارة قاسية، لماذا هي مُرعِبة؟ لأنها قاسية، هذه العبارة غير رحيمة، لكنها عبارة ذكية، من منظور مُعيَّن أراها عبارة ذكية، كيف؟ يُريد أن يكون مُتساوِقاً ومُنسجِماً ومُتسِقاً مع مُقدِّماته، أليس كذلك؟ أنت تقول لي لا قدر والأمر أُنف كالقدرية الأول، هذا الشخص المسكين بهذه الشروط الضعيفة والمُتأخِّرة يُسابِق فقال لك هو عليه أن يُحدِّد ماهيته، يخلق خياراته ويُنشيء ظروفه ويُعوِّض كل الخسائر، إذا لم ينجح هو الملوم، لذلك – سبحان الله – أنا أقول الإيمان أمل – Hope – والإيمان أيضاً سلوى وعزاء، والحياة بلا أمل وبلا سلوى لا تُساوي، تكون صعبة جداً ولا تُعاش، أليس كذلك؟ وطبعاً بلا شك يُمكِن أن يكون لإنسان إزاء إنسان – أي لفرد إزاء فرد – مجال يتحرَّك فيه بخصوص الخيارات وبخصوص المُواجَهات، لكن أحياناً ماذا تكون خيارات الفرض – مثلاً – إزاء نظام؟ نظام عسكري شمولي مُخيف يُمكِن أن يتورَّط في قتل مائة ألف من شعبه، ما خياراتي كفرد أنا؟ خياراتي أن أُسجَن وأن أُقتَل وأن يُنتهَك عِرضي وأن يُقتَل أهلي، هذه خياراتي، لا أستطيع شيئاً على الأقل في مرحلة مُعيَّنة، هناك خيارات للشعب إزاء النظام – صحيح – مفتوحة وقوية لكن كفرد ما خياري يا أخي؟ ليس عندي أي خيار كفرد، أليس كذلك؟ بالذات حين أتحرَّك في لحظة لا يتحرَّك فيها الشعب، خياراتي معدومة، خياراتي أن أموت وأن أُقتَل وأن أُذَل وأن أُهان وأن أجلب العار والمأساة على أهلي وأولادي مثلاً، فإزاء نظام لا تُوجَد خيارات، إزاء عمل الجينات Genes لا تُوجَد خيارات، أنا مولود بلا بصر أو بلا سمع، كيف تقول لي تُوجَد خيارات؟ هذا لم يكن عملي، هذا عمل الجينات Genes، ولذلك حتى مادية بوخنر Buchner في القرن التاسع عشر اعترفت بدور الوراثة وبدور العلل المادية أحياناً في سحق الإنسان، سارتر Sartre لا يُريد أن يعترف، كذب، ولذلك سارتر Sartre أنا أجبت عنه بجُملة واحدة، هو طبعاً حين تعرَّض لماركس Marx تأثر بالماركسية وبالمادية وهذا معروف، لكن في النهاية عاد طبعاً ناقداً لأشياء كثيرة فيها وعنده نقد جميل وله عبارة في مُنتهى الروعة يقول فيها سارتر Sartre في نقد ماركس Marx إذا كان بول فاليري Paul Valéry – الأديب والناقد الفرنسي الكبير – هول بول فاليري Paul Valéry لأنه برجوازي – من طبقة برجوازية – فلماذا لم يكن كل برجوازي بول فاليري Paul Valéry؟ وهذا نقد قوي جداً جداً، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، أي أنه قوَّض جُزءاً كبيراً من الصرح الماركسي بعبارة واحدة، ليس دائماً الشروط التحتية والبنى التحتية هي التي تُنتِج وتتحكَّم في البنى الفوقية، هذا ليس دائماً، هذا غير صحيح، وإلا لو كان بول فاليري Paul Valéry أصبح بول فاليري Paul Valéry بهذه القدرة واللياقة النقدية والأدبية والفنية لأنه من طبقة برجوزاية قذرة سمحت له بذلك وأعطته مزيد من الوقت ومزيد من الترف ومزيد من المال وسدت حاجاته وضروراته وأتاحت له أن يُبدِع في وقت فراغه – لأنه برجوازي وليس عاملاً مطحوناً بُرُولِيتاريا – فلماذا لم يكن كل برجوازي بول فاليري Paul Valéry؟ كما قال سارتر Sartre، تُوجَد عوامل فردية هنا وتُوجَد لياقات حتى فردية ووراثية، نحن نقول قدرية في النهاية، قال الله نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ ۩، تُوجَد قسمة إلهية مُعيَّنة حتى لحكمة بالغة، فأنا بطريقة أيضاً مُشابِهة رددت على جان بول سارتر Jean-Paul Sartre بجُملة واحدة، وهي جُملة صاعقة، طبعاً تقرأ كتابه الوجود والعدم وتعلم أنه كتاب كبير ولا يُستهان به، سارتر Sartre طبعاً يهتم بسؤال مَن أنت؟ وليس ما أنت؟ في البداية مَن أنت؟ وبعد ذلك هذه الماهية أنت تخلقها، أنا أقول له إذا لم أتصد ولم أُوفَّق في معرفة جواب ما أنا؟ لن أستطيع أن أعرف مَن أنا؟ طبعاً، بمعنى أن الإنسان مُنذ البداية – حتى الطفل المُراهِق أو الشاب الذي راهق البلوغ – إذا لم يكن لديه تصوّر كوني – ما يُسميه دلتاي Dilthey الألماني الـ Weltanschauung أو الـ Big picture أو Worldview، نحن نُسميها العقيدة، يُسميها الفرس الرؤية الكونية، وهذه كلها ألفاظ مُتشابِهة – موجود ومُتاح وعنده بعض القناعة تجاهه كيف سيتسقبل حياته؟ سيستقبلها في تخبط وفي متاهات، سيُقال لك لا، تستطيع أن تختار ويُمكِن أن تُصلِح أخطاءك، لكن يُوجَد عندي اعتراض آخر، عمر الإنسان أقصر من أن يُجرِّب كل الخيارات وأن يُصلِح أخطاء كل الاختيارات، هذا غير صحيح، نحن لا نعيش ستة آلاف سنة، يا ليت الأمر كذلك، أعنس لو كنا نعيش ستة آلاف سنة مثلاً، جورج برنارد شو George Bernard Shaw – المسرحي الأيرلندي والفيلسوف طبعاً الكبير والاشتراكي الفابي – كتب مرةُ يقول في مسرحيته عن سوبر مان Superman الإنسان يحتاج أن يعيش ثلاثمائة سنة على الأقل لكي يُمكِنه إجراء اختبار معقول للأفكار والمذاهب والطروحات، لابد من ثلاثمائة سنة، خمسون وستون كلام فارغ، لن تقدر على هذا، وهذا صحيح، ونحن نقول ولذلك مست الحاجة إلى النبوات، أليس كذلك؟ الهداية الإلهية تقصير للطريق، لأن هذا العمر قصير، أول خمسة عشر سنة ليس لها أي اعتبار تقريباً في الاختبار، تقريباً لا يكاد يختبر الإنسان شيئاً فيها وإنما يُختبَر له ويُنتقى له كل شيئ ويُحدَّد له كل شيئ سواء على مُستوى الأسرة أو مُستوى المدرسة أو المُجتمَع وكذا وكذا، وبعد ذلك يبدأ المسكين في إطار ما أُعطيَ ينتخب بعض الأشياء ويختار بعض الأمور ويُجرِّب، يبقى له كم من ثمانين سنة؟ خمس وستون سنة، هذا إن عاش لثمانين سنة، إذن في المُتوسِّط خمس وستون سنة، أحياناً بعض الاختيارات الأخلاقية قد تُهشِّش الشخصية وتُدمِّرها ليس لستين سنة وإنما لستمائة سنة لو عاش الإنسان، خيار أخلاقي مُعيَّن حين أُجرِّبه أنتهي، ولا أستطيع أن أتعافى منه، أليس كذلك؟ بالأمس كنت أُحدِّث أخي الشيخ عبد الله وأقول له علماء التطوّر والبيولوجيا – Biology – يتحدَّثون أن دماغ الإنسان في آخر مليون أو مليوني سنة كما يقول بعضهم قد تضاعف مرتين، ألف وثلاثمائة وخمسون جرام، وهذا حجم كبير، الإنسان لكي يعيش – يأكل ويشرب ويُنجِز الأشياء الحيوية المُعتادة ويُدافِع عن نفسه حتى ضد عوادي الطبيعة والحيوانات والأشياء وما إلى ذلك – يحتاج إلى نصف هذا الدماغ، سبعمائة جرام مُمتاز ويكفي، لماذا ألف وثلاثمائة وخمسون؟ هذا كثير، يُثقلِل هذا الرأس، هذه الطنجرة تُصبِح ثقيلة، فلماذا ألف وثلاثمائة وخمسون؟ قال لي لماذا؟ قلت له من أجل التمثل Assimilation، من أجل أن نتمثَّل، وطبعاً استخدمت هذه الفكرة التي سأُوضِّحها الآن في إقناع بعض أبنائي وإخواني الشباب هناك في أوروبا للأسف الذين يتلقون التعليم في المدارس النمساوية وهم يتلقون أشياء خطيرة جداً جداً، يُعلِّمونهم أن من حقك أن تُجرِّب كل شيئ، وهذه روح الحداثة، هذه هي الحداثة Modernism، الحداثة تقوم على مباديء مُعيَّنة في رأسها من حق الإنسان إن لم يكن حتى من واجبه أن يُجرِّب كل شيئ، لابد أن تُجرِّب، لا تقل لي هذا غير صحيح أو هذا شرير أو هذا قبيح أو هذا كذا وكذا، لابد أن تُجرِّب، ولذلك أحياناً تتعجَّب كيف يأكلون الثعابين ويأكلون الديدان القذرة ويأكلون أمخاخ القرود، يُحاوِلون أن يُجرِّبوا، لأنه Modern، الحداثة أن نُجرِّب، نُجرِّب حتى أي شيئ، وطبعاً هذا أيضاً في المسالك الجنسية وفي أشياء كثيرة، شيئ عجيب، فأولادنا تأثَّروا بهذا الشيئ، قلت لهم لا يا أولادي، سألتهم سؤالاً فقالوا نُجرِّب، وطبعاً راعني هذا، أصابني بالروع، أبناء مُسلِمين ومعنا في المسجد ويتعلَّمون هذا المساكين، قالوا نُجرِّب، لكي نُميِّز ونُفرِّق لابد أن نُجرِّب، قلت لهم لا، غير صحيح، قالوا كيف يا شيخ هو غير صحيح؟ قلت لهم أنا سأقول لكم لماذا هو غير صحيح، لكن سأبدأ بطُرفة لعلها تُعجِبكم، وهذه الطُرفة هي مُدخَلي إلى هذا المفهوم الفيلسوف العلمي، قالوا ما هي؟ هي طُرفة تونسية، قلت لهم رجل مُهندَم يلبس لباساً – ما شاء الله – جيداً، أي هندام طيب، ويبدو أنه من الذوات ومن الناس المُثرين الأغنياء، ويركب أحدث سيارة، مرسيدس Mercedes 2011، وكل يوم يأتي إلى محل آيس كريم Ice cream وينزل بهيبته وجلاله ويسأل البائع هل يُوجَد عندك جيلاتي أو آيس كريم Ice cream بالثوم؟ فاستغرب الرجل وقال لا، ليس عندي، توكَّل على الله، فركب الرجل سيارته وذهب، في ثاني يوم سأله هل عندك آيس كريم Ice cream بالثوم؟ وطبعاً هذا شيئ مُقزِّز، قال له ليس عندي، في ثالث يوم قال هذا إنسان غير طبيعي، مخه يبدو أنه تائه، سنصنع له طبقاً كبيراً من الثوم ونأخذ منه خمسين ديناراً ونترك هذا المُغفَّل، فصنع له – سبحان الله – طبقاً كبيراً من الثوم في مُنتهى القرف، وجاء هذا المُهندَم في اليوم الرابع وسأل هل يُوجَد آيس كريم Ice cream بالثوم؟ فقال له يا للقرف وذهب، لم يأخذه طبعاً، قالوا لي ماذا تُريد أن تقول يا شيخ؟ قلت لهم سأقول ماذا أُريد، هل أنتم ضحكتم؟ قالوا نعم، فقلت لماذا ضحكتم؟ قالوا لأنه مُقرِف فعلاً، قلت لهم كيف؟ هل جرَّبتم هذا؟ لم يُجرِّب هذا أي أحد ولا أنا، هل جرَّب أحد آيس كريم Ice cream بالثوم؟ قالوا لا، إذن كيف يُقال هذا مُقرِف؟ أنت جرَّبت الثوم وأكلته وحده لكنك لم تُجرِّب آيس كريم Ice cream بالثوم، هؤلاء يأكلون الديدان وأمخاخ القرود ويأكلون أشياء غريبة عجيبة، جرِّبوا إذن، قالوا لا، لن نُجرِّبه يا شيخ، هذا لا يُجرَّب، من المُؤكَّد أنه قبيح، قلت لهم هل تعرفون لماذا من المُؤكَّد هو قبيح؟ نحن جرَّبناه في الحقيقة، جرَّبناه مراراً في الدماغ، يقول علماء البيولوجيا – Biology – والتطوّر هذا الدماغ تضاعف مرتين والظاهر أنه لا تُوجَد حاجة لهذا، لكن تُوجَد حاجة، تُوجَد حاجة لكي ترتقي الحضارة وبسرعة، لكي تمشي وتدور العجلة بسرعة شديدة، كيف؟ بهذا التمثّل الذهني، مثلاً ليس شرطاً – والعياذ بالله – أن أتورَّط في قتل عجوز كبيرة لكي أدخل خبرة الجريمة والعقاب لدوستويفسكي Dostoyevsky وأرى ماذا يُمكِن أن يحدث معي مثلما وضَّحها ومثَّلها نور الشريف في الفيلم الشهير مع محمود ياسين وما إلى ذلك، بالعكس أنا من خلال الذهن وحده والتخيل والانتقام بالخيال أقدر على أن أعرف ما هي عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، أليس كذلك؟ ما الذي يُعطيني هذه القدرة على ذلك؟ قالوا تضاعف حجم الدماغ، المُشكِلة لو لم يكن دماغنا مُتضاعِفاً بهذه الطريقة – يا ويلتاه – كنا سنُجرِّب فعلاً كل حاجة، سيُجرِّب الواحد منا أن يقتل أباه لكي يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ماذا سيحدث في ضميره أيضاً، كيف سيُؤنِّبه ضميره لو قتل أباه، يقتل أباه لكي يعرف ماذا سيحدث من القانون ومن الأهل ومن كذا وكذا، ثم يفعل كذا لكي يرى كذا، لكن هذا غير صحيح، ربنا – سبحان الله – أعطانا إمكانية تدارك هذا الشيئ، طبعاً نحن نقوم بهذا الشيئ كثيراً، حين ننتقم من بعض الناس بالخيال، أليس كذلك؟ حين كنا أطفالاً في المدرسة يجور علينا الأستاذ – مثلاً – ويضربنا ظلماً كنا ننتقم منه بالخيال، نسبه ونلعنه ونتخيَّل أننا ضربناه – مثلاً – في وجه وسقط وما إلى ذلك، وبعد ذلك نثوب إلى رشدنا وينتهي كل شيئ، ونرتاح كأننا جرَّبنا، هذا في الدماغ.

إذن الإنسان ليس عنده – هذا رداً على سارتر Sartre والوجودية – هذا الترف وهذه الإمكانية وليس عنده ستة آلاف سنة يتصرَّف فيها ويُنفِقها هنا وهناك ويُجرِّب لكي يختبر، هذا غير صحيح، يجب أن أنطلق مُنذ البداية كحد أدنى من تصوّر كوني ما ومن عقيدة كونية ومن صورة للعالم، الدين يُعطي هذا، الدين أحسن مصدر لإعطاء هذا التصوّر الكوني والرؤية الوجودية التي أنطلق منها، ومنها وعليها أبني تجاربي واختياراتي، ويُمكِن أحياناً – وهذه فلسفة المعصية – أن أزل أو أُخطيء، حتى الرؤية الدينية شملت هذه الأشياء ضمن تفاصيلها، قالت لك هذا يحدث، يحدث أنك تُخطيء بالزنا أو بالقتل أو بالسرقة أو بالكفر وما إلى ذلك وعندك خط رجعة وباب التوبة مفتوح، قال الله وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ۩، هذه الأشياء الاستثنائية أيضاً والخروج عن الجدة مشمولة في تضاعيف وأنحاء الرؤية الكونية الدينية، موجودة لكن ليس كسارتر Sartre نبدأ من لا شيئ ويُمكِن أن نُجرِّب أي شيئ، كأن نقول نحن أحرار ونفعل ما نريد، لا يُمكِن، هذه فوضى، وطبعاً هم لم يدعوا – مثلاً – إلى الخروج على قوانين المُجتمَع وعلى سياسة النظام وإلا كانوا أناركيين، سيُصبِحون أناركيين، أي فوضويين، وسوف يدخلون الزنازين والسجون، هم طبعاً دخلوا الزنازين والسجون من أجل قضايا عدالة، كقضاياً – مثلاً – مُحارَبة الحروب ومُناهَضة الاستعمار للشعوب المُستغَلة في علاقات غير مُتكافئة، وهذا شيئ طيب ويُحسَب لهم، لكنه لا يتفق كثيراً مع أصول مبادئهم، أصول المباديء تدور على أن نُجرِّب كل شيئ أياً كان، فإذن مَن لم يُجِب عن سؤال ما أنا؟ لا يستطيع أن يُنجِز جواب مَن أنا؟ سيفشل وسيرى نفسه في نهاية المطاف ضائعاً، وصدق الله إذ يقول وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ – وفي قراءة الرياح – فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ۩، سيتشتت ويضيع ويتهشش ويتشعع ولن يلتئم بعد ذلك، بالتعبير المسيحي سوف تذوب نفسه بين يديه ولن يجدها مرة ثانية، من بين أصابعه ستتسرب وينتهي كل شيئ.

جوهر الوجودية إذن التأكيد على الوجود قبل الماهية، والماهية تأتي بعد ذلك وفق خيارات البشر، نأتي الآن إلى ماركس Marx، كارل ماركس Karl Marx كان هو الشخصية الثانية التي تصدت بالنقد لهيجل Hegel، ليس لهيجل Hegel وحده بل للفلاسفة السابقين حتى على هيجل Hegel وخاصة الفلاسفة العقليين والمثاليين والروحيين، أما الفلاسفة الماديون فطبعاً ماركس Marx متح من معينهم واستمد منهم وبنى، فمثلاً أخذ الجدل – جدل التاريخ – وأخذ هيكله من هيجل Hegel وأخذ المادية من لودفيغ فيورباخ Ludwig Feuerbach، وفيورباخ Feuerbach هو صاحب كتاب جوهر المسيحية، فهو أخذ من الاثنين، وطبعاً تأثَّر بالاقتصاد السياسي الإنجليزي أيضاً وبأوضاع العمّال والطبقات المسحوقة في عصره، كارل ماركس Karl Marx طبعاً رأى – كما تعلمون جميعاً بلا شك – أن الشروط المادية هي التي تُحدِّد البُنى الفوقية للمُجتمَع، أي الثقافة والدين والأدب والفن والموسيقى والسياسة والقوانين وأنماط العيش وهكذا، هذا كله يُسمى بالبُنى الفوقية، البُنى التحتية أو الشروط السُفلى طبعاً شروط مادية اقتصادية ومُجتمَعية، أهمها الشروط الاقتصادية بالذات، طريقة الإنتاج وأساليب الإنتاج وأساليب التوزيع ومُقاسَمة الخيرات هي التي تُشكِّل عقلية الناس ونمط عيشهم، لكن لا بطريقة ميكانيكية، هذا لا يعني أن التأثير من أسفل إلى عالٍ وينتهي الأمر، قال لا، ويعود التأثير بعد ذلك من عالٍ إلى أسفل، ولذلك كان ماركس Marx فيلسوفاً جدلياً ديالكتيكياً، لم يكن فيلسوفاً مادياً ميكانيكياً، هو ليس ميكانيكياً، هو ضد التفسير الميكانيكي دائماً، لكنه فيلسوف جدلي بمعنى أنه يُؤمِن بالجدل، أي بالتآثر، التحتي يُؤثِّر في الفوقي والفوقي يُؤثِّر في التحتي والدائرة مُتصِلة، لكنه يُؤكِّد طبعاً في أعماله على أنه لم يحدث مرةً أن البناء الفوقي وحده وباستقلال عن التحتي كان له تاريخه الخاص، هذا مُستحيل، تاريخه دائماً مُرتبِطان، وطبعاً هذه نظرية يقتنع بها الإنسان باديء الرأي لكنها خطيرة جداً جداً، في إطار الأخلاق والقيم والدين خطيرة بشكل غير عادي، وطبعاً للأسف مَن قرأ – مثلاً – قصور أو حصون الفلسفة – The Mansions of Philosophy- لويل ديورانت Will Durant يعلم هذا، وهو كتاب رائع أنصح أنا بقرائته، أجمل من كتاب قصة الفلسفة بمرات، هو يُناقِش موضوعات فلسفية بحيالها موضوعاً موضوعاً، لكن ويل ديورانت Will Durant كشأن فلاسفة كثيرين تأثَّروا بالماركسية في تلكم الحقبة بالذات في أول القرن العشرين – نشره في ألف وتسعمائة وثماني عشرة – كان يعتمد المنظور الماركسي في تفسير الأخلاق، مثلاً – وهو مثل قبيح فاعذورنا – حين يُفسِّرون مفاهيم الشرف والعفة – لماذا الشرف والعفة؟ وخاصة طبعاً في حق النساء – يقولون هذه مفاهيم تعود وتنحدر إلى العصور الزراعية وإلى المُجتمَعات الزراعية، قبل المُجتمَع الزراعي لم يكن الأمر كذلك، في المُجتمَع المشاعي لم يُوجَد هذا، في المُجتمَع الزراعي بدأ مفهوم الشرف والعفة، لماذا؟ لأن في المُجتمَع الزراعي ومع المُجتمَع الزراعي نشأ مفهوم ومبدأ الملكية، هذه أرضي وهذه غنماتي وهذا بيتي وإلى آخره، ولذلك الرجل كان يهمه جداً أن تذهب ثروته وعرق جبينه وكد يمينه إلى أولاده الصُلبيين، أليس كذلك؟ لا أن تُدخِل عليه زوجته ولداً من خارج وإلى آخره وبعد ذلك يأخذ تعبه، من باب الأنانية، فقالوا هذا المنشأ الأصيل لمفهوم الشرف، وهذا أمرُ عجيب، بهذه الطريقة إذا المُجتمَع الزراعي تلاشى وضعف وصرنا في مُجتمَع كالحديث ماذا سيحدث؟ قالوا أنت ترى النتيجة، لا يُوجَد شرف وهذا أمر عادي، مُدن كبيرة ومفتوحة والأمور عادية، الزواج في القديم – مفهوم الزواج – ومُؤسَّسة الزواج وهي مُؤسَّسة اجتماعية كانت أكثر مشروطية وأكثر تركباً، كانت تُوجَد شروط مُعقَّدة جداً جداً فيمَن نختار لأبنائنا بسبب موضوع الثروة وانتقال الثروة، في المُجتمَع الحديث قالوا هذا غير ضروري، يتم الزواج في جلسة هكذا في المقهى في خمس دقائق، تُوافِق ويُوافِق ويتزوجا وينتهي كل شيئ، فهكذا هم يُفسِّرون الأخلاق والقيم المُجتمَعية والفردية بناءً على تطوّر نمط الإنتاج والشكل الاقتصادي للمُجتمَع، وطبعاً هذا كلام غير صحيح، وواضح أنه غير صحيح، لكننا لسنا الآن في معرض النقد لأن هذا الموضوعت يُعتبَر موضوعاً طويلاً.

على كل حال الماركسية انشعبت إلى قسمين، ماركسية لينينية واشتراكية ديمقراطية، الماركسية لينينية وهي الوفية لأفكار ماركس Marx الأصيلة – ظلت وفيةً لأفكار ماركس Marx الأصيلة – ترى ضرورة تعيير المُجتمَع وخاصة المُجتمَع الذي عاش فيه ماركس Marx وهو مُجتمَع يسحق الطبقة العاملة، مُجتمَع علت فيه طبعاً الطبقة البرجوازية وطبقة الرأسماليين بشكل عام هي امتداد لها وتغوّل على حساب هؤلاء العمّال المساكين الذين يعملون وبلغة ماركس Marx يغتربون عن عملهم حيث أصبح العامل مُجرَّد ذيل للآلة التي يشتغل وراءها، لا استقلالية له ولا فردية ولا حرية ولا شخصية، وفائض القيمة يُبذَل، شيئ مُعيَّن في إنتاج سلعة مُعيَّنة، لكن أكثر ما يُبذَل وأهم ما يُبذَل هو عرق العامل، ويأتي الرأسمالي أو صاحب العمل أو صاحب المنشأة يأخذ هذه السلعة ويبيعها ليحصد أكثر ربما من تسعين أو خمس وتسعين في المائة من هذا الفائض زيادةً على ما تكلَّف فيها، مصدر هذا الفائض عرق العامل، كان أولى به العامل، لكن أخذه الرأسمالي صاحب المكان، هو أعطى هذا العامل شيئاً بسيطاً، أحياناً كان يحدث في أوروبا أن العامل يعمل ثنتي عشرة ساعة – هم عموماً كانوا يشتغلون ثنتي عشرة ساعة، أي اثنتي عشرة ساعة – فقط بملء بطنه، يأكل فقط، وطبعاً بلا شك ماركس Marx كان إنساناً، أنا أحترم فيه هذا الجانب أنه ثار لأجل هذا الوضع، هذا إنسان، وطبعاً نحن نسخط على الجانب الفلسفي ربما فيه، أنه مُلحِد وغير مُتدين، وأنا أقول والله عنده الحق، الرجل عنده الحق يُلحِد ويُلحِد ويُلحِد، لأنه رأى الدين للأسف يُشارِك في هذه المقبحة، هذه مقبحة إنسانية، الدين كان يُشارِك فيها، وبتعبير المرحوم علي شريعتي – المُفكِّر الاجتماعي والمُؤرِّخ الإيراني – ماركس Marx لم ير في وجه البابا وجه المسيح، بالعكس رأى الإمبراطور في وجه البابا، ولذلك كره البابا وكره الكنيسة، ولو أنه رأى وجه المسيح الفلسطيني في وجه البابا – بالعكس – لتعاقد معه ضد ظلم البرجوازيين، فهذا هو، أحياناً هؤلاء الذين كفروا وألحدوا لم يكفروا ولم يُلحِدوا بالرب الذي نعرفه نحن – إله القرآن لا إله إلا هو – وإنما برب آخر أُعيد تخليقه وإنتاجه لكي يكون – والعياذ بالله – مصدراً ومنبعاً لمأساة البشر والناس حقيقةً واستعباد الشعوب وهكذا، فعلى كل حال هذا هو الإله الذي كفر به ماركس Marx، إله غير رحيم وغير مُتعاطِف مع طبقة العمّال، أي البُرُولِيتاريا، فقال لابد أن يُغيِّر هذا الوضع، هذا الوضع له جذور تاريخية، يقول ماركس Marx في البداية بدأنا بالمشاعية، بدأنا بالمُجتمَع الشيوعي أو المشاعي، كل شيئ فيه كان مُتاحاً للجميع من غير أن يظهر أو يبرز مفهوم الملكية، لم تكن هناك ملكية، بعد ذلك مع الزراعة والتوطن في أحواض الأنهار ونشوء بدايات المُجتمَع والأسرة صار عندنا المُجتمَع الزراعي، في المُجتمَع الزراعي نشأت ظاهرة العبودية، أي الاستعباد، شخص يعمل وشخص لا يعمل، بعد ذلك تطوَّرت هذه الظاهرة وخفت قليلاً فنشأت ظاهرة الإقطاع أو أقنان الأرض، أي عبيد الأرض، وهؤلاء غير العبيد الحقيقيين الكملة أو الكاملي العبودية، وبعد ذلك أتينا إلى مرحلة الرأسمالية، التي كان يعيش ماركس Marx طبعاً في ذروتها وتوحشها، بشَّر هو ومَن معه بالاشتراكية حيث يحكم العمّال، العمّال لابد أن يثوروا بالقوة على هذا الوضع وأن يُغيِّروه بالعنف، أي العنف الدموي، ماركس Marx طالب بهذا، وقال في المانيفستو Manifesto الذي نشره مع إنجلز Engels في سنة ألف وثمانمائة وثماني وأربعين يا عمّال العالم اتحدوا، ليس لدى هؤلاء – أي العمّال والبُرُولِيتاريا – ما يخسرونه سوى أغلالهم وسيكسبون العالم، فطبعاً هو حرَّض على العنف المُؤدلَج، أي عنف أيديولوجي مدروس ومطلوب ومُبرَّر في نظره، وبعد ذلك حين نُحقِّق ونُنجِز المُجتمَع الاشتراكي سنكون على مشارف تحقيق المُجتمَع الشيوعي، المُجتمَع الشيوعي ليس فيه دولة أصلاً، ليس فيه حكومة، لسنا بحاجة إلى حكومة، لماذا؟ الناس هم الذين سيحكمون، الناس هم الذين سيتقاسمون أرزاقهم بالعدل، كلٌ بحسب ما يحتاج وكلٌ يُعطي بحسب ما عنده وما يقدر، وهذه أرقى فترة يُمكِن أن يصل إليها المُجتمَع الإنساني وهي نهاية التاريخ، فماركس Marx أيضاً من مُفكِّري نهاية التاريخ، ومثل هيجل Hegel قبل فوكوياما Fukuyama، هؤلاء أيضاً بشَّروا بنهاية التاريخ، طبعاً هذه أوهام وأحلام لم تتحقَّق وتعلمون لماذا.

انقسمت طبعاً – كما قلنا – الطروحات الماركسية بعد ماركس Marx إلى ثنتين، إلى الماركسية اللينينية والاشتراكية الديمقراطية، والماركسية اللينينية سُميَت بهذا نسبةً إلى فلاديمير ألييتش Vladimir Ilyich “لينين Lenin” المشهور طبعاً وهو أول رئيس للاتحاد السوفيتي.

(تابعونا في الحلقات القادمة)