سلسلة معاوية في الميزان – حلقة 23 – حديث الفئة الباغية 2/6

الأخبار والآثار 

بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه، إن شاء الله وقفنا عند ما أورده العلّامة سراج الدين بن المُلقِّن في كتابه التوضيح لشرح الجامع الصحيح، وبالمُناسَبة أنا وجدت بنفسي أن الإمام ابن المُلقِّن أخذ هذا الكلام عن ابن بطّال، أيضاً هو أحد شرّاح صحيح البخارى، مُتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة رحمة الله عليه، له شرحٌ ليس كبيراً جداً وليس وجيزاً مطبوع – بفضل الله – وهو عندي، هو الذي ذكر هذا، وبالمُناسَبة وجدت ابن بطّال لم يُنشئه من لدن نفسه بل أخذه عن المُهلَّب بن أبي صفرة في شرحه على البخاري، فهذا القول في نهاية المطاف لمَن؟ أول مَن قاله المُهلَّب، وهو قول ضعيفٌ جداً ومُتناقِض مُتكاذِب، أن يُقال هذا لا يصح في الصحابة ولا في واحد من الصحابة وإنما يصح في الخوارج الذين بعث إليهم عليّ عمّار بن ياسر وهذا يقتضي أن الذين قتلوا عمّاراً هم الخوارج كلام لا أساس له – كما يُقال – ولا رأس ولا خطام ولا زمام وهو مُخالِفٌ للإجماع، عمّار قُتِل في ليلة الهرير قبل التحكيم أصلاً بنحو سنة كاملة، وبعد سنة سينبغ شيئ اسمه الخوارج، أي جماعة اسمهم الخوارج، هذا كلام لا يُمكِن أن يقبله عالم أصلاً، لكنه موجود، قاله المُهلَّب واغتر به ابن بطّال ونقله ابن المُلقِّن وغير واحد، وقال الحافظ ابن حجر واغتر به غيره، أي ليس فقط ابن بطّال، هناك أكثر من واحد اغتروا بهذا الكلام، الحافظ ابن حجر هنا ماذا يقول؟ يقول وقال ابن بطّال تبعاً للمُهلَّب إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم عليّ عمّاراً يدعوهم إلى الجماعة ولا يصح في أحد من الصحابة وتابعه على هذا الكلام جماعة من الشرّاح وفيه نظر من أوجه أحدها أن الخوارج إنما خرجوا على على بعد قتل عمّار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك – فهذا غلط غلط -، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم وكان التحكيم عقب انتهاء القتال بصفين – بكم؟ لم يذكر هذا ابن حجر، بنحو سنة، ذكرت لكم أن أول مُوعِد ضُرِب في رمضان ولكنهم اجتمعوا في أول ثماني وثلاثين، هذا ما يعرفه كل مَن قرأ التاريخ – وكان قتل عمّار قبل ذلك قطعاً – وأنا أقول كما ذكر غيره إجماعاً، عمّار بالإجماع شهيد في صفين ليلة الهرير، هذا بالإجماع وهو معروف – فكيف بعثه إليهم عليّ بعد موته؟ – يسخر ابن حجر، يقول كيف بعثه بعد موته؟ وكيف قُتِل بعد موته؟ ابن حجر يسخر، هذه سخرية لطيفة، يقول فكيف بعثه إليهم عليّ بعد موته؟ -، ثانيها أن الذين بعث إليهم عليّ عمّاراً إنما هم أهل الكوفة – وبعثه مع مَن؟ ذكرت لكم هذا في حلقة سابقة، بعثه مع الحسن عليه السلام، ذكرنا هذا، حين قال لهم عمّار رضوان الله تعالى عليه وهذا في صحيح البخاري والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أو ليرى هل تتبعونها أو إياه، قال لهم هذه مسألة دين، لا تقل لي أم المُؤمِنين وما إلى ذلك، هذا مسألة حق، الحق مع مَن؟ مع عليّ، إذن انتهى الأمر وسوف أُقاتِل معه، تُقاتِل أمك؟ أُقاتِل أمي وأُقاتِل كل شيئ، الله يأمرني بهذا، وأمي بعد ذلك رضوان الله عليها سوف تبكي حتى تبل خمارها مرات ومرات، وسوف تلقى الله بهذه الندامة العظيمة، ندمت ندامة عظيمة، هذا هو، هذا الحق يا جماعة – بعثه يستنفرهم على قتال عائشة ومَن معها قبل وقعة الجمل وكان فيهم من الصحابة جماعة كمَن كان مع مُعاوية وأفضل، وسيأتي التصريح بذلك عند المُصنِّف في كتاب الفتن، فما فر منه المُهلَّب وقع في مثله مع زيادة إطلاقه عليهم تسمية الخوارج وحاشاهم من ذلك – طبعاً المُهلَّب لا يلتزم هذا، المُهلَّب عنده نوع من السهو فلم يستحضر الوقائع، لم تترتب عنده الوقائع والحوادث التاريخية بشكل دقيق كما هي، خلط الأمور كلها، فالمُهلَّب لا يقول إن أم المُؤمِنين وطلحة والزُبير خوارج وما إلى ذلك، لا يقول هذا، هذا من اللوازم، ولا يلزمه على كل حال -، ثالثها أنه شرح على ظاهر ما وقع في هذه الرواية الناقصة ويُمكِن حمله على أن المُراد بالذين يدعونه إلى النار كفّار قريش كما صرَّح به بعض الشرّاح لكن وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما وكذا ثبت في نُسخة الصغاني التي ذكر أنه قابلها على نُسخة الفربري التي بخطه زيادة تُوضِّح المُراد وتُفصِح بأن الضمير يعود على قتلته وهم أهل الشام ولفظه ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم …. نحن اليوم استفتحنا بها درسنا المُبارَك هذا بإذن الله تبارك وتعالى، ولكن كما قلت لكم أيها الإخوة العصبية، حُبك للشيئ يُعمي ويُصِم.

في سير أعلام النُبلاء للحافظ الذهبي – رحمة الله تعالى عليه – المُتوفى سنة سبعمائة وثماني وأربعين وقعت هنا على كلمة عظيمة جداً جداً جداً، المُجلَّد الحادي عشر، شيئ لا يكاد يُصدَّق، لدينا إمام – حافظ من الحفّاظ، ليس مُحدِّثاً وما إلى ذلك وإنما حافظ – اسمه دُحيم، الحافظ الإمام القاضي دُحيم، قال القاضي الإمام الفقيه الحافظ، مُحدِّث الشام، أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، قاضي مدينة طبرية قاعدة الأردن، وأما اليوم، فأم الأردن بلد صفد. ولد في شوال سنة سبعين ومائة قاله ابنه عمرو. حدَّث عن سفيان بن عيينة، ومروان بن مُعاوية، والوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومحمد بن شعيب، وعمر بن عبد الواحد، وشُعيب بن إسحاق، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وعمرو بن أبي سلمة، وأبي مسهر، وخلق كثير بالحجاز والشام، ومصر والكوفة، والبصرة، وعني بهذا الشأن، وفاق الأقران، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل. حدَّث عنه – طبعاً من تلاميذه البخاري وأبو داود والنسائي وإلى آخره – البخاري، وأبو داود، والنسائي والقزويني، وأبو محمد الدارمي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وأبو زرعة الدمشقي، وبقي بن مخلد، وإبراهيم الحربي، وأحمد بن المعلى، وولداه عمرو وإبراهيم ابنا دحيم، ومحمد بن محمد الباغندي، وأحمد بن أيوب والد الطبراني، وزكريا خياط السنة، ومحمد بن خريم العقيلي، وابن قتيبة العسقلاني، وعبد الوهاب بن عتاب الزفتي، وجعفر الفريابي، ومحمد بن بشر بن مامويه، وخلق كثير.

تكلَّم عنه إلى أن قال: قال أحمد العجلي – الإمام العجلي -: دُحيم ثقة، كان يختلف إلى بغداد، فذكروا الفئة الباغية هم أهل الشام – هل يشك أحد أن الفئة الباغية هم أهل الشام؟ بالإجماع لا، الأمة كلها تعرف هذا، هل قال أحد الفئة الباغية أهل العراق، أي عليّ ومَن معه؟ مُستحيل، الحديث واضح ومُتواتِر، والأحداث واضحة، ما الذي يُغضِبك يا دُحيم؟ لا، هو شامي، شامي وعنده نوع من النصب الفظيع ضد أهل البيت وضد عليّ عليه السلام، فقالوا له الفئة الباغية أهل الشام -، فقال – أستغفر الله، اللهم غفراً، أقرأ وأنا فعلاً في حالة عجيبة، لأن الكلام هذا يُصيب رسول الله بطريقة أو بأُخرى: مَن قال هذا فهو ابن الفاعلة – أستغفر الله العظيم، هذا في النُبلاء فانتبهوا، سامحوني لأنني أصدمكم، أقول لإخواني حتى الذين يُحِبونني أصدمكم بالحقائق، لكن عليكم أن تتعلَّموا وتسمعوا الحقائق، هذه الحقائق، قد تقول لي هل هذا الإمام القاضي الفقيه الكذا والكذا؟ نعم، ما باله؟ أحرقه التعصب، قتله النصب وبغض أهل بيت رسول الله، حُبك الشيئ يُعمي ويُصِم، ولذلك ستقول بهذه الطريقة نحن سنفقد حتى ثقتنا في العلماء، لكن أنا أقول لك انتبه، لا تجعل ثقةً مُطلَقة في أحد، لا تقل لي هذا عالم ثقتي فيه مُطلَقة، لا يُوجَد شيئ اسمه ثقة مُطلَقة، هؤلاء بشر، هل أنبياء هم؟ هل ملائكة هم؟ لو كانوا ملائكة أو أنبياء أنا أقول لك ثقتك مُطلَقة فيه، الذي يحدث هو العكس تماماً، هذا الذي يُؤلِمني يا إخواني، مَن ينبغي أن نضع ثقتنا المُطلَقة فيه وهو رسول الله في حديث مُتواتِر نرد حديثه، نكتم حديثه، نُحرِّق حديثه، نُخرِّق حديثه، نمنع من التحديث بحديثه، نصف حديثه بأنه الحديث الرديء، نقول الأحاديث الرديئة ونُؤوِّلها ونكسر أعناقها ونلويها، مِن أجل مَن؟ مِن أجل أن نُوافِق عقائد أمثال هؤلاء الأئمة والحفّاظ مع احترامنا وحُبنا لهم الذين بعضهم يُجاوِز كل ما يُمكِن تقبله من الأدب واللياقة والنزاهة العلمية، يا دُحيم ما بالك؟ يا رجل الأمة أجمعت على أن هؤلاء بُغاة، الآن سأقرأ عليكم مَن الذين قالوا، أمة محمد هي التي قالت، لا تقل لي الشيعة، هذا واضح طبعاً عند الشيعة، لكن السُنة يقولون هذا، كل السُنة يقولون أهل الشام هم البُغاة، الإمام عليّ مبغيٌ عليه يا أخي، هو الذي ظُلِم، قال لا، ابن الفاعلة، أمه البعيد زانية، حسبنا الله ونعم الوكيل، انظر إلى هذا النص، نص غريب عجيب -، فنكَّب عنه الناس… ما معنى نكَّب عنه الناس؟ كان يختلف إلى بغداد، مُستحيل يأتيك عراقي بعد ذلك، أهل العراق من شرفهم ومن مفاخرهم حقيقةً أنهم قاتلوا مع عليّ مع أنهم خذلوه غير معه، لكنهم قاتلوا معه، قاتلوا معه ونصروا قضيته ضد أهل الشام الذين كان هم البُغاة الحقيقيين، طبعاً أهل الشام مساكين، هم مُسلِمون أيضاً، رأيتم الشام وحجم الصلاح فيها والولاية، أُناس طيبون، لكن ما الذي حدث؟ سوف تسمعون اليوم من الصحابة أنفسهم كيف اختدعهم مُعاوية، مُعاوية أُسميه الطاغية الدجّال الخدّاع، شيئ غريب، أنا لم أر مثل هذا البشر، شيئ غريب، سوف تسمعون هذا اليوم وسآتيكم بالأدلة، مُخادِع بشكل غير عادي يا جماعة، طبعاً الإمام أبو إسحاق السبيعي يُقسِم ويقول كان والله غدّاراً، هذا ليس من قلة يا جماعة، ليس من قلة، وبالمُناسَبة ما دام ذكرنا هذا الشيئ هذا كتاب للإمام أحمد يعتني به كثير مَن يُسمون أنفسهم السلفيين، كتاب مسائل الإمام أحمد للإمام إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، مسائل ابن هانئ عن أحمد معروف، وهذه طبعة المكتب الإسلامي، أي زُهير الشاويش، وهو علم من أعلام السلفيين، صديق وتلميذ الألباني، المُجلَّد الثاني، مسائل الإمام أحمد، طبعة المكتب الإسلامي، صفحة مائة وأربع وخمسين أو صحيفة مائة وأربع وخمسين، المسألة ألف وثمانمائة وست وستون: وسمعت أبا عبد الله – مَن أبو عبد الله؟ الإمام أحمد رضوان الله عليه – وقال له دلويه: سمعت عليّ بن الجعد يقول – هذا إمام من كبار الأئمة -: مات والله مُعاوية على غير الإسلام.

هذا إمام من أئمتنا، عليّ بن الجعد يُقسِم أن مُعاوية لم يكن مُسلِماً، مات على غير الإسلام، هذا سنبحثه في حلقات بخصوصها، هل كان مُعاوية مُنافِقاً؟ هل أسلم حقاً الرجل؟ ما قصته؟ وهل مات فعلاً على غير الإسلام؟ لماذا يقول الإمام هذا ويُقسِم؟ يقول مات والله مُعاوية على غير الإسلام، طبعاً هم الآن سيُجَنون وسيقولون من أين تأتي بهذه الأشياء؟ كيف هذا؟ هذه مُصيبة، أحمد بن حنبل سلفي، ماذا أفعل لك؟ اقرأ كتبك يا حبيبي وتعلَّم، العلم ليس بالتقليد والتكرار والببغاوية، ابحث ونقِّر وفتِّش واتعب واسهر الليالي، قال مات والله مُعاوية على غير الإسلام، صفحة مائة وأربع وخمسين، مسألة ألف وثمانمائة وست وستين، نزِّله من الإنترنت Internet وسوف تجد نفس الشيئ!
إذن إخواني وأخواتي يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، يُمكِن التأمل في الكتاب العزيز الأجل في مثل قوله وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ – مَن المقصود بقوله أُولَٰئِكَ ۩؟ المُشرِكون – يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ – إذن هذا مِن مُختَصات مَن؟ المُشرِكين، أنهم دُعاة إلى النار، وهذا شيئ مُخيف – وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۩، أيضاً قال الله إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا – الشيطان داعية أيضاً، إلى أين يدعو؟ – حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَاب السَّعِير ۩، فضلاً عن أنه قال وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۩، مُؤمِن آل فرعون يتحدَّث عن فرعون وعن أشياعه، دُعاة إلى النار، انتبهوا إلى هذا، في كل المواضع الدُعاة إلى النار هم الفراعين والمُشرِكون والشياطين، لا يُمكِن أن يدعو مُؤمِن إلى النار، لا يُمكِن أن يدعو مُسلِم صالح إلى النار، قد تقول لي الآن صرَّحت عن وجهك، الله قال في فرعون وجنده وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ ۩ في القصص، أئمة النار هؤلاء، سوف تقول لي ماذا تُريد أن تقول؟ هل تُريد أن تُكفِّر مُعاوية ومَن معه؟ لا، لا أُريد هذا أبداً، لست من المُكفِّرين ولا من الخوارج، لكن أُحِب أن أقول منطوق حديث رسول الله الصحيح أن الخُطة العامة التي كان يسير فيها مُعاوية ومَن معه هي خُطة والعياذ بالله جهنمية، هي سبيل إلى النار، الآن هذا لا يقتضي أن يكون كل أحد من هؤلاء من أهل النار وغير مغفور له، هذا معروف، معروف هذا في أصول الفقه، لكن يقتضي أن هذا محمول على الجمهور، جمهور هؤلاء أنهم دُعاة إلى النار، ما سبب كونهم دُعاة إلى النار؟ سؤال حرج جداً جداً وعميق ومُخيف، طبعاً هو جريء ولم يُطرَح، بعضهم قال سبب ذلك – وهذا وجيه ونقبله مبدئياً – أن عمّاراً – رضوان الله تعالى عليه – كان يدعو إلى طاعة الإمام الحق والذي طاعته واجبةٌ مُحتَّمةٌ بنص الكتاب والسُنة المُتواتِرة، قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۩، ولي الأمر أو رأس ولاة الأمر هو الإمام الحق، الخليفة المُبايَع له من جماهير الأمة، الحمد لله على الأقل الإمام أبو الحسن بايعه المُهاجِرون والأنصار، بعض الناس يقول هناك قلة لم تُبايعه، قلة قليلة جداً جداً وحدث خلط نُنبِّه إليه أيها الإخوة بين الذين اعتزلوا القتال معه وبين الذين لم يُبايعوه، وجدت بعض المُؤرِّخين – ونبَّه إلي هذا أيضاً فضيلة الشيخ المُحقِّق حسن بن فرحان المالكي حفظه الله – وبعض العلماء خلط، فمن لدن نفسه افترض أن كل مَن لم يُقاتِل لم يُبايع عليّاً، وهذا كلام باطل وغير صحيح، غير صحيح بالمرة، هناك مَن لم يُقاتِل ولم يُبايع حقاً، وهناك مَن لم يُقاتِل لكنه بايع، فإذا أردت أن تنسب إلى أحد أنه لم يُبايع عليّاً لابد لك من دليل مُستقِل، ليس موضوع الامتناع عن القتال مع عليّ، انتبه لأن هذه مسألة مُهِمة جداً، فالذين قبضوا أيديهم ولم يُبايعوه قلة منزورة جداً، وقد بايعه كما صح عنه في أكثر من مُناسَبة القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر، بايعه الأنصار والمُهاجِرون، جُملة من الطُلقاء احتفوا بمُعاوية والتفوا حوله وهؤلاء لا وزن لهم أصلاً، هؤلاء لا وزن لهم، بايعوا أو لم يُبايعوا لا يُقدِّمون ولا يُؤخِّرون، ولذلك الأنصار كلها بايعت عليّاً، باستثناء الشام وجماعة تحوَّزوا في مصر في قرية خربتا، هؤلاء كانوا يُطالِبون بدم عثمان وقالوا لا، نُعلِّق البيعة حتى نرى ما يفعل عليٌّ بموضوع ثأر عثمان ودم عثمان، قالوا هذا في خربتا وهذا معروف، ما عدا ذلك كل أسقاع الأمة الإسلامية أعلنت البيعة والولاء للإمام عليّ عليه السلام، امتنع مُعاوية، وفي الأحاديث الصحيحة المعروفة لكم أيها الإخوة مَن أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يُريد أن يشق عصاكم فاضربوا عُنقه كائن مَن كان، أليس كذلك؟

إذن مُعاوية حكمه بنص حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحقه أن تُضرَب عنقه، ليس أقل من هذا أو يدخل فيما دخل فيه الناس لكنه لم يفعل، سوف نرى لماذا أيها الإخوة، لماذا لم يفعل؟ كيف يُدافِع عنه الذين اختاروا أن يُدافِعوا عنه حتى الممات كما يُقال؟ قالوا مُعاوية يُطالِب بثأر عثمان، يُطالِب بدم عثمان، ما الجواب عن هذه الشُبهة؟ هذا المفروض أن يكون بقية الدرس اليوم، المفروض أن يكون بقية الدرس لكن قبل أن نُفضي بالكلام إلى هذه المسألة لابد أن نُجيب عن سؤال أو نُتابِع الكلام في مسألة توقَّفنا عندها وهي مسألة كيف أجاب العلماء عن تقتله الفئة الباغية؟ ماذا قالوا؟ بماذا أجاب مُعاوية نفسه؟ بماذا أجب مُعاوية؟ مُعاوية لم يتنصَّل من الحديث، الحديث مُتواتِر، لا سبيل إلى إنكاره، فماذا فعل؟ تعرفون ماذا فعل، تأوَّله، ردَّه لكن عن طريق التأويل الباطل الفاسد الكاسد البارد، قال نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال سيوفنا، قال عليّ قتله، نحن لم نقتله، وهذا غير مُستغرَب من مُعاوية الذي عاش ومات وهو يُدلِّس ويخدع ويُدجِّل على الأمة طيلة حياته، مُسلسَل من الدجل المُتواصِل، كيف يطعن في صدر حديث رسول الله بهذا التأويل الباطل؟ لم يقبله منه أحد إلا أهل الشام، اقتنعوا وقالوا مضبوط، نحن لم نقتله، لكن الإمام عليّ طبعاً بذكائه مُنقطِع النظير قال هكذا قال مُعاوية؟ إذن يكون رسول الله هو الذي قتل حمزة، في أُحد ليس وحشياً وليست هند أم مُعاوية وزوجة أبي سُفيان ولا أبا سُفيان هم الذين دبَّروا قتل حمزة، يكون الرسول هو الذي قتل حمزة وقتل أصحابه في أُحد وغير أُحد، قال العلّامة أبو الخطّاب بن دحية بمعنى الكلام وهذا جواب لا محيد عنه، لا تستطيع أن تتنصَّل منه، أي أنه أفحمك، عليّ كلامه مُفحِم تماماً، انتهى الأمر، نسج على فمه – كما يُقال – بنساج الإفحام، ما هذا؟ أي تأويل هذا؟ النبي لو أراد أن يقول هذا لقال تقتله الفئة التي أغرته بالخروج معها أو التي أخرجته، أليس كذلك؟ الله استخدم مُصطلَح يُخْرِجُوكَ ۩، النبي لو أراد أن يقول هذا لقال ويح ابن سُمية أو ويح عمّار تقتله الفئة التي تُخرِجه من بيته إلى ساح الوغى، النبي أفصح مَن نطق بالضاد، يقول تقتله الفئة الباغية، مَن هي الفئة الباغية؟ التي بغت على الإمام ظلماً وعدواناً، مَن هو الإمام؟ كما قلنا بإجماع الأمة كلها في وقته إلا فئة قليلة من أهل مصر وأهل الشام جماعة مُعاوية هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وكرَّم الله وجهه، هذا هو البغي، هؤلاء هم البُغاة، الموضوع واضح، سوف نرى الآن هذا.

طبعاً على ذكر حديث الترمذي الذي تلوته عليكم في أول الدرس النبي قال له أبشر عمّار تقتلك الفئة الباغية، قال له أبشر، هذا لفت نظري، لم أجد مَن التفت إليه وهذا عجيب، هو لافت حقاً، لماذا يقول له النبي أبشر هنا؟ قد تقول لي هل قال له أبشر أم ويح؟ قوله ويح عمّار مُتواتِر، لعله قال له هذا في موطن آخر، ولعله أكَّد له هذا في مواطن أصلاً، ففي موطن قال له أبشر، لأن الترمذي لم يذكر الحكاية كاملةً، فقط ذكر عن أبي هُريرة شيئاً، وأبو هُريرة مُتأخِّر الإسلام أو مُتأخِّر قدومه على المدينة حتى لا يغضب أُناس، وفد على المدينة بعد أن انتهت غزوة خيبر، فأتى والغنائم تُقسَم، أي في السنة السابعة، وسنة بناء المسجد هي السنة الأولى، فأبو هُريرة لم يشهد الحادثة، إذا أردنا أن نقول لم يُرسِل على طريقته هنا فيكون أبو هُريرة سمع هذا من رسول الله بعد السابعة، أليس كذلك؟ يُبشِّر عمّاراً النبي بأنه تقتله الفئة الباغية، ما وجه البشارة هنا؟ تعرفون ما وجه البشارة؟ وجه البشارة أن الذين يقتلونك أُناس لا خلاق لهم، كما حدث مع الفاروق – رضوان الله تعالى عليه – حين طعنه الملعون أبو لؤلؤة المجوسي واحتُمِل إلى بيته وأراد أن يُكمِل صلاته، لكم أن تتخيَّلوا هذا، أراد أن يُكمِل الصلاة حتى وهو يُغمى عليه، شيئ عجيب، هذا الدين المتين، ثم استفاق وقال مَن؟ مَن الذي فعلها؟ مَن الذي قتلني؟ يُريد أن يعرف، فقيل غلام لفلان اسمه أبو لؤلؤة، قال مُسلِم؟ قالوا ليس مُسلِماً، الله أكبر قال، الله أكبر، قال الحمد لله الذي جعل موتي على يد رجل لم يركع لله ركعة يُحاجِني بها عند الله يوم القيامة، فقال هذه بُشرى لي، الحمد لله قتلني رجل علج ملعون مثل هذا، فالنبي يُبشِّر عمّاراً، قال له أبشر، لن تُقتَل على أيدي أمثال عليّ و أصحاب عليّ – على أيدي التُقاة المُخلِصين الطاهرين – وإنما ستقتلك الفئة الباغية دُعاة النار فأبشر، هل فهمتم؟ هذا مُهِم جداً، مُهِم جداً أن نُفسِّر حديث الفئة أيضاً في ضوء حديث الترمذي أبشر عمّار، أبشر تقتلك الفئة الباغية، فأنت تموت وأنت تُقاتِل في سبيل الله هذه الفئة الباغية، طبعاً يقولون لك قال شيخ الإسلام ابن تيمية كذا وكذا، طبعاً معروف كلام هذا واللف والدوران والتشغيب والسفسطة العلمية، نقول لهم على كل حال هناك قول مشهور لدى السادة الحنابلة ونقله عنهم العلّامة الآلوسي في روح المعاني، الجزء السادس والعشرون، تفسير سورة محمد، أي سورة القتال، صلى الله على محمد وآل محمد، قال والحنابلة يرون أن قتال البُغاة خيرٌ من الجهاد في سبيل الله، إذا كان عندك جهاد مع كفّار وعندك قتال بُغاة مَن سيكون الأحسن؟ قتال البُغاة أفضل، بماذا احتج الحنابلة؟ قال الآلوسي واحتجوا بترك عليّ – عليه السلام وكرَّم الله وجهه – جهاد الكافرين وانشغاله – أي وبانشغاله – بقتال الباغين أو البُغاة، فإذن هذا أفضل وهذا علي، لا يُوجَد مَن هو أفقه من عليّ، أرأيتم؟ هذه حُجة عند الحنابلة، حتى هذا عند الحنابلة وابن تيمية حنبلي، قتال البُغاة لا يُوجَد محيد عنه، هل تعرفون لماذا؟ النبي قال هذا، كما قلت لكم الأحاديث مُستفيضة في هذا المعنى، قال النبي فاضربوا عُنقه، قال أمركم جميع، قد تقول لي هذا الذي فعله الحُسين وهذا الذي نطق به أبو بكر بن العربي وابن خلدون من ورائه، تكلَّما بكلام إد، كلام خطير، كلام فظيع والعياذ بالله، حاصله أو مُحصَّله أن الحُسين قُتِل بفتوى من رسول الله، كما قيل بسيف جده، ليس بسيف يزيد ولا عُبيد الله بن زياد، بسيف المُصطفى قُتِل الحُسين، لأن هو الذي قال مَن أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يُريد أن يشق عصاكم، أقول لمَن يقول هذا لا تكذب على رسول الله ولا على نفسكم ولا علينا، النبي يقول أمركم، في الحقيقة هذا لم يكن أمرنا، هذا كان أمر يزيد وجماعة يزيد وجماعة مُعاوية، وكل مَن قرأ التاريخ يعلم ويعرف كيف أُخِذت البيعة ليزيد بن مُعاوية، والحُسين أصلاً لم يُبايعه لحظة أبداً، ورأى أن الهلكة كلها في أن يُبايع مثل هذا الفاسق الخليع المُتهتِّك، أعني يزيد، فهذا ليس أمرنا، هذا ليس أمرنا أبداً، والله قال وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۩، إذن قال مِنْكُمْ ۩، أي إنسان تفرزونه وتختارونه وتتواطأون عليه، أهلاً وسهلاً فهذا ولي الأمر، فهو منكم وليس فيكم، وإلا المُستعمَر الإنجليزي والصهيوني والفرنسي ولي أمر فينا، هؤلاء كانوا أولياء أمور فينا، أي مفروضون علينا بسياسة الأمر الواقع، هذا اسمه منطق الأمر الواقع، أنت اليوم كفلسطيني – مثلاً – لا تستطيع أن تفعل أشياء كثيرة ولا أن تعبر من الحدود إلا بإذن إسرائيل، اليوم عندنا سُلطة حماس – ما شاء الله – والأناس المُجاهِدون الطيبيون ومع ذلك لا تقدر على أن تدخل من عند حماس إلا وفق قوانين تُوافِق عليها إسرائيل، الذي عنده جواز فلسطيني أو عنده جواز كذا وكذا والذي ليس عنده ممنوع، هذا رغماً عنك، لا تستطيع غير هذا، لأن مصر تُنسِّق أيضاً، هذا مفروض عليك، ومن ثم هذا ولي أمر بطريقة ما، قديماً الذين كانوا يحتلون كل شيئ كانوا أولياء أمر لكن فينا، هذا ليس مني، أنا ما اخترته ولا أعطيته ولاية أمري، لكنه فرضها علىّ بالقوة، أليس كذلك؟ كل حاكم ظالم وطاغية ملعون قد يكون ولي أمرٍ فينا لا منا، القرآن يقول منكم، تختارونه أنتم، تتسالمون عليه، تتواطأون على بيعته، وما دام ذكرنا هذا الأمر أقول لكم – بالأمس ذكرت هذا – حقيقةً يا إخواني لا يُمكِن لعقل سياسي على وجه البسيطة والمعمور أن يتفتَّف عن نظرية سياسية أردأ ولا أسخف ولا أظلم ولا أقبح من نظرية السيف، أن الذي يتغلَّب ويصل إلى السُلطة ينبغي أن يُطاع طاعة مُطلَقة إلا أن يكفر، ما دام لم يكفر يُطاع، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك وكذا، سوف تقول لي هذا حديث، أتطعن في الحديث؟ أنا لا أُؤمِن أصلاً بأنه حديث ولو كان في الصحيح، هذا مُستحيل، مُستحيل أن الرسول يقول هذا، مُستحيل أن الذي نزل عليه القرآن الكريم يقول هذا الكلام، ومُستحيل على مَن قال سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، تعرفون حتى في النظرية هذه – والإمام أحمد وطَّد أركانها للأسف الشديد، وطَّد أركانها بشكل قوي جداً جداً – هناك حديث مُخرَّج في الصحيحين – وما زال في الصحيحين، أي في البخاري ومُسلِم – عن أبي هُريرة قال صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم يُهلِك الناس هذا الحي من قريش، والحديث في الصحيحين، أي في البخاري ومُسلِم، واضح جداً مَن المقصود بهذا الحي، والنبي لم يقل هذا الحي، لم يقل هذا الحي وإنما ذكر اسم حي، لكن الراوي في فمه ماء، وهل ينطق مَن في فيه ماء؟ لا يقدر، فطبعاً خاف من بني أُمية، وماذا قال؟ هذا الحي، ومعروف أين هلكت الأمة وعلى يد مَن يا جماعة، هناك أحاديث أُخرى، في حديث أبي هُريرة نفسه في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يدي أُغليمة من قريش، فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة، قال لو شئت أن أُسميهم لسميتهم، هم أبناؤك، من هذه الأسرة النجسة حاشا الصالحين، لا يأت أحد ويقول لي عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز، رضيَ الله عنهما، يا جماعة انتبهوا وتعلَّموا العلم، تعلَّموا العلم وطريقة التفكير، حين نتحدَّث دائماً الحكم للعام، الحكم لجمهور، ما تُلزِمني وتُلزِم نفسك أن تستثني دائماً المُستثنى بذاته، مفهوم هذا، قد يُقال لا، استثن عمر، لن استثنيه وهو مُستثنى، معروف أنه مُستثنى يا أخي، قد يُقال استثن عثمان، هو مُستثنى استثنيه أو لم استثنه، من العبط أن أقول حاشا عثمان وحاشا عمر كلما ذكرتهم، هذا معروف وواضح جداً، ليس عندنا كلام فيه، وهذا تصريح وليس تلويح!
على كل حال اتضح أنهم بنو مروان، هؤلاء بنو مروان، قال هذا الحي من قريش، لكن ليست هذه القضية، القضية أنهم قالوا فما أمرنا يا رسول الله؟ ما دام هلاك الأمة على يد هذا الحي ماذا نفعل؟ قال لو أن الناس اعتزلوهم، الله أكبر يا رسول، هذا أضعف الإيمان، هل تعرفون ما هو؟ المُقاوَمة السلبية، اليوم يُسمونه العصيان المدني، هذا العصيان المدني، يُوجَد فرق في منطق على الأقل عصيان مدني، لا أتعاون معه، وسوف يسقط مثل ورقة جافة في الخريف، لن أشتغل عنده، لن أتولى له أي عمل، لن أقبض له الزكاوات، لن أعطيه الزكاوات، لن أتعاون معه بالمرة، فليفعل ما أُريد وسأظل في بيتي، سوف يقتل لكن سوف يفشل ويضيع فعلاً، هذا المنطق – وهو كما قلت حديث صحيح في الصحيحين – ضُرِبَ بأحاديث نُسِبَت إلى الرسول مثل وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، يا جماعة هل يُوجَد مُفكِّر أو مُنظِّر سياسي يقول أنا أُنظِّر لكم وآمركم وأُرشِدكم أن تُطيعوا السُلطان مهما كان ظالماً، فقط أن يكون على دينكم وليس كافراً؟ الحمد لله والله زين العابدين مُسلِم، على ديننا، وحُسني مُبارَك على ديننا، والقذّافي على ديننا رغم ثبوت الزندقة عليه، وكل هؤلاء الظلمة على ديننا، وطبعاً يزيد بن مُعاوية على ديننا، والوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي أحب أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة والذي راود أخاه عن نفسه والذي مزَّق المُصحَف بالنبل – مزَّقه تمزيقاً – وقال له إذا ما أتيت ربك يوم حشرٍ فقل يا رب مزَّقني الوليد على ديننا، هو على ديننا، ولم يقبل الهادي أو المهدي العباسي أن يُوصَف بالنفاق أو الزندقة، قال أمسك، معاذ الله أن يجعل الله الخلافة في زنديق أو في مُنافِق، طبعاً يدفع عن نفسه، هل رأيتم كيف يكون تساند وتآزر منطق الطواغيت؟ أعظم أعداء بني أُمية مَن هم كانوا؟ بنو العباس، ذبحوهم في المساجد، ذبحوهم في مسجد دمشق، في المسجد ذبحوهم كالسخال ووضعوا عليهم السجاد وشربوا فوقهم الخمر، هؤلاء بنو العباس، أسوأ من بني أُمية، لكن هؤلاء لم يسمحوا أن يُقال إن خليفة أموياً كان زنديقاً أو مُنافِقاً، الله – عز وجل – مقام الخلافة المُقدَّس لا يُمكِن أن يناله رجل مُدنَّس، هل تعرفون لماذا؟ لا يدفعون عن مَن قتلوهم وشربوا فوقهم الخمر ولعنوهم وإنما عن أنفسهم، لأنهم سيفعلون الأفاعيل ذاتها وأسوأ، ولكن عليكم ألا تشكوا في ديننا، لأن طبعاً المُسوِّغ الأكبر للبقاء هو الدين، الدين دين وينتهي الأمر، نحن علَّمناكم وعلَّمكم بنو أُمية، ولذلك سكوت الأجهزة العلمية والثقافية العباسية أيضاً على كل العبط والكلام الفارغ الذي أسَّس له بنو أُمية، وتأليف أحاديث وأسانيد وكلام فارغ كله يُنسَب إلى الرسول، لماذا؟ لأنه ضمانة بقائهم هم أنفسهم أيضاً، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، هذا ينفع هنا، هذا ينفع الطواغيت اليوم في القرن الحادي والعشرين، وسوف ينفعهم في القرن الرابع والخمسين أيضاً، أي بعد أربعة آلاف سنة سوف ينفعهم، نُريد تنظيراً يقول وإن جلد وأخذ، اسكت واسمع، هل النبي يقول هذا؟ والله أنا أقول لك أي أحد يعيش في أوروبا يُجرِّب أن يأخذ هذا الكلام ويذهب به إلى أي مُفكِّر سياسي أكاديمي – عندك يا دكتورمحمد – في الجامعة ويقول له ما رأيك في هذه النظرية السياسية؟ عندنا تنظير يقول الذي يغلب على الكرسي بالسيف يُسمَع له ويُطاع، حتى لو ذبح الناس أو سجنها أو أخذ أموالها أو هتك أعراضها أهم شيئ أن يُشارِكهم في الدين، أي في دينهم، سوف يقول هذا أكبر إجرام في التاريخ، أكبر تنظير للعسف والديكتاتورية، قل له هذا نبينا، وسوف يقول لك وهل أنت تُؤمِن به؟ هل تُؤمِن بهذا النبي؟ في الحقيقة هذا ليس نبيك، هذا أُمية، هذا نسل أُمية، هذا تسميم الدين، ومن أجل ذلك ركبوا ظهورنا – أعني هؤلاء الظلمة – أربعة عشر قرناً، أسأل الله أن يكون عصر الثورات نهاية لهذه المسيرة البائسة يا جماعة، لكن لن تنتهي بهذه الطريقة، أنا أقول لكم هذا، لذلك أنا الآن بهذه المُحاضَرات وبهذه الأفكار أنا أُشارِك في صناعة ثورة حقيقية، هذا ليس تبجحاً، أنا أُشارِك وليس أصنع، أُشارِك – واحد من الملايين إن شاء الله – في ثورة وهي ثورة ثقافية، إذا أردنا أن تسلم لنا ثوراتنا السياسية علينا أن ندعمها وأن نُعزِّزها وأن نرفدها بثورات فكرية علمية ثقافية منهجية وإلا سوف نضيع، سوف نُعيد إنتاج الديكتاتوريات بخمسين يافطة وخمسين اسم جديد، وسوف نكون بؤساء خائبين، انتبهوا إلى هذا، هذا ما فعله هؤلاء!
على كل حال المُشكِلة أن الإمام أحمد بن حنبل رضوان الله تعالى عليه ضرب عليه، هذا الحديث الذي نفذ من بين أحاديث – يقول ابنه عبد الله في المُسنَد – قال لي أبي في مرضه الذي تُوفيَ فيه اضرب على هذا الحديث، أي اشطب عليه، لا نُريده، لماذا يا أحمد؟ الحديث يقول لو أن الناس اعتزلوهم، أي عصيان مدني، النبي يقول على الأقل عصيان مدني حتى يفشلوا وإلا تهلك الأمة، لماذا أضرب عليه؟ قال خلاف الأحاديث التي تأمر بالسمع والطاعة والصبر، اسمع وأطع واصبر، اصبر إلى يوم الدين، أربعة عشر قرناً – والله العظيم – صبرنا ولم ينفع، تحرَّكنا حركة بسيطة جداً، كم عدد الذين ماتوا في تونس؟ هل مات سبعون؟

(ملحوظة) قال أحد الحضور ثلاثمائة، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم سبعمائة يا سيدي وتحرَّرتم، أليس كذلك؟ تحرَّرتم من طُغيان لا أقول لكم دام ثلاثين سنة وإنما أقول دام مئات السنين، هذه نفس الأمة العربية المُضطهَدة تحت كل حكّام العرب والمُسلِمين، مصر ثمانون مليوناً، سبعة عشر يوماً، كم عدد الذين ذهبوا؟ ألف مصري؟ كم عدد الذين جُرِحوا؟ جُرِح ألفان أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من ثمانين مليون، تحرَّرتم – إن شاء الله – وانتهى الأمر، مَن لا يقبل هذه الطريقة؟ مَن يُشكِّك في جدواها وفي نجاعتها؟ جعل الله كلامي خفيفاً وهو ثقيل كالرصاص على الطواغيت العرب، هذا الكلام سيسمعونه في أي شيئ، سوف يُجَن جنونهم، أو الأجهزة الأمنية والرقابية الثقافية سوف يُجَن جنونها، كيف يقول هذا الكلام الخطير جداً جداً جداً؟ وهو كلام ديني في مسجد، نُناقِش أحاديث نحن ومواقف الأئمة كأحمد بن حنبل، لا يا أحمد، على كل حال تلميذك البخاري لم يقتنع بوجهة نظرك فأخرج الحديث في صحيحه، جزاه الله خيراً، يُهلِك الناس هذا الحي من قريش، فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال لو أن الناس اعتزلوهم، تلميذه البخاري لم يقتنع بوجهة نظره – أي بوجهة نظر أحمد بن حنبل – فأخرج في صحيحه، لو أن الناس اعتزلوهم، اتركوا لنا مُتنفَّساً يا جماعة، الحقيقة لابد أن تُطِل قليلاً بقرنها، هذا حرام، لكن الحقيقة لا يُمكِن أن تُدفَن، أنا أقول لكم الحقيقة عصية على الدفن، لا يُمكِن أن تُدفَن، ستبقى في مكانٍ ما وهي ثابتة قوية فابحث عنها، ابحث عنها ستجدها وسوف ترى أنها مُتآزِرة!

يا إخواني أحد أساليب التحقق المنطقي من صدق مقولة أو دعوى مُعيَّنة شيئ اسمه الاتساق، في المنطق – Logic – هذا، ما هو الاتساق؟ أنت الآن تُريد أن تُؤمِن بحديث مُعيَّن، لماذا أنت اخترت هذا الحديث؟ يتسق هذا مع الفطرة ومع التجربة التاريخية التي عمرها ألف وأربعمائة سنة في حالة أمة محمد ومع تجارب أمم أُخرى عمرها آلاف السنين، يتسق مع روح القرآن، وهذا أهم شيئ، يتسق مع أحاديث أُخرى صحيحة، يتسق مع كل ما يُمكِن أن يُشكِّل برهاناً بذاته، فيزداد على كونه برهاناً بذاته برهاناً من جهة أو حيثية الاتساق والتآزر، أي Coherence، هذا هو، فهذا أنا أقبله، وتلك الأحاديث لا أقبلها ولا أُؤمِن بها، الإمام أحمد يبدو أنه كان مُفعَماً إيماناً بنظرية السيف هذه، ولذلك ورد عنه أنه قال لا يُتعرَّض للسُلطان، انتبهوا إلى هذا، السُلطان لا يتعرَّض له أي أحد، لماذا يا أحمد؟ قال معه السيف، أرأيتم؟ هذه نظرية مخبوعة، هذه نظرية مسكونة بالخوف والرعدة، نظرية خائفة، قال معه السيف، مثل هذا المنطق تماماً كرَّره أحد خرّيجي المدرسة الحنبلية وهو ابن تيمية في أكثر من كتاب، والسُلطان والسُلطان لأنه صاحب السيف يقول ابن تيمية، ما دام صاحب السيف اسكت، اقعد ولا تتحرَّك ولا تتكلَّم، اسكت، انتهى الأمر، لماذا؟ ماذا عن عصيان مدني إذني؟ قال لا، هذا الحديث أحمد قال اضربوا عليه، حتى هنا لا يُوجَد عصيان مدني، لابد أن تُؤدي له الزكاة وتُؤدي له كذا وكذا حتى لو عربد واشترى جوارب وحريم وخصيان أيضاً وشرب الخمر وعمل كل ما يُريد، هو هذا، سُلطان هذا، أي نظرية هذه؟ يا عيب، يا عيب، يا عيب على وعينا السياسي البائس، هل هذا وعينا؟ هل هذا وعي أمة نزل عليها القرآن الكريم؟ تعرفون أن الثورة على سيدنا عثمان عكس ما عُلِّمنا، يتحدَّثون عن ابن سبأ وما إلى ذلك وهذه كلها أكاذيب، ابن سبأ إن كان موجوداً – قد يكون موجود الرجل – لم يكن له دور أصلاً يُذكَر، لا وزن لدوره، أما الذي أعطاه أكبر دور في الثورة على عثمان فهو الكذّاب الزنديق كما وصفه ابن حبان وغير ابن حبان سيف بن عمر التميمي، قال ابن سبأ فعل وذهب وجاء ولعب اللعبة، ابن سبأ فعل كل شيئ وانتهى الأمر، هذا كله كلام فارغ، كل مَن يحترم عقله لم يقتنع ومنهم ابن تيمية، ابن تيمية لم يقتنع بالمرة في منهاج السُنة ولم يذكر ابن سبأ مرة في قصة فتنة عثمان، لم يقتنع، وذكر أن من بين الأسباب التي لأجلها ثار الثوّار على عثمان ضعف عثمان، لم يكن قوياً عثمان، قال الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ۩، لم يكن قوياً، لم يكن كفؤاً في تلك اللحظة، أعني في آخر ست سنوات، لم يكن قوياً في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، كان ألعوبة بيد بني أُمية، وخاصة مروان بن الحكم، كان ألعوبة، ابن تيمية اعترف بأنه كان ضعيفاً، قال ضعف عثمان من أسباب الثورة، طبعاً هناك أسباب مُركَّبة، هذا اعترف به ابن تيمية في منهاج السُنة ونحن نعترف به، ولم يذكر ابن سبأ ابن تيمية مرة واحدة، وهذا جيد ويُحسَب لابن تيمية، هذا تفكير علمي، لكن من بين الذين ثاروا على عثمان صحابة، من بين الذين قتلوه أو شاركوا في قتله أو أعانوا على قتله صحابة كما قلت لكم، وليس هذا فحسب، الذين سكتوا على قتله وخذلوه صحابة، هذا الشيئ مُؤلِم وعجيب، طبعاً ماذا أُريد أن أقول؟ ماذا أُحِب أن أقول من وراء هذا الكلام؟ أُحِب أن أقول من وراء هذا الكلام أن الوعي السياسي للصحابة في تلكم الحقبة كان مُرهَفاً جداً، لم يتسمَّم بحكاية أنه صحابي وذو النورين – رضوان الله عليه، معروف مَن هو عثمان، رضوان الله عليه فعلاً – وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، هذا الكلام لم يكن يعرفه الصحابة، لم يكن مصكوكاً حينها، لم يكن هناك حديث أيام الصحابة اسمه وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، كان عندهم منطق نُقوِّمه بحد سيوفنا، عندهم منطق أبي بكر الصدّيق إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت أو أعوججت فقوِّموني، هذا هو طبعاً، الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله وإلى آخره، هذا هو، كان عندهم منطق عمر، روى ابن سعد وغير ابن سعد والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه، قالوا يا أمير المُؤمِنين لو قلت عزلوه، أي صعبة هذه الكلمة، هل يتم القتل مُباشَرةً؟ كيف نقتل أميرنا؟ قال بل قتلوه، عمر قال لهم أنا أُعلِّمكم وأنا رجل سياسي، أتريدون السياسة؟ قتلوه، ليكون أنكل لمَن بعده، حتى لا يأتي بعده رجل لكي يلعب بكم، وهذا صحيح فعلاً، الذي يُجنِّني دائماً بصراحة من أجل ماذا يا شيخ فلان ويا شيخ علان ويا مُؤسِّس فلانية ويا مُؤسِّس علانية تُدافِع عن حاكم ظالم نهب البلد لمصلحته ومصلحة ولدين أو ثلاثة له – أليس كذلك؟ – وبعض الأقارب وحزب ملعون فيه قلة مُتنفِّذة مُنتفِعة، وتُهدَر حقوق عشرين مليوناً وثلاثين مليوناً وثمانين مليوناً وأربعين مليوناً؟ لا أقدر على فهم هذا، لماذا؟ وفعلاً يُحاوِلون أن يُفهِموك كأن هذا – سبحان الله – معصوم الرب – لا إله إلا هو – ومُرسَل السماء، يقولون لابد أن نتغاضى عن أخطائه وعن جرائمه في حق ماذا؟ ثمانين مليوناً، غير معقول يا أخي، الأمة تُعاني، الأمة كلها تُعاني – أُقسِم بالله – من أجل أن يعيش رجل وعائلته وبعض الأزلام والطُغمة فوق الريح كما يُقال، مليارات عندهم، لماذا؟ هذا لا يُمكِن، سنخرج عليهم، سنكسر رؤوسهم من عند آخرهم، ويموت منا ألف أو ألفان أو مليون أو مليونان ونتحرَّر وتعود إلينا عزتنا وقرارنا وحريتنا وبلدنا وحدودنا وثرواتنا، نحن أبناء هذه الأرض يا أخي، هل نحن من خشب وهو من ذهب؟ هو منا وصعلوك ومعروف أبوه ومعروفة أمه ومعروف أصله، بالأمس كان صعلوكاً لا يجد الخبز والطماطم ثم يُصبِح اليوم مليارديراً على أكتافنا ويرتفع سن الزواج فينا لسن الأربعين، في مصر الشاب لا يجد شيئاً، يُصبِح عمره أربعين سنة ولا يقدر على الزواج، لعدم وجود أموال، لا تُوجَد وظائف، هناك مُشكِلة ثم يأتيك الشيخ المُنافِق الكذّاب ويقول سبب ما أنتم فيه ترك الصلاة، تركتم الحجاب والنقاب، لا تُوجَد لحى تكفي، لو أخذنا بالسُنة وكذا وكذا، طبعاً بلا شك المعاصي أسباب لنقمة الله بلا شك يا إخواني، مَن يرد هذا الكلام؟ مَن يرد؟ مُستحيل، حتى على المُستوى الفردي هذا صحيح، حين تتبرَّج المرأة وتترك الصلاة أو تترك أنتَ الصلاة تُصاب بنقم من الله تبارك وتعالى، تأتيك تحذيرات ثم تُصاب بنقم ويسود عيشك، هذا كلام لا يُرَد، لكن الذي نسخر منه أن تبقى تُردِّد هذه النغمة – ترك الصلاة وترك الحجاب وعدم الخشوع وعدم قيام الليل وعدم الاهتمام بأحكام التجويد وحفظ الأجزاء من القرآن الكريم وكذا وكذا – ولا تتكلَّم ولو لمرة عن السرقات والطُغيان والظلم والرشاوى والأموال الفاسدة والصفقات المشبوهة والتعاون مع الاستعمار والخيانة وبيع الغاز بلا مُقابِل وبخسارة، لا تتكلَّم عن هذا ولو لمرة، هذا الذي يضطرنا أن نقول لك أنت كذّاب، أنت دجّال كسيدك، أنت تقول حقاً هو بعض الحق ويُراد بهذا البعض الباطل، أرأيت؟ وبعض الحق يُساوي الباطل، فكيف إذا أُريد به أصالةً الباطل؟ ما هو الباطل؟ أن تدعم ولي نعمتك، أليس كذلك؟ وأن تُبرِّر له وتخرج على الناس بحليتك التي طولها نصف متر لكي تقول شهادة لله ثم تشهد في الظلمة، ما هذا؟ إلى متى؟ إلى متى تعبثون بنا؟ اتقوا الله فينا، حرام عليكم، والله العظيم حرام عليكم ما تفعلونه بأنفسكم عند الله وبنا – بهذه الأمة – وبهذا الدين، لكن الحمد لله جاءت الثورات، إن شاء الله تستمر – بإذن الله – وتكسر كل رؤوس طواغيت ولا أقول تعود الأمة إلى حكم نفسها بل تبدأ الأمة تحكم نفسها، لأن بالكاد حكمت نفسها في زمن أبي بكر وعمر وعثمان بعض الشيئ وبعد ذلك – كما قلنا – الإمام عليّ ثم انتهى الأمر، حتى عمر بن عبد العزيز – رضوان الله تعالى عليه – الرجل الصالح الطيب كان يُؤخِّر الصلوات حين كان والياً، ابن حجر في كتاب الصلاة في تضييع مواقيت الصلاة يقول عمر لما كان والياً على المدينة – نفس الشيئ – كان يُؤخِّر الصلوات، يُصلي الظهر مع العصر عند المغرب، قبل المغرب بدقائق يُصلي، هؤلاء بنو أُمية، وهذا ثابت عنهم طبعاً، ذكره ابن حجر ومن قبله ذكره ابن رجب الحنبلي في فتح الباري، تم تأخير الصلوات على يد بني أُمية، فعمر بعد ذلك حُدِّث – حدَّثه بعض التابعين الأجلاء عن هذا، قالوا ليست هذه السُنة وليس هكذا الذين، الصلاة كتاب موقوت، لابد أن تُصلى في وقتها، يُصلى الظهر في وقته والعصر في وقته، لا يصح ما تفعله، كيف تُخرِج الظهر عن وقته وتُصليه مع العصر قبل المغرب؟ أضعتم الدين – وعاد – ما شاء الله – إلى الحق، يقول ابن حجر ولكنه كان يُراعي قومه، أي بني أُمية، فهناك تأخير أيضاً، حين صار خليفة أعتقد انتهى كل هذا بفضل الله عز وجل، هذا انتهى حين أصبح خليفة، لكن حين كان والياً كان مُضطَراً أن يُراعيهم، عبد الرزّاق في المُصنَّف يروي عن عطاء يقول دخلت لأُصلي الجُمعة خلف الوليد – الوليد بن عبد الملك أحد الجبابرة الأربعة أبناء عبد الملك بن مراون، قالوا أبو الجبابرة الأربعة، وطبعاً هذا بعض وقت العصر – فصليت الظهر أولاً قبل أن أجلس، وجلست أومأت بالعصر إيماءً، لأن سوف يدخل وقت المغرب، الجُمعة تُصلى إلا عند المغرب، لك أن تتخيَّل أن الجُمعة تُصلى عند المغرب، هذا في مُصنَّف عبد الرزّاق، وهذا الذي أثبته – كما قلت لكم – الحافظان ابن رجب وابن حجر وغيرهما، هذا ثابت، أشياء ثابتة ومعروفة، لماذا؟ قال وإنما فعل عطاء ذلك – لم يقدر على صلاة العصر واقفاً، فقط إيماء برأسه السكين، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، هذا مُهِم لكي تروا الظلم، هناك أُناس يسمعون هذا الكلام لأول مرة، أليس كذلك؟ إلى هذه الدرجة كان يُوجَد الرعب؟ إلى هذه الدرجة شن بنو أُمية حرباً حتى على الصلاة وعلى الشعائر الدينية؟ نعم، لا أعرف ما هذا، أُناس عندهم كره للإسلام، يا أخي ما مُشكِلتك مع الصلاة؟ هذه صلاة، لماذا تُضيِّعون الصلوات على الناس؟ وطبعاً لابد أن تُصلي جماعة، لا يُمكِن أن تُصلي في بيتك، يسألون دائماً فإذا كنت مريضاً وعندك مُشكِلة سوف يسمحون لك، لا يُمكِن لأي شخص عادي ألا يُصلي معهم، إلى أين؟ لماذا لم تُصل معهم؟ يُؤتى به، رُغماً عنك تُصلي خلف الأمير أو خلف الإمام أو خلف الخليفة بحسب ما ابتلاك الله وأنت جالس في العاصمة أو في الأطراف، لابد أن تُصلي معهم في المسجد، فطبعاً المسكين عطاء أومأ إيماءً – مخافة القتل، سوف يُقصون رأسك مُباشَرةً، أتُصلي العصر؟ أُصلي العصر يا أخي لأن سوف يضيع، قالوا يضيع، هذا عادي، فليدخل وقت المغرب، ما علاقتك أنت؟ السُلطان معه السيف، هذه النظرية نفسها، السُلطان معه السيف، أرأيتم إلى أي درجة بلغ الظلم؟ ظلم فظيع، وهذا الكلام موجود في الشروحات، وأنا أعرف أن أي أحد قرأ فتح الباري قرأ هذا الكلام، لكن أن مُتأكِّد من أن عقليته والـ Sensor الخاص به وجهاز الانتخاب عنده لا يسمح له بالاستيعاب، كأنه لم يقرأ هذا الكلام ولم يفهمه، غير موجود، هذا غير موجود، لم يُوجَد ولم يُخلَق الكلام هذا، لماذا؟ لأن هذا يُشوِّه الصورة النمطية التي عنده عن الحكم الإسلامي الرشيد الزاهر وعن بني أُمية وبني العباس والإسلام والفتوحات، هذا ممنوع وانتهى الأمر، ولذلك لم تسمعوه مرة واحدة في منبر، أليس كذلك؟ هناك أحاديث في البخاري ومُسلِم – في الصحاح – ومع ذلك لا تسمعون هذا ولو لمرة في منبر، وهذا غريب كما قلت في خُطبة أمس، أليس كذلك؟ طيلة حياتنا نسمع حديث كتاب الله وسُنتي، كتاب الله وسُنتي، كتاب الله وسُنتي، ثم يتضح أنه ضعيف ومُرسَل وبلاغاً عند مالك من غير سند إلا اسم مالك، والحديث المُخرَّج في مُسلِم وفي غير مُسلِم بأسانيد صحيحة قوية جداً كتاب الله وعترتي، أي أهل بيتي، لم نسمع هذا ولو لمرة، وإذا قالوه يكون هذا على استحياء وبسرعة دون أن يشرحوه هذا للناس، والناس لا تفهم، أكيد العترة هي السُنة، كأن سُنتي هي أهل بيتي وانتهى الأمر، لأن هذا له علاقة بالشيعة، نشم منه رائحة التشيع، شيئ رهيب يا جماعة، هو هذا، هذه الرقابة الثقافية من ألف وأربعمائة سنة، شيئ يتصدَّر وشيئ يختفي، ونفس الشيئ كما قلت، أنت الآن تشتغل مع بني أُمية وتشتغل عاملاً لهم وتُبرِّر لهم مظالهم، بمُجرَّد اشتغالك معهم أنت ظالم، والله الإمام أحمد – رضوان الله عليه – عنده كرامات وأشياء عظيمة جداً جداً، ومواقفه حتى من السُلطة شخصياً في خلق القرآن الكريم تُحمَد له، مواقفه من الظلمة معروفة، هناك القصة المشهورة التي سأله فيها أحدهم يا أبا عبد الله أنا أشتغل سجّاناً – قال له أنا سجّان، أضع الناس في السجن وأحرصهم – فهل أُعَد من أعوان الظلمة؟ قال له من أعوان الظلمة؟ أنت منهم قال له، أنت ظالم من الظلمة، أنت لست من الأعوان، كيف؟ قال له لا، أنت منهم، لست من أعوانهم، أعوانهم تعرف مَن؟ قال له، قال له لا أعرف، قال له أعوانهم: الذي يطبخ لهم الطبيخ، طبّاخ يطبخ ويذهب هذا الطبيخ لهذا الأمير أو لهذا الخليفة، هذا من أعوان الظلمة، خيّاط يخيط لهم ملابسهم، هذا من أعوان الظلمة، هذا يعني أن أحمد عملياً كان بوده – وكان يُفتي بهذا طبعاً – لو أن الناس عملوا بالوصية النبوية لو أن الناس اعتزلوهم، أتى في آخر حياته ثم قال لا، اشطب عليه، لأنه في مواطن أُخرى كرَّس نظرية السمع والطاعة والصبر، تسمع وتُطيع وتصبر، هذا تناقض، علماً بأن أي فكر يُزاحِم الحقيقة أو تُزاحِمه الحقيقة يُوجِب التناقض في المواقف والتناقض في التكفير، خُذوا هذا كقاعدة مني، يحدث – سُبحان الله – تناقض، وكم في حياتنا وفي أدمغتنا من تناقضات!

حكيت لكم ربما في المرة الفارطة تناقضاً للإمام الذهبي، قال ويزيد مِمَن لا نسبه ولا نُحِبه، هذا جيد، هذا رأيك، لكن نحن نسبه ولا نُحِبه، نحن نسبه ولا نُحِبه، هل هذا جيد؟ هذا رأيك وأنت طبعاً إمام جليل، وبعد كم من صحيفة بسيطة قال ويزيد كان ناصبياً فظاً غليظاً جِلفاً يفعل المُنكَر ويشرب المُسكِر وافتتح خلافته بقتل الحُسين ابن رسول الله واختتمها بوقعة الحرة فلم يُبارَك في عُمره وفعل الأفاعيل، ما شاء الله عليك، هل يُوجَد سب أبلغ من هذا السب؟ تقول أنه ناصبي، وهذا يعني أن دينه بغض أهل محمد، أي أهل بيت محمد، يدّين ويتقرَّب إلى الله بحبهم وتقريبهم والصلاة عليهم في الصلاة، هذا هو دينه، أي النصب، وتقول أنه فظ غليظ جِلف، وتقول أنه يفعل المُنكَر، وكلمة مُنكَر أنت تقولها والله أعلم ماذا كان يفعل، تقول يفعل المُنكَر ويشرب المُسكِر، هل يُوجد سب يا ذهبي أكثر من هذا؟ رضوان الله على الذهبي، لماذا تناقض؟ لأن في تفكيره يُوجَد شيئ صحيح ويُوجَد شيئ غالط، هذه الكلمات صحيحة، كلمات لا نسبه غالطة، لابد أن تسبه، لابد أن تسبه لأن القرآن لا نقول سب بل لعن، ونحن نُفرِّق بين السب واللعن، السب كأن تقول أبوك كذا وأمك كذا يا ابن كذا وأصلك واطئ وخسيس وما إلى ذلك، هذا السب، المُسلِم لا يكون سبّاباً، لكن هناك شيئ اسمه اللعن، قال الله لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ۩، وقال أيضاً لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ۩، لعنة الله على مَن استحل حرم رسول الله، على مَن استحل أهل بيت رسول الله، على مَن زاد في القرآن، على مَن أحدث في الحرمين حدثاً، على مَن آوى مُحدِّثاً، على مَن غيَّر منار الأرض، على المُرابي، على كذا وكذا، هذه نصوص شرعية في الكتاب والسُنة، أليس كذلك؟ لا تدّعي أنك فطن وذكي جداً وأنك مُترَف وإنسان ما شاء الله راقٍ وعندك إتيكيت Etiquette وتقول أتنزَّه عن ما أمر الله به ورسوله وعن ما فعله الله ورسوله، الله لعن ورسوله أصنافاً من الناس وأصنافاً من البشر، أليس كذلك؟ أنت تقول لا، أنا أتنزَّه، الأحسن لي ألا ألعن، ما شاء الله، هل هذا أدب أم حماقة؟ لا أعرف، أم أن هذا هبل في عقلك؟ لا، هل تعرف لماذا هذا اللعن؟ لكي يشعر الناس بحجم الجريمة حين يُقال فلان الخليفة لعنة الله عليه، بلعن الله ورسوله نلعنه، لأن الله قال فيه وفي أمثاله كذا وكذا وكذا، اللعن جاء في أشياء أبسط من هذه، هذه ما نتشبَّث بها، لو سألت اليوم أي شيخ – نُريد أن نستروح قليلاً حتى لا يزعل الناس منا – وقلت له يا مولانا أنا مُتزوِّج امرأة ترغب عني أحياناً وحين أدعوها لا تُلبيني سوف يقول لك تبيت وتلعنها الملائكة حتى تُصبِح، إذن تلعنها، هذا لعن لفرد مُعيَّن أم لعن لطائفة؟ لعن لفرد مُعيَّن، هذا من أقوى أدلة لعن المُعيَّن، تقول لها الملائكة لعنكِ الله، لعنكِ الله، لعنكِ الله إلى أن تُصبِح، هذا يحفظونه، لكن عند شيئ فيه لعن للسُلطان الظالم وللظلمة ولسفّاكي الدماء يقولون لعن المُعيَّن ممنوع، نتأدب ونقبض ألسنتنا، غير معقول، الأدب مع هؤلاء، لكن الضعفاء من أمثالنا والنسوان والمظلومين لا يُلعَنون فقط بل ويُفتى بكفرهم وذبحهم وقتلهم ولا كرامة لهم، انظر أنت إلى الفتاوى في الخارجين على السُلطان، أبو حنيفة من الأسباب التي جُرِحَ بها – أنا أقول لكم هذا جوهر أبي حنيفة، غير هذا كله تدجيل – أنه كان يرى الخروج، يقول الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة في كل شيئ حتى جاءنا بالسيف، هنا لا، لأن الأوزاعي ما شاء الله من السدنة ووكالة السُلطان، قال إلا السيف، لا تقل لنا نخرج على الظالم، لكن يا أوزاعي لماذا خرج جماعة ابن الأشعث؟ عشرات بل مئات من القرّاء والعلماء وسادات التابعين خرجوا وقاموا لله ولرسوله على الحجّاج وعبد الملك لكي يخلعوا السُلطان الظالم الجبّار العنيد، لماذا ثاروا على عبد الملك؟ هذا خطأ حدث وفي دير الجماجم ماتوا وسُجِنوا وعُفيَ عن مَن عُفي وكانت غلطة كبيرة وكان فساداً عظيماً، أُريد أن أقول لكم شيئاً، تخيَّلوا الآن أي شيئ نجح في التاريخ لو أنه فشل كيف كان سيُؤرَّخ له؟ تخيَّلوا لو مُعاوية فشل أمام عليّ – وعلى كل حال هو فشل طبعاً بلا شك، لكن نقصد لو فشل عسكرياً – ودُقَّت عُنقه في المعركة، مات وانتهى كل شيئ واندثر نظام أهل الشام ودخلوا فيما دخل فيه باقي الناس، مُستحيل أن تجدوا تعاطفاً مع مُعاوية، بالعكس سوف يقولون مُعاوية قبَّحه الله، مُعاوية قبَّحه الله خرج على الإمام الحق رابع الراشدين وأخي رسول الله الإمام عليّ، قد تقول لي هذه افتراضات وسوف نظل نترضى عليه، لكن لا، أنت لا تفهم، أنت تخدع نفسك، هل تعرف لماذا؟ يُوجَد رجل اسمه عمرو بن الحمق، اليوم في مصر شيخ سلفي نزل فيه سباً، قال الكذا والكذا والكذاب، بهدله بشدة، لكن هذا صحابي، من الصحابة الأجلاء، لماذا يسبونه؟ لأنه خرج على عثمان، قضية عثمان ربحت في النهاية، أليس كذلك؟ باسم دم عثمان طبعاً تم إفشال المشروع الإسلامي وقُتِل عليّ في النهاية وسُم الحسن ودخلنا في النفق المُظلِم – نفق بني أُمية – وإلى اليوم لم نخرج منه، إلى اليوم لم نخرج، فصار كل صحابي خرج على عثمان يُقال عنه فليذهب إلى الجحيم، طبعاً كيف يخرج على الإمام؟ أرأيتم؟ لكن مُعاوية خرج على عليّ ومُعاوية ربح، وهذا يعني أنهم سيقولون رضيَ الله عنهما، هذا اجتهد وهذا اجتهد، وهذا أصاب وهذا أخطا، ثم اسكت وينتهي الأمر، أرأيتم؟ عبد الرحمن بن عُديس البلوي صحابي جليل، يُقال هذا له فضائل خاصة ولعله من أصحاب الشجرة، هو منهم في الحقيقة، الأرجح أنه منهم، من أصحاب بيعة الرضوان عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وهذا كان على رأس الطائفة التي جاءت من مصر مع عمرو بن الحمق ثائراً على عثمان بن عفان في المدينة، لم يعجبه الظلم وفساد الأحوال.

(ملحوظة) ذكر أحد الحضور محمد بن أبي بكر، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم محمد بن أبي بكر معروف لكن مُختلَف في صُحبته لأنه كان صغيراً جداً!

بعد ذلك عبد الرحمن بن عُديس البلوي أُخِذ، أخذه بنو أُمية وسُجِن في لبنان، فر من سجنه فأدركوه، أدركوه في جبل مُعيَّن فقال لهم اتقوا الله، ويحكم أنا من أصحاب محمد وأنا من أصحاب الشجرة، قالوا له الشجر في الجبل كثير، ثم قدَّموه وذبحوه، قالوا له شجرة ماذا؟ قالوا له الشجر في الجبل كثير، قالهم ويحكم أنا من أصحاب الشجرة، أنا من أصحاب بيعة الرضوان، صحابي أنا، خرجت على عثمان في نظري بالحق، اجتهدت يا سيدي، قولوا اجتهد فأخطأ ورضيَ الله عنه وأرضاه وعنده أجر فلا يُذبَح، قالوا له أين هذا يا بابا؟ العب غيرها، لكن إلى اليوم تُلعَب علينا قصة أُمية، أرأيتم كيف؟ هذا الذي يغيظيني، أرى الحقائق واضحة لكنهم يُريدون أن يتلاعبوا بنا، أي أحد خرج على عثمان يُذبَح كالسخل ويُسخَر منه ومن صُحبته وهو صحابي ويُسخَر من كونه أصحاب الشجرة، من أصحاب بيعة الرضوان، يُقال له الشجر في الجبل كثير، فقُرِّبَ فذُبِح، ذبحوه وقتلوه صبراً، هذا لا يُعترَف بصُحبته ولا ببيعته ولا برضوانيته، أرأيتم؟ لماذا؟ لأن التاريخ يكتبه المُنتصِرون، التاريخ يكتبه المُنتصِرون، هذه لعبة، هذه نفس اللعبة وهذا عيب، الأمة هذه أمة محمد، أمة القرآن الكريم الذي يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ۩، كان أحق بها وأجدر وأولى يا إخواني ألا تنطبق عليها هذه القواعد الظالمة، بالعكس سواء انتصرنا أو خسرنا ننحاز للحق ونكتب الحق ونُشيد بالحق، لكن أين؟ هذه مثاليات، هذا لم يحدث، لم يحدث وإلى اليوم لا يحدث، أليس كذلك؟ إن شاء الله نبدأ مشواراً جديداً ونُحاوِل أن نُعدِّل ما نستطيع تعديله.

أكتفي بهذا القدر على أن ألقاكم في حلقة أُخرى، والسلام عليكم ورحمة الله.

(تابعونا في الحلقات القادمة)

 

بداية كارثتنا؟

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۩ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ۩ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ۩ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ۩ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ۩ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ۩ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۩ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

سألني أحدُ أحبابي سؤالاً: هل اتفق مثل هذه الثورات والهبات والانتفاضات المُبارَكة في تاريخ أمتنا من قبل؟ فقلت له بلى، نعم لقد اتفق مثل هذه الهبات والانتفاضات والثورات وأشياء أشبه بالانقلابات عشرات المرات، ثم استتليت قائلاً تقريباً كان العالم الإسلامي كله في القرن الرابع الهجري عالماً شيعياً، أي محكوماً بالشيعة، فمصر وشمال إفريقيا تحت الخلافة الفاطمية، وهؤلاء وصلوا إلى الحكم بإسم الدعوة إلى آل البيت، إلى عليّ والزهراء ونسلهما الشريف، ولكن ماذا فعل الفاطميون؟ هذا معروف لأنهم لم يكونوا خيراً مِن مَن سبقهم ولا مِن مَن تلاهم بل كانوا لعنة وكارثة، وطبعاً يستطيع كل مَن أراد أن يُدافِع عن أي لعنة وعن أي كارثة أن يُشير إلى نقاط مُضيئة مثل “لقد خدم الفاطميون الحضارة وبنوا المساجد والعمران الفاطمي”، وهذا معروف طبعاً، لكن حتى الاستعمار له فوائد، فماذا ترك الفرنسيون في الجزائر وفي تونس؟ فوائد كثيرة، والإسرائيليون ماذا أفاد منهم الفلسطينيون؟ في فوائد، إذن هذا موجود لأن سُنة الله – تبارك وتعالى – لا تجعل الشر محضاً ولا تترك الخير صرفاً، وهذه الأمور مُمتزِجة على الدوام، ولكن العبرة بالأغلب، فلا نُريد أن نتورَّط في مثل هذا المنطق العبيط، وهو منطق أن نُدافِع عن بني أمية وعن بني العباس وعن الفاطميين وعن المماليك وعن العثمانيين وعن حسني مُبارَك وزين العابدين والقذَّافي بحُجة أنهم فعلوا كذا وكذا وأن هناك نقاطاً مُضيئة في تواريخهم، فهذا معروف إذن، وحتى إبليس هناك فوائد منه، فلولا إبليس ما وصل الأولياء إلى ما وصلوا إليه ولا عرف العرفاء ربهم، إذن لابد من وجود هذه القوة الشريرة حتى نُكامِعها ونُناضِلها ونُحارِبها ونرتقي، فهناك جانب حتى خيِّر في خلق إبليس لعنة الله عليه، والله لا يسمح بوجود شر محض – حاشا لله – وبوجود شر من كل وجه – حاشا لله – مُطلَق، فحتى شرية إبليس يُمكِن أن يُنظَر إليها باعتبار آخر كما ذكرت لكم، وهذا أجمعت عليه الأمة وهذا اتفق عليه العرفاء والعلماء الشرعيون – هذا أمرٌ معروف – والعقلاء من أهل الفكر في كل سقعٍ وزمان.

فمصر والشمال الإفريقي تحت الفاطميين، ومُعظم شبه الجزيرة العربية وما حولها تحت حكم القرامطة الشيعة، وبنو بُوَيْه كانوا شيعة، فالدويلات البُوَيْهية كلها دويلات شيعية، فضلاً عن غير هؤلاء، إذن تقريباً تمحَّض العالم الإسلامي للشيعة، ولم يكونوا خيراً مِمَن سبقهم – كما قلت – ولا مِمَن لحقهم، بل كانوا لعنة مع أنهم أتوا وتنصَّبوا على الناس وتسيَّدوا بإسم عليّ – عليه السلام – وبإسم فاطمة والحسنين وأئمة أهل البيت والرضا من آل محمد، ولذلك قلت لأخي هذا لابد أن نتعلَّم درساًـ والآن علينا أن نُذكِّر بهذا الدرس للمرة الألف، فالناس يتفقون على المباديء في مُعظم الأحيان طبعاً، ولا يخرج عن هذا الاتفاق إلا مَن يُريد أن يتفرَّعن على عباد الله وأن يسوموهم الخسف وسوء العذاب وأن يمتص دماءهم ويتغوَّل أرزاقهم ويعتقل حرياتهم ومن ثم يختلف معهم وتكون مبادئه مُختلِفة، ولذلك تقوم الثورات والهبات والانتفاضات لكي تمحو مبادئ وتُعلي من شأن مبادئ جديدة، وهذا هو معنى الثورة، لكن جمهور بل جماهير الناس تتفق على المبادئ ولا تختلف عليها، فمَن الذي يختلف معكَ او معي أو مع أي أحدٍ يدعو إلى العدالة وإلى المُساواة وإلى الحرية وإلى الكرامة وإلى الوحدة وإلى معالي الأخلاق؟ لا أحد تقريباً إلا مَن استثنينا، ولكنهم يختلفون بعد ذلك في البرامج، فحتى الصادقون منهم يختلفون في البرامج، لأن المبادئ يُتفَق عليها، لكن البرامج تكون مشرعة وطريقاً للاختلاف، وبعد ذلك يظهر الاختلاف الصارخ والتباين الواسع وتبعد الشُقة بين النظر والدعوى والمزاعم والتطبيق، بسبب أن النظام – نظام الحكم والسُلطة – يكون فاسداً وغير صحيح وغير دقيق وغير مُحكَم وغير مُؤهَّل أن يُنتِج إلا ما يُنتِج من السوءات والعورات والمقابح والمظالم والمخازي، لأن السُلطة بما هى دائماً مفسدة، وهذا هو طبع الإنسان، قال الله كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۩ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ۩، فطالما هو يحتاج إليك لا يطغى، فحتى في النظام الديمقراطي هو يحتاج إلى صوتك فيتذلل ويتقرَّب ويكون هيئاً مُوطأ الأكناف، حتى إذا استغنى عنك وأمكنه أن يستغني ظلم وطغى وتجاوز، فيضع لك الأخلاق ولنفسه المُمارَسات الصارخة السيئة، ثم أنك قد تُندِّد أخلاقياً وتبدأ تتكلَّم أخلاقياً لكن هذا لا يعنيه ولا يهمه، فهذا لا يهم أمثال هؤلاء، ولذلك السُلطة فعلاً تُفسِد، فكيف إذا كانت سُلطة مُطلَقة يكون الحاكم فيها هو الحاكم بأمره، فلا يصدر إلا عن رأيه وهواه ومُشتهياته وأمياله؟!

قال اللورد أكتون Lord Acton العبارة الشهيرة جداً التي تقول “Power tends to corrupt, and absolute power corrupts absolutely” أي أن “السُلطة تنحو نحو المفسدة، والسُلطة المُطلَقة مفسدةٌ مُطلَقة”، فالسُلطة تُفسِد الشخصية وتنحو نحو الإفساد لأن السُلطة أصلاً مفسدة، فهى تُفسِد الإنسان وتُفسِد الأوضاع والحياة في الظاهر والباطن بشكل مُطلَق، فما أعظمها من عبارة وما أحسنه من تحليل!
وقد صح وتبرّهَن هذا – أي أن السُلطة مفسدة، والسُلطة المُطلَقة مفسدةٌ مُطلَقة – في تاريخنا ألف مرة بل عشرة آلاف مرة، تبرّهَن وتأيَّد – كما قلت في خُطبتي السابقة – بالوقائع المُرة الفاقعة الكئيبة القاتمة المُحزِنة البئيسة عبر أربعة عشر قرناً، أليست هذه المُدة المُتمادية كافية لأن نعقل وأن نفهم؟!

ولكن يقع السؤال: لماذا جعلت مُعاوية – وهو صحابي – وبني أمية هم البداية؟!

لأننا نُعيد نفس الأخطاء ونقع صرعى لنفس العقلية.

هناك جرثومة في عقلية المسلم والعربي أو ميكروب Microbe خبيث جداً أقتل من ميكروب Microbe السيدا أو الإيبولا Ebola، إنه جرثوم تقديس غير المُقدَّس، أي تقديس الأشخاص، وفي الحقيقة يا أخي أنه باستثناء رسول الله ليس هناك أحد معصوم، لا أبو بكر – رضوان الله عليه – ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ ولا أي أحد، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فهؤلاء هم تيجان رؤوسنا وساداتنا وأساتيذ الأمة ومشائخها ولكنهم ليسوا معصومين، فلماذا نُعطيهم عصمة لم يمنحهم الدين إياها؟ ثم بعد ذلك نتعثَّر في أذيالنا وفي خيباتنا ونبدأ لا نفهم كيف جرت الكارثة ومن أين انبثقت المُصيبة مع أن الأمور واضحة جداً بل فاقعة في وضوحها، الأمور واضحة جداً وليست مُعجِزة في معرفة من أين نشأت الكارثة ومن أين انبثقت المُصيبة، لكن نحن قدَّسنا غير المُقدَّس وصدَّقنا أنفسنا، علماً بأن ليست خُطبة اليوم مُحاضَرة في الاعتقاد وبراهينه ولكن للتذكير، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ۩ وتنفع العقلاء المُفكِّرين.

الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – بشكل واضح – علماً بأن الحديث صحيح وأخرجه مالك في الموطأ وغيره – قال مرةً ولم يكن ثمة إلا هو وأبو بكر الصديق – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – في شهداء أحد وقد زار بقيعهم “أما هؤلاء فأشهدُ لهم”، أي أن هؤلاء هم الشهداء عند الله ومن ثم أنا أشهد لهم، فقال – الصديق رضوان الله تعالى عليه – له: يا رسول الله ونحن؟ أي أنه يقصد أنا وإخواني، فقال “يا أبا بكر إنني لا أدري ماذا تُحدِثون بعدي”، وهو أيضاً القائل “الحي لا تُؤمَن عليه الفتنة” لأنه ليس معصوماً، وأبو بكر ليس معصوماً، وعليّ وعثمان وعمر ليسوا معصومين، فالنبي يشهد لمَن تولى وأدبر وهو على الجادة، قال الله فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ۩، فالذين مضوا وغبروا ولم يُبدِّلوا قال عنهم النبي “أشهد لهم”، أما الذين بقوا فأمرهم إلى الله، ولذا قال عنهم “لا أدري ماذا تُحدِثون بعدي”، فبكى أبو بكر – رضوان الله تعالى عليه – وكان حسن الفهم ودقيقه وحديد البصر وقال: أو إنا كائنون بعدك يا رسول؟

فهذا الذي أبكى أبا بكر، أبو بكر لم يخش على نفسه لأنه يعلم نفسه إن شاء الله، ونحن نشهد له أنه صديق الأمة وأنه مضى على الجادة ولم يُغيِّر ولم يُبدِّل رغم مَن يُخالِف ولا عبرة بمُخالَفتهم، أبو بكر لم يُغيِّر ولم يُبدِّل، عاش سنتين بعد رسول الله فقيراً ومات فقيراً وأرجع كل شيئ إلى بيت مال المسلمين، فمثل هذا لا يتهمه مَن في رأسه ذرة عقل، ومن هنا نحن لا نتهمه بل نشهد له ونتبارك به رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه، ولكنه ليس معصوماً، فالنبي أبى أن يُعطيه هذه العصمة، أبى أن يُعطيه ضمانة أو شيكاً على بياض – كما يُقال – يُفيد بأنه يشهد له وقال “لا أدري ماذا تُحدِثون بعدي”.

وفي الصحيحين وفي غير الصحيحين – ولكن في الصحيحين تحديداً – يُؤكِّد النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – على هذا المعنى، وانظروا إلى الصيغة التي أتت في لفظ المسلم حيث قال “ليردن علىّ الحوض أُناسٌ من أصحابي – واستعمال لفظة ليردن للتأكيد، فالنبي يُؤكِّد ويقول هذا أمر مُؤكَّد لا يُرتاب فيه – علىَ الحوض – أي يوم القيامة – أناسٌ من أصحابي ثم ليختلجن عن الحوض”، ستأتي الملائكة وتأخذهم بعنف وترمي بهم بعيداً عن حوض محمد وتقول لهم اذهبوا أبعد مكان وأسحقه على الرغم من أنهم من أصحاب رسول الله، فالنبي يتفاجأ لأنه لا يعلم الغيب إلا أن يُعلِّمه الله من الغيب علماً ويقول “يا رب أُصيحابي، أُصيحابي”، وقوله أُصيحابي يدل على أن عدتهم قليلة، فهم مجموعة قليلة من الصحابة بحمد لله، لكن مُعظمهم بفضل الله لم يُغيِّروا ولم يُبدِّلوا، ولذا النبي سيقول أُصيحابي، أُصيحابي، لماذا يُختلَجون ويُنتزَعون عن الحوض ويُلقى بهم؟ فيُقال “إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك”، أي أنك تعرفهم حين كانوا يتبعون هديك ما شاء الله لكن الآن غيَّروا وبدَّلوا، وعلينا أن ننتبه إلى أن هذا في البخاري ومسلم وفي الترمذي وفي الطبراني وفي كتب كثيرة جداً، ولكن يكفي انه في الصحيحين وأنه مُتفَق عليه.

وفي الصحيحين أن النبي يقول سحقاً سحقاً، فليذهبوا إلى أسحق مكان وأبعده وأزجره لمَن بدَّل بعدي، أي فليذهبوا إذا غيِّروا وبدَّلوا ولعبوا في الدين إلى ستين داهية، فلا يُوجَد عصمة لأحد.

فحين نأتي ونُحاكِم أمثال مُعاوية ونُعلِن أنه غيَّر وبدَّل وغيَّر وبدَّل في عشرات المسائل وكرث الأمة ودمَّرها لماذا نُعطيه عصمة؟ لماذا نُلبِسه عصمة ونضحك على أنفسنا؟ هذه العقلية التي اغتالتها هذه الجرثومة اللعينة هى العقلية ذاتها التي تُدافِع اليوم عن حكّام ظلمة وسرَّاق ولصوص وبلطجية وعصابات من الخونة، ويُؤسِفنا جداً جداً جداً – والله – ويُحزِننا ويكسر من نفوسنا أن تقول جهات مسؤولة بل شخصيات مسؤولة ومُتنفِّذة في إسرائيل بكل أسف وحزن وانكسار “بذهاب مُبارَك ذهبت الضمانة الكُبرى لنا في المكان، أي في الشرق الأوسط”، أي أنه كان أكبر ضمانة لنا وأكبر ضمانة لمُستقبَلنا ولأماننا ولاقتصادنا، وهذه هى الحقيقة فعلاً، والله الذي لا إله إلا هو مَن لم يكن يرى هذه الحقيقة إنه لأعمى، لأنها كانت واضحة ولا نحتاج إلى الصهاينة حتى نقول هذا، وكنا نرى هذا بشكل فاقع وبشكل واضح، فمن أجل فرد واحد إسمه جلعاد شاليط Gilad Shalit تقوم الدنيا ولا تقعد، ولا أتحدَّث عن دنيا المُنافِقين في الشرق والغرب وإنما عن دنيا العرب، عن دنيا حكّام العرب وفي رأسهم الممحوق المُبارَك لا بارك الله فيه، ولكن يُقتَل ويُذبَح ألوف الفلسطينيين بالفوسفور وغير الفوسفور ولا يتحرَّك مُبارَك بل يُمعِن في ذبحهم، فما هذا؟!

ثم يأتيك مَن يقول لك “لا يا أخي، تكلَّم بأسلوب لائق عن حكّامنا لأنهم يظلون حكامنا”، وهذا غير صحيح، هؤلاء حكّامكم أنت وليسوا حكّامنا، حشرك الله معهم يوم القيامة، أما نحن فنبرأ إلى الله وإلى أنفسنا وإلى أمتنا وإلى تاريخنا وإلى مُستقبَلنا وأبنائنا في مُستقبَلهم من هذا الطاغوت ومن أمثاله، نبرأ إلى الله ونُعلِن براءةً مُطلَقة لطالما أعلناها وسنظل نُعلِنها منه ومن أمثاله، أباد الله خضراءهم واستئصالهم من جذورهم وأراح منهم. اللهم آمين.

نفس العقلية الحقيرة إذن، هذه عقلية وضيعة وعقلية حقيرة جداً جداً، وتُصبِح أكثر حقارة حين تكون عقلية مُعمَّمة، فيتكلَّم شيخ بإسم الدين وبإسم الكتاب والسُنة ولكنه يُدلِّس على الناس ويُزيِّف وعيهم ويكذب على الحقائق جهاراً نهاراً ويُدافِع عن اللصوص والظلمة والخونة ولا يستثيره أن تُظلَم الأمة أو أن يُظلَم ثمانون مليون أو أن يُظلَم ثلاثمائة مليون عربي أو أن يموتوا في السجون بالألوف أو أن يتعفَّنوا في السجون، لا يستثيره شيئ ولا يضيره أن يُؤخَذ إنسان اشتباه في القسم عشرين سنة ثم يُقال له “مُتأسِفين – Sorry – لقد أخطأنا في الإسم”، عشرون سنة ضاع فيها الرجل ولكن هذا لا يُحرِّك مثل هذا الشيخ، ولكن يُحرِّكه ما شاء الله وينبض له عرق الأخلاق وعرق المبدأ حين تنال من حاكم خائن وطاغية صعلوك لا قيمة له، فهم لا يحفظون من كتاب الله إلا قول الله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۩، فهؤلاء المُعمَّمون أيضاً لا كثَّر الله من عمائمهم لا يفقهون من كتاب الله إلا وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۩،

أقول لك يا سيدي ويا مولى سلاطينهم وهم مواليك بلا شك فأنت تتولاهم وهم يتولونك من أجل أن تتعيّش بكتاب الله وسُنة محمد – صلى الله على محمد وآله وأصحابه – لكن محمد بريءٌ منك ومن أمثالك: تحدَّثت عن حقوق واحد حاكم بأمره أفسد الدين والدنيا، فهلا تحقَّقت مرة وهلا تكلَّمت مرة عن حقوق ثمانين مليوناً ومائتين مليون وثلاثمائة مليون؟ حقه أن نُطيعه ولكن ماذا عن حقنا نحن؟

يا جماعة الخير هذا شيئ – أُقسِم بالله – يُجنِّن، أنا سوف أتحدَّث بالعامية لأنني أفقد أعصابي دون أدري، كل مرة أقول سوف أهدأ ولكن – والله العظيم – ما من سبيل للهدوء، وأُقسِم بالله على هذا، فما هذا الذي يغتال عقولنا؟ رب العالمين – لا إله إلا هو – جل مجده وتبارك في عليائه جعل لنفسه ولذاته العلية حقاً علينا ولكن قابله بحقوقٍ لنا عليه – الله أكبر يا أخي – وهو رب العالمين، فكيف تتكلَّم لي الآن عن صعلوك وعن خائن وتقول أن له حقوق؟ قبل أن تتكلَّم عن حقوق الخونة من الحكّام تكلَّم عن حقوق الملايين من الأمة، تكلَّم عن حقوقنا أولاً ثم تكلَّم عن حقوقهم أو عن حق واحد منهم، وها هو حين سقط صار الكل يدوس بأقدامه عليه ويتبرَّأ منه، فلعنة الله على المُنافِقين أيضاً حتى وإن نافقوا بالحق، فلعنة الله على كل مُنافِق كذَّاب لأن هؤلاء هم الذين يغتالون الثورات، هؤلاء هم الآكلون على كل الموائد بكل الصور، فيُغيِّرون وجوههم وسحنتهم وأقنعتهم ولا تتغيَّر قلوبهم ومطامعهم ونفوسهم الخبيثة، وتبقى كما هى فلا تُنتِج إلا العفن والكذب والنفاق والزيف، والمُشكِلة أن الأمة تنخدع، فهى أمة غلبانة مسكينة لأنها غير مُثقَّفة وأمة، وكما أقول دائماً “الأمة التي لا تقرأ غير واعية”، فقط الواعي الذي يُفكِّر في كل شيئ وهو الذي يستطيع أن يُميِّز لأن العلم نور والجهل ظلام، وفي الظلام يتساوى كل شيئ، فما دام يُوجَد ظلام فإن الأحمر يكون كالأسود كالأخضر كالأزرق كالأبيض، لكن حين يأتي العلم والوعي والدرس والفكر والتحليل والتركيب والتفكيك نستطيع أن نُميِّز، فلا يعنيني أن تُكلِّمني بإسم الله وبإسم الرسول لأنني أعلم أنك دجَّال، وسأُثبِت بالبرهان الذي أفهمه بسرعة أنك دجَّال، فلا تستطيع أن تخدعني أو أن تُغيِّر قناعك لأنني أعلم حقيقتك، فأنا لا يخدعني المسلاخ والإهاب لأنني أعلم كيف هى الروح، ومن ثم لا تخدعني القشور والباطن مُنتِن، قال رسول الله أتدري يا مُعاذ ما حق الله على العباد؟ ثم قال أتدري وما حق العباد على الله؟ أي أن الله – لا إله إلا هو – له حقوق ولكنه جعل نحن لنا حقوقاً أيضاً، وهذا هو العدل، لكن هؤلاء جعلوا أنفسهم أكثر من رب العالمين، فلهم حقوق وليس عليهم واجبات، إذن ليس لنا بإزائهم أي حقوق وبالتالي يجب أن نسكت، فمهما أعطونا من شيئ قبلنا ونحن سكوت، ولابد أن نُؤدِّي فروض الطاعة تسبيحاً وتحميداً وتمجيداً رُكعّاً سُجّداً بالأصابح والأماسي، فما هذا؟!

والله العظيم أنا دائماً ظللت أقول وسأظل أقول أن على الأمة أن تبرأ من هؤلاء المشائخ الخونة ومن أمثالهم وأن تكفر بهم وأن تُعرّيهم ولا تُقيم لهم أي اعتبار أولاً لكي تُحرِّر عقلها وروحها، وأُقسِم بالله على هذا، لأن في هذا إساءة للدين وإساءة لمحمد وإساءة لكتاب الله، فلماذا نُعظِّم هؤلاء الحقراء وهم يعملون ضدنا؟ هل نُعظِّمهم من أجل لحاهم؟! تذهب إلى النار لحاهم، هل نُعظِّمهم من أجل عمائمهم الغبية؟ هذه العمائم لا تعنينا، هل نُعظِّمهم من أجل أنهم يتحفَّظون آيات القرآن الكريم؟ حتى الأطفال يتحفَّظون القرآن الكريم، بنو إسرائيل كانوا يقرأون الكتاب ولكن لا يعرفونه إِلَّا أَمَانِيَّ ۩، أي مُجرَّد تلاوت، فليس العلم مُهِماً بحد ذاته، لكن الذي يعنينا هو ماذا تفعل بالعلم وكيف تُوظِّفه وما هى المبادئ التي يخدمها هذا العلم، هذا هو الذي يعنينا وإلا أذهب إلى جوجل Google واذهب إلى المكتبات الألفية أفضل لك.

أعود مرة أُخرى لكي أتساءل: لماذا بدأنا بمُعاوية؟!

البداية كانت بمُعاوية وبني أمية، وأنا بدأت هذه البداية لأن هذه هى الحقيقة التاريخية الناصعة، يقول النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الحديث الذي أخرجه أبو داود وستة عشر إماماً من المُخرِّجين الكبار – يضيق الوقت عن ذكرهم لكن هو حديثٌ صحيح، وكان مِن آخر مَن صحَّحه الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وهو حديث سفينة مولى رسول الله “الخلافة بعدي ثلاثون، ثم يأتي الله الملك أو قال ملكه – شك من الراوي – من يشاء”، فالنبي كان واضحاً معنا ونصح لنا في الحديث الصحيح قائلاً “الخلافة بعدي ثلاثون سنة”، كأن النبي يقول لنا “بعد ثلاثين سنة عليكم أن تُغيِّروا إطاركم الذهني، فلا تظنوا أنكم لا تزالون تعيشون في الخلاف، انتبهوا ولا تُعامِلوا الملك – وهو ملك ظالم وملك عاض والعياذ بالله – كما تُعامِلون الخلافة، لا تخلطوا بين عمر وبين مُعاوية”، فبعض أهل السُنة نكايةً في الشيعة – وقلت هذا مرة – يجمع مُعاوية وعمر في سياقٍ واحد ويقول “نحن نوالي عمر ونوالي مُعاوية”، لا والله العظيم، هذا غير صحيح، نحن نوالي عمر ونتبرَّأ إلى الله من مُعاوية، وسأقولها بشكل واضح لأن النبي دلَّنا على التبرءة منه وقال انتبهوا إلى هذا الملك الذي سيُفسِد خلافة أمتي وسيُفسِد ديني، وقد فسد الإسلام حقيقة، وسأحكي لكم بالتفصيل هذا حتى يعلم بعض الذين يتساءلون: لماذا كانت البداية مع مُعاوية وبني أمية؟ ما الذي فعله مُعاوية؟

سنقول ماذا فعل مُعاوية، ولكن طبعاً كل جُملة تحتاج إلى وقت طويل لتفصيلها، ولكن نجتزيء بالإشارات والإيقاظات والإلماعات السريعة، فمُعاوية كان باغياً بل كان رأس وإمام البُغاة، وتواتر عن رسول الله – والحديث في الصحيحين وحكى جماعة من الأئمة تواتره – أنه قال “عمَّار بن يسار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”، فالسؤال الآن: مَن الذي قتل عمَّاراً؟!

جيش مُعاوية، فأول رأس قُطِعَت في الإسلام من المسلمين كانت رأس رجل مسلم وهى رأس عمَّار بن يسار.

وطبعاً أنا أقول لإخواني الذين يتساءلون عليكم أن تقرأوا أولاً قبل أن تحكموا على كلامي وكلام أمثالي وهم بالألوف الذين يتحدَّثون حديثي بفضل الله من نبهاء العلماء والمُفكِّرين، فهم بالألوف عبر التاريخ وهم من كبار الأئمة والحفَّاظ أيضاً، وسأذكر نبذة قصيرة عن بعضهم وعن مواقفهم، لكن عليكم أن تقرأوا أولاً!

إياك أن تغتاك هذه الجرثومة الفاسدة – جرثومة التقديس، أي تقديس غير المُقدَّس – لكن اقرأ وتعلَّم ثم ابدأ ناقش وتكلَّم، لا تعجل بالنقد ولا تُلوِّح بمانشيتات عريضة لا تُغني ولا تُسمِن من جوع، تعلَّم في الأول واقرأ وخُذ الأمور بجد لكي تفهم ما الذي حدث ولكي يُمكِنك أيضاً أن تُنكِر ما يحدث الآن بشكل واضح وعلى بصيرة وبيّنة وأنت واعٍ مالك لأمر نفسك وعقلك ورُشدك، وهكذا!

إذن مَن الذي قتل عمَّاراً؟!

مُعاوية أو تحديداً جيش مُعاوية، فصدق أنهم هم البُغاة.

لا يُمكِن أن يكون الباغية الإمام عليّ الذي دان له العالم الإسلامي كله إلا بلاد الشام وفي رأسها مُعاوية الذي أبى بحُجة المُطالَبة بدم عثمان، ولكن ما الثمن؟!

سبعون ألفاً من الصحابة والتابعين وأبنائهم ماتوا وذُبحِوا في معركة صفين في السنة السادسة والثلاثين للهجرة – واحفظوا هذا الرقم جيداً “سبعون ألفاً” علماً بأنه قيل أكثر من ذلك – من أجل أن مُعاوية يُصبِح خليفة، ففي رأسه موال إسمه الخلافة ولذلك قال لن أدين لعليّ بن أبي طالب لأنه يكره عليّاً ويكره أهله، يكره أصله وفصله، وسأُثبِت هذا بما في الصحيح في مسلم وغير مسلم، لكن الثمن ماذا يا مُعاوية؟!

سبعون ألف رجل ذُبحِوا في معركة صفين وحدها، وعلينا أن ننتبه إلى أن الثمن يمتَّد إلى اليوم طبعاً، فما نحن فيه هو ثمن ندفعه لطموحات مُعاوية الحقيرة جداً جداً جداً، فلعنة الله على السُلطان ولعنة الله على الكرسي ولعنة الله على كل مجد إذا تأدَّى إلى قتل امرئِ واحد بغير حق وليس إذا تأدَّى إلى قتل سبعين ألف من الصحابة والتابعين دون أن يطرف لمُعاوية جفن، فهو كان سعيداً جداً بنفسه لأنه كان يرى أنه غلب عليّ بطريقة أو بأخرى وصار هو الخليفة في نهاية المطاف، ورغم كل هذا تجد مَن يقول لك “لا تظلم مُعاوية يا أخي، مُعاوية مُجتهِد مأجور”، فما شاء على هذه العقلية التي تُفكِّر بها، وأنا أعلم أنك تستطيع أن تأتيني بمائة نقل عن العلماء قالوا فيه أنه مُجتهِد مأجور ما شاء الله، فنحن نعرف هذا جيداً لأننا قرأناه ونحن صغار أطفال، لكن النبي يقول “فئة البُغاة”، وفي الحديث الذي صحَّحه ابن حجر في تلخيص الحبير يقول الإمام عليّ “أُمِرت بقتال الناكثين – طلحة والزبير وعائشة، ولكن هؤلاء اجتهدوا وأخطأوا، فهم ليسوا مثل مُعاوية وليسوا مثل الخوارج الجهلة، وهذا ما حدث – والقاسطين الظلمة – مُعاوية وأهل الشام الذين كانوا معه طبعاً، ولا نقدح في أهل الشام ونحن من أهل الشام، لكن الذين كانوا معه ومالأوه على ظلمه وبغيه وفجوره والمارقين” والمقصود بالمارقين الخوارج.

لا إله إلا الله، إمام الفئة الباغية – مُعاوية – أراد أن يُدلِّس على الناس وقال “أنا لم أقتله ، قتله الذي أخرجه”، أي أنه يقول أن عليّ هو الذي قتلهم لأنه هو الذي أخرجهم، فقال لهم عليّ إذا كنت أخرجته وهو خرج معي يُقاتِل معي على الحق ولذلك هو قُتِل بسببي، فإذن مَن الذي قتل حمزة؟

فهو يُقاتِل مع إمام الزمان ومع صاحب البيعة الشرعية، والنبي قال “مَن أتاكم وأمركم جميعاً على رجل يُريد أن يشق عصاكم فاضربوا عنقه كائناً مَن كان”، والإمام كان عليّاً لكنه مُعاوية لم يُعجِبه هذا، ولي سؤال واحد أقوله فقط لإخواني وللمُتشكِّكين الذين – للأسف – ساءت فهومهم وتسمَّمت أفكارهم، فأقول لهم اذهبوا واقرأوا تفاصيل التاريخ، بل اقرأوا حتى كتاب منهاج السُنة لابن تيمية – رحمة الله عليه – شيخ الإسلام وسوف ترون بعد ذلك هل انتقم مُعاوية من قتلة عثمان أم أنه أعطى وأسدل وأنعم لجماعة كثيرين منهم بعد ذلك، لكي تفهموا ماذا كان هدف مُعاوية، فهدف مُعاوية كان السُلطة فقط، وهذا معنى قولهم “قميص عثمان”، فحتى في الأدبيات الغربية الآن بعضهم – المُستشرِقون – يقول لك “قميص عثمان ذريعة”، فالكل يفهم هذا، ولذ في حس الأمة العربية الآن شكل عام يقولون “قميص عثمان”، لأنهم يعرفون أن هذه حُجة كاذبة وذريعة فارغة يُضحَك بها على الناس طبعاً، فالأمة تفهم ماذا فعل مُعاوية.

فهذا كان أولاً، ثانياً: عن الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه وعليه السلام – في صحيح مسلم – علماً بأن من حقوق أهل البيت أن نُسلِّم عليهم دون أن يُقال أننا شيعة، فليس لنا علاقة بالشيعة ولسنا من الشيعة أصلاً، وإنما هذه هى الحقائق، وهذه مسألة أخرى لكن على كل حال يُسلِّم عليهم مُعظم العلماء الكبار الأجلاء – في كتاب الإيمان – علماً بأن صحيح مسلم لم يُبِّوب لهذا الكتاب ولكن بوَّب له النووي، فهناك باب إسمه “الدليل على أن حبَّ الأنصار وعليٍّ رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبُغضَهم من علامات النفاق” أنه قال “والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي إلىّ ألا يُحِبني إلا مُؤمِن ولا يُبغِضني إلا مُنافِق”، وهذا في صحيح مسلم، فهل كان مُعاوية يُحِب الإمام عليّاً؟ إذن كيف وقد قاتله؟ ومع ذلك تجد مَن يقول لك “قاتله مُجتهِد مأجور يا أخي”، كيف يُحِبه وهو كان الذي يسبه ويأمر أصحاب المنابر من ولاته وعمّاله وخطبائه أن يسبوه على المنابر؟ فظل يُسَب إلى أن أبطل هذه السُنة الملعونة عمر بن عبد العزيز – رضيَ الله عنه وأرضاه – وجعل مكانها آية سورة النحل التي تقول إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، فبدل هذه الآية كان يُسَب عليّ، وكانت هذه سُنة أموية ماضية لكنها سُنة ملعونة، ومع ذلك أيضاً تجد مَن يقول لك “هذه أحاديث ضعيفة” في حين أن في صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن مُعاوية قال لسعد بن أبي وقاص – أحد السابقين وأحد العشرة المُبشَّرين بالجنة – ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ أي الإمام عليّ عليه السلام، فالنبي كناه بأبي تراب في القصة المعروفة في البخاري، فمُعاوية قال لسعد بن أبي وقاص ما يمنعك أن تسب أبا تراب وكلنا نسبه؟ فقال سعد رضوان الله عليه “أما وقد سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول فيه ثلاثاً فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منها أحبُ إلىَ من حُمر النعم”، ولن أذكر لكم الثلاثة لأن الوقت قصير، لكن في صحيح مسلم وفي سُنن ابن ماجه بسند صحيح – آخر مَن صحَّحه أيضاً العلَّامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه وقال هذا حديثٌ صحيح – أن مُعاوية قدم المدينة في بعض حجاته فذُكِرَ عليٌّ فنال منه – أي أن مُعاوية جعل يسب في الإمام عليّ وهو مُتوفى، والإمام عليّ هو مَن هو، أخو رسول الله وزوج فاطمة الزهراء وأبو الحسنين – عليه السلام – الذي حُبه إيمان وبُغضه نفاق كما في صحيح مسلم، لكن مُعاوية كان يسب ميتاً، فانظروا إلى حجم هذه الأحقاد الأموية وهذه الشخصيات الهزيلة والضعيفة – فقال له سعد بعد أن أمره بسبه: كيف أسبُ رجلاً سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول فيه ثلاثاً، ثم ذكر ثلاثاً، علماً بأن هناك واحدة تختلف عن الثلاثة التي في صحيح مسلم،قال سعد “قال له – وقد خلَّفه في الناس في معركة – أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟”، فهذا هو عليّ إذن، وعند ابن ماجه وفي مسلم وفي البخاري “لأُعطين الراية غداً رجلاً يُحِب الله ورسوله ويُحِبه الله ورسوله”، وعمر يقول “ما أحببتُ الإمارة – أي العمل والولاية – إلا يوم إذ”.

فهذه شهادة أن الله يُحِبه ورسول الله يُحِبه، وأنت تلعنه يا مُعاوية على المنابر وتجعل منبر رسول الله لسب أبي الحسنين، لسب صهر رسول الله، لسب الإمام العظيم الكريم العادل المُقسِط الوفي للإسلام، لسب ابن الإسلام الذي لم يعرف من يومه إلا التوحيد وإلا الإسلام لأنه أول صبي أسلم، فالإمام عليّ أسلم صبياً دون البلوغ، ولم يسجد لصنمٍ قط ولم يتحس قطرة خمر، وأما مُعاوية فكان يشرب الخمر حتى وهو خليفة، ومن ثم علينا أن ننتبه إلى هذا، وأنا أعلم أن أبدانكم سوف تقشعر ولكن لابد أن أقول الحقائق حتى تتكلَّم الناس بعلم، قال الإمام أحمد رضوان الله عليه: إذا سكت الجاهل بجهل – فالجاهل لا يتكلَّم لأنه جاهل – وسكت العالم تقيةً – لأنه خائف، كأن يخاف من الناس ومن التُهم التي ستُوجَّه إليه – فكيف يتبيِّن الحق؟!
لا يُوجَد تقية في العلم، وعلى الأقل أنا هكذا، فليس من سُنتي ولا من طريقتي أن يُوجَد لدي تقية في العلم يغضب مَن يغضب ويرضى مَن يرضى، لكن أكثر شيئ عندي هو أن تأتي وتُناقِشني، تعال وناقش إذن ولا تسب في ظهري وإلا سوف أُحكَّم في حسناتك إن شاء الله، فهناك العلم والنقاش العلمي يا حبيبي!

وقد روى الإمام أحمد – علماً بأنه قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمة الله عليه حديثٌ حسن – عن عبد الله بن بُريدة – صحابي – أنه قال “دخلت أنا وأبي على مُعاوية بن أبي سفيان – أي في دمشق – فأجلسنا على الفرش ثم أوتينا بالطعام فأصبنا منه أو قال أكلنا ثم أوتينا بالشراب – أي بالخمر – فشرب مُعاوية وناول أبي – أي أبوه – فقال ما شربته مُنذ حرَّمه رسول الله”، أي أنه لا يشرب هذا لأن النبي حرَّمه، لكن مُعاوية كان يشرب ولم يكن لديه أي مُشكِلة في هذا، فالرجل يشرب لأن الإيمان في قلبه ضعيف جداً جداً جداً، وسوف ترون الآن في بقية الخُطبة كيف أن هذا الرجل غيَّر الشريعة وكيف أنه غيَّر الدين، فالأمر لم يتوقَّف فقط على الحكم الاستبدادي والملك العضوض، لكن الشريعة تغيَّرت والدين تغيَّر في زمان مُعاوية أيضاً، ومع ذلك يستنكرون أن نتحدَّث عن مُعاوية ويقولون أنه صحابي جليل، وكأن الصحابي معصوم، فما معنى صحابي جليل إذن؟ الصحابي الجليل لا يكون جليلاً إلا بالاستقامة وذلك إذا عايرناه على الكتاب والسُنة وعلى الدين، فلا تُوجَد أيعصمة لأحد يا حبيبي.

روى أبو داود – علماً بأن الحديث صحيح، صحَّحه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، ورواه صاحب سير أعلام النبلاء الإمام الذهبي رحمة الله عليه في سير أعلام النبلاء، ومن ثم يُمكِنكم الرجوع إليه – أن المقدام بن معدي كرب وابن الأسود – عمر بن الأسود – ورجل من أسد – رجل له صُحبة من قبيلة أسد – قدموا ثلاثتهم على مُعاوية في الشام، فقال مُعاوية للمقدام بن معدي كرب “تُوفيَ الحسن بن عليّ عليه السلام”، وقبل أن أُكمِل الحديث أُحِب أن أُشير إلى أنكم تعلمون كيف تُوفيَ الحسن طبعاً، فمُعاوية كان كتب كتاباً لأنه يُريد السُلطة، وكان الحسن هو الخليفة بعد أبيه لمدة ستة أشهر فقط، فالخليفة الراشد الخامس إذن هو الحسن بن عليّ، أما عمر بن عبد العزيز فهو الخليفة الراشد السادس، وعلى كل حال تكرَّر نفس الشيئ وأراد مُعاوية مرة أُخرى أن يُقاتِله وأن يُقاتِل أهل العراق ومَن معهم بجيوش أهل الشام بمَن فيهم وأن يموت مئات الألوف في المعركة لكي يبقى هو الخليفة، لكن الحسن رفض هذا وقال لا أُريد الخلافة وسأحقن دماء المسلمين – وستعلمون أنه حقن أعراضهم أيضاً لأن مُعاوية كان هتَّاكاً للأعراض، وسأذكر هذا الآن بالدليل لأن هناك كوارث كثيرة – ولكن بشروط، في رأس هذه الشروط أن يجعل مُعاوية الخلافة بعده لمَن؟ للحسن أبي محمد – عليه السلام – ابن عليّ وابن فاطمة الزهراء عليهم السلام أجمعين، فإذا بالحسن – ما شاء الله – وقد اقترب من الموعد يُقتَل بالسُم، تسمه زوجته الملعونة جعدة بنت الأشعس بن قيس لعنة الله عليها، فمَن الذي دفع لها؟ مَن الذي وعدها؟ وبماذا وعدها؟ اقرأوا التاريخ إذن، علماً بأن ليس الحسن وحده هو الذي مات مسموما، فعبد الرحمن بن خالد بن الوليد مات مسموماً، والأشتر في مصر مات مسموماً، فكلهم ماتوا بالسُم، وهذا كان أسلوباً جديداً في الاغتيال، فأول مَن شرع الاغتيال السياسي في الإسلام هو مُعاوية بن أبي سفيان، واقرأوا التاريخ لكي تعلَّموا هذا.

فمُعاوية إذن كان سعيداً بموت الحسن، فقال للمقدام بن معدي كرب “تُوفيَ الحسن بن عليّ عليه السلام”، فقال المقدام “إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩”، أي أن الرجل حزن واسترجع لأن هذه مُصيبة، فقال مُعاوية: أتراها مُصيبة؟!
أي أنه يستنكر حزنه على موته الحسن ويقول له هل أنت ترى موته مُصيبة؟ وطبعاً هذه مُصيبة يا مُعاوية، وأُقسِم بالله أن حياتك مُصيبة وموتك نعمة، وحياة الحسن نعمة وموته من أكبر المصائب، فهذا الذي ندين الله به، وهذا الذي نعيش ونموت عليه.

فقال له الصحابي الجليل المقدام بن معدي كرب: كيف لا أراها مُصيبة وقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يضع الحسن في حجره ويقول حسنٌ مني وحُسينٌ من عليّ؟!

ومعنى قوله “حسن مني” أي أنه يُشبِّهه، وفعلاً كان أشبه الناس برسول الله خلقاً وخُلقاً، فشكله وجسمه وصدره وكله مثل النبي فهو ابنه، وابنه هذا سيد، وهو سيد شهداء وشباب أهل الجنة مع أخيه الحسين عليهما السلام، فاللهم شفِّعهما فينا واحشرنا في زمرتهم بحق لا إله إلا الله.

فهذا هو إذن، لذا قال له المقدام بن معدي كرب أن هذه مُصيبة طبعاً فكيف لا تكون مُصيبة والمُتوفى هو الحسن؟ فالتفت مُعاوية إلى الأسدي – صحابي من بني أسد – وقال له فما تقول أنت يا أسدي؟ قال “جمرة أطفأت”، أي أنه نافقه وقال أنه مُجرَّد جمرة وأُطفئت، فقام المقدام رضيَ الله عنه وأرضاه – لأنه كان غضباناً من الوضع كله، علماً بأن الحديث عند أبي داود وصحَّحه الشيخ الألباني، وأقول هذا لإخواننا من السفليين لكي ليتعلَّموا ويقرأوا دون أن يسبوا، فالحديث صحَّحه الألباني، وهو في صحيح أبي داود ومطبوع في الخليج العربي – وقال: أُنشِدك الله يا مُعاوية – أي سألتك بالله – أما سمعت رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – ينهى عن لبس الذهب والحرير وعن جلود السباعِ والركوبِ عليها؟ فقال له “اللهم بلى، سمعته”، قال “فإني أُشهِد الله أني رأيت هذا كله في بيتك”، أي أنه يقول له أنت تلبس الحرير والذهب – ما شاء الله – مع رجالك وخدمك الذكور، وتجلسون على جلود السباع وتُحادون الله ورسوله في شرعه بشكل واضح فاقع يا مُعاوية، فأنا أشهد عليك بالله أنني رأيت هذا كله بعيني في بيتك أو في قصرك، ذلك القصر العظيم – قصر الخضراء – الذي استثار حمية أبي ذر- لأن هذا القصر بملايين في حين أن الناس كانت لا تجد ما تأكله، ومع ذلك هم يُقطِّعون أيديهم بإسم تطبيق الشريعة – وقال له يا مُعاوية من أين لك هذا؟ إن بنيته من مالك فهو إسراف والله لا يحب المُسرِفين، وإن بنيته من أموال المسلمين فهى خيانة ولعنة الله على الخائنين، فغضب مُعاوية وقال أن الرجل الذي يُدعى بأبي ذر سوف يُجنِّنهم وبعث إلى سيدنا عثمان لكي يأخذه عنده، فأخذه وقال له يا أبا ذر اذهب إلى الربذة – في الصحراء – وامكث هناك حتى تموت لأن هذا هو أفضل شيئ لك، فقال له سوف اذهب لأنك أميري، أي أن المسكين استجاب لعثمان وعاش وحده منفياً ومات أيضاً وحده، يقول عليه السلام “ويُبعَث يوم القيامة أمةً وحده”، لأنه كان قوَّالاً بالحق، لم يُجامِل مُعاوية كما نُجامِل نحن مشائخ اليوم، فهؤلاء المشائخ يُنافِقون التاريخ ويُنافِقون الجثث في القبور، وهذا شيئ عجيب، لكن أبو ذر لا يُنافِق أحداً، ولذلك قال لمُعاوية أنت يا إما خائن أو مُسرِف، وطبعاً واضح أن هذه كانت خيانة، وإلا مِن أين كل هذه الأمول؟ من أين أتى بكل هذه الأموال يا حبيبي وهو مُجرَّد والٍ كان عنده مُرتَّب لكنه – ما شاء الله – انبعق في الدنيا بعد ذلك؟

سوف ترون مِن أين أتى بهذه الأموال على ألسنة مُؤرِّخي بني أمية مثل ابن عساكر وابن كثير، فلن أتحدَّث عن أبي جعفر بن جرير الطبري لأن الطبري ليس من أولياء بني أمية، ولكن سأتحدَّث عن ما أتى من مُؤرِّخي الأمويين مثل ابن كثير وابن عساكر – رضيَ الله عنهما – لكي نرى من أين أتى مُعاوية بهذه الأموال الطائلة وبهذه الملايين المُملّيَنة، ولك أن تتخيَّل هذا.

قال مُعاوية للمقدام “قد علمت أني لا أنجو منك اليوم”، أي أنه يعلم أنه سوف يُنكِّد عليه حياته وسوف يقول الحق، علماً بأن مُعاوية كان يستحل الربا الذي حرَّمه رسول الله، فاستحل ربا الفضل وكان بيبع الذهب بالذهب والفضة بالفضة بغير الشروط الشرعية، فربا الفضل حرَّمه الصحابة لكن هو كان يستحله وكان يأخذ به،وفي صحيح مسلم أن عُبادة بن الصامت نازعه في هذا وهجره وخاصمه، وقال له كيف تستحل الربا يا مُعاوية؟ لكنه قال له أنه فعل هذا للربح لأن هذا عنده حلال، ولم يعبأ بأن رسول الله قد حرَّمه واستحله دون أي مُشكِلة لأنه أنكر الحديث وقال عندي حلال، علماً بأن الأمر لا يقتصر على عُبادة فقط بل أن عشرات الصحابة يروون هذا الحديث عن رسول الله، ومع ذلك قال مُعاوية بكل بساطة لا سمعنا به ولا نعرفه.

ولذلك نقل الإمام عبد الله بن وهب – الإمام المالكي الجليل – عن شيخه وأستاذه الإمام مالك بن أنس رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – الإمام الرابع في الإسلام – أنه تحدَّث عن الأرض التي يُفعَل فيها السوء – والعياذ بالله – والمُحرَّمات ويُجاهَر فيها بالفعل المُحرَم قائلاً أنها تُترَك وتُعتزَل ويُتنحَّى عنها، أي لابد أن تُهاجِر منها، ثم ققال ابن وهب “واستدل الإمام مالك – رضيَ الله عنه وأرضاه – بصنيع أبي الدرداء لما هجر بلاد مُعاوية حين عمل بالربا”، فمالك كان يعرف هذا، والأمة كلها تعرف هذا، وليس فقط الإمام مسلم في صحيحه، بل أن الإمام مالك قبل مسلم كان يعرف هذا، فمُعاوية كان يتعامل بالربا،ولذلك الصحابة غضبوا جداً ومنهم عُبادة بن الصامت وأبو الدرداء فقال له “والله يا مُعاوية لا أُساكِنك في أرضٍ أبداً” لأنه كان يأخذ بالربا الذي حرَّمه رسول الله!

عند الإمام أحمد – وإسناده قابل للتحسين وبعضهم حسَّنه – أن مُعاوية كان يُتاجِر بالخمور وأصنام الهندوس والبوذيين، فكان يُتاجِر في قطارات وقوافل كبيرة منها ويربح، أي أنه تاجر في الأصنام المُحرَّمة وفي الخمور من أجل الربح، ويُعتقَد أن عُبادة أو أبا الدرداء حين رأى هذه الخمور جُنَ وقال ما هذا؟ فقالوا لمُعاوية، فأخذ سكيناً فبقرها كلها لأن هذا لا ينبغي أن يكون في أرض الإسلام وفي بلاد الإسلام!

يقول الإمام الحافظ ابن كثير – رضوان الله تعالى عليه – في البداية والنهاية “وكانت الدية – أي دية المُعاهَد، علماً بأنه يجوز أن يُقال مُعاهَد أو مُعاهِد – في زمن الخلفاء الراشدين – في الزمن كله قبل مُعاوية – كانت على السواء مع دية المسلم – أي أن دية المُعاهَد مثل دية المسلم – فجعلها مُعاوية على النصف من دية المسلم وأخذ النصف له”، وابن كثير – رحمة الله عليه – مُؤرِّخ أموي ويُحِب بني أمية جداً جداً جداً ويُحاوِل أن يلتمس لهم المعاذير ويُدافِع عنهم، أي أن ابن كثير غير مُتهَم مثل الطبري، ومع ذلك يقول “فجعلها مُعاوية على النصف من دية المسلم وأخذ النصف له”، أي أنه أخذ الأموال لنفسه لذا لا تعجبوا اليوم من وجود حسني مُبارَك والقذَّافي وزين العابدين وبقية هؤلاء، فمُعاوية فعل نفس الشيئ من قديم في البداية.

نأتي إلى ابن كثير كرةً أخرى وإلى ابن عساكر وإلى سائر المُؤرِّخين، فمُعاوية كان يُخالِف الله ورسوله في قسمة الغنائم – غنائم الحرب – لأن القسمة المعروفة هى قسمة التخميس، أي أربعة أخماس للجُند، وخُمس يُخمَّس مرةً أخرى على ما في سورة الفرقان، وهذا معروف ومن ثم فالأمة طبقٌ واحد على هذه السُنة والطريقة والخُطة، لكن جاء مُعاوية وكسر هذه الخُطة الإلهية المُصطفوية، فماذا فعل؟!

أمر بأن يُستصفى له الذهب والفضة، فقبل أن تُوزَّع الغنائم يتم البحث عن الذهب والفضة والأشياء الكريمة لكي يُؤخَذ كل هذا له، لأنه جعل كل هذه الأشياء لنفسه، ثم بعد ذلك يتم التوزيع والتخميس.

الله أكبر يا أخي، من أين لك هذا يا مُعاوية؟ ما هذه التصرّفات؟ ومن هنا نعرف من أين أتى بكل هذه الملايين التي كوَّنها وراكمها، وهذا يقوله ابن كثير وابن عساكر، وهما مُؤرِّخان من أولياء بني أمية.

علماً بأن هذا إسمه الصفي، فاحفظوا هذا الإسم جيداً، بمعنى أنه كان يُستخلَص ويُستصفى كل قطعة ذهب وفضة وما إلى هنالك لكي تُجعَل في حُصة مُعاوية، فهذه كانت سُنة مُعاوية أموية خلافاً لما سن الله ورسوله والراشدون رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين، إذن هذه هى طريقة مُعاوية.

والأكثر من هذا والأسوأ من هذا أن مُعاوية بن أبي سُفيان جعل الرجل المُجرِم الذي يُسمى بزياد بن أبيه – لعنة الله عليه – أخاً له، وهذا أغضب الصحابة جداً، علماً بأنني أقول لعنة الله عليه، فأنا أقول لعنة الله على زياد وعلى ابن زياد لأنهم قتلة المُؤمِنين والصلحاء، فابنه هو الذي في وقته قُتِل الحسين أبو عبد الله، أما هو فالآن يأتيكم طرف منه، وعلى كل حال هو إسمه زياد بن أبيه، وكان يُسمى أيضاً بزياد ابن سُمية، لأن من المعروف أن أمه هى سُمية لكن الله أعلم مَن هو أبوه.

جاء مُعاوية بشهود – وهذه كارثة أغضبت الصحابة جداً والتابعين – يشهدون أن أبا سفيان زنى بسُمية، أي أنه يُشهِد على أبيه بالزنا، وطبعاً من الواضح والمُقرَّر أن أبا سفيان زنى بها ولكن كيف تشهد يا رجل على أبيك وهو ميت وقد أسلم بأنه زنى بها؟ لماذا تشهد بهذا؟

على كل حال هو زنى بها، فقال مُعاوية “إذن يُصبِح زياد ابناً لأبي سفيان”، وهذا غير صحيح، فلا يُمكِن أن يُصبِح ابناً له، لأن الأمة مُجمِعة على أن الولد – أي الشرعي – للفراش – فإذا وُجِدَ عقد شرعي وتخلَّقت نُطفة يكون الولد الشرعي فعلاً لصاحب الفراش – وللعاهر الحجر، وهذا حديثٌ صحيح والأمة أجمعت على حُكمه، فالزاني ليس له ولد وإنما يُرجَم بالحجر!

لكن جاء مُعاوية وقال هذا الزياد بن أبي سفيان هو أخي، فغضبت الأمة جداً، ما هذا اللعب بالدين؟ كيف تستلحق زياداً ضد شرع الله يا أخي؟ هذا لا يجوز، علماً بأن أم المُؤمِنين أم حبيبة – رضوان الله تعالى – زوجة الرسول وأخت مُعاوية لا تعتد به أخاً وتقول هذا ليس أخي لأنه ابن زنا، فحتى لو أبي زنى بأمه فهو لا يُعتبَر أخاً لي، والنبي قال وللعاهر الحجر، وبالتالي لا يُوجَد نسب يُثبِته الزنا والعياذ بالله، فإذا فعلت عكس هذا ستُساعِد الناس على الزنا لأن على الأقل سوف يثبت النسب، لكن لا يُوجَد نسب يُثبِته الزنا، ولذلك أم المُؤمِنين أم حبيبة كانت تحتجب منه وتقول أنها لا تعترف به أخاً لها، لكن مُعاوية جعله أخاه، ولكن هل تعرفون لماذا جعله أخاً له؟!

لأنه وطَّد الأمور لمُعاوية وذبح الأمة من أجل مُلكه، علماً بأن هذا الزياد كان والياً على البصرة، والبصرة كانه هواها أموياً طبعاً وكان فيها فساد رهيب، والكوفة كان هواها علوياً شيعياً، فجمع له مُعاوية الكوفة أيضاً وقال له خُذها لك، فأخذها واعتلى المنبر في أول يوم وقال أيها الناس … فقام له ناس من شيعة عليّ وحصبوه بالحجارة لكي يُسكِتوه حتى لا يُكمِل كلامه لأنه كان يسب عليّاً، وهذه كانت عادة عندهم، فكانوا أول ما يتكلَّمون يسبون عليّاً ويقولون عنه أنه كذا وكذا، ولذلك حصبوا زياد بن أبيه بالحجارة، فأمر حرسه أن يسدوا أبواب المسجد وقُبِض عليهم – قيل أنهم كانوا بين الثلاثين والثمانين، فلم يكونوا ثلاثة أو أربعة رجال كما قد يتوهَّم البعض – وقُطِعَت أيديهم مُباشَرةً بدون محكمة أو قضاء أو مُحاماة أو استئناف أو أي شيئ، وإنما قُطِعَت أيديهم بأمر إداري من حاكم ظالم، فكيف يحدث هذا؟ كيف عرفت يا أخي أنهم يستحقون هذا؟ أين الشهود؟ أين الإثباتات؟ بعضهم ظُلِموا لأن هناك مَن لم يحصبك فيهم، فقد يكون مَن حصبك رجل أو رجلان أو ثلاثة رجال فقط، وحتى وإن حصبوك جميعاً هل تُقطَع أيديهم؟ أين هذا في شرع الله يا أخي؟

لكن هذا الأمر لم يُحرِّك شعرة في جفن مُعاوية واعتبره أمراً عادياً لا مُشكِلة فيه، بل أن في مرة من المرات كان هذا اللعين – زياد بن أبيه أو ابن سُمية – يسب عليّاً على المنبر بعد أن أخَّر الخُطبة واقترب دخول وقت العصر فقام له صحابي من خيرة الصحابة الأجلاء العُبَّاد الأتقياء العُرفاء وهو حجر بن عدي – هذا الصحابي إسمه راهب أصحاب محمد – وحصبه بالحجارة وقال له: الوقت لا ينتظرك، كيف تسب عليّاً؟ فأُخِذَ هو وجماعة – أُخِذَ مع اثني عشر من أصحابه – وحُمِلوا إلى مُعاوية، وبدأت الأمة تسمع بما حدث لحجر وأصحابه، فكتبت أم المُؤمِنين عائشة – رضوان الله عليها – لمُعاوية أن خلوا عن حجر وأصحاب حجر، كأنها تقول له إياك وهذا الرجل، عليك أن تنتبه لأن هذا حجر، وهو كان إنساناً عظيماً ومحبوباً عند الله، لأنه مُؤمِن تقي وعالم وعابد وقارئ للقرآن الكريم، لكن مُعاوية لم يأبه به وأتى به مع جماعته وقال للجلَّادين أن يُخبِروه برسالته، فقالوا له “نحن أُمِرنا أن نُخيِّرك إن سببت عليّاً ولعنته وتبرَّأت منه سرَّحناك وإلا قتلناك”، فقال هو وأصحابه “لسنا بفاعلين ذلك”، فحاشا لله أن يسبوا عليّاً فيدخلوا بعد ذلك جهنم على الرغم من أن عندهم رُخصة شرعية، فحجر مُكره وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ۩ ومع ذلك رفض وقال “ما كنت لأقول ما يُسخِط الرب تعالى”، أي أن الله سوف يسخط علىّ إن سببت عليّاً، وبالتالي أنا لا أسب عليّاً، لا أسب الأمام الزاهد الورع الذي عاش ومات زاهداً ورعاً، فلا يُمكِن أن أسبه من أجل بني أمية الذين أكلوا الأمة وذبحوها.

إذن هو رفض أن يفعل هذا، فقُتِلوا سبعة منهم ومنهم حجر، وقال حجر “لا تفكوا عني قيداً ولا تغسلوا عني دماً فإني أُبعَث يوم القيامة مُخاصِماً لمُعاوية”، أي اتركوني كما أنا لأنني سوف أُخاصِم مُعاوية عند رب العالمين – يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۩- في يومٍ عظيم مهيب.

وترك مُعاوية واحداً منهم – عبد الرحمن بن حسان – لكي يُرسِله إلى زياد، وقال له “اقتله شر قتلة”، فدفنه حياً!

هؤلاء هم بنو أمية ما شاء الله عليهم ورضيَ الله عنهم وأرضاهم الذين فتحوا الفتوحات وما إلى هنالك، علماً بأن هناك الكثير من الأشياء التي لم نقلها لأننا ما زلنا في البداية للأسف الشديد، فنحن لم نقل شيئاً!

التقت عائشة مرةً بمُعاوية وقالت له: ما فعلت يا حجر بمُعاوية؟ أما خشيت الله في حجر بن عدي؟ أي أنها تستنكر أنه قتله، ففقال لها “دعيني يا أماه أختصم أنا وحجر عند رب العالمين”، فقال واليه زياد الحارثي – كان والياً لمُعاوية على خرسان – حين سمع كلام عائشة “اللهم إن كان لزياد عندك خير فاقبضه وعجِّل”، أي أنه يقول لا أُريد أن أبقى والياً للمُجرِم مُعاوية لأن هذا مُصيبة وهو لا يأتي إلا بالمصائب.

مُعاوية كان يُقتِّل أولياء الله، وهو الذي بعث صحابياً لقتل عمَّاراً بن يسار، فمَن الذي قتل عمَّاراً بن ياسر إذن؟!

الذي قتل عمَّاراً بن ياسر صحابي، وهذا الأمر يجب أن ننتبه إليه، لأنهم يقولون “كل الصحابة مُعظَّمون مُقدَّسون” وهذا غير صحيح، فالذي قتل عمَّاراً بن ياسر صحابي إسمه أبو الغادية الجهني، وهذا كان يتحرَّج أن يشرب الماء في إناء مُفضَّض بالفضة من الورع – ما شاء الله – لكنه لم يتورَّع عن قتل عمَّاراً، والنبي قال “تقتله الفئة الباغية”، وصح عن رسول الله – رواه الطبراني وغيره وصحَّحه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير، ويُمكِن أن تعودوا إليه – أنه قال “قاتل عمَّار وسالبه في النار”، فالنبي قال “عمَّار داعية إلى الجنة وأعداؤه دعاة إلى جهنم”، أي مُعاوية وجماعته، فمُعاوية رأس هؤلاء الدعاة إلى النار!

فإذن هذا الصحابي – أبو الغادية – قتل عمَّاراً، وكان بعد ذلك إذا استأذن على مُعاوية ورجال بني أمية يقول “أبو الغادية قاتل عمَّاراً”، فيقولون “أهلاً وسهلاً، تفضَّل” ويُرحِّبون به.

نحن نرى العجائب في تاريخنا، فهذا الرجل حين يستأذن يذكر ممادحه وفضيلته العُظمى، فيقول “أبو الغادية قاتل عمَّاراً”، فهو قتله من أجل أن يحصل على مالاً من بني أمية في حين أن النبي قال “قاتل عمَّار وسالبه في النار”، فكلاهما في النار يا أبا الغادية.

ومُعاوية يبعث صحابياً آخر – ما شاء الله – إسمه بسر بن أبي أرطأة لكي يستخلص له الحجاز من الإمام عليّ وولاته وكذلك لكي يستخلص له اليمن لأنها كانت في ولاية الإمام عليّ أيضاً، فيأتي إلى اليمن ويبحث عن والي عليّ على اليمن وهو عُبيد الله بن عباس لكنه لم يكن موجوداً لأنه كان خائفاً وكان هو وجُنده قلة، فأتى الصحابي بسر إلى بيته ووجد ولدين صغيرين له – أحدهما كان عمره خمس سنوات والآخر كان عمره ست سنوات وشهور – فذبحهما بالسكين أمام أمهمها.

هؤلاء كانوا برابرة، فالقذَّافي الموجود الآن لم يكن أول مَن يفعل هذا وهو ليس آخر مَن يفعله، هذا من من المُتأخِّرين – والعياذ بالله – فقط، ولكن الأوائل هم مُعاوية وجماعة مُعاوية.

كل المُؤرِّخون – مثل ابن كثير والطبري وابن الأثير – يقولون “ذبح الطفلين أمام أمهمها فذهب عقلها وظلت مجنونة”، ومع ذلك يقولون هذا صحابي جليل يا أخي، رضيَ الله عنه وأرضاه يا حبيبي، ومُعاوية أيضاً رضيَ الله عنه وأرضاه.

لكن مُعاوية لا يكتفي بهذا، فبعد ذلك بعثه إلى همدان – بلدة مشهورة جداً وكانت أيضاً تحت ولاية الإمام عليّ، لأن الأمة كلها كانت مع عليّ – وقال له ” اذهب إلى همدان واستخلصها لي”، فهل تعرفون ماذا فعل؟!

بعد أن وضع السيف في الناس وفعل ما فعل سبى المسلمات، قال الإمام ابن عبد البر في الاستيعاب “وكانت أول مرة في تاريخ الإسلام يسبي فيها المسلمون المسلمات”، فالمسلمة كانت تُؤخَذ سبية وجارية، وكانت تُنكَح بملك اليمين وتُباع كجارية رغم أنها كانت حُرة، لكنها كانت تُباع على حسب ضخامة عظم ساقها وذلك بعد أن يُكشَف عنها، وهذا – والله – شيئ لا يُصدَّق، وأُقسِم بالله على هذا، لذلك قلت لكم حين تقرأون هذا – والله – سوف تُجنّون.

اقرأوا وتعلَّموا، اقرأوا الأحاديث والتواريخ، اقرأوا الكتب الصحاح والأحاديث الصحيحة لكي تعلموا تاريخكم ولكي تروا من أين بدأت المُشكِلة، علينا أن نفعل هذا إذن لكي نُحاوِل أن نتخفَّف من هذه العقلية المُجرثَّمة المُسمَّمة، وهى عقلية تقديس المُدنَّسين وليس المُقدَّسين، فنبدأ ننتقد بحرية ونتكلَّم بحرية، ومن ثم يبدأ يتمحَّض ولاؤنا للمبادئ – لمباديء الكتاب والسُنة – وليس للأشخاص، ليس لفلان وعلان.

وأنا أقول لكم أن مَن يتسع ضميره ويتسع عقله الصغير لأن يُوالي مُعاوية وأمثال مُعاوية من ظلمة بني أمية وظلمة بني العباس وغيرهم هو – أُقسِم بالله – الذي يتسع ضميره وينداح عقله لكي يُوالي مُبارَك والقذَّافي وأمثال هؤلاء، فنفس الشيئ ونفس المنطق يتكرَّر مرة أُخرى، ومن هنا يقول لك “هذا والٍ أو هذا رئيس ومن ثم عليك أن تُطيعه، فالله هو الذي ملَّكه الله أمرنا وقال أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۩”، وهذا غير صحيح.

أدركنا الوقت، لكن هل تعرفون ماذا يُفعَل بمَن كفر بكل هذا الظلم؟ هل تعرفون ماذا فعل يزيد بن مُعاوية بعد ذلك؟ هل تعرفون ماذا فعل عبد الملك؟ هل تعرفون ماذا فعل أبوهم وجدهم مروان؟ هل تعرفون ماذا فعل كل هؤلاء؟
في يوم من الأيام وقف عمر بن عبد العزيز – قدَّس الله سره ورضوان الله عليه – مرة – علماً بأن هذا هو صالح بني أمية الوحيد مع مُعاوية الثاني بن يزيد رضيَ الله تعالى عنه أيضاً الذي أستقال من منصبه – في زمن الوليد بن عبد الملك وصرخ قائلاً بعد أن جُنَّ جنونه من الذي يحصل “الله أكبر،الحجّاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيّان بالمدينة، وخالد بن عبد الله القسري بمكة، قد عمَّ الظلم، اللهم فأرح الناس”، فهؤلاء كانوا قتلة ومُجرِمين مثل القذَّافي اليوم، فماذا ماذا أُحدِّثكم عن الحجّاج بن يوسف الثقفي لعنة الله عليه؟ أنا ألعنه وأقول لعنة الله عليه، لكن طبعاً يُوجَد اليوم عدد من إخواننا يسمون أنفسهم بالسلفيين قاموا بتأليف كتاب “بطل الإسلام الحجّاج بن يوسف رضيَ الله عنه”، وهذا شيئ – أُقسِم بالله – لا يُصدَّق، فما الذي حدث ويحدث إذن؟ هذا نفس الشيئ، هذا نفس الجنون ونفس الميكروب Microbe الجرثومي اللعين!

الحجّاج وجدوا في سجنه ثمانين ألف جثة مُتعفِّنة قد مات أصحابها بغير مُحاكَمات، ثمانون ألف جثة عُثِرَ عليها، وهذا يعني أن القذَّافي وزين العابدين وحسني مُبارَك رحمة إذن، فلم يحدث أن عُثِرَ على مثل هذه الأعداد اليوم، فنقول عن حسني مُبارَك إذن رضيَ الله عنه، أي أننا سوف نترضى عليه في نهاية المطاف بعد أن نعلم أن الحجّاج قتل في حياته فقط بغير مُحاكَمات مائة وعشرة آلاف ظلماً.

الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الذي قال عنه النبي “خُذوا القرآن عن ابن أم عبد” قال عنه الحجاج “عبد الله بن مسعود رأس المُنافِقين، فلو أدركته حياً لأسقيت الأرض من دمه”، أي أنه يأسف على أنه لم يُدرِكه حياً لأنه مات في زمن عثمان.

فلعنة الله عليك يا حجّاج ولعنة الله عليك وعلى مَن ولَّاك، كيف تسب صاحب رسول الله ورباني هذه الأمة الذي قال فيه النبي خُذوا القرآن عن ابن أم عبد؟!

لكن الأمر لم يقتصر على هذا فحسب، فالحجّاج كان يقول “ألا لا يقرأن أحد – أي القرآن – بقراءة أو قال بحرف ابن أم عبد ، ولأحكنها من المُصحَف ولو بضلع خنزير”، فهذا هو الحجّاج، هذا المُجرِم القاتل هو بطل الإسلام وبطل الأمويين في نظرهم، وهو الذي أخذ الصحابيين الجليليين أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي بعدما رفضا أن يُنافِقاه فختمهما في رقبتيهما مثل الحيوانات لأنهما تمردا عليه عندما لم يُحِبا أن يسكتا عن جرائمه، ولك أن تتخيَّل أن الصحابي الجليل أنس بن مالك يُختَم في رقبته من شدة الظلم.

للأسف أدركنا الوقت ونحن ما زلنا في البداية!

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يمنّ علينا بأن يُرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتناباه، وأن يُحيينا ما أحيانا على الحق ومُشايعة أهله وأعوانه وزمرته والبراءة من الظلم والطغيان وشيعته. اللهم آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)