الخُرافة في خدمة الطُغيان

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :

قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ۩ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۩ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ۩ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ۩ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۩ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩ قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ۩ قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ۩ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۩ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۩ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ۩ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

هذه الآيات الكريمات من سورة الأعراف ولها نظائرُ كثيرة في كتاب الله – تبارك وتعالى – تُلحُ على تكرار مشهدٍ من قصةٍ رائعة، قصة تروع ذوي الألباب لما فيها من توترات مواقفية وشعورية وجدانية ولما فيها من إيقاظات وإلفاتات ذواتِ بال، ما نُريد أن نُعرِّج عليه في هذا المقام هو ذلكم التحالف الذي لن يُفكَّك بالقدر الكافي وبالكيفية المُلائمة بين الطُغيان وبين الخُرافة وبين الطُغيان وبين السحر وبين الطُغيان وبين التنجيم، السحر والخرافة والتنجيم أشياء كلها تتجارى في مجرى واحد، مجرى يُعزِّز تغييب العقل الإنساني واستبعاد الوعي واستنزافه، وهذا التحالف قديم، القرآن بهذا الإلحاح يُريد أن يلفت إليه النظر بشكلٍ فاقع وصارخ، هذا التحالف قديم تقريباً عرفته الثقافات وكلها والحضارات وكلها في الشرق الأقصى وفي الشرق الأدنى وفي أوروبا القديمة إلى غير ذلكم، مثلاً في بلاد الصين القديمة كان العامي – أحد الرعية – يُعرِّض نفسه لعقوبة الإعدام إذا تعاطى مع أحد المُنجِّمين، كذلكم المُنجِّم يُعرِّض نفسه لمثل هذه العقوبة، لماذا؟ لأن التنجيم والتعاطي مع ذوي هذه الصناعة حكرٌ على الملوك وعلى السُلطة – على السُلطة السياسية – فقط، لماذا؟ ما الهدف؟ إنها أنجع وسيلة في ضبط الناس، هى أنجع الوسائل في الضبط وفي التحكم وفي السيطرة، أي أن أبواب الغيب ومفاتيح الغيب هى بيد السُلطان عبر هؤلاء العرَّافين المُنجِّمين الكهنة السحرة، ومن هنا أيضاً التحالف الدنس والتحالف النكد عبر العصوروفي كل الثقافات والحضارات بين رجال الدين – على الأقل في قطاع كبير منهم – وبين السُلطة الحاكمة، ولم يخل دين من هذا التحالف اللعين فهذا أمر ضروري، وهناك أيضاً نوعٌ من التحالف الخفي بين الدين وبين الخُرافة وإن زعم رجال الدين غير ذاك للأسف الشديد، الدين يُمكِن في لحظات كثيرة وفي غفلة من وعي الرجال الأيقاظ الذين يقومون على حراسة الدين – والدين لابد له من حرّاس أيقاظ وأعين صاحين ومُخلِصين صادقن – أن ينزلق ويُمكِن أن يُوظَّف ويُمكِن أن يُستثمَر لخدمة الخُرافة التي تُوظَّف أبداً في خدمة الطُغيان، يكفي أن تصير سُلطة حتى تُفرِز الخُرافات المُناسِبة لك، كل سُلطة معرفية أو سُلطة سياسية لها خُرافاتها ولها أساطيرها ولها برنامجها في تغييب العقل من أجل ماذا؟ من أجل مزيد من السيطرة، تقول الآية الكريمة مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ۩، أنتم مُجرَّد قطيع يُمكِن تحريككم بالريموت كنترول Remote Control كما يُقال، تقول الآية الكريمة فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ ۩، من بين آليات ووسائل الاستخفاف السحرة والكهنة، لعل أنجع الوسائل التي توسَّلها فرعون هى هذه، أعني السحر والكهانة في تحقيق مزيد من السيطرة ومزيد من التحكم في شعبه – الشعب المصري – في وقته، قال الله فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ۩، فالحس العام إن شئتم لدى العوام حتى في البلاد العربية الآن – مثلاً – يُدرِك ولا يُدرِك، ولكن يُدرِك ولو في هامش الشعور أن هناك تحالفاً بين الدين والخُرافة، بدليل الاشتراك الذي تجده وتقع عليه في كل البلاد العربية في إسم شيخ بين صنفين من الناس، مُصطلَح أو لفظة شيخ لفظة مُشترَكة كما يقول العلماء – علماء الأصول أو علماء اللغة معلماء البلاغة – بين ماذا؟ بين صنفين من الناس، بين شيخ العلم والفقه وبين شيخ الدجل والشعوذة طبعاً، فهذا سيدي الشيخ وهذا سيدي الشيخ،من أين أتيتِ؟ من عند الشيخ، مَن الشيخ؟ الذي يكتب الأعمال – كما يُقال – والذي يحل والذي يربط والذي يفعل السحر، هل هذا شيخ؟ طبعاً شيخ ولابد أن يكون شيخاً، وشيخ له اعتبار كبير في نفوس العامة ومهابة وخطر، ويُخشى ربما أكثر مما يُخشى السُلطان أحياناً، وهناك الشيخ بمعنى شيخ المنبر وشيخ العلم وشيخ الفقه، وفي أحيان قليلة يجتمع الشيخان في شيخ واحد، ليكون فقهياً ودجَّالاً في نفس الوقت، يُمارِس الدجّل وبإسم النص وبإسم الفقه وبإسم التأويل ويكتب للناس أشياء بسيطة وربما على الجبين وربما على مكان آخر وربما في ورقة، وهو عالم وله مُؤلَّفات وأكاديمي ويُدرِّس في الجامعة، ويأخذ النقود للأسف الشديد، فهذا شيخ وهذا شيخ وهذا الشيخ مُزدوَج، والعامة تشعر بهذا، هناك إذن جسر واصل بين الدين والخُرافة، وأعني بالدين هنا رجال الدين، وأرجو أن تكون الأمور واضحة، لا يستطيع أحد أن يتكلَّم عن الدين المُجرَّد، أحدٌ ما لا يستطيع ذلك، مَن الذي يتكلَّم عن الدين المُجرَّد؟ كيف هذا؟ مُستحيل، الدين دائماً إذا تُكلِّم عنه فإنما بتوسط واسطة مُعيَّنة كالشيخ والإمام والفقيه والمُفسِّر والمُؤوِّل، فهو الذي يأتي يتكلَّم ويقول لك قال الله ومعنى قوله كيت وكيت وقال رسول الله ومعنى قوله كذا وكذا، أي أنه واسطة، فالدين المُجرَّد عند الله تبارك وتعالى، أما الدين الذي يتعاطى معه الناس هو الدين كما يفهمه هذا وهذا وهذا وتلك وتانك وهلم جرا، هو هذا ولذلك لابد أن نكون مُتنبِّهين جداً إلى كل ما يعمل في اتجاه كشف العقل، أي جعل العقل مكشوفاً غير مُغطَّىً إزاء الخُرافة وإزاء الشعوذة وإزاء الدجّل، بغض النظر عن السُلطة الحارسة لهذه العملية الدنسة المنكودة، أكانت سُلطة معرفية علمية أم سُلطة سياسية تنفذية، وللأسف الشديد في أحيان كثيرة السُلطتان تعملان في الاتجاه ذاته، خُرافات – كما قلت لك – كثيرة، وكل سُلطة لها خُرافاتها، وهناك أحياناً تبادل منافع وتبادل مصالح، أن أُعطي السُلطان ما يُريد واُعزِّز الخُرافات التي تُعزِّز سُلطانه وهو يُعزِّز جيبي بمزيد من النقود.

في الحقيقة الذي بعثني على هذه الخُطبة هو ما قرأته أو بالأحرى في البداية سمعته من أُناس ذوي اختصاص ثم بعد ذلك تأكَّدت منه فإذا هو فضيحة كُبرى مكتوبة في كل المواقع وبطرق مُتشابِهة، في دولة عربية تم التحقيق مع قاضٍ شرعي – أي عالم ديني للأسف الشديد – ضمن شبكة ولكن هو الشخصية الرئيسة، اختلسوا مليارات من عقارات الناس أو جهات مُختلِفة ومن أموال الناس، مليارات بعملة ذلك البلد تُساوي مئات الملايين من الدولارات أو اليوروات، وهذا القاضي وحده وجدوا في حسابه البنكي أزيد من مائة وعشرين مليون دولار، مائة وعشرون مليون مُختلَسة من أموال الناس، يحصل في أحسن المُجتمَعات ويحصل في كل الأزمان الاختلاس والنصب وتغول أموال الناس أو الأموال العامة، فهذا يحدث دائماً، لكن مثل هذا هو الذي لا يحدث تقريباً الآن إلا في بلادنا والبلاد المُتخلِفة مثلها، لأن هذه علامة من العلامات الفاقعة على التخلف وعلى أننا حقاً نعيش كأننا نعيش خارج التاريخ، كما نقول دائماً كرونولوجياً نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، ثقافياً وحضارياً وعلى مُستوى الوعي وعلى مُستوى العقل والفهم نحن نعيش في القرون الوسطى الأوروبية ليس الإسلامية، فالإسلامية كانت مُمتازة – من ناحية ثقافية وعلمية كانت قرون التحضير والتمدين – ولكن نعيش فعلاً وبشكل مُشابِه إلى حد لافت جداً في العصور الوسطى الأوروبية، هذه نفس الطريقة، وهذا معروف خاصة لمَن قرأ تاريخ العصور الوسطى، كأن لنا الآن العصور الوسطى الإسلامية وفي العصور الحديثة والأكثر حداثة الأوروبية الغربية، وهذا شيئ غريب جداً، هذا القاضي يبدو أنه فلت ونفد بجلده ، لماذا؟ ادُعيَ أنه مسحور وأنه اختلس هذه الأموال وغير هذه الأموال تحت تأثير الشياطين والجان، فالرجل ضحية والرجل غير مسئول، وهذا يحدث في القرن الحادي والعشرين في بلاد العرب والمسلمين، في بلاد يُقرأ فيها القرآن في المحاريب والمساجد، فماذا أفاد القرآن إذن؟ بالعكس القرآن والسُنة الصحيحة المنسوبة إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – يُؤتى بهما ويُستدعيان ويُستشفَع بهما لتعزيز الخُرافة، هذا القاضي يخضع للرقية الشرعية، وحين تم رقيته أكثر من مرة وبحضور رجال دين – لا أقول علماء لأنني لا أُعطيهم هذه الصفة ولكن يبدو أنهم رجال دين فعلاً بالمعنى الكنسي وبالمعنى الأوروبي الوسيط – أكَّدوا أنه مسكون، فالرجل مُحتَّل، هو أرض مُحتَّلة للجان، الرجل مُحتَّل ومسكون ونطق الجن على لسانه واعترف بأشياء لا يُباح بها للجرائد السيَّارة طبعاً، ولكن بحضور علماء أو جهات مُختَّصة ثبت ذلك فالرجل بريء، هكذا الشياطين يتم تسخيرها في اتجاهين مُتضادين، وفي أوروبا الوسيطة كان يتم تسخير الشيطان والاشتباه في التعاون مع الشيطان أو حتى مُضاجَعة الشيطان، كان يُتهَم الناس أن منهم مَن يُضاجِع الشياطين، وطبعاً إلى الآن لدى المسلمين كثيرون يعتقدون بهذا، أي أن الجني ينكح الإنسية والجنية ينكحها إنسي، وهذا الكلام الفارغ لكنهم يعتقدون بهذا، وفي أوروبا كانوا يعتقدون بهذا بشكل صارم.

هنري مور Henry Moore مع أنه فعلاً رجل سابق لعصره لكنه فيلسوف من أفلاطوني كامبريدج Cambridge وكتب كتابه “ترياق الإلحاد” الذي تحدَّث فيه أن الذين يُنكِرون حقيقة المُضاجَعة بين الإنسِ والجن وحقيقة أن السواحر – الساحرات – قد يُحدِثن عواصف وزلازل وطوفانات مائية بتعزيمات مُعيَّنة وقد يركبن الهواء على مكنسة، وقال الذين يُنكِرون هذا هم مُهرطِقون مُنحرِفون عن الدين، مع أنه – أي هنري مور Henry Moore – فيلسوف مشهور وله نظرية في الحاسة الخُلقية وهى نظرية قوية ومُحكَمة إلى حد بعيد ولكنه في هذه القضايا عامي – عامي تماماً -ولا يتميَّز من العامة فلا تستغربوا، الأمر الصعب أن تجد فيلسوفاً أو مُفكِّراً أو مُثقَّفاً غربياً يعتقد بهذه الأشياء الفارغة السخيفة، ولكن من السهل جداً أن تجد مُفتي بلد إسلامي أو عالماً شرعياً كبيراً يعتقد بهذه الأشياء ويُبرِّرها وينبي عليها لوازم وتوالي مُعيَّنة، هذا نفس الشيئ، والأمور – سبحان الله – والتاريخ يُعيد نفسه، هذا تاريخ أوروبا الوسيطة في العالم الإسلامي المُحدَث المُعاصِر للأسف، وكانوا يُسمّون الجني الذي يُضاجِع الإنسية Incubus وأما الجنية التي تُضاجِع الإنسي يُسمونها Succubus، والبابا إينوسنت – البريء – الثامن Pope Innocent VIII أصدر مرسومه الذي بمُوجَبه أُلِّف الكتاب الفظيع مطرقة الساحرات، ألَّفه ألمانيان مشهوران هما شبرنغر Sprenger وكرامر Kramer بسبب هذه المسألة، قال لما تناهى إلى سمعي من مُضاجَعة الشياطين لبني وبنات البشر، وهذا لابد أن يُوقَف، وتم قتل عشرات بل مئات ألوف من الناس خاصة من النساء بإسم أنهم يُضاجِعون الشياطين وأنهم سحرة وأن لهم علاقة مع العالم المُظلِم السُفي أو السُفلاني، وهكذا تم استخدام الشياطين للقضاء على أُناس غير مرغوب في وجودهم لمائة سبب وسبب اجتماعي وسياسي، واليوم في بلاد الإسلام يتم استخدام الشياطين لتبرئة الدجاجلة والنصابين وسرّاق المال العام والخاص طبعاً، وهذا أمر عجيب، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ولابد أن يطرحه كل إنسان يعني عنده حس النقد وشيئ من وعي: مَن الذي سخَّر مَن؟ ومَن الذي احتَّل مَن؟ إذا كان الجني فعلاً سخَّر هذا الإنسي – القاضي الشرعي ذا اللحية الكبيرة – فلماذا رأينا النقود التي تصل لمئات الملايين تُصَب في حساب الشيخ؟ لماذا؟ أليس كذلك؟ إذن واضح أن الإنسي هو الذي ركب الجني وأن الإنسي هو الذي استغل الشيطان، وطبعاً القضية كلها كذب في كذب وكلام فارغ، ليس لدينا إمكانية أن نُصدِّق هذا الهُراء أصلاً منذ البداية، هذا كلام فارغ وواضح أنه فارغ، وواضح جداً أن القاضي رجل ذكي جداً، استطاع أن يلعب على هذا النمط الخُرافي في التفكير، لماذا؟ لأن مُفتي هذه البلدة – رحمة الله تعالى عليه – أفتى في يوم من الأيام بهذا وقال نعم هذا موجود والجني يُمكِن أن يدخل في بدن الإنسي وإذا تسبَّب في استعمال الإنسي في جريمة مُعيَّنة فلابد من استحضاره واستنطاقه، وحين ينطق يُعامِل كمُجرِم ثم يُؤخَّذ بأقواله، فلأول مرة نسمع عن أخذ أقوال الجن، وهذا ما يحدث حالياً في هذا الوقت، أُخِذَت أقوال الجن وبحضور جماعة من رجال الدين ووُثِقَّت لأن المُفتي العام للبلد قبل سنوات طويلة أفتى بهذا رحمة الله عليه، وهذا أمر عجيب، ماذا سيقول عنا العالم المُتقدِّم لو سمع هذه الأشياء؟ حتماً هم يسمعونها ويقفون عليها لكن انتبهوا إلى أن القاضي ذكي، والأذكى منه في نظري السُلطة، أي السُلطة الحاكمة، وهذا أمر عجيب، مُستحيل أن يكون رجال السُلطة والمُتنفِّذون الكبار على درجة من البلاهة أو السذاجة بحيث يُصدِّقون هذه الأشياء، هذا مُستحيل وهم يعلمون أنها اشياء باطلة، ولكن من مصلحتهم أن يستمر هذا النمط الخُرافي في التفكير طبعاً، لأن شعباً لا يملك القدرة واللياقة على التفكير العقلي والعلمي والنقدي الصحيح سهلٌ جداً جداً جداً جداً أن يُستغنَم أو يُستخرَف، أي يُتخَذ منه قطيع غنم أو قطيع خراف، وبالتالي يسهل جداً أن نُواصِل مزيد التحكم فيه وعليه، ولذلك هذه ليست مُشكِلة، ستمائة مليون أو ست مليارات ثمنٌ زهيد في مُقابِل أن يبقى الشعب مُغيّباً وغائباً عن الوعي ومُغتال الوعي، فالسُلطة أذكى من هذا القاضي والقاضي أذكى من الذين حاكموه وأذكى من شعب لا يود أن يتحرَّك حقيقةً وأن يتساءل ما الذي يحدث؟ وكما كتب مرة كارل ساغان Carl Sagan العالم الفلكي الأمريكي الشهير يجب على الشعوب دائماً أن تطرح سؤال مَن المُستفيد مِن وراء تجهيلها وتغييبها؟ وهذا سؤال خطير وكبير جداً، حين يُراد تغييبي عن طريق المشائخ أو غير المشائخ مَن المُستفيد؟ بلا شك أن هؤلاء أيضاً يستفيدون لكنهم وسائل فمَن المُستفيد الأكبر مَن تغييبي؟

قلت لكم قبل أسابيع أنني لست مُطمئناً على العقل المسلم، لست مُطمئناً بالمرة، حين أسمع الخطاب الذي يتغذّى عليه هذا العقل المسلم أشعر بكارثة قائمة ليست كارة مُقبِلة وإنما كارثة قائمة وحقيقية، لذلك تحت تأثير وربما أتفه الأسباب يُمكِن أن تشتعل حرب أهلية ويُمكِن أن تبرز لك عشرات الجماعات التكفيرية والإرهابية والتفجيرية بأسباب فارغة، يُمكِن صناعة هذا الشيئ بسهولة في عالمنا، هذا عالم صار تقريباً يُوشِك أن يكون لا عقل له، لماذا؟ نمط التفكير غير علمي وغير عقلاني وغير نقدي وغير مُستقِل، لماذا؟ لأنها شعوب في المُجمَل وفي العموم مُؤدلَّجه، هناك أيدولوجيات مُعيَّنة تغتالها، ويُراد لها أن تبقى كذلك، ماكس هوركهايمر Max Horkheimer الفيلسوف الألماني الشهير كتب في كتابه كسوف العقل قائلاً كل عقل مُؤدلَّج اغتاله وحش الأيدولوجية يفقد استقلاله ويفقد قدرته على الشغل وعلى العمل ولا يبقى منه إلا الوظائف الإجرائية التي تسمح بالسيطرة على الطبيعة وعلى المُجتمَع فقط، يبقى منه محض عقل إجرائي يسمح باستمرار عملية التحكم في الشعب، وحتى التحكم في الطبيعة – على مُستوى الطبيعة – لا بأس، لكنه ليس عقلاً إنسانياً، ولذلك أقول لك كل مَن يُخاطِبك بلا عقلانية يُهين إنسانيتك، كنا نقول دائماً يُهين ذكائي، أي أن الذي يُخاطِبني بلا عقلانية يُهين ذكائي، لكن ما معنى أنه يُهين ذكائي؟ يُهين إنسانيتي، لأنني في نهاية المطاف كائن مُفكِّر، الإنسان ما هو؟ أرسطو Aristotle يقول هو حيوان ناطق، وهذه ترجمة خاطئة طبعاً، فكلمة ناطق خاطئة لأنه يُريد مُفكِّر، لكن العرب ترجموها ناطق، ثم ذهبوا يقولون النطق هو تكوين المعقولات، إذن كل مُفكِّر عاقل – كائن عاقل يعقل – ولا تقل ناطق، فالإنسان كائن – بدل أن نقول حيوان – مُفكِّر عاقل، لذا الذي يُخاطِبني خارج قوانين الفكر وخارج مباديء العقلانية يُهين إنسانيتي، لأنني لستُ إنساناً ولم أكن ولا أصير ولا أُصبِح إنساناً إلا بالعقل، إذا خاطبتني خارج العقل فقد أهنت إنسانيتي، كأنني بلا عقل، كأنني قطعة من رُخام أو حتى قطعة من خشب مُسوِّس، لكن هذا ما يحدث!

قبل أيام رفع أحدهم مقطعاً لأحد المشائخ وهو يتحدَّث أو يُحدِّث الناس عن حلم مُعاوية بن أبي سفيان، وقد أضحكني جداً لكن سأستخدمه هنا لأقول لكم كيف يُغتال الوعي في مسائل بسيطة قد لا تخطر على بال الناس، أتى أحدهم ويبدو أنه كان قليل العقل فعلاً إلى معاوية وهو ملك أو خليفة فضربه على عجيزته – على مُؤخِّرته – وهو في صلاته فاستغرب الناس، قال انظروا إلى حلم مُعاوية، مُعاوية حليم وهو صاحب الشعرة المشهورة التي إن شدها الناس أرخاها وإن رخوا أو وأرخوا شدها، وهذا كلام غير صحيح، هذه أسطورة من الأساطير وهى أسطورة كاذبة طبعاً، مُعاوية لم يكن حليماً أصلاً، هو طاغية من الطُغاة وهذا واضح، الذي يقتل أصحاب رسول الله هو طاغية ولا يُسامِح ولا يصفح، وعلى كل حال بعد أن سلَّم مُعاوية قال له ما أراك إلا مُراهِناً، على كم راهنت؟ قال على كذا وكذا، فأمر بدفع مائة دينار تقريباً له ثم قال ألا أدلك على مَن إذا فعلت به مثل ما فعلت بي أعطاك أكثر وأحسن مني؟ قال بلى يا أمير المُؤمِنين، قال زياد، إنه زياد بن أبي سفيان أخوه الذي استلحقه، قال هذا الشيخ بلحيته المُحترَمة وهو يعلم أنه لن ينجو، فانظروا إلى حلم مُعاوية، قال وهو يعلم أنه لن ينجو، فذهب إلى زياد وفعل به مثل ذلك فمُباشَرةً أمر بقطع رأس الرجل فقُطِعَت رأسه، وطبعاً لا تتحدَّث عن دولة إسلامية، أي دولة إسلامية؟ بأي قانون وبأي شرع وبأي دين يُمكِن هذا؟ هل لمُجرَّد أنه ضربك تقتله؟ هذا قانون بني أمية، وهذا شيئ غريب، هل يُمكِن أو يسوغ أن نُسمّي الإجرام والخديعة والتغرير بالناس مما يُؤدِّي بهم إلى الهلكة وقطع رؤوسهم حلماً؟ هل هذا إسمه حلم؟ الشيخ يقول حلم، وعليكم أن تُصدِّقوه فقط لأنه شيخ وعنده شهادة وعنده لحية، فما هذا؟ أنا أشعر كأنه يبصق في وجهي، هكذا أشعر فعلاً لأن هذه إهانة حقيقية لإنسانيتي، يا أخي لا تقل لي عن الخديعة والدجّل والإجرام إنه حلم، ما هذا؟ ألم تجد إلا هذا المثال؟ لكن بما أنني سُلطة معرفية وأنا شيخ فلي أن أُسمّي الأشياء بما أشاء، نيتشه Nietzsche كان يقول التسمية سُلطة، مَن الذي يضع الأسماء والمُلصَقات Stickers؟ السُلطة، انتبهوا إلى أن السُلطة السياسية تفعل هذا، تُسمّي خراب الديار وخراب البلاد والعباد رخاءً وتقدّماً، وتُسمّي الخيانة والاستخزاء والنوام العام تصدياً ومُقاوَمة، فلها الحق في هذا، السُلطة السياسية تُعطي الأسماء كما تشاء، وهى أسماء مُناقِضة تماماً لمُسمياتها، وكذلك السُلطة المعرفية والسُلطة العلمية، أنا شيخ وعندي شهادة عُليا فمن حقي أن أُسمّي ما شئت بما شئت وأن أُسمّيه بنقيضه، وهذا أمر غريب، هل هذا حلم؟ تماماً كما سمّى ابن تيمية سم مُعاوية للحسن على فرض وقوعه أمراً من باب المُقايسة، وقال هو من باب قتال بعضهم بعضاً وسب بعضهم بعضاً، فالقتل بالخديعة وبالسُم لمَن تنازل لك عن الخلافة يُسمّى اجتهاداً وله فيه أجر، أي هذا عقل يا ابن تيمية؟ أي عقلية هذه؟ ولذلك – كما أقول لكم – نشعر كأنهم يبصقون في وجوهنا، لا نُريد أن نكون مُؤدلَّجين بهذه الطريقة، نُريد أن نتحرَّر من أوهاق هذه السُلط أو السُلطات المعرفية قبل السياسية لأن هذه مخدومة بهذه، ولكن لماذا تميل الشعوب ولسنا بدعاً من الشعوب إلى الخُرافات؟ إلى اليوم أوروبا غاصة بالخُرافات، هم لديهم خُرافات كثيرة وتفكير خُرافي يتعلَّق بالفأل الحسن والفأل السيء Good and Bad Omens، فهذا موجود وهو كثير جداً جداً جداً، لكن انتبهوا إلى أنه إذا قيس إلى التقدّم الذي عندهم والعلم الذي عندهم يغدو قليلاً، أما نحن لا علم لدينا ولا تقدّم ولا عقلانية، ولدينا خُرافات كثيرة، فالمشهد مُخيف، لابد أن يكون مشهداً قاتماً أسود مرفوضاً، نحن لا نحتاج إلى أي مزيد من الخُرافات، نحتاج أن نتخفَّف من الخُرافات وأن نزداد من العلم والعقلانية، ولكن لماذا تميل الشعوب والجماعات إلى التفكير الخُرافي؟

أولاً ما هى الخُرافة؟ حتى نُحارِب الخُرافة لابد أن نعرف ما هى ولابد أن نُحدِّدها، يقولون الخُرافة هى التنميط الزائف، فالنمط الزائف والنمط الخاطيء هو خُرافة، لكننا لم نفهم، ما هو التنميط أولاً؟ حتى نفهم هذا التعريف لابد أن نفهم التنميط Patternicity، ما هو التنميط؟ التنميط باختصار حتى أُوضِّح لكم هو ربط شيئ بشيئ وإحالة شيئ على شيئ لمُجرَّد المُزامَلة، إذا اقترن به وزامله في مرة ومرتين وثلاث مرات نستطيع أن نقول هذا نمط مُعيَّن، رأينا ألفاً تعقبها باء في مرة ومرتين فإن هذا يُعَد أمراً عجيباً، إذن هناك علاقة علية، وقد لا يكون، قد تكون محض مُزامَلة ظاهرية، قد تكون مسألة صدفية بالصدفة، لكن الإنسان يميل – سبحان الله – إلى النمط بسرعة، والحيوانات أشد ميلاً من الإنسان إلى التنميط، لكن الإنسان للأسف – وهذا جزء أيضاً من مأساته – يميل إلى التنميط وسأُوضِّح هذا، لماذا؟ لأن من ضمن الغرائز أو العادات العقلية الحاكمة على عقل الإنسان – عقل النوع الإنساني – التصديق الساذج للأسف، نحن نُصدِّق بسذاجة ونميل إلى التصديق بسرعة كالحيوانات فانتبهوا، الحيوان يُمكِن أن تُغرِّر به، تُشير إليه إشارة كأنك تُعطيه طعاماً فيلحقك المسكين مُباشَرةً ويُصدِّقك أن في يدك طعاماً، كذلك الإنسان أيضاً يميل إلى التصديق الساذج، التشكيك والارتياب والنقد وطرح التساؤلات وطلب التبرير العقلي والعلمي أو حتى الاعتيادي عملة كاسدة وعملة غير رائجة، البشر لا يُحِبون هذه العملة، يُحِبون التصديق فيُصدِّقون بسرعة وسنثبت لكم لماذا أو نشرح لكم لماذا نميل أيضاً إلى التصديق الساذج السريع وبالتالي نميل إلى التنميط، لأننا حين كنا قبل عشرات ألوف السنين نعيش في الأحراش وفي الإستبس وفي الغابات كان التنميط يُفيدنا لئلا نهلك، كان يسمع ذلكم الإنسان البدائي حفيفاً – مثلاً – بين الأشجار، وهناك احتمال أن يكون بسبب مُفترِس – Predator – مُتربِّص – وقد يكون السبب هو الرياح التي حرَّكت الأشجار والأغصان والأوراق، فقد يكون هذا وقد يكون هذا، ولكن إن افترضنا أنه بسبب الرياح – وهذا يحدث دائماً لأن الرياح موجودة – ولم يكن الأمر كذلك وكان المُفترِس مُتربِّصاً هلكنا وقُضيَ الأمر وقُضيَ علينا، لذلك كان يميل الإنسان الأول إلى أن يقول هذا الحفيف بسبب المُفترِس فعلىّ أن أتهَّب وأن أحتاط وربما أن أسلك سبيلاً أخرى، فكان ينجو وهكذا بلغنا إلى القرن الحادي والعشرين، فنجونا وتكاثرنا كنوع، وهذا هو التنميط، يقول العلماء وخاصة علماء النفس المعرفي المُشكِلة أن الإنسان كلما مال إلى التنميط – أي ربط شيئ بشيئ وتفسير شيئ بشيئ وتعليل شيئ بشيئ – عرَّض نفسه لارتكاب نوعين من الأخطاء، أخطاء سلبية تُسمّى الخطأ السلبي الزائف وأخطاء إيجابية تُسمى الخطأ الإيجابي الزائف، سنُسمّي الأول (T1) وسنُسمّي الثاني (T2)، ما هو الخطأ السلبي الزائف؟ هو الاعتقاد بوجود نمط – Pattern – وفي الحقيقة النمط غير موجود، أنت ظننت ذلك لكن النمط غير موجود، هو نمط زائف، وهذاهذا ما يُسمّى بالخُرافة Superstition، هذه هى الخُرافة، فالخُرافة هى توليد نمط زائف، أي الوقوع في خطأ سلبي زائف، هذه هى الخُرافة – Superstition – تماماً وهذا هو التعريف العلمي الدقيق، فهذه تُسمّى خُرافة، والخطأ الإيجابي الزائف هو عدم التصديق بوجود النمط، وفي الحقيقة يكون النمط موجوداً، ما المُشكِلة؟ المُشكِلة أنك هنا قد تدفع ثمناًوهنا قد تدفع ثمناً، فالمُقارَنة بين الأثمان – ثمن هذا الخطأ وثمن هذا الخطأ – ليست سهلة وتُشكِّل أحياناً مُعضِلة، وهذا يجعل الإنسان أميل إلى إلى أن يعتبر ويعتد بكل نمط، يقول سأؤمِن بهذا وسأؤمِن بهذا، وهكذا تتسلَّل الخُرافة، هذه أنماط صحيحة وبينها أنماط فاسدة، وهذا يُعبَّر عنه بصيغة رياضية، يقولون Patternicity أو التنميط (P) متى يحدث؟ لما الـ Cost (C) الخاص بالخطأ واحد يكون أصغر من الـ Cost (C) الخاص بالخطأ الثاني، هو هذا، ولكن تقدير الفروق – كما قلت لكم – صعب، فماذا نفعل؟ نميل إلى التنميط دائماً، لذلك يُلاحَظ أنه كلما قلَّ تحكمنا وقلَّت السيطرة التي نمتلكها على الظاهرة أو الحدث أو الواقع مال الميزان لدينا لصالح التنميط، أي لصالح الخُرافة، لأن مُعظم هذه الأنماط ستكون زائفة وغير صحيحة، لا تُوجَد أنماط من باب الخطأ الأول لكن لا بأس، كيف؟ يضربون مثلاً بلاعبي البيسبول Baseball، فلاعبو البيسبول Baseball دائماً يميلون إلى الخُرافات ويحدقون بالحظ والفأل الحسن ويقول الواحد منهم لو لبست كذا وكذا ولو وقفت بالطريقة الفلانية في يوم كذا وساعة كذا وبعد كذا فإنه سيكون أفضل، هم يميلون إلى هذا بشكل عام، لماذا؟ لأنه من بين كل عشر ضربات يُخطئون في سبع ضربات، لا يُوجَد تحكم، فيميلون إلى الخُرافة وإلى التنميط، فعند هؤلاء المساكين أنماط في التفكير لعدم وجود تحكم، بخلاف العدّاء الذي يعدو في الميدان، العدّائون ينجحون في توقعاتهم من تسعين إلى خمس وتسعين في المائة، لذلك هم بعيدون عن التنميط، ولنأخذ الحرف المشهورة الآن، البحَّارة مُنمِّطون جيدون ومُنمِّطون بشكل نموذجي – Typical أو Typisch- أيضاً، الزرَّاع مُنمِّطون، أي خُرافيون، عمال المناجم خاصة في العهود السابقة مُنمِّطون جيدون، لكن الساسة ليسوا مُنمِّطين، وهذا أمر غريب، لماذا؟ لا تشيع الخُرافات كثيراً بين الساسة، نبدأ بهؤلاء البرءاء وهم ليسوا برءاء – هم دائماً مُتورِّطون – الآن، الساسة يعتمدون في مُعظم شغلهم وعملهم على العلاقات العامة – Public relations – وعلى أمور محسوبة ومعروفة، السياسي يحسب خطواته وينجح في أكثر حساباته مثل العدّاء في الميدان، ولذلك لا يميل إلى التنميط، لكن البحَّارة وخاصة في الأعصار السابقة يميلون إلى التنميط، لأن حركة الرياح والعواصف البحرية والأمواج وإلى آخره كلها ليست بأيديهم وإنما بيد القدر، كذلك المُزارِع تُواجِهه الجوائح التي يُمكِن أن تُصيب زرعه سواء من أمطار طوفانية أو من ريحٍ قرَ صرصر عاتم قد يُدمِّر زرعه أو جراد فضلاً أشكال الوباء المُختلِفة والديدان وإلى آخره، فهذه كلها أشياء ليست بيده وإنما بيد القدر، ولذا يميل إلى التنميط، في أوروبا إلى وقت قريب وربما إلى الآن بعض الأشياء لا تزال باقية كانت بعض هذه الأشياء لا تزال باقية، فالبحَّارة – مثلاً – يتشاءمون إذا صادفوا وهم في طريقهم إلى السفينة مُحامياً أو خيَّاطاً أو قسيساً، والعلاقة واضحة طبعاً، لأن المُحامي هو الذي يتولَّى تنفيذ وصية الميت لذا يتشاءمون بهم ويقولون Bad Omen، أي فأل سيء أو فأل أسود والعياذ بالله، وأما الخيَّاط فهو الذي يخيط الكفن، وأما القسيس فهو الذي يُصلي على الروح الغارقة، ولذلك يتشاءمون منهم، وطبعاً بالحري يتشاءمون من الحانوتي الذي يصنع توابيت الموتى، فمن المُؤكَّد أنهم يتشاءمون منه وهذا مفهوم لماذا، ويتشاءمون أيضاً من يوم الجُمعة، فلا يُبحِرون في يوم جمعة، ولا يُحِبون الإبحار في أول اثنين في كل شهر، ولا في أول اثنين بالذات من شهر إبريل – April – أيضاً، أي شهر أربعة، لا يُحِبون أبداً، وطبعاً أوروبا كلها تقريباً تكره الرقم الثالث عشر، ولا يُحِبون الإبحار في سفينة تغيَّر إسمها، لماذا تغيَّر إسمها؟ من المُؤكَّد وجود شؤم حلَّ بالأولى فغيَّروا الإسم، وهناك أشياء كثيرة غير هذه، والمُزارِعون كذلك لديهم أساطيرهم، وعمال المُناجم لديهم أساطيرهم، فيتشاءمون بالقطط في المناجم إذا رأوها ويتشاءمون بالصفير، عمال المناجم لا يُحِبون أن يصفر أي أحد، ويتشاءمون بإزهار نبتة بالبازلاء، إذا أزهرت هذه النبتة في أوروبا إذن ستحدث مُصيبة لعمال المناجم، وطبعاً من المُمكِن أن تكون هناك مُصيبة كبيرة حدثت في هذا الوقت فحدث تنميط Patternicity، أي عملوا تنميطاً بسب هذه المرة، لكن كم من موسم مر ولم يحدث شيئاً؟ الذهن الإنساني لا يلتفت إلي هذا، هو يلتفت إلى التنميط، يُريد أن يخلق علاقة علّية زائفة خيالية غير موجودة، فهذه العلاقة غير موجودة أصلاً، وولذلك أنا إذا قلت لكم الآن كم من مرة وقع فيها مُختلِسون ودجَّالون نصابون تحت سيف أو تحت حكم العدالة مِمَن اختلسوا أموال الناس أو الأموال العامة ولم يكن لهم علاقة بالجن؟ مرات كثيرة جداً جداً، لم نُصدِّق هذه المرة فعلاً أن هذا الرجل ضحية للجن وللشياطين؟ بسبب التنميط، فنحن نميل إلى التنميط، والنمط طبعاً يتبع الثقافة الشائعة في المُجتمَع، هذا مُجتمَع يُؤمِن بالجن وبقدرة الجن وبقدرة الشياطين على التلبس وعلى الاحتلال وعلى الاستعمار، وعلى ذكر الاستعمار أقول أن الاستعمار لم يُغفِل استثمار هذه الحقائق الخطيرة والحسَّاسة في تطويع الناس، الآن الحديث ليس عن الشعب وليس عن الرعية وإنما عن المُستعمَّر المسكين المُحتَّل في أرضه ورزقه وعرضه وماله، لم يُغفِل تطويع هذه الثقافة الخُرافية والبدائية والتنميطية لكي يُحكِم قبضته على هذا المُستعمَر، وهناك كتب مطبوعة هنا في أوروبا وفي أمريكا تتحدَّث عن هذا الموضوع، وهذا شيئ غريب، يُوجَد كتاب يتحدَّث عن الاستعمار في أفريقيا من ألف وثمانمائة وسبعين إلى ألف وتسعمائة وستين وهو مطبوع في كامبريدج Cambridge، في الطبعة الأولى يتحدَّث عن كيف أن الهيئات الاستعمارية الفرنسية البريطانية البُرتغالية الإلمانية كلها أو أربعتها عملت في أفريقيا وخاصة أفريقيا الغربية التي واجه فيها المُستعمِرون مُقاوَمة بسبب الإسلام على استثمار الثقافات البدائية والأديان البدائية والتعاطي مع السحرة وشيوخ القبائل من أجل تطويع هؤلاء المُستعمَرين المساكين بالخُرافات، فكانوا يُشيعون أشياء يقبل الشعب الاعتقاد بها وهكذا نجحوا واعتمدوا هذا، والكتاب يتحدَّث عن هذه المسألة بإسهاب، هناك ضابط أمريكي ترقَّى من رُتبة ضابط إلى رُتبة جنرال عام – Major-general – إسمه إدوارد لانسدل Edward G. Lansdale، وإدوارد Edward هذا قصته عجيبة جداً، في الخمسينيات بعثته حكومته في أمريكا إلى الفلبين، فرأس – أي كان على رأس – فريق عمل ميداني مُهمَته أن يبحث وأن يُنقِّب في العقائد الشائعة والخُرافات الفاعلة في أذهان الفلبينيين، فكان أن وجد اعتقاداً شائعاً في مصاصي الدماء، يعتقدون في مصاصي الدماء الذين يظهرون عند غروب الشمس وينشطون إلى فجر اليوم التالي ويختطفون ضحاياهم، ومصاص الدماء يكون أخذ شكل خفاش كبير بجناحين عظيمين بحيث يستطيع أن يختطف إنساناً تاماً وأن يمتص دماءه، فإدوارد Edward قال هذا مُمتاز جداً، وأشاع عن طريق المُشعوِذين وبعض الكهنة المدفوع لهم ظهور مصاصي الدماء أو أقنعهم حتى بأنهم فعلاً عاودوا الظهور وقالوا الآن بدأوا يظهرون، ثم ترك فاصلة زمنية ومسافة تصل إلى شهر أو شهرين حتى أخذت هذه الدعاية مداها والكل تسامع بها وهذه هى الخُطوة الثانية، أما الخُطوة الثالثة فكانت نصب كميناً، قال هذا الجنرال العام – Major-general – لقد نصبنا كميناً لدورية من دوريات الثوار واختطفنا من آخرها أحد هؤلاء الثوار ثم أحدثنا في عنقه ثقبين كما يُحدِث مصاص الدماء الخُرافي الأسطوري وذلكم عند غروب الشمس ثم علَّقناه من رجليه حتى نُزِف دمه ثم ألقينا به على قارعة الطريق، والنتيجة سحرية، إن هى إلا بضعة أيام وخلت المنطقة كلها – قرية أو مدينة صغيرة – من الثوار – ثوار الهوك – ومن السكان، فحتى السكان غادروا المنطقة، وهكذا تُكسَب الحروب باللعب على الخُرافات وعلى التفكير البدائي والتفكير غير العقلاني .

هذا حديث مُهِم جداً جداً لنا كمسلمين ومسلمات في هذه اللحظة من حياتنا وفي هذه اللحظة من تاريخنا، لحظة نتحدَّث فيها عن ثورات وثورات عربية ومُستقبل زاهر لكنه ملغوم ملغوم ملغوم، يُمكِن أن ينفجر فينا بألف سبب وسبب، فعليكم أن تفتحوا أعينكم جيداً، يقولون لكم لماذا يتحدَّث هذا الشيخ عن علماء أهل السُنة؟ وكأنني من علماء أهل البدعة، أنا سُني، كنت ولا أزال، ولا أقول هذا بالذات مُجامَلة لهؤلاء بالذات ولا خوفاً منهم، فنحن لا نخاف منكم ولا نعتبركم، بالعكس نحن نرى أنكم تُطِلّون على الأمة ككارثة واقعية وربما تُمزِّقون هذه الأمة شر مُمزَّق ونعلم هذا يقيناً، فنسأل الله أن يكفينا شركم وأن يكفي هذه الأمة المرحومة شركم، هؤلاء يقفون دائماً ضد الشعوب وضد مصالح الشعوب بإسم السُنة والجماعة وكأننا من أهل البدعة والفرقة، لا والله لسنا كذلك، يُقال أيضاً لماذا لا يتكلَّم عن علماء الشيعة؟ هم يظنون أننا نتكلَّم لكي نتكلَّم، يا أخي نحن لا نتكلَّم لأجل أن نتكلَّم وإنما نتكلَّم لأجل أن نُصلِح، أنا الذي أرنو إليه وأُريده وأتغياه أن أُصلِح في هذه الأمة، أي أُصلِح أُمتي التي قضيت عمري وأنفاسي من أجلها وأجل عزها وكرامتها، وحياتي كلها أقضيها من أجل هذه الأُمة لا من أجل نفسي كفرد، فأنا أُريد أن أُصلِح، كيف أُصلِح؟ هل أسب الشيعة؟ أستطيع أن أسبهم – كما تفعلون – ليل نهار والنتيجة مزيد من التوتير ومزيد من الأحقاد ومزيد من الألغام التي ستنفجر فينا، لذلك لا أُريد هذا، وقلت مرات – لن أقول عشرات ولكن مرات ومرات – أني أرتقب من إخواني الشيعة وأُريد أن أرى علماء ودُعاة ومُفكِّرين شيعة أيقاظاً يُحدِّثون جماهيرهم أيضاً عن أخطائهم وعن خُرافاتهم وعن بدعهم وعن ضلالاتهم كما أفعل أنا مع أهل سُنتي، ألم أقل هذا؟ قلته مرات ومرات بفضل الله تبارك وتعالى،أُريد شيعياً – وفيهم الحمد لله مَن يفعل هذا – يُصلِح، وأُريد سُنياً يُصلِح، الإصلاح لا يكون بأن أسب غيري، كأن أسب الشيعة، ما الذي يحصل؟ هذا ليس إصلاحاً، هذا كذب، وتُريد مني في نفس الوقت أن أُكحِّل لك جبين السُنة وأقول نحن ما شاء الله كاملون – Perfect – ومعصومون، فما هذا المنطق البليد الأحمق؟ هذا منطق أحمق، الحديث عن أنه ينتقد علماء أهل السُنة أحمق، يقولون كيف يتحدَّث عن علماء أهل السُنة؟ أنت خُذ خُطبة واحدة لي – أي خُطبة – أو درساً أو جزءً من خُطبة وسوف تستنبط مُباشَرةً أن هذا الرجل سُني، هو سُني حتى النُخاع، مصادره سُنية و لغته سُنية وشواهده سُنية وعقائده سُنية، هو سُني تماماً، ولكن ما الذي يحدث؟ هم يُريدون لك إن أردت أن تكون سُنياً بزعمهم أن تأخذ المسألة بقدها وقديدها وبضلالات السُنة وحماقات السُنة وبدع السُنة وخُرافات السُنة إلى الحق الكثير الذي أيضاً عند السُنة وإنما تأخذ هذا مرةً واحدة، ولذلك إذا انتقدت عالماً أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة من علماء السُنة يثورون كأن العالم شيئ ينزل من عند الله، كأنه ملك معصوم ينزل من عند الله فممنوع أن يتعرَّض للنقد، وهذه نفس الطريقة الحمقاء التي يتعاطون بها مع الصحابة فيقولون انظروا لقد انتقدت عثمان، وطبعاً انتقدت عثمان، ما المُشكِلة؟ يُمكِن أن أنتقد أبا بكر وعمر، لأنني لم أُؤمِن لحظة في حياتي أنهم معصومون أو أنهم أنبياء، لقد أخطأوا، ما المُشكِلة؟ لك أن تنتقد علىّ حين أقول لك أنا أُريد أن أُحطِمهم أو أزعم أنني سأُحطِمهم بهذه الأخطاء اليسيرة التي وقعوا فيها، حين إذن سأكون أنا أحمق وسأكون أحد الحمقى، لكنني لست ذلك الأحمق، عجيب جداً أنهم يُقرِّرون من جهة أنه لا عصمة للأنبياء وعملياً يتعاملون مع الصحابة والآن مع علماء أهل السُنة أيضاً على أنهم معصومون، ويُثرِّبون علىّ أنن أنتقد، لكن لماذا لا أنتقد؟ لماذا لا أنتقد عالماً حين يُخطيء؟ أنا لا أقول كل العلماء أهل السُنة عبر العصور، إنني إذن لأحمق لو قلت هذا، كيف يُقال كل العلماء؟ مَن الذي يُعمِّم؟ مَن يفعل هذا أحمق، وأنا رجل أُحاوِل أن أكون صاحب تفكير عقلاني وعلمي بفضل الله تبارك وتعالى، لذا لا أفعل هذا، لم أفعله مرة ولن أفعله، ومُحال أن يفعله عاقل، لكنهم يقولون ينتقد علماء لأنك انتقدت عالمين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو عشرين من بين عشرات الألوف الذين استفدت منهم واستشهدت بهم وهم مصادرك، لكن هذا ممنوع، ممنوع أن تنتقد أي أحد، لا تنتقد صحابياً ولا تنتقد عالماً، ويبدو أن عيونهم على أنفسهم حتى لا يطالهم النقد، لقد جمعتم الحمق إلى الفجور والعياذ بالله، فنسأل الله أن يُريح منكم هذه الأمة – والله العظيم – وأن يُريح منكم لا بتكفيركم وقتلكم كما تدّعون وتدعون وإنما بأن تجلسوا في بيوتكم، لا يُمكِن أن يكون أمثالكم مُؤهَّلين ولائقين بأن يُكلِّموا الجماهير، أنتم سمَّمتم أرواح هذه الجماهير وزيَّفتم عقولها – والله العظيم – واستنزفتم وعيها ودمَّرتموها، أصبحت جماهير غير طبيعية، وهذه الجماهير – كما قلت لكم – مُستعِدة أن تفتعل حرباً أهلية من أجل مسألة فرعية، من أجل ختان النساء – مثلاً – يُمكِن أن تقوم حرب في بلد، فهذا عادي ومُمكِن جداً، وأنا أقول لكم لو أرادت سُلطة مُعيَّنة ولو أرادت جهات شيطانية إبليسية مُعيَّنة أن تُفجِّر بلداً عربياً إسلامياً بسبب ختان البنات قد تنجح وهذه مُصيبة، هذه مُصيبة حقيقية، هذه نُكتة ولكن نُكتة سوداء، هذه كوميديا سوداء، هذا لا يُمكِن ولا يصلح مُبرِّراً أن يعترك فيه اثنان حتى بالأيدي وليس أن تقوم حرب أهلية من أجل ختان البنات، أي عقلية هذه؟ ولكن أنا أقول لكم هؤلاء يعلمون ويعلمون جيداً – والله – أن خدمة العقل وخدمة الوعي وخدمة النقد وخدمة الشك وخدمة التساؤل وإعادة النظر كلها تعمل على كشفهم وتعريتهم، إنها تتعارض على طول الخط مع مصالحهم ومصالح أسيادهم المُتنفِّذين، لذلك يرتجفون ويرتعدون من أي خطاب كخطابي هذا، يشمون فيه رائحة العقلانية ورائحة التساؤل ورائحة العقل والعلم، والعقل عندهم – وهذا ليس كشفاً لسر – مُتهَم ومُدان، يقولون لك هذا عقلاني، أي أن هذه تُهمَة, أن تستخدم عقلك هذه تُهمَة، وللأسف الجماهير تُصدِّق وتقول عقلاني نعوذ بالله منه، وأنت ماذا؟ هل أنت جهلاني أو خُرافاتي؟ أنت سعيد بأنك جهلاني، يُقال هذا عقلاني كتُهمة، وطبعاً يُفهِمون الناس أن هناك العقل وهناك النص، وكأن النص يعمل وحده بمعزل عن العقل، كأن العقل لا دور له في تصديق النص أولاً والإيمان به وثانياً في فهمه وثالثاً في تأويله، أي فتح آفاق لمعاني مُتعدِّدة للنص، فهذا إسمه التأويل، ويُوجَد مُصطلَح النص والظاهر، نحن عندنا نص قطعي غير قابل للتأويل وعندنا ظاهر وعندنا نصوص كانت نصوصاً ثم استبان أو بان ووضح بعد ذلك أنها ظواهر وليست نصوصاً، أنت تعتد بها نصوصاً وهى عند غيرك مُجرَّد ظواهر قابلة للتأويل قابلة لقولين وثلاثة وأربعة فيها يا رجل، لكن لا يتكلَّمون هم، لا يُمكِن أن تسمع منهم مثل هذه التأصيلات العلمية والعقلية للمسائل أبداً، كلام خُرافي عجيب جداً وربط خُرافي بين الموضوعات.

بما أن المقام ربما يقتضي هذا الإيضاح كنت أُريد في الخُطبة الثانية أن أُوضِّح لأن بعض الناس – وطبعاً أنا أعذرهم – لا يُدرِكون هذا، ليس كل الناس مُثقَّفين وليس كل الناس يقرأون ويُتابِعون وليس كل الناس لديهم الوقت أن يسمعوا كل ما يقول عدنان وكل ما يقول غير عدنان، هذا مُستحيل طبعاً، فيُحِبون أن يأخذوا بياناً، يُريدون بياناً فيقولون هل يا عدنان أنت شيعي أم سُني؟ وأنا أقول لكم أنني أحترم جميع الطوائف الإسلامية، أحترم إخواني الشيعة الإمامية وإخواني الشيعة الزيدية وإخواني الإباضية في عُمان وأحترم كل المسلمين والمسلمات – بفضل الله تبارك وتعالى – وفي نهاية المطاف وفي البداية والنهاية أنا سُني من أهل السُنة والجماعة، وأقول هذا بشكل واضح، لماذا؟ لا يُمكِن أن أكون إمامياً وأنا غير مُقتنِع، مع العلم بأنني لو كنت إمامياً فإن هذه ليست كارثة وليست معرة وليس عيباً، وإلا كارثة ومعرة وعيب أن هناك مئات الألوف بل الملايين من هؤلاء الإمامية، فلماذا أنت تُهين هؤلاء؟ لماذا تبصق عليهم؟ ليس هذا أسلوب التوحيد ولا أسلوب النقاش ولا أسلوب التقريب إن زعمتم الرغبة في التقريب والرغبة في التوحيد وتجسير الهوة كما يُقال بسب الناس بالجُملة والتفصيل، هذه ليست كارثة وليست معرة أبداً، ولكنني لن أكذب على نفسي وعلى الناس وعلى جمهوري، فأنا لست شيعياً، لا زيدي ولا إمامي، أنا سُني، وأتساءل كيف يُمكِن أن أكون شيعياً إمامياً – رافضياً يقولون – وأنا لا أُؤمِن بنظرية الأئمة الاثني عشر؟ أنا لا أُؤمِن بها ولا أُؤمِن بالمهدي الموعود – مهدي الشيعة – ولم أُؤمِن به يوماً، فكيف أكون إمامياً؟ انتهى الأمر فهذا مُستحيل، هذا وحده كفيل أن يُخرِجني مُباشَرةً من دائرة الشيعة الإمامية، ولكن يُقال شيعي رافضي، وهذا أمر عجيب، كيف أكون شيعياً إمامياً وأنا لا أُؤمِن بالرجعة؟ عقيدة الرجعة عند الشيعة الإمامية لا أُؤمِن بها بالمرة، لا أُريد أن أُهين هؤلاء الناس لكنني لا أُؤمِن بها بالمرة، لا أُؤمِن بعصمة الأئمة، أي أنهم معصومون لا يرتكبون أخطاء لا كبيرة ولا صغيرة، لا أُؤمِن بهذا، لا أُؤمِن لأن الدليل لم يقم عندي على صحة هذه العقيدة ومن ثم لا أؤمِن بها، لا أُؤمِن بأن مُعظم الصحابة ارتَدوا وانحرفوا بعد رسول الله، هذه أسطورة وخُرافة شخيفة جداً جداً جداً ومفضوحة وغير صحيحة بالمرة، ومع ذلك يُقال أنت قلت الصحابة الاستثنائيون بالعشرات، فيا رجل عُد إلى الخُطبة، علماً بأن الخُطبة كانت عن النمط – Pattern – أيضاً، فأنا أذكر أن الخُطبة – لم أُعد إليها – كانت عن النمط، وأنا تحدَّثت عن الصحابة الذين تركوا دين آبائهم وأجدادهم في مكة واتبعوا الرسول يوم كان اتباعه يُساوي القتل والتعذيب، وقلت هؤلاء استثنائيون، فاقتطعوا هذه الجُملة كأنني أتحدَّث أن الصحابة بعد الرسول وفي كل وقت وزمان وكأنني قلت الاستثانئيون كانوا عشرات، ما هذا الكذب؟ جمعتم الفجور إلى الكذب، الله حسيبكم، حسبنا الله ونعم الوكيل، ماذا تُريدون أن تُفهِموا الناس؟ هذه حماقات وأكاذيب باردة سخيفة، أنا لا أُؤمِن بهذا الاعتقاد السخيف أبداً، وأقول الذين انحرفوا من الصحابة وغيَّروا وبدَّلوا على أصابع اليدين، ونحن نتناولهم بسلاسل وفي رأسهم مُعاوية الطاغية، طاغية طواغيت أمة محمد، ولا أرتاب فيه لحظة إلا أن تُقنِعوني، فقط أقنعوني لكنكم لم تُجيبوا مرة واحدة عن حُجة قوية أتيت بها وسكتم، فقط تقولون شيعي ورافضي، قولوا لنا معاوية ليس طاغيةوبرهنوا هذا، وأنا – والله العظيم – سأكون أول الراجعين إلى الحق، لأن ديني يهمني أكثر منكم ومن وجهة أنظاركم وأنظار غيركم، أنتم لا تهمونني لا في كثير ولا في قليل، ثم يقولون شيعي رافضي، شيعي رافضي يتحدَّث عن نظرية الإمامة بين السُنة والشيعة في خُطبة جمعية ويُرجِّح فيها نظرية أهل السُنة ومع ذلك هو إمامي، لقد افتُضِحتم، وأنا أقول هذا كبيان فقط من أجل أن يعود به مَن في قلبه شكٌ وريب، يُقال الآن أصبحنا مُرتابين في عدنان إبراهيم هل هو شيعي أم سُني؟ لتكن مُطمئناً أنا سُني، سُني في البداية وسُني في النهاية وبشكل واضح مع احترمي لجميع الفرق الإسلامية، أما حبي لأهل بيت رسول الله – صلى الله على محمد وآل محمد وسلم تسليماً كثيراً – فهذا فخري وهذا تاج رأسي وهذه وسيلتي إلى الله في الدنيا والآخرة، أعيش وأموت عليه وإن كلَّفني حياتي، فلا والله الذي لا إله إلا هو ما أنا براجع عن حبي لرسول الله – طبعاً وأنتم وهؤلاء أيضاً – ولا عن حبي لأهل بيت رسول الله الذي يغيظ هؤلاء الحمقى للأسف الشديد، نسبة بعض الفضائل وإلا فضائلهم أشهر من أن تُذكَر وأكثر مِن أن تُحصَر يغيظهم، لكن انظروا إلى هذا العقل الخُرافاتي، يقول قضية أن عليّاً وُلِداً في جوف الكعبة ماذا فيها من فضيلة أو ميزة لعليّ؟ هذه ليس فيها مزية، كيف يا مولانا؟ انظروا إلى هذا العقل الكبير وهذا الفيلسوف، يردون علىّ ويجعلون معرة أنني أرد على بعض الملاحدة والفلاسفة والعلماء مثل استيفنج هوبنج – أي ستيفن هوكينغ Stephen Hawking – كما يقولون، فاستحوا على أنفسكم، موسوعيتي هذه بعض فخري، أفخر بأنني راجل واسع الإطلاع والثقافة وأرفع رأسي بهذا بفضل الله تبارك وتعالى، وهذا من فضل الله وأسأل الله المزيد، أما أيها التائه استيفنج هوبنج هذا لم يخلقه الله، لا يُوجَد رجل إسمه استيفنج هوبنج، أنت لا تعرف كيف تنطق كلمة بالإنجليزي وترد علىّ وتسخر، وهذا شيئ غريب، حقيقةً الأحمق حين يتكلَم يفضح نفسه، كل أحمق حين يتكلَّم يفضح نفسه، يقول لك لا تُوجَد مزية لعليّ أنه وُلِدَ في جوف الكعبة، كيف يا مولانا؟ كيف يا أرسطو Aristotle المسلمين؟ قال لأن الكعبة كانت غاصة بالأصنام، في باطنها أصنام وكانت محوطة بالأصنام، هذا – ما شاء الله – بُرهان مُسدَّد كالرصاصة إلى هدفها، هذا أمر عجيب، لكن لم يقل لنا هذا الأرسطو Aristotle الكبير والفيلسوف الخارق الذي هو من جماعة هوبينج كيف طاف بها النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – وعظَّمها وشرَّفها وقدَّسها وظل يطوف بها ويُصلي إليها طيلة الفترة المكية والأصنام في بطنها والأصنام حولها وفوقها، وظل يفعل هذا كل مَن أُتيحَ له في نُهز للأسف قليلة جداً جداً جداً في الفترة المدنية وأنتم تعرفونها في السيرة، حتى في عمرة القضاء طافوا بها وهى غاصة بالأصنام، لم يُخلها الرسول من أصنامها إلا يوم فتح مكة، فهل نقصت قدسية الكعبة أو شرف الكعبة أو كرامة الكعبة يا أرسطو Aristotle – يا أرسطو Aristotle السلفيين – لأنها كانت غاصة بالأصنام؟ ما هذا؟ أي عقلية هذه؟ ولذلك أنا أقول لكم يا إخواني وأُعيدها للمرة المائة كما قال كانط Kant تجرأوا على استخدام عقولكم وأُقسِم بالله على هذا، كونوا مُستقِلين، لكن الكهنة – لا أقول علماء الدين لأن هؤلاء كهنة – لا يُريدون هذا، الكهنة في كل الأديان وفي كل المُؤسَّسات الدينية – ومُعظَم المُؤسَّسات الدينية مُؤسَّسات كهانة – أكثر ما يُهدِّدهم ويُحرِجهم أن يستقل الناس في فهمهم للدين وجوهر الدين، فهم لا يُحِبون هذا، ولكن الحمد لله هذا قرآنٌ عربي غير ذي عوج، كل شخص يستطيع أن يفتح المُصحَف وأن يقرأ وأن يتساءل وأن يفهم – بإذن الله تعالى – على قدر ما فتح الله وأن يجتهد وأن يُصيب وأن يُخطيء، وهذا أمر طبيعي، لكن هم لا يُحِبون هذا، ويغضبون جداً إذا تكلَّم إنسان وليس ينتمي إلى السلك الكهنوتي، هذا ممنوع لأنه حكر علينا، مَن أنت؟ يرون كل أحد غيرهم نكرة لا قيمة له ولا وزن له، مع أنهم يرتعدون من مُجرَّد طلب أن يُناظِروه ويعلمون لماذا، فيرفضون بالذات أن يُناظِروه ويرتعدون ارتعاداً حقيقياً، حالة رعب تسحقهم إذا قيل ناظروه، لكنه نكرة ودعي ولا يفهم شيئاً، يُريدون فقط أن يحتكروا هم الكلام في الدين، في القرن السادس عشر عاشت البشرية في عصر جوتنبرج Gutenberg وأتت المطبعة وضاعت على المُؤسَّسة الكهنوتية – الكليروس κλῆρος – هذه الفرصة، لأن أصبحت الأفكار تُطبَّع وتُوزَّع بكميات كبيرة، فعصر المطبعة أنشأ عالماً حديثاً حقيقياً، وهؤلاء لا يستوعبون أننا لسنا في عصر المطبعة بل في عصر النت Net، نحن في عصر النت Net الذي أسقط رؤوساً عن عروشها، قال أحدهم قتلني النت Net، شيئ ملعون إسمه النت Net لا هو سُم ولا هو رصاصة، النت Net هذا كأنه حشرة صغيرة قتلت هذه الطاغية وأسقطته، فنحن نعيش في عصر النت Net ويستطيع أي شاب وأي شابة وأي مُراهِق أو مُراهِقة أن يدخل في لحظة وأن يُطالِع في الموضوع الواحد عشرات ألوف ربما الصحائف أو الصفحات وأن يُقارِن، وهذه المُطالَعة وهذه المُقارَنة تُعطيه قدرة على أن يتحرَّر وعلى أن يفهم أن الموضوع أكثر اشتباكاً وأكثر تعقيداً وأكثر تنوعاً وهو ليس ما يقوله مولانا، ولكن نحن نعيش في العالم الإسلامي الوسيط، مثلما حدث في أوروبا الوسطى، هذا نفس الشيئ.

حين حاول العالم الكبير ورجل الدين الورع التقي تيندال Tyndale أن يُترجِم الكتاب المُقدَّس – Bible أو Bibel – من اللاتينية إلى الإنجليزية اعتبروا هذه جريمة كُبرى، والمسكين طبعاً خُزِقَ وأُحرِقَ على الخازوق، لماذا يا أخي؟ لأنه يتيح للناس أن تتعبَّد بكلام الله، لأن معنى ذلك أن الناس لن يحتاجوننا بعد اليوم في فهم الكتاب المُقدَّس، نحن فقط نتكلَّم بإسم الرب، نحن نقول للناس ماذا في الكتاب المُقدَّس ونُفسِّر لهم ما نُريد، نقول لهم فقط في حدود ما نُريد أن نقول وما نُفسِّر، ولكن حين تُترجِم بالإنجليزي وتُتيح الكتاب في كل بيت فهذه تكون مُصيبة، وظلوا يُطارِدون المسكين بضع سنوات إلى أن وقع في قبضتهم وعلى الخازوق كان حريقه، فهو خُوزِقَ وأُحرِقَ، وترجمته الحمد لله أنجزها ونُشرِت، وبعد بضع سنوات أُحرِقت مئات ألوف النُسخ، لكن نجت بعض النُسخ، إحدى هذه النُسخ هى التي اعتمدها أول ملوك أسرة ستيوارت Stuart في بريطانيا وهو جيمس James، أي الملك جيمس King James، ولذلك يُقال نُسخة الملك جيمس King James، هى هذه النُسخة، هذه نُسخة تيندال Tyndale التي أخذها الملك جيمس King James مُباشَرةً واعتمدها النُسخة الأصلية للكتاب المُقدَّس لأول مرة بالإنجليزية، ترجمة المحروق المُخوزَق تيندال Tyndale الذي أراد أن يرفع الوسائط بين العباد وبين ربهم وبين العباد وبين كتابهم المُقدَّس، فكان جزاؤه أن خُوزِقَ وأُحرِقَ، والمُناسَبة بما أننا ذكرنا الملك جيمس King James وترجمة الملك جيمس King Jamesنقول أن الملك جيمس King James عنده كتاب ألَّفه في أواخر القرن السادس عشر إسمه Demonology، أي علم الشياطين، كان يُؤمِن بالشياطين على طريقة علمائنا اليوم وعلى طريقة مَن يُبرِّر للقضاة المُختلِسين لمئات الملايين لأنهم ضحايا للجن، لكن ليت شعري، إذا كان تسخير الجن بهذه السهولة وبهذه الإمكانية ونأتي من خلالها بمئات الملايين فلماذا لم يُسخِّرهم رسول الله ومنهم مَن كانوا مسلمين وأتباعاً للرسول – سورة الجن وسورة الأحقاف – وهم طوع بنانه؟ لو أمكن تسخيرهم بهذه الطريقة لماذا لم يُسخر النبي جنياً مسلماً واحداً ليلة الأحزاب؟ أنتم تعرفون ليلة الأحزاب والحديث في صحيح مسلم، قال أي رجل منكم يقوم فيأتي القوم ويرى حالهم – أي يستطلع، فهذه مُهمَة استطلاعية – جعله الله معي في الجنة يوم القيامة، يقول حذيفة بن اليمان فما أجابه منا أحد، صعب جداً أن نذهب إلى هناك، يُوجَد خوف شديد وظُلمة وبرد وأعداء، هؤلاء الأحزاب بألوف، تسعة آلاف ومن ثم سوف أُقتَل، قال فكرَّر ذلك ثلاث مرات، مَن يذهب يأتينا بخبرهم جعله الله معي في الجنة يوم القيامة، ولم يذهب أحد من الصحابة، والآن سوف يُقال أرأيتم كيف يسب عدنان الصحابة؟ لكن هذا في صحيح مسلم، سوف يُقال انظروا إلى هذا الخبيث الذي يتهمهم بأنهم جبناء، لكن هذا في صحيح مسلم وهو حديث حذيفة بن اليمان، ثلاث مرات لم يُلبه أحد، قال فلم يُجبه منا أحد، فقال يا حُذيفة بن اليمان قم فأت القوم، قال فلما ذكرني بالاسم لم أجد بُداً من أن أذهب وهكذا إلى آخر الحديث، وأنا أتساءل يا مولانا ويا قاضي ويا راقي ويا مُحامي كيف تقبلون هذا؟ علماً بأن المُحامي كان مُتورِّطاً، فالمُحامي صدَّق وكان يتعامل مع الراقي ويطلب حضور الجن في المحكمة، المُحامي طلب حضور الجن الذي اختلس مئات الملايين في المحكمة، لكن ليت شعري، في أي عصر نعيش؟ شر البلية ما يُضحِك، وكم ذا بالعالم الإسلامي من مُضحِكات ولكنه ضحكٌ كالبكاء، كم ذا بعالمنا من مُضحِكات ولكنه ضحكٌ كالبكاء، لماذا لم يستعن النبي بجني ويأته بالخبر وانتهت المُشكِلة بدل أن يُعرِّض أصحابه للهلاك وللهلكة؟ هذا لم يحدث.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

إخواني وأخواتي:

نُكمِل قصة الملك جيمس King James وكتاب Demonology – علم الشياطين – الآن، فالرجل ألَّف كتاباً في علم الشياطين والأبالسة وكيف يحتلون الأبدان وكيف يُطوِّعون الإنس للجان وإلى آخره، ولكن هذا الرجل بسبب هذا الكتاب وهذه القناعات في سنة ألف وستمائة وثماني وعشرين استحال تقريباً إلى الشك التام، فالملك جيمس King James صار من الشكوكيين وصار عنده إشكالات في قضية الإيمان بالدين كله المسيحي، هل تعرفون من أجل ماذا؟ لما اكتشف بالتواتر مجموعة من الشباب الصغار أقرب إلى المُراهَقة – ليسوا رجالاً كباراً أو كهولاً في الأربعين وإنما شباباً صغاراً أقرب إلى المُراهَقة وأكثر من مرة تواتر هذا – أفلحوا تماماً في افتعال الخضوع لآثار تلبس الشياطين والجان وقادوا إلى المحرقة وإلى المشنقة عشرات الأشخاص بتُهمتهم أنهم وراء هذا، ويُشنَق الناس وتُقتَل الناس،والآن الحمد لله لا يُوجَد شنق ولا يُوجَد قتل لكن تُوجَد أموال تتسرَّب إلى الجيوب وأموال تُتغوَّل بمئات الملايين والمليارات، قيل هناك عقارات وأشياء بالمليارات ولكم أن تتخيَّلوا هذا، وقتل الناس في أرزاقها كقتلها في أعناقها كما يُقال، فاكتشف الملك جيمس King James أن هذه ألعوبة وأن هؤلاء مُجرَّد شباب مُمثِّلون شطّار مثل القاضي الشاطر – وهو فعلاً شاطر، أشطر من حسن الشاطر – وأنهم شباب صغار شطّار يلعبون هذه اللعبة لينتقموا من بعض أعدائهم أو أعداء أهليهم ووالديهم، ولما اكتشف الملك هذا جُنَّ جنونه وشكَّ في القضية كلها، شك في الدين وفي الكتاب المُقدَّس وفي العقائد وفي الخُرافات، وأصبح الملك جيمس King James أول ملوك أسرة ستيوارت Stuart رجلاً شكوكياً، أرأيتم ما حدث؟ هذا هو!

أختم بكلمة لأنه طُلِب مني أن أتكلَّم في هذا الموضوع وأقول أن هذه الطريقة في التفكير وهذه الطريقة في عرض الدين وهذا الإصرار على عرض الدين من هذا المنظور البؤبؤي الصغير الأنبوبي للأسف – سأقولها ربما الآن للمرة المائة وأنا أقول هذا من عشرات السنين، فمن حوالي عشرين سنة ومن البدايات وأنا أقول هذا – تُشجِّع الإلحاد وفقد الثقة بالدين وفي الدين وفي الله وفي الرسول وفي الكتاب، وهذا ما يحدث طبعاً، والآن جُنَّ جنونهم من أجل شاب إسمه حمزة كاشغري، وأنا أقول لكم هذا شاب – والله – مسكين ومريض، فأسأل الله له الهداية والشفاء، هذا الشاب – أسأل الله أن يشفيه – مهزول جداً جداً جداً جداً كأنه مسلول، أنا رأيته ويغلب أن يكون هذا المسكين مريضاً عُصابياً أو عقلياً، نحن لا ندري، لكن لابد أول شيئ ألا نقول هو كافر ومُرتَد وافعلوا به وافعلوا وانتقم الله منه وما إلى ذلك، هذا أمر عجيب، ما هذا الحقد؟ما هذا الحرص على التكفير؟ هل الإسلام الآن سيختل من مُجرَّد شاب خاطب الرسول بعبارة مثل التي قالها؟ أنا لا أقول هذه عبارة غير لائقة فحسب بل أن هذه العبارة أضحكتني، أنا حين قرأتها ضحكت، قرأت ماذا كتب في تغريداته وجعلت أضحك، مَن أنت يا حمزة؟ أمه تقول أنه لا يُحسِن اللغة الإنجليزية، أي أن هذا الرجل ثقافته ضحلة جداً جداً جداً جداً، وأنا اقول لك إذا كنت لا تُحسِن إلى العربية لغة أجنبية سوف يكون من المُستحيل أن تُكوِّن ثقافة عميقة في هذا العصر، هذا مُستحيل لأن العلم أكثر مما تتخيَّل ولابد أن تُتابِع العلوم الحديثة، هناك أشياء كثيرة أنا أُتابِعها وبعد عشر سنين – والله – تقرأ فيها كتاباً بالعربية والآن بالإنجليزية تقرأ فيها مئات الكتب، لابد أن تعرف لغة عالمية لكي تكون مُثقَّفاً حقيقياً، قالت أمه هو لا يعرف الإنجليزية، معرفته بسيطة جداً جداً جداً جداً وأحب أن يعمل دورة في الإنجليزية، فهو رجل غلبان؟ مَن هو حمزة كاشغري؟ الله يهديك يا حمزة، أنا أدعو له بالهداية – والله العظيم – من كل قلبي وأنا – والله – مُشفِق عليه، وأسأل الله أن يتوب وأن يهتدي، لكن لا أن يتوب تحت تأثير القتل وإنما أن يتوب بالنقاش، يا ليت يُمكِن أن ألتقي بأخي حمزة وأن أُناقِشه، يا ليت والله العظيم، لكن أنا من غد – إن شاء الله – سوف أفتتح سلسلة مُطوَّلة جداً عن الإلحاد، هى سلسلة علمية فلسفية منطقية ودينية في النهاية، وسأُسميها مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد، وعلى كل حال أنا ضحكت، لماذا؟ حين يأتيني هذا الشاب ابن الثانية والعشرين ربيعاً – عمره ثنتان وعشرون سنة فقط – ويقول هذا أضحك، هذا شاب صغير مسكين في أول حياته لكنهم يُريدون إعدامه وقطع رأسه مُباشَرةً حتى يشفو غيظهم، شيوخ كبار وصغار يُريدون هذا، فما هذه الحالة العجيبة؟ في أي عصر نعيش؟ هو يقول أنا لو رأيت محمداً سأقول له مع حبي واحترامي لك – هو يعترف بأنه يُحِبه ويحترمه – لن أُقبِّل يدك، لن أركع عند قدمك، أنا سأُصافِحك مُصافَحة الند للند، وأنا جعلت أضحك، هذه الكلمة لو قالها عمر سأضحك عليه، لو قالها أبو بكر أو بسمارك Bismarck أو نابليون Napoléon أو خالد أو ڤولتير Voltaire أو ديدرو Diderot أو أينشتاين Einstein سأضحك عليه، مَن أنتم جميعاً؟ مَن أنتم إذا قسناكم برسول الله؟ حتى عمر وأبي بكر لا شيئ، وهنا قد يقول أحدهم هل رأيتم ماذا يقول؟ لا لم نر ولا نُريد أن نرى هذا، أنا أعرف أن في الحديث الصحيح قالت الملائكة لو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، هذا هو محمد – صلى الله على محمد وآل محمد – فلا تُحدِّثني عن أبي بكر وعمر وعليّ وعثمان وعن بلايين غيرهم، هذا الرسول وليس حمزة كاشغري، فأنا سأضحك من عمر ومن نابليون Napoléon ومن خالد ومن أينشتاين Einstein إذا قال أحدهم أنا ند لمحمد، سوف أقول له العب غيرها يا حبيبي، ند لمَن يا بابا؟ هل أنت أتيت بقرآن؟ هل بنيت أمة؟ هل أخرجت أمة من عدم؟ ماذا فعلت أنت؟ هذا كلام فارغ !

نابليون بونابرت Napoléon Bonaparte حين قيل له أن ڤولتير Voltaire كان يكتب كذا كذا ونال من محمد وقال مَن محمد؟ – وطبعاً ڤولتير Voltaire كان سابق عليه – ضحك ضحكة استهتار واستخفاف بڤولتير Voltaire – بفرنسوا ڤولتير Voltaire François – وقال وما عساه ينال من رجل التاريخ؟ نابليون Napoléon يعرف محمداً، قال هذا الرجل بنى أمة وأخرج أمة، فلما يأتيني أخي المسكين حمزة كاشغري – الله يهديك يا حمزة – ويقول لي أنا سأُصافِح الرسول محمداً مُصافَحة الند للند أقول له يا أخي أنت لست نداً لي أنا، أنا أقول لك أنت لا يُمكِن أن تكون نداً لواحد مثلي علمياً وفلسفياً، فكيف تُريد أن تكون نداً لرسول الله؟ هل أنت يا حمزة بالله عليك – الله يهديك – ند لأينشتاين Einstein؟ سوف يقول لا، هذا أينشتاين Einstein، هل أنت ند للمُلحِد ريتشارد دوكينز Richard Dawkins؟هذا عالم البيولوجيا ومُلحِد فهل أنت ند له؟ سوف يقول لا، هذا فيلسوف مُلحِد خطير، فكيف تُصبِح نداً لمحمد؟ فهمني يا ابني بماذا أنت ند له يا حبيبي؟ فأدركت أن الشاب مريض والله العظيم، لكن أنا أقول لكم طريقة بعض المشائخ استئصالية إقصائية تكفيرية وأنا بدأت أستاء جداً جداً جداً من هذا الأسلوب، تجد أحدهم يقول لك وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ۩، لكن هذا في مَن؟ هل يُقال هذا في كفار؟ هذا رجل مسلم وابن مسلمين وأمه مسلمة تقية وأبوه مسلم، لكن هذا مريض، في البداية اعرضوه على طبيب نفساني، وأنا أقول لكم بنسبة أكثر من خمسة وتسعين في المائة سوف يتضح أن هذا الرجل ليس سوياً، هذا الشاب المسكين – والله – ليس سوياً ويحتاج أن يأكل جيداً وأن يتغذّى في البداية، هذه الحالة المهزولية التي عنده تُؤذِن بأن دماغه – كما يقول ابن سينا – نشفت، تُوجَد حالة تجفف في دماغ هذا المسكين، ويقول أنا ند لمحمد، لكن هؤلاء أسرع شيئ عندهم القتل على طريقة الكهنة ورجال الكنيسة في أوروبا الوسيطة الذين كانوا يقولون أسهل وأقصر طريق للقضاء على الوثني ونُصرة الحق قتل الوثني، فهذا نفس الشيئ وهذه نفس العقلية، نحن نعيش العصر الوسيط الإسلامي الآن في القرن الحادي والعشرين.

اعرضوا الأخ حمزة على طبيب نفسي، وأنا أدعوه الآن أن نتحاور – إن شاء الله – إذا كان عنده شُهبات في الدين وفي الاعتقاد وفي الألوهية وفي النبوة وفي أي شيئ، أنا سأفتح له قلبي – والله – وأُعطيه من وقتي، لأنني أشعر أن هذا المسكين ضحية والله العظيم، هو ضحية للمُجتمَع وضحية لنمط مُعيَّن في فهم الدين أو أنماط، وأنا أقول لكم عجيب ألا نجد مَن يُجاهِر الآن بالإلحاد وبالهرطقة – إن جاز التعبير – كالذين نجدهم في المملكة السعودية، هل تعرفون ما هو السبب؟ السبب هذه الطريقة في فهم الدين وهذا الإصرار المشائخي العجيب على عرض الدين بهذه الطريقة المرذولة، أنا أقول لكم هذه طريقة أقل ما يُقال فيها أنها مرذولة، هذه ليست محمودة وليست مقدورة ولا مشكورة، فأسأل الله – تبارك وتعالى – أن يهدينا وأن يهديهم وأن يهدي بنا وبهم.
اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، واغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

 (انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا 24/02/2012

رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعيار العظمة

http://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan
خطبة لفضيلة الدكتور عدنان ابراهيم بعنوان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعيار العظمة
بتاريخ 28/11/2008

التكافؤ في سن الزواج

http://www.facebook.com/Dr.Ibrahimadnan
خطبة لفضيلة الدكتور عدنان ابراهيم بعنوان التكافؤ في سن الزواج
بتاريخ 28/11/2008

الدجّال … تدجيل أم تغفيل؟

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُوَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله عز من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا ۩ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ۩ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ۩ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ۩ قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ۩ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ۩ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
وعيدُ وتهديدُ إبليس – لعائن الله عليه مُتتابِعة إلى يوم الدين – بحسبِ المنظور القرآني ليس له كبير خطر ولا عظيم تأثير، يتهدَّد ويتوعَّد ويُبرِق ويُرعِد ويُرغي ويُزبِد ولكن الله – تبارك وتعالى – حسم القضية بجُملةٍ واحدة إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۩،فالشيطان ليس له سُلطان على عباد الله إلا مَن شاء باختياره وغلبة الشقاء عليه أن يكون من شيعته وأعوانه وحزبه، كما قال عز من قائل إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ۩، ومَن كفر وجحد وأنكر وعند وتابع إبليس وسار في طريقه الضيقة صار لإبليس سُلطان عليه، وإلا الأصل أنه لا سٌلطان لإبليس على عباد الله، وهذا من رحمة الله وهذا من عدل الله، حاشاه – تبارك وتعالى – أن يجعل له علينا سُلطاناً ثم يُؤاخِذنا بعد ذلك إن زللنا أو ضللنا أو أخطأنا أو تجانفنا، حاشا لله أن يحدث هذا، قصار سُلطانه الوسوسة، وهذا ليس بسُلطان على التحقيق وإنما هو من قبيل قولهم تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ، فالضرب لا يكون تحية والوسوسة والتزيين لا تكون سُلطاناً، تقول الآية الكريمةوَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ – هذا الخبيث الذي هو أخبث الخلق لعنة الله تعالى عليه يُقِر ويعترف بأن ما كان له عليهم من سُلطان – إِلَّا – أي ولكن، فهنا إلا بمعنى ولكن – أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ۗ ۩، والآيات في سورة إبراهيم عليه السلام، فإذن ليس له سُلطان، قال الله في سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ۩، إذن ليس له سُلطان على التحقيق، وفي الحديث الصحيح حين شكوا إليه – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – ما يجدونه مما يدهمهم من جيوش الوساوس ونوازع التسويلات الشيطانية والنفسانية استفصلهم وتكرهون هذا؟ أي هل لا تُحِبونه؟ فأكَّدوا أنهم يكرهونه جداً بل يُفضِّلون أن يخروا من السماء وأن يُصبِح أحدهم فحمة حمومة على أن يبوح به، فالحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة لأن ليس عنده أكثر من أن يُوسوِس، ولكن أنت عندك عقلٌ وعندك فطرةٌ سليمة وعندك شرعٌ ماضٍ وعندك كلمات الله التامات وكلمات الله العليات، فكيف يُؤثِّر عليك إلا إذا جعلت مقادتك إليه وألقيت بها إليه – والعياذ بالله – وقلت له قدني وسيِّرني في أي مسارٍ أردت، فتُصبِح – والعياذ بالله – من جماعة أو قبيل المُشرِكين الذين ألقوا بمقاداتهم إليه؟ قال الله إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ۩، هذا هو القرآن العظيم الذي يحكي حكمةً إلهيةً وعدلاً، حكمة الابتلاء وحكمة الاختبار وحكمة أن الجنة محفوفة بالمكاره ولكن هذا عدل أيضاً، فهو يحكي عدلاً، عدل أن الله لا يُكلِّف نفساً فوق طوقها وفوق ما تُطيق، تقول الآية الكريمة رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا ۩، قال الله قد فعلت كما صحَّ من حديث ابن عباس مرفوعاً في صحيح مسلم، فالله قال قد فعلت، لأن الله لا يُكلِّف العباد والخلق فوق طاقتهم – حاشاه لا إله إلا هو – ثم يُؤاخِذهم بعد ذلك إن فعل، كلا حاشاه أن يفعل هذا، وفي الحديث القدسي يا عبادي إن حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرّماً، لكن قد يقول قائل هذا كلامٌ قرآني وليس كلاماً عقلانياً، هذا ليس كلام العقل والفلسفة والمنطق والاستنباط والاستنتاج، إنه نصُ كتاب الله، هو ليس له سُلطان، قال الله إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ۩، كما نقول بالعامية أعلى ما في خيلك فلتركب، تقول الآية الكريمة قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً ۩ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ۩، أي افعل أكثر ما تقدر عليه، ولن يكون لك سُلطان على المُختارين وعلى الصالحين وعلى الواعين وعلى الأيقاظ الصالحين وعلى مَن رموا الخير لأنفسهم أو مَن رموا أنفسهم الخير، فلن تستطيع، أنت أضعف من ذلك وأنت أقل خطراً من ذلك، قال الله إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۩، فالشيطان ليس بذلك الخطر الذي يُصوَّر، لكن قد يقول قائل هذا كلامٌ جميل وهو كلامٌ قرآني رباني واضح وقد نطقت به الآي الربانيات الجليلات، فما بال المسيح الدجّال؟ المسيح الدجّال له سُلطان وأي سُلطان؟ سُلطانٌ عجب وسُلطانٌ مُخيف، رجلٌ يظهرُ في آخر الزمان معه جنةٌ ونار، وهذا أمر عجيب، مَن يُطيق الصبر على هذه الفتنة؟ قيل معه ماءٌ ونار، نهر من ماء ونهر من نار يمشي قدَّامه كما في كتب اليهود قبل أن تكون في أحاديث المسلمين، هذا في سفر دانيال المكتوب ألف وسبعين قبل الميلاد، فيُقال نهرٌ من نار يمشي قدَّامه، وهذا في الأحاديث النبوية الصحيحة الرجيحة، فنفس الشيئ لدينا، هذا الرجل لديه القدرة على أن يُحيي ويُميت ويدعو بشاب فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رميةَ الغرض – أي يقطعه جزلتين قسمين نصفين مُتباعدين بينهما مسافة كالمسافة ما بين الرامي وبين الرمية، وهذا معنى رميةَ الغرضِ، فربما بين جزلتي هذا الشاب الذي يقتله الدجّال خمسون متراً أو مائة متر – ثم يدعوه فيلتئم، فيُقبِل مُتهلِّلاً، أي أنه قتله ثم أحياه، وهذه فتنة عجيبة جداً، وفي حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم يأتي على القوم فيدعوهم إلى عبادته، أي أنه يدّعي أنه ربٌ والعياذ بالله، يدّعي أنه هو الرب، أي رب العالمين، فهو ليس رباً من جُملة الأرباب وإنما هو – أستغفر الله – الرب، أي هو الله تعالى والعياذ بالله، فهل الله مكَّنه من هذا؟ قيل الله مكَّنه من هذا لحكمة، فأين هذه الحكمة؟ سوف نرى هذه الحكمة، الحكمة هى تكذيب الكتاب وتكفير الناس بدينهم وبنبيهم، وسوف ترون فلا تستعجلوا ولا تُنكِروا، لا تعجلوا بالإنكار ولا تتشبثوا وتقولوا هذه الأحاديث الصحاح الملاح، فعندكم كتاب الله، ما أعظم تهوكنا؟ ونُكفِّر مَن يُنكِر هذه المُتواتِرات، أما مَن يُنكِر الكتاب والحكمة والعدل الإلهيين لا شيئ عليه، علماً بأن الكتاب لا يُرجَع إليه، هو يُتلى ويغنى أو يُتغنَّى به ولكن لا يُتدبَّر، نحن لا نحتكم إلى كتاب ربنا وإنما نحتكم إلى مرويات فلان وعلان من الناس، فهو يُحيي ويُميت ومعه جنة ومعه نار و يأتي إلى القوم يدعوهم إليه وإلى الإقرار بروببيته وبألوهيته – والعياذ بالله – فإن اتبعوه كُفئوا أحسن مُكافأة، يُصبِحون وقد أمرعت أرضهم وأخصبت ونمت الزروع وتغدو عليهم ماشيتهم أسبغ ما كانت ضروعاً، فكلها – ما شاء الله – لبن وحليب ببركة مُتابَعة هذا الإله الدعي الملعون الدجّال، والعكسُ بالعكس والعكسُ صحيح، إن أتى على قوم فلم يتبعوه أصابتهم سنة وجدبٌ وهلاكٌ في أموالهم ومواشيهم وزروعهم، لأنك لم تتبع الرب أنت وهذه فتنة، يأتي إلى الخربة – مكان مهجور خرب – فيأمرها – يأمر الجمادات – فتخرج كنوزها – ذهبها وفضتها – تتبعه كيعاسيب النحل، أي جمع يعسوب وهو الدبور، فاليعاسيب تعني الدبابير – Wasps – والزنابير، ومن ثم هى تتبعه، لأن ذكور النحل أو يعاسيب النحل تتبع الأنثى للتلقيح كما تعلمون، أي الملكة، فذكور اليعاسيب تتبعها بشدة وبقوة وبإرادة لا تنثني ما شاء الله، وأي عالم اليوم في التعدين يقول لك ما هذا؟ هل هذا كلام نبيكم؟ فيُقال له هذا في الحديث الصحيح عن النواس بن سمعان فإياك أن تعترض وإلا تباً لك، لكنه يقول هذا غير موجود، العلم لا يعرف هذا، الأرض ليس فيها ذهب وفضة مُخزَّنة، هذا كلام غير صحيح، هذه الأشياء موجودة في موادها وتُستخرَج بالتعدين، لا نقول اخرج فيخرج الذهب والفضة، هذا كلام فارغ وتصور طفولي، فهل نبيكم قال هذا؟ سوف يشك مُباشَرةً العالم لكن هذا في صحيح مسلم، ذهب وفضة تخرج من الأرض قطعة قطعة – ما شاء الله – وتُخزَّن في المخازن مُباشَرةً، لكن هذا تصور طفولي، هذه تصورات أسطورية تُنسَب إلى رسول الله – إلى ختام الأنبياء والمُرسَلين – وتتطرَّق إلى الصحاح، ثم يُراد لنا أن نُصدِّق أن كل ما في الصحيح صحيح، من أين أتيتم بهذه الأسطورة؟ هذه فرية بلا مرية، أي أن هذه أكذوبة، ومع ذلك يُقال يا رجل رجالُ الشيخين جاوزوا القنطرة ولا كلام فيهم، لكن لماذا لا كلام فيهم؟ أنتم تتكلَّمون فيهم، يا جماعة عقولنا ما عادت تقبل هذه المُتناقِضات والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي رفع السماوات بغير عمدٍ ما عدنا نقبل هذه الأكاذيب، هذه أكاذيب يا إخواني وسأتلو عليكم فقط مثلاً أو مثلين.
المثل الأول عن أحد شيوخ البخاري وهو شيخٌ جليل من شيوخ البخاري إسمه عثمان بن أبي شيبة، وهو أخو أبي بكر بن أبي شييبة، فعثمان بن أبي شيبة أحد مشاهير شيوخ البخاري، رحمة الله على الجميع وغفر الله لنا وللجميع، وهذا الرجل عجيب، فكيف للبخاري أن يأخذ عنه الحديث؟ مُستحيل بالموازين الشرعية أن يُؤخَذ عن هذا الرجل أحاديث، لماذا؟ لأنه يعبث بكتاب الله، بل أنا أقول لكم هو يسخر بكتاب الله، فكيف يبقى ثقةً وهو يسخر بكتاب الله؟ الذهبي – تعرفون الحافظ المُؤرِّخ العلَّامة العظيم العليم بالرجال – يقول وهو على ثقته فيه دُعابة، أي يمزح بكتاب الله، ألم تقرأوا سورة التوبة؟ قال الله لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ ۩ وقال أيضاً على لسانهم إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۩، فهل يُمكِن اللعب بكتاب الله؟ تقول الآية الكريمة وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ۩، لكن هو لا يقول جَبَّارِينَ ۩ وإنما يقول خبَازين، فيقرأها ويتلوها خبَّازين، أي يقول عثمان بن أبي شيبة وإذا بطشتم بطشتم خبَّازين ثم يضحك ويُقهقه في مجالسه العلمية، هل آخذ حديث عن رسول الله عن هذا الرجل؟ تقول الآية الكريمة وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ۩ فقال وما علَّمتم من الخوارج مُكلِّبين، أي أنه لا يقول الْجَوَارِحِ ۩ وإنما يقول الخوارج، من أجل ذبح الخوارج، أي علِّموا الخوارج، قال الله جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ۩ فقال جعل السفينةَ في رحل أخيه، كيف يُقال السفينة في الرحل يا ابن أبي شيبة؟ كيف هذا يا شيخ البخاري غفر الله لك ولمَن أخذ عنك العلم؟ هل أنا أُصدِّق أن الحديث يصح من طريق أمثالك؟ ما هذا يا أخي؟ والمُصيبة أن هذا في كتبنا مكتوب، ويقولون لك لعله تاب وأناب، غفر الله له، وهو على ثقته – أي على موثوقيته لأن هذه أفصح – فيه دعابة، فكيف هذا؟ هل يحل لهؤلاء لأن البخاري ومسلم خرَّج عنهم أن يُلحِدوا في كلام الله ثم لا يحل لأمثالنا أن نعترض وأن نصرخ وأن نتصايح؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، قال الله فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ۩ فقال فضُرِبَ بينهم بسنور له ناب، والسنور هو القط – Cat – أو الهر، فهو يقول فضُرِبَ بينهم بسنور له ناب ثم يضحك ما شاء الله، وهذا إلحاد في كلام الله، فهل تتحدَّثون عن الزندقة؟ مثل هذه هى الزندقة، السُخرية من كلام رب العالمين وتلاوة كلام الله على هذا النحو نوع من إحلال العقدة، أين تعظيم كلام الله تبارك وتعالى؟ ومع ذلك يُقال لك هذا من شيخ البخاري قطع الله لسانك، وأنا أقول ليس قطع الله لساني وإنما قطع الله حماقتك، يبدو أنك أحمق ومغلوب على عقلك، ويبدو أنك لا تزال تدأب وتُواصِل المُراهَنة على مثل هذه الأفراس الخاسرة، فهذه أفراس خاسرة، لكن قد يقول لي أحدكم ماذا تُريد أن تقول يا عدنان؟ أُريد أن أقول مع احترامي لأئمتنا وعلمائنا ومشائخنا وكتبنا أن ليس كل ما فيها صحيحاً، هذه الكتب فيها الصحيح وفيها دون ذلك، البخاري أكثره صحيح ولكن فيه كمٌ ليس بصحيح وكذا مسلم، فهذا أقبله وهكذا أُحرِز ديني وعقلي وأُحرِز نبيي وسُمعة نبيي وصورة نبيي، ولكن إن راهنتم على الخُطة الحمقاء سوف تفشلون، وأنا أسميها الخُطة الحمقاء، أي أن يُصِر علماؤنا على أن كل ما في الصحيحين هو صحيح والموت دون ذلك، فنحن نقول لهم هذه خُطة حمقاء، سيأتيكم ألف مُتشكِّك وألف ذكي وألف مُلحِد وألف يهودي وألف نصراني ويقول لكم تفضلوا، هل هذا نبيكم؟ أنا الآن سأقول لكم ما هو نبيكم من كتبكم الصحيحة ولن يخرج معنا صورة لرجل كريم، ويُمكِن أن نفعل خُطبة بهذا المعنى ولكن حاشا أن أفعل هذا في حق مولاي وسيدي رسول الله، تُوجَد – والله العظيم – أحاديث في الصحيح فقط تصف الرسول صورة مُشوَّهة جداً جداً، اعرضها على أي إنسان وسوف يقول لك كفرت بهذا النبي، هذا لا أُؤمِن لأن هذا لا يُغريني ولا أحترمه ولا أُحِبه، لكن هذا في الصحاح، مثل ماذا؟ لكي تعرفوا اقرأوا الصحاح، لكن المُشكِلة أن الأمة لا تقرأ، اقرأوا وسوف ترون، فاقرأوا كتب العلم، وعلى كل حال هو يسخر ويقول بسنورٍ له، وكذلك الحال مع الآية التي تقول أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۩، هل تعرفون كيف كان يقرأها شيخ البخاري؟ يقول ألف لام ميم، ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، وقد قالوا لي أين شيوخك يا عدنان؟ وأنا ليس لي أي شيوخ ولكنني تعلَّمت وفتح الله علىَ وحكَّمت عقلي، وهذا شيخ البخاري الذي من المُؤكَّد أن عنده مئات الشيوخ لكنه – ما شاء الله – تعلَّم أن يقرأ ألف لام ميم، ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، فشيخ البخاري علَّامة كبير، نحن حمقى وهم أذكياء، نحن مطعونون وهم أسوياء، نحن مرضى وهم أصحاء، أي عقل يقبل هذا؟ قال الذهبي فيه دُعابة، فالرجل يُحِب المزح، وأبو الحسن الدارقطني – رحمة الله تعالى عليه – في كتابه التصحيف أورد من هذا أنموذجات أخرى لتحريف ابن أبي شيبة لكتاب الله،وعودوا إلى كتاب التصحيف لشيخ الإسلام وإمام المُحدِّثين أبي الحسن الدارقطني!
إسماعيل بن أبي أويس أحد مشائخ البخاري، وروى عنه ربما حديثين أو ثلاثة، أي ليس كثيراً، لأنني سمعت البعض يقول روى عنه المئات، وهذا كذب وكلام غير صحيح، هو روى عنه حديثين ربما أو ثلاثة على الأكثر، ولكن هذا الرجل رغم أنه من شيوخ البخاري ومشهور تحماه مسلم، فمسلم جرَّحه وقال لا أروي عن إسماعيل، وحُقَّ لمسلم أن يتحماه، لماذ؟ لأنه اعترف بلسانه – كما تقول العامة بعظمة لسانه – وقال ربما وضعت الحديث لأهل المدينة في الأمر يختلفون فيه، أي أنه يقول أنا أُؤلِّف الحديث وأقول قال فلان عن فلان عن رسول الله وهذا لم يحدث، فهو يعترف بالكذب على رسول الله ثم يروي عنه البخاري، وهيا نرى إمامنا ابن حجر – رحمة الله عليه – في مُقدِّمة فتح الباري كيف أجاب عنه، لأنه أجاب عن هؤلاء بنحو ما أجاب الذهبي أحياناً، قيل تاب وأناب، فعله ثم تركه، لكن أنتم قعَّدتم قواعد وهى صحيحة رجيحة تقول أن مَن ضُبِطَ مُتلبِساً بالكذب على رسول الله ولو مرة لا تُقبَل روايته أبد الدهر، أليس كذلك؟ مَن يُؤمّننا يا حبيبي؟ لكن ابن حجر والذهبي وغيرهما يقولان لعله فعله ثم تاب منه، الله أكبر، كيف تعترف أنه كذب على رسول الله وأنه كان يكذب ويختلق الأحاديث ثم تجعله بعد ذلك مِمَن تاب وأناب؟ وما حاجتي إلى أحاديثه؟ ما حاجتي بأحاديث هذا الكذَّاب؟ لكن المُشكِلة أن هؤلاء المشائخ – واليوم مشائخ الفضائيات – لا يتكلَّمون بأمثلة ويسألون ويتعجَّبون قائلين لماذا يُفتَن الناس بكلام عدنان؟ وهذه ليست فتنة يا أخي، فأنا لا أفتن الناس – حاشا لله – ولست بمفتون إن شاء الله، ولكن أنا أضع الناس على الورم وعلى الداء وعلى العصب الحساس الذي يُؤلِم وأضرب لهم أمثلة مُباشَرةً، هم يتكلَّمون بإسم القواعد والعموميات ويتحدَّثون عن الصحيحين والبخاري ومسلم ومبلغهما في التقوى والحفظ والعبقرية والاستحضار وما إلى ذلك، ويقولون مَن أنت؟ ومَن غيرك؟ وكيف هذا؟ وأجمعت الأمة وأطبق العلماء واتفق الأئمة، وهذا كله كلام، وعند التطبيق لا نرى هذا، أي لا نراه كما هو هكذا، وإنما نرى ما ينقض كثيراً منه أو بعضاً منه، وهذا هو الفرق، فأنا أتحدَث بحقائق ووقائع وأقول لكم عودوا إلى المصادر وكذِّبوني إن استطعتم، ربما أُخطيء في كل مائة أو مائتين أو ثلاثمائة مثال مرة، وهذا أمر طبيعي، والبخاري كان يُخطيء هذا الخطأ، والطبري والطبراني وابن تيمية وكل علمائنا حدث معهم هذا في عشرات المرات، وأنا إذا أخطأت مرة في عزو صحيح – أي قلت هو في الصحيح وهو ليس في الصحيح – بين كل ثلاثمائة وأربعمائة مرة فهذا مُمتاز، هذا يُحسَب لي وليس علىّ، لكنهم يقولون ممنوع أن تُخطيء في حين أن كلهم أخطأوا، وهذا أمر طبيعي، الذاكرة تخون أحياناً، بخلاف الذي يُدلِّس في أكثر كلامه ويكذب في أكثر منقوله، والعلماء مأمونون على ما نقلوا، مبحوثٌ معه فيما قالوا كما هى القاعدة، فالقاعدة تقول العلماء مأمونون على ما نقلوا، مبحوثٌ معه فيما قالوا، وعلى كل حال نعود إلى الدجّال اللعين.
بلغ من فتنته أنه يقول للأعرابي لو أحييت لك أباك وأمك هل تتبعني؟ فيقول نعم، فتأتي شياطين تتمثَّل للأعرابي بصورة أبيه وأمه فيتبعه، وهذه فتنة عظيمة ومن ثم سوف يتبعه طبعاً، واضح أنه رب لأنه يبعث الموتى، الله قال عن نفسه يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ۩، وهذا يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ، ومن أين لهذا الأعرابي الساذج الأمي أن يعرف أن هذه شياطين؟ قد يقول لي أحدكم ليس العتب هنا على العقل ولا على أي شيئ – أستغفر الله العظيم – لكن العتب على مَن ائتفك هذه الأفائك واحتقب إثم هذه الكبائر من الأكاذيب ناسباً إياها إلى رب العالمين وإلى رسوله الأمين، سوف يقول الناس يا رب ما حيلتنا؟ لم ابتليتنا بهذه البلية ولا طوق لنا بها؟ نحن لا نستطيع، هذا رجل معه جنة ونار ويُحيي ويُميت وتستجيب له السماوات والأراضون ويُخرِج كنوز الأرض وهو عظيم الخلقة وجسيم ويركب حماراً – كما عند ابن ماجه وغيره – وهذا الحمار بين أذنيه أربعون ذراعاً، فما هذا؟ حمار فائق Super، بين أذنيه أربعون ذراعاً أربعون ذراعاً، أي ثلاثون متراً، وهذه فقط المسافة بين أُذني الحمار، فكم يبلغ متن أو ظهر هذا الحمار؟ وبالتالي ما حجم هذا الدجّال؟ لما يجلس الدجّال على هذا الحمار الفائق – Super – كم سوف يُصبِح؟ هذا شيئ فظيع جداً، قالوا لك لكن النبي أبرأ ذمته وقال ما من نبي إلا حذَّر أمته الدجّال وأنا أيضاً أفعل، ولكن سأذكر لكم فيه علامة مائزة فارقة، إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وأنا أقول أستغفر الله العظيم، فهل لو أتى الدجّال بعينين مثلنا وليس أكثر منا آمنا أنه ربنا؟ هل ربنا لديه عينان في رأسه يا أخي؟ ما هذا يا أخي؟ هذه أحاديث، لكن هل النبي قال هذا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، لكن الله قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، فهل الله لديه عينان في رأسه؟ هل الله له وجه محمول في رأس على بدن وفيه عينان؟ هل النبي يقول هذا؟ قالوا لك قطع الله لسانك لأن هذا الحديث في الصحاح، كيف يكون هذا في الصحاح؟ عرفنا هذه الصحاح الآن وعرفنا أنها كالقرآن، من رواية ابن أبي أويس وابن أبي شيبة وأمثال هؤلاء – أحياناً وليس دائماً – ومن ثم صدَّقنا، فالبخاري ومسلم قرآن كريم مقطوع به، لكن حاشا لله، تقول الآية الكريمة مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، ائتنوني بكلمة تُصرِّح أو تُشير إلى الدجّال ولو من وراء وراء، أين هذا؟ هيا ائتوا بهذا من كتاب الله، هذه أعظم فتنة خلقها الله تبارك وتعالى، والله حذَّرنا من أولادنا – وأولادنا ليسوا دجاجلة – أن نحبهم مزيد حب فنقعد عن الجهاد أو عن الهجرة في زمان الهجرة إلى رسول الله أو عن مراضي الرب لا إله إلا هو، وحذَّرنا من أزواجنا وهن من أقرب الناس وأمسهم بنا وثاقة وصلة، قال الله مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۩، لكنه لم يُحذِّرنا من الدجّال وهو أعظم فتنة على الإطلاق، وفي صحيح مسلم ما خلق اللهُمُذ خلق آدم إلى يوم القيامة أمراً – وفي رواية خلقاً – أكبر من الدجّال، فهو أعظم فتنة والعياذ بالله، وعند الإمام أحمد ما خلق الله فتنة من آدم إلى قيام الساعة إلا وهى تصب في فتنة الدجّال، وطبعاً نحن سنخسر أكيد لو خرج الآن، فنحن أول الناس سنخسر – قطعاً سنخسر – فهل تعرفون لماذا؟ لأن الشاب العزب غير المُتزوِّج برَّحت به عزوبته عشر سنين أو عشرون سنة فلو أتيته بأجمل امرأة في البلد وليس في العالم وإنما في البلد وقالت له هيت لك فإنه بنسبة تسعة وتسعين في المائة – والله أعلم – سوف يفعل، هذه فتنة امرأة جميلة، لو رجل غلبان فقير مُضجع برَّح به الفقر والمسغبة والجوع وليس عنده دواء لابنته العليلة أو زوجته المريضة القعيدة ووجد أمامه مائة ألف يورو سوف يأخذها مُباشَرةً، وهذه ليست فتنة دجّال، وكل فتن الدنيا تصب في فتنته، فمَن الذي ينجو منه؟ ابن حجر – رحمة الله عليه – بكل بساطة قال الأرجح أن عدد الذين ينجون من الدجّال سبعة آلاف، وطبعاً اليوم نحن اقتربنا من سبعة ملايير، والله أعلم بما سيحدث في أيام الدجّال، فلو ظهر هذا اللعين غداً فإن عدد البشر وصل إلى سبعة ملايير، وهو لن يظهر طبعاً – إن شاء الله – فاطمئنوا، اطمئنوا ولا تفزعوا لأن هذا كلام فارغ، ولو ظهر بعد مائة سنة أو مائتين سنة فمن المُمكِن أن يكون قد وصل عدد البشر إلى تسعة أو عشرة أو خمسة عشر ملياراً، لكن ابن حجر قال الأرجح أن عدد الذين ينجون من الدجّال سبعة آلاف، يا سلام على رحمة رب العالمين وعلى العدال الإلهي، الآن سيأتي أي واحد من الجيل الذي ضلَّ وسيتقحَّم ورطات جهنم ويقول يا رب نُريد أن نعتذر عن أنفسنا، أنت لم تُعذِر من ذاتك المُقدَّسة، كيف يا عبادي؟ يقول يا رب ما ذنبنا؟ ابتليتنا بأعظم فتنة على الإطلاق هيَّأتها في مسيرة الدنيا، ونحن أجيال مُتأخِّرة على ضعفٍ من اليقين وبهوتٍ من الدين وضؤلة من العلم واشتجار الفتن واحتراب الأهواء في آخر الزمان ورميتنا نحن من بين الخلق أجمعين بهذه الفتنة، فهذا جيل واحد، ما ذنب هذا الجيل؟ لماذا يُبتلى هذا الجيل وحده – مثلاً – بفتنة الدجّال؟ لأن الدجّال لن يعيش ألف سنة لكن الدجّال سيبقى أربعين صباحاً أو أربعين سنة طبعاً، في الصحيح أربعون وفي أحاديث أخرى أيضاً قوية سوف يمكث أربعين سنة سنة أو أربعين صباحاً، الله أعلم لكنها هذه أكاذيب، وهذه التعارضات كثيرة جداً جداً في أحاديث الدجّال، وكلها أحاديث مُتعارِضة يُكذِّب بعضها بعضاً، وسوف نتلو عليكم الآن بعض هذه التعارضات والتناقضات والمُناكَدات بين هذه الأحاديث، فإذن ما ذنبهم أن يُبتلوا هم وحدهم بهذه الفتنة؟ لماذا يا رب كلَّفتنا بما لا نُطيق وأنت تعلم أننا لا نُطيق هذا؟ لماذا أضللت سبعة ملايير ونجا فقط سبعة آلاف؟ هذا ما يقوله أمير المُؤمِنين الحافظ العظيم ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، قال الأرجح أن عدد الذين ينجون من الدجّال سبعة آلاف، فأين الهداية؟ أين العدل؟ أين الرحمة؟ أين الحكمة في هذ؟ كيف والقرآن لم يذكره مرة؟ والله ولا مرة، لكنهم قالوا هذا غير صحيح، أنت تجهل لأن القرآن أشار إليه، كيف أشار؟أنا لا أُصدِّق الكلام هذا، هذا كلام فارغ، قالوا لك قال الإمام الكلبي لكن مَن الكلبي؟ وقال مُقاتِل ومَن مُقاتِل؟ مُقاتِل بن سليمان المُجسِّم، هذا أحد المُجسِّمة المشاهير ومُفسِّر قرآن مشهور، ومع ذلك يستشهدون بمُقاتِل، قولوا لنا أن مُقاتِلاً هذا كان رأساً في التجسيم، كان يعبد ربه على أنه جسم – والعياذ بالله – وبدن له أطراف، وطبعاً يقبل حديث إن ربكم ليس بأعور، فهو يُعجِبه جداً هذا الحديث، الله له وجهٌ في رأسه وله عينان في وجهه، أستغفر الله العظيم، نعوذ بالله من زلات اللسان وزلقات الجنان، لكنهم يقولون قال الكلبي وقال مُقاتِل كما أخرجه البغوي وغيره، قال الله في غافر – سورة غافر تُسمى سورة المُؤمِن – لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ۩ فقيل أكبر من خلق الدجّال، لكن أين دليلك؟ هل لك على هذا التفسير الساقط الفارغ آثار من علم؟ الله يقول النَّاسِ ۩، فهل أصبحت كلمة الناس معناها الدجّال؟ في أي وعي هذا؟ هل محمد – عليه السلام – فسَّر هذه الآية هكذا؟ قالوا لك لماذا يُفسِّر وهو عنده عشرات الأحاديث؟ الأحاديث التي نسبتموها إليه وكذبتموها عليه وبرَّأه الله مما قلتم – حسبنا الله ونعم الوكيل – فشنتم رسولكم!
الإمام أبو الأعلى المودودي – رحمة الله تعالى عليه – أحد كبار علماء وفقهاء ودُعاة المسلمين في القرن المُنصرِم، والمودودي هو علَّامة الهند المعروف، عنده مجموعة الرسائل والمسائل طُبِعَ منها جزءٌ يسير بإسم فتاوى المودودي، قال أنا استقريت أحاديث الدجّال وبان لي أن الرسول إنما قال هذه الأحاديث عن رأيٍ منه واجتهاد، وهو لم يُنكِرها لأن المسكين لم يستطع هذا، وفي كتابه الإسلام في مواجهة التحديات المُعاصِرة جعلها من الحكايا والأساطير، وقال الإسلام لا يتحمَّل وزرها، صحَّت أم لم تصح هذا كلام فارغ، فقالوا له كيف تقول هذا وهذه أحاديث صحيحة مُتواتِرة؟ لكنه كان يخاف، والمسلمون هناك في الهند ليسوا أقل تعصباً وانغلاقاً من مسلمي العرب الذين يقولون أتطعن في البخاري ومسلم يا زنديق؟ وعلى كل حال المودوي زُندِقَ طبعاً وهو أبو الضلالات عند كثير من مُسلمي المُتنطِّعة في الهنود والعرب أيضاً من الذين يُحذِّرون منه، وقالوا طوام المودودي، احذروا من المودودي فهو له طوام وبلايا، أي نفس الاتجاه – الاتجاه ذاته ونفسه – طبعاً، فالمودودي قال أنا استقريت الأحاديث وبدى لي أن الرسول إنما قال هذه الأحاديث عن رأيٍ منه واجتهاد، لكن هل في العقائد والأخبار رأي واجتهاد؟ هذه عقيدة، إما أن الله أوحى إليه أو لم يوح،فالرسول ليس حزاءً وليس كاهناً وليس مُنجِّماً وليس عرَّافاً، وأنا أقول لكم اقرأوا الأحاديث لقد جعلوه – والله – كاهناً!
لدينا حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم، حديث الجساسة الذي يرويه الإمام – إمام الكوفة – عامر بن شراحيل الشعبي عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس والي الكوفة وترويه عن رسول الله طويل ومعروف لكم جميعاً، في آخر حديث الجساسة ماذا يقول النبي؟ في ثلثه الأخير يقول عن مخرج الدجّال من بحر الشام، لا من بحر اليمن، لا، ليس الشام، لا، ليس اليمن، بل هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، فما هذا؟ هل هذا نبيٌ أم كاهنُ ومُنجِّم وعرَّاف؟ هل الوحي هكذا؟ الوحي يعلم علم يقين، ولكن النبي لم يكن يعرف، وإمام المسلمين المودودي قال هذه الأحاديث كلها النبي لا يعرف مخرجها بالضبط، مرة من أصفهان ومرة من خراسان ومرة من خلة – إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فيا عباد الله اثبتوا، فعاث يميناً وعاث شمالاً، فيا عباد الله اثبتوا – ومرة من جهة كذا ومرة من جهة كذا، فهذا أمر غير معروف، والنبي لا يعرف من أين سيخرج الدجّال، النبي لا يعرف هل الدجال الأعور هذا – لعنة الله عليه – عينه اليُمنى هى المعيبة أم اليُسرى، في البخاري ومسلم عينه اليُمنى، في مسلم عينه اليُسرى، وهذا أمر عجيب، أي أن في مسلم الرأيان، رأيان أم حديثان؟ حديثان يا أخي صحيحان، حديث في مسلم يقول العين المعيبة هى اليُمنى، وحديث في مسلم يقول العين المعيبة اليُسرى، وبعد ذلك ما نوع وكيفية هذا العيب؟ قال هذه العين مسحاء – مسيحة أو ممسوحة – لا جحراء – مجورة مُجوَّرة – ولا ناتئة جحظاء وإنما ممسوحة، مطموسة – مطموسة النور – كالعنبة طافية، وطافية معناها جحظاء وطالعة، لكنه قال طافئة بمعنى مطفوئة ليس فيها نور، فلا نعرف هل هى طافية أو طافئة ولا نعرف هل هى جحراء أم جحظاء ناتئة، لم نعرف هذا، وكله يُنسَب إلى النبي وفي الصحاح، فكلها أحاديث صحيحة، وهذا حتى في صفته، في صحيح مسلم بعد ذلك قيل هو شابٌ قطط -شعره قطط – وشُبِّهَ، وعند ابن ماجه وغيره شيخٌ كبير، فلم نعد نعرف هل هو شيخٌ أم شابٌ، يُوجَد الرأيان – أستغفر الله – أو الحديثان كما يقولون!
بعد ذلك ما قصة تميم الداري والجساسة؟ وما قصة ابن صياد؟ الأحاديث الصحيحة والصحابة الأجلاء يقولون الدجّال هو ابن صائد أو ابن صياد، وهو غلام يهودي الأرجح أنه وُلِدَ بعد أن هاجر النبي إلى المدينة، وهذا أمر عجيب، أي أنه كان طفلاً صغيراً، إذا أتاه النبي في السنة السابعة فربما عمره سبع سنوات على الأكثر، وإذا أتاه في السنة الثامنة فربما عمره ثمان سنوات، وعلى كل حال هو غلام يهودي وُلِدَ في المدينة، والنبي كان يظن أنه هو الدجّال، فكيف يُقال يظن؟ هل مسائل الغيب فيها ظن؟ هل هذا نبي أم كاهن؟ أعيروني عقلكم، ما هذا الكذب على رسول الله؟ قالوا أنه كان يتلصَّص عليه، فالنبي أخذ جماعة من الصحابة ومعه عمر وبدأ يتلصَّص عليه بين النخل – في طائفة النخل – وكان ابن صائد نائماً في قطيفة يغط – له غطيط – فأمه نبَّهته، فقال ما لها قاتلها الله لو تركته لبيَّن، أي كان سوف يظهر بنسبة مائة في المائة، يا سلام، وهل النبي يحتاج إلى هذه الألاعيب والتلصصات؟ هل لا يُوجَد وحي يقول له هذا الدجّال وينتهى كل شيئ؟ لكن النبي لم يكن النبي يعرف هذا، وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود كانوا يُقسِمون الأقسام المُغلَّظة المُوثَّقة أن ابن صياد هو الدجّال، لكن انتبهوا إلى أن هذا لم يحدث في الواقع ولكن يُنسَب إليهم، لا عمر أقسم – لأن هكذا ظني بالصحابة كما أعرف – ولا جابر ولا ابن مسعود، لكنهم نسبوا إلى ابن مسعود أنه قال لأن أٌقسِم تسعةً وتسعين – أي قسماً أو يميناً – أو تسع وتسعين – أي مرةً – أن ابن صائد هو الدجّال أحب إلي من أن لا أُقسِم، فهو قال أنا أُقسِم على هذا تسع وتسعين مرة أنه الدجّال، علماً بأن بحسب الأحاديث الأخرى وهى في صحيح مسلم أيضاً أن هذا هو مُعتقَد ابن عمر، لماذا؟ لأنه اتفق مع ابن صائد ما يحمله ويحملنا لو صدَّقنا هذه المسنودات المرويات أنه هو الدجّال، لماذا؟ لأنه في صحيح مسلم – ورواه أبو داود وغيره أيضاً – أن ابن عمر ضربه مرةً وفي رواية ثانية لم يضربه وإنما سبُّه وفي رواية ثالثة قال له قولاً أغضبه، فلم نعرف هل ضربه أم سبَّه أم أغضبه، كلها روايات وكلها في الصحيح،
ففي الروايات التي في الصحيح قالوا ضربه وقالوا سبَّه وقالوا قال له قولاً أغضبه، أي واحدة من هذه الثلاث اليسيرة، فغضب ابن صائد فانتفخ – كاوتش أو بالونة – حتى ملأ الشارع – أي السكة – وصار الدجّال العظيم المنفوخ، وهذا يعني أن من الواضح بنسبة مائة في المائة أن هذا هو الدجّال، لكن الرسول قال لابد من أن تُفتَح القسطنطينية، وذلك في حديث معاذ بن جبل، قال النبي عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجّال، وخروج الدجّال طبعاً خروج المهدي وعيسى، فهذه سلسلة الكذب، وقد فُتِحَت القسطنطينية واستُبِيحَت المدينة قبل القسطنطينية ولم نر لا دجال ولا مهدي ولا عيسى، الله أكبر يا أخي، الله أكبر، الله أكبر.
هذه الأحاديث كلها تعكس بيئتها البسيطة الساذجة، فيتحدَّثون عن الحرب بالقسي – بالأقواس – وبالنشاب وعلى الخيول، وهذا انتهى ولم يعد اليوم موجوداً، نحن عندنا فانتوم Phantom وعندنا الشبح وما إلى ذلك، وهذا الكلام انتهى ولم يعد موجوداً، لكنهم قالوا لك من المُمكِّن أن يُدمَّر كل هذا بعون الله تعالى ونعود نتقاتل، فلابد أن نُدمِّر الحضارة ونُدمِّر لكي نُصدِّق هذه الأحاديث، لكن القسطنطينية كيف سنفتحها مرة أخرى؟ ماذا نفعل؟ قالوا لك هذه أحاديث صحيحة قطع الله لسانك، لكن لا والله، قطع الله الحماقة، ما عدنا نُصدِّق هذا، الحمد لله لدينا كتاب الله والمُتواتِر من السُنة العملية، علماً بأن لدينا الكثير من السُنن التي نقبلها على الرأس ونعمة مليون عين – والله العظيم – ولا كلام لنا فيها، فهى سُنن تأمر بمكارم الأخلاق وتُرغِّب وتُرهِّب بطريقة صحيحة معقولة، ولكن هذه الأخبار والأساطير والميثولوجيا – Mythology – النبوية ما عدنا نقبلها، هذه هى الفرس الخاسر، فالرهان عليه رهان على فرس خاسر، أنا أقول لكم وستذكرون قولي هذا أن هذه باب لتكفير شبابنا وأبنائنا، ولكن – إن شاء الله – نحن سنعمل ضد هذا الاتجاه من الآن، فنحن شرعنا وسنُتابِع ولن نقف ولن يقفنا أحد إلا أن يقفنا بالدليل، هيا ناظرونا وائتونا بالدليل، أروني – ما شاء الله – الدليل، لكنهم قالوا عدنان إبراهيم يُحكِّم عقله، وليس عيباً – والله – أن اُحكِّم عقلي، لكن أنا لا أُحكِّم عقلي وإنما أنا أُحاكِم الأحاديث إلى كتاب الله، وبعد ذلك أُحاكِم إلى الأحاديث إلى أنفسها، فإذا كذَّب حديث حديثاً لابد أن يتدخَّل هنا العقل، هذا حديث صحيح يُكذِّب حديثاً صحيحاً بشكل صارخ وصادح وفاقع، فماذا أفعل؟ إما أن أُرجِّح أن أحدهما صادق ولكنني أحتاج إلى معيار أيضاً وتبرير وتسويغ لكي أعرف لماذا هو صادق والثاني كاذب، وإما أن الاثنين كلاهما كاذبان أو مكذوبان، قال تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ۩، الله يقول فقط كلامي وقرآني هو الذي لا يتخالف ولا يتناقض ولا يتشاكس، ولذا القرآن يُصدِّق بعضه بعضاً باستمرار، أما السُنة فيُكذِّب بعضها بعضاً باستمرار، لماذا؟ لأن ليست كلها – لا أقول السُنة وإنما ليست كل السُنة – من عند رسول الله، يُوجَد منها قدر لا بأس به مكذوب على رسول الله، فلا تقل لي هو يُحكِّم عقله وهو فيلسوف، لست فيلسوفاً ولا فلفسوفاً، وإنما الأحاديث يُكذِّب بعضها بعضاً وتُكذِّب القرآن، وسأعطيكم مثالاً علماً بأن المُستحيل أن أُرتِّب أفكاري في هذا الموضوع طبعاً، وهذا يحتاج إلى مُحاضَرة مُطوَّلة تمتد إلى ست أو سبع ساعات للحديث عن الدجّال، ولكن لدينا فقط ساعة في الخُطبة، فماذا نفعل؟ الله المُستعان.
قال الله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ۩، وهذا جميل، في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضيَ الله تعالى عنهما – قال عليه الصلاة وأفضل السلام يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۩ ثلاث آيات، لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ۩، فبلغة رسول الله سُدَّ أو اُغلِقَ باب باب التوبة، فهو تحدَّث عن طلوع الشمس من مغربها والدجّال والدابة، وهنا قد يقول لي أحدهم هل هذا أيضاً لا يُعجِبك؟ ما الاعتراض الذي عندك هنا؟ عندي اعتراض كبير، ولكن ليس أنا الذي عندي اعتراض وإنما رسول الله والأحاديث الصحيحة المُتواتِرة التي في الصحيحين، هل تعرفون لماذا؟ لأن هذا الكلام يعني إذا ظهر الدجّال لم يعد الإيمان ينفع صاحبه، فلا يُمكِن لك أن تُؤمِن لأن أُغلِقَ باب التوبة، يبقى المُؤمِن مُؤمِناً والكافر كافراً، وهنا سوف يقول أحدكم لكن يا مولانا الأحاديث المُتواتِرة والأحاديث التي في الصحيحين تقول بالعكس، فهى تقول الدجّال سوف يظهر وبعد ذلك يأتي عيسى ويقتله، وعيسى سوف يجعل كل الناس مُؤمِنين، وكل علمائنا قالوا بهذا، إذن الإيمان سوف ينفع والإيمان هنا مطلوب، لكن هناك الإيمان لن ينفع، فحلوا لي هذه الأحجية، هل الإيمان سوف ينفع صاحبه أم لن ينفع؟ لا أحد يعرف – والله – فانتبهوا، والآن طبعاً لا يعرف أحد فيكم الجواب، ومن هنا سوف تقولون هذا – والله – مظبوط، فالأحاديث الصحيحة تقول الإيمان سوف ينفع حتى تكون الملل كلها ملةً واحدة، يُهلِك الله الملل كلها إلا ملة الإسلام، فالذي سوف يتبع عيسى ويُسلِم أهلاً وسهلاً به، لكن الباقي الذي يُصِرعلى كفره سوف يُباد كله، فكله سوف يُباد بنفس عيسى وأيضاً بسيف عيسى، فرسول المحبة والسلام سوف يحمل سيفاً، والدجّال إذا ظهر لن ينفع الإيمان، لكن هل الدجّال قبل أم بعد عيسى؟ قبل عيسى، ومَن الذي يقتله؟ عيسى عليه السلام، فهل سوف ينفع الإيمان؟ قالوا سوف ينفع لأن كل الناس لابد أن يصيروا مُوحِّدين مسلمين، إذن الإيمان سوف ينفع، وهذا يعني أن النبي لم يقل الأحاديث الثلاثة أو لم يقل اثنين أو لم يقل أي شيئ من هذا طبعاً، فنحن لا نعرف الصحيح في هذا، وهذا يُنسَب إلى النبي وهذا يُنسَب إلى النبي وهذا يُنسَب إلى النبي وكله في الصحاح، ويُقال قطع الله لسانك، أرأيتم كيف يكون التناقض؟
في حديث مُخرَّج في الصحيح قال عليه الصلاة وأفضل السلام كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبيٌ خلفه نبيٌ، وأنا خاتم النبيين – لا يُوجَد أنبياء الآن – وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء كثر، في الأمة هذه لا يُوجَد أنبياء يسوسون، لكن ما معنى يسوسون؟ يحكمون، يُريد الحكام، وهنا قد يقول لي أحدكم كيف هذا؟ هذا الحديث ضد الأحاديث المُتواتِرة عن أن عيسى سينزل وسينزل نبياً، فما معنى نبياً؟ أنه رجل نبي، والنبي لا يُمكِن أن يكون غير نبي وإن كان لن يأتي بشريعة جديدة، وعلى طريقتهم هذا كذب، لماذا؟ لأن في شريعة رسول الله محمد – صلى الله على محمد وآل محمد وأصحابه – لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩، في شريعة القرآن لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩، وتُوجَد مئات الآيات التي تُقرِّر هذا المعنى، لكن هنا يُكرَه الناس على الإيمان، إما أن تُؤمِن وأن تُقتَل، يُهلِك الله الملل كلها، ولكن عيسى يأتي ويضع الجزية، فتقريباً باتفاق الشرَّاح أو جمهرة الشرَّاح لدينا – كل شرَّاح البخاري ومسلم – أنه يضع الجزية، وفي رواية أخرى يضع الحرب، فهو لا يقبل الجزية، إما الإسلام وإما السيف كما قال ابن حجر، إما أن تُسلِم وإما تُقتَل، فهل هذا نسخ لشرع محمد أم ليس نسخاً؟هذا نسخ لشرع محمد، فكذبتم علينا للمرة المائة، تقولون عيسى لا يُبعَث بشرعٍ جديد وإنما يُبعَث ويحكم بشرع محمد وهذا كذب، عيسى – عليه السلام – ينسخ شرع محمد هنا، فهيا حلوا لنا هذه الورطة أيضاً، هذه ورطة جديدة، وأيضاً يُقال يُهلِك الله الملل كلها إلا ملة الإسلام، حتى تكون الدعوة واحدة عند الإمام أحمد، وهى لا إله إلا الله، لكن هذا تكذيب لكتاب الله أيضاً من حيثية أخرى، فالقرآن يقول إلى يوم القيامة سيبقى اليهود يهوداً، سوف يبقى اليهود يعني وسوف تبقى ملة إسمها اليهودية، فسوف تقوم القيامة واليهود موجودون، قال تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۩، بنص آية الأعراف اليهود باقون إلى يوم القيامة أم غير باقين؟ باقون، لكنأحاديث الدجّال والمسيح بن مريم تقول يُهلِك الله الملل كلها إلا ملة الإسلام، فهل نُصدِّق القرآن أم نُصدِّق الأحاديث؟
تفضلوا إذن، ولذلك كل مَن يسمع خُطبتي هذه – والله أعلم – مِمَن يبتغي الحق سوف يقول واحسرتاه على عقولنا ووأسفاه على كتابنا، لقد عطَّلناه وجعلناه كالشريعة المنسوخة، فقد جعلناه وراءنا ظهرياً وتلوناه وما تأمَّلناه، أمَّ به الإمام ولم نجعله في الأمام، لكن لا يكفي أن يَؤم به الإمام، لابد أن يُجعَل الكتاب في القُدَّام والأمام، لكن أين هذا؟ يقولون لك هذا ليس شرطاً، لأن الإمام مكحولاً والإمام أبا نضرة – يُسنِده إلى أبي سعيد – والإمام الأوزاعي والإمام الدارمي والإمام فلان وعلان قالوا السُنة قاضية على الكتاب، والكتاب لا يقضي على السُنة، أستغفر الله العظيم، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ ۩، هكذا ألَّفوا هذه المنهجية العجيبة المُتناقِضة التي تحفظ علينا تناقضنا والحمد لله رب العالمين، فنبقى مُتناقِضين مُتشاكِسين لا نفقه شيئاً!
بعد ذلك انتبهوا إلى ما في نفس سياق حديث عيسى وحديث الدجّال ويأجوج ومأجوج وهذه القصة الطويلة وهذه الحكاية الأسطورية، قالوا حين ينزل عيسى: فلا يحل لكافرٍ يجد نفَسه إلا مات، ونفَسه يبلغ حيث يبلغُ طرفه، أي مرمى البصر، فحين يتنفَّس يموت كل كافر، وهذا يعني أن الحرب مع الدجّال محسومة أمغير محسومة؟ محسومة، وبماذا محسومة؟ بنفَس، فقط يتنفَّس عيسى، لكنهم قالوا يُطارِده من مكان إلى مكان حتى يُدرِكه بباب لود – بباب لود في فلسطين – فيرميه بحربته، فلو تركه لانماع – لذاب كما يذوب الملح – ولكن الله يقتله بيده ويُريهم دمه على حربته، فما فائدة الحربة؟ ولماذا الانمياع؟ فقط يكفي النفَس!
هل المعركة مع يأجوج ومأجوج محسومة أم غير مسحومة؟ محسومة، فهى تُحسَم بنفَس عيسى، فقط يطلع عيسى على جبل أو على شرف ويتنفَّس، وسوف يُهلِك مئات الألوف بل الملايين في لحظة واحدة، لكن في الحديث الصحيح ذاته الله يُوحي إلى عيسى ويقول له يا عيسى إني سأبعث عباداً لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، أي خُذ عبادي المُؤمِنين المُختارين معك واذهب إلى الطور، ويأتي يأجوج ومأجوج، وأول ما يأتون على بحيرة طبرية تشفط أول زُمرة منهم الماء فلا يبقى وتأتي الزُمرة الثانية تلحس الطين – طين بحيرة طبرية فيه القليل من الماء – وتأتي الثالثة تقول كان هنا مرةً ماء، وهذه قصة حلوة وسيناريو عجيب، فيلم أسطوري غريب، لكن هذه هى قصة يأجوج ومأجوج، فعيسى لا يستطيع أن يُهلِكهم ويُرسِل الله عليهم النغف، دويبات صغيرة تفرسهم في رقابهم، فيُصبِحون فرسى أو قتلى، ثم يُرسِل الله طيوراً – كالطير الأبابيبل – تأخذهم بمناقيرها ترميهم في البحر، ثم يُرسِل الله مطراً – قيل من تحت العرش، وهو ماء كماء الرجال في رواية، وهذا شيئ غريب فمعذرةً على كل حال – فيُطهِّر الأرض ويُنبِتها، حتى أن الرمانة الواحدة تُشبِع السكن، والسكن هم أهل البيت، فتُشبِع أهل البيت، وهذا موجود في الأحاديث الصحيحة، لكن هل تعرفون أين يُوجَد بنصه وفصه مثلما ذكرته أخيراً؟ موجود من رواية كعب الأحبار لأن هذا من إسرائيلياته، وهناك كعب الأحبار – إذاعة الإسرائيليات – يُحدِّث وقد رواه عنه شيخ البخاري نُعيم بن الحماد في كتاب الفتن ورواه عنه أبو جعفر بن جرير – رحمة الله عليه – في تفسيره – وبعد ذلك استحال بقدرة قادر إلى نص نبوي وقيل النبي قاله من حديث أبي هريرة وحديث النواس بن سمعان واستقر في الصحاح، أي الإسرائيليات استقرت في الصحاح، قالوا لك عند ابن ماجه زيادة، هذه الزيادة صحَّحها العلَّامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قالوا فيبقى المسلمون يُوقِدون من قسي ونشاب يأجوج ومأجوج سبع سنين، لكن هل تعرفون أن هذه العبارة التي أوردها ابن ماجه منسوبة إلى رسول الله وصحَّحها العلَّامة الألباني – رحمة الله على الجميع وغفر الله للجميع ولنا معهم جميعاً وجمعاوات – موجودة في سفر حزقيال كما هى؟ في حزقيال يأجوج ومأجوج هؤلاء المُختارون يُوقِدون من نشابهم ومن أقواسهم سبع سنين، لكنهم قالوا لكهذا حديث نبوي، ويأتيني واحد على باب الله – كما يُقال – مسكين ويُنكِر حديثي، فالمُشكِلة حين يأتيك هؤلاء المساكين ويقولون يا رجل أنت كذا وكذا وأنت لست منطقياً ولا تفهم، فنحن لا نفهم ونحن دراويش وأغبياء لا نفهم ولا نقرأ وليس عندنا منهجية علمية لكن أنتم تفهمون فعلِّمونا، يُقال أنت لا تفهم يا رجل لأن هذا حتى لو كان في كتاب اليهود وكتاب النصارى وقاله الرسول فهذا من باب المُصادَقة، هذا يُصدِّق هذا مثل ما في القرآن وفي التوراة والإنجيل، فالقرآن أتى بأشياء كثيرة وموجودة في التوراة والإنجيل من باب المُصادَقة، لكن هذا غير صحيح، العب غيرها لكن ليس علينا، نحن عقولنا لا تقبل هذا الكلام الفارغ، هل تعرف لماذا؟ لأن القرآن مُوحىً به إلى رسول الله لفظاً وصياغة، فلفظه وصياغته مُوحاة للرسول، والرسول عُلِّمَ من معناه ما شاء الله له أن يُعلَّم، فالمُهِم أن الصياغة مُوحى به لفظياً كما هو بنصه وفصه، أما الأحاديث أُوحيت للرسول بالمعنى، والصياغة من عند النبي، فيا حبيبي يا صاحب المنهجية ويا صاحب القراءات المُقارَنة عندما أجد الأحاديث المنسوبة للرسول بنصها وفصها كما في كتاب الأولين وإسرائيلياتهم أعلم أنها مما دُسَّ على النبي، فالعب غيرها لأن هذه اللعبة لن تنفع، الأمور لا تكون هكذا يا أخي، لابد للعقل أن يتحرَّك، لا تكن طيعاً أمام الخُرافات والأساطير والأفكار غير المعقولة وغير المقبولة، وعلى كل حال في نفس الأحاديث وفي نفس السياقات أن الله سوف يُسعِد المُؤمِنين المُختارين وهم قلة، وبحسب ابن حجر هم سبعة آلاف فقط، فالله يُسعِدهم بعهدٍ سعيد جداً مع عيسى، حيث يمكث عيسى أربعين سنة وفي رواية سبع سنين، ولا ندري هل سوف يمكث أربعين أو سبعة، والفارق يبدو بسيطاً، فالفارق ليس كبيراً وليس أضعافاً مُضاعَفة، سوف يمكث – والله أعلم – من سبعة إلى أربعين، ولكنه سوف يمكث – كما قلت لكم – والأرض يُبارَك في ثمرها وفي زرعها – ما شاء الله – ويُبارَك في دواب الناس وما إلى ذلك، ويضع الله الأمنة وترقد طبعاً الذؤبان مع الحملان والبقر مع النمور والأسود والفهود – ما شاء الله – والأطفال يلعبون بالأفاعي والحيات والثعابين، وهنا قد يقول لي هذا شهود يهوه ونراه في برج مراقبة، وهذا موجود فعلاً في كتب أهل الكتاب، يُقال الأطفال يلعبون بالأفاعي والحيات والثعابين ويُلقي الله الأمنة وما إلى ذلك، فهذا كله في كتب أهل الكتاب وينتقل إلينا عن طرق فلان وعلان على أنه أحاديث من رسول الله المُصطفى، لا علينا من هذا، فنعود ونقول أن هذا إسمه العهد الألفي السعيد الملينيوم Millennium، فهل تعرفون الملينيوم Millennium؟ قد يقول لي أحدكم هذا يبيعون فيه الأشياء، فهذا الملينيوم Millennium إسمه العهد الألفي السعيد، وهذا عهد النصارى، فالعهد الألفي السعيد وصل للمسلمين عن طريق رسول الله والله أعلم، سوف نعيش فيه أربعين سنة لكن عند النصارى ألف سنة، عيسى سوف يبقى في الأرض ألف سنة، لكن نحن خالفناهم طبعاً – عندنا استقلال – وقلنا سوف يمكث سبع سنين أو أربعين سنة، ولكنه سوف يكون عهداً آمناً سعيداً، ثم يُرسِل الله ريحاً من قبل الشام وفي راوية ثانية من قبل اليمن – وكلاهما في الصحيح في مسلم، مرة من الشام ومرة من اليمن، والله أعلم من هنا أو من هنا – فتضرب المُؤمِنين تحت آباطهم، وفي رواية تأخذ بأنفاسهم، ولا تدع مُؤمِناً إلا أخذت بنفسه – أي بروحه – فيموت المُؤمِنون ويبقى شرار الناس على وجه الأرض يتهارجون كما تتهارج الحُمر وعليهم تقوم الساعة، فالساعة تقوم على مَن لا يقول الله، لكن هؤلاء لا يعرفون الله، وهنا قد يقول لي أحدهم وما المُشكِلة هنا؟ المُشكِلة أن عندي أحاديث صحيحة أتت في الصحيحين – في البخاري ومسلم – تُفيد بأن النبي قال لا يزال نفرُ من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة، أي أن القيامة سوف تقوم على مُؤمِنين صالحين، وفي أحاديث أخرى في الصحاح حتى قيام الساعة – إلى الساعة، حتى تأتيهم الساعة – مُؤمِنون صالحون مُجاهِدون، لكن ذاك يقول سوف يموت كل المُؤمِنين ويبقى فقط الأشرار الكفار، فناقضت الأحاديث الصحاح الملاح، أخرجونا من هذه الورطة.
انتبهوا هذه هى المُشكِلة، لكن ليست هى فحسب، لدينا حديث آخر وهو حديث المُستورِد القرشي في صحيح مسلم – حديث عمرو بن العاص – حيث قال المُستورِد أن النبي – عليه السلام – قال تقوم الساعةُ والرومُ أكثر الناس، فقال له عمرو بن العاص انظر ماذا تُحدِّث يا مُستورِد، قال له أنا لا أُحدِّث إلا بما سمعت من رسول الله، فقال إن كان كذلك فإن فيهم لخصالٍ أربعاً أو قال خمساً، وقال إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مُصيبة – أي نكبة – وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرُ الناس ليتيم ومسكين وضعيف وخامسة حسنة جميلة – أي أن فيهم خصلة خامسة حسنة جميلة – وأمنعهم من ظلم الملوك، فهل هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات شرار الخلق أم خيار الخلق؟ خيار الخلق، هؤلاء طيبون جداً جداً جداً، والنبي قال : تقوم الساعة عليهم، وهم أكثر الناس، ماذا قال الحافظ العلَّامة العماد بن كثير رحمة الله تعالى عليه؟ قال هذا الحديث يُفيد بظاهره أن الروم يُسلِمون، أي تقوم الساعة عليهم وهم مسلمون، لكن يا ابن كثير انتبه ولا تنس وأنت صاحب كتاب النهاية في الفتن والملاحم أنك حدَّثت قبل صحائف أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، فلا يبقى مسلم، يا ابن كثير أنت هنا مثل كل علمائنا تناقضت، علماً بأن هذه التناقضات كثيرة جداً في كتبنا والكل يقع فيها ولا يشعر بأي تناقض في عقلي، وهذا أمر طبيعي، هل تعرفون لماذا؟لأننا كيَّفنا عقولنا على هذا، هذه عقول روائية، أي عقول للرواية وحدَّثنا وأخبرنا، فكيَّفناها مع المُتناقِضات لكي نحفظ للرواية قدسيتها وجلالها، فلا يُمَس جانب الرواية ولكن يُمَس العقل ويُمَس القرآن ويُمَس كل شيئ، فيُمَس حتى جناب النبي ويُقال أن النبي كان غضوباً جداً وكان يسب ويلعن ويشتم ويظلم، وهذه أحاديث صحيحة فماذا نفعل؟ بل ويتكلَّم بكلمات بذيئة ويأمر بالبذاء ويقول لك أعضوه بهن أبيه، أي قل له هذه العبارة الوسخة القذرة، فهل النبي يأمر بهذا؟ هذا في الصحيح، فماذا نفعل؟ هذه صورة النبي لكي نُحافِظ على الرواية، والعقل الروائي شقيٌ جداً بروايته – والله العظيم – ومُتشاكِس ومُتناقِض ولا يستطيع إلا هذا، فماذا يفعل؟ لابد أن يقبل العقل هذه المُتناقِضات لأننا تكيَّفنا معها، قال ابن كثير هذا معناه بظاهر الحديث أن الروم يُسلِمون، لكن هذا يتناقض مع أحاديث أخرى يا ابن كثير، وليس هذا فحسب بل أن ابن كثير قبل صحائف ذكر وأكَّد أن الحرب بين الروم وبين المسلمين تبقى حتى نهاية الأمر ولا تضع الحرب أوزارها، فدائماً هناك مُشكِلة تبعث على الحرب بين المسلمين وبين الروم، وهنا نسيَ وقال سوف يصيرون مسلمين، ثم أنهم لو أسلموا هل سوف يقول النبي عنهم الروم أم سوف يقول المسلمون؟ كان يُفترَض أن يقول تقوم الساعة والمسلمون أكثر لأنهم أسلموا، والنبي لا يتحدَّث هذه اللغة العنصرية العرقية الفاشية، هذا مُستحيل لأن كان ينبغي أن يقول المسلمون، فكيف سمَّاهم الروم Roman؟ لكنك قد تقول لي كيف تناقض الحافظ؟ تناقض لأنه يقبل بكل المرويات وإن تناقضت، تناقضت المرويات فتناقضت عقولنا، ومن ثم لا تسليم للمرويات، فهذا كثيرٌ جداً جداً جداً جداً جداً في مثل هذه الأمور، ماذا نفعل؟!
نعود إلى ابن صياد،النبي والصحابة يظنون أن ابن صياد هو الدجال، وأبو سعيد الخدري يرى هذا وحفصة بنت عمر – رضيَ الله تعالى عنهما – ترى ذلك وقالت لعبد الله لما انتفخ هذا الدجّال – ما شاء الله – كالبلونة وملأ السكة يا عبد الله أو يا أبا عبد الرحمن غفر الله لك أو رحمك الله ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن النبي قال إنما يخرج من غضبةٍ يغضبها؟ أي لماذا أغضبته؟ هنا العلماء الكبار مثل الطحاوي وأبي بكر البيهقي وابن حجر وأخيراً المودودوي قالوا يُوجَد شيئ مُحيِّر جداً جداً جداً، هل فعلاً ابن صياد هو الدجّال أم أن الدجّال مربوط في جزيرة في حديث الجساسة ورآه تميم الداري؟ علماً بأن حديث الجساسة أخرجه مسلم ولم يُخرِّجه البخاري، ولو بقيت أُحدِّثكم عن تناقضات حديث الجساسة سوف أحتاج ربما إلى عشر دقائق، فهذا الحديث ركام من المُتناقِضات، أولاً مَن الذي حدَّث بالحديث؟ رجل قسيس نصراني من أهل الشام إسمه تميم الداري، جاء في السنة التاسعة وأسلم – أعلن إسلامه – وحدَّث النبي بحديث الجساسة، والنبي فرح وسُرَّ به كثيراً لأنه وافق الذي كان النبي يُحدِّث به أصحابه من خبر الدجّال، أي أيَّده وصادق عليه، وفي أول الحديث أن الشعبي هو الذي طلب من فاطمة بنت قيس أن تُحدِّثه عند مسلم، فعند مسلم أن فاطمة استئنت وقالت له اجلس حتى أُحدِّثك حديثاً، أي حدث تناقض، فهل هو حدَّث أم العكس، لا نعرف وهذا أولاً، ثانياً في صحيح مسلم أن فاطمة بنت قيس ذكرت أن زوجها المغيرة – وهذا من خير شباب قريش – ذهب إلى الجهاد وأُصيب فتأيمت، أي مات عن زوجها، وفي صحيح مسلم أن زوجها طلَّقها، فهل طلَّقها أم مات؟ لا نعرف لكن هذا كله في الصحيح، فمن أول الحديث تُوجَد تناقضات.
قيل حدَّث تميمٌ النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أنه ركب سفينة فتاهت به في عُرض البحر، وقيل ركب جماعة من قومه – بنو عم له – السفينة وانكسرت بهم، وقيل ركب هو في جماعة من قومه من لخم وجذام وانكسرت بهم وتلاعبت بهم الريح، وقيل ركب قوم من أهل فلسطين وحدث كذا وكذا لكن هذا عند غير مسلم، فهناكأربع أو خمس روايات عن مَن الذي ركب، وهل السفينة تاهت أو كُسِرَت؟ روايتان في مسلم، مرة تاهت ومرة كُسِرَت، وبعد ذلك قيل تاهت وأرفأت، ومعنى أرفأت أنها حطت على على جزيرة في البحر، وقيل رأى هؤلاء – أي إما تميم وإما بنو عمه لأنهم مُختلَف فيهم – هذه الدابة الأهلب الجساسة، فالجساسة دابة أهلب كثير الشعر، ثم قيل امرأة تجر شعرها، وفي رواية رجل له شعرٌ كثير، فلا ندري هل هى امرأة أم دابة أم رجل، الله أعلم بهذا، وهذه الجساسة تتجسَّس كعين للدجّال، فدخلوا على الدجّال وهو رجل جسيم عظيم – والعياذ بالله – مُوثَّق مغلول بالحديد والأصفاد، والعجيب أن الدجّال الملعون سألهم مجموعة أسئلة يضيق الوقت للأسف عن ذكرها ولكن من بينها سألهم عن نبي الأميين أخرج أم لم يخرج، فأخبروه أنه خرج، وهل اتبعه العرب أم لم يتبعوه، فذكروا له ما حدث، فقال لهم أما أنه خيرٌ لهم لو اتبعوه، وهذا أمر عجيب، هل المسيح الدجّال يأمر بالخي؟ هل المسيح الدجّال يدل على رسول الله دلالة الصدق والحق؟ قال أما أنه خيرٌ لهم لو اتبعوه، ثم قال وأنه يُوشِك أن يُؤذَن لي في الخروج، لكن مَن الذي يأذن له؟ قوة أكبر منه هى التي تفعل هذا، أي رب العالمين، فإذن هو يعترف بأنه ليس رباً، وهذه تناقضات فارغة وعجيبة وغريبة، لكن أين هذا المكان؟ النبي قال من بحر الشام، لا، من بحر اليمن، لا، من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، أي غير معروف أين مكانه، والآن طبعاً – ما شاء الله – الأقمار الصناعية Satellites لم تترك ولا جزيرة ولا بُقعة إلا صوَّرتها، فهم يعرفون كل شيئ وتُوجَد مُخابَرات أمريكية وبريطانية وفرنسية وكل شيئ معروف، فأين هذا الدجّال؟ لكنهم قالوا هو يتعامل معهم لأنه من جماعتهم، فالله أعلم، ويُوجَد حديث عن مُثلَّث برمودا Bermuda وعيسى وداود وكتب وأموال وقصة كبيرة لكي نعيش في هذه الأساطير، ومرة قالوا هو ابن صياد، والصحابة يحلفون أعظم الأيمان أنه ابن صياد، والإمام الطحاوي قال ما هذه القصة؟؟ فالطحاوي عنده كتاب عظيم من ستة عشر جزء يبحث فيه في الأحاديث المُختلِفة، أي في مُختلِف الحديث ومُشكِل الحديث، فماذا فعل الطحاوي؟ قال أبو جعفر الطحاوي عمر وابن مسعود وجابر وحفصة وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري والصحابة جميعاً وخاصة الأنصار كانوا يعلمون أنه ابن صائد أو ابن صياد لأنهم غاب عنهم حديث فاطمة بنت قيس، أي غاب عنهم قصة الرسول وتميم الداري، وهذا أمر عجيب، لكن في قصة تميم الداري تقول فاطمة أنا كنت جالسة في بيت كذا فسمعتُ منادي الرسول الصلاةَ جامعةً – بنصب الاثنين، ومعنى قوله الصلاة جامعة أي تعالوا يا مسلمين حيث يُوجَد أمر مُهِم – فجاء المسلمون، وقالت كنت في أُخريات النساء لأنها امرأة، لكن هذا الحديث تفرَّدت بروايته عن رسول الله هذه الصحابية الكريمة – فاطمة بنت قيس – فقط، وليس لها في كل كتب الأحاديث سوى حديثيين، هذا الحديث وحديث أن زوجها طلَّقها أو – كما قلنا – مات عنها وتأيمت فلم يجعل لها النبي نفقةً ولا سكنى، وهو الحديث الذي ردَّته عائشة ورده عمر وقال حسبنا كتاب الله، لا نترك كتاب ربنا – وفي رواية وسُنة نبينا – لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت، فهى ليس لها إلا هذين الحديثين فقط، وهذا الحديث قصة عجيبة جداً وسيناريو مُذهِل حيث تتوافر كل الدواعي على نقله، فكيف لم تنقله إلا امرأة واحدة فقط؟ لماذا لم يروه غيرها من الصحابة؟ ابن حجر قال دونك دونك، رواه جابر وروته عائشة ورواه أبو هريرة، فعُدنا إلى الأسانيد ووجدنا أن كلها لا أصل لها، فالحديث بلا شواهد، وعلى كل حال للاختصار يُمكِن أن تعودوا إلى دراسة للدكتور الفاضل حاتم المطيري، وهو عالم كويتي وأستاذ جامعي فاضل له دراسة مُمتازة في زُهاء خمسين صفحة عن تناقضات حديث الجساسة، وانتهى بهذه الدراسة إلى أن الحديث واهنٍ جديد وضعيف ومُتناقِض، ومشاكله أصعب من أن تُعالَج وخاصة الإسنادية، وهناك أيضاً مشاكل المتن، ولذلك العلَّامة الشيخ محمد صالح بن العثيمين – رحمة الله عليه – في المملكة قال هذا الحديث مُنكَر المتن، أي أنه غمزه وهو في صحيح مسلم وقال متنه فيه نكارة لكن لم يتكلَّم في الإسناد، ومحمد رشيد رضا علَّله بست علل تقريباً على ما أذكر لأنني قرأت هذا قبل سنين، وعلى كل حال يُوجَد علماء أيضاً غير هؤلاء، فهذه تناقضات كثيرةٌ جداً!
نختم فقط بنوع من التركيز والتكثيف حتى نقف بكم وبمَن بلغ ونقول لماذا نرى هذا النبأ العجيب – نبأ الدجّال – يتعارض مع كتاب الله تبارك وتعالى؟ قلنا لكم أولا ًكتاب الله صريحٌ قاطعٌ واضحٌ صادح في أن الشيطان نفسه – إبليس – ليس له سُلطان على الناس، فكيف يُجعَل لمَن هو دون إبليس ولمن يأتمر بأمر إبليس أصلاً ولمَن هو واحد من جند إبليس ويُسمى المسيح الدجّال أو الأعور الدجّال أو ابن الخطيئة وإلى آخره من السُلطان ما ليس لإبليس نفسه؟ هذا تناقض، ثانياً ابتلاء الناس بهذه البلية وبفتنة من هذا الحجم يتعارض مع حكمة الله فضلاً عن تعارضه مع عدل الله تبارك وتعالى، وقد قلنا لكم لماذا، ثالثاً – وهذا مُهِم جداً – قال الله تبارك وتعالى وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ – أي نُرسِل النبيين الآن بعد عيسى – بِالْآيَاتِ – هل تعرفون ما المُراد بالآيات؟ الخوارق والعجائب، مثل آيات موسى وآيات عيسى كإبراء الأكمه وإحياء الموتى وآية العصا وشق البحر وإلى آخره، فهذه هى الآيات المقصودة وليس الآيات التشريعية – إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً – آيةً مُبصِرة واضحة، فالناقة آية من عجيب آيات الله، لكن هل كفروا أم أسلموا؟ كفروا – فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ – هذه القاعدة الإلهية – إِلَّا تَخْوِيفًا ۩، ما معنى وَمَا نُرْسِلُ ۩؟ ما نُرسِل المُنذِرين وما نُرسِل النبيين بالآيات إلا تخويفاً للناس لئلا يُكذِّبوا برسالات المُرسَلين، فانظروا إلى رحمة الله، الله يبعث النبي برسالة ويبعث معه آيات وعجائب وخوارق حتى يخاف الناس ويُؤمِنوا، ولذا أنا أقول لكم والله الذي لا إله إلا هو قضية الدجّال على العكس من هذا القانون الإلهي تماماً، الله ما أرسل محمداً بهذه الآيات أو بمثل هذه الآيات العجيبة وارتأى لا إله إلا هو – وحاشاه وكلا وعز وجل في عليائه – أن يُرسِل بها في آخر الزمان عند ضعف اليقين وبهوت الدين مسيح الضلالة وليس تخويفاً وإنما إضلالاً لكي يحمل الناس على الكفر، أي حتى يكفر كل الناس تقريباً إلا سبعة آلاف كما قال ابن حجر، فهل هذا معقول؟ هذا تكذيب لكتاب الله تماماً، الله يقول أنا أُرسِل الآيات لكي يخاف الناس ويُؤمِنوا ولا أُرسِل بالآيات لكي يكفر الناس وأُرغِمهم على الكفر، حاشا لله، فما هذا؟ أين عقلنا؟ أين كتابنا؟ وليس هذا فحسب بل يقولون لك أن النبي قال والدجّال يأتي ومعه ملكان على صورة نبيين، من المُمكِن أن يكونا موسى وعيسى،ومحمد قصته سهلة هل تعرفون لماذا؟ لأن من المُمكِن أن يُقال عن محمد أنه أخبر بهذا وأنه يُؤيِّد هذا الدجّال ولا مُشكِلة في هذا والأمور واضحة وهذا عجيب، لكن قال تبارك وتعالى مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ ۩، هل حكمة الله ولطف الله وهداية الله لخلقه تقتضي أن يُرسِل الملائكة مع الدجّال اللعين وعلى صور الأنبياء لكي يكفر الناس؟ والآن إنزال الملائكة مع الدجّال على صورة نبيين لكي تتأيَّد دعوته الملعونة في الربوبية تضليل وباطل أم حق؟ هذا باطل، فالملائكة نزلت بالباطل مُتلبِّسة بالباطل، أن يُؤيَّد الدجّال بملائكة باطل، والله يقول مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۩، لكن هم قالوا هى تنزل بالباطل أيضاً لأن الحديث يقول هذا، وما زال هناك ما هو أكثر من هذا، لكن ماذا أقول لكم؟ الموضوع طويل وطويل جداً، تناقضات مع كتاب الله مُبتدأً ومُنتهىً، وللأسف وأدركنا الوقت وتجاوزناه لكن أُذكِّركم أخيراً بما قلته مرة في خُطبة ظهر المهدي وفر المهدي، علماً بأن بعض الإخوة الشيعة غضبوا مني في حين أنني لم أعن مهديهم، هم أحرار في أن يُؤمِنوا به أو أن يكفروا به، فهم أحرار ولا نُلزِمهم بشيئ، وأنا لم أتحدَّث عن مهديهم الذي لا أُؤمِن به طبعاً، وإنما أتحدَّث عن المهادي الكذَّابين، كل يوم في في صعيد مصر وفي المملكة وفي الخليج وفي فلسطين وفي السودان يظهر لنا مهدي جديد ويُقال ظهر المهدي ويتضح أنه لم يظهر، وفي المغرب من حوالي شهر قيل ظهر المهدي، فيُقال ظهر المهدي ثم يتضح أنه ليس كذلك فيُقال في السجن، وهذا معنى كلامي حين قلت “ظهر المهدي، فر المهدي”، فأنا لم أقل عن مهدي الشيعة فر المهدي وبعد ذلك ظهر، وإنما قلت “ظهر المهدي، فر المهدي”، والآن يُوجَد رجل إسمه محمد ناصر اليماني في اليمن قيل عنه أنه المهدي، وهذا شيئ عجيب، وعنده – ما شاء الله – لغة عربية وعنده تعبير وعنده فقه وفهم من أتعس ما يكون، وهذا شيئ مُضحِك جداً، وعلى كل حال أنا قلت في خُطبة المهدي –
بارك الله فيكم أجمعين وهداني وإياكم إلى صراطه المُستقيم – أن أركان الإيمان وأصول الإيمان يحتاجها كل مُؤمِن ومُؤمِنة الآن وهنا، وهى مُبرَّرة والحاجة إليها تُبرِّر الإلزام بها، ولا يجوز أن يخلو منها مُؤمِن ولا أن تغيب عنه، ولذلك هى الأركان،وبفضل الله الأمة بسُنتها وشيعتها وزيديتها وإباضيتها ومُعتزِلتها وإلى آخره مُتطابِقة مُتسالِمة على تقرير هذه الأصول، ولكن للأسف بلاؤهم من أن بعضهم يأبى إلا أن يزيد عليها ويزيد فيها حتى يُخرِج ممَن لا يُطابِق هواه من دائرة الإيمان، فحسبنا كتاب الله، وأركان الإيمان في كتاب الله وكلها مُبرَّرة، أما أن أُؤمِن بأن عيسى سيعود والمهدي سيظهر والدجّال سينزل ويُقتَل أو لا يُقتَل فكل هذا لا علاقة له بأصول الإيمان ولا أحتاجه، هل تعرفون لماذا؟ لأن أنا يُمكِن أن أموت الآن ولا حاجة لي بهذه القضايا كلها أصلاً، فما حاجتي أن أُلزَم إيمانياً بأن أُؤمِن أن في آخر الزمان سوف يحدث كذا وكذا وهذا ليس في زماني؟ والآن مرَّ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وما ظهر الدجّال كما قال المودودي، وفُتِحَت القسطنطينية وما ظهر الدجّال، فما حاجتي أن اُؤمِن برجل سوف يظهر في آخر الزمان – ليس في جيلي – ويكون من شأنه كذا وكذا؟ هذا لا يحتاجه الإيمان، أي كحاجة للإيمان وكتبرير للإيمان، لكن رسالة الإيمان أن أُؤمِن بربي وأن أستقيم في سلوكي أو مسالكي وأن أترك الدنيا – كما قلت لكم – بعد أن أُولي وأُدبِر عنها أكثر طيباً وجمالاً ورحمة مما وفدت عليها، فهذا هو الإيمان وهذا تأسيسه للحياة وهذه رسالته، وأما الأخبار والأشياء التي سوفتحصل بعد ألف أو ألفين سنة ما علاقتي بها وهى ليست من صلب الإيمان؟ على كل حال أنا أقول لمَن شاء أن يُؤمِن به لك أن تُصدِّق به ولكن لا تجعله أصلاً من أصول الإيمان، بمعنى أن من خلا منه وعنه ولم يعلم به أو أنكره إياك أن تُكفِّره، كما كفَّروني قبل أسبوع لأنني أنكرت عودة عيسى، وطبعاً لم يُعالِجوا أدلتي ولم يقبلوا المُناظَرة فيها ثم كفَّروا، أي أنهم عالجوها بالتكفير، قال أحدهم كافر طبعاً، وأرسلها إرسال المُسلَمات دون أن يطرف له جفن، لكن كيف يُقال كافر؟ هل هى من أصول الدين ولذا قيل كافر؟ هل عندك آية من كتاب الله تدل على هذا؟ لا يُوجَد لأنها تُكذِّب كتاب الله، فرجوع عيسى مُكذِّب لكتاب الله في مواضع كثيرة واليوم أوقفناكم على الجديد منها، فهل هذه تُكفِّرون بها؟ هذا شيئ غريب وعجيب.
نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُلهِمنا الحق وأن يُرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(الخُطبة الثانية)
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم اهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مُستقيم، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً وفقهاً ورشداً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات، اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلِح ذات بيننا وألِّف بين قلوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (27/4/2012)

الإيمان الحي…ومفهوم الشكر

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الحق – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ ۩ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ۩ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۩ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
لا شك – أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات – أن هذه الآيات تتوسَّل أسلوباً عالياً وراقياً للفت نظر الإنسان إلى ظواهر النعمة وإلى مجالي الفضل الإلهي العميم، تحفيزاً له على الشكر، وإنضاجاً لروحانيته، وتكميلاً لشخصيته، ولذلك ذيَّل الحق – سُبحانه وتعالى – هذا السياق الكريم الأجل بقوله وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩، وفي هذا التذييل ما يستلفت النظر، لأنه – سُبحانه وتعالى – لم يُعبِّر عن المُقابِل للشكور أو الشاكر بالكفور، ومنطقي أن ما يُقابِل الشكور هو الكفور، إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ۩، لكفّار! لكنه قال لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩.

تُرى عساه يظلم مَن؟ أيظلم الله تبارك وتعالى؟ هل يجوز لأحد أن يُعبِّر بنحو هذا التعبير: إنصاف الله سُبحانه وتعالى، أن نُنصِف الله من أنفسنا؟ لا يجوز، هذا التعبير غير جائز قرآنياً، وإن طرقه بعض أهل الفكر والذكر، علينا أن نُنصِف! لا، الله لا ينتصف لنفسه ولا يطلب من أحد ولا ينبغي لأحد أن يدّعي أنه ينتصف له، وهو القائل وَمَا ظَلَمُونَا ۩، قال وَمَا ظَلَمُونَا ۩، الله لا يُظلَم، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، وإنما هذا الظلم أبداً عائدٌ وحائرٌ على الإنسان.

كيف يظلم الإنسان نفسه بجحده وكفرانه نعم الله وأفضاله – سُبحانه وتعالى – عليه؟ كيف؟ واضح جداً! يبدو أن هذه الآيات تحتاج إلى تأملات طويلة، وبين مُزدوَجين (من أسف – وهو أسفٌ شديدٌ بالغٌ – نحن اعتدنا على استبقاء الطريقة التي نتعاطى بها مع الأطفال، طريقة التلقين والتعليم، طريقة المعنى الجاهز الذي لا يحتاج إلا إلى مُجرَّد الإعطاء والتوصيل، هذا غير صحيح! هذا لائق إلى حد بعيد بالأطفال، وليس بكل معنى لائق، لكن إلى حد بعيد! لكن الذين اجتازوا مرحلة التلقن والتعلم والمفروض أنهم صاروا ناضجين وكباراً وراشدين ينبغي أن يتواصلوا بطريقة تبادلية وتآثرية وتحاورية تقوم على التأمل والتعمق والاستشفاف والاستبصار والتساؤل والاندهاش والطرح الدائم للأسئلة، بدل زعم امتلاك الجواب النهائي والوحيد والجاهز، للأسف الشديد هذا أفقرنا، هذا يُفقِر المِؤمِن روحياً، يُفقِره شخصياً، وجدانياً، مشاعرياً، وعقلياً، ويُفقِره مسلكياً أو مسالكياً إن جازت النسبة، هذا ما يحدث).

ومن هنا ما أشرنا إليه غير مرة – خاصة في الخُطب الأخيرة – من الاضمحلال والفقر والضحالة المحسوسة في تجاربنا الإيمانية، المفروض أن الإيمان تجربة حية، بمعنى أنني حين أخوض هذه التجربة مع أول سن التكليف بشكل تنشوئي تزيدي تكاملي المفروض أنني بعد سنة أفضل بكثير وأعمق، بعد عشر سنوات أختلف إلى حد بعيد إيجابياً، بعد عشرين أو ثلاثين سنة أن أُصبِح عالماً من الفكر والتأملات والاستبصارات والفلسفة الخاصة الشخصية، نُسختي الخاصة بي من الإيمان! هناك النُسخة الخاصة بي من الإيمان، ليست نُسخة الشيخ المحلي أو ابن تيمية أو البخاري أو الكُليني، لا! نُسختي أنا، إيماني أنا، فهمي أنا، وكما قلت قُبيل ليال أنا أحتاج فقط أن أفتح رُبع أُذن أو نصف أُذن لكي أستمع إلى هؤلاء الذين تكلَّموا عن تجاربهم الشخصية، والباقي سيكون حديثاً مع ذاتي، مع نفسي!

للأسف يبدو أننا نستوحش من أنفسنا أكثر مما نظن، نحن في وحشة حقيقية مع أنفسنا، كيف؟ هذه الحالة المعروفة بحالة الاغتراب، والمُعبَّر عنها باللُغة القرآنية بنسيان النفس، نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩، قال نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ ۩، مع أنهم قد يظهرون للناس أنهم مُغرِقون في الأنانية، صحيح هم مُغرِقون إلى حد مُسِف ومُخجِل ومُخزٍ في الأنانية لكن لا تلك الأنانية التي تدور على كيانهم الحقيقي، صدِّقوني! تدور على ماذا؟ على خدمة أشياء مُتخارِجة عنهم تماماً، خدمة سياراتهم، فيللهم، حيثياتهم الاجتماعية، ورقم الحساب! ما هذا؟ هذا ليس حقيقتي، وخدمة حذائهم – أجلكم الله -، كذلكم الزعيم الذي يحمل قضية والذي يلبس أو ينتعل حذءاً أو نعلين بستين ألف يورو، شيئ عجيب! لماذا يفعل هذا؟ طبعاً التعليل المطروق والجاهز أيضاً لأنه مُبذِّر ومُسرِف ومُجرِم وآكل أموال الشعب، هذا تعليل بسيط جداً! لأنه فارغ، لأنه نسيَ الله فأنساه نفسه، هذا الرجل لم يجد نفسه، لعلها يجدها في حذاء، لن يجدها طبعاً! لن تجد نفسك في حذائين أو في نعلين، لن تجد نفسك في هذا، كما لم تجد نفسك في الظهور الإعلامي أمام الناس والجماهير إن كنت زعيماً روحياً أو سياسياً أو عسكرياً أو فكرياً، لا! ليس هذا، كما قال الشيخ العارف بالله الدريني:

فإِنكَ واجدٌ أرضاً بأرضٍ                                   ونفسكَ لم تجد نفساً سواها.

على النفس أن تجد نفسها، على النفس أن تُحاوِر نفسها، وعلى النفس أن تأنس بنفسها!

في اللحظات التي نظن أننا نكون فيها مُتوحِّدين مع أنفسنا ومُنفرِدين ومُنعزِلين ونكون وحدنا – نظن – في الحقيقة لا نكون وحدنا، بالعكس!

حاول أن تختبر هذه الحالة في عُزلة بسيطة لساعة أو لساعتين، تجد نفسك في هذه العُزلة مهموماً ومُكثِّف التفكير ومُركِّزه، على ماذا؟ على إعداد البرنامج اللاحق الآتي للقاء مع فلان أو مع صديقي أو مع الشيخ أو مع أهل المسجد أو مع أهل الشغل أو مع المدير أو مع أصدقاء العائلة، إذن أنت لست مع نفسك أيضاً، لا تزال مع الآخرين، جالس لكي تُعِد برامج وخُططاً، كيف تتكلَّم؟ كيف تعمل؟ كيف تطلب؟ طيف تُعطي؟ كيف تتعذر؟ كيف تتملق؟ كيف تتنصل؟ كيف تنقص؟ كيف تتظاهر؟ كيف تتزخرف؟ كيف تتطاوس – إن جاز التعبير – على الناس؟ شيئ عجيب! أين نفسك؟ لماذا لا تجلس مع نفسك؟

لا نجد هذا الشيئ، ومن هنا طبعاً لسنا فنانيين، لسنا روائيين جيدين، يُقال في علم التنمية البشرية إن كلاً منا له حكاية يُمكِن لو كُتِبت بطريقة سليمة أن تُحقِّق أعلى المبيعات، أنا لست أُؤمِن بهذا، أود أن أُؤمِن بهذا، أود! وأود وأُحِب أن أُؤمِن بفرادة كل واحد منا، والمفروض أن كلاً منا عالم فريد بحياله، كون قائم بنفسه، نُسخة فذة لا نظير لها، المفروض هكذا! لكن يبدو أن أكثر الناس مُتشابِهون تماماً، لماذا؟ لأن الفرادة أين تنبثق؟ وما الذي يُترجِمها؟ تنبثق الفرادة من قطع مراحل على الطريق، الطريق الطويلة التي لا تنتهي، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، لا تنتهي ولن تنتهي! فكلما قطعنا تفاوتت المسافات المقطوعة ونجمت الفرادة، وعبَّرت عن نفسها من خلال الخبرة والمعيش والمذوق والممرور به، المقطوع! لكن حين نُراوِح في مكاننا نظل المُراوِحين، نظل أولئكم الذين يزعمون السباحة في شبر من الماء، كلام فارغ! لا سباحة في شبر من الماء، نظل شخصيات مُجهَضة، تلك الزهور التي لم تتفق ثماراً، لم تنضج، سقطت، ماتت هكذا! مثل بذور كثيرة، مثل دقائق كثيرة قابلة للحياة وإنتاج الحياة وتثمير الحياة، لكنها تستحيل مواتاً، لم تنضج! ومن هنا نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩، علينا أن نأنس بأنفسنا، ولا يأنس بنفسه مَن لم يُجرِّب ولا يُحاوِل ولا يُريد الأُنس بالله تبارك وتعالى.

العجيب – وهذه أعظم الحسرات، هذه حسرة الحسرات – أن الله تبارك وتعالى – وهذا من فيض كرمه، هذا بعض معنى كرمه وجوده، لا إله إلا هو، الفيّاض المُطلَق الكُلي – لا يمنع أحداً ولا يُغلِق عليه باب الوصول وباب التعرف وباب الاقتراب إن أراد.

قرأت قبل أيام كلمة عجيبة جداً للفيلسوف والشاعر والعالم والروائي والمُفكِّر الكبير الألماني جوته Goethe، صاحب فاوست Faust وآلام فرتر Die Leiden des jungen Werthers، جوته Goethe يقول فكرة مبدئية تُشكِّل محوراً لأشياء كثيرة، عليكم أن تعوها جيداً وأن تتشبَّثوا بها تماماً، ما إن يُقرِّر الإنسان أن يُكرِّس نفسه لغاية أو لهدف حتى يبدأ الفيض الإلهي يُسعِده، تُخلَق ظروف وظواهر وتنبثق فُرص لا تخطر على بال بشر، كلها تصيح به أنا موجودة لك، أنا مُعَدة لك، لأُساعِدك على بلوغ ما تُريد.

هذا الرجل يبدو يتحدَّث عن تجربة عاشها، تجربة معيشة! أعتقد أنه لم يقرأ قوله – تبارك وتعالى – كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ۩، آيات كثيرة أن مَن يُريد حرث الدنيا سيُؤتى من حرث الدنيا، سيُزاد له في حرثه، لكن ليس له في الآخرة نصيب، لم يُفكِّر في الآخرة! ومَن يُريد حرث الآخرة سيُعطى حرث الآخرة، مَن يُريد المعرفة والاقتراب من الله – تبارك وتعالى – ومَن يُريد فهماً أعمق وأكثر حياةً وأكثر حيويةً وأكثر جمالاً وأكثر إحساساً وأكثر حقيقةً لله – تبارك وتعالى – سيُعطى، سيُعطى! وستتفتَّح أمامه آلاف الأبواب وآلاف السُبل، وسيكون فريداً، وسيتحدَّث عن تجربة لم يمر بها العارفون الكبار، مروا بغيرها وربما بأعمق منها، لكن لم يمروا بها ذاتها، لم يمروا! ولله طرائق – كما يقول العارفون وصدقوا – بعدد أنفاس الخلائق، لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق! هذا من فيض الكرم الإلهي، فحسرة الحسرات أن الفُرصة موجودة ومُتاحة للجميع لكننا لا نفعل.

قال حكيم يوماً اعتاد الناس أن يُسافِروا بعيداً بعيداً لكي يتمتعوا بشاهق الجبال، وأن يُسافِروا قصياً لكي ينعموا بمنظر الأمواج العالية في المُحيطات والبحار الصاخبة، وأن يتأمَّلوا طويلاً في الحركة الدوّارة للنجوم، ولكنهم ينسون أبداً ودائماً أن يُفكِّروا في أنفسهم! لماذا لا تعود إلى نفسك؟ الله يقول وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۩؟ أول شيئ وأقصر طريق إلى الله هي طريق معرفة النفس، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، سترى الله أدنى ما يكون في نفسك ومن نفسك، لديك أنت! وطبعاً ستراه في كل ما خلق، لا إله إلا هو!

في ظل هذه المُقدِّمة البسيطة والسريعة أُحِب أن أُعالِج مفهوم الشكر، لكن بطريقة – كما قلت – تبادلية تآثرية تحاورية تأملية، ليست بطريقة تقريرية تستدعي النصوص، قال الله، قال الرسول، قال الشيخ فلان، وقال العارف فلان، كلام كثير! لا يفيد كثيراً هذا، هذا أقرب لتعليم الأطفال، نحن علينا أن نتحدَّث عن زوايانا الخاصة الآن، أليس كذلك؟ والقرآن يسمح بهذا بشكل مُؤبَّد دائماً، لو نظر فيه كل البشر كل لحظة نظرة إلى أن تفنى حيواتهم لوجدوا فيه وفي كل لحظة جديداً، فهو الذي لا تفنى عجائبه، لأنه كلام الرب يا جماعة، كل شيئ من الله لا حد له، كُلي! كُلي القدرة والعطاء، كُلي الجود والكرم، القرآن يسمح بهذا، القرآن حين قابل الشكور بالظلوم الكفّار أشار إلى هذا المعنى، أنك حين لا تشكر فأنت لا تضير ولا تضر الله – تبارك وتعالى – شيئاً، أنت تضر نفسك، أنت تفقد فُرصة أن تنضج روحياً ونفسياً ووجدانياً وعقلياً، ومن ثم مسلكياً، أنت تبقى حصرماً، تبقى حصرماً! غير ناضح ومُر.

ومن هنا بعض حتى أهل الدين، بعض علماء الدين، وبعض المشايخ تجد فيهم مرارة عجيبة جداً، لماذا أنت مُر؟ يجب أن تكون حلواً، المُؤمِن حلو لطيف رقيق أنيس وأليف، يُحِب الناس مرآه، يُحِبون كلامه، يُحِبون لقياه، يُحِبون مُحادَثته ومُجاذَبة أهداب الحديث معه، لطيف! يعكس كثيراً من الصفات الإلهية، يرحم ضعفهم، يرحم هشاشتهم، يرحم مشروطياتهم، لا يحملهم على أحواله العالية، يعلم أنهم ربما يكونون أضعف من ذلك وربما يكونون خيراً منه، يفترض كل هذا! طبعاً هذا لم يأت من تحفظ نصوص وآيات وأحاديث، أتى من تجربة معيشة في عشرات السنين، تطور الشخصية!

سؤال بالأمس طرحته على أحد الإخوة، وطرحناه ربما في هذا المنبر مرةً: لِمَ اقتضت حكمة الله – تبارك وتعالى – أن يُعطي النبوة مُعظَم الأنبياء إن لم يكن تقريباً كلهم – لأن الاستثناءات غير ثابتة إلى الآن بشكل نهائي، ربما عيسى هو الأكثر وضوحاً، أما يحيى فغير واضح على كل حال – على رأس الأربعين؟ عموماً على رأس الأربعين كانوا يُعطون النبوة، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۩، بلوغ الأشد! حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۩، هو هذا في الأرجح، بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين، لماذا؟ هل تعرفون لماذا؟ هذا يُؤكِّد ما نقوله أيها الإخوة من فترة ليست ربما بالطويلة، ليس النص الإلهي – حتى النص الإلهي لا يفعل هذا، الله لم يشأ له أن يفعل هذا – وحده هو الذي يقوم بقطع المراحل، هو الذي يقوم بارتياد الآفاق، أنت مَن يفعل هذا! النص يرسم أُفقاً، وعليك أنت أن ترتاد هذا الأُفق، يدل على عالم شديد التعقيد والجمال والحُسن والبهاء والجلال، مُكتنِز بالمعنى، بالدلالات، وبالإيحاءات! ولكن أنت عليك أن ترتاد هذا العالم، أن تمخر عُباب هذا العالم، لكن لماذا سن الأربعين؟

سن الأربعين أعتقد أنها السن المُناسِبة تماماً لكلٍ منا لو كانت الظروف عادية، الآن ظروفنا – خاصة في العالم العربي والإسلامي – ليست عادية، ليست طبيعية، ليست بشرية، وليست إنسانية! أن تتأخَّر سن زواج الإنسان – السن مُؤنَّثة – إلى الثلاثين والخمس والثلاثين والأربعين هذا وضع غير إنساني، هذا وضع كارثي، وضع فعلاً يُحطِّم الإنسان ويُفرِغه ويُضيِّع عليه فُرصة أن يتكامل كبشر، كإنسان! انتهى هذا، هذا عاش أشبه بآلة مُحطَّمة لا فائدة منها وسيموت هكذا، لماذا؟ لأن الله يقول اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۩، فترة الطفولة لعب، هذه فترة اللعب، وهي فترة بديعة وجميلة، فترة مُراهَقة البلوغ – في علم النفس المُراهَقة العادية في بداياتها – لهو، هذه فترة لهو وبعض الحماقات، فترة الشباب – الشباب بعد الخامسة والعشرين – فترة التزين، آخر موضة وآخر لبس وآخر كذا! وأيضاً يُداخِلها ويُتخامِها الإنجاز بلا شك، بعد ذلك التفاخر المُنجَزات الحاصلة، أحرزت كذا وعملت كذا، هذه المُنجَزات سيُعاد تثميرها واستثمارها وتكثيرها لتسمح بالتكاثر بعد ذلك، أنا الآن لست مُجرَّد أكاديمي أو جامعي، أنا لدي الآن ثلاث شهادات دكتوراة، ليس كذلك فحسب، وقطعت عشر سنوات أو ثنتي عشرة سنة أستاذاً في الجامعة، وترقيت من أستاذ مُساعِد إلى أستاذ، تكاثر الآن! ليس مُجرَّد شهادة، ليس مُجرَّد عمل ووظيفة، لا! إنما العمل والمُرتَّب العالي الباذخ الرافه، الآن تحوَّل إلى ملايين أو مئات الألوف، واشتريت بعض الفيلل وبعض العقارات وبعض الجُزر الصغيرة في بلاد الواق الواق، إلى آخره، تكاثر!

السؤال الآن: ثم ماذا؟ وبعد ذلك؟ انتبهوا! بعد ذلك يعلق أكثر الناس في الفخ – في فخ التكاثر – ويُصبِحون مسخرةً للناس، يقولون جاء هذا الفشّار الكبير الذي نعرفه، سيبدأ يُحدِّثنا عما نعرف، عن قصوره وفيلله، نعرف هذا! تباً له وللساعة التي فيها، ويأتي ويبدأ يُكاثِر، والآن زادت جُزري وزادت عقاراتي، وربحت أسهمي في كذا وكذا بمقدار أربعمائة وخمسين ألف يورو، نعرف هذا! مل الناس من هذا، لا تُعطي جديداً أنت بهذا، وأنت تتحدَّث عن مُتخارِج، عن شيئ لا يُساوي حقيقتك، لا يُساوي ذاتك، هات ما عندك! ليس عنده شيئ، لذلك يُصبِح مسخرة، وهو يظن أنه إنما يتميَّز ويتطاوس على الناس، هو يتطاوس لكن لا يتميَّز، ويُصبِح مسخرة من حيث لا يشعر، علق هذا المسكين! مثل الطاحونة التي لا تجد الآن ما تطحنه، فجعلت تطحن المطحون، تطحن الطِحن، لا يُوجَد شيئ! هذه حركة عبثية، هذا عبث Irreführend.

كأن الله يقول أنت انتهيت، استطعت أن تُلبي هذه الغرائز – غرائز اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر – وأعطيناك يا عبدنا فُرصة، حتى المعنى الديني والروحي الذي ادّعيت أنك أصبته ونلته أو نلت قسطاً وحظوظاً منه نحن جاملناك واعتبرنا أنه يتعلَّق بالمعنى الروحي، لكنه ليس جوهر المعنى الروحي، ما معنى الكلام هذا؟ غير واضح الكلام هذا! معنى هذا أن الله يقول حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ۩، ماذا كنت تفعل في أربعين سنة مُنقضية؟ ألم تشكر نعمة الله؟ هو كان لا يزال يشكر، الله يقول ذلك الشكر كله ما لا أعتد به حقيقةً، الشكر الآن هذا الذي أُريده، هذا الذي تعتد به السماء، شكر الذي بلغ الأربعين، وجاوز مراحل اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، الآن بدأ يفهم! لماذا؟ لأن الأربعين فُرصة لإعادة استكشاف معنى النعمة الإلهية، كيف؟

مُستحيل أن هذا أو ذاك أو ذاك أو حتى ربما ابن الثلاثين يُدرِك حقيقةً وبعمق وجداني وإنساني معنى بنوته لأبيه وأمه – والمعنى مُتضايف – وبالتالي معنى أمومة أمه له وأبوة أبيه له، لا يُدرِك هذا! يُحاوِل هو باسم التقليد الاجتماعي واحترام الأمر الديني ومُسايرة المُجتمَع أن يكون براً وأن يُقبِّل يدي والديه، وهذا جيد وهذا بر وهو بارٌ! لكنه ما لم يُجرِّب أن يصير أباً ويعيش الأبوة ويعرف كيف يتحرَّق ويتقطَّع قلب الأب لهفةً وخوفاً ومُحاذَرةً وحرصاً على ابنه لن يفهم لا معنى بنوته ولا معنى والدية والديه له، الآن بدأ يفهم! حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ۩، الآن فهمت ما معنى أن تجعل لي والدين، أن تجعلني ابناً لهما وأن أعيش في ظل حنانهما ورأفتهما وحنوهما وشفقتهما الوافرة، الآن بدأت أفهم! ابنه لا يفهم، عليه أن يخوض التجربة، في الأربعين تبدأ تفهم هذا تماماً!

أيها الإخوة:

من هذا المُنطلَق أين نعيش نحن الآن؟ كيف نكتب عنواناتنا – علماً بأن الجمع الصحيح لعنوان هو عنوانات – أو عناوينا كما هو دارج وليس هو الأفصح؟ نكتب هكذا: محمد إسماعيل مثلاً، شارع كذا وكذا وكذا، رقم كذا، فيينا، النمسا. انتهى، لا! عليك أن تُكمِل العنوان، انتبه: النمسا، أوروبا، الأرض، المجموعة الشمسية، مجرة الطريق اللبني، أي Milky Way Galaxy بالإنجليزية أو Milchstraße Galaxy بالألمانية، المجموعة المحلية، الكون، عوالم الله، قبضة الله. وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۩، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، هذا عنوانك، هذا بيتك، هذه بيئتك! إن ما يجعل حياتك مُمكِنة واستقرارك ناجزاً ليس كونك تعيش في فيينا من النمسا في أوروبا، لا! ولا في الأرض، فيما ذكرت لك، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۩، هذا بيتك، هذه بيئتك، حين تُفكِّر في نعمة أنك موجود وأنك تدب على الأرض وتعيش وتلقم وتشرب وتطعم وتنام وتستيقظ وتنمو وتصح وتعتل وتُنجِز وتُكثِّر وتُثمِّر فاعلم أن هذا لا بفضل وجودك على ظهر هذا الكوكب المعطاء السخي الكريم والجميل والبهي جداً والأزرق، إنما بفضل وجودك فيما ذكرنا، وفي النهاية – وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩ – بفضل وجود في قبضة الله – لا إله إلا هو – ضمن أكوان وعوالم لا يعلم عدتها ولا أمداءها ولا سعتها إلا هو، إلا هو! لا إله إلا هو، هذا ما يجعل حياتك مُمكِنة.

هنا قد يقول لي أحدكم هذه لُغة شعر يا أخي، نعم! أنا لست أفهم الآن الإيمان إلا على أنه فن وشعر، كل مُؤمِن لا يستطيع أن يصوغ إيمانه وتجربته شعراً وفناً وروايةً حقيقةً ليس مُؤمِناً، ما عرف الإيمان! هذا يُقلِّد الإيمان، يحكي الإيمان، فرقٌ كبيرٌ جداً بين مفهوم الإيمان وبين الإيمان، أليس كذلك؟ طبعاً! وليس فقط الإيمان، كل شيئ، اختر أي شيئ تُريده، فرقٌ كبيرٌ جداً بعظم الله ربما – لا إله إلا هو – بين الله وبين مفهومنا لله، أليس كذلك؟

قبل أيام ألهمني الله معنىً أحسب أنه جميل جداً – إن شاء الله – في دروس التفسير في رمضان المُبارَك هذا، كتعليق هامشي على النقاشات التي دارت ولا تزال تدور وستظل تدور في هذه الأمة المسكينة المرحومة حول عبودية الله وتجريد العبودية له، وهل يجوز أن نستغيث بغيره أو لا يجوز؟ وهل يجب فقط أن نستغيث بالله؟ وكان هذه قضية خلافية، شيئ عجيب جداً! يا عليّ عند إخواننا الشيعة، يا حُسين، يا عباس! ماذا تُريد من عليّ؟ عليّ مثلك تماماً، فقط يتميَّز عنك أنه هو أكثر افتقاراً لله منك، أدرك ضعفه وبشريته وفقره لله أكثر منك بكثير، ومن هنا أعطاه الله، تخلَّق بأوصافك يكسك من أوصافه، لا إله إلا هو! عليّ كان ربانياً وناطقاً باسم السماء لأنه كان أكثر عبودية، أكثر فقراً، محمد في أرفع طبقات الإعجاز والإدهاش عبَّر الله عنه بعنوان العبودية، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ۩، قال أَسْرَىٰ ۩، لم يقل سُبحان مَن سرى عبده، لا! لم يسر عبده، هو أُسرِيَ به، يبقى عبداً! إِنَّا لِلَّهِ ۩، نقول إِنَّا لِلَّهِ ۩، دائماً استحضر هذا المعنى، يا عليّ، يا حُسين! وعندنا يا جيلاني، يا دسوقي، يا بدوي، يا سيدي عبد القادر! ما لك ولهم يا مسكين؟ مسكين أنت، أنت جاهل، أنت لم تفهم الإيمان.

هذا سأُحلِّله في مقامين، هؤلاء يظنون أو يختزلون ويبتسرون الإيمان في مُعظَمه، وعجبي لهؤلاء بالذات! لأن هؤلاء هم الذين يدّعون أنهم لسان حال الحُب الإلهي، نعم! طبيعة العلاقة الأولى المهادية البدئية والدائمة بين الله وبين عباده – بين العبد وبين ربه – هي الحُب يا جماعة، الحُب! وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، الحُب! ليست الاستجداء والإعطاء، شيئ سيء جداً جداً أن تكتشف فجأة أن طبيعة علاقتك بالله تقوم فقط على الاستعطاء، حتى العبادة لديك هي أمور تُهيأ وتُنجَز من أجل ميزد من الاستعطاء، أعطني! كثِّر لي أموالي، نجِّح لي أولادي، أنجِز لي مقاصدي، متِّعني بصحتي وبقواي الظاهرة والباطنة، واجعل لي لسان صدق في العالمين، هذا ما تُريد فقط! ما هذا؟ ألا تشعر بالاستياء البالغ من ابنك إذا وجدت أن علاقتك معه تقوم على الاستعطاء فقط؟ مع أنك تُحِب أن يستعطيك وأن يستجديك، لكن تُحِب أن يُبرِز طبيعته الطفولية وهي امتنانية، الطفل كائن امتناني بامتياز، الكبير هو الذي لا يشعر بالامتنان، الكبير! الكبير هو الجاحد، حتى إزاء ربه – لا إله إلا هو – طبعاً، أنت حتى حين تستفيد معلومة من مصدر ما من أحد البشر ثم تأتي تُردِّدها على أنها من بنات أفكارك أنت جاحد، فاضلاً عن أنك جاحد برهن أو تبرهن تماماً أن هذه المعلومة لم تُساهِم في إثراء شخصيتك روحياً ووجدانياً، بالعكس! زادتك معرفياً لكن ليس روحياً، ليس إنسانياً! لأنك جاحد مُزيِّف، أنت لا تزال مُزوِّراً إلى الآن، ليس هذا الصحيح، الطفل يفعل هذا الامتنان بفطرية بريئة طهور وكريمة، لا يفعلها بطريقة رسمية، ليس شرطاً دائماً أن يُبادِر بكلمة شكراً أو يُعطيك قُبلة، لا! قد ينسى فرحاً بالعطية، لكنه يُبادِر في مُعظَم الأحيان إلى القول ها انظروا، ها انظروا إلى ما أعطاني فلان، فلان! بغض النظر عن أي شيئ، حتى وإن كان يعلم أن أباه لا يُحِب فلاناً كثيراً أو لا يُحِب فلانة قريبته كثيراً، ها انظروا ماذا أعطتني فلانة، إنه شخصية امتنانية، وعلى الكبير أن يتعلَّم الامتنان وبشكل واضح تماماً وألا يُقصِّر في هذا، ومَن لا يشكر الناس – النبي يقول – لا يشكر الله.

نعود، أنت ستشعر بالاستياء البالغ من طفلك إذا تمحَّض ابناً أو بنتاً استعاطئية فقط، لا يأتيك ليُعبِّر لك عن حُبه، عن شوقه، مُشتاق إليك، ما الأمر يا بابا؟ لا يُوجَد شيئ، لكن أُحِب يا بابا أن أضمك، أجمل من الدنيا وما فيها! هو يُحِب أن يضمك أو أن تضمه فقط، يُحِب أن يُعطيك قُبلة أو تُعطيه قُبلة، ثم ينصرف ليُزاوِل لهوه ومرحه، شيئ جميل جداً جداً! لكن تشعر بالاستياء حين تأنس من ابنك أنه لا يأتي إلا ليطلب وأنت تُعوِّده على لعب هذا الدور الجاحد الممسوخ المسخوط للإنسان، ما الأمر يا بابا؟ ماذا تُريد يا بابا؟ غلط! لا تُعوِّده على هذا، تتشوَّه شخصيته مُنذ الآن، ولله المثل الأعلى! الله أيضاً لا يُحِب من عبده أن يكون هكذا، هذا العبد المُنكَر صاحب المُنكَر! لا يُناجي الله في أوقات السعة تعبيراً عن لهفته وشوقه وحُبه.

بمُناسَبة ذكر الإمام عليّ – عليه السلام – العارف الكبير، سُئل لِمَ عبدت الله؟ فقال وجدته أهلاً للعبادة فعبدته، ليس من أجل أن يُعطيني وما إلى ذلك، لا! هو أهل للعبادة، بغض النظر عن الجنة والنار هو أهل للعبادة، معشوقنا ومحبوبنا، لا إله إلا هو! وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال لها أفلا أكون عبدً شكوراً؟ كيف هذا؟ بغض النظر عن أنه غفر لي ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّر وأعطاني الدرجات العُلا لابد من الشكر، الشكر هو ماذا هنا الآن؟ انتبه! الشكر جوهره المحبة، الشكر يعكس المحبة لكن بطريقة مُعقَّدة.

على كل حال هؤلاء للأسف اختزلوا الدين ومسخوا العلاقة بين العبد والمعبود أو بين المربوب وربه إلى علاقة استجداء وشحاذة، استجداء دائماً! لا أكثر من هذا، هذه العلاقة فاسدة، علاقة منقوصة، ليست علاقة صحيحة، لا تُساهِم هذه العلاقة وحدها هكذا – وهي منقوصة – في إنضاجنا روحياً، بالعكس! هذه تُشوِّهنا روحياً، هذه العلاقة تُشوِّهنا روحياً، ولذلك بمقدار ما نتلهَّف على الاستعطاء ونستجدي ونجأر إلى الله بمقدار ما نعود سريعاً إلى كفر نعمة الله، أليس كذلك؟ ونُبدِّل نعمته كفراً، نعصيه بنعمته! لماذا؟ لأننا نُحِب أن نُمارِس شهواتنا، أيضاً هذه شهواتنا ونُريد أن نُمارِسها الآن! ما هذا؟ أين الشكر؟ ضاع الشكر هنا، ظلمنا أنفسنا وجحدنا بنعمة الرب، لا إله إلا هو! ولذلك أنا أستسمج مع مَن استمسج مِن النقّاد – وهم كثيرون – بيت مجنون بني عامر “قيس” حين يقول:

أَهيمُ بليلى ما حِييتُ وإِنْ أَمُتْ                         أُوَكِّلْ بليلى مَنْ يَهيمُ بها بَعْدِى.

كلا يا قيس، أعتقد أنه لم يقل هذا البيت في لحظة وجدانية صادقة، لا! قاله مُتكلِّفاً، أحب أن يأتي بمعنى جديد هنا الآن، لم يُعبِّر عن معنى أصيل، إنما أحب أن يبتدع معنىً جديداً في شعره، فسقط سقطة كُبرى مُنكَرة، الحُب بالذات ليس فيه نيابة ولا وكالة، لا يُمكِن! أليس كذلك؟ الحُب فيه صيغة تفردية، روحه التفرد، أليس كذلك؟

وبالمُناسَبة ربنا أعطانا هذا الوهم اللذيذ جداً جداً، الله حين تجلس هكذا أنت تُسبِّح بحمده، تُفكِّر في خلقه، تقرأ كتابه، تُحدِّثه بكلامه على مائدته – لا إله إلا هو – تشعر أنه فقط لك، وأنه مُتفرِّغ الآن لك، وهذا صحيح! هو لك، والعجب – لا إله إلا هو – أنه لكل أحد بنفس المعنى وبأعمق أيضاً من هذا المعنى بحسب كلٍ، بحسب حال كلٍ، لا يمنع، لا إله إلا الله! كما لا نُضار في شمس ولا في قمر، تقف وكأن الشمس تنظر إليك فقط، وتُرسِل أشعتها الباهرة على وجنتيك وفي عينيك، وهذا يرى كذلك، وهذا يرى كذلك، الملايين يرون كذلك! أليس كذلك؟ وهذه الشمس المخلوقة، فكيف بالخالق العظيم الكريم العلّام؟ لا إله إلا هو! يُعطيك هذا.

الحًب طبيعته حصرية امتيازية، فلا تقل لي أنا سأُوكِّل مَن يهيم بالله ومَن يُحِب الله بالنيابة عني، هذا سخف وسماجة، لا تقل لي أنا أستغيث بالجيلاني وبعليّ وبالحُسين لأنهم أقرب إلى الله مني وأحب إلى الله مني وهم سيُخاطِبونه عني، كلام فارغ! الإيمان حُب، أنا أُريد أن أخوض هذه التجربة، هل يُمكِن أن تُوكِّل أحداً يُحِب معشوقةً عنك تُريد أن تبني بها وأن تتزوَّجها؟ لا يُمكِن، يصير فيها دماء ورؤوس، أليس كذلك؟ فلماذا الآن مع الله تُضحي أنت بهذا الحُب؟ لأنك لا تُحِب الله، لا تُحِب الله! أنت تُريد أن تستعطي فقط، كل ما يهمك من الحُسين أو عليّ أو الجيلاني أن يُنقِذ لك ابنك المريض، فقط هذا هو! لكن لو كنت تفهم الإيمان على أنه حُب لقلت أنا سأُمارِس هذا الحُب في السراء والضراء، أليس كذلك؟

أنا أقول لكم مَن كان منا – وهذا المعنى أنا كُشِفت به حديثاً جداً في نفسي من خلال أيضاً تجربة – يشعر أنه لا يُحِب بعض أوقات السنة، بعض الفصول، وبعض الظواهر المُناخية حُبه منقوص لله، إيمانه بالله منقوص أيضاً، لا! المُؤمِن الفنان، المُؤمِن صاحب الرواية الحقيقية، والمُؤمِن الشاعر يجد جمال الله الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩ وتعرَّف إلينا في كل شيئ أبدعه، يجد جمال الله في كل شيئ.

اتركوا الابتذال وانتهاك المعاني وتفريغها بالتكرار، في زقزقة العصافير وفي خرير الماء وفي غروب الشمس، بلا شك هذه مظاهر إعجازية، لكن ابتُذِلت بكثرة التكرار المدرسي التعبيري، في المدارس التعبير الإنشائي السهل! اتركوا هذا وابحثوا عن جماله، عن روعته، عن بداعته، وعن الطمأنينة والسكينة والصفاء والرواء، ابحثوا عن هذا في الشطآن المهجورة، وفي الغابات غير المطروقة، ابحث عنه في قطرات الندى أو في قطرات المطر، وهي تطرق كأنها تُناجيك أو تُوشوِش وتهمس إليك على نافذة غرفتك، أليس كذلك؟ في عزيف الريح في ليلة شتوية مُظلِمة شديدة البرودة وأنت في فراشك الوثير المُمهَّد تسمعها تُؤذِن بانهيار مظر كريم مسحاح مغزار، فيه جمال هذا، فيه ما يُذكِّر بالله.

ولذلك اربط عيشك وتواجدك في هذه الأحوال بمُناجاة الله، بتسبيحه، باستغفاره، باستذكار نعمه، بالتأمل في جلاله، وبتلاوة كلامه بالذات، اربط! وسوف ترى أنك تُحِب الفصول كلها وتُحِب كل شيئ.

أكثر من هذا يحدث – ونحن ذكرنا موطننا وبيئتنا وبيتنا وعنواننا الذي هو أكبر بكثير من عنواننا الذي نحسب – حين تأخذ زهرة تشمها، وحدَّثتكم مرة بقصة، هذه القصة لا تزال تُوحي إلىّ بمعانٍ مُتجدِّدة، ربما أذكرها على المنبر الآن للمرة الثالثة، قصة أكبر ملياردير في العالم! وحدَّثني عنه مليونير عربي مُسلِم، التقاه لدقيقة واحدة، ليس عنده وقت طبعاً هذا! قال له سأسألك سؤالاً حيَّرني، وإن أجبتني أعطيتك شيئاً لا تملكه، قال له نعم، قد يكون، انظروا! عاقل، لم يصر أكبر ملياردير بالهبل، أي وهو أهبل “هطلاوي” كما يُقال، لا! عاقل جداً، لم يقل له ما عساك تُعطيني مما ليس عندي؟ يعرف أن الحياة كلها كنوز والوجود كله كنوز، وكلما أخذت منه يزداد ثراءً وكرماً، هناك أشياء كثيرة ليست عندنا، كثيرة جداً جداً جداً، قال له نعم، قد يكون، ربما تُعطيني شيئاً ليس عندي، سل سؤالك، قال له ما سر نجاحك هذا المالي والاقتصادي حتى أصبحت أكبر ملياردير في العالم؟ قال له سؤال جميل، سأُجيبك عنه بكلمة واحدة: الشكر، قال أنا دهشت، مُسلِم هذا ويقرأ القرآن! قال واستحضرت قوله تعالى لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۩، قلت مُستحيل، هذا ليس مُسلِماً، يظن المسكين أن هذه المعاني لا يعرفها إلا مَن حمل لافتة الإسلام، يحملها كل مَن له قلب وعقل يا إخواني، انتبهوا!

للأسف أنت تحمل الإسلام ولا تحمل هذه المعاني، لا تفهمها! تستهلك الشكر كلمات وأشعاراً وأحاديث وآيات دون أن تفقهها للأسف طبعاً، وتعصي الله بنعمه، وتزعم أنك من الشاكرين!

قال فادّعيت أنني لم أفهم، قلت له لم أفهم عليك يا سيدي، ما معنى هذا؟ قال سأُوضِّح لك بمثال واحد، قال أنا في كل صباح اعتدت أن أجلس إلى زوجتي في ساعات الصباح المُبكِّرة في البلكونة، ويكون أمامي شيئ من الزهور والورود في فازة ما، قال حين أتأمل وردة منها أشعر أن كل ما أُوتيت وكل مالي وكل ما عندي لا يفي بحق شكر هذه النعمة، شيئ عجيب! ما هذا؟ ما هذا الشخص؟ هذا من العارفين بالله، أنا أقول لكم هذا بغض النظر عن أنه يهودي أو نصراني أو هندوسي أو غير ذلك هو رجل عارف بالله، عارف بالله بمعنى غريب نحتاجه نحن، مَن ندّعي فهم الله ونظرية الإيمان الصحيحة! نحتاج مثل هذا التعمق.

ويليام بليك William Blake – الشاعر الصوفي العظيم، أنا تعلَّمت من هذا الشاعر أشياء كثيرة جداً – عنده أبيات عميقة، هي أشهر أبياته على الإطلاق، وحُق لها أن تكون الأشهر، يا ليتها كانت لعارف مُسلِم! وهناك أمثالها لكن ليس بهذه الوجازة، شيئ غريب إعجازي! يقول حين ترى الجنة في زهرة برية، وترى الدنيا في حبة رمل واحدة، فكأنما قبضت على السرمدية بيمينك، وعشت الخلود في ساعة زمن، الله أكبر! ما هذا؟ معنى هذا الكلام أنت حين تأخذ زهرة واحدة تتنسم ريحها وتستنشقه وتستنشق معه المعنى انظر ولكن لا بالباصرة، انظر بعين البصيرة في هذه الزهرة، أنا أزعم أنك سترى فيها شمساً وقمراً ومجراتٍ وظلاماً ونوراً وسحاباً سحاحاً ورعداً وبرقاً ومواد عضوية، كل هذه الأشياء! وترى فيها أيضاً يد الله تفعل وتصوغ، لا إله إلا هو! في هذه الزهرة، ولولا كل ما ذكرت ما نبتت هذه الزهرة، ما كانت هذه الزهرة، هذه ذاكرة الزهرة، لو كان لها ذاكرة – Memory – هذه ذاكرتها، لو كان لها خط حياة أو خط مينكوفسكي Minkowiski في الفيزياء هذه ستعود بك إلى بداية البيج بانج Big Bang، هذه الزهرة الوحيدة!

لا أدري كيف ويليام بليك William Blake في عصره فهم هذا المعنى! يقول حين ترى الجنة في زهرة برية، وترى الدنيا في حبة رمل واحدة، فكأنما قبضت على السرمدية بيمينك، وعشت الخلود في ساعة زمن، أي واحدة! هذا هو الشكر، من هنا يبدأ الشكر، من هنا يبدأ استجلاء المُؤمِن الشاعر الفنان الروائي، الذي يروي قصة الإيمان، يُقطِّع مقطوعات عن حقيقة العرفان، ولذلك – كما قلت لكم – كل مُسلِم ينبغي أن يكون فناناً بهذا المعنى وأن يكون شاعراً، له حكايته وله مُقطَّعاته وله قصائده وله دواوينه، حتى يشعر بهذا الإيمان، وحين يشعر بأن ساعته قد واتت بكل هدوء وبكل سلام وجمال يقول ها أنا ذا الآن مُستعِد أن أُسلِّم الروح إلى بارئها، أن أُسلِّم الوديعة، سأُعيدها إلى صائغها وصانعها وبارئها ومالكها الآن، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، وهي أكثر سلاماً، أكثر نضجاً، أكثر جمالاً، أكثر عمقاً، أكثر شفافيةً، أكثر رقةً، أكثر شاعريةً، وفي النهاية – ولا نهاية – وأكثر قرباً من الواحد ذي الجلال والبهاء، لا إله إلا هو! سأُسلِّمها، لست أخاف.

استُهلِك كثيراً خطابنا الديني فقط في الحديث عن الله كمصدر الخوف والفزع والترصد والانتقام وما إلى ذلك للأسف، وهذه إساءة بالغة، إساءة بالغة لمفهوم الله تبارك وتعالى! كما أساء الذين ينطقون بلسان الحُب الإلهي زعماً وتقليداً وترديداً فارغاً من المعنى إلى معنى الله – تبارك وتعالى – حين جعلوا العلاقة معه مُجرَّد علاقة استعطاء دائم، استعطاء مُتصِل! تعرفون – أنا أقول لكم بلُغة أنثروبولوجية، أنثروبولوجيا Anthropology الدين، وتاريخية الدين – هذا مفهوم بدائي لله تبارك وتعالى، مفهوم مارسته وتُمارِسه إلى الآن كل الشعوب البدائية في نظرتها إلى الله، الشعوب الجامدة الجاهلة الوثنية، كيف؟

كان شباب اليونان إذا فشلوا في استخراج كميات كبيرة من محاصيل الأرض – أي إذا بخلت عليهم الأرض بمحصول وفير ينتظرونه – يأتون إلى الإله بان Pan – والإله بان Pan عند الإغريق هو إله الرعي والخصب والمراعي – ويجلدونه بالأسواط، نحن عبدناك حتى تُعطينا، لماذا لم تُعطنا؟ إذن ستأخذ على رأسك، يضربونه! إلى وقت قريب وربما إلى اليوم بعض الفلّاحين والصيّادين البسطاء في إيطاليا رغم الصلوات إذا لم يجد عليهم البحر بكميات وافرة من الأسماك يرمون فيه تمثال العذراء، تذهب العذراء إلى جحيم البحر، هيا! نحن صلينا ولم يُعطِنا، فلماذا لم يُعِطنا؟ أين هذا؟ أكثر من هذا الصينيون، كانوا إذا دعوا ولم يُلبوا ولم يُعطوا يأتون إلى تمثال إله ويسيرون به في الشوارع ويُردِّدون بأصوات عالية صاخبة ناقمة أيها الروح، يا كلب لقد صنعنا لك معبداً، وغذوناك جيداً، وتعبَّدنا لك وقرَّبنا لك القرابين، ونذرنا لك الأضاحي، فلِمَ هذا الجحود يا كلب؟ بيا كلب يُخاطِبونه، ستقول لي ما هذا؟ انتبه، هذه البدائية الوثنية تتسلل إليك حين تضل طريق الإيمان الصحيح، قال تعالى لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ۩، شحّاذ كبير، أكبر شحّاذ هو! وهو مُحتاج، أليس كذلك؟ مُحتاج! قال وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ۩، قال لا تُوجَد رحمة لله، الله غير رحيم، أين رحمته؟ الله يقول هذا الإنسان البدائي المُتعجرِف، جماعة بان Pan والعذراء والإله الكلب المحقور هم هؤلاء، القرآن يتحدَّث عنهم، لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ۩، لا! لسنا كذلك، سنُعلِن هكذا – كما أعلنت لنفسي قبل أيام في لحظة تجلٍ – الآتي: نُحِبك يا رب وندعوك ونبتهل إليك ونتصل بك في السراء والضراء، في الربيع والشتاء والخريف والصيف، عند عزيف وزعيق الرياح، وعند هدوء النسيم العليل، نُحِبك هنا وهنا، في الليل المُظلِم ذي الدياجير نُحِبك، في الليل الباهر ذي الشعاع الآسر نُحِبك، نتعرَّف عليك، نأنس بك، نجدك دائماً، موجود! لا إله إلا هو – تبارك وتعالى بنعمته، بفضله، وبرحمته، كباراً نُحِبك، صغاراً نُحِبك، مرضى عليلين نُحِبك، أصحاء مُعافين نُحِبك، نُحِبك في حال البسط وفي حال القبض، إن أعطيت وإن منعت – والكل لك – نُحِبك، الكل لك! وأنت فوق الكل، وأنت أكبر من الكل، نُحِبك.

هكذا أحضر نفسك هذا المعنى، هكذا أُدرج وسر على هذه الخُطة وفي هذا النهج، واجعل علاقتك بالله حُباً حقيقياً، ستُكافأ مُباشَرةً! بماذا؟ أول مُكافأة وأعظم مُكافأة ليس بحسنات ثقيلة وموازين مُثقَّلة – وإن شاء الله هذا حاصل بإذن الله – وجنات ونهر في مقعد صدق، لا! ستُكافأ بأن تكون عند مليك مُقتدِر في الدنيا قبل الآخرة، من الآن!

لابد من الاقتراب إليه يا جماعة، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩، مُجرَّد الاقتراب إليه هو مُكافأة ذاته، هل تعرفون لماذا؟ لأن الاقتراب من الزهرة فقط – اليوم تحدَّث عن الزهرة كثيراً – الفوّاحة هو مُكافأة ذاته، حين تقترب منها تستنشق العبير بشكل انتشائي أوضح، هنا يحدث الانتشاء بهذا العبير، حين تقترب من الرب – لا إله إلا هو – أنت تتنسَّم ماذا؟ تستنشق ماذا؟ تستحوذ على ماذا؟ على العز والمعرفة والكرامة والبهاء والجلال والجمال والقدرة، أليس كذلك؟ والفيض والعطاء والرحمة والستر والمغفرة والعفو والنعمة، كل شيئ! فمُجرَّد الاقتراب منه – لا إله إلا هو – محبةً فيه وحُباً مُكافأة ذاته، وأنت لا تملك حين تُصبِح مُؤمِناً حقيقياً إلا أن تُحِب، الإيمان هو هكذا، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩ مِن كل مَن أحب ما أحب، المُؤمِن يبقى أشد حُباً لله تبارك وتعالى.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العُلا وكلماتك التامة أن تجعلنا مِمَن أحببته فأحبك ومِمَن أحبك فقرَّبته وأدنيته مِن قُربك وأفضت عليه وبسطت عليه ونشرت عليه مِن نعمك ورحماتك وأفضالك يا ولي، يا كريم، يا عفو، يا رحيم، يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تُفقِرنا بالاستغناء عنك، اللهم أئذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقر عيوننا من عبادتك يا كريم، اجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا، واجعل محبتك أحب الأشياء إلى قلوبنا.
اللهم نسألك حُبك وحُب مَن أحبك وحُب العمل الذي يُقرِّبنا إلى حُبك، اللهم وما رزقتنا مما نُحِب فاجعله قوةً لنا فيما تُحِب، وما زويت عنا اللهم مما نُحِب فاجعله فراغاً له فيما تُحِب برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك أن ترحمنا في شهر رمضان، وأن تغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجِله، ظاهره وخافيه برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم وأعتق فيه رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وقراباتنا ومشايخنا وكل مَن له حقٌ علينا برحمتك من نار جهنم يا رب العالمين، اجعل من عتقائك في هذه الليالي المُبارَكات الكريمات المبرورات.

اللهم إنا نسألك أن تُصلي وأن تُسلِّم على حبيبنا ومولانا وسيدنا رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته وخير ما جزيت رسولاً في رسالته، وعلى تابعيه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا وعليكم والمُسلِمين والمُسلِمات معهم بفضله ورحمته ومنّه أجمعين. آمين اللهم آمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (4/9/2009)