الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله وقد جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول ربنا – سُبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ۩ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ۩ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ۩ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ۩ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ۩ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ۩ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ۩ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ۩ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ۩ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ۩ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ۩ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ۩ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ۩ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ۩ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ۩ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ۩ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۩ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ۩ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

سورة ق – أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات – من السور القرآنية التي كان يُولَع بها صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، حتى أنه كان يتلوها كلها في خُطبة الجُمعة، أحياناً لا يزيد عنها شيئاً، يتلو السورة ثم ينزل، هذه خُطبتكم اليوم، هكذا كان يفعل، كما صح في البخاري وفي غيره عنه، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، حتى أن من المُسلِمين والمُسلِمات مَن أخذوا وأخذن هذه السورة من فيه رسول الله في خُطبة الجُمعة، لأنه تلاها كاملةً غير مرة، واكتفى بها، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.

من المعاني الجليلة الكبيرة في هذه السورة ما تضمنه قوله – سُبحانه وتعالى – وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، إذن ليس عجباً الحديث الذي سأذكره، وإن تعجَّب بعضٌ مِمَن لم ترسخ قدمه في العلم والمعرفة بالله وعن الله سُبحانه وتعالى، بل غمز بعضهم هذا الحديث المُخرَّج في الصحيحين وفي غيرهما كثير من دواوين الإسلام، أعني حديث أبي موسى الأشعري، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين، الذي يقول فيه كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، والمقصود في سفر كما في غير الصحيحين، ذُكِر أنهم كانوا معه في سفر، هنا في الصحيحين لم يُصرِّح، المُهِم قال كنا معه، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – فجعلنا لا نُشرِف على وادٍ – أي لا نكون في علوٍ، وهذا معنى الشرف، الشرف هو المكان المُرتفِع، أي إذا كنا في ارتفاع نُشرِف على ما تحتنا من الأودية والوهاد، هذا معنى نُشرِف، قال فجعلنا لا نُشرِف على وادٍ – إلا هلَّلنا وسبَّحنا وارتفعت أصواتنا بذكر الله، لا إله إلا الله، سُبحان الله، وقد كانوا مُستهتَرين بذكر الله، هكذا علَّمهم صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، لأنه كان أشرف المُستهتَرين بذكر الله، ذاكراً لله على كل أحواله، وهكذا كانوا هم، لا يكاد يغيب اسم الله عن ألسنتهم ولا من قلوبهم، يذكرون الله وبأصوات مُرتفِعة.

قال فأقبل علينا – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، عاد إليهم هكذا أو تقدَّم بين أيديهم، لأن من هديه أنه كان يمشي خلف القوم، ويقول سيروا بسير أضعفكم، فالأقرب أنه تقدَّم إليهم، المُهِم قال فأقبل علينا، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – وقال أيها الناس اِربعوا – بهمزة وصل مكسورة – على أنفسكم – أي ارفقوا ولا تُجهِدوها كثيراً، ارفقوا ولا تُجهِدوا أنفسكم كثيراً، هذا معنى اِربع على نفسك، قال ارِبعوا على أنفسكم -، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه معكم، وهو سميع قريب.

وفي رواية صحيحة إن الذي تدعون – أي تدعونه، المفعول محذوف، لأنه معروف – أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته، فغمز بعض الجهلة في هذا الحديث، لماذا؟ أحدهم قال كيف يكون الله أقرب؟ يا سيدي الله ليس فقط أقرب من عُنق راحلة أحدنا، إنه أقرب من حبل وريد أحدنا، ألم تقرأ القرآن؟ إذا أردت أن تغمز الحديث فالحد أيضاً في الآية والعياذ بالله، هذه آية!

ولذلك ورد في حديث عند بعض أهل السُنن أنه قال والذي نفسي بيده – في نفس الواقعة – لو أدلى أحدكم بحبل – أي إلى الأرض أو في باطن الأرض حتى – لوقع – أي حين يقع – على الله، معناه أن الله – عز وجل – لا يغيب، وأنه حاضر قريب، لا أنه جسم – أعوذ بالله – يتصل بشيئ أو يتصل به شيئ، هذا إلحاد! ولكنه قريب، أراد أن يُقرِّب لنا قُربه بما تُسوِّغه عقولنا أو تقدر عليه مُخيلاتنا، فقال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، وهو أقرب من ذلك أيضاً، هو أقرب إلينا من أنفسنا، أقرب إلينا من هم أحدنا إذا هم، قبل أن تهم بالشيئ هو يعلمه، لا إله إلا هو! يعلم ويعرف كيف ينبثق هذا، يعرف هذا تماماً، إذن أقرب إليك من نفسك، أقرب إليك من كل شيئ، لا إله إلا هو! 

لكن هذا يُثير إشكالاً يا إخواني وأخواتي، يُثير إشكالاً ولابد، إذا كان – سُبحانه وتعالى – قريباً هذا القُرب كله فما جدوى بل ما معنى أصلاً أن يُتحدَّث عن انبغاء ووجوب أن نتقرَّب منه، لماذا نتقرَّب وهو قريب هذا القُرب كله؟ تحدَّثنا في الخُطبة الماضية عن التقرب إلى الله سُبحانه وتعالى، كيف نتقرَّب وهو قريبٌ هذا القُرب كله؟ والجواب له وجهان، الوجه الأول – إخواني وأخواتي – أن قُربه – سُبحانه وتعالى – يُطلَق بإزاء معنيين، أي له معنيان، القُرب العام والقُرب الخاص.

القُرب العام كل الموجودات من العرش إلى الفرش على التفصيل والإجمال مشمولة به، مشمولة بهذا القُرب، هو قريب من كل أحد ومن كل شيئ، حياً كان هذا الشيئ أو ميتاً، عاقلاً كان أو لا يعقل، حيواناً كان أو جماداً، إنساً كان أو جناً أو ملكاً، أي خلق كان وأياً ما كان، هو قريب من كل شيئ – لا إله إلا هو – كما وصف، ولا يغيب عنه شيئ، نعم هذا قُرب عام، لذلك هو قريب بهذا القُرب من الكافر قُربه من المُؤمِن، ومن إبليس قُربه من النبي، لكن هذا القُرب لحسابنا، لجهتنا، ولاعتبارنا لا يحصل به التفاوت المطلوب، والتفاوت الشريف عند الله تبارك وتعالى، إنما يحصل بالقُرب الثاني، وهو القُرب المخصوص، إنه قُرب من نوع خاص، إنه قُرب ماذا؟ قُرب المحبة، قُرب الموالاة، قُرب النُصرة، قُرب الرحمة، وقُرب الإحسان والإنعام والإحساب والكفاية والكفالة، إلى آخر هذه المعاني التي يحتاجها كل موجود بما هو موجود، وهذا القُرب لا يكون إلا لمَن؟ إلا لمَن تقرَّب إلى الله ومِن الله بصالح العمل وبما يُحِبه الله، هذا قُرب خاص، وهذا هو مناط التفاوت الشريف بين السائرين إلى الله تبارك وتعالى، هذا هو مناط التفاوت الشريف بين السائرين والقاصدين حضرة ذي الجلال والإكرام، سُبحانه وتعالى.

الوجه الآخر أُحِب أن أقوله جواباً عن سؤال خطر لي اليوم، ما جدوى العلم الإجمالي؟ العلم بكل شيئ يُمكِن أن يكون علماً إجمالياً، ومن شأنه في بعض الموارد والأحوال أن ينقلب إلى علم تفصيلي، هل تظنون أن العلم الإجمالي دائماً مُجدٍ كبير جدوى؟ هل له تأثير ملحوظ وظلال تُرقَب في المشاعر والعواطف والمسالك؟ ليس دائماً، بل في أكثر الأحوال يكاد يفقد هذه الخصائص، ولأُقرِّب هذا المعنى أقول إن علم أحدنا بأن فلاناً من الناس عالم كبير إجمالاً، هذا علم إجمالي، يعلم هذا لأنه قرأ أو سمع أو يُقال بين الناس إن فلاناً عالم كبير، جامع لأشتات الفنون، يقوم بحق علوم كثيرة كما يُقال، وراسخ القدم، هذا علم إجمالي، يختلف حال هذا الإنسان، عواطفه، اعتباراته، مسلكه، وتقديره لهذا العالم عن رجل آخر عرف هذه الحقيقة تفصيلاً، كيف؟ كيف يُمكِن لك أن تعرف هذه الحقيقة تفصيلاً؟ حين تبدأ تُشارِك هذا العالم في بعض ما تميَّز به من أفانين وعلوم، كل ما لم تُشارِكه فيه بالنسبة إليك كالعدم، وفي الحقيقة تقديره سيكون أيضاً كالعدم، أي تقدير هذا الشيئ الذي لا تعرفه كالعدم.

يُقال إنه – مثلاً – راسخ جداً في علم المنطق، أنت غير عابئ بالمنطق، ولا تعرف أصلاً ما هو المنطق، فأنت لا تهتم، تقول هذا علم ربما يُحصَّل في شهر أو في أسبوع أو في أسبوعين، ربما كل مقولات هذا العلم خمسون أو ستون مقولة وينتهي، أي إنه شيئ بسيط، ما معنى المنطق؟ لا تعرف هذا! حين تتكابد وتتعانى دراسة هذا العلم وتعلم ملاحجه أو تدخل في ملاحجه ومضائقه وعويصات مُشكِلاته واختلاف الأنظار والعقول الباحثة فيه ثم بعد ذلك حين ترسخ لك قدم في هذا العلم ستبدأ تطلع على ما تميَّز به هذا العالم المشهود له بالرسوخ في علوم هذا منها، ستعلم جلالته بعلمك ماذا فقط؟ بعلمك فقط ووقوفك على عويصات مشاكل هذا الفن، كما تكاءدتك وكابدتها، وهكذا كلما ازددت استبحاراً في العلوم الأُخرى، كلما انكشف لك شيئ من حقيقة هذا العالم، فجد في نظرك، وجل في اعتبارك، وصار له مقام غير المقام ودرجة غير الدرجة ورُتبة غير الرُتبة.

المقصود من الحديث يا إخواني وأخواتي أننا نعرف الله تبارك وتعالى، نقول هذا، لدينا معرفة وعلم بالله تبارك وتعالى، هل هذه المعرفة والعلم إجماليان أم تفصيليان؟ للأسف الشديد أكثر مَن يعيش وأكثر مَن يموت مِن المُسلِمين والمُسلِمات، المُوحِّدين والمُوحِّدات، علمهم أشبه أن يكون علماً إجمالياً، يعيشون ويموتون وعلمهم أشبه أن يكون علماً إجمالياً، لذلك ظلاله مُتقلِّصة وآثاره مُضمحِلة في عواطفهم، في مشاعرهم، وفي سلوكاتهم.

ومن هنا إذا قام أحدهم إلى الصلاة قام كسلاً، يُريد فقط أن يُفرِغ الذمة من هذا الحمل، من هذه الفريضة، عجيب جداً! مع أن هذه الصلاة تشريف كبير ونعمة جليلة، أنعم الله بها علينا، حين سمح لنا أن نعبده على هذا الوجه، أكبر نعمة! لكننا لا نُدرِك أنها نعمة، بالعكس! نُدرِك أنها تكليف شاق، ولذلك قيل من علائم النفاق الكسل عند القيام للصلاة، هذا ليس من علائم الإيمان قطعاً، مُستحيل! وليس من علائم المعرفة بالله، التي يظنها بعض الناس تشدقات بالكلام، إذا جُلِس في مجلس فيه حديث عن رب العزة – ما شاء الله – الكل يتحدَّث عن العرفان ومعرفة الله وعُمق الإيمان، مع أنه لا يُجوِّد صلاته، يا عبد الله ما هذه الدعاوى؟ ما هذا الكذب على النفس؟ وعن أي معرفة تتحدَّث؟ أنت لا تعرف الله، مُستحيل! لو عرفته لازددت له وفيه محبةً، ولازددت منه قُرباً، مُباشَرةً! العلاقة تلازمية بين المعرفة وبين ماذا؟ وبين القُرب، لأن البُعد جفاء، والبُعد حجاب كما قلنا في الخُطبة السابقة.

ولذلك يقول مولانا ابن عطاء الله – قدَّس الله سره – وصولك إليه هو وصولك إلى العلم به، يقول أحدهم أنا اقتربت من الله ووصلت إلى حضرة ذي الجلال، بعض الأغمار يظنون أن هذا الوصول وصول شيئ إلى شيئ، وصول حسي، هذا إلحاد، هذا إلحاد كإلحاد الحلوليين، كفر حقيقي، لا! جل مولانا أن يكون هذا شأنه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم غفراً، قال وصولك إلى الله – تبارك وتعالى – ما هو؟ ما هو هذا الوصول؟ قال وصولك إلى العلم به، أن تعرفه أكثر، أن يزداد علمك بالله، وإلا – يقول ابن عطاء الله – فجل ربنا أن يتصل به شيئ أو يتصل هو بشيئ، شأنه أعظم من هذا، أتحسب أنه محطة على الطريق تُريد أن تصل إليها وتقطع إليها الأمتار والكيلات؟ أعوذ بالله، ليس كذلك ربنا، إنما وصول إلى العلم، أي إلى زيادة المعرفة والعلم بالله تبارك وتعالى.

وما دُمنا في هذه النُقطة – وهي نُقطة شريفة جداً في معرفة الله وتوحيده، بل التفقه والتعمق في توحيد ذي الجلال، لا إله إلا هو – فأُحِب أن أُشير إلى حقيقة قرآنية قل أن يُشار إليها – أنا في الحقيقة لم أقرأ شيئاً في هذا الباب، مع أنه باب قرآني ومهيع واسع -، وهي الكُليات في كتاب الله إذا تعلَّق الأمر بصفاته وأسمائه الحُسنى، الكُليات! ما معنى هذا؟

تأمَّلوا الآيات التي فيها نحو وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ۩، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۩، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۩، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۩، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ۩، يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۩، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۩، كُليات كثيرة! وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ۩، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ۩ سُبحانه وتعالى أيضاً، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۩، عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ۩، آيات كثيرة فيها عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ۩، بِكُلِّ شَيْءٍ ۩، عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ۩، شَيْءٍ ۩… شَيْءٍ ۩… بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩.

إذا أردنا أن نُرتِّبها فسوف نقول اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۩، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ۩، لا إله إلا هو! وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ۩، وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ۩، وهو على كل شيئ مُقيت، وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ۩، سُبحانه وتعالى، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۩، رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۩، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۩، لا إله إلا هو! أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ۩، بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، سُبحانه وتعالى، أيضاً هو مُميت كل شيئ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ۩، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۩ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ۩، لا إله إلا هو! وهو أيضاً باعث كل نفس للحساب، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ۩، هو الذي يُوفيها، لا إله إلا هو! وهو الذي يأتي بالبيّنات الدوامغ والحُجج المُفحِمات، وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۩.

هذا المعنى عجيب، مَن تأمَّله يعلم تماماً أننا ننظر ولا نرى، ونُصيخ ولا نسمع، وندّعي العلم ولا نُدرِك، ونتحفَّظ ولا نفقه، تماماً! سنُدرِك أننا درَّاكون للألفاظ، خلوٌ من فقه المعنى، لا علاقة لنا بالمعاني، أين المعنى؟ المعنى عجيب ومُخيف.

بذرة، نُطفة، مذرة، ومهينة – كما وصفها رب العزة، عز وجل – تلتقي بشيئ مثلها في الهوان والحقارة والنذارة، يتخلَّق منهما شيئ، يتولَّد إنساناً، ذكراً أو أُنثى، وعما قليل يُصبِح لهذا الشيئ الذي اسمه طفل إرادة، يُريد ولا يُريد، يُحِب ويكره، ويرضى ويسخط، ألا تُلاحِظون هذا في أبنائكم الصغار؟ ألا تعجبون من هذا؟ إنسان عُمره عشرة أشهر أو سنة يرفض أحياناً وتكون له ردود أفعال عصبية، ويرضى أحياناً، يتوجَّه إلى شيئ، ويأبى أن يتوجَّه إلى غيره، إن هناك يداً وإن هناك سراً كبيراً يفعل فعله في هذا الخلق الصغير، أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۩، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩.

شيئ جاء من مادة ميتة حقيرة مهينة، عمل فيه هذا السر عمله، أصبح له شخصيته، أناه، وتوجهاته، يشتاق ويمل، يرضى ويغضب كما قلنا، يفرح ويحزن، وينشط ويتعب، شيئ غريب، وشيئ عجيب!

ثم في لحظة مُعيَّنة تضم إليك ابنك الصغير أو ابنتك، وتمسح على رأسه مُتوجِّهاً إلى رب العزة والجلال – لا إله إلا هو -، داعياً إياه – عز اسمه وجل مجده – أن يحفظه وأن يكلأه، وأن يحوطه بعنايته ورعايته وحفظه، وأن يُبارِك أيامه، وأن يضمن مُستقبَله، وأن يُسعِد حظه وجده، تدعو بهذا! حريٌ بك أن تلتفت الآن، إلى أن هذا الخلق الصغير – كما أنت تماماً – مربوب لله، أنتما مربوبان لذي العزة والجلال، للرب الكبير، لا إله إلا هو! كما قلنا الخالق القادر العالم الحفيظ الوكيل الشهيد المُقتدِر المُقيت القيوم والرب لكل شيئ وعلى كل شيئ، لا إله إلا هو! 

يطفر منك الخاطر لتلتقط حقيقة لا تقل عن هذه الحقيقة بداهةً، هي أن هناك على هذا الكوكب الصغير والصغير جداً زُهاء ستة ملايير، شأنهم جميعاً شأنك، كلهم في نفس اللحظة والآن مربوبون له، لا إله إلا هو! لسان حالهم مُتوجِّه إليه، لسان الحال! وبعضهم – مَن كان مُوحِّداً مُؤمِناً عاقلاً داركاً – لسان المقال أيضاً يتوجَّه عنده مُتواطئاً مع لسان الحال إلى ذي العزة والكرم، لا إله إلا هو! طالباً منه ماذا؟ طالباً منه المدد، لسان الحال يستمد، يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ۩، الكل يسأله والكل يُريد منه، وهو يُفيض على الكل، وهو يُعطي الكل، وهو يُمِد الكل، لا إله إلا هو! والكل نسبتهم إليه بالمعنى الأول من معنيي القُرب نسبة واحدة، ما رأيكم؟ نسبة واحدة! نسبة الموجود هنا كالموجود في أقصى الأرض، كالموجود في السماء حول العرش، كالموجود في الأرض السابعة وفي باطن فرش هذا الوجود، كالموجود قبل ملايين السنين، كمَن سيُوجَد بعد ملايين السنين، نسبتهم منه وإليه واحدة، وهذا بعض معنى ربوبيته، لا إله إلا هو!

حين يبعثهم غداً ويُحاسِبهم – قال – ستكون النسبة واحدة، مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۩، انتبهوا يا إخواني، له الحمد والمنّة، هل فكَّرتم لماذا الله سُبحانه وتعالى – وعلى عكس المُتبادَر، على عكس ما يتبادر إلى أي إنسان، على عكس المأنوس في تقرير هذه المعاني الشريفة أعني – يُؤكِّد دائماً قدرته على الصغير كقدرته على الكبير حين يُؤكِّد قدرته على كل شيئ؟ لماذا يُؤكِّد علمه بالصغير جداً تأكيده علمه بالكبير جداً؟ فيما يختص ببني آدم، فيما يختص بنا نحن الآدميين والبشر المخلوقين لله لا يحدث هذا، لا يفخر أحدنا – أي لا يفتخر – بأنه يعلم بعض المعلومات الصغيرة جداً، التي من شأن الأطفال أن يعلموها، لا! لا يفتخر بهذا، مُستحيل، هل رأيتم أحداً يأتي على منبر مثل هذا – أي في مشهد جماعي – ويفتخر بأنه أنهى الصف الثاني الابتدائي؟ هل رأيتم أحداً يفتخر ويرفع رأسه ويدل علينا بأنه أنهى الصف الثاني الابتدائي وأنه يعلم معلومات كثيرة مما يعلمها مَن التحقوا بالصف الأول والثاني؟ يخجل من هذا، إنه لا يُقرِّر الأشياء الصغيرة، إنما يُقرِّر الأشياء الكبيرة، يُقرِّر أنه يعلم علوماً وأحاط بمعارف لا يعرفها ولا يعلمها كثيرٌ من الناس.

رب العزة والجلال شأنه مُختلِف، يقول لا، يقول أنا أعلم الكبير وأعلم الصغير والصغير جداً، وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ ۩، وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ ۩، يقول هذا أنا أعلمه، فلماذا؟ لماذا الله يُريد أن يُؤكِّد على هذا؟ انتبهوا، نحن نقرأ القرآن أحياناً فعلاً ولا نفقه كثيراً مما نقرأ، لا نُفكِّر في أشياء، نتعاطاها كأنها طبيعية، لكنها ليست طبيعية، ليست واضحة، وكلامه عجب، لا إله إلا هو! هو بكلامه يتعرَّف إلينا، يُريد أن يُعرِّفنا به، لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۩، اللهم اجعلنا مِمَن كان له قلب.

يقول علمي بالصغير والصغير الحقير جداً مُتأكِّد ومُهِم، وأنا أُؤكِّده وأُقرِّره، كعلمي بالكبير والكبير جداً، وكذلك قدرتي على الصغير والصغير جداً، الله قادر أن يخلق نملة، انتبهوا! يتعرَف إلينا بذلك، وقادر على أن يُميتها، وهو قادر على خلق الكون كله، على خلق العرش، وعلى إنهائه وإفنائه، أنه قادر على خلق الكبير مفهوم، لكن أنه قادر على خلق الصغير غير مفهوم، أنه يعلم الكبير المُعقَّد الكثير التراكيب نعم، أما أن يعلم الصغير والبسيط جداً جداً جداً فكيف؟ هل تعلمون لماذا؟ ما في حقنا قد صح فهو صح، أي فهو صحيح، أما في حق الله فالموضوع يختلف جداً، لأن نسبة كل الأشياء إلى الله واحدة، ليس عند الله صغير ولا كبير، ما ظنكم؟ انتبهوا، الله حين يخلق الصغير جداً يخلقه بنفس العلم والقدرة والإرادة التي بها تُخلَق الأشياء الكبيرة جداً، وهذا معنى قوله إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ – أي شيئ، كبر هذا الشيئ أو صغر – إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ۩، أما نحن حين نخلق الكبير فهذا يحتاج إلى جهود كبيرة وإلى جهود تتضافر.

إن بناءً بسيطاً – مثل عمارة من طابقين أو ثلاثة – يحتاج إلى ضفر جهود كثيرة، مُهندِس مدني، مُهندِس معماري، رجال مُقاوَلات، عُمّال، وأيضاً أشياء قانونية وفنية كثيرة جداً جداً، ثم تتعاون كل هذه الجهود بعد أن تُضفَر لتشييد هذه البنية، وبعد أن يُفرَغ من تشييدها يذهب كلٌ إلى حال سبيله، وتبقى قائمة فيما يظهر لنا بذاتها، شأن الوجود مع رب الوجود يختلف تماماً، لا شيئ يُقال إن الله فرغ منه ثم تركه وهو قائم بذاته، غير صحيح مُطلَقاً، كل ما في الوجود – لست فقط أنا وأنت، كل نفس أتنفسه، كل هم أهم به، كل خاطرة، كل كُرية دم بيضاء أو حمراء، كل جُزيء، كل ذرة، كل إلكترون Electron، وكل شيئ في كياني – يحتاج إلى مدده لحظة بعد لحظة، فلو قد انقطع هذا المدد لُحيظةً واحدةً عاد كل شيئ ملفوفاً بالفناء، مُباشَرةً! في لا زمان، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۩، لا يُمكِن لأي أحد أن يُمسِكهما، كل شيئ ينتقل إلى كتمة العدم مرةً أُخرى، كما منه ابتُدئ بقدرة الله – لا إله إلا هو – وإرادته وحكمته مرةً أولى، كل شيئ!

فهذا الوجود – انتبه – عريق جداً، أو هو أعرق في قابلية الفناء منه في قابلية ماذا؟ الثبات والوجود، بالعكس! أنت تبني عمارة ثم تتركها فتبقى ثمة، أليس كذلك؟ أما هو فيخلق شيئاً ولا يبقى وحده بغيره، ولذلك ما حقيقة كينونتي؟ ما حقيقة كينونة هذا الشيئ؟ ما حقيقة كينونة العرش؟ ما حقيقة كينونة الأفلاك والوجود كله؟ حقيقة كينونتها خلق الله، قدرة الله، إرادة الله، علم الله، حفظ الله، رقابة الله، وقيومية الله أو قيموميته أيضاً، إلى آخر هذه المعاني، وبلا هذه المعاني كل شيئ يعود إلى العدم.

اللهَ قل – اللهَ قل، منصوبة على الاشتغال – وذر الوجود وما حوى                  إن كنتَ مُرتَاداً بلوغَ كمالِ.

فالكلُّ دون اللَهِ إن حقّقتهُ                                                              عدمٌ على التفصيل والإجمال.

قال:

فالكلُّ دون اللَهِ إن حقّقتهُ – أي إن فتَّشته –                                           عدمٌ على التفصيل والإجمال.

هل يبقى نهار بغير شمس؟ كلا، هل يبقى ظل بغير شاخص؟ كلا، لا وجود لوجود بغير المُوجِد، لا إله إلا هو! لكن لا بمعنى وجوده خالقاً فقط، بل بمعنى وجوده خالقاً ومُمِداً – لا إله إلا هو – وعالماً وحفيظاً وشهيداً ووكيلاً ورازقاً، كما قلنا لحظة بعد لحظة، في كل لحظة! ولذلك هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ۩، سُبحانه وتعالى.

واعلَم بأنك والعوالم كلَّها                                                            لولاهُ في محو وفي اضمحلال.

قال:

واعلَم بأنك والعوالم كلَّها                                           لولاهُ – لا إله إلا هو، سُبحانه وعز اسمه وجل مجده في عليائه، لا إله إلا هو – في محو وفي اضمحلال.

من لا وجود لذاته من ذاته                                                              فوجوده لولاه عين محال.

فالعارفون فنوا بأن لم يشهدوا                                                        شيئاً سوى المُتكبِّر المتعال.

ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً                                                  في الحال والماضي و الاستقبال.

إذا تعلَّق الأمر بنا فشأننا الآتي، وكلام الأول أبلغ وأدخل، وهو أبو مدين التلمساني قدَّس الله سره، أما أبو العتاهية فكلامه عنا وفينا، قال:

وما النّاس إلا هالك وابن هالك                                   وذو نسب في الهالكين عريق!

نحن أبناء الهلاك، نحن الهلكى، بمعنى أنه لا وجود لنا، ولذلك قال أيضاً في الأولى:

من لا وجود لذاته من ذاته                                             فوجوده لولاه عين محال.

مُستحيل! لن يكون، فائتني بذرة واحدة لها وجود من ذاتها في الوجود، كلا والله، من عرشه إلى فرشه، كلا والله، لا إله إلا هو! هذا بعض معنى ربوبيته.

ونعود، ما معنى هذه الكُليات؟ هذه الكُليات – مثل وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ۩، بِكُلِّ شَيْءٍ ۩، عَلَىٰ كُلِّ ۩، عَلَىٰ كُلِّ ۩ – موجودة في عشرات الآيات في كتاب الله، تُريد أن تستنقذنا من وهم الإجمال، هل تعرفون ما هو وهم الإجمال؟ تماماً كالذي نعلم أن الله – سُبحانه وتعالى – رب السماوات والأرض، علم إجمالي، هكذا! الله رب السماوات ورب الأرض، لكن الله يُريد منك أن تتنزَّل لتتعمَّق وتتحقَّق وتتجوهر بمعرفة هذا المعنى بشيئ من التفصيل على التفصيل، تبدأ تُدرِك كيف أنه ربك أنت، ورب هذا، ورب هذا، ورب هذا، أيضاً في أحوال على التفصيل، ربي في هذه الحالة، وفي هذه، وفي هذه، في هذا الوضع، في هذا الظرف، مع هذه الشروط، وتستحضر هذا دائماً، لذلك هو يقول لك إنه – سُبحانه وتعالى – رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۩، لم يقل رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩ فقط، لا! رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۩، عليم بكل شيئ، خُذ أي جُزئية على التفصيل، ستكون مشمولة بكونها مقهورةً ومحوطةً ومجلىً ومظهراً لكل صفات الله المذكورة في كتاب الله، لكلها! من علم وقدرة وخلق وشهادة وحفظ ووكالة وكلاءة وعناية ورحمة، إلى آخره! كُلِّ شَيْءٍ ۩.

هذا الذي يُنقِذنا من وهم الإجمال والعلم الإجمالي، لذلك لا تحسبوا أن الله – سُبحانه وتعالى، لا إله إلا هو – واحد لدى كل واحد منا، لا! للأسف لا، للأسف الله – تبارك وتعالى – عند رسول الله – أعني في قلب رسول الله، بإدراك رسول الله – ليس كالله الذي لواحد منا، لا! هل فهمنا؟ حقيقة مُحزِنة هذه ومُؤلِمة، نظن أننا نتشارك العبودية لرب واحد، لا! كلٌ منا يعبده ويعرفه بقدره، بقدرك أنت، بقدر ما تُريد، بقدر ما تتقرَّب منه، بقدر ما تجتهد في معرفته، بقدر ما تبتهل إليه وتُحِب أن تزدلف إليه، لا إله إلا هو! وبقدر ما يفتح عليك، وماذا يحصل إذا اقتربت منه أيها الأخ أو أيتها الأخت؟ إذا اقتربت من العزة وإذا اقتربت من الحضرة ما الذي يحصل؟ تزداد استنارة، لأنه هو النور المُطلَق، لا إله إلا هو! تزداد علماً ومعرفةً، تنفتح عين بصيرتك، فتغدو ترى ما لا ترى من قبل، وما لا يُرى ربما لغيرك أيضاً، ولله اختصاصات، قد يُريك ما لم يُره أحداً من عباده، ليس طبعاً من أصول التشريع وأصول الدين، إنما من دقائق اللُطف ودقائق الحكمة وتفاصيل الهيمنة الإلهية والشهادة على كل شيئ، أشياء عجيبة! وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ  ۩، هذا هو! شيئ عجيب.

كلما اقتربت منه – سُبحانه وتعالى – أشرق أُفق سريرتك، إذن انفتح أو انفتحت عين بصيرتك، أشرق أُفق سريرتك، ارتقى عقلك في درج الإدراك والمعرفة الحقيقية، هذا الترقي الحقيقي، ليس الترقي أن تقرأ كُتباً وأن تتحفَّظ نصوصاً وأن تُكرِّرها، لا! هذا العلم التفصيلي الذي يأتي بالعيش، بالفتح الإلهي، وبالتجربة مع الله سُبحانه وتعالى.

في دروس رمضان فصَّلنا في شيئ من معنى قوله – تبارك وتعالى – وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ۩، هذه جُزئية من أعظم آية في كتاب الله، الكرسي! آية الكرسي، والآية عجب، هذه الجُزئية عجيبة جداً، لم تقل ولا يُحيطون بشيئ من معلومه، لا! قالت وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ۩، نفى أن علماً لأي كائن ولأي خلق – خاصة الإنسان – يكون مُحيطاً بشيئ من علمه، طبعاً أن يُحيط علمنا بعلمه مُستحيل، كلام فارغ! لكن في الآية إشارة إلى أن علمه مُحيط بكل علم، بما فيه علومنا جميعاً، طبعاً بلا شك، مُحيط بكل علم وبكل معلوم، كما قلت وبنسبة واحدة، عند الله بنسبة واحدة! لا يُوجَد شيئ أصعب وشيئ أبعد وشيئ أدنى وشيئ مُوغِل في القدم وشيئ مُوغِل في الأبد، لا! كله عند الله بنسبة واحدة، وهذا شيئ عجيب، لا إله إلا الله! بنسبة واحدة، لكن ما معنى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ۩؟

قد يأتي مَن يتسافه ويتحامق مِن الملاحدة والنُفاة ليقول هذا الكلام غير معقول، هذه مُبالَغات، كيف؟ يقول هذا القلم – مثلاً – أنا مُحيط به، أعلم طوله وعرضه وحجمه ومادته التي منها بُنيَ أو صُنِعَ، وأعلم لون مداده، وأعلم على التقريب – وربما نُجري حساباً دقيقاً – كم كلمة يُمكِن أن تُكتَب بهذا المداد، إذن أنا أحطت الآن بشيئ من علم الله، نقول له أنت مسكين، أنت لا تعرف شيئاً.

ذكرنا مرة في هذا المقام الكريم – في خُطبة – أنه لو أراد أن يُحيط بمثل هذا الشيئ الحقير بصيراً لما استطاع، أليس كذلك؟ ذكرنا هذا، هو الآن يراه من جهة، ولا يستطيع أن يراه من الجهة الثانية، وهكذا! يستحيل، إذن أنت حتى بصرياً لا تستطيع أن تُحيط به، مُستحيل، هذا أولاً.

ثانياً هل يحسب هذا النافي – المُلحِد المسكين، صغير العقل والقلب والمعرفة – أنه يُحيط بمادة هذا الشيئ؟ إن كبار الملاحدة الآن يعترفون أننا لا يُمكِن حتى أن نلمس المادة، نحن نتعاطى مع قشرتها الخارجية، أما جوهر المادة فأمر يعتاص في أكبر عقول المُتخصِّصين في الطبيعة، أكبر مما تتخيَّل! ولذلك يقولون إذا أردت مهما تعلَّق الأمر بكهرب واحد أو كُهيرب أو إلكترون Electron واحد أن تعرف موضعه بدقة فيُمكِن أن يتسنى لك ذلك، لكنك ستفقد تحديد ما يُعرَف باندفاعه مُطلَقاً، سيُصبِح تحديدك لذلك صفراً، هذا صفر! والعكس صحيح، إذن أنت لست مُستطيعاً أن تُحيط حتى بماذا؟ بإلكترون Electron واحد، من بلايين بلايين الإلكترونات Electrons المُكوِّنة لهذا الجسم أو الداخلة في تكوينه طبعاً، لا تستطيع!

هناك ما هو أكثر من هذا، كل جُسيم وكل جُزيء في هذا الشيئ البسيط وهو مُحاط ومشمول بعلم الله – لا إله إلا هو – وبصفات أُخرى له تاريخ حياة طويل طويل طويل، هل تعرفون بطول ماذا؟ بطول الكون نفسه، كل جُسيم في هذا الكون دخل في أي شيئ أو كان فالتاً هكذا يُمكِن أن نعود بتاريخ حياته إلى لحظة الانفجار العظيم، إلى ما قبل خمسة عشر بليون – أي Billion – سنة، إذن هذا القلم مُكوَّن من ملايير الجُسيمات، لها تاريخ حياة بطول خمسة عشر بليون سنة، وكل جُسيم منها أتى من جهة مُعيَّنة من هذا الكون، كيف التأمت؟ كيف انضبطت؟ كيف يُمكِن حساب هذا؟ لا تُوجَد قوة في الكون كله – لا الكون نفسه ولا أي قوة فيه – تستطيع حساب هذا علمياً، رب العزة وحده – لا إله إلا هو – الذي يعلم كل هذه الأشياء، كما قلنا وبنسبة واحدة، ويعلم ما هو دونها وما هو أدق وأصغر وأكثر تعقيداً منها، إذن هذا معنى وَلَا يُحِيطُونَ ۩، لم يقل ولا يُحيط أحد، قال وَلَا يُحِيطُونَ ۩، كلهم حتى! كل البشر وكل المخلوقات مجموعةً لا تستطيع أن تُحيط بشيئ واحد من علم الله ومن معلومات الله، ولو كان حتى إلكتروناً Electron واحداً، ما رأيكم؟ لا تستطيع، الله أكبر! أإلى هذه الدرجة؟ إلى هذه الدرجة، وإلى ما هو أبعد من هذه الدرجة.

نعود إلى سؤال المقام، إذا كان قريباً – لا إله إلا هو – هذا القُرب كله إذن كيف يُطلَب إلينا أن نقترب منه؟ أن نقترب منه – كما قال مولانا ابن عطاء الله – بمزيد المعرفة به، بمزيد المعرفة به! ليس قُرباً حسياً، ليس وصولاً حسياً، وهذه المعرفة لا يُجدي فيها أن تكون إجمالية، ستبدأ إجمالية، لكن لابد أن نتدرَّج فيها تفصيلاً.

ولذلك يقول ابن عطاء الله في موضع آخر قريب قُربك منه هو قُربك من شهود قُربه، وإلا فأين أنت من وجود قُربه؟ لأنه هو قريب، لا أقرب منه، لا إله إلا هو! أقرب إلينا من أنفسنا، إذن أين هو؟ ولماذا نسعى إلى قُربانه – لا إله إلا هو -؟ أنت محجوب، هو قريب وأنت محجوب، يُراد من المُصطلَح – التقرب إلى الله – أن ينقشع الحجاب عن عين بصيرتك، عن قلبك، عن فؤادك، وعن نفسك، حتى ترى قُربه، لأنه ما أقرب منه، لا إله إلا هو! ولذلك قُربك أنت ما هو؟ شهود قُربه، وإلا فأين أنت من وجود قُربه؟ لا يقترب اقتراب محسوس إلى محسوس أو مخلوق إلى مخلوق، وإنما يقترب بأن يُشهِدك قُربه.

روى الإمام مُسلِم في صحيحه تأكيداً لهذا المعنى بالطريقة النبوية الراقية الشريفة والجليلة، قال قام فينا رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – بخمس كلمات، فقال – هذه طريقة رسول الله، ليست كطريقة أحدنا المُمِلة، خمسة آلاف كلمة، لا! خمس كلمات، أي خمس جُمل، هي خمس جُمل – إن الله – تبارك وتعالى – لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، هذه هي الرابعة، أما الخامسة – ولعلها أشرفها – حجابه النور، وفي رواية أبي بكر – أي أبو بكر بن أبي عياش – النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، النبي قام يُعلِّمهم، هكذا ارتقى بهم ليكونوا ربانيين، بأمثال هذه المعارف الإلهية الدقيقة، قال حجابه النور، وفي رواية أبي بكر النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه – أي لألاء وجهه، لا إله إلا هو! لألاء المجد والجلال والعزة والجبروت والعظمة، سُبحات وجهه، أي أنوار وجهه، لا إله إلا هو! ولألاؤه – ما انتهى إليه بصره من خلقه، طبعاً وبصره بكل شيئ مُحيط، أي الوجود كله، سيفنى عن آخره وعن بكرته في أقل من لحظة أو في أقل من شيئ من زمان.

يقول الإمام النووي – قدَّس الله سره الكريم – وحقيقة الحجاب للأجسام المحدودة، أي لما يُحَد، والله حاد وليس بمحدود، نحن نقول الله هو يحد كل شيئ، ويخلق حدوده، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ۩، أي حدَّدناه في الزمان والمكان، في الكم والمقدار والكيف والأحوال، الله يُعطي الشيئ مُواصَفاته، وهذا معنى التقدير بالمُناسَبة، هذا معنى التقدير! إعطاء الشيئ مقاديره في الزمان والمكان والكيف والأحوال والأعراض، ولكنه لا يحده شيئ، لأنه ليس محدوداً، هو المُطلَق، لا إله إلا هو! في كل معنى لائق به – لا إله إلا هو – وفي كل وصف من أوصافه الجليلة الشريفة.

إذن هذا الحجاب، قال حجابه، هذا يحجبه هو أو يحجبنا نحن؟ يحجبنا نحن عن رؤيته، هذا هو المعنى، قال حجابه والإضافة لأدنى مُلابَسة كما يُقول النُحاة، الإضافة لأدنى مُلابَسة! كما نقول بيت الله، كيف هو بيت الله؟ هل يسكنه؟ لا، البيت الذي خلقه الله، فهي إضافة مفعولية، إضافة مفعولية! الله لا يحجبه حاجب، إنما يحجب خلقه عنه هذا الحاجب، أما هو فجل أن يحجبه حاجب، لو حجبه لكان له ماذا؟ ساتراً، ولو كان له ساتراً لكان له حاصراً، ولو كان له حاصراً لكان له قاهراً، والله قاهرٌ فوق كل شيئ، هذا مُستحيل، لا يُمكِن لشيئ أن يقهر الله، وإنما الله يقهر كل شيئ، فهذا معنى حجابه، أي ما يحجبكم عنه، لا ما يحجبه عنكم، انتبهوا! ما يحجبكم أنتم عنه هذا النور الإلهي، لذلك نحن لا نُشاهِد ظهوره لفرط ظهوره سُبحانه وتعالى، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۩.

معنى آخر أود ربما أن أختم به هذه الخُطبة، ولكن تقدَّموا – بارك الله فيكم -، يبدو أن هناك ضيقاً وزحمةً في آخر المسجد، تقدَّموا – جزاكم الله خيراً – وأفسِحوا لإخوانكم.

قلنا في الخُطبة السابقة إن أصل السؤال عويص، أصل سؤال الاقتراب من الله والتقرب من الله عويص جداً، وله عُمق فلسفي، الآن نُحِب أن نُقرِّب هذا الشيئ بضرب أمثلة، مما ورد في شرع الله، لا في كلام المُتمعقِلين، وإنما من شرع الله تبارك وتعالى.

إذا أردت أن تقترب إلى أحد من الناس كيف تقترب إليه؟ تقترب إليه بما تُشارِكه فيه، أليس كذلك؟ تقترب إليه بما تُشارِكه فيه! أحياناً تقترب إليه بدنياً، أليس كذلك؟ تقول اقرب مني، اقترب مني، تأخذه، تمسح على يديه، تُربت على كتفه، وربما تُعانِقه، إذا كان قريباً، ربما يكون ولدك فتُقبِّله وتلثمه، وهذا المعنى مُتشارَك فيه، أي هذا المعنى مُتشارَك فيه بينكما، إذا تعلَّق الأمر بالناحية البدنية فإنه يكون هكذا.

إذا تعلَّق الأمر بالناحية العقلية فإنه يكون كالآتي، الآن عالم – مثلاً – يتلو مُحاضَرة علمية، تُريد أنت أن تزدلف إليه وأن تكشف عن وجهك له، لكي يُدنيك ويُحِبك، بماذا؟ هل تستعرض له عضلاتك – أي للعالم -؟ سيسخر منك، أليس كذلك؟ مُستحيل! هل تذهب إليه وتُحاوِل أن تُعانِقه؟ نعم يُمكِن أن يسمح لك أن تُعانِقه، ولكن لن يرتقي وهمه عن أنك ربما من الأغمار أو من عوام الناس وأنك أحببت علمه وصلاحه، لا! إذا أردت أن تقترب الاقتراب المخصوص بالعلماء وإلى العلماء فبما تتشاركان فيه، انتبه معي، ما هو؟ العلم، تقوم تطرح عليه سؤالاً ذكياً، لا كالأسئلة الغبية الكثيرة التي ترد على العلماء والتي لا يسألها إلا الصغار، إنما تسأله سؤالاً مما يعتاص على كثير من العلماء، فيعلم أنك من أهل المُشارَكة في هذا الفن، يقول لك يا أخي هل أنت من أهل هذا العلم؟ أين درست؟ ماذا تدرس؟ وما قصتك؟ يعلم أن هذا السؤال لا يطرحه كل أحد، سؤال صعب جداً، لا يخطر على بال الناس، فيأخذ في الجواب، لعلك تُباحِثه وتُفاوِضه في الجواب، وترد عليه بأدب، وهكذا تبدأ تنكشف الصورة له، وهكذا يبدأ – إن كان هو كامل النفس وكامل العلم والعقل كما يُقال – في توقيرك وفي إجلالك، لا تتحدَّث لي عن عالم حسود وعالم غيور، هذا صغير، ليس عالماً، العالم الحقيقي يفرح بهذا الشيئ، ويُحِب أن يتكثَّر هذا المعنى في الناس، معنى العلم والصلاح، كما قال ابن عباس، هذا العلم الحقيقي، ليس عالماً يغار من غيره ولا يُحِب لغيره الفضل، ما هذا؟ هذه طفولية نفسانية، وهكذا تزدلف إليه!

إذا تعلَّق الأمر بالعاطفة فإنه يكون كالآتي، هناك فتاة – مثلاً – خطبتها، وأنت في فترة الخِطبة تود أن تتقرَّب إليها، بماذا تتقرَّب إليها؟ هل تتقرَّب إليها بالمباحث الفلسفية أو بما يتقرَّب به ذلكم اللُغوي الأحمق؟ هو دارس لُغة عربية، عنده مال، عنده ادخار، وعنده كل شيئ، ولكن رفضته لأنه دائماً – ما شاء الله – يُصِر على القلقلة والاستفال وتجويد الكلام كما يُجوَّد كلام الله وإعرابه وعلى الدقائق الصرفية، كرَّهها في حياته، أين هذا؟ نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين يا حبيبي، هل أنت سيبويه وقد أتيت إلينا اليوم؟ هل أنت بُعِثت فينا؟ ما هذا؟ قالت له لا أُريدك، لا أُريد الزواج بك، ولا أُريد مالك ولا علمك هذا المُمِل، غبي هذا، ليس بهذا يُتقرَّب إلى النساء، إنما بماذا؟ بحديث القلب والعاطفة، أحب كلام تُحِبه المرأة – معروف – هو حديث القلب، يُقال المرأة تعشق بأُذنيها، والرجل يعشق بعينيه، معروف هذا! فهكذا تتقرَّب إليها عاطفياً.

الآن السؤال – وقد أصبح واضحاً، إلا أنه دقيق – بم نتقرَّب إلى الله؟ كيف نتقرَّب إلى الله؟ قلت لكم السؤال له بُعد فلسفي عميق جداً، كيف؟ لذلك بعض الناس يُنكِرون القضية من أصلها، يقولون لك هذه قضية فارغة، هذه أنسنة لله، أنت تُسقِط صفة الإنسان على الله وتظن أن الله بشراً أو إنساناً وتُريد أن تقترب منه، بماذا تقترب منه؟ يقول لك، كيف تقترب منه؟ هو ليس بشراً لكي تطلب عناقه، أستغفر الله، اللهم غفراً، أن تُباحِثه في مباحث عقلية وعلمية هذا كلام فارغ، أن تُشارِكه وجدانياً وعاطفياً هذا كلام أكثر من فارغ، السؤال صعب جداً إذن، هل أدركتم عُمق هذا السؤال؟ عميق جداً! كيف نقترب منه؟

طبعاً نحن مُطمئنون وسُعداء بأننا مُطمئنون إلى أنه يُمكِننا الاقتراب منه، هو قال لنا وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩، إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ۩، قال مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩، وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ۩، حدَّثنا عن القُرب والقُربان، نحن فخورون جداً جداً وشكورون لهذه النعمة الجُلى الكريمة، لكن جواب السؤال كيف؟ وهو سهل، وجواب قرآني، كيف؟ 

إذا استقرينا – ليس استقرأنا، هذا لحن، الصحيح هو استقرينا، استقرى يستقري وليس يستقرئ، أي من الاستقراء – موارد موضوعة القُرب في كتاب الله دلنا استقراؤنا على أننا نتقرَّب إليه بالصلاة والزكاة ونفقة المال وفعل الخير ومُجاهَدة النفس، وأمثال هذه الأشياء، لكن هذه هي الدائرة العامة، وبشكل عام بفعل الخير، كيف؟ هل تُريد أن تقول إننا إذا أصبحنا أكثر نفوذاً أو نفاذاً وأكثر عراقةً في معنى الخير وعمل الخير وإدراك الخير والدعوة إلى الخير – الفضيلة، المحبة، الجمال، وكل معاني الخير – فسوف نُصبِح أكثر قُرباً من الله؟ طبعاً، هل تعلمون لماذا؟ لأن الله هو ماذا؟ هو الخير المُطلَق، هو الرحمة المُطلَقة، هو العلم المُطلَق، إن جاز التعبير هو الفضيلة المُطلَقة، وهو الكمال المُطلَق.

فهذا  إذا أردت أن تقترب من هذا المُطلَق، لا إله إلا هو، لا أقول تُشارِكه وإنما تُحاوِل أن تقترب إليه فعلاً بما فيه معنى المُشارَكة، قد تقول لي ما الذي أعطانا القدرة على أن نكون لائقين ومُهيأين بأن نُشارِك بما فيه معنى المُشارَكة – وليس فيه حقيقة المُشارَكة الكاملة، أعوذ بالله – أو فيه صورة المُشارَكة – لا جوهر المُشارَكة -؟ الروح، الله أعطانا هذا بالروح، قال وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩، وهذا يُفسِّر لنا معنى الربانية التي نحن مأمورون بها، وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ۩، كيف أكون ربانياً؟ هل أتشبَّه بالرب أو أُنسَب إلى الرب؟ الآية فيها احتمال، يُمكِن أن تكون ربانياً – كما قلنا – بمعنى أن تقترب بما فيه صورة المُشارَكة.

هل لاحظتم أو تلمَّحتم أنه لا تُوجَد آية في كتاب الله تُحدِّثنا عن أن الملائكة ترتقي من طبق إلى طبق؟ لا تُوجَد آية تُحدِّثنا عن هذا، وقلنا هذا عدة مرات، لكن الآن هو سيُوظَّف في إطار نظرية قرآنية أُخرى، الملك – كل ملك، من جبريل إلى أدنى ملك من الحفظة أو غير الحفظة – له مقام معلوم، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ۩، انتهى! لا يستطيع أن يتجاوزه، الملك لا يستطيع أن يتقرَّب إلى الله كما نتقرَّب نحن، لا! تقربنا يختلف تماماً، ولذلك مقامه محفوظ، هو سيبقى في هذا المقام أبداً، نحن لسنا كذلك، مقاماتنا ليست محفوظة، نحن نتسافل ونُصاعِد، نتهابط ونرتقي – إن شاء الله تبارك وتعالى، جعلنا الله من الراقين، مراقي الصعود -، وهكذا! لماذا؟ لأنه نفخ فينا من روحه.

إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أشياء عجيبة الآن بدأن نفهمها حتى فلسفياً وشرعياً بعُمق، بمعنى – لكي أكثر وضوحاً – سنُجاهِد لكي نكون مجالي – شاشة سينما Cinema هكذا، مجالي، أي مظاهر – أو وسائط أو وسائل أو قُنى أو قنوات، من خلالنا يُظهِر الله رحمته، يُظهِر الله عدله، يُظهِر الله محبته، ويُظهِر الله رعايته، إلى آخر هذه المعاني، الآن وضح المعنى تماماً، أي كما أظهر الله عدله من خلال عمر بن الخطاب، آمن الناس بالعدل من خلال عبد صالح جاهد نفسه في الله، آمن الناس أن الله هو العدل – لا إله إلا هو – و: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ۩، آمنوا! فعلاً رسخ إيمانهم بوجود هذه القناة، بوجود هذه الشاشة الإلهية التي اسمها عبد الله عمر بن الخطاب.

الإنسان الفقير المحروم المُتهِّدم بالفقر والمسكنة قد يأتيه هذا ويُعطيه صدقة، ويأتيه هذا بهدية في جنح الليل، بعضهم يأتونه من حيث لا يفضحون كرامته ولا يُريقون ماء وجهه ولا يمتنون عليه، وربما أتوه مُتخفين، لا يعلم مَن الذي آتاه، ولا يُريد له أن يُعلَم مَن هو، الله أكبر! مثل هذا سيبكي وسيمد يديه إلى السماء ويعلم أن الله – تبارك وتعالى – هو المُنعِم، أن في الكون رحمةً، أن في الكون شفقةً.

باستقراء قصص وسير حياة الملاحدة الكبار والطواغيت العظام وجدت الآتي، واقرأوا قصص وسير حياة الملاحدة الكبار والطواغيت العظام، أنا وجدت مُعظَم هؤلاء – سُبحان الله – نشأوا وكابدوا طفولة محرومة، طفولة يائسة، وطفولة سوداء، جعلتهم يكفرون بالله تبارك وتعالى، لأنه لم يقم في المُجتمَع ولا من الناس برهان ودليل أن هناك رحمة، أن هناك خيراً، أن هناك إحساناً، أن هناك عطاءً، وأن هناك محبةً، كفروا! قالوا عن أي محبة تتحدَّثون؟ ثم يبدأ أحدهم يتلو عليك فصولاً من حياته، كيف قُتِل أبوه ظلماً؟ كيف اغتُصِبت أمه؟ كيف اضطُرت أن تُتاجِر ببضعها لكي تُعينهم؟ كيف كانوا مظلومين في الشوارع، من الجيران، من الأقربين، من الأستاذين، من… ومن…؟ يقول لك ثم تُحدِّثني عن رحمة إلهية وعن إله مُدبِّر للكون؟ أين هذا؟

لذلك أنت تقترب من الله وتزدلف من الله – تبارك وتعالى – إذا نجحت أن تجعل نفسك ستارةً لصفات الله ومجلىً لأسماء الله الحُسنى، ولذلك انتبه الآن، وهذا لأول مرة أقوله، الآن خطر لي، من أولياء الله الكبار جداً مَن فسَّر الاسم الأعظم بمحمد، تسمعون كلكم بالاسم الأعظم، اسم الله الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب وإذا سُئل به أعطى، بعضهم قال لا، ليس اسماً كالرحمن والرحيم، قال لا، الاسم الأعظم هو محمد بن عبد الله، كيف؟ كيف يكون اسم محمد هو الاسم الأعظم؟ قال لكم لأن الاسم هو ما دل على المُسمى، أكبر ما دل ومَن دل على الله قولاً وحالاً وعلماً وعملاً هو مَن؟ محمد بن عبد الله، قال هذا اسم الله الأعظم، فهم عجيب لدى هؤلاء العارفين، فهم عميق جداً، معنى هذا أنهم قطعوا كل هذه الأشواط وجاوزوها في الفهم، قطعوها كلها، كل هذه الأشياء خطرت ببالهم، أجروها على خواطرهم وفهموها وتعمَّقوها وتجاوزوها، هكذا! 

فأنت تقترب إلى الله بهذا المعنى، أن تجعل نفسك قناةً يعبر من خلالها كرم الله إلى الناس، إحسان الله إلى الناس، ومحبة الله إلى الناس، إلى آخره، إلى آخره! وتفعل هذا حتى مع الناس المحجوبين، وحتى مع الذين لا يعرفون الله، وسيعرفون الله بمثل هذا الشيئ.

لكي تطمئنوا وترتاح نفوسكم سأختم بحديث صحيح يُؤكِّد هذا المعنى تماماً، بل هو عينه، الذي أخرجه مُسلِم في صحيحه من حديث أبي هُريرة، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، قال قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – يقول الله – تبارك وتعالى – يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، أنا كنت مريضاً وعليلاً، لماذا لم تأت لزيارتي؟ فيقول يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ هل تمرض أصلاً أنت؟ وهل تُعاد في مكان أو في محلة؟ يقول أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده؟ الله أكبر! فإذن هذا هو، هكذا نتقرَّب إلى الله إذن، هل فهمتم؟ بمحبة الخلق، بالتواصل مع الخلق، برحمة الخلق، بنفع الخلق، وبأن نكون ربانيين في تعاطينا مع عباد الله، وسنشعر بعد ذلك بأننا فعلاً ربانيون، وسنشعر بقُربه منا، لا إله إلا هو! مع أنه قريب، بالحري سنشعر بقُربنا منه، سيرتفع الحجاب.

توهمت قِدْماً – أي قِدَماً، للضرورة الشعرية – أن ليلى تبرقعت           عن الأعين اللاتي إلى حبها تنمى. 

وقلت بجهلي كيف يرجى وصالها                                                 وأن حجاباً دونها يمنع اللثما. 

فلاحت فلا والله ما ثم حاجب                                               لها عن قلوب حولها أصبحت حوما. 

وأيقنت أن لا حجب عن نور حسنها                                      سوى أن طرفي عن محاسنها أعمى.

ستُدرِك أنك انت الذي كنت أعمى، أما هو موجود وقريب وعلى كل شيئ شهيد، لا إله إلا هو! 

توهمت قِدْماً أن ليلى تبرقعت                                       عن الأعين اللاتي إلى حبها تنمى. 

وقلت بجهلي كيف يرجى وصالها                                       وأن حجاباً دونها يمنع اللثما. 

فلاحت فلا والله ما ثم حاجب                                      لها عن قلوب حولها أصبحت حوما. 

وأيقنت أن لا حجب عن نور حسنها                             سوى أن طرفي عن محاسنها أعمى.

هكذا! قال أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده؟ انتبهوا إلى هذا المعنى، هل يشعر بعضكم بأنه يجد قلبه ويجد قُربه من الله أكثر كلما جالس البائسين المحزونين الغلابة – كما يُقال – المُهانين الفقراء والمساكين؟ هل تشعرون بهذا المعنى – معنى القُرب والصفاء والإخبات والخشوع – حين تزورون إنساناً على قد حاله – كما يُقال -، أي إنه بسيط، أثاث بيته بسيط جداً، يُذكِّرك بأثاث بيت جدتك قبل خمسين سنة أو أربعين سنة؟ نعم، أنا أشعر بهذا، أُحِب هذا جداً، وأعتقد أنكم جميعاً تُشارِكونني هذا الشعور، هل تعرفون لماذا؟ لأن الله قال أنا عند المُنكسِرة قلوبهم من أجلي، أنا عندهم، أنا معهم دائماً، إذا جلست إليهم، إذا سلَّمت عليهم، إذا دعوا لك، وإذا باحثتهم – إلى آخره – فستشعر بأنك قريب من الله.

قال إني أقترب من عبادي المساكين كل يوم كذا وكذا، ولولا ذلك لانهدموا، قال أنا أقترب منهم، أنا أدنو منهم وأُلقي عليهم رحمتي وتثبيتي، وإلا لانهدموا المساكين من شدة البأس والفقر والحُزن والمسكنة، ولذلك قال إذا مرض أحد هؤلاء اذهب وعُده، ستجدني عنده، هذا معنى مرضت فلم تعدني، وإلا – أعوذ بالله – الله لا يمرض، ثم قال يا ابن آدم استطعمتك فلم تُطعِمني، قال يا رب وكيف أُطعِمك وأنت رب العالمين؟ قال مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۩ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ۩، هو قال هذا، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۩، لا إله إلا هو! هنا قال له لا، أنا استطعمتك، أردت طعاماً، قال كيف أُطعِمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تُطعِمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ أي أجره، أي لوجدت أجره، أو لوجدت هذا الفعل الكريم عندي، سيشفع لك ويشهد لك.

قال يا ابن آدم استستقيتك فلم تسقني، علماً بأنه يُقال سقاه يَسقيه وأسقاه يُسقيه، وهما قراءتان سبعيتان في كتاب الله، استستقيتك فلم تسقني، قال كيف أَسقيك أو أُسقيك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تُسقه أو تَسقه؟ أما إنك – من غير أن يقول أما علمت هنا، ربما هذا من تصرف الرواة – لو سقيته أو أسقيته لوجدت ذلك عندي.

أعتقد أننا إذا خرجنا من هاتين الخُطبتين بهذا المعنى وحده لكفانا، مَن أراد أن يتقرَّب إلى الله – لا إله إلا هو – ويزدلف إليه فليفعل الخير إلى عباده، هذا أقصر طريق ألى التقرب.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُفقِّهنا في الدين، وأن يُعلِّمنا التأويل، وأن يُفيض علينا فيض العارفين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، فيا فوز المُستغفِرين!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، اللهم ربنا، يا ربنا، يا ربنا، لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم في هذا المقام الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه، ولا حاجة لنا من حوائج الدنيا والآخرة لنا فيها صلاح ولك فيها رضا إلا أعنت على قضائها بفضلك ومنّك وتيسيرك أي رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولمَن حضر، واجعل تجمعنا هذا تجمعاً مرحوماً وتفرقناً من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تدع فينا شقياً ولا مطروداً ولا محروماً، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۩، واغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالإحسان إحساناً وبالإساءة غُفراناً، وصل وسلم وبارك على محمد، خيرتك من خلقك، وحبيبك من عبادك.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(26/10/2007)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

تعليق 1

اترك رد

  • مساء المجد و الكبرياء و العظمة .. فعلاً حُقَّ لابراهيم عليه السلام إذ أراه الله ملكوت السماوات و الأرض أن يقول : { إني سقيم } فإذا كان مجرد الحديث عن الله و عظمته و ملكوته باعثاً على التأوه و الشعور بالضعف و الفقر الشديد حياله سبحانه فكيف بمن رأى ذلك رأي القلب و العين و ليكون من الموقنين { إن إبراهيم لحليمٌ أواهٌ منيب } .. ماذا أقول ؟ .. إنه الحديث الذي لا يمله قلب المؤمن ليل نهار …. كنتُ أسائل نفسي يوماً : ما هي النعمة الحقيقية فبحثت في القرآن عن كلمة [ نعمة ] في عدة مواقع فوجدت معناها هو : محبة الله ، من هذه المواقع : { ما أنتَ ـ بنعمة ربك ـ بمجنون } يقسم رب العزة بمحبته لرسوله أن نبيه ليس بمجنون ، { صراط الذين أنعمتَ عليهم } : أي الذين أكرمتهم بمحبتك ، { و إذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمتَ عليه } : هو زيد حِبُ رسول الله و ما ذكر الله اسمه في القرآن إلا لمحبته إياه ، { و أما بنعمة ربك فحدث } : أي اجعل حديث نفسكَ محبةَ الله و كلامه { الله نزل أحسنَ الحديثِ كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله } و كذلك يشمل المعنى تحديث الناس بنعمة الله ( محبته لخلقه ) لأن أعظم دليل على الحب هو الكلام و الحديث { أولم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم } { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم و لا أدراكم به } فأكبر نعمة أن ربنا أراد أن يكلمَ عباده بالقرآن الكريم دليل محبته إياهم .. و تساءلتُ يوماً عن معنى الحجاب و كشفه هل حقاً يُحرَق كل شيئ إذا كشف سبحانه و تعالى حجابه ؟؟ . فمن كثرة تفكرنا و رؤيتنا رحمته الغامرة لا نظن أن يحدث منه و به إلا كل الخير و الجمال و الفرح و السرور و نستبعد الحرق و الإحراق لكن تفكرت في المعنى البعيد لهذه الجملة [ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما امتد إليه بصره ] فوجدت أن معناها هو تلاشي و ذوبان كل شيئ في القلب حيال دخول معرفته و حبه القلب و كأنما أصاب الأغيار حريق و لم يبق سواه سبحانه { و أصبح فؤاد أم موسى فارغاً } فالحرق هو هذا الفراغ و التجرد لله { فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب } [ إن الله يطلع على قلب عبده فإن وجده فارغاً ملأه بحبه ] لأنه سبحانه يغار على قلوب أحبابه من أن يشاركه فيها أحد و بالنسبة لأعمالهم يظل يهذبهم و يربيهم بإعلامه إياهم أنه أغنى الأغنياء عن الشرك فإن عمل أحدهم عملاً قصد فيه غيره تركه و شركه فهم دائماً على خوف من السلب بعد العطاء و من الحجاب بعد المكاشفة { إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو و إن يمسسك بخير فهو على كل شيئٍ قدير } أي قدير على سلب هذا الخير و العياذ بالله سبحانه نعوذ اللهم برضاهك من سخطهك و بمعافاتك من عقوبتك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك …

%d مدونون معجبون بهذه: