غسان الكشوري باحث مغربي مهتم بالشؤون الدينية والفلسفية
غسان الكشوري
باحث مغربي مهتم بالشؤون الدينية والفلسفية

يتفق الجميع تقريبا على إدانة تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش). وكباقي الدول العربية المجاورة، يتخوف المغرب ويحتاط أيضا من الارتدادات ونتائج الحرب غير النظامية وزحفها عبر البلدان الهشة سياسيا. كما يبرر هذا التنظيم من جهته، أفعاله وما يقوم به على أنها تطبيق للشريعة الإسلامية، وأنها سبيل لإعادة الخلافة الموعودة كما في أدبياته، مستندا إلى قواعده الفقهية في الاجتهاد والجهاد.

لكن وبعيدا عن الجغرافية السياسية والمناخ المتقلب في سوريا أو العراق، سنفترض جدلا أن داعش دولة مستقلة، أو في طور التكوين في أية رقعة عربية؛ وهي أيضا معزولة عن العلاقات الخارجية، المخفي منها والمعلن. نعم، نستنكر ما تفعله داعش شكلا ومضمونا؛ لكن ماذا لو فرضنا: أن داعش لم تقم بعمليات القتل سرا أو علنا، واكتفت فقط بمحاولة تأسيس دولة إسلامية يُرجئ القتل فيها لحين إرساء أركانها. هل سيندد الجميع ويعتبرون رأيهم فيها (أي في داعش غير القاتلة)، تدخلا في شؤون دولة لها حرية اختيار ركائزها؟

يتخوف المغرب كباقي الدول العربية المجاورة، ويحتاط أيضا من الارتدادات ونتائج الحرب غير النظامية وزحفها عبر البلدان الهشة سياسيا

إذا كان الجميع يتفق حاليا على الفعل والأثر الذي تحدثه داعش كونه حربا ميدانية أو نفسية متشعبة تحتاج إلى تحليلات أكثر، فإننا في هذه السطور، سنحيد عما تؤول إليه السيناريوهات البَعدية، وسننظر في الحالة التكوينية التي بيننا؛ أي ما يحرك سلوكيات البعض منا دون وعي منهم أو عن فعل مقصود. سننظر في “القابلية لداعش”، والتي تتكون نواتها في مرحلة “اقتناع قبلي” (يمكن أن يتحول إلى داعش في صورته النهائية!)، لا تتصل بالجسد وتنقصها السلطة أو الوعي الجماعي (التنظيم). أما ما يسمى داعش في الوقت الراهن؛ فلا يكمن عنفهم في مضمون أفعالهم فقط، بل في الإجبار والإكراه. وهذا ما توفره السلطة لهم، إذ لا حاجز يمنعهم من إكراههم، ولا أحد يجبرهم على أن يجبروا أحدا. وبالتالي، فالحالة القبلية و”القابلية لداعش”، تحتاج إلى تحليل لبعض أنماطها وتجلياتها الاجتماعية. وأين وكيف تتجلى سياقاتها التي تتشكل فيها لبنات الإكراه والإجبار؟

لن نتكلم هنا بإطلاق عن حالة الفرد داخل مجتمعه الإسلامي، وما تفرضه عليه السياقات التاريخية أو الاجتماعية والاقتصادية. ولا أيضا منتهجين مسعى “التفاعلية الرمزية”(*) بمعناها السوسيولوجي، بيد أن مسار الحديث سيتجه نحو حالات المشترك الجمعي والسلوكيات البينشخصية، كما لن يشكل أي جنس أو أية فئة أو بقعة جغرافية، أو حتى سلوك فردي- جماعي انعكاسا وحيدا لما أسميناه بـ”القابلية لداعش”.

قضية العنف

في كتابها عن “الأنماط الثقافية للعنف”، أكدت باربرا ويتمر على ضرورة دراسة الشيء الذي لا يقال عندما نحكي عن قصة العنف، ما الحضور الغائب في خطاب العنف؟ وفي الأطاريح التي كتبت عن العنف، نجد تشكلاته في حالات عديدة منها المادي الفسيولوجي والعنف اللامادي والرمزي. ونجد امتداده في سياقات مع مفاهيم أخرى كالأسطورة، والأيديولوجيا، والتاريخ، والدين، والمقدس.. وبتعدد أشكاله النظرية أو التطبيقية، يتوسع مجاله المفهومي. وإذا كان حديثنا هنا عن حالة قبلية غير مادية تنفيذية، (ما قبل داعش كما أشرنا)، فما الذي يجعلها مرحلة رمزية تعكس سلطة عنفية بأبعاد اجتماعية ودينية؟

يعرف بيير فيو العنف، أنه “جميع الأعمال التي تتمثل في استخدام القوة أو القسر أو إكراه بوجه عام، ومثالها أعمال الهدم والإتلاف والتدمير والتخريب، وكذلك أعمال القتل والفتك والتعذيب وما شابه… العنف ضغط جسدي أو معنوي ذو طابع فردي أو جماعي ينزله الإنسان بالإنسان”([1]). وفي كتابه “الدين والعنف”، يعرف روبرت ماكفي براون العنف أنه انتهاك للشخصية، وأنه تَعَدٍ على الآخر أو إنكاره أو تجاهله، ماديا أو غير ذلك([2]). وإذ تختلف التعريفات حول العنف، عموما، في كونه إفراط في القوة أو إيذاء للآخر أو ضغط يوجه إلى الآخر، يبقى القاسم المشترك بينها هو جانب الإكراه.

سنسوق هنا بعض الأمثلة ذات النمط الثقافي، وهي بطبيعة الحال تبقى خاصة، لنفهم ما رمزية السطوة، باعتبارها عنفا يخدم السياق الديني في حالتنا هاته:

– في البيت: عندما نجد الأب (أو الأم) يفرض على أهل بيته توجهه ورغباته وما تربى عليه، بوسائله الإجبارية الخفية أحيانا والعلنية الصريحة: في طريقة اللباس بين الزوجين أو الأبناء، ووقت الخروج والدخول، وتحديد الأولويات التربوية، وما يحل في الأكل والشرب. وحتى في ما يختاره الأبناء في توجههم التكويني والعلمي، بل وقد يمتد الأمر (في بعض الحالات) إلى فرض الصلاة وأداء الشعائر والطقوس الدينية جماعة أو اتباع منهج ومذهب ما، في طريقة الاعتقاد إجمالا. وقد يتجلى الإكراه في أنذر حالاته، عندما يتمادى الابن أو من له الكلمة العليا في البيت: أن يجبر الآخرين على اتباع ما يعتنقه؛ فيمنع الموسيقى والتلفاز، ويستغل مسؤوليته المادية لترجيح كفة احتمالية الحق في نظره.

تختلف التعريفات حول العنف، عموما، في كونه إفراط في القوة أو إيذاء للآخر أو ضغط يوجه إلى الآخر، ويبقى القاسم المشترك بينها هو جانب الإكراه

– في الشارع: غالبا ما تمر وتسمع من يصف فتاةً بالمتبرجة، أو فتىً بغير السوي، لا لشيء إلا لأن لباسهما غير مناسب في نظره، أو تسمع من يسبّ الجميع، لأن معاصيهم ستجعل الله يغضب؛ أو من ينقم على من يأكل علنا في رمضان (في بعض الدول العربية يجرم القانون الإفطار علنا). أو على امرأة تريد أن تدخن أو ترتدي سروال “جينز” كما يفعل الرجال.. أو أن تغطي أو تكشف شعرها كيف ووقت ما تشاء.

– وفي وسائل النقل: أحيانا تجد سائق التاكسي يستمع للقرآن بصوت مرتفع، أو إلى موضوع ونقاش ديني في الراديو، يراه مناسبا أو واجبا على الجميع الاستماع إليه. أو أن يفتح النافذة أو يغلقها بسبب “العطر المؤنث”، بل ويفرض أحيانا الوصاية على مكان الجلوس (ما داموا في مملكته وحيزه)، بدعوى منع الاختلاط والاحتكاك بين الجنسين.

– في وسائلنا التواصلية: كالفيسبوك والتويتر والواتساب… وغيرها، تجد من يلزمك أن تشاهد معه صورة أو فيديو موسوم بكل ما هو عقدي أو اعتقاد شخصي قد لا يلزمك ! وإن لم تفعل أو عارضت فكره، تصبح في نظره مصنفا في فئة “غير المؤمنين”. هذا إن لم يقم بالتشهير بك أو مضايقتك في كل ما تنشر.

– في بعض القنوات الإذاعية: نجد من يتكلم في الراديو مدعيا معرفة كل شيء؛ لأنه متفقه وعالم دين ويتكلم باسم الدين (لا باسمه). ولا نستطيع أن نواجهه أو نعترض عليه، لأننا لا نراه. فليس له الحرية الكاملة ليدعي ما يشاء فقط، بل يجبر المستمع أحيانا (في حالات الاستشارة النفسية الدينية) أن يقرأ مثلا سورة “البقرة” و”آل عمران” كل صباح، وأن يصلي كذا من الركعات.. وأن الطب النبوي هو الأنسب لحالته.. إلخ.

– في مسجد الحي: يظن مسير المسجد أو إمامه أن مكبر الصوت لا يزعج أحدا، ولو كان صوته حادا أو قريبا من شبابيك أحد المنازل. ففي وقت الفجر مثلا يرفع الأذان لإيقاظ الناس على اعتبار الصلاة خير من النوم، وأنها أنفع لهم. وعلى منبر المسجد يقول الخطيب/الداعية ما يشاء؛ يطيل أحيانا غير مراع لأشغال الناس بعد الصلاة. فلا يجد من يعترض أو من يخرج أو يتكلم ويناقش كلامه أو إطالته. فضلا عن الحيز المكاني الذي لا يتركه المصلون (صلاة الجمعة) للمارة في الطرقات، ولا مراعين الحق في الطريق العام. إضافة إلى الخطيب الذي يتوعد (باسم الله)، وعبر مكبر الصوت، من يسمع خطبته الآنية ولا يأتي إلى المسجد.

– في حضرة المدرس: من أكثر ما يحرض ويحفز على العنف هو ما نجده أحيانا في الكتب الدينية والتاريخية. فالصراع حول الحدث وقدسية المضمون والرأي الديني فيها، تتحول إلى ركائز يُعتمد عليها في أشكال العنف المباشرة وغير المباشرة. كما أن المهمة الموكولة إلى المعلم كصفة اجتماعية، لا تقبل التنقيص أو تخطئ مراجعه ومناهجه (ولو كان بعضها يؤسس لخطاب العنف عن بعد!).

يمكن أن ندخل ما ذكرناه في ما يسمى بالعنف الرمزي؛ فهذا النوع يأخذ صورة رمزية خفية ملتبسة، تمكِّن ممارستها من الوصول إلى غايته، وتحقيق ما يربو إليه من سيطرة وهيمنة دون اللجوء إلى القوة الواضحة والمعلنة. ويتغلغل هذا النوع من العنف في مختلف تجليات الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية([3]). ويعرف عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، العنف الرمزي بأنه: أي نفوذ يفلح في فرض دلالات معينة، وفي فرضها بوصفها دلالات شرعية، حاجبا علاقات القوة التي تؤصل قوته([4]). ورغم أن “رمزية بورديو” تحتاج إلى تحليل موسع تتسق فيها الإشكاليات التربوية والاجتماعية، مع ما نحته هذا السوسيولوجي بمعجمه الخاص. إلا أنه اعتبر أن “القوة الرمزية هي شكل للسلطة تمارس على الأجساد مباشرة خارج كل إجراء جسدي كما يفعل السحر، لكن ذلك السحر لا يعمل إلا إذا استند إلى استعدادات مودعة، كمحركات، في أعمق أعماق الأجساد”([5]). لكن وعلى النقيض من السحر، يضيف لنا دوركهايم قوة المعطى الديني، القائم على الواجب والطوعية بالضرورة. فالدين يفرض علينا قوته التقييدية، باعتباره سطوة المجتمع. ومن هنا توصل دوركهايم إلى طرحه القائل إن الدين هو “المجتمع يعبد ذاته”([6]).

تلك الأنماط والأمثلة التي سقناها جمعت، نوعا ما، رمزية بورديو مع تقييدية دوركهايم. وما تمثل فيهما من قوة هو ما جعل دلالة السلطة تحول الرمزية إلى عنف بالشكل الذي ذكرنا. فهذه الأشكال – أي الأنماط – مشبعة برمزية وظيفية مباشرة تقع بين كل مخفي ومعلن ودال ومدلول. وبالتالي يعد العنف الرمزي سلطة تفرض نفسها على نسق من الأفراد، وأنها تفرض نظاما من الدلالات والقيم والمعاني الرمزية. كما يأخذ هذا العنف دورة خفية حيث يتغلغل تأثيره في وعي ضحاياه بدورة عفوية دون إحساس منهم بإكراهات العنف التقليدية([7]).

لكن هل هذا العنف وهذه الرمزية التي يعكسها شكله، تتم كلها من خلال السلطة وداخل نظام خاضع هو الآخر لسيطرة الدولة، وعبر بعض المؤسسات (الرسمية أو غيرها)؟ وما الذي جعلنا نحن أيضا نربت على أكتاف العنف في حالته القبلية-الرمزية؟ وهل المجال والظروف هي ما سمحت لهذا العنف أن يظهر، أو أن العنف فطري كامن فينا؟

تبدو علاقة الواحد بالآخر هي علاقة سلطوية تتشكل في المجال الذي تمارس فيه، من خلال لعبة المواجهات التي تدعمها

إن للمؤسسات حياة رمزية؛ فالأشخاص داخلها (الخطيب، المذيع، الأستاذ،..) يتغيرون، لكن المؤسسة (الراديو والجامع والمدرسة..) تستمر. وبالتالي، فالعنف المؤسساتي على نحو سلبي هو عدم فعل أو فشل في الاستجابة لاحتياجات المنتمين اجتماعيا. وقد يتمظهر في العلاقات الشخصية كعنف الهجر أو الصمت. لكن بالمقابل، يمكن أن يستمر العنف داخل أولئك الأشخاص الذين غادروها إلى أي مكان أو مجال يظهر فيه؛ لأن هناك طاقة تدميرية، بحسب رأي إريك فروم، كامنة في كل إنسان. وليس من طبيعة هذا الإنسان إحداث الظاهرة المفاجئة، ولكن الاستعداد للتدمير تغذيه الأوضاع الدائمة وتحركه الأحداث الخارجية([8]). فيما ذهب عالم النفس أبراهام ماسلو إلى اعتبار دافع العنف هو “التوق إلى العدالة”. وبالتالي، نحن إزاء سلطة تنوب (وتريد أن تنوب) عن سلطة أخرى.

إن أثر الأشكال التاريخية للسلطة على الفرد لا يعتمد على تأثيرها الموضوعي. وإنما على العلاقة التي لدى الفرد مع ممثلي السلطة، وعلى المغزى الرمزي للخطب التي تكوّن هذه الأشكال، في محاولة إظهار تجربة الفرد داخل الدولة. ولذلك، يرى ماكس فيبر أن العلاقة بين الدولة والعنف علاقة حميمة بشكل خاص؛ فقد عرفت التجمعات المختلفة، بدءاً من العشيرة، العنف الطبيعي في الماضي، بوصفه وسيلة مألوفة جدا. كما أن الدولة وحدها هي مصدر الحق باستعمال العنف. فتاريخيا، كانت الدولة شأنها ككل التجمعات السياسية التي سبقتها، ترتكز على علاقة سيطرة الإنسان على الإنسان القائمة على العنف الشرعي (نعني بذلك العنف الذي يعتبر شرعيا)، وحتى تقوم الدولة، يجب أن يرضى الناس الخاضعين للسيطرة بالسلطة التي يدعيها المسيطرون كل مرة([9]).

لكن ومن وجهة نظر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، فهو يرى أن السلطة لم تعد تُـفهم بوصفها تقتصر على الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وشرطتها وقوانينها، بل تفهم بوصفها جملة من علاقات القوة المحايثة والمنبثة في الفضاء الاجتماعي بكل مجالاته ودوائره ومؤسساته. وبهذا المعنى، تبدو علاقة الواحد بالآخر هي علاقة سلطوية تتشكل في المجال الذي تمارس فيه، من خلال لعبة المواجهات التي تدعمها، أو الاستراتيجيات التي تستخدمها لكي تفعل وتؤثر، أو لكي تترجم في جهاز مؤسسي أو في شكل قانوني أو في خضوع اجتماعي. أما السلطة المرتبطة بالمعرفة، فإنتاج هذه الأخيرة لم يعد لمعرفة البشر أفرادا وجماعات، بل لإخضاعهم وتطويعهم. وهكذا صارت لكل سلطة معرفتها.([10])

لكن لا ننسى أن نذكر، بالجهة المقابلة، الرأي الذي يدعي “الاستحقاق” أو “قابلية التعنيف” (بكل أشكاله)، كحالات جلبت لنفسها العنف، وهي نظرية نعرفها عندما “نلوم الضحية بدلا من جلادها”. فالضحية المعنفة مثلا تلام على أنها كانت محفزا أو فاعلا لجلبة العنف (المرأة مكشوفة الساقين والذراعين في الشراع مثلا).

“لكن هذا التصنيف غير الملائم يخفض من قيمة العنف المرتكب في حق الضحية، ولهذا التصنيف جانب معاكس من اللافعل ينكر معالجة العنف المرتكب بحق الضحية، لأنه تم فعليا عزل الضحية عن العالم الأخلاقي، وبالتالي ليس لها حق “شرعي” في طلب العدالة. كما أن غياب سلطة تدعم مطالب الضحية يترجم إلى تسامح مع العنف ضد الضحية وإلى قبول الإيمان بشرعية مثل هذا العنف. هذا هو عنف الإذعان، أي الاستسلام غير المباشر لشرعية العنف الذي يحول دون الحل الفعلي لصدمة العنف. فهو يبقي الضحية معزولة عن الجماعة ودون وسيلة لاستعادة ثقتها بها وبعضويتها فيها. ويسمح باستمرار إعادة تمثيل الصدمة كسلوك اجتماعي مألوف”([11]).

ترى سيمون فايل (Simone Weil) أن ممارسة العنف حتى الحد الأقل يجعل من الإنسان مجرد “شيء”، بالمعنى الدقيق للكلمة، ويجعل منه جسدا ميتا. وبالتالي، فإن هذا “العنف المميت” يأخذ صيغا متنوعة فيما يتعلق بأدواته ونتائجه؛ منها الهيمنة على محددات الآخر ووجوده. وبالتالي، يتحول نفيه المعنوي إلى نفي جسدي، وهي حالة “داعش” كما قصدنا أول هذه السطور. ولأنه مجرد شيء يتحول الآخر إلى فرصة متاحة في نظره.

نعم، إن هذا الأمر يحتاج إلى توسيع للنظر من الناحية الاجتماعية والنفسية، لكل حالة اعتبرناها عنفا داخل نسقها أو كشكل من الأنماط الثقافية. وإذ تمت تلك النماذج بوسائل تواطئنا أو انقيادنا لها، أو كان دافع الهوية أو القائم أو القديم سببا مؤثرا؛ فهو أيضا موضوع يحتاج إلى تفكيك لدواعيه العقدية في النص الديني (التاريخي والمقدس) في مجالات وحقول معرفية أخرى.

إن هذا “العنف المميت” يأخذ صيغا متنوعة فيما يتعلق بأدواته ونتائجه؛ منها الهيمنة على محددات الآخر ووجوده

* تعتقد النظرية التفاعلية الرمزية أن الحياة الاجتماعية التي نعيشها مـا هـي إلا حصـيلة التفاعلات التي تقوم بين البشر والمؤسسات والنظم. وهذه التفاعلات تكون ناجمة عن الرموز التـي كونها الأفراد نحو الآخرين بعد التفاعل معهم، فعند عملية التفاعل يكون كل فرد صورة ذهنيـة تكـون بشكل رمز عن الطرف المتفاعل معه، وهذه الرموز قد تكون إيجابية أو سلبية. (مريم زعتر/ الإعـلان فـي التلفزيـون الجزائـري؛ رسالة ماجستیر/ جامعة منتوري، قسنطينة).

انظر أيضا فصل: التفاعلية الرمزية، من كتاب النظرية الاجتماعية، سلسلة عالم المعرفة عدد 244

[1] فيو بيير، العنف والوضع الإنساني، كتاب المجتمع والعنف (مجموعة من الاختصاصيين)، المؤسسة الجامعية للنشر، ترجمة إلياس زحلاوي، 1985، ص 148-149

[2] ويتمر باربرا، الأنماط الثقافية للعنف، سلسلة عالم المعرفة، 2007، ص36

[3] وطفة علي أسعد، من الرمز والعنف إلى ممارسة العنف الرمزي. مجلة شؤون اجتماعية، العدد 104، 2009، ص 65

[4] بورديو بيير، العنف الرمزي، بحث في أصول علم الاجتماع التربوي، المركز الثقافي العربي، (ط1) 1994، ص 5

[5] بورديو بيير، الهيمنة الذكورية، المنظمة العربية للترجمة، ترجمة سلمان قعفراني، (ط1) 2009، ص 66

[6] سكوت جون، علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، (ط 2) 2013، ترجمة محمد عثمان، ص 204

[7] وطفة علي أسعد، من الرمز والعنف إلى ممارسة العنف الرمزي. مجلة شؤون اجتماعية، العدد 104، 2009، ص 70

[8] فروم إريك، تشريح التدميرية البشرية ج2، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية السورية، 2006، ص 9

[9] فييبر ماكس، العلم والسياسة بوصفها حرفة، المنظمة العربية للترجمة، ترجمة جورج كتورة، (ط1) 2011، ص 263-264

[10] حرب على، هكذا أقرأ ميشال فوكو، مجلة نزوى NIZWA، العدد 83، يوليو 2015، ص 34-35

[11] ويتمر باربرا، الأنماط الثقافية للعنف، سلسلة عالم المعرفة، 2007، ص 70

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: