روتانا خليجية…شبابها.. أدرى بشعابها.
تابعونا http://twitter.com/#!/Khalejiatv و http://www.facebook.com/khalejiatv

روتانا خليجية أقوى البرامج الحوارية والاجتماعية والفكرية والرياضية والكوميدية.. اليومية والاسبوعية، بالإضافة لأروع المسلسلات العربية والخليجية وأضخم الإنتاجات الغنائية تجدونها فقط.. على خليجية..

الترددات.

NileSat 104 Freq. (11,296 MHz) – H – SR: 27500 S/s – FEC 3/4
102 Freq. (10,775 MHz) – H – SR: 27500 S/s – FEC 3/4
Arabsat Freq. (11,843 MHz) – H – SR: 27500 S/s – FEC 3/4

 

برنامج آفاق

اجتهاد النبي وأصحابه

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

إخواني وأخواتي:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، يظن بعض الناس أن الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – كانوا في حالة يُحسَدون عليها، لأنهم لم يكونوا يتعاطون ولا يتعانون الاجتهاد، إنما هي نصوص، نص من كتاب الله، ونص من سُنة رسول الله، من قوله أو فعله أو تقريره، ثم هو العمل بعد ذلك، أو الاعتقاد السليم.

وهذا في الحقيقة ظن في غير محله، الرسول نفسه – عليه الصلاة وأفضل السلام – في رأي جماهير علماء الأمة كان يتعاطى الاجتهاد، وهذا شيئ غريب، هذا شيئ غريب يدل بحد ذاته على أن النصوص لا تفي بحاجة الزمان والمكان والأشخاص المُتجدِّدة، هذه الحاجة مُتجدِّدة في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال – إخواني وأخواتي -، وإنما النصوص يُرجَع إليها دائماً ويُستهدى بها، يُرجَع إليها ويُستهدى بها في الاجتهاد.

حتى أُوضِّح المقصود بهذه العبارات التي قد لا تُلائم كثيراً من الناس مِمَن ليس لهم ربما سبق اطلاع أو تمهر أو تمرس بعلم الفقه وبعلم أصول الفقه، أُحِب أن أبدأ بتعريف الاجتهاد، ما هو الاجتهاد أصلاً حتى نقول الصحابة كانوا يجتهدون والرسول نفسه كان يجتهد في شرع الله أو في دين الله – تبارك وتعالى -؟

عرَّفه العلماء بتعريفات شتى، من أظهرها وأحسنها قولهم هو بذل الجُهد أو استفراغ الوسع، أي يبذل جُهده حتى النهاية، حتى لا يبقى مزيد، حتى النهاية! بذل الجُهد أو استفراغ الوسع، مِمَن؟ مِن العالم، العالم هو الذي يبذل جُهده ويستفرغ وسعه، في ماذا؟ في استنباط الحُكم الشرعي، بعضهم خصه بالأحكام الشرعية العملية، أي أحكام الحلال والحرام، أو الأحكام الفقهية كما نقول، على كل حال هذا هو الاجتهاد بشكل عام.

يُوضِّحه – إخواني وأخواتي – أن الحُكم الشرعي يُؤخَذ على أنحاء مُختلِفة، فيُؤخَذ مُباشَرةً من ظاهر النص الإلهي، من ظاهر قول الله – تعالى -، ومن ظاهر قول الرسول – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، فإذا وجد العالم أن الله – تبارك وتعالى – قال مثلاً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۩ يأخذ مُباشَرةً أن إقام الصلاة واجب أو فرض، وأن إتاء الزكاة واجب أو فرض، لماذا؟ لأن الله قال وَأَقِيمُوا ۩… وَآتُوا ۩… هذا فعل أمر، والأمر يدل أصالةً على الوجوب، إلا أن تأتي قرينة صارفة، تصرفه إلى غير الوجوب، كالإباحة أو الاستحباب، وهذا مُباشَرةً استباطه للحُكم من ظاهر النص.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، يقول يُؤخَذ من هذا السياق ويُفهَم من الآية أن الصيام مفروض علينا، نفس الشيئ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۩، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۩، هذا نهي، والأصل أن يُحمَل على التحريم، إلا لقرينة صارفة، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۩، فالزنا مُحرَّم، وهلم جرا!

هذا أخذ للأحكام الشرعية من الظواهر، من ظواهر النصوص، من ظواهر قول الله، وظواهر قول الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام -، بعد ذلك يُمكِن أن يُؤخَذ الحُكم الشرعي من معقول النص – إخواني وأخواتي -، من معقول النص! كيف؟

من معقول النص أي بالقياس عليه، وذلكم أنه يكون بين أيدينا نص في مسألة مُعيَّنة، وبما أن هذا النص ثابت في كتاب الله أو سُنة رسوله فالحُكم يكون ثابتاً به، أي الحُكم يكون منصوصاً، لكن هذا الحُكم المنصوص في مسألة مُعيَّنة تُسمى الأصل الآن لأن هذا سيُقاس عليه قد يكون مُعلَّلاً، هذا الحُكم المنصوص قد يكون مُعلَّلاً، فتُعقَل علته، يُعقَل له علة، لماذا أمر الله بهذا؟ لأجل العلة الكذائية، لماذا نهى الله عن كذا وكذا؟ لأجل العلة الكذائية.

العلة قد تكون واضحة، أي منصوصة، وقد تكون مُستنبَطة، تُستنبَط! وهناك طرق وتفصيلات ذكية وعبقرية للسادة العلماء – علماء أصول الفقه – في مسالك استخراج واستنباط وتهذيب أيضاً العلة، وهذه موضوعات تخصصية فنية على كل حال.

بعد ذلك يُبتلى الناس ويُستفتى العالم في مسألة مُعيَّنة لم يُنَص على حُكمها لا في كتاب ولا في سُنة، فيلحظ العالم ويلتفت إلى أن هذه المسألة – المسألة الحادثة – تتوفَّر على علة، هي الموجودة في المسألة الأصل، المنصوص على حُكمها، فيقول إذن من المعقول تماماً بطريق القياس – يقيس هذا بهذا وهذا على هذا، في الأصل قاسه بــ ، كما نقول قاس الأرض بالمتر Meter، على كل حال يقيس هذا بهذا أو هذا على هذا – أن نُعطي هذه المسألة الحادثة حُكم الأصل، يقول من المعقول جداً أن نُعطي هذه المسألة الحادثة – يُسمونها الفرع – حُكم الأصل.

ومن هنا عرَّفوا القياس بأنه إلحاق فرع بأصل في الحُكم – أي في حُكم الأصل -، بجامع العلة، لأن العلة واحدة في الاثنين، مثلاً وجدنا الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – يقول لا يرث القاتل، مَن قتل مُورِّثه يُحرَم مِن ميراثه، واستنبط العلماء العلة، لماذا؟ هذا نص، هذا حُكم منصوص، هناك موانع الإرث أو موانع التوارث، منها اختلاف الدين يا إخواني، ومنها القتل، هذا القتل، لا يرث القاتل، فوجدنا أن العلة بالاستنباط هي أنه استعجل، يغلب على الظن أنه قتله استعجالاً لحيازة نصيبه من تركته أو من إرثه، ومَن استعجل الشيئ قبل أوانه عُوقِب بحرمانه، وأصبحت هذه قاعدة بعد ذلك عند الفقهاء، قعَّدوها بهذه الصيغة أو بهذه الصياغة الجميلة، مَن استعجل الشيئ قبل أوانه عُوقِب بحرمانه، قالوا هذه العلة، استبنطوها!

بعد ذلك نُبتلى بمسألة رجل أوصى لرجل، فوجدنا المُوصى له قتل المُوصي، والنبي لم يتحدَّث في هذه المسألة، أنه إذا قتل المُوصى له المُوصي فإنه يُحرَم من الوصية، لم يتحدَّث في هذه المسألة، ولا فيها كلام في كتاب الله – تبارك وتعالى -، لكن بطريق القياس استنبطنا الحُكم، فقلنا سنُلحِقها بمسألة قتل الرجل مُورِّثه، بجامع العلة، لأن الذي قتل مَن أوصى له إنما أراد أن يستعجل حيازة الوصية، حيازة الوصية أي ما أُوصيِ به له، هو هذا، ومَن استعجل الشيئ قبل أوانه عُوقِب بحرمانه.

وجدنا الله – تبارك وتعالى – في كتابه الأعز حرَّم الخمر، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩، بعض الناس يظن أن هذه ليس فيها تحريم، لكن هذه صيغة من أقوى صيغ التحريم، أي أقوى من صيغة حرام أو حُرِّم عليكم الخمر، لماذا؟ لأنه يقول فَاجْتَنِبُوهُ ۩، عليكم أن تتحاشوا منه وأن تتباعدوا منه، كما قال فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ۩، لا أحد يقول إن عبادة الأوثان مكروهة أبداً، من أشد ما حُرِّم – والعياذ بالله تبارك وتعالى -، وهذا من هذا على كل حال.

بحث العلماء في العلة، لماذا حرَّم الله الخمر؟ بغض النظر عن اختلافهم في ماهية الخمر، وهل هو فقط ما يُؤخَذ من عصير العنب أو من أشياء أُخرى؟ مسألة أُخرى هذه على كل حال، اختلفوا ولكنهم انتهوا بعد ذلك إلى أن العلة في تحريم الخمر الإسكار، لأنه مُسكِر، فأفتوا ولا يزال العلماء والمُجتهِدون يفتون إلى زمان الناس هذا بأن كل ما أسكر فهو مُحرَّم.

الآن كل ما أسكر يُعَد خمراً أو لا يُعَد؟ هذه مسألة أُخرى، لا بأس أن تقول لا يُعَد خمراً، لكنه مُحرَّم، حتى وإن لم يكن خمراً طبعاً، لأنك إذا قلت يُعَد خمراً فسنقول هذا ليس من باب القياس، هذا من باب تحقيق المناط، هل هذا الشيئ يُسمى خمراً أو لا يُسمى؟ أنت تقول يُسمى، إذن حرام، لا! نحن لا نتحدَّث في تحقيق المناط، نتحدَّث في القياس، مادة أُخرى، ليست خمراً، لكنها جامعت الخمر في العلة، اشتركت مع الخمر أو اتحدت مع الخمر في العلة، وهي الإسكار، الخمر يُسكِر أو تُسكِر – الخمر يُذكَّر ويُؤنَّث – وهذه المادة المُستحدَثة الجديدة المُخلَّقة كما يُقال تُسكِر، إذن مُحرَّمة، لأن الله ما حرَّم الخمر لاسمها، أي لأن اسمها خمر، أو للونها، أو لكونها سائلاً، أو لكون لونها أحمر أو بنياً، أبداً أبداً! هذه الأشياء كلها اتفاقية عرضية، اتفاقية عرضية لا يتعلَّق بها حُكم، وإنما حرَّم الخمر لكونها مُسكِرة، فكل ما أسكر جامعها في العلة، فيأخذ حُكمها، هذا هو القياس – إخواني وأخواتي -.

في كتاب الله – تبارك وتعالى – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ۩، قال العلماء الاشتغال بالبيع وبعقود البيع مُحرَّم وقت النداء لصلاة الجُمعة، وطبعاً من باب أولى بعد ذلك، في أثناء الخُطبة والصلاة، مُحرَّم أن تشتغل بالبيع.

رجل لا يشتغل بالبيع، يشتغل بالرهن، يعمل عقد رهن أو عقد إيجارة أو مُقاوَلة، فماذا عن هذا؟ مُحرَّم طبعاً، لا يأت واحد لكي يقول الله قال الْبَيْعَ ۩، ولم يقل الإيجارة، لم يقل الرهن، لم يقل المُقاوَلة، ولم يقل أي شيئ من هذا، هذا غير صحيح أبداً، أي شيئ آخر من هذه الأبواب يشغل، لماذا؟ لأن العلة في تحريم البيع وقت النداء هي كونه يشغل عن الصلاة، يُلهي عن ذكر الله في هذا الوقت، وهي صلاة واجبة، مُؤكَّدة الوجوب بلا شك، أي صلاة الجُمعة، فالرهن أو عقد الرهن نفس الشيئ، أي يشغل، عقد الإيجارة يشغل، عقد المُكاراة أو المُقاوَلة يشغل، كل هاته الأشياء تُحرَّم بالقياس.

إذن الأحكام الشرعية كما تُؤخَذ من ظواهر النصوص تُؤخَذ من معقول النصوص بالاجتهاد، بالاجتهاد! أوسع مهايع وطرق الاجتهاد القياس كما قلنا لكم، هناك طريقة أُخرى أيضاً، كيف نأخذ الحُكم الشرعي؟ نحن قلنا الاجتهاد هو بذل الجُهد واستفراغ الوسع، في ماذا؟ في استنباط الحُكم الشرعي، ومن أين نستنبطه؟ من الأدلة التفصيلية، قال الله وقال الرسول، هذه أدلة تفصيلية، جميل!

الآن – إخواني وأخواتي – هناك طرق غير طريق الاجتهاد بالقياس، اجتهاد بأشياء أُخرى ليست هي القياس، وأيضاً هذه الطرق نستطيع عبرها وبواسطتها استنباط واستثمار الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، كيف؟ بالتنزيل على القواعد العامة – إخواني وأخواتي – التي فُهِمت واستُخلِصت من مجموع نصوص، ليس من نص واحد فقط، من مجموع نصوص! بتأمل مجموع نصوص استنبط العلماء مبدأ عاماً أو منهجاً، والمنهج هو الطريق، طريقاً للاجتهاد، سموه – مثلاً – الاستحسان، سموه الاستحسان وفيه خلاف طبعاً، فيه خلاف! بعضهم أخذ به، وبعضهم رده ولم يأخذ به، كالشافعية بالذات والظاهرية، وقالوا مَن استحسن فقد شرَّع.

باختصار دون تصديع رؤوسكم ما هو الاستحسان؟ الاستحسان أن نترك يا إخواني ظاهر القياس، وفهمنا ما هو القياس الآن، قياس ظاهر وواضح، نترك ظاهره، لقياس آخر أخفى منه، بحسب الظاهر هو أخفى منه وأضعف منه، لماذا؟ لعلة مُعيَّنة، نفعل هذا لعلة مُعيَّنة، نتلمَّح معنىً مُعيَّناً، وهذا أحد تعريفات الاستحسان.

هناك الاستصلاح، أي الأخذ بالمصلحة المُرسَلة، وطبعاً قد يقول لي أحدهم الشريعة اعتبرت المصالح، والمفروض أن كل الشرائع والقوانين تعتبر مصالح العباد، والناس لا يتعارفون إلا مصالحهم، وهذا صحيح، لكن المصلحة المُرسَلة يا إخواني التي يتحدَّث عنها الأصوليون دائماً في باب المُناسِب المُرسَل، حين يتحدَّثون عن مسالك العلة، المصلحة المُرسَلة هي مصلحة – انتبهوا – ليست مُعتبَرة بدليل شرعي بخصوصها، هناك مصلحة مُعيَّنة، وليس لدينا دليل شرعي بخصوص هذه المصلحة.

فمثلاً ليس بين أيدينا دليل شرعي على جمع المُصحَف الشريف في كتاب واحد بين دفتين كما فعل الصدّيق – رضوان الله تعالى عنه وأرضاه -، النبي أمر بكتب القرآن الكريم، لكن كُتِب مُفرَّقاً، الآن جمعه في كتاب واحد بين دفتيه لا يُوجَد عليه عندنا نص في كتاب الله ولا نص عن رسول الله، لكن أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب ومَن معهم مِن الصحابة الأجلاء رأوا أن في هذا خيراً كثيراً، ففعلوا هذا الشيئ، هذه مصلحة!

توثيق العقود كتابياً، هناك العقود، مثل عقد النكاح – مثلاً -، وطبعاً يُوجَد إشهاد عليه وكل شيئ، لكن في القديم كانت لا تُوثَّق هذه العقود كتابياً، تُوثَّق بالشهود، هناك مَن يشهد، لكن الشاهد قد يحضر، قد يغيب، قد يموت، وقد ينسى ويُصاب بالخرف، إلى آخره! فتقريباً قبل أكثر من مائة وعشرين سنة بدأ العالم الإسلامي يأخذ بهذه الطريقة، يُوثِّق العقود كتابياً، أي عقود النكاح، وهناك محاكم مُختَصة، إلى آخره! هذه مصلحة مُرسَلة، فلا بأس، تنفع الناس ولا تضرهم، ليس هناك دليل بعينه على مشروعيتها، لكن التأمل في مجموع الأدلة الشرعية يُعطي اعتبار مثل هذه المصالح بشروط طبعاً، بشروط! توَّسع فيها المالكية، لكن تقريباً ما من مذهب إلا أخذ بالمصلحة المُرسَلة، وإن كان السادة المالكية أكثرهم توسعاً كما نبَّه عليه الإمام الشهاب القرافي.

على كل حال إذن أيضاً هذه طريقة في الاجتهاد، اعتبار عُرف الناس، عُرف المُجتمَعات، العُرف! والعُرف في الشرع له اعتبار، ولذا عليه الحُكم يُدار، طريقة أيضاً في الاجتهاد، طريقة في الاجتهاد!

بعد ذلك – إخواني وأخواتي – هناك الآتي، بعد أن عرَّفنا الاجتهاد وعرَّفناكم بشكل عام كيف هي مسالك استنباط الأحكام الشرعية، وهي مسالك ثلاثة في الإجمال، تتفرَّع منها مسالك فرعية أكثر، نُريد أن نتحدَّث عن اجتهاد النبي، هل فعلاً النبي كان يجتهد وهو الذي يُوحى إليه من فوق سبع سماوات؟ هل كان يجتهد في المسائل الشرعية؟

نُحِب أن نُحدِّد الكلام في هذه المسألة، اتفق العلماء – هذا تقريباً عليه اتفاق كل العلماء – على أنه يجوز بالعقل – عقلاً وليس شرعاً الآن – للأنبياء أن يجتهدوا، ليس هناك مبدأ عقلي يمنع الرسول والنبي من أن يجتهد رأيه، عقلاً! لكن الكلام ليس في العقل، إنما في الشرع، هل يجوز للنبي أن يجتهد شرعاً؟ هل هناك أدلة على جواز الاجتهاد للنبي أو على وقوعه منه؟ أيضاً هنا الكلام في مقامين.

المقام الأول يجتهد في ماذا؟ اتفقوا على جواز هذا، بل حكى أبو بكر بن فورك – رحمة الله تعالى عليه – الإجماع، أجمعوا – قال أبو بكر بن فورك وغير ابن فورك -، أجمعوا على أنه يجوز للنبي وللرسول أن يجتهد في مصالح الدنيا وسياسة الناس وأمور الحرب، المسائل الدنيوية المعاشية يُمكِن أن يجتهد فيها النبي، وهناك أمثلة، كالحديث المشهور – مثلاً – الذي قال فيه أنتم أعلم بأمور دنياكم، هذا إنما قاله – عليه السلام – للسبب الآتي، أصل القصة أنه مر على جماعة من الأنصار يُؤبِّرون النخل – يأخذون من الذكور الطلع ويضعونه في الإناث، أي في رؤوس النخل الإناث، حتى يلقح، يلقحونه بذلك -، فقال لِمَ تفعلون ذلك؟ فأفهموه، فقال لو لم تفعلوا لكان أحسن، فتركوا التأبير، فشيَّص، أتى شيصاً، لم يأت على النحو المرجو، فسألوه يا رسول الله أنت قلت كذا وكذا؟ فقال أنتم أعلم بأمور دنياكم، إذن يكون قال ما قال – عليه السلام – من باب ماذا؟ من باب الاجتهاد، هذا اجتهاد في مسألة زراعية، يجوز له أن يجتهد، وقد يُخطئ، إذا أخذنا بظاهر هذا الحديث فسنجد أنه هنا وقع في الخطأ – عليه السلام -، هذه مسألة دنيوية بحت.

فابن فورك يقول أجمعوا على أنهم يجوز لهم الاجتهاد في هذه المسائل المعاشية الدنيوية، لا بأس! لكن نأتي الآن إلى هل يجوز للنبي أو الرسول والأنبياء عموماً أن يجتهدوا في مسائل الشرع والدين – في مسائل يجوز ولا يجوز، حلال وحرام، في مسائل دينية -؟ فاختلفوا هنا، الجمهور قال نعم، يجوز، الجمهور قال هذا، انتبهوا! أكثر العلماء قالوا نعم، يجوز للنبي أن يجتهد، وطبعاً لكونه يُوحى إليه إن أخطأ في اجتهاد فالوحي لا يقره على خطئه، يأتي مُباشَرةً بتعديله وتصويبه وتقويمه، فهو مأمون من الخطأ، أي اجتهاد مأمون الخطأ بعد ذلك، وفي النهاية لن يبقى على خطأ، وهذا فارق ما بين اجتهاده وما بين اجتهاد المُجتهِدين من بعده – عليه الصلاة وأفضل السلام -، الوحي يُصوِّبه، وقالوا الأدلة على هذا كثيرة، من كتاب الله ومن أفعاله أيضاً، هناك وقائع اجتهد فيها، وواضح أنه اجتهد، وسنُمثِّل لها.

من أظهر هذه الأدلة قوله – تبارك وتعالى – عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ۩، حين أذن للمُنافِقين أو لجماعة من المُنافِقين في التخلف عن تبوك – أي العُسرة، في السنة التاسعة -، فقالوا لو كان إذنه لهم عن وحي ما عتب عليه، كيف يقول له عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ۩؟ إذن هو إنما أذن لهم عن اجتهاد، إلا أن يُنازَع في المقام بالقول هذه مسألة من مسائل الدنيا.

وفي الحقيقة حتى أكون صادقاً مع نفسي ومعكم هذه المسألة يتعاورها الجانبان: الجانب السياسي التدبيري، والجانب الديني أيضاً، لأنه حين يكون الجهاد واجباً ومفروضاً تكون هذه مسألة دينية، مَن الذي يجوز له ديناً وشرعاً أن يتخلَّف عنه؟ هناك أعذار لابد أن تُحدَّد شرعاً، أي المريض، كالأعرج أو الأعمى – مثلاً -، إلى آخره! فهذه المسألة يتعاورها الجانبان: السياسي التدبيري، والديني التشريعي، فيُمكِن أن يُستشهَد بها.

أيضاً قوله – تبارك وتعالى – وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۩، واضح! هذا عتب شديد، عتب شديد على رسول الله، فيُفهَم منه أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – إنما فعل ذلك وكتم ما أمره الله – تبارك وتعالى – بالصدع به من باب الاجتهاد، مُستحيل أن يكون استند فيه إلى الوحي، وإلا ما عُوتِب فيه هذا العتب الشديد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، على كل حال لهم أدلة كثيرة، وطبعاً نحن سنتقصى أطرافاً من هذه الأدلة حين نُمثِّل لاجتهاده – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

وهناك مَن قال لا، النبي لا يجوز له أن يجتهد، وكل مَن منع القياس وأنكر وقوع القياس في شرع الله طريقاً للاجتهاد، قال النبي لا يتعبَّد الله بالقياس، أي بالاجتهاد بالقياس، وهذه طريقة أهل الظاهر، هذا ما يُفهَم من مسلك ابن حزم الظاهري – رحمة الله تعالى عليه -، أنه منعه، وقالوا لو كان يجتهد فلِمَ كان ينتظر الوحي حين كان يُسأل في مسائل ويقول لم يأتني فيها شيئ أو لم ينزل علىّ فيها شيئ وينتظر؟ نقول الجواب لم يكن ينتظر دائماً، في أحايين كثيرة كان يُجيب اجتهاداً، وليس عن وحي، وكما قلنا لكم ربما اجتهد وصوَّبه الوحي، كما في مسألة أسارى أو أسرى بدر، اجتهد النبي فيها رأيه، وأخذ برأي طائفة من أصحابه دون طائفة أُخرى، فنزل الوحي أيضاً يعتب عليه عتباً شديداً، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۩ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۩، الآيات! هذا هو، إذن واضح أن هنا يُوجَد عتب ويُوجَد تهديد، ولكن الله عفا وتجاوز بحُسن كرمه – لا إله إلا هو -، فهذه مسألة اجتهادية، هذه مسألة اجتهادية! وصحيح أيضاً أنه أحياناً كان ينتظر.

العجيب أن هذه الفئة التي منعت احتجوا بالآتي، ونُسِب هذا للإمام الشافعي، وفي الحقيقة الشافعي ذكر الأقوال ولم يُرجِّح بينها، فالأقرب أن يكون توقَّف، الأقرب أن يكون الشافعي توقَّف، لا أن يُقال إنه منع اجتهاد النبي، لأنه ذكر الأقوال دون أن يُرجِّح قولاً منها، فالأقرب أن يكون من المُتوقِّفين في المسألة، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

فما أُريد أن أقوله هو الآتي، العجيب أن هؤلاء المانعين من اجتهاد النبي احتجوا بشيئ يا إخواني هو أرجح وأحرى أن يكون حُجةً للذين جوَّزوا اجتهاد النبي، ما هو؟ ما قاله حين سُئل – عليه الصلاة وأفضل السلام – عن صدقة الحمير، الحُمر الأهلية أو الإنسية، هل فيها زكاة؟ هل فيها صدقة؟ فقال ما أُنزِل أو لم ينزل علىّ فيها شيئ، إلا هذه الآية الجامعة، وربما قال الفذة الجامعة، أو الفاذة الجامعة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۩ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۩، واضح يا إخواني أن مسلكه وصنيعه هذا – عليه الصلاة وأفضل السلام – يُمكِن أن يُعَد دليلاً على أنه يجتهد، هو اجتهد الآن، اجتهد! وكأنه أدخل صدقة الحُمر في عموم قوله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۩، هذا اجتهاد، هذا اجتهاد أيضاً يستند إلى النص وإلى روح النص وإلى عموم النص على كل حال,

فمن ضمن أيضاً الأدلة على صحة وجواز الاجتهاد للأنبياء عموماً ما ذكره الله – تبارك وتعالى – في شأن داود وسُليمان، وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ – أي الزرع – إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ۩ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۩… وهذه تقريباً آية واضحة في جواز الاجتهاد للأنبياء – عليهم الصلوات والتسليمات جميعاً -، ما معنى نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ۩؟ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ۩ أي رعت فيه بليل، النفش هو الرعي بالليل، فإن فعلت بالنهار يُسمى الهمل، الهمل والنفش! هكذا رُويَ عن ابن عباس – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -.

أُناس لهم بُستان يا إخواني أو لهم كرم، يقول ابن عباس قد أنبتت عناقيده، ولهم جيران عندهم غنم، نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ۩، ماذا حكم داود؟ وبماذا اعترض أو اقترح سُليمان؟

كونوا معنا بعد هذا الفاصل، بارك الله فيكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم إخواني وأخواتي.

إذن بماذا قضى داود النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في مسألة نفش الغنم في حرث قوم آخرين – أي في زرعهم -؟ قال ابن مسعود – رضوان الله تعالى عليه – كان كرماً، أي كرم عنب، أنبتت عناقيده، فنفشت فيه غنم جيرانهم، فأفسدته! فقضى داود – عليه الصلاة وأفضل السلام – بدفع الغنم لأصحاب الحرث، أي لأصحاب الكرم، قال هذا جزاء ما أفسدوه، فقال سُليمان – عليه السلام – أو غيرُ هذا يا نبي الله؟ ويُمكِن أو غيرَ أيضاً هذا يا نبي الله؟ قال ما ذاك؟ قال تدفع الكرم إلى أصحاب الغنم، فيقوموا عليه، وتدفع الغنم إلى أصحاب الكرم، فيُصيبوا منها – أي من ألبانها وأصوافها – وينتفعوا بها، حتى إذا عاد الكرم إلى ما كان عليه دفع أصحاب الكرم الغنم إلى أصحابها، سُبحان الله! حُكم ذكي وعجيب، فيه فتح إلهي، فيه تفهيم إلهي، ولذلك فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۩، قالوا هذا دليل على الاجتهاد، وإلا هذا نبي وهذا نبي، وإنما أصابه بالاجتهاد.

الآن حتى لا نُطوِّل – المسألة معروفة وموضعها كُتب أصول الفقه – نُريد وقائع وأمثلة على اجتهاد الحبيب المُصطفى – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً -، من هذه الأدلة والأمثلة قوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – المُخرَّج في الصحيحين لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، إذن هل هو أمرنا بالسواك عند كل صلاة أم لم يأمرنا؟ لم يأمرنا، إذن ترك الأمر بالسواك عند كل صلاة اجتهاداً، مُراعاةً لضعفنا، ورحمةً بنا، فلو كان أمر به عند كل صلاة أيضاً لكان أمر به عن اجتهاد، لماذا؟ لأنه لو أُمِر بالوحي أن يأمرنا به لما تخلَّف، لأمرنا! إذن في المسألتين هو يجتهد، لو كان أمر لأمر عن اجتهاد، ولما لم يأمر إنما تركه اجتهاداً – صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً -، وهذا واضح، هذا واضح في أن له أن يجتهد – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

أيضاً الحديث المُخرَّج في الصحيح، عن أم المُؤمِنين عائشة – رضوان الله عليها -، قال لها – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا عائشة لولا أن قومكِ حديثو عهد بكفر – قال قومكِ، يعني قريشاً، قال قومكِ حديثو عهد بكفر، هم أسلموا من قريب، وذلك يوم فتح مكة في السنة الثامنة – لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، وأنتم تعرفون أن الحجر الآن – نصف الدائرة هذا، حجر إسماعيل – يُعتبَر من داخل الكعبة، لماذا؟ لأن قريشاً لما تداعت الكعبة إثر طوفان ماء هكذا أصابها وبنتها من جديد قصَّرت بهم الحجارة، قصَّرت بهم الحجارة فبنوها كما هي الآن، وهذا الحجر يا إخواني يُحدِّد لنا الصورة التي كانت عليها الكعبة من قبل على قواعد إبراهيم، فالنبي أحب أن يُعيدها كما كانت، لكن لم يفعل هذا اجتهاداً منه، تركه اجتهاداً، لماذا؟ خشي أن يفتح ذريعةً لنكوصهم على أعقابهم وأدبارهم وكفرهم بعد إيمانهم، يقولون نعم، يُريد أن يلعب في الشعائر وفي المُقدَّسات، لماذا يفعل هذا الشيئ؟ مع أنه يبنيه على قواعد إبراهيم!

هذا الاجتهاد يا إخواني من باب ماذا؟ من باب الاجتهاد بماذا؟ هذا قياس أو استحسان أو استصلاح؟ لا، هذا اجتهاد بسد الذريعة، هذا سد الذرائع، يُوجَد عندنا اجتهاد بفتح الذرائع، ويُوجَد عندنا اجتهاد أكثر شهرةً بسد الذرائع، كل ما يُمكِن أن يكون طريقاً إلى إحداث فساد أو إحداث مفسدة يا إخواني الشارع أتى بسده، أتى بإرشادنا وهدينا إلى سده، فهذا من باب سد الذرائع.

في سورة التحريم لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۩، والقصة معروفة، قصة النزاع بين رسول الله وبين ثنتين من أزواجه – عائشة وحفصة رضيَ الله عنهما – بسبب العسل الذي كان يأكله عند زينب، والقصة معروفة تقريباً للجميع، وهي مُخرَّجة في الصحيح، فالنبي حرَّم على نفسه ما أباحه الله له، وطبعاً هناك روايات أُخرى أيضاً، تتعلَّق بمارية، أم إبراهيم، على كل حال حرَّم على نفسه ما أباحه الله له، سواء أكان أكل العسل عند زينب، أو سواء كان وطأه لأم إبراهيم، أي لمارية القبطية، حرَّم هذا الشيئ على نفسه، ولا يُمكِن أن يكون حرَّمه بالوحي، لماذا؟ لأن الله عتب عليه فيه وقوَّمه، قال لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۩، وعاد النبي عن ذلك.

استشارته – عليه الصلاة وأفضل السلام – أصحابه في أسرى أو أُسارى بدر كما ذكرت لكم، ونزول الآيات تعتب عليه وتعفو أيضاً من سورة الأنفال، يدل على هذا أيضاً، وطبعاً أحكام الأسرى أحكام شرعية، كيف نتصرَّف في الأسرى؟ هذه أحكام شرعية.

اجتهاده أيضاً – عليه الصلاة وأفضل السلام – يوم خيبر، والحديث طبعاً مُخرَّج في الصحيحين، وذلك حين رأى أصحابه وقد أوقدوا نيراناً على قدور، أي أوقدوا نيراناً تحت قدور، فقال علام؟ أي علام أوقدتم هذه النيران؟ ماذا في القدور؟ فقالوا فيها لحوم الحُمر، لحوم الحُمر الإنسية، أي الأهلية، الحمار الأهلي – أعزكم الله -، فقال أهريقوا ما فيها وأكسروا القدور، أخذهم بالأشق الأصعب والأبعد، حسماً للمادة، حتى يعلموا أن هذا مُحرَّم تحريماً لا رجعة فيه، الحُمر الأهلية أو الإنسية! فقال أهريقوا ما فيها وأكسروا القدور، فقام رجل من القوم، فقال يا رسول الله نُهريق ما فيها ونغسل القدور؟ أي هل تأذن لنا بهذا؟ سنُهرِق هذا اللحم وهذا المرق، لن ننتفع به، لكن القدور لماذا نكسرها؟ نحتاجها، مال هذا، نغسل القدور؟ قال أو ذاك، أي يُمكِن أن تفعلوا هذا، قال أو ذاك – عليه الصلاة وأفضل السلام –، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۩، كان رحيماً بأمته، بل رَءُوفٌ رَحِيمٌ ۩ – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -.

طبعاً مسألة الحُمر الأهلية مُختلَف فيها كما تعلمون، والظاهر في المذهب المالكي وعليه الفتوى أنها ليست مُحرَّمة، فلماذا أمرهم النبي بأن يُهرِقوا ما فيها؟ قالوا أمرهم بذلك لأنها كانت ستكون ركوبة لهم، يحتاجونها، الركوبة كانت قليلة، فاحتاجوها كركوبة، لهذه العلة! ولو أذن لهم بذبحها لتمادوا وتتابعوا في ذبحها، فربما نقصت الركوبة.

أيضاً لهم تأويل ثانٍ – أي للسادة للمالكية -، قالوا أمرهم – عليه الصلاة وأفضل السلام – بهذا لأنهم أصابوها قبل القسم، وعلى كل حال فالمالكية لهم تأويلان، قالوا في الثاني لأنهم أصابوها قبل القسم، أخذوها وذبحوها قبل القسم، قبل القسم أي قبل القسمة، قسمة المغانم! كان لابد أن ينتظروا حتى تُقسَم، ولكنهم أخذوها قبل أن تُصيبها القسمة أو القسم أو المقاسم، فعاقبهم النبي بأمره إياهم بإهراقها، وهذا ما قاله السادة المالكية، على كل حال الإمام مالك نفسه عنه ثلاث روايات: أن لحوم الحُمر الأهلية مكروه كراهة تنزيه شديدة، ويُروى عنه الإباحة، ويُروى عنه التحريم، على كل حال جماهير الصحابة والتابعين وعلماء الدين على تحريم لحوم الحُمر، وهذه المسألة على الهامش كما يُقال، حتى فقط تأخذوا تصوراً عنها، لكن ابن عباس كان يقول إنها لم تُحرَّم، بالنسبة للجمهور قالوا أمرهم بإهراقها، لأنها حرام ونجسة، كما هو ظاهر بعض الروايات المروية في هذا الباب، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

أيضاً – إخواني – من أمثلة اجتهاده – عليه الصلاة وأفضل السلام – استعماله للقياس، النبي أفتى غير واحد من الصحابة في غير مسألة اعتماداً على القياس، اعتمد القياس، اصطنع القياس، والقياس باب من أبواب الاجتهاد، وهو أوسع أبواب الاجتهاد، فمثلاً أخرج البخاري ومُسلِم في الصحيحين أن امرأةً جاءت وقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ هي نذرت أن تصوم، لكن افتُلتت أو ماتت قبل أن تصوم، أفأصوم عنها؟ فأجابها – عليه الصلاة وأفضل السلام – أرأيتِ إن كان على أمك دين فقضيتيه أكان يُجزئ عنها؟ قالت نعم يا رسول الله، قال فدين الله أحق أن يُقضى، هذا قياس! وواضح أنه هنا يقيس المسألة بالمسألة، يقيس الفرع بالأُصل، هذا قياس، وبنحو هذا أجاب المرأة الخثعمية التي سألته عن أن تحج عن والدها الذي مات، فأجابها بنحو هذا.

وأيضاً من استعماله للقياس – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما أخرجه أيضاً البخاري ومُسلِم، أن رجلاً جاءه يشكو إليه، قال يا رسول الله امرأتي أتتني بولد – أي حملت أو حبلت، ثم وضعت ولداً – أسود، يقول له أسود! أي كأن هذا الرجل يقطع بأن هذا الولد ليس ابنه الصُلبي، وأنه أتى من الحرام، فانظروا إلى الآتي، رحمة العالمين، مُعلِّم الناس الخير، وأذكى عباد الله والله، من أين له هذا؟ هذا تعليم إلهي يا إخواني، هذا تعليم وتفهيم إلهي، صحيح أنه اعتمد القياس هنا، لكن فهمه لأصل المسألة عجيب، كيف هذا؟ ولم يكن هناك علم وراثة، أي Genetics، من أين فهم هذا؟

فقال له – عليه الصلاة وأفضل السلام – هل لك من إبل؟ أي هل عندك إبل ونوق – أي جمال -؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حُمر، أي حمراء، كالإبل التي نعرفها، قال فهل فيها من أورق؟ أي الذي يكون سواده ليس خالصاً، ومنه قيل للرماد أورق، وسُميت الحمامة بالورقاء، لأن السواد فيها لا يكون خالصاً، قال فهل فيها من أورق؟ قال نعم، قال فمن أين؟ هي كلها إبل، تتناتج مع بعضها، تتناتج مع بعضها البعض، وهي حُمر، من أين أتى هذا الأورق؟ فقال يا رسول الله لعله نزعه عرق، أي من أجداده الأقدمين، فقال وهذا لعله نزعه عرق، شيئ غريب! أي أفتاه أيضاً بالقياس – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وهذا الحديث فيه فائدة جزيلة وجليلة.

أيضاً الحديث الذي أخرجه الإمام أبو داود والإمام أحمد والنسائي في الكُبرى، وليس في الصُغرى، عن عمر بن الخطاب – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، أتى النبي مرةً وقال يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، أي أنا ارتكبت خطيئة كبيرة اليوم، ارتكتب إثماً كبيراً، صنعت أمراً عظيماً! هَشِشت – هَشِشت مثل مَسِست، لا تقل مَسَست، إنما مَسِست، وكذا هَشِشت – فقبَّلت زوجتي وأنا صائم، وما معنى هَشِشت؟ من هش، وهش إذا اندفعت نفسه نحو الشيئ وفرح به، طاقت نفسه إلى الشيئ وفرح به، هكذا! اشتاق إلى زوجته، هَشِشت فقبَّلت زوجتي وأنا صائم، فقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – أرأيت لو مضمضت بالماء وأنت صائم؟ قال لا بأس، أي عمر، قال فمه؟ فمه؟ أي ما عليك من هذا الأمر، هذا مثل هذا، أو يُمكِن أن تكون فمه هذه أي ما عليك من هذا وتكون الهاء للسكت، ويُمكِن أن تكون فمه أي اسم فعل أمر بمعنى اسكت، أي اسكت ولا تتنطع، لا تتغمق! لماذا؟ ليس فيه شيئ، تقبيل الزوجة للصائم ليس فيه شيئ، لا ينقض الصيام، ليس من المُفطِرات، نعم!

لكن هنا لابد أن أُنبِّه يا إخواني أن بعض الأصوليين يُورِد مثالاً على اجتهاد النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – بما وقع قبل نشوب المعركة في بدر، حين نزل المنزل المعروف قبل الآبار، قبل الآبار أي دون الآبار، فسأله الحُباب بن المُنذِر – الصحابي الأنصاري الشاعر الفارس – عن هذا المنزل، وتعرفون الرواية، قال أهذا منزل أنزلكه الله أم هي الحرب والخدعة والمكيدة؟ فقال بل هي الحرب والخدعة والمكيدة، فقال ما هذا بمنزل، ليس هذا بمنزل يا رسول، إلى آخره! أقول لا، هذا لا يصح أن يُقال إنه من الأمثلة على اجتهاد النبي، هل تعرفون لماذا؟ واضح أن هذا من المسائل الدنيوية التدبيرية، أين ينزل قائد الجيش؟ وأين ينزل الجيش؟ هذه ليست من المسائل الشرعية، فللأسف يغلط بعض الأصوليين وبعض العلماء حين يُورِدون هذا المثال على أنه من أمثلة اجتهاد النبي الشرعية، لا! هذا اجتهاد في أمر دنيوي، في أمر تدبيري، في أمر مصلحي يا إخواني، وكما قلنا أجمع العلماء على أن له أن يجتهد في هذه الأمور بلا نكير – إن شاء الله تعالى -، ومسألة تأبير النخل، هذه مسألة دنيوية كما نبَّهت عليها.

الآن نأتي – إخواني وأخواتي – فيما تبقى من وقت يسير إلى اجتهاد الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – بحضرة رسول الله، واجتهادهم – ربما إذا بقيت – في حياته، لكن في غيبته، إذن هم اجتهدوا في حياته، مرات في حضرة الرسول، ويُقِرهم على ذلك، وربما صححهم، ومرات في حياته، لكن وهو غائب عنهم – صلى الله عليه، ورضيَ الله تعالى عن أصحابه جميعاً وأرضاهم -.

أولاً هناك جُملة أحاديث تُؤكِّد أن النبي كان يحثهم على الاجتهاد، يُشجِّعهم! يُشجِّعهم على أن يجتهدوا، يبعثهم على الاجتهاد، مثل الحديث المشهور الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، فهو يُشجِّعهم ويأذن لهم، يأذن لهم في الاجتهاد، يُفهِمهم أن هذا باب من أبواب استنباط الأحكام الشرعية، لأن النصوص لا تفي، النصوص في ظواهرها لا تفي، فلابد من الأخذ من معقولها والأخذ من قواعدها وروحها العامة كما وضح لكم – إخواني وأخواتي -، فمنه الحديث المشهور الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، حديث مُعاذ بن جبل، هذا الحديث يرويه هؤلاء عن جماعة من أصحاب مُعاذ عن مُعاذ، قالوا جماعة، أي جماعة مجهولة، وابن القيم قال لا، بالعكس! هذا يُقوي الحديث، أي  مُستحيل أن تكون جماعة من أصحاب مُعاذ – أي مُعاذ بن جبل – وأن تكون الجماعة من عند آخرها ضعفاء وغير موثوقين، الأغلب أن يكونوا في جُملتهم أهل ثقة وأهل ديانة، هذا كجُملة، قد نجد أحدهم يكون فيه ضعف وكذا وهو من التابعين طبعاً، لكن في الجُملة لابد أن يكونوا أهل ثقة وأهل ديانة، وهذا كلام معقول، لكن هذا الحديث أيضاً مروي من طريق عُبادة بن نُسي عن عبد الرحمن بن غنم عن مُعاذ، وهذا إسناد مُتصِل، وعلى كل حال الحديث فيه مشاكل من جهة التصحيح والتضعيف، عشرة من الأئمة الكبار ضعَّفوه، منهم البخاري ومنهم الإمام ابن حجر العسقلاني، ضعَّفوا هذا الحديث، ومنهم مَن دافع عنه وأطال النفس كابن قيم الجوزية، لكن الأمة في مجموعها تلقت هذا الحديث بالقبول، وبعض العلماء حاول أن يُقعِّد قاعدة، يقول إذا الأمة تلقت حديثاً ما بالقبول فما ينبغي أن نكترث كثيراً بموضوع الإسناد ونبحث عن الأسانيد، فمثلاً هناك حديث مشهور جداً، وهو لا وصية لوارث، فيه مشاكل من جهة الإسناد، فيه مشاكل كبيرة من جهة الإسناد! لكن تقريباً الأمة كلها تأخذ به، وتقول لا وصية لوارث، الدية – نحن نُسميها الديه بالعامية – على العاقلة، هذا الحديث من جهة الإسناد لا يصح، لكن الأمة تسالمت على الأخذ به، وأن الدية على عاقلة الرجل، أي أقربائه الذكور العصبات، أقربائه الذكور العصبات لا تتوسطهم أُنثى، وعلى كل حال حديث مُعاذ مثل هذه الأحاديث.

حين بعثه – عليه السلام – إلى اليمن قال له يا مُعاذ إن عرض لك أمر – سُئلت في مسألة – فبماذا تُفتي؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد؟ قال بسُنة رسول الله، بكلامك أو بفعلك أو بقولك أو بإقرارك، قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، وقد بيَّنت لكم كيف يكون الاجتهاد، يكون بالقياس، يكون بالاستحسان، يكون بالاستصلاح، يكون بسد الذريعة، ويكون بالأخذ العُرف المعروف، إلى آخره! أجتهد رأيي ولا آلو، أي أبذل وسعي وجُهدي، أستفرغ جُهدي ووسعي، فضرب – عليه الصلاة وأفضل السلام – صدر مُعاذ، وقال الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله – أي هذا مبعوثي، قال هذا مبعوثي، رسولي أي مبعوثي – لما يُرضي رسول الله، صلى الله على رسول الله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

هذا الحديث أصل، أصل في ماذا؟ في حث الرسول أصحابه وفي إذنه لهم بالاجتهاد، ومنه أيضاً حديث بني قريظة، هذا الحديث واقعة اجتهاد، وأيضاً واضح أنه تشريع لهم بأن يجتهدوا، النبي لم يُعنِّفهم، لم يتكلَّم، وسكت، كأنه يقول هؤلاء على حق وهؤلاء على حق، غريب! وهو الحديث المُخرَّج في الصحاح، وعلى ما أذكر أخرجه الجماعة، حديث عبد الله بن عمر – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -، النبي حين عاد من الخندق – أي من الأحزاب – مُباشَرةً قال الآتي، وقد أتاه جبريل طبعاً، هذه القصة المعروفة في السيرة، قال مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر فلا يُصلين العصر إلا في بني قريظة، جاءه الأمر من السماء أن يسير إليهم مُباشَرةً.

يقول عبد الله بن عمر فأدرك بعضهم العصر في الطريق، أي دخل وقت العصر وهم في الطريق إلى بني قريظة، الآن اختلفوا، فقالوا لا نُصلي حتى نأتيها، النبي قال لا تُصلوا إلا في بني قريظة، وقال بعضهم ما أراد منا هذا، فهموا أن هذا مجاز، مجاز بمعنى عجِّلوا، كونوا سريعين جداً، هذا هو، لا تتخلَّفوا، إذن بعضهم صلى في الطريق، وبعضهم لم يُصل إلا في الليل حين وصلوا بني قريظة.

يقول ابن عمر فلم يُعنِّف أحداً منهم، لم يتكلَّم أبداً مع أحد ليُنكِر عليه، فكأنه يشرع لم الاجتهاد، أن اجتهدوا، ومن لطيف التعليقات على هذا الحديث الجليل الأصل وهو حديث مفتاحي كلام شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية – رحمة الله تعالى عليه -، قال فهؤلاء سلف أهل الظاهر، وأولئك سلف أهل الرأي، مَن هم سلف أهل الظاهر؟ الذين قالوا لا نُصلي حتى نأتيها، أخذوا بالكلام على ظاهره، كما قال! النبي قال إلا في بني قريظة، إذن في بني قريظة، ونحن نقول هؤلاء الظاهرية، أي هؤلاء الحروفيون، مع حروف النصوص، قال فهؤلاء سلف أهل الظاهر، وأولئك – الذين قالوا وفهموا الكلام مجازياً وأنه أراد الإسراع فقط والعجلة، أي إراد إعجالهم – سلف أهل الرأي، أي يأخذون بالرأي وبالتعليل وبالمجاز وبكذا، يُداوِرون النصوص، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين.

نأتي الآن لنضرب أمثلة على بعض الوقائع من اجتهادات الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم -، من ذلك ما أخرجه البخاري ومُسلِم في قصة تحكيم الرسول لسعد بن مُعاذ، سيد الأوس – رضوان الله تعالى عليه -، وقد أُصيب كما تعلمون في كاحله في الخندق، ولذلك قضى بعد قريظة بيسير شهيداً – رضوان الله تعالى عليه – عن سبع وثلاثين سنة، على كل حال وقريظة نفسها أو يهود بني قريظة وافقوا، قالوا نُريد أن يكون الحكم فينا سعد بن مُعاذ، فجاء وحكم بحضور رسول الله بأن تُقتَل المُقاتِلة وأن تُسبى النساء والذُرية، فقال – عليه السلام – لقد حكمت فيهم بحُكم الله، وفي رواية لقد حكمت فيهم بحُكم الله من فوق سبعة أرقعة.

نكتفي بهذا القدر، فقد أدركنا الوقت، وإلى أن ألقاكم في حلقة اُخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: