إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعٍ بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۩ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۩ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ۩ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ۩ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ۩ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ۩ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ۩ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ۩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ۩ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ۩ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ۩ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ۩ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ۩ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ۩ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۩ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۩ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ۩ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ۩

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۩ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ۩ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۩ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ۩ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ۩ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ۩ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۩ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۩ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ۩ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ۩ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ۩ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ۩ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ۩ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

نعمة ويا لها من نعمة! ما أجزلها وما أجسمها وما أعظمها من نعمة! أن نعيش إلى هذه الآيام المُبارَكات التي بدأ يظلنا فيها الشهر الكريم. ومعنى أن نعيش إلى هذه الأوقات المُرتجاة أن فُرصة التوبة لا تزال قائمة، الله – تبارك وتعالى – تفضَّل علينا وأنعم وبرنا بأن أتاح لنا فُرصةً جديدةً، الله – تبارك وتعالى – يُجدِّد هذه الفُرص لمَن شاء به الخير من عباده، فُرصة جديدة لنعود إلى الله، لنؤوب إلى الله، لنتوب إلى الله، فقد كفى ما كان، كفى ما كان – إخواني وأخواتي -.

وهذا الشهر العظيم الذي بدأنا نستروح ونشم طوالعه وروائحه الربانية العلوية، إنما هو فُرصة أكثر من ثمينة لتزكية النفس، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۩،  قَدْ أَفْلَحَ ۩… أي أنجح وفاز وجاز المهلكة والعقبة، مَنْ زَكَّاهَا ۩، اللهم اجعلنا مِمَن زكاها حق تزكيتها واتقاك حق تقواك.

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ۩ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ۩، فهذا الدين أصلاً – إخواني وأخواتي – إنما كان وإنما يكون وإنما تأسَّس وإنما يتأسَّس على تزكية النفس، بغير نفس زكية القرآن غير مُفيد، الأحاديث غير مُفيدة، العبادات غير مُفيدة، الترسم بالرسوم الدينية غير مُفيد.

يقول جُندب بن عبد الله البجلي – الصحابي الجليل المعروف بجُندب الخير – فيما يرويه الإمام ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في سُننه الكُبرى، يقول جُندب – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – كنا غلماناً حزاورةً – جمع حزور، وهو الغُلام الشديد، الذي قويَ وصار قادراً على أن يُشارِك الكبار في بعض أعمالهم، حزاورة! كنا غلماناً حزاورةً – عند رسول الله – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، أبد الآبدين، ودهر الداهرين، كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون -. قال فعلَّمنا الإيمان قبل أن يُعلِّمنا القرآن – زكى نفوسهم أولاً، فعلَّمنا الإيمان قبل أن يُعلِّمنا القرآن -، ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا به إيماناً، وأنتم اليوم تعلّمون القرآن – أي تتعلَّمون – قبل الإيمان. الله أكبر! الله أكبر على هذا الفقه الدقيق، وهذا الصحابي لعل بعضكم يسمع به لأول مرة، وحين كان ما كان مما اقتصه علينا في هذا الحديث الجميل، كان غُلاماً، لم يكن رجلاً بالغاً كبيراً، كان غُلاماً، وفقه هذا الفقه، أدرك الخُطة النبوية الهدائية، أدرك جوهر الخُطة الهدائية المُصطفوية، تقوم على تزكية النفس أولاً ولا جرم، ولا جرم!

عجبٌ. مَن ذهب يتقصى ويستقصي – إخواني وأخواتي – تطابق الرسول في قوله وهديه وفي كل أمره مع القرآن الكريم – وهذا باب لم يُمعِن فيه العلماء كثيراً، إنما أمعن فيه أرباب القلوب -، وجد العجب، بل لا يُقضى منه العجب، أي والله.

إبراهيم الخليل – عليه الصلوات والتسليمات – حين دعاوإسماعيل، قالا: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۩. هذه هي الخُطة العامة للأنبياء عموماً، التلاوة والتعليم ثم التزكية، هذه الخُطة حصل فيها تبديل جوهري مع رسول الله الخاتم، لأنه الخاتم والأفضل والأشرف والأفخم والأنبل، لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩، التعليم مُتأخِّر، وهذا الذي تلمحه جُندب بن عبد الله البجلي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، فهم هذا، وقال النبي كان حريصاً على أن يُزكينا أولاً، ثم بعد ذلك يأتي التعليم.

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩، مرة أُخرى، عجيب! الله – تبارك وتعالى – استجاب دعوة خليله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، ولكنه حين أخبر عن الهيئة والكيفية التي أُجِيبت بها هذه الدعوة، لفت إلى هذا التغيير الجوهري الكبير، إبراهيم قال إنه يُريد أن يُبعَث في هذه الأمة أو في هذا القبيل من الناس رسول يتلو ويُعلِّم ويُزكي. الله قال قد فعلت، ولكني جعلته يتلو – هذا البيان العام، أنا جئت بالإسلام، جئت بالإسلام! هذا البيان العام، هذه التلاوة فقط، بيان عام، العنوان! العنوان وبعد ذلك الخُطة عملياً وتطبيقياً -، ثم تأتي الزكاة أولاً، التزكية أولاً.

ولذلك عبد الرحمن بن القاسم – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – يقول لزمت شيخي مالكاً – إمام دار الهجرة، أبا عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، رضوان الله تعالى عليه، ومَن مثل مالك؟ إذا ذُكِر العلماء، فمالك النجم. يقول إمامنا الشافعي، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وأعاد الله علينا من بركاتهم – عشرين سنة، ثماني عشرة سنة منها في الأدب – في التزكية، كيف تُصبِح ربانياً؟ كيف تتجوهر بجوهر الدين؟ وليس حفظ المتون والآيات والأحاديث والأقوال والأشعار والتقارير، ليس هذا، ليس هذا! -، وسنتين في العلم. يقول ابن القاسم فيا ليتني جعلتها كلها في الأدب. الله أكبر، عجيب!

يستكثر حتى هاتين السنتين على العلم، قال الأفضل الأدب. هذا الدين جوهره أدب، أدب مع الله، وأدب مع النفس، أدب في الخلوة، وأدب في الجلوة، وأدب مع الخليقة، مع المُؤمِن والكافر، مع الحيوان، وحتى مع الجماد، أهل الله يتأدبون حتى مع الجمادات، شيئ عجيب! والله شيئ عجيب يا إخواني.

ومن أكبر الأدلة على عظمة هذا الدين، وعلى فخامة ومثابة رسول الله التي لا يُقادر قدرها، أولياء وأرباب القلوب والأدب من هذه الأمة، أي والله، حين تقف على بعض أحوالهم، تتعجَّب أنت، وتقول إذا كان هؤلاء بعض أتباعه، بعض ثمار دوحته العظيمة، بل حديقته الغنّاء الجنائنية، فكيف كان هو – عليه الصلاة وأفضل السلام -؟

ولذلك أرباب القلوب يقطعون أنه لا يعرف قدر رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه إلى أبد الآبدين – إلا الذي أرسله. قدره كما هو لا يعرفه إلا الله، ولا حتى أبو بكر الصدّيق ولا عمر ولا عليّ، أبداً! وإنما يعرف كلٌ منهم من قدره بحسب استعداده، بحسب استعداده! شيئ عجيب، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.

ما أعظم بركته! تُطالِعها في رجال الله، في أهل الله، في أولياء الله، من أتباعه، في القرن الخمس عشر الهجري، لا نتحدَّث عن القرن الأول والثاني والثالث، حتى الآن، إلى يوم الناس هذا، ترى العجب، بل ترى ما لا يُقضى منه العجب، لا ينسلك في ذهن مادي حساباتي، لا يُفهَم، هذا سر رسول الله، وهذا جوهر الدين.

إذن التزكية أولاً، ثم العلم ثانياً، بالكتاب! العلم بالكتاب، أعظم علم، لكن بعد التزكية، جُندب يلفت ويقول وأنتم اليوم تعلّمون القرآن قبل الإيمان. ومن أدبه لم يُكمِل، فكأنه قال ولهذا لا خير كثيراً في علمكم، لا خير كثيراً في أحوالكم. لكن لم يُكمِلها، أدب! مُؤدَّب أيضاً، صحابي جليل، ولكن هو أوصل الرسالة، قال هذا فرق ما بيننا وبينكم، نحن تعلَّمنا الإيمان أولاً، نحن زُكينا أولاً، ثم أخذنا العلم، أنتم تأخذون العلم أولاً، فتضيع الفُرصة يبدو على التزكية عند مُعظَمكم، إن لم يكن عند الكل، عند المُعظَم. شيئ عجيب يا إخواني، شيئ عجيب.

ولذلك ما نسمع به، ما نقرأه، ما نراه أحياناً في أهل الله – تبارك وتعالى – من الفرح بالله، من الحُب العجيب لله، من النشاط في الطاعة، على علو أسنانهم وكبر أعمارهم،  يكون الواحد منهم ابن ثمانين أو ابن تسعين، ويقوم الليل ساعة أو ساعة ونصف بجُزء أو بجُزئين، كل يوم! لم يُفرِّط في صلاة قيام الليل ولا في الضحى من خمسين أو من ستين أو من سبعين سنة، ولا مرة، شيئ غريب، وأنت شاب قوي، تستطيع كما يُقال أن تُميل الحائط بضربة، ولكنك تقوم تُصلي ربع ساعة وتتعب، وفعلاً تشعر بتعب حقيقي، لا يُوجَد عون على الطاعة، النفس ليست زاكية، لا يُوجَد مدد إلهي، لا يُوجَد مدد، الله لم يُمدك، لم يُعطك، لم يُعطك! لماذا؟ لأن لا تُوجَد نفس زكية تتشوف إلى عون الله، تُحِب القُرب من الله حقاً، لا! تُوجَد نفس تأخذ الرسوم والعناوين والمظاهر، وهذا كله كلام فارغ، كله هذا كلام فارغ، هذا عند لحظة الموت سيبدو لصاحبه أنه كان في بطالة وعطالة، ضاع عمره في كلام فارغ، سُر به قليلاً، راءى به كثيراً، سُر به بعض مَن أحبه ربما وأحسن الظن فيه، أنه – ما شاء الله – مُتدين ورجل طيب، والآن كله هباء في هواء، كله هباء في هواء، انتهى كل شيئ، انتهى كل شيئ!

النفس الزكية – إخواني وأخواتي – عبادتها غير، غير! مُختلِفة، ذكرها لله غير، عملها الصالح غير، أخلاقها، آدابها، أحوالها، وفتوحات الباري – لا إله إلا هو – عليها وبها – الله يفتح عليهم وبهم، يفتح عليهم وبهم! شيئ غريب – غير.

لابد من معرفة الآتي لكي نُدرِك طرفاً من المعنى – إخواني وأخواتي -، يُحدِّث أحد العلماء الصالحين (من علماء الشام – رضوان الله على علمائنا الصالحين في كل مكان وزمان)، يقول كانت تستغلق علينا عبارة في كتاب من كُتب الشرع، في الفقه – مثلاً -، نُداوِرها، من هنا، من هنا، ومن هنا، والمعنى غير واضح. يقول فاذهب إلى سيدي فلان – عالم صالح، في السوق يبيع، له دكان، يرتزق، ليس بدينه، إنما بتجارته -. ثم يُقسِم بالله، يقول ليس مرة، ليس مرتين، ليس عشر مرات، مرات كثيرة! يقول لم يتفق مرة إلا كانت هذه النتيجة، فقط حين أقدم عليه وأراه أفهم كل شيئ، ويقول لي – قبل أن أسأله يقول لي – حُلت؟ شيئ تقشعر له الأبدان. حُلت؟ يقول له، فُهمت؟ مُجرَّد أن تراه، ليس فقط أن الله يفتح عليهم، ويفتح بهم.

يفتح بهم أيضاً يا إخواني حين يُجيب دعوتهم، لكي يرفع عن الناس الخصاصة والبأساء والضراء والأمراض والأوباء، يُعافيهم ويشفيهم بدعاء هؤلاء. كلما ارتقى العبد في مقام الصدق والتحقق والقُرب من الرب – لا إله إلا هو -، لم يُخيّب الله له دعوة. عجيب! بعض الناس الآن يخرج من الإسلام، شباب مساكين للأسف، يظن الواحد منهم أنه عرف الإسلام وخرج منه، ويقول لك لم أقتنع بهذا الدين يا أخي، الله يقول وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ۩، وأنا أدعوه، دعوت سنوات طويلة، ولم يستجب لي في شيئ، لا بخصوص الزواج ولا الدراسة ولا أي شيئ. مسكين! هداه الله، اللهم آمين، وعاد به وبأمثاله إلى الإسلام عوداً حميداً بحق لا إله إلا الله، بجميع الشاردين والتائهين والضالين. ولكن هو مسكين، هو لم يتعلَّم الحقيقة مُنذ البداية، لم يفهم الأُسس، لم يعرف جوهر الأمر.

اقرأ أنت الآية، آية عجيبة، وهذه كلام رب العالمين، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ۩… وهنا ارتفع محمد من البين، لم يقل له فقل لهم. أبداً أبداً أبداً! وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۩… هو أقرب إليك من حبل وريدك، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ۩… ولم يكتف، إِذَا دَعَانِ ۩… الله أكبر! واضح كل شيئ، الآية كل شيئ فيها واضح، إِذَا دَعَانِ ۩… فيا رب أنت قلت دَعْوَةَ الدَّاعِ ۩… هو داعٍ! الآية تُشير إلى أن ليس كل مَن دعا الله ويحسب أنه دعا الله دعا الله. هو قد يدعو الله اسماً، بلا مُسمى، يدعو الله وفي الحق يدعو هواه، يدعو صنمه، يدعو أوهامه، يدعو أحلامه، يدعو أكاذيبه، ويظن أنه دعا الله، الله لا يلتفت إليه، هذا الشرط الأول! تدعو، وحين تدعو تدعو الله، إذن واضح أن الآية تشترط عليك المعرفة بالله، تدعو مَن تعرف، لا تدع مَن تجهل وتظن أنك تعرف، أنت لا تعرف.

لذلك – إخواني وأخواتي – لا يخفى عليكم وعليكن أخواتي أن هناك مَن يدعو الله – تبارك وتعالى – بمُحرَّم! يدعو على إخوانه، على قبيل من الناس، على جماعة من المُسلِمين، على مَن ظلمه – نفترض – قيد شبر، فيدعو عليه بعشرة أميال، هذا ما دعا الله، لأن الله – تبارك وتعالى – لا يقبل مثل هذه الدعوات الظالمة، هذه دعوات ظالمة، تنم أول ما تنم عن جهل مُطبق من صاحبها بالله، هو لا يعرف الله.

هل معقول أنك تطلب من رب العزة – لا إله إلا هو – أن يلعن عباده، وأن يُعذِّبهم، وأن يُشقيهم، وأن يؤودهم، وأن يُكبِّدهم الويلات والدواهي، عشرة أميال، لأنهم ظلموك شبراً؟ هل هذا هو الله؟ هل تعرَّف الله إليك في القرآن على أنه كذلك؟ على أي أساس؟ إذن أنت تُلحِد في الدعاء، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۩، تُلحِد في الدعاء! هل هذا واضح يا إخواني؟

سعد بن أبي وقاص في يوم من الأيام سمع ابنه يقول الآتي، وهذا في مسألة هيّنة، أهون مما نقول بمراحل، سمع ابنه وهو يدعو. ابنه يقول – والحديث عند أبي داود في السُنن – سمعني أبي ذات مرة أدعو. وسعد هو أبوه، وما أدراكم ما سعد؟ سعد المُجاب الدعوة، ووقائعه في إجابة دعواته عجبٌ من العجب، سعدج بن أبي وقاص يقول ابنه سمعني ابني ذات مرة أدعو، فأقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلالها وأغلالها، وكذا وكذا. قال يا بُني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء، فاحذر أن تكون منهم. يا بُني إنك إذا سألت الله الجنة فأُعطيتها أُعطيتها بما فيها من خير، وإنك إن أُعذت من النار أُعذت منها ومما فيها من شر. ما الفقه هذا؟ ما الأدب هذا مع الله يا أخي؟

ولذلك النبي كان يُحِب جوامع الدعاء، لا يُحِب التفصيل على الله، أنت تُفصِّل لجاهل، أستغفر الله العظيم، اللهم غفراً، أنت تُفصِّل لجاهل، وذلك حين تطلب شيئاً من مُديرك أو من إنسان عادي، وكل إنسان جاهل، على قدره! كل إنسان جاهل، على قدره، لكن لا تُفصِّل هذا لرب العالمين الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ۩، وهو طبعاً قبل أن تدعو يعلم حاجتك ويعلم ماذا تُريد. ولذلك هذا الدعاء الأصل فيه أنه دعاء للعبادة، هذا غير المسألة أيضاً، للعبادة! لكي تُبرهِن لنفسك أنني عبد مُفتقِر إلى الله في كل أحوالي.

وإنك إن أُعذت من النار أُعذت منها ومما فيها من شر. ونفس الشيئ اتفق لابن مُغفَّل، عبد الله بن مُغفَّل – الصحابي الجليل أيضاً – ابنه دعا، وسمعه عبد الله ذات يوم يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة حين أدخلها عن يمينها. مسكين! رضيَ الله عنه وأرضاه، هذا مدى فهمه، لا بأس، هناك التعليم، يأتي التعليم والتربية، فسمعه أبوه، أي هو يُريد القصر الأبيض ويكون عن يمين في الجنة، أول ما تدخل على اليمين، هو يُريده على اليمين، هو يُحِب اليمين، جميل! فقال له أبوه – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما – يا بُني سمعت رسول الله يقول – انظر إلى هذا، إذن هذا فعلاً قاله، الرسول قال هذا، نعم! لأن الله قال في الأعراف ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۩، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ۩، اللهم اجعلنا من أهل رحمتك، في عافية تامة ورضا منك ورضوان، يا حنّان، يا منّان. إذن قال يا بُني سمعت رسول الله يقول الآتي، صلى الله عليه وآله وسلم – ليكونن أقوام من هذه الأمة يعتدون في الدعاء، فاحذر أن تكون منهم. هذا عدوان! تدعو بهذه الطريقة؟ لا يجوز. فكيف لو سمعنا ابن مُغفَّل أو سعد بن أبي وقاص ونحن ندعو؟ هناك مَن يقول اللهم عليك بكذا وكذا من المُسلِمين. من أهل لا إله إلا الله، من أمة محمد! صلى الله على محمد وآل محمد، الذي قال لن أرضى وأحد من أمتي في النار. أنت تدعو على قسم كبير من أمته، على قبيل من أمته، لأنهم ظلموك قيد شبر – مثلاً -، ما هذا؟ أو لم يُعجِبوك، لم يُطابِقوا هواك، تدعو عليهم! أنت ما عرفت الله.

ولذلك الله يقول أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۩… يا الله على القرآن، يا الله! لو جاء رقيع – أعذكم الله جميعاً وأكرمكم – ولو جاء أحمق صفيق، لقال هذا القرآن فيه ما يُعاب. هذه بلاغة القرآن! وصرنا نسمع هذه الأيام أمثال هؤلاء، يتصافقون، يتراقعون، يتحامقون، يقول لك أحدهم في القرآن أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۩، فلماذا قال دَعَانِ ۩ يا أخي وقد قال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ۩؟ ما شاء الله عليك، ما شاء الله عليك، ضيَّعت على نفسك سر الآية وروحها وما كان يُمكِن أن تزداد به هُدىً، وجئت لتُضلِّل الناس باسم العلم، ما شاء الله عليك. نعوذ بالله من الحور بعد الكور، نعوذ بالله!

وهذا المعنى الذي ألمعت إليه ليس من عندياتي، ألمع إليه غير واحد – بفضل الله – من قرون، ولكن هؤلاء لا يقرأون ويُجدِّفون، نعوذ بالله من عمى البصيرة وعمى القلب. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، الثقة الزائدة بالنفس والظن بالنفس، أنه فيلسوف وعالم، أي الإنسان، أعوذ بالله.

ثم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ۩… يا سلام، يا سلام! أنت تُريد أن أستجيب لك؟ هذه المسألة، مَن يدعو، هو يُريد ماذا؟ يُؤمِّل ماذا؟ يُريد أن يُستجاب له، أن تُجاب دعوته. الله يقول أليس من العدل يا عبدي أن تستجيب لي أنت؟ وأنت عبدي، لي عليك حقوق العبودية للربوبية، وأنا الأغنى عنك وأنت الأفقر إلىّ بالمُطلَق، ولا أحتاجك ولا أحتاج إلى وجودك، فضلاً عن عبادتك ودعائك، ومع ذلك أنا سأُنصِف – الله يقول لك أنا سأُنصِف – وأقول لك تُريد أن أستجيب لك؟ أليس من الإنصاف والقسط أن تُعامِلني به، أن تستجيب لي أنت؟ الله أكبر، طبعاً! اللهم بلى يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، واغفر لنا جهالتنا وعمايتنا وشرودنا وتيهنا وحيرتنا وتهوكنا.

قال لك فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي ۩… وهذه إشارة عجيبة لطيفة أيضاً، لا تقل لُطفاً، الآية تُلمِّح وتُؤشِّر إلى أن الإيمان يزداد بماذا؟ بالعمل الصالح. طبعاً! لم يقل فليُؤمِنوا بي وليستجيبوا لي، قال لك لا، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ۩… خل عندك إرادة الطاعة، يا رب أنا إرادتي، التحدي، هدفي، غايتي، أن أُطيعك، أن أُرضيك، لا أن أتظاهر بدينك، لا أن أُرائي بدينك، أبداً أبداً، أنا كل الذي أُريده ولو جعلتني في جوف صخرة لا يطلع علىّ إلا أنت، كل ما أُريده، غاية مُناي، مُنتهى أملي، أن أُطيعك. يا سلام! هذه أهم نية، وأن أُرضيك يا رب العالمين، اجعلنا راضين مرضيين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

ثم برهن، برهن النية وهذا العزم المعقود على أحسن النوايا، برهنه بالعمل، استجب لله. قد يقول لي أحدكم كيف أستجيب؟ ولا أسهل، ولا أسهل! قال ابن مسعود – رضوان الله تعالى عليه – إذا مررت بآية فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، فارعها سمعك، فإنه إما خيرٌ تُؤمَر به، أو شرٌ تُنهى عنه. معنى هذا أن المسألة سهلة، تفتح كتاب الله، وتمر في كتاب الله على المواضع التي فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩. يُمكِن أن تأتي بالمُصحَف المُفهرَس أو المُعجَم المُفهرَس لعبد الباقي – روَّح الله روحه في عليين، وجزاه الله عن كتابه خير الجزاء، عمل موسوعي حاسوبي، قبل عهد الحاسوب بعقود، كم بذل فيه من جُهد! عمل جبّار، هذا المُعجَم المُفهرَس، لمحمد فؤاد عبد الباقي المصري، رضيَ الله عنه وأرضاه – وتفتحه، ومن ثم ستأتيك كل المواد التي فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، تحت مادة آمن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، وهي أقل من مائة، وابدأ طبّق بعد ذلك، هذه هي، لا تسمع لعدنان ولا لعثمان، اسمع كلام الله، الله يقول لك تُريد أن أستجيب دعوتك؟ استجب لي. كيف أستجيب؟ يقول لك اذهب إلى كتابي، أنا خاطبتك، قلت لك يا مُؤمِن افعل، ويا مُؤمِن لا تفعل. هذا هو، فاذهب إلى هذا، واعمل لنفسك جدولاً، هذه هي.

الإنسان الذي يُؤسِّس شركة حقيرة صغيرة يا إخواني يقوم بالمُحاسَبة والجدولة والشغل، ويُتابِع في كل صغيرة وكبيرة، فاعمل لنفسك جدولة في الدين، ائت بهذه الآيات، اكتب هذه الآيات كلها، وحاسب نفسك يومياً، ما الأشياء التي أمر الله بها؟ فعلتها أو لم أفعلها؟ ما الأشياء التي زجر الله عنها ونهى؟ واحتقبتها وارتكبتها؟ وأحدث توبة، وأحدث عزيمة، وابك على نفسك، هكذا!

سوف تقول لي أسأل الله – تبارك وتعالى – أن أصير إلى منزلة قريبة في يوم قريب، بحيث أنني أكون قد أتيت على هذه الأوامر كلها، فطبقتها كما أراد الله، لوجه الله، كل الزواجر والمناهي في القرآن انتهيت عنها، كففت النفس عنها، لوجه الله. وأنا أُبشِّرك، ستُسجاب دعوتك، ستصير مُستجاب الدعوة.

وعلى فكرة أحياناً يغرنا في ديننا ما نفتريه، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩، وَغَرَّهُمْ ۩… الله يتحدَّث عن بني إسرائيل، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩، ونحن أحياناً يغرنا في ديننا ما نفتريه بقدر أو بآخر، بقدر أو بآخر! لو تتفكَّرون – أحبتي، إخواني وأخواتي – في عموم المُسلِمين والمُسلِمين، لوجدتم أنهم يهتمون كثيراً بقضية الدعاء المُستجاب، كُتب وكُتيبات بعنوان الدعاء المُجاب، الدعاء المُستجاب. والآن مقاطع كثيرة في النت Net، على اليوتيوب YouTube بعنوان دعوة لا تُرد. صدِّقوني، يُغرِّرون بكم، يضحكون عليكم، وأجدر بكم ألا تنخدعوا. وفعلاً كما قال محمود سامي البارودي:

وعادة السيف أن يزهى بجوهرهِ                       وليس يعملُ إلا في يديْ بطلِ.

هل تظنون أن العبرة بالدعوة، بقدر ما هي بالداعي؟ العبرة بالداعي. بعض الناس يظن أن العبرة بالدعاء، اذهب، تقص الكُتب أو الشبكة، وحضّر لك خمس أو ست صفحات، وها نحن في رمضان، اقتربنا من ليلة القدر، اكتبها واجلس ادع بها، وإذا جاء البكاء وأسعد الله به، فأهلاً وسهلاً. ثم لا ترى إجابة! لماذا؟ لماذا؟ الله أعذر إلينا من ذاته الشريفة، والنبي بلَّغنا، وأوفى على الغاية في البلاغ.

ثم ذكر الرجل يُطيل السفر – ودعوة الغريب مُستجابة، ودعوة غريب لغريب مُستجابة أيضاً، وهذا ورد في الآثار، فهذا مُسافِر، المسكين مُنقطِع من أهله وناسه وقبيله، ومُحتاج، وقد يتعرَّض لقطع طريق أو نفاد زاد أو نفوق دابة، فيهلك. في الحديث نفسه! شردت منه الدابة، إذن ثم ذكر الرجل يُطيل السفر – أشعث أغبر، يرفع يديه، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، أنى يُستجاب له؟ هذا النبي! قال لك أين هذا؟ أنت ما قرأت القرآن؟ القرآن قال لك إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ۩… ومن ضمن ما أُمرت به أمراً مُشدَّداً – أشد تشديد – أن تكون طُعمتك من حلال طيب، من طيبات ما رزق الله، إياك أن تُدخِل بدنك لُقيمة – لُقيمة وليس لُقمة – فيها شُبهة، إياك!

تعرف الإمام النووي، شيخ مشايخ المُسلِمين – قدَّس الله سره الكريم -، وكان مُستجاب الدعوة، مات قبل أن يشيخ – كما قلت في الخُطبة السابقة -، في نصف عقده الخامس، ابن خمس وأربعين أو ست وأربعين، أي لم يصر شيخاً، في السن طبعاً! وهو شيخ مشايخ المُسلِمين في العلم والفضل والصلاح، كان لا يأكل القثاء، وكان يُحِبه جداً، لا يأكله! لماذا؟ لأنه بلغه أن المقاثي حول دمشق جرى عليها غصب من الأمراء، فحرَّم هذا على بطنه، لا بطيخ ولا فقوس ولا خيار، طيلة حياته! وإن أراد أن يأكل شيئاً، دُفِع له من قريته، من أهله، من المُباح، من الحلال، انظر إلى درجة بلغ الورع، ورع عجيب، تقول هذا الإمام النووي، تُوفي في سنة ستمائة وست وسبعين للهجرة، أي قديم. لا! هناك الشيخ محمد سعيد البُرهاني – قدَّس الله سره -، من تَلاميذه مولانا البدر، بدر البدور، شمس الشموس، قمر الأقمار، البدر الحسني، أي محمد بدر الدين الحسني، قدَّس الله سره، من تَلاميذه الشيخ محمد سعيد البُرهاني، وابنه العالم، الأصولي، الفقيه، المُربي، الذي تُوفيَ قريباً، محمد هشام البُرهاني.

ماذا عن هذا الشيخ؟ يقول محمد هشام – رضيَ الله عنه وعن أبيه وعن شيخنا الحسني – رأيت من ورع أبي الشيئ العجيب. لا تخلو الحياة الزوجية من مُنغصات، حتى في حياة رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله جميعاً -، فربما غاضبته أمي أو غاضبها، فيتهاجران، فإذا كان شيئ من ذلك، لم يعد يذوق شيئاً مما تصنع من طعام. ليس أنه زعلان أو حردان كما نقول، وهي كلمة فصيحة أيضاً، أي حرد أو حردان، لا! ليست هذه القضية. قال فنأتيه، نُشفِق عليه. طول اليوم وهو في العلم والدروس، أُناس ربانيون! نقول له يا أبتِ الطعام؟ يقول لا يا بُني، لا يا بُني، تعلم أن بيننا هذه المُغاضَبة، وقد بذلت جُهدها فيه. نعم أنا المال مني، لكن هي بذلت عرقها، وأخشى ألا تُسامِحني بجُهدها. هل خطر على بال واحد منا قبل اليوم مثل هذا الورع؟ وهو في مكانه، ورع في مكانه.

قال بذلت جُهدها في إعداد الطعام، فلعلها في قلبها لا تُسامِحني بجُهدها في الطعام، أنا لا آكله. أرأيتم علماء أمة محمد؟ هؤلاء هم العلماء، فأفٍ لنا وتُف، أفٍ لنا وتُف، هؤلاء هم العلماء، هؤلاء هم المُتدينون، هؤلاء هم رجال الله، اللهم اجعلنا من رجالك،  ذوي قدم صدق عند ربهم.

قال فنأتيه بالمكدوس – بالمُخللات وكذا – ونقول له هذا؟ يقول وهذا بذلت فيه جُهدها. أي نفس الشيئ، مَن أعد هذا وكذا؟ لا! أخاف – قال -.

هناك الشيخ المُقريء، العلّامة، الفقيه، العارف بالله عبد الرزّاق الحلبي – قدَّس الله سره الكريم -، شيئ عجيب، هذا آية من آيات الله، اقرأوا عنه، حاولوا أن تعرفوا سيرة حياة هذا المُقريء الكبير الجامع، عجيب هذا الرجل، رآه مرة رجل أجنبي، فوقف مدهوشاً، قال يا الله، هذا الرجل له نور. فقال قولوا له هذا نور الإسلام، هذا دين محمد. وفعلاً كان مُنيراً، وله هيبة وجلال.

أيضاً يُحدِّث ابنه – بارك الله في عمره – عنه، يقول الآتي وقد استعبر، يقول أبي لما تزوَّج أمي كان فقيراً مُدقعاً، لم يستطع أن يُؤثِّث البيت، فجاءت أمي بأثاث البيت. أي (بالتخت والفرشة والمراتب والمخدات)، هذا كله من أمي! فكان إذا وقع بينهما مُغاضَبة، لا ينام على الفراش، فإذا سألناه، يقول يا ابني أو يا أولادي هذا مالها، أخشى ألا تُسامِحني إذا نمت عليه. شيئ عجيب، ورع! من نفس بابة محمد سعيد البُرهاني، ورع عجيب.

وتسأل بعد ذلك لماذا أمثال هؤلاء مُجابو الدعوة؟ سوف تقول لي مُجابو الدعوة؟ طبعاً، كانوا مُجابي الدعوة بشكل مُدهِش مُحيّر، مُحيّر! ونذكر بعض النماذج السريعة:

من مصر الكنانة – حفظها الله، وحفظ عليها أمنها واستقرارها – شيخ تُوفيَ قبل فترة يسيرة، اسمه الشيخ أحمد حمادة – قدَّس الله سره -، من حملة القرآن. يقول تَلاميذه واللائذون به وهم كُثر لم نر مثل الشيخ حمادة، كان مُنقطِعاً عن الدنيا وما فيها، لم يتزوَّج، كان مُنقطِعاً عن الدنيا وما فيها، من أعراض ولذائذ وشهوات، لا تعنيه! لا يفطر لسانه عن ذكر الله، قرآن مُستمِر، باستمرار قرآن قرآن قرآن، يتلو القرآن باستمرار، في حالة ذكر. قالوا ومن أعجب شأنه الآتي. وقد عُمّر إلى نحو التسعين، إلى نحو التسعين! وطبعاً حلت بساحة بدنه الأمراض والعلل، فكان إذا حضرت المكتوبة (الفريضة)، يُصلي السُنة من جلوس، لا يستطيع أن يقف، أما عند الفريضة، فيقول (شيلوني)، احملوني. فنحمله. قالوا فيقف، يقف كما يقف الشباب، ويُصلي صلاةً بقيامها وركوعها وسجودها، حتى إذا سلَم، يقول احملوني. فيعود ساقطاً في الأرض. العون! اللهم أعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.

يقول أحد تَلاميذه الناس تأتيته أرسالاً، عشرات إثر عشرات، بشكل مُستمِر. يعلمون أنه مُستجاب الدعوة، وكلهم يطلب دعوته، يا سيدي ادع الله لي أن ينجح ابني في الامتحان. يقول  له حصل – بعون الله -، توكَّل على الله. يا سيدي أنا أُريد فيزا Visa – مثلاً – إلى أستراليا، ولم يُعطوني. يقول حصل يا ابني، توكَّل على الله. و… و… و… وهكذا! ابنتي – مثلاً – أصبحت عانساً، في الثلاثين وما إلى ذلك، ونُريد أن تتزوَّج. يقول حصل – بعون الله -. معقول! أحدهم شك، وهو من تَلاميذه، قال عشرة مِمَن أتوا أعرفهم، تتبعتهم واحداً واحداً، تتبعتهم واحداً واحداً! قال والله ما سألت واحداً منهم إلا قال حصل. هذا قال أخذت الفيزا Visa، وهذا سألته عن أخيه، فقال سافر. هذا قال ابنتي تزوَّجت قبل أسبوعين. كلهم! قال فعلمت أن الرجل فعلاً مُستجاب الدعوة. وسريعاً سريعاً، انتبه!

هذا الشيخ أحمد حمادة المصري، وكم ذا بمصر من الأولياء والصالحين! وبالعراق، وبالجزائر، وبتونس، وبسوريا الشام، وبليبيا! شيئ عجيب، أمة محمد هذه، اذكر أي بلد عربي وستجد أمثال هؤلاء، اذكر أي بلد تُريده، هذه أمة محمد، والأمر نفسه في المملكة، والإمارات، أي بلد! أمة محمد لا ينقطع فيها الخير، وفيها رجال الله، اللهم كثِّرهم، اللهم عمِّم نورهم في الآفاق، السعيد مَن تعرَّف إليهم ولاذ بهم يا إخواني – والله – وتعلَّم منهم، لأن حالهم قوية قوية قوية، بمُجرَّد أن تراه أو يدعو لك أو تُصافِحه – والله والله -، قد يختصر عليك عمل سنين – بإذن الله تعالى -، هذا سر التزكية، وهذا السر كان في رسول الله، سر التزكية! ليس العمل والاجتهاد وحده مقطوعاً عن هذه البركة الإلهية في هؤلاء الورّاث، الورّاث الكاملين لرسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه -.

هناك الشيخ أحمد الحارون، أكيد الآن إخواننا السوريون يسمعون ويخشعون، لا يُوجَد سوري – وخاصة دمشقي – لا يعرف الشيخ أحمد الحارون، العارف، الولي الصالح، العالم، العلّامة، الإمام، آية من آيات الدهر. الشيخ محمد سعيد البُرهاني الذي ذكرته قُبيل قليل – قدَّس الله سره – يقول لا أحسب أن الله – تبارك وتعالى – يسمح للزمان أن يجود بمثل الشيخ الحارون إلا في كل مائة سنة بواحد. في كل مائة سنة من المُمكِن أن يأتي واحد مثله.

الشيخ الحارون كان حجّاراً، أي يعمل في قطع الحجارة وتهيئتها، مهنة آبائه وأجداده أيضاً، لم يتعلَّم الكتابة والقراءة إلا حين علت سنه، ولذلك كان خطه صعب القراءة، فكانت تُبيَّض أعماله، ترك عشرات المُجلَّدات. شيخ الأزهر العلّامة الكبير حسن مأمون – رضوان الله على روحه – اطلع على شرح للشيخ أحمد الحارون الذي كان لجهة الكتابة والقراءة أُمياً، وقد تعلَّم في آخر حياته، لكنه لاذ بالعلماء وبجنابهم مُذ كان صغيراً، وتتلمذ أيضاً على البدر الحسني – قدَّس الله سره -، انظر إلى سر الحسني، وعلى محمد بن جعفر الكتاني، العلّامة الحافظ المغربي العظيم، وتعلَّم أيضاً على الشيخ أمين سويد – رضوان الله عليه -، أقطاب كبار في العلم والصلاح، تعلَّم! هذا قضى حياته في العلم، وعلى الشيخ محمد عطا الكسبي، مُفتي الجمهورية والعلّامة الكبير اللوذعي والرجل الصالح، وعلى عشرات غيرهم، لكن الكتابة والقراءة بأخرة، مُتأخِّراً! اطلع شيخ الأزهر حسن مأمون – رضوان الله على روحه – على تعليقاته على رسالة الشيخ الأكبر مُحي الدين بن عربي – قدَّس الله سره – ما لا يُعوَّل عليه، فقال يا الله! كأنني في حضرة الإمام أبي حامد الغزّالي. قال هذا غزّالي العصر.

هناك الشيخ قاسم القيسي مُفتي بغداد – رحمة الله عليه -، وكان علّامة كبيراً في وقته، في الخمسينيات أو الأربعينيات، أرسل رسائل إلى الشيخ أحمد الحارون، فيها مسائل صعبة، تعضل بالعلماء، عضلت بهم هناك، أين؟ في العراق. عش الأولياء وعش العلماء، بغداد هذه، بغداد! فأرسل إليه أسئلة في مُنتهى الصعوبة، في علم التوحيد، وفي علم العرفان، وفي التصوف، فكتب له إجابات، أي الشيخ أحمد الحارون، ثم سيَّرها بالبريد، فما كان من مُفتي بغداد، الشيخ قاسم القيسي – رحمة الله عليه رحمة واسعة – إلا أن أتى إلى الشام، وطلب مُقابَلته، وقال له يا حارون إنا بك حائرون. ما هذا؟ قال له، ما هذا؟ ثم قال ليس هذا من العلم الكسبي – أي هذا ليس علم كُتب وما إلى ذلك -، هذا من العلم الوهبي. هذا علم رباني، قال له هذا ليس علم كُتب. كيف؟

إلى الآن لا يزال حياً – مد الله في عمره في خير وعافية – البروفيسور Professor الكبير، أستاذ الأدب العربي وفنونه المُختلِفة واللُغة العربية، الدكتور بكري الشيخ أمين الحلبي، المولود في ألف وتسعمائة وثلاثين، وقد درَّس في المملكة، ودرَّس في المغرب في القرويين، ودرَّس في لبنان، ودرَّس في سوريا طبعاً. أستاذ أجيال!

– (ملحوظة هامة):

ذكر فضيلة الشيخ عدنان إبراهيم أن الدكتور بكري الشيخ أمين لا يزال حياً، ودعا له بأن يُطيل الله عمره في خير وعافية، في حين أنه تُوفيَ في الخامس من فبراير، أي قبل زُهاء شهرين.

قال كان لي صديق أزعجني وضايقني بكثرة ما يذكر الشيخ أحمد الحارون، دائماً ما يتحدَّث عن الشيخ الحارون وعلوم الحارون وكرامات الحارون وإجابة دعوة الحارون. قال فتضايقت، وقلت له دع هذا الحارون يا أخي، أنت تُبالِغ. والناس أحياناً يُبالِغون. وهو ظن أنه ماذا؟ من المُبالِغين. تعرف – قال له -، لأركبن، ولأذهبن إلى هذا الحارون، إلى هذا الحارون ذي العلوم والفنون. وسأرى – قال له -، أُريد أن أختبره بنفسي. قال وفي نفسي عقدت العزم على أن أسأله سؤالاً أو مسألةً من صعائب المسائل. مسألة صعبة جداً! قال وذهبت مع زميلي هذا، والسؤال في قلبي، لا يعلمه إلا الله. قال طرقنا الباب، فخرجت الخادم، وقالت الشيخ نائم. فإذا به يصيح: أدخليهم، ضيوفنا من حلب، أنا في انتظارهم مُنذ ثلاثة أيام. قال فصاحبي نظر إلىّ! قال قلت له ليس عجيباً، تحدث هذه، أي هناك أولياء يعرفون الأشياء هذه. يُمكِن أن يكون هناك جني أخبره – أي هكذا الناس تظن -، يُمكِن أن يكون هناك جني في الطريق أخبره، تحدث هذه.

قال أدخليهم. قال فدخلنا، فإذا به على السرير، فجلس ورحَّب بنا. وكان فيه دعابة. أي الشيخ الحارون، كان فيه روح لطيفة ودعابة، مع صدق كامل ونزاهة – قدَّس الله سره -. قال ثم ابتدرني، وجعل يُمازِحني مِزاحاً قاسياً، يسخر من جامعتي التي تخرَّجت منها، وأنا تخرَّجت قريباً مُتفوِّقاً على زملائي، وهو يسخر من هذا. أي ماذا تعرف أنت؟ وما جامعتك هذه كلها؟ ومَن أساتيذك؟ مُتعمِّداً! لأنه أتى لكي يختبر، وهو غير مُصدّق، أن هناك أُناساً الله فتح عليهم. ثم قال لي دون أن أطرح سؤالي يا فلان قُم وأحضر هذا الكتاب. وأشار إلى كتاب في مكتبته، هناك رفوف وكُتب كثيرة، قال فتناولت كتاباً، فقال ليس هذا، الذي يليه. قال فأخذته.

قال افتح. قلت أفتح ماذا؟ ثم فتحت. قال ليس هكذا الفتح، هات. وفتح! قال اقرأ. قال اقشعر بدني وأُصمت، لم أستطع أن أتكلَّم. في رأس الصفحة بالخط الأحمر – وأنا زوَّرت في نفسي أن أسأله عن الروح وشؤونها وفتونها، لكن هذا كان مكتوباً في رأس الصفحة بالخط الأحمر – وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ۩. ونظر إلىّ وقال فهمت؟ قلت فهمت يا سيدي.

وها هو يعيش إلى اليوم، أستاذ أجيال، بروفيسور Professor هذا، هو ليس درويشاً أو كذا، هو بروفيسور Professor، ويحكي هذه القصة، قال هذا الحارون. شيئ لا يكاد يُصدَّق، السؤال في قلبي! وعلى فكرة هذا ليس بدعاً، مثل هؤلاء العلماء الربانيين يتواتر عنهم هذا، فهناك الشيخ عبد الله سراج الدين – قدَّس الله سره -، هذا العارف العظيم والعلّامة المُحدِّث المُفسِّر اللُغوي المُسند، شيئ عجيب! هذا عبد الله سراج الدين الحلبي – قدَّس الله سره الكريم -، وادخلوا على النت Net وابحثوا عنه، وله حتى على النت Net دروس – بحمد الله – مُبارَكة بصوته، الشيخ عبد الله من أشهر كراماته التي تواترت عنه والتي يحكيها عشرات وعشرات العلماء وطلّاب العلم الآتي.

يقول أحدهم كنت آتي إليه، ويكون في صدري مجموعة مسائل، أربع أو خمس مسائل أو عشر مسائل. يقول والله لا ينفض المجلس حتى يكون أجابني عنها كلها دون أسأله. طبعاً بعض الناس لا يتمالك نفسه، يقول له يا سيدي أنا كنت أُريد أن أسأل عن هذا! فيقول اللهم استرنا. وكانت هذه دعوته، أي اللهم استرنا، كلما ظهرت له كرامة يقول اللهم استرنا، اللهم استرنا. ما هذا؟ ما هذا؟ شيئ عجيب يا إخواني، شيئ عجيب!

الشيخ أحمد الحارون طبعاً من أشهر كراماته التي يعرفها العامة قبل الخاصة إجابة دعائه، وخاصة في قضية الشفاء طبعاً، هذا مُصاب بسرطان، هذا مُصاب باستسقاء، هذا مُصاب بكذا، وهذا مُصاب بكذا. وكان مثل الشيخ أحمد حمادة بالضبط، فأنا لم أسمع عن مُعاصِرين – على الأقل طبعاً هذا بحسب سمعي البسيط القاصر – كانوا هكذا، إلا عن هذين الاثنين، دعاء يُستجاب في التو واللحظة، ومن غير تكلف، لا يقول لك سأذهب أتوضأ وأُصلي ركعتين وأدعو لك. أبداً!

تقول له يا سيدي ابني مريض بكذا. يقول شفاه الله. ويشفى من فوره، تذهب وتعود به إلى البيت، في ظرف يوم أو يومين ينتهي كل شيئ. في التو واللحظة! يقولون كان عيساوي المقام. مثل عيسى، يُبرئ الأكمه والأبرص. أحمد الحارون اقرأوا عنه، شيئ عجيب! رضوان الله عليه. وكثيرون أمثال هؤلاء يا إخواني، ولكن – كما قلت لكم – الأمة لم تعد تعبأ بهؤلاء، يعبأون بخطاب آخر وبمنطق آخر، أضاع عليهم وعلينا الدين،  وتشوَّه الدين وتفلت من أيدينا، وصار الدين في حياتنا غير حميد الآثار. صدِّقوني! الآثار غير حميدة، وهي ليست للدين، لدين هؤلاء، لهذا الضرب من التدين، صار الدين عاملاً لتفريق المُسلِمين في المسجد الواحد، في الأسرة الواحدة، في المجموعة الواحدة، أليس كذلك؟ الدين – قال لك – هو هذا. عجيب! أهذا الدين؟ الدين رحمة للعالمين، الدين توحيد للمُسلِمين، قبل أن يكون لغير المُسلِمين، توحيد للمُسلِمين بالذات، لم الشمل، تقريب القلوب من بعضها! لأن جوهر الدين ما هو؟ سير إلى الله، طلب وجه الله. يستحيل أنكما تسيران إلى الله ثم تختلفان، أليس كذلك؟ مُستحيل. ستتآلف قلوبكما، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۩، لا إله إلا هو! هذا هو يا إخواني.

لذلك الخيبة والخسار وغُبن الصفقة، أن الناس لم يعودوا يهتمون بهؤلاء العلماء الربانيين، ليتعلَّموا منهم كيف يكون الدين، وكيف يكون الورع، وكيف تكون تزكية النفس، وكيف تكون تزكية النفس بحق.

أسأل الله – تبارك وتعالى – بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا أن يُؤتي أنفسنا زكاتها، وأن يُطهِّرها. اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير مَن زكاها، أنت وليها ومولاها.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

 

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.

إخواني وأخواتي:

النفس إذا زكت واقتربت من الله وازدلفت، صار لها نور يشع منها على مَن يلوذ بها، لا محالة! ليس اختياراً وليس تكلفاً، ومن هنا قالوا مَن لم ينفعك لحظه، لن يُفدك لفظه. إذا رأيت مَن يتسمى باسم أو يترسم برسم العلماء – هذا إذا رأيته، مُجرَّد الرؤية – ولم تشعر أن قلبك اعترته رقة، حدث لك نوع خشية، حدث لك نوع خشية وإرادة توبة، فلا خير لك في علمه. عادي! مثله مثل غيره، هؤلاء يقولون لك لا خير لك في علمه، اعده إلى غيره، أنت لن تستفيد، لن تتنوَّر، لأنه ليس صاحب حال، هو ليس نورانياً. لو كان نورانياً، لحصل العكس. وهذا طبيعي، مثل إنسان يمشي في الظلام وعنده مصباح، نعم! طبعاً هناك دائرة نور، أنت تنتفع بها، وأنا أنتفع بها، أمشي وراءه لكي لا أقع في الحُفرة، يُوجَد نور، تنتفع به، لكن ماذا عن مُظلِم مع مُظلِم في الظلام؟ هذه الهلكة الناجزة، الآن! في التو واللحظة، الكل يهلك، ضل مَن كانت العُميان تهديه.

ولذلك ورد عن رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه – أنه قال أولياء الله مَن إذا رُأوا، ذُكِر الله. والله من أجمل التعاريف، بل هو أجمل التعاريف، للولي، تُريد ضابطة (ضابطة لا تتخلَّف، تعرف بها ولي الله)؟ لكن بشرط طبعاً أن يكون قلبك مُستعِداً أيضاً، فلا ينبغي أن تكون من أهل الاستكبار والجحد والغيرة والحسد، كأصحاب هذه النفوس المريضة، ولا ينبغي أن تكون من أهل التكذيب والنُكران، أبداً أبداً! كُن مستُهدياً بهادي أهل السماوات والأرضين – لا إله إلا هو -، إن رأيته وهو من أهل الله، مُباشَرةً ذكرت الله، نعم! النبي يقول أولياء الله مَن إذا رُأوا، ذُكِر الله. مُباشَرةً! لماذا؟ الحال، النور، يُوجَد نور معهم. ومُستحيل العكس! هناك واحد يقضي الليل بطوله نائماً، وهناك آخر يقضي شطراً على الأقل أو بعضاً أو أكثر الليل وهو قائم، قاعد، ساجد، راكع، باكٍ، مُبتهِل، مُناجٍ، مُتملِّق. فرق كبير يا أخي، فرق كبير! واحد يحتقب المعاصي، كبيرها وصغيرها، لا يُبالي، وواحد ورعه كما سمعتم، من أشد ما يكون! يختلف هذا عن هذا بالحري، بالحري يختلف هذا عن هذا ربانياً.

المسألة ليست تتعلَّق بالأوهام يا إخواني ولا بالتكلفات، الرب حق، وفعله حق، وثوابه حق – لا إله إلا هو -، هذا ثواب الصالحين، ثواب العابدين، ثواب الصادقين المُخلِصين، في الدنيا قبل الآخرة! وسأحكي قصة واحدة، وربما ذكرتها مرة قبل ذلك على المنبر، ولكن هذه القصة تروقني جداً وتُؤثِّر في، حكاها الشيخ الصالح – نحسبه كذلك، والله حسيبه – العلّامة عليّ الطنطاوي، وأيضاً الشيخ الطنطاوي كان من تَلاميذ هؤلاء الذين ذكرناهم، لحق بأزمانهم وتتلمذ لهم وتبرَّك بهم، ولذلك تجد فيه جمالاً، تجد جمالاً في أسلوبه وفي كلامه وفي حكاياه، شيئ عجيب ومُؤثِّر أيضاً، رضوان الله على روحه الطاهرة.

في الذكريات، في المُجلَّد الأول – على ما أذكر إن شاء الله تعالى -، يقول سأحكي لكم قصة حكاها لي الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات. العلّامة المصري، الأديب اللوذعي، من أجمل ما تقرأ أسلوباً وديباجة وفصاحة وبلاغة، لأحمد حسن الزيات، صاحب الرسالة ولا جرم، صاحب الرسالة التي كان يكتب فيها كبار مصاقعة الأبيناء والبلغاء والأدباء وشعراء العرب، يكتبون في الرسالة! قال حكاها لي، وسميَ لي الرجل، وأنا نسيته. قال للأسف نسيت الاسم، وقد سماه لي.

قال له يا شيخ عليّ كان عندنا في الأزهر مُدرِّس، رجل من الصالحين، من أهل العلم، عالم أزهري، ومن أهل العلم والصلاح، علت سنه قليلاً، فاحتوشته الأمراض، فاحتوشته الأمراض حتى أتعبته، فذهب إلى الطبيب، فألزمه الطبيب بالراحة، قال له لابد أن تنقطع عن التدريس ولو فترة، تقصد فيها إلى البساتين والأماكن الفيحاء المفتوحة الهوية، التي فيها النسائم العليلة والهواء الذي يتردد، وتقضي وقتاً على شاطيء النيل. قال له هذا وألزمه بهذا. قال له هذا جُزء أساسي في العلاج. ووافق الشيخ – رحمة الله تعالى عليه -. انظر إلى هذا، مُدرِّس وعالم ورجل صالح، ما أجمل هؤلاء! وقلت لك مرة والله الذي لا إله إلا هو أجمل ما رأيت وأجمل ما أرى في الوجود هؤلاء الصُلحاء الأولياء، وهم في علو أسنانهم، لا أرى شيئاً في العالم كله أجمل منهم. انظر إى وجوههم، لحاهم، أبدانهم، إخباتهم، يا أخي لا أرى – والله الذي لا إله إلا هو – أجمل منهم، لم أر ولا أرى أجمل منهم، جمال لا يُوصَف في هؤلاء، جمال رباني في هؤلاء، تجد هذا على وجوههم، وتجد الواحد منهم فقيراً، يلبس ثوباً، لم يُغيّره من عشرين سنة أو من ثلاثين سنة، ولم يبل، لأن ثياب الصالحين لا تبلى، وهذا مُتواتِر عنهم، مُتواتِر عنهم! كيف يبلى قلبك إذا اقتربت منهم؟ بل ينمو ويزكو. وعلى فكرة ومن معاني الزكاة ماذا؟ النماء والزيادة. بل ينمو قلبك وتنمو نفسك وروحك بالخير – بإذن الله تعالى -، ولا تبلى. وقلبٌ رأى الله لن يفنى ولن يُعرَض على النار – بإذن الله -. اللهم اجعلنا كذلك.

قال فاستوقف عربةً – الشيخ الصالح المُسِن استوقف عربةً -، فوقف له رجل، قال له يا بُني خُذني إلى مكان غنّاء، جنة أو بُستان فسيح هكذا، أتفرَّج فيه، وأُسري عن نفسي. وكان العربجي – أعزكم الله – خبيثاً، أي رجلاً خبيثاً، فأخذه إلى طرف الأزبكية، حيث بيوت المُومثات، ولكن الشيخ الصالح قال له يا بُني اقترب موعد المغرب، خُذني أولاً إلى مسجد، قبل أن تأخذني إلى البُستان خُذني أولاً إلى مسجد أُصلي فيه. انظروا إلى هذا، انظروا إلى هذا! الصلاة في وقتها، لا يُوجَد تأخير. فهذا العربجي – غفر الله له، وأكيد هو الآن في ذمة الله – أخذه إلى بيت من هذه البيوت. قال له هذا، هذا المسجد. فدخل الرجل البيت، لكن هؤلاء أهل طيبة، ليسوا أهل غفلة، أهل غفلة عن الشر نعم، أهل غفلة عن الشر، ليس عندهم مكر وما إلى ذلك، لا! أبداً، هؤلاء أُناس يعيشون مع الله باستمرار، يُحسِنون الظن بالناس دائماً ويُصدِّقونهم، أُناس طيبون، طيبون! ليسوا من الناس إلا في خير، ملائكة تمشي في مساليخ بشر. اللهم ألحقنا بهم.

فدخل الشيخ، وإذا بصاحبة الدار جالسة على الهيئة التي يجلس عليها أمثالها، هيئة غير مُحتشمة! فغض طرفه، وقال السلام عليكم ورحمة الله. ثم جلس قليلاً ليُسبِّح ويذكر الله، غاضاً طرفه. ثم قال يا بُنيتي دخل وقت المغرب، أين المُؤذِّن؟ لماذا لا يُؤذِّن؟ وهي صامتة. ثم قال لها هل أنتِ ابنته؟ صامتة. قال يا بُنيتي المغرب غريب، أنا سأُؤذِّن، وسأُقيم الصلاة. ثم قام وأذَّن، وهو يظن في المسجد، يظن أنه في المسجد! ثم أقام الصلاة، وقال يا بُنيتي صفي خلفي – لأنه لا يجوز أن تصف إلى جانبه، قال لها صفي خلفي – إن كنتِ مُتوضئة، تكن لنا جماعة. أي قال لها سنكسب أجر الجماعة. صفي خلفي إن كنتِ مُتوضئة، تكن لنا جماعة. وهنا استيقظ إيمانها دُفعةً واحدةً – رحمة الله عليها -، فانفجرت في البكاء، انفجرت في البكاء، وهو أُسقط في يده، دُهِش! ماذا يا بُنيتي؟ وجاءت وأكبت على رجليه، وقصت قصتها، يا سيدي هذا ليس مسجداً، هذا بيت قذارة، وأنا – أي هذه البعيدة – كذا وكذا، أنا خاطئة آثمة، يا سيدي… وتبكي، تبكي، وهو لا يعرف كيف يُواسيها، ولم يستحل أن يضع يده عليها.

قال يا بُنيتي اسمعي إلى رب العالمين، كيف قال وماذا قال، بسم الله الرحمن الرحيم – تلا عليها الآية من الزمر -، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۩. جَمِيعًا ۩ يا بنتي، جَمِيعًا ۩ يا بنتي، وليس الزنا بأكبر من الشرك بالله، يا بنتي قومي، اغسلي بدنك بالماء، والبسي الثوب الساتر، وتعالي، فأنا في انتظارك، ولا تريثي علىّ، نُصلي الجماعة. ففعلت، صلت صلاةً لم تذق في حياتها أجمل منها ولا أسعد، وهي تبكي، لم ينقطع بكاؤها، حتى إذا انصرفا من صلاتهما، قال لها يا بُنيتي، هلمي، اخرجي معي، واقطعي كل صلة لكِ بهذا المكان الدنس النجس، يغفر الله لكِ يا بُنيتي. وأخذها، ثم زوَّجها من أحد صالحي تَلاميذه، من رجل عالم صالح، واستوصاه بها خيراً، وأصبحت هي من الصالحات.

شيئ لا يكاد يُصدَّق، انظروا إلى هذا، رجل مُبارَك صالح، أتى إلى مكان، بدل أن يسرقوه، سرق منهم، سرق كبيرتهم، إلى الله. اللهم اجعلنا سرّاقاً لك، ولا تجعلنا مسروقين منك لإبليس وجُند إبليس من الإنس والجن.

اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت. علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وارزقنا الهدايةً، وارشدنا إلى أحسن مراشدنا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۩، برحمتك يا رحيم، يا عفو، يا غفّار، يا رب العالمين.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ۩. اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة الدنيا زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم يا مالكاً لكل شيئ، ويا عالماً بكل شيئ، ويا قادراً على كل شيئ، ويا حاكماً على كل شيئ، ويا رب كل شيئ، نسألك بقدرتك التي قدرت بها على كل شيئ، أن تغفر لنا كل شيئ، وألا تسألنا عن شيئ، برحمتك يا أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت سُبحانك إنا كنا من الظالمين، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ۩.

اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات مغفرةً ورضواناً. واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنات والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك يا رب العالمين، إلهنا ومولانا، رب العالمين، يا بر، يا كريم، يا رحمن، يا رحيم.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

 

(تكملة قصيرة تتعلَّق بموضوع الخُطبة)

 

وبهذا الخصوص – يا ليتني ذكرت هذا على المنبر، ولكن هذا سيُسجَّل – أود أن أقول إنني بالأمس استمعت أو بالأحرى تابعت ورأيت مقطعاً لطبيب ليبي مُبارَك، عليه حتى هكذا سيماء الصالحين، أعتقد اسمه الدكتور هاني السباعي. وهو مقطع جميل، تابعوه، أثَّر في كثيراً، يتحدَّث فيه عن أحد شيوخ جماعة الدعوة والتبليغ – بارك الله فيهم، وتعرفون أنهم أُناس طيبون، سُبحان الله -، اسمه محمد الجهاني، وهو ليبي أيضاً. قصة عجب يا إخواني، ويقول الشيخ مجمد الجهاني حي يُرزَق، استضيفوه واسألوه. قال وله قصص كثيرة عجيبة.

قال كنت عنده مرة في البيت، وهو أخبرني بهذه القصة. ما هي؟ اسمعوا القصة، وحدِّثوا بها أهليكم، فهي تزيد الإيمان يا إخواني فعلاً، ولها علاقة بالدعاء. يقول الشيخ محمد – بارك الله في عمره، وختم له بأحسن خاتمة، ولنا جميعاً يا ربي – تزوجت، ومرت علىّ سنون ولم أُنجِب، لم يرزقني الله الولد. وغير معروف هل السبب منه أو من زوجته، وهو رجل مُتوكِّل على الله هكذا ولا يهمه هذا، الدعوة أخذته، وهو يعمل مُترجِماً من الإنجليزية إلى العربية والعكس، في مُستشفى مشهور جداً، هو مُستشفى الشيخ زايد في لندن، رحمة الله على الشيخ زايد، هذا الرجل أينما ذهبت – سُبحان الله – رأيت آثار بره وخيره الذي قدَّمه لنفسه وللأمة، في كل مكان زايد! مشروع زايد، مُستشفى زايد، شيئ غريب. يا ليت مُعظَم حكامنا يكونون مثل هذا، أو كل حكامنا يا ليتهم يكونون مثل هذا، خير في كل مكان، كان يبث الخير ويعمل الخير، رحمة الله على الشيخ زايد.

فالمُهِم هو يُترجِم، أي الشيخ محمد الجهاني هذا، وهو من جماعة الدعوة والتبليغ. فجاءت في يوم من الأيام أم زوجته – أي حماته – إلى زيارتهم، وفاتشت ابنتها، أي سنون طويلة مرت ولم تُرزقوا بالأولاد، أي لابد وأن تكشفوا، قالت لها الشيخ قال كذا. قالت لها لا، هذا لابد منه، أي ألحي أنتِ. ألحت عليها، فتكلَّمت مع زوجها، أي مع الشيخ محمد، فقال على بركة الله. وهو يشتغل في المُستشفى، وهذا المُستشفى راقٍ جداً، من أرقى مُستشفيات المملكة المُتحدة. فذهب إلى طبيب معدود عالمياً في هذا الباب، أي في العقم، عالمي! على مُستوى عالمي، وليس على مُستوى فقط المملكة المُتحِدة، وهو يعرفه، هو دائماً ما يُترجِم، وهم يعرفونه، فذهب إليك، أجرى الفحوصات كلها وكذا، ثم أخذ موعداً، فقال له يا أستاذ محمد أنت ميت، لا يُمكِن إنجاب أولاد، مُستحيل، Zero. أنت ميت – قال له – ولا يُمكِن أن تُرزَق الأولاد.

فأخذته الحمية الإيمانية، وهذا ليس من أجل نفسه، فقال له وعلى كل حال يا دكتور لست أنت مَن يُقرِّر. انظر إلى الثقة بالله، يُوجَد رب يا أخي – قال له -، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ۩، يُوجَد رب. انظر إلى هذا، هذه قوة إيمان المُؤمِنين – بفضل الله -، انظر إلى هذا، هذا جمال الإسلام يا أخي، ثقة عجيبة بالله عندنا.

قال له لست أنت – مع احترامي – مَن يُقرِّر، هناك رب للعالمين هو الذي يُقرِّر. قال له أنت وذاك، أنا تكلَّمت معك طبياً. وهو عالم في الطب، وقال له هذا مُستحيل، أنت ميت. قال له أنت ميت Dead! فذهب الشيخ محمد – بارك الله فيه – مُباشَرةً، قطع تذكرة وحجز عمرة، قال ذهبت وحصل الآتي. شيئ مُؤثِّر يا أخي، ذكي! رجل لبيب، سُبحان الله، لأن إذا أراد ربنا أن يُستجيب لعبده، ألهمه ما يستجيب له به ومعه. حتى الدعوة كيف تكون، الله يُلهِمك إياها، وهذا من رحمة الله.

فذهب إلى العمرة، أي الشيخ محمد الجهاني – بارك الله فيه -، قال وتحينت فُرصة في جوف الليل، في السحر! أقرب ما يكون الرب من عباده في ماذا؟ في جوف الليل، في السحر، في الثُلث الأخير. قال وصليت، وفي السجود أطلت. ومكث قُرابة ساعة في السجود، لم ترقأ له دمعة، لم تنقطع دمعته، بكاء بكاء! وخاطب ربه، والله ألهمه هذا هكذا، قال له يا رب كذا وكذا. قال كنت أُخاطِبه بالليبية. وهذا أحسن وأفضل، خاطب الله بلُغتك العادية، لا تُحاوِل أن تأتي بالسجع والتكلف وأن تتفلسف، أبداً! لا تلحن، وتكلَّم بلُغتك العادية العامية، أياً كانت، والإنجليزي عليه أن يتكلَّم بالإنجليزية، والألماني عليه أن يتكلَّم بالألمانية، والفارسي عليه أن يتكلَّم بالفارسية… بأي لُغة! قال قلت له يا رب أنت تعلم لو جاءني أحدٌ في بيتي ضيفاً وطلب إلىّ قضاء حاجته، وعزتك كنت أقضيها له، ولا يخرج من بيتي حتى – وهو يعرف من نفسه أنه كريم، ما شاء الله – أقضيها له، حتى أقضيها له! وأنا جئتك في بيتك، وأنا يا ربي أُريد الولد، أُريد الولد يا الله، وأنت أكرم الأكرمين، وأمرك بين الكاف والنون. قال له أنا عبد فقير، قال له أنا ليس عندي أي شيئ، ومع ذلك أنت تعرف وأنا أعرف من نفسي أن لو قصدني أحدهم في شيئ، فإنه لا يعود صفر اليدين، خائباً. يستحيل – قال له – هذا، وأنت أكرم الأكرمين، والأمر لا يُكلِّفك شيئاً، أنت أمرك بين الكاف والنون، أُريد الولد يا الله.

قال ثم سُري عني، ورأيت مثل بركة صغيرة من الدموع. شيئ لا يُصدَّق، أي كأنك كببت إبريق ماء. ثم عُدت – قال -. بعد شهر ذهبت زوجتي للفحص، وكانت حاملاً. والله العظيم! كانت حاملاً. قال رُزقت الولد. ولا أدري أسماء مَن رُزق بهم على الترتيب، وهو طبعاً رُزِق بثلاثة أبناء ذكور، لا أدري هل الأول هو عبد الرحمن أم عبد الله، ولكن الأرجح أن يكون عبد الله، نظراً إلى الاسم الأعظم، رُزق بعبد الله، وبعد سنة تقريباً – بينهما سنة – رُزق بعبد الرحمن. قال تذكَّرت البروفيسور Professor هذا، أخذتهما معي، وذهبت إليه.

قال له يا دكتور مرحباً. قال مرحباً. قال له تذكرني؟ قال له كيف لا أذكرك؟ أنت المُترجِم وأنا أذكرك جيداً. قال له هذا عبد الله ابني My son، وهذا عبد الرحمن ابني My son أيضاً. قال له كيف؟ قال له هذا هو. قال له كيف وما إلى ذلك، وأكيد هو أخبره، أي قال له ذهبت إلى مكة عند بيت الله، ودعيت وطلبت منه. وأعطاني – قال له – في شهر. البروفيسور Professor هذا لم يكد يُصدّق.

قال لك البروفيسور Professor هذا بعد ذلك – وربما يفعل هذا إلى اليوم – كان إذا آتاه رجل أو امرأة ولا يُوجَد عندهما أولاد، أي هما أو أحدهما عاقر أو عقيم، يقول لهما أو يقول للمريض انظر، هذا الطب، ولكن لدينا رجل مُتدين، وهو محمد الجهاني، عنده أنباء أُخرى، فاسأله. رجل ذكي أيضاً وحصيف. قال له من الناحية الطبية هذا هو، صفر! لا تُوجَد إمكانية لأن تُخلِّف أو لأن تُخلِّفي، ولكن عندنا رجل دين – أي قسيس عندهم، رجل دين -، وهو هذا الليبي المُترجِم، عنده أنباء أُخرى، أي الوضع عنده مُختلِف تماماً. أدار رأسه له!

الشيخ محمد الجهاني – بارك الله فيه، وكثَّر الله في الأمة من أمثاله، هذا الداعية الطيب الصادق البسيط – يقول في يوم من الأيام وأنا في المُستشفى أُترجِم – هو شغله الترجمة، وهو يُترجِم كل يوم لثماني ساعات أو أقل أو أكثر – رأيت أسرة كويتية، أُناس عليهم هكذا سماء العز وما إلى ذلك، كان هناك أب وأم ومعهما ابنهما، وكانوا في بكاء مُر يُقطِّع القلب، وكأن أحداً مات لهم، يبكون بكاءً عجيباً، في الممر – أي في الــ  – Korridor.

قال السلام عليكم يا إخواني. فقالوا عليكم السلام. قال ما هناك؟ فأخبروه، قالوا له نحن عائلة من الكويت، وهذا ابننا، وعنده سرطان، وجئنا إلى هنا، وأخبرونا بالإجماع – كونسلتو طبي هكذا – أن لا إمكانية لشفائه، قالوا هو في الأيام الأخيرة المعدودة له، أي لا تُوجَد أي إمكانية لأن يعيش، لا يُمكِن هذا لا بكيمياوي ولا بغير كيمياوي، انتهى، هذا مُنتهٍ.

قال فصحت بهم – عنده تجربة – وقلت ليسوا هم مَن يُقرِّرون. عنده تجربة، فصار عنده قوة، الله – قال لهم -، رب العالمين مَن يُقرِّر. الآن الآن الآن – قال لهم -… ما الآن؟ قال لهم احجزوا عمرة إلى مكة. وأكيد أو بالحري أخبرهم بقصته، لكي يُعزِّز ماذا؟ ثقتهم بالله. أنا – قال لهم – حدث معي هذا، ليسوا هم مَن يُقرِّرون، هناك رب – لا إله إلا هو -، الآن! قال يبدو أنهم فعلوا، ولم أسمع عنهم خبراً.

بعد ستة أشهر – وطبعاً أخذوا رقمه وكل شيئ – الهاتف يرن. قال ألو. قال له أحدهم يا شيخ محمد أنا فلان الفلاني. قال فرحة لا تُوصَف. والله – قال له – إذا أن أردت أسعى لك في الجنسية، لفعلت، وسأُحصِّلها لك من فوري – يعني الجنسية الكويتية -، ولك فيلا كاملة، هدية مني. قال له يا أخي ما الأمر؟ ما لك؟ أنا أعيش هنا وكذا. قال له لك الجنسية وفيلا كاملة. وهذه الفيلا يُمكِن أن تُكلِّفه ثلاثة أو أربع ملايين من الدولارات، هدية! فهذه العائلة واضح أنها ميسورة وكبيرة، قال له والآن مر ستة أشهر وابننا ليس فيه شيئ، فعلنا مثلما أمرتنا، ذهبنا إلى العمرة ودعونا. ظل المرض يتراجع ويتراجع، قالوا له والآن ليس فيه شيئ.

أُريد أن أحكي لكم قصة الآن، اقشعر لها بدني – والله -، حكيتها مرة واحدة، عن إمامنا الشيخ الشعراوي طبعاً، المُفسِّر العظيم اللوذعي العبقري، ولي الله، صاحب السر والكشف والفتوح.

الشيخ الشعراوي – وهو الشعراوي، أي هذا ليس أي واحد، يحكي يا إخواني الآتي – انظروا الآن إلى تواضعه وربانيته، سجَّل هذه الواقعة على نفسه، وقال لكم هذه آية. لكي يُفهِم كل واحد منا أنك مهما ارتقيت في مراقي ومصاعد العلم، لولا النور الإلهي والتوفيق الإلهي، يبذك واحد أُمي، واحد درويش، واحد أتى من الشارع، لكن بنور إلهي، هو درويش وأُمي، ولكن عنده نور إلهي، أكثر منك ولو جُزئياً.

حكى قصة لا تكاد تُصدَّق، قال أنا ذات مرة وقع لي هذا. وهذا حين أتى إلى آية من سورة الزخرف، وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۩، قال هذه لها قصة. أي الشيخ الشعراوي – رحمة الله عليه -، وحكاها في ثلاث دقائق – ما شاء الله عليه – من غير أن يُطيل، قال هذه لها قصة.

قال في الستينيات كنت في المسجد الأحمدي. لأنه يُحِب أن يزور الأولياء – ما شاء الله عليه -، هذا الشيخ الشعراوي – قدَّس الله سره -، وهذا في طنطا، وتعرفون أحمد البدوي! قال كنت في المسجد الأحمدي – قدَّس الله سر سيدنا أحمد البدوي -، وجاء الشيخ محمود شلتوت. ووقتها كان هو شيخ الأزهر، شيخ الأزهر شلتوت، وشلتوت علّامة كبير، ليس عالماً عادياً، هو علّامة كبير، لا يُشق له غبار، من أذكياء العلماء. قال وجاء الشيخ محمود شلتوت – الإمام الأكبر محمود شلتوت، رحمة الله عليه رحمة واسعة – إلى طنطا. فطبعاً ما دام هو في طنطا، فلابد وأن يزور ماذا؟ المسجد. ويُصلي فيه ويتبرك. فجاء، فالتقى بمَن؟ بالشيخ الشعراوي، المُفسِّر الكبير والمشهور – ما شاء الله -.

قال وإذا نحن كذلك جاء واحد آخر، وهو أستاذ تفسير. هذا أستاذ، وهو أكاديمي. قال اسمه سيدنا – الشيخ الشعراوي قال هكذا، ويبدو أنه كان من الصالحين أيضاً، وهو عالم كبير، قال اسمه سيدنا – الشيخ أبو العينين – رحمة الله عليه -. قال هو تُوفيَ. أبو العينين  جاء، فقال له الحمد لله يا شيخنا – لمَن؟ للإمام الأكبر، للشيخ شلتوت – أنني وجدتك، بالأمس ونحن في درس التفسير ثارت مُشكِلة، لم نجد لها أو منها مخرجاً. قال له تفضَّل، والله المُستعان. قال له وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۩، والقاعدة أن الاسم إذا كُرِّر مُنكَّراً، أفاد التعدد. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۩ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۩، وهو العسر نُفسه، لأنه ماذا؟ مُعرَّف. فهذا عُسر واحد، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ۩… هذا العسر واحد، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۩ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۩، ماذا قال النبي؟ النبي هو الذي قال هذا! قال ولن يغلب عسرٌ يسرين. كيف فهم النبي هذا؟ النبي أفصح مَن نطق بالضاد، لأن يُسْرًا ۩ مُنكَّر، أليس كذلك؟ فتعدد، صار عندنا يسُران ضد العُسر، ومن ثم يغلبه.

وهنا تقول لي إِلَٰهٌ ۩… إِلَٰهٌ ۩… إذن صار لدينا إلهان. ما الورطة هذه؟ القرآن فيه ورطة عقدية هنا. فبماذا أفاد مولانا الشيخ شلتوت – قدَّس الله روحه -؟ أنت تعرف ما قالوه، هم هم قالوا إن القاعدة أغلبية، عندها استثناءات، كل قاعدة عندها استثناءات، أغلبية! والشيخ الشعراوي لم يكن – الآن طبعاً وهو يحكي القصة – مُقتنِعاً، قال لك (هم قالوا كده عشان يفوتوا الآية دي)، لأن هذه أصابتهم بالهبل، فقالوا لك القاعدة أغلبية، لا ليست أغلبية هنا، وهي مُنطبِقة على الآية. وطبعاً عُضلت بهم، لا شلتوت عرف ولا الشعراوي عرف، ولا أبو العنينين  نفسه عرف، لأنه مُتورِّط فيها مُنذ الأمس، مسكين! وهو أستاذ تفسير.

قال وبين نحن كذلك، إذ دخل رجل من باب المسجد، حاسر الرأس، معه عصا، و(بيعمل كده) – هكذا قال الشعراوي، يعني ماذا؟ يعني أنه مجذوب، هذا واضح من حركات يده بالعصا -، ومُباشَرةً – قال – الآتي. يا أخي شيئ يُبكي، أُقسِم بالله! يا ليتنا ذكرناها في الخُطبة هذه، أيضاً لها علاقة بموضوع الخُطبة، هذه هي الزكاة، النفوس الزاكية، الفتح الرباني.

قال والله – يحلف شيخنا الشعراوي، قدَّس الله سره، قال والله – ما عرفناه قبل، ولا عرفناه بعد. دخل هكذا وتوجَّه إلينا، وقال يا علماء، يا علماء – يقول لهم هكذا، يقول يا علماء، يا علماء -، هل نسيتم الاسم الموصول؟ أوه! قال الشيخ الشعراوي والله – أقسم مرة ثانية – جلسنا ما يقرب من نصف ساعة دون أن يتكلَّم أحد بكلمة من الدهشة. الدهشة عقدت ألسنة العلماء الكبار الصالحين، عقدت لسان شلتوت وسيدنا أبي العينين وسيدنا الشعراوي، يا الله! مَن هذا؟ ثم خرج! مَن هذا؟ كيف عرف ما نخوض فيه؟ وكيف أعطانا الحل هكذا؟ هكذا! أنتم لا تعرفون شيئاً – قال لهم -، مبادئ النحو التي تعلمتموها وأنتم صغار مع الآجرومية نسيتموها الآن.

قالوا لك هناك المعارف، وطبعاً في رؤوس المعارف الأسماء الموصولة. قد يقول لك أحدهم آتاني الذي تعلم قصته، أو الذي آتاك، أو الذي كذا. هذه للمعرفة، للمعرفة! هل هذا واضح؟ ونقول مثل هذا في وَهُوَ الَّذِي ۩، إذن هو معرفة، وتصير إِلَٰهٌ ۩… إِلَٰهٌ ۩… إذن صلة ماذا؟ الموصول. فلا تتعدد.

أنت الآن إذا قلت – مثلاً – الله رحيم وعظيم وكريم، فهل سيصير هناك أكثر من إله وكل واحد عنده صفة؟ لا! كل هذه صفات لماذا؟ لموصوف واحد. أليس كذلك؟ لموصوف واحد! لا تتعدد، إذن حلها لهم، أي لهؤلاء لأساتذة الكبار الثلاثة، لو وقع هذا لي أو لك، لقلنا نعم، هذا لأننا على باب الله، نحن (غلابة)، مَن نحن في العلم؟ لكن هذا وقع لشلتوت والشعراوي وأستاذ التفسير أبي العينين، والشعراوي يقول لك سيدنا أبو العينين، هذا سيدنا الشيخ أبو العينين. عالم كبير، انتهى! الله هنا سد، ولذلك مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۩.

هذا معناه أن الباب مفتوح يا إخواني، أليس كذلك؟ الذي يُشجِّع وما إلى ذلك أن الباب مفتوح لي ولكَ ولكِ ولنا، مفتوح! شمروا، هل من مُشمِّر؟ شمروا، واستعدوا بالصدق، بالإخلاص، بالعبادة، بالذكر، بالسهر، بالقيام، بالبُعد عن المعاصي كلها، وخاصة بواطنها، بواطن المعاصي، وكل ظواهراها.

استعد بالله، خلك مُستعِداً، في أي لحظة يُمكِن أن تموت، وحينها ستقول أهلاً وسهلاً بالموت، أهلاً بلقاء الله، حبيبٌ جاء على فاقة. نسأل الله أن يُعطينا.

(انتهت التكملة بحمد الله)

فيينا (5/4/2019)

خطبة روحية بامتياز تمس أعماق النفس والكيان الإنساني ومعطرة بقصص لأناس وفقوا في بلوغ درجات متقدمة من الولاية بعد نجاحهم في تزكية أنفسهم والإكثار من الأعمال الصالحة.

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: