إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ۩ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۩ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ۩ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ۩ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

عن سؤال جوهر الدين، ما هو جوهر الدين، الذي بعث الله به عباده المُرسَلين، ونبأ به النبيين؟ الجواب في مُنتهى اليُسر والسهولة: لا إله إلا الله. جوهر الدين: لا إله إلا الله. ما بعث الله نبياً ولا رسولاً إلا أوحى إليه أن يأمر أمته، التي بُعث فيها وإليها، أن يُوحِّدوا الله، أن يعبدوه، أن يستعلنوا بلا إله إلا الله.

لكن هذا نصف الجواب، على يُسره. النصف الآخر، والذي وقع فيه التباس واختلاف وتشوش، هو وما المقصود على وجه التحديد، بلا إله إلا الله؟ الإله هنا، الألوهة، الألوهية، ما المقصود بها؟

جماعة من المُفكِّرين والمُنظِّرين في القرن العشرين المُنصرِم، أصروا وألحوا وتحمسوا، للقول بأن المُراد لا حاكمية، لا سُلطان، لا سُلطة مُطلَقة، إلا لله. حصروا أو جعلوا – لكي نكون مُنصِفين ودقيقيين، فالمسألة لا تحتمل مزيداً من الإغماض والتشوش – قُطب رحى الإلهية الحاكمية. الحاكمية هي قُطب الرحى، هي مركز الدائرة، هي المُراد بشكل أساسي وأصيل ورئيس. وطوَّلوا في هذا بكلام طويل عريض، وفي كُتب كثيرة.

وبلا شك – إخواني وأخواتي – أن المُؤمِن والمُؤمِنة، إذا تلقى لا إله إلا الله على أن قُطب رحاها الحاكمية، بلا شك ولا جرم ولا غرب أن ينعكس هذا الفهم وهذا الاعتقاد وهذه القناعة، في شكل توقير للسُلطة، توقير للسُلطة وللحاكمية، توقير لمُقتضيات السُلطة، من الضبط والرقابة والعقاب، وبالتالي نفسياً أو سيكولوجياً سيتكيف هذا المُؤمِن أو تلكم المُؤمِنة بهذه المعاني، ويتمثلها في حياته، ويعكسها في أفكاره ومُنطلَقاته وتصوراته وأفعاله وردود أفعاله، ليخرج لنا مُنتَج في النهاية (في نهاية المطاف) في شكل مُؤمِن مُوحِّد أو مُؤمِنة مُوحِّدة، له توقان فيّاض للضبط والرقابة والحُكم على الناس. وهذا بلا شك يقطع مع أو يترادف حتى مع القسوة.

قد يصلح هذا تفسيراً أو بعض تفسير للقسوة العامة التي نلحظها في الأجيال المُسلِمة الأخيرة، في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، قسوة حتى عند بعض – أقول هذا بين قوسين – (مَن يتسمى بالدُعاة أو العلماء أو المشايخ أو الوعاظ)، تُوجَد قسوة، تميل إلى الضبط، إلى الرقابة، إلى الحُكم، إلى الشماتة، إلى التعيير، إلى المُطالَبة بإنزال العقاب، حتى أنهم اختزلوا أو اختُزلت الشريعة ودين الله في أذهانهم حين يتحدَّثون عن تطبيق الشريعة، اختُزلت في ماذا؟ في باب العقوبات فقط، هو هذا! في باب العقوبات، على أنه باب ضئيل جداً جداً جداً، منظوم بآيات يسيرة، لا تبلغ العشرة، لا تبلغ العشر آيات! واخُتزل الدين كله وشرع الله في هذه المسألة، عجيب!

هل هذا هو المعنى الذي أراده الله حين أوحى بلا إله إلا الله إلى النبيين جميعاً من لدن آدم إلى الخاتم محمد؟ هل هذا ما فهمه المسيح – مثلاً – الذي استعلن بأن الله محبة، وأحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم؟ هل هذا؟ أكيد بعيد جداً المسيح عن هذا. والمسيح طبعاً بُعث في ظل إمبراطورية رومانية، واستعلن أيضاً بأن دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر. فمُستحيل أنه فهم لا إله إلا الله بمعنى لا حاكم إلا الله. السُلطة المُطلَقة لله – تبارك وتعالى -، ولم يبق للعباد شيئ من سُلطة التشريع، كما قال بعضهم – رحمه الله وغفر لنا وله -. لا شيئ للعباد، ولا أدنى سُلطة، في باب التشريع. وطبعاً هذا الكلام بيّن عواره. البشر، والمُسلِمون من ضمنهم، يُشرِّعون في أشياء كثيرة، وشرع الله – تبارك وتعالى – هو الذي فسح لهم أن يُشرِّعوه. إذا كان باب التشريع أكثر من ضيق في المفروضات والمُحرَّمات، فالمُحرَّم مُحرَّم إلى يوم القيامة، الحرام حرام إلى يوم القيامة، والمفروض مفروض بالنص، أما المُباحات، فكيف تعمل معها؟ كيف تصنع بها؟ المُباحات! طبعاً البشر يُشرِّعون ويُشرِّعون كثيراً، ونحن نعيش مُعظَم حيواتنا في بلاد المُسلِمين وغير المُسلِمين اليوم وبالأمس وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، في ظلال ألوف من التشريعات، ألوف من التشريعات تنتظم مسائل التربية والتعليم والصحة والمرور، أليس كذلك؟ والغذاء وأشياء كثيرة في حياتنا، وكلها تشريعات بشرية، البشر مأذونون، إذن لنا سُلطة وسُلطة كبيرة في التشريع. هذا كلام إنشائي، ليس كلاماً علمياً ولا كلاماً أصولياً فقهياً دقيقاً يُمكِن أن يُلقى على عواهنه ثم نمر.

ثم من وراء هذا القيل أقول – إخواني وأخواتي – لو تأملنا كتاب الله – تبارك وتعالى -، سنجد الآتي، بمُجرَّد أن نتلو القرآن، ولو لمرة واحدة! لو تلاه غير مُسلِم أو غير مُوحِّد لأول مرة، حتماً سيقول هذا التفسير وهذا الفهم اختزالي جداً وشائه ومُشوِّه، مُشوِّه لطبيعة العلاقة بين الله – تبارك وتعالى – وعباده، بل لطبيعة الألوهية أو الألوهة، لطبيعة الألوهية مُشوِّه جداً. القرآن لا يُصوِّر الإله – الله تبارك وتعالى، جل مجده – والرب – لا إله إلا هو – على أنه الحاكم المُطلَق وفقط، أو بشكل رئيسي، أبداً أبداً أبداً أبداً. انظروا في أسماء الله وصفاته، وما تقتضيه هذه الأسماء والصفات. ولو عُدنا إلى القرآن الكريم، لنستمد منه فلسفة العلاقة بين الله وعباده، بين العباد وإلههم – لا إله إلا هو -، لرأينا أنها تقوم على العشق والمحبة والوله والركون واللجوء والوثاقة به – لا إله إلا هو -، أكثر من أن تقوم على شيئ آخر.

ولذلك لابد أن نُشير إشارة عجلى، إلى قضية الاشتقاق. هل اسم الله – تبارك وتعالى – مُشتَق أم جامد؟ رأيان مشهوران لدى العلماء، ولا نُطوِّل حتى بذكر هؤلاء العلماء وحُججهم، لكن سنذهب مع الذين رجحوا أنه مُشتَق، ليس جامداً أو مُرتجَلاً. اسم الله – قالوا – مُشتَق. وإن قالوا إن أصله الإله، الإله! فحُذفت الهمزة، ثم أُدغمت اللام في اللام، ثم فُخمت، فصار الله، وأصله الإله. وهناك قول آخر على كل حال عرض له سيبويه في كتابه الكتاب. لكن الذين ذهبوا إلى اشتقاقه، اختلفوا أيضاً طرائق قدداً. فمنهم مَن قال هو مُشتَق من لاه، من لاه يليه، أو من لاه يلوه. أيضاً قولان! ومنهم مَن قال هو مُشتَق من وَلِه، أو وَلَه. ومنهم مَن قال هو مُشتَق من ألِه يأله. ونبدأ بهذا؛ لأنه الأشهر. ألِه يأله إلاهةً وألوهةً وتأهلاً، واستأله استئلاهاً، وتألهاً، تأله واستأله.

ألِه بمعنى عبد. جميل! إذن لا معبود بحق إلا الله، لكن حتى لو قلنا ألِه بمعنى عبد – وهذا صحيح، ألِه بمعنى عبد -، ما هي العبودية لله؟ العبودية ليست السمع والطاعة فقط، فأنت تسمع وتُطيع لمَن تكره، تسمع وتُطيع لمُستبِد غاشم، لديكتاتور باطش، أليس كذلك؟ فلا تعبده! وليست أيضاً العبودية والعبادة أن تُحِب، فأنت تُحِب ولدك وزوجك وأبويك وشيخك ومُعلِّمك وصديقك الأثير، ولكنك لا تخضع لهم ولا تذل لهم بمُنتهى الذل، أبداً! فليست هي العبادة، ليس الحُب والمودة العبادة.

العبادة مجموع أمرين: غاية الذل يا إخواني أو غاية التذلل، مع غاية المحبة. هذه هي العبادة! ولا يُمكِن ولا يصح أن يكون غاية الذل مع غاية المحبة بالمعنى الأتم، إلا لله – لا إله إلا هو -، لأنه أصل كل نعمة، وأصل كل خير، ويكفي أنه أوجدنا من عَدم، وأمدنا من عُدم، وأعدنا بهذه الإعدادات الكريمة لهذه الحياة، فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩. فحقيق – لا إله إلا هو – أن يُسمَع ويُطاع ويُذَل له ويُتذلَّل له ويُزدلَف إليه إلى الغاية، بغاية المحبة والعشق والوله.

والعجيب يا إخواني هو الآتي، ولنُتابِع قضية الاشتقاق؛ ألِه بمعنى عبد، ولكن هذا معنى العبادة وهذا معنى العبودية، ليس مُجرَّد السمع والطاعة، ولكن مع غاية المحبة. غاية التذلل بغاية المحبة، بغاية المحبة أو مع غاية المحبة.

أيضاً ألِه بمعنى تحير. في اللُغة العربية ألِه تحير. و:

فيك يا أعجوبة الكون                               غدا الفكر كليلا.

أنت حيرت ذوي اللب                               وبلبلت العقولا.

كلما أقدم فكري                                   فيك شبرا فر ميلا.

ناكصا يخبط في عمياء                             لا يهدى السبيلا.

طبعاً! ولذلك أحد شعارات العارفين زِدني فيك تحيراً. زِدني فيك تألهاً؛ لأن التأله هو التحير. وكيف لا نتحير ونحتار في رب جليل، وإله مُفرَد عظيم، فرد واحد أحد، ليس له مثيل؟ والفكر كما أقول دائماً لُعبة مُقارَنة، شيئ يُقارَن بشيئ، فتفهم. الله لا يُقارَن بشيئ، ولا يُقارَن به شيئ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۩. ومن هنا الحيرة في كُنهه – لا إله إلا هو -، لا في أصل أنه موجود. كل ما في الوجود مُنادٍ وبصوت جاهر أو جهير، كل ما في الوجود مُنادٍ بصوت جاهر على أنه موجود – لا إله إلا هو -، ليس في هذا! وإنما في كُنهه – لا إله إلا هو -، تحيرت العقول ولا تزال، العقول والألباب والحجى والقلوب والأفئدة مُتحيِّرة فيه – لا إله إلا هو -. إذن ألِه بمعنى تحيَّر.

وألِه بمعنى اشتاق. كل ما في وجوده يطلبه ويشتاق إليه، علم العاقل منهم أم لم يعلم. كما قال مولانا الرومي – جلال الدين الرومي، قدَّس الله سره – في المثنوي، وهو الديوان العرفاني الشهير جداً. وبين قوسين أقول الآتي، وهذا سيكون محوراً من محاور هذه الخُطبة؛ (جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – الشاعر المُسلِم الوحيد، الذي وصل إلى العالمية وبسلاسة).

قبل يومين ابنة الرئيس ترامب Trump تُغرِّد بتغريدة، وفي أسفلها؛ رومي Rumi. معروف! معروف حتى عند ترامب Trump وعند ابنة ترامب Trump، الذي لا علاقة له بالثقافة ولا علاقة له بالذات بالروحانية والقيم الفُضلى، أعني ترامب Trump. ابنته تُغرِّد بالرومي Rumi، تكتب رومي Rumi. يعرفه الشرق والغرب، فقط رومي Rumi، قل رومي Rumi. هذا الرجل الذي عرف الله لا على أنه حاكم مُسيطر مُهيمن يطلب منا السمع والطاعة وانتهى كل شيئ، أبداً أبداً أبداً أبداً! عرفه بشكل أساسي ورئيس وأصيل على أنه محبة – لا إله إلا هو -. ولذلك افتتح ديوانه العظيم، الذي نقله إلى العالمية بسلاسة وبسهولة؛ المثنوي، بأنشودة الناي (أنين الناي).

هاكم الناي جاء يحكي حكايته                   ومن شدة الألم يشكو شكايته.

إلى أن يقول في أثناء هذه الحكاية الرمزية الجميلة جداً:

فكل ما قُطع عن أصله                               أبداً يحن إلى زمان وصله.

ولذلك ألِه بمعنى اشتاق. وأيضاً هناك الوله بمعنى الحُزن. ولِه بمعنى حزن، ومنه الولهى، أي الثكلى، الولهى الحزينة! والحُزن أصيل في البني آدم، الحُزن أصيل في بني آدم! الحُزن أصيل فينا، وواضح أن الحُزن آصل من الفرح والسعادة، وهذا معروف! أعظم الدراما، أعظم الأعمال الفنية، أعظم المآثر الخالدة، أملاها الحُزن، وليس الفرح والسرور، وهذا معروف! أكثر ما تهتز له أعطافنا ما يُمليه الحُزن، ما يُمليه الحُزن وليس الفرح والطرب والخفة، الحُزن! نحن مُشتاقون وعاشقون وولهى وحزانى. الرومي يضع الأُصبع على هذا، لماذا نحن حزانى؟ ومُشتاقون لماذا؟ مُشتاقون لأصلنا، نحن مُشتاقون إلى أصلنا، ونحن حزانى من أجل أصلنا، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، فنحن من هناك، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩، نحن من هناك، وننتمي إلى هناك، وليس إلى هنا بشكل أصيل. أعظم مُكوّن فينا هو هذا، النفخة الروحانية الربانية، التي لا تزال تحن إلى أصلها، وبتعبير مولانا الرومي كرة أُخرى، الفيل عندما ينام، يرى في منامه أرض الهند. لأن أرض الهند، هي أصل الفيلة، أصل الأفيال! فكل فيل في أي عالم أو في أي نطاق أرضي، حين ينام – يقول – يحلم بأرض الهند. وكل بشر، كل آدمي، لا تزال جذوة الروح فيه مُشتعِلة، ولو أدنى اشتعال وأضأله، دائماً يحن أبداً إلى ربه، يحن أبداً إلى ربه، يشتاق أبداً إلى مولاه – لا إله إلا هو -، هو هذا!

لكن مَن تعاهد هذه الجذوة، بالاهتمام والرعاية والتثمين والتعظيم، وصل إلى حالة لا ينقطع فيها عن ربه، فلا يزال يلهج ليل نهار، في حله وترحاله، في خلواته وجلواته، في حُزنه وسروره، في أمله وقنوطه، باسم الله – لا إله إلا هو -. فيُصبِح ذاكراً على الدوام، لأن هذا الذكر يُطفئ قليلاً أو كثيراً من لهيب الشوق يا إخواني، طبعاً! ومَن أحب شيئاً، أكثر من ذكره. وكما قال مولانا أبو عليّ الروذباري – قدَّس الله سره -:

لو كل جارحة مني لها لُغةٌ                        تُثني عليكَ بما أوليت من حَسنِ.

لكان ما زاد شُكري إذ شكرت به                   إليك أزيد في الإحسانِ والمِنَنِ.

الله!

ذكرتك لا أني نسيتك لمحة                         وأيسر ما في الذكر ذكر لساني.

أبو بكر الشبلي – قدَّس الله سره – يقول:

ذكرتك لا أني نسيتك لمحة                         وأيسر ما في الذكر ذكر لساني.

وكدت بلا وجد أموت من الهوى                        وهام على القلب بالخفقان.

فلما أراني الوجد أنك حاضري                          شهدتك موجوداً بكل مكان.

فخاطبت موجوداً بغير تكلم                            ولاحظت معلوماً بغير عيان.

هو هذا، هو هذا الإنسان، هذا التأله، وهذا معنى أن تتأله. أن تشتاق، وأن تعشق، وأن تُحِب، وأن تتدله، وأن تُولَّه، وأن تحزن، وأن تطلب، وأن تظل ذاكراً. ولا يخرج الناظر، المُغلغل النظر، في كتاب الله، عن هذا المعنى، حين يُريد أن يؤوب بالتصور والتصوير القرآني بعلاقة العبد، الذي هو عبد حقاً، بالرب كما صوَّر نفسه – لا إله إلا هو -، بالإله كما عرض لذاته بأسمائه وصفاته وفعاله – لا إله إلا هو -، هو هذا، هذه العلاقة! ليست مُجرَّد علاقة هيمنة وسمع وطاعة وافعل ولا تفعل وانتهى كل شيئ، ليست هذه القضية، انتبهوا! ليست هذه القضية.

تصوير المسألة على هذا النحو، يُنتِج لنا مُسلِمين فقراء روحياً، وفقراء أخلاقياً. ومن هنا هذا الشغف يا إخواني وهذا التوقان – كما قلت – إلى الحُكم على البشر، تصنيف الناس، والحُكم على الناس، والاستعجال بهم حتى، الاستعجال بهم! حين يطم السيل على القري كما يُقال، يستعجلون بقذفهم في النار، أو الحُكم لهم بالجنة، اغتصاباً لحق الله – لا إله إلا هو -، شيئ غريب جداً جداً جداً. مع أن المُؤمِن المُحِب، الصادق في حُبه لله – تبارك وتعالى -، له منظور عجيب في تلقي الخاطئين، ومنظور غريب في الاستجابة للمُذنِبين.

المُؤمِن الصالح، العارف، المُدلّه بحُب الله، والمُولّه بعبادته – لا إله إلا هو -، ينظر إلى مَن تلطخ بالخطايا، أو تلطخت بالخطايا، ويقول في نفسه لعلها عند الله أثقل مني ميزاناً، لعلها عند الله أشرف مني وأطهر. كيف أشرف منك وأطهر؟ أنت لم تُخطئ في حياتك، لم ترتكب الفاحشة ولا مرة، وهي تعيش من الفاحشة، فكيف يُمكِن أن تكون أشرف وأطهر؟ يقول لأنني قيَّض الله لي برحمته ونعمته ولُطفه وإحسانه وبره وامتنانه ظروفاً جعلتني ما أنا، ظروفاً جعلتني ما أنا! والمسكينة أو التاعس البائس المسكين قُدِّرت له أو قُدِّر له أن يعيش ظروفاً وشروطاً، لو عشت أنا في ظلها، لربما كنت أكثر منه مرادةً وعتواً وإجراماً.

ثم ما الذي يُدريك، أن بائعة الهوى هذه، أو هذا الفاسق أو هذا السكّير الخمّير، يُعاني الأمرين في ليله ونهاره، ويُناضِل داخلياً وعبر عشرات السنين، ليكون ذلك الطاهر الذي يُحِبه ولا يعرفه في نفسه؟ يُحاوِل، يُحاوِل! ومَن يقرأ البشر جيداً، ربما يتلمس آثار هذه المُحاوَلة، يُحاوِل! لم يُلق بقياده بالمرة كما يُقال بين أيدي الغواية والفاحشة، إنما يُحاوِل المسكين. فربما حين يضع الملك الجليل، العدل – لا إله إلا هو -، الموازين القسط، يكون هذا أثقل في ميزان الطُهر من أمثالنا. هكذا المُؤمِن العارف بالله، لأن منظوره رباني، لأن منظور رباني! غير مُؤسَّس على قضية ماذا؟ دمغ الناس، والحُكم على الناس، والمُطالَبة بعقاب الناس وتطبيق الشرائع فيهم، إقامةً لشرع الله. وهو يفهم أن شرع الله أوسع بكثير من هذا، وأعظم وأجل وألطف وأرق بكثير من هذا.

نعود إلى قضية الاشتقاق، لكن بعجل. إذن قضية ألِه، ألِه بمعنى عبد، ألِه بمعنى تحيَّر، ألِه بمعنى اشتاق، ألِه الفصيل إلى أمه، والفصيل هو ابن الناقة، يألِه إلى أمه، أي إذا اشتاق إليها. جيد، بعد ذلك وَلَه، أو وَلِه، بمعنى ماذا؟ بمعنى حزن، فالوله هو الحُزن، وقلنا لماذا. وبعضهم يستخدم الوله بمعنى أيضاً العشق، وهناك دلالة على ذلك، هناك بعض الشواهد. إذن وَلِه، الوله هو الحُزن يا إخواني، أو هو أيضاً الحُب والعشق.

ونأتي إلى لاه، لاه يليه، ولاه يلوه. لاه يليه، تأتي بمعنى احتجب. ولا إله إلا هو، هو غيب الغيوب، هو غيب الغيوب! احتجب في كُنهه وحقيقته، عن الأوهام والعقول والظنون والحدوس، لا إله إلا هو! لم يعرفه حق معرفته إلا هو، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، لم يعرف الله حق المعرفة إلا الله، لا إله إلا الله! احتجب. وقيل لاه يليه، أي ارتفع. وهو الرفيع، لا إله إلا هو! سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۩، لا أرفع منه، ولا أجل، لا إله إلا هو! وقيل لاه يليه، أي أضاء ولمع. وكيف لا يكون أضاء ولمع، وهو نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩، ونوره أضاء عرشه – لا إله إلا هو – وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة؟

هذا لاه يليه. أو لاه يلوه. لاه يلوه، أي اضطرب، أو لجأ إليه. وطبعاً تضطرب فيه العقول وتتحيَّر، ومن معاني لاه يلوه تحيَّر أيضاً، اضطرب وتحيَّر. ومن معانيه وللعجب سكن، سكن! إليه تسكن القلوب والأفئدة، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩، الله أكبر!

الآن لمستم العجب، العجب العاجب أن كل هذه المعاني، سواء أكانت من لاه يليه، أو لاه يلوه، ومن ألِه، ومن ولِه، كلها تنطبق على الله، لا إله إلا الله، شيئ عجب، شيئ عجب! ومثل هذا تقريباً لا يُعرَف في اسم آخر، الله هو ذلك كله، وهو ما بعده وما وراءه وما فوقه، مما لا نُدرِك ولا نفهم، لا إله إلا هو. الله أكبر! هذا من معاني الله أكبر. الله أكبر من هذا الفهم ومن هذا التشريح ومن هذا الاشتقاق ومن هذا الإدراك، أكبر من كل هذا، لا إله إلا هو! ويبقى دائماً هو الأكبر.

إخواني وأخواتي:

رُوّينا وروى بعضنا، وحُكّينا ويحكي كثيرون منا، أن قصة الإسلام وانتشاره في العالم، هي قصة الفتوحات (فتوحات السيف)، وهذه لعمر الحق خطيئة في حق هذا الدين العظيم. وهذه الخطيئة يميل إليها وتلذ كثيراً للذين صوَّروا لا إله إلا الله على أنها لا حاكمية إلا لله، لا سيادة مُطلَقة إلا لله. يليق ويلذ لهم كثيراً ويليق بتصويرهم أن يكون تاريخ الإسلام هو تاريخ السيف وتاريخ القوة. ولكن لم نُروّ ولم يُحك لنا أن أعظم الفتوحات الإسلامية وأعظم الأمم الإسلامية وأكثر مُسلِمي التاريخ واليوم دخلوا الإسلام عبر فتوحات القلب، لا أقول السيف كما لا أقول العقل، ليس عبر فتوحات الفلسفة وعلم الكلام والجدالات الدينية – أشاعرة ومُعتزِلة وماتريدية وزيدية وإباضية وإمامية وإسماعيلية – أبداً، وإنما عبر فتوحات القلوب، أعني بكلمة قاطعة عبر العارفين بالله، عبر أهل الله، لا إله إلا الله! شيئ غريب يا أخي.

وهذا هو الذوق النبوي، وهذا هو الطريق الرسولي المُحمَّدي، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ۩، قبل ماذا؟ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩. التزكية! إنها لُغة القلوب يا أحبتي، يا إخوتي، يا أخواتي، لُغة القلوب التي لم نعد نعرفها، ولم تعد تشوقنا وتُطربنا وتهز أعطافنا، لا نعرفها! كل ما تربينا عليه حكايا الفتوحات بالسيف، والقائد فلان، والقائد علان، والخليفة فلان رُغم ظُلمه وعُهره وسُكره وفُجره، إلا أنه فتح الفتوحات! عذَّب البشر هو، عذَّب قبائل وأمم أُخرى، وسباها واستباها، هذا الذي فعله! أما أهل الله حقاً، الذين عاشوا بلا إله إلا الله حقاً، وليس قولاً ونُطقاً، هم الذين فتحوا القلوب والبلاد والعباد لله، بالذوق، بالكؤوس المُترعة بحُب الله، بالقلوب الدافقة بعشق الله ورسوله، هم هؤلاء!

الهند، شبه القارة الهندية يا إخواني، ثُلث تاريخ الإسلام والأمة المُسلِمة تحتكره الهند، الذي تقريباً لا نكاد نعرف عنه شيئاً. العجب في قصة الإسلام في القارة الهندية أو شبه القارة الهندية، أن ثُلث تاريخنا في شبه القارة الهندية، ثُلث التاريخ الإسلامي! الذي لا يكاد العرب يعرفون عنه إلا أقل القليل، هذا إن عرفوا، أو في حق مَن عرف منهم.

والشيئ الثاني، أعجب فصول تاريخ الإسلام في الهند، وهو أطولها على الإطلاق، هو فصل الإمبراطورية المغولية. المغولية؟ نعم، أي The Mughal، المغولية! نحن نتحدَّث عن المغول، المغول الذين كسروا سيف الإسلام. كسرونا، دمَّرونا، دمَّروا المملكة الخوارزمية، ودمَّروا المملكة العباسية، أذلوا العرب والمُسلِمين، وكسروا سيفنا، وأرغموا أنوفنا التراب، نعم! إلا أن الإسلام – الإسلام بغير سيف، بغير ترس، بغير نشّاب – كسرهم، وخلقهم خلقاً جديداً. دخلوا الإسلام!

وهناك الدرس الثالث الأعجب من هذا، وهذا لا نعرفه، هذا لم نعتد أن يُدرَّس لنا وبالتفصيل، فقط خُطب السيف وخُطب القتل، هذا الإسلام! للأسف الشديد، تشوَّهنا عقدياً ومعرفياً وثقافياً، نحن مُشوَّهون، كائنات مُشوَّهة، دون أن ندري، فغفر الله لنا ولمَن شوَّهنا، لأن النوايا قد تكون حسنة، لكن التقصير في العلم والدرس والفهم والذوق، والذوق! أعظم الأفكار هي التي يُمليها الذوق الصحيح والتجربة الروحية السليمة، والآن أتحدَّث عن الشأن الديني، أعظم الأفكار على الإطلاق هو الذي، وليس التي يُمليها العقل الفلسفي والكلامي الجدلي أبداً، هو هذا!

الدرس الثالث الأعجب يا إخواني، أن هؤلاء المغول الذين أسلموا، صاروا من ألطف الناس الذين عرفتهم البشرية. آيات الفنون يا إخواني وبدائع الفنون معروفة، وطبعاً حين نتحدَّث عن الفنون وبدائع فنهم، مُباشَرةً يطفر في الذهن تاج محل، أجمل مبنى على وجه البسيطة، أجمل مبنى شيده الإنسان تاج محل. مَن شيَّده؟ ولمَن؟ ولِمَ؟ شيده الإمبراطور المغولي العظيم شاه جهان Shah Jahan، ابن جهانكير جهانكير، ابن جلال الدين أكبر Jalal-ud-din Akbar، من أحفاد جنكيز خان Genghis Khan. غريب! من أحفاد جنكيز خان Genghis Khan؟ نعم، من أحفاد جنكيز خان Genghis Khan. شاه جهان Shah Jahan شيده عبر سنوات طويلة، وبأكثر من عشرين ألف عامل، وكلَّفه مبالغ لا يعلمها إلا الله، ليُخلِّد ذكرى مُمتاز Mumtaz، زوجته مُمتاز محل Mumtaz Mahal، زوجته الأثيرة التي كان يعشقها. إمبراطور يعشق زوجته، ليس عاهراً وليس داعراً يُكثِر من النساء والسرايا والجواري والحريم أبداً، مُعلَّق قلبه بزوجته إلى حد الوله. تاج محل Taj Mahal مقبرة، مقبرة لزوجته، وقُبر فيها إلى جانبها. للأسف الذي قبره هو ابنه – وأقول الآتي بين قوسين -، وهو (أحد أفضل وأكبر وأنبل خُلفاء المُسلِمين)؛ أورنكزيب Aurangzeb – رحمة الله عليه -، هذا ابن شاه جهان Shah Jahan.

لكن أورنكزيب Aurangzeb لم يكن يميل إلى العرفان ولا إلى التصوف ولا ما إلى ذلك، كان أقرب إلى أصحاب منطق الحاكمية اليوم، وعلى فكرة وهم يُعظِّمونه ويُعلون من شأنه. أصحاب فكر الحاكمية يقولون لك في شبه القارة الهندية هناك خليفة مُسلِم واحد ووحيد من بين العشرات، وهو أورنكزيب Aurangzeb. الرجل كان طقوسياً وظاهرياً – رحمة الله عليه -، على أنه كان صادقاً وزاهداً وعادلاً إلى حد بعيد مع المُسلِمين، على عكس غير المُسلِمين الذين وضع أجداده الجزية عنهم، وهذه كانت خُطوة مُتقدِّمة ومُمتازة، لمَن فهم فقه الجزية، فقد أعاد الجزية من جديد.

والرجل سجن أباه، سجنه وعذَّبه بقتل ابنه الأكبر دارا شكوه Dara Shikoh – رحمة الله عليه -، الصوفي العارف، الذي فتح طريقاً لتعارف الديانات؛ الهندوسية واليهودية والمسيحية، وحتى الملاحدة، الكل لابد أن يعرف الكل، وأن يُناقِش الكل، وأن يُجادِل الكل، وأن يعرف أحسن ما عند الآخر. اتُهم بالزندقة، وقُطعت رأسه، ولما أوتيَ بها إلى أورنكزيب Aurangzeb – رحمة الله على الجميع -، أبى أن ينظر إليها، وقال هذا اللعين لم أنظر إلى وجهه في حياتي، فلن أنظر إليه بعد وفاته، احملوه – أي الرأس – إلى أبيه. شاه جهان Shah Jahan! وحُمِل الرأس المقطوع إلى الأب الإمبراطور المفجوع بابنه وبنفسه وبولي عهده، الذي وصفه أحد أكبر وأشهر مُؤرِّخي الهند، وهو ستانلي ولبرت Stanley Wolpert، بقوله أورنكزيب Aurangzeb هو الأورع والأتقى من بين أباطرة المغول والأقسى في آن. والأكثر قسوة! منطقه فيه خلل، فيه شيئ غير طبيعي. ويقولون لك هذا الدين وهذا الخليفة الصحيح. لا! هذا لابد أن يُعاد النظر فيه. رحمة الله على الجميع وغفر الله للجميع.

نعود، لنقول يا إخواني كيف دخل الإسلام قلوب هؤلاء المغول؟ قصص كثيرة. أدعو ربما للمرة العاشرة – أو الأكثر – أن نُعيد قراءة الكتاب الذي لم يُفلح المُسلِمون أن يضعوا وأن ينسجوا على منواله كتاباً آخر يتجاوزونه به، لم يُفلِحوا إلى اليوم! كتبه مُستشرِق إنجليزي، علّامة كبير، وعاد إلى مراجع بزُهاء ثماني لُغات – مئات المراجع من ثماني لُغات، وبعضها لُغات شرقية -، ليكتب كتاباً بعنوان The Preaching of Islam، بالأمس راجعته في موقع أرشيف دوت أورج، أي archive.org (أراكايف دوت أورج). الكتاب موجود ومجاناً، والقصة التي سأتلوها عليها الآن، هي من هذا الكتاب، من صفحة رقم مائتين وخمسة وثلاثين، إلى صفحة رقم مائتين وسبعة وثلاثين، وهي بالإنجليزية. قصة عجيبة وجميلة جداً، يحكيها السير توماس أرنولد Sir Thomas Arnold في كتابه The Preaching of Islam، أي الدعوة إلى الإسلام، أو التبشير بالإسلام.

يقول الآتي، وهذا طبعاً بعد أن تكون قد فهمت ما هي مملكة جغطاي Chagatai، وجغطاي Chagatai هو ابن جنكيز خان Genghis Khan. وبالمُناسَبة أعظم إمبراطورية شهدها التاريخ البشري، ليست إمبراطورية الإسكندر المقدوني Alexander of Macedon، ولا الرومانية، ولا الإسلامية، ولا البريطانية، ولا الفرنسية، ولا الهولندية، ولا الإسبانية، ولا ما إلى ذلك، أبداً! المغولية، التي أنشأها جنكيز خان Genghis Khan، تاريخ هذا! درس التاريخ هذا! أعظم إمبراطورية وأكثر إمبراطورية توسعت، هي هذه، وقد هزمها الإسلام بغير سيف، بقوة الإسلام يا أصحاب منطق السيف والقتال في كل عصر وفي كل زمان وفي كل ظرف – ما شاء الله -، لديكم منطق القتال وما إلى ذلك، بحُجة أن هذا هو الإسلام!

جنكيز خان Genghis Khan ابنه جغطاي Chagatai، كان الخليفة الأعظم. مملكة عظيمة توسعت أكثر بكثير في عهد جغطاي Chagatai. هذه المملكة لم تلبث أن تناثرت جُزازاً، ممالك صغيرة مُتنازِعة. إمبراطورية جغطاي Chagatai أصبحت ممالك صغيرة مُتنازِعة! هناك حمى على جُزء من هذه الممالك فيما يُعرَف أو عُرف بتركستان الشرقية، التي طبعاً احتلتها الصين الشيوعية في ألف وتسعمائة وتسع وأربعين، وأعطتها اسماً جديداً. وعاصمة تركستان الشرقية كاشغر، كاشغر!

في كاشغر كان هناك حمىً، حماه تُكلك Tughlugh، والعرب يقولون تُغلق، وهو تُكلك؛ تُكلك تيمور خان Tugluk Timur Khan، وهذا حفيد مَن؟ جنكيز خان Genghis Khan. نعم! من أحفاد جغطاي Chagatai. تُكلك تيمور خان Tugluk Timur Khan حمى أرضاً واسعةً لصيده، وأُخبِر ذات يوم بأن جماعةً من المُسلِمين – هؤلاء الكفّار المُسلِمون، ولعلهم من فارس، أي من بلاد فارسية، وهم من بُخارة – دخلوا في هذا الحمى، فاستشاط غضباً، فأمر بهم، فأوثقوا وحُملوا إليه مُقيَّدين، وخاطبهم مُغضباً ما الذي جرّأكم على أن تدخلوا حماي؟ هذه أرض محمية لي ولصيدي!

فتقدَّم كبيرهم، وكان شيخاً وقوراً، وبعد ذلك سنفهم أنه كان من العارفين بالله – تبارك وتعالى -، ويُدعى الشيخ جمال الدين، وحتى اللقب لا نعرفه! شيخ من مشايخ المُسلِمين، أحد المُسلِمين الصادقين الذي يُمكِن أن يكون أنتَ أو أنتَ أو أنتِ أو أي واحد، هذا المفروض، لو كان هناك فهم صحيح وتربية على الإسلام الصحيح الرباني الإلهي. هذا جمال الدين! الشيخ جمال الدين قال يا سيدي نحن لسنا من هذه البلاد، نحن أغراب، ودخلنا بطريق الخطأ، لم نكن لنتجاسر على أن ندخل أرضاً حماها الخان.

قال سمعت أنكم من فارس. قال نعم. قال حتى الكلب أعظم قيمةً من أي رجل فارسي. تُكلك Tugluk يحتقر الفرس عموماً! فقال له الشيخ جمال الدين صدقت، صدقت أيها الأمير. وكان تُكلك Tugluk لا يزال أميراً، والممالك مُوزَّعة، ممالك جغطاي Chagatai! قال صدقت، صدقت أيها الأمير، الكلب كان سيكون أغلى ثمناً، وكنا سنكون أرخص ثمناً من أي كلب، لو لم نكن على الدين الحق.

هذا الجواب الغريب والجريء أيضاً والواثق هز تُكلك Tugluk، فسكت قليلاً، لم يتكلَّم، ثم أصدر أمره، قائلاً حين أفرغ من رحلة الصيد، عودوا إلىّ بهذا الشيخ، أُريد أن أخلو به. وانتهت القصة! وهذه القصة يحكيها السير توماس أرنولد Sir Thomas Arnold – طيَّب الله ذكره -، الذي قدَّم خدمة من أعظم الخدمات للمُسلِمين، حين أفهمنا وأفهم الغربيين عموماً أن مُعظَم انتشار الإسلام كان بالقلب والعاطفة والروح والصدق، وليس بالسيف، وهذا الذي نجهله للأسف.

وأُدخِل الشيخ جمال الدين على تُكلك تيمور خان Tugluk Timur Khan بعد ذلك طبعاً، قال له أيها الشيخ، أجبتني بكيت وكيت، ما الذي تعنيه بالدين الحق؟ وهل نحن ديننا باطل وفاسد؟ قال يا سيدي، اسمع إلىّ. يقول السير توماس أرنولد Sir Thomas Arnold وصوَّر له الدين الحق، دين لا إله إلا الله، محمد رسول الله – صلى الله على محمد وآل محمد – تصويراً ذاب له قلبه كما يذوب الشمع. يقول توماس أرنولد Thomas Arnold ذاب له قلبه كما يذوب الشمع. لماذا؟ لأنه تصوير رجل يعيش الدين، لا يتكلَّم عن الدين، هو يعيش الدين، هو عارف بالله، هو يعرف معنى لا إله إلا الله، يعيش في الضوء الآسر لهذا المعنى ولهذا الاعتقاد. حدَّثه من ذوب تجربته، ليس بالنصوص فقط.

ثم عطف، فصوَّر له الكفر والوثنية والشرك تصويراً، أيقن معه تُكلك تيمور خان Tugluk Timur Khan أنه على دين باطل فاسد. وهنا تواضع وتطامن تُكلك Tugluk، وقال يا سيدي، أُحِب أن أدخل في هذا الدين، ولكن لو أعلنت بالدخول فيه الآن، لما تمكنت من بسط هذا النور على قبائل المغول وعلى كبار الأمراء في هذا الوقت، لأن مملكة أجدادي ليست في يدي، مُوزَّعة مُقسَّمة، ولكني بسبيل أن أُعيد توحيدها – وقد نجح، التاريخ هذا! تاريخنا هذا في الهند، هذا تاريخنا، هذا منا، هذا الرجل منا، حفيد جنكيز خان Genghis Khan منا، حفيد جنكيز خان Genghis Khan هو من أتباع محمد العظماء، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ما أعظم هذا الدين! ما ألطف هذا الدين الذي نجهله! قال ولكن أنا بسبيل العمل على هذا -، فإذا في سمعت في يوم أرجو ألا يكون بعيداً، بأنني أصبحت الخان الأكبر ووحَّدت هذه الدويلات، فاغد إلىّ، ليُعلا الإسلام بين يديك، وأبسطه على هذه المملكة، على هذه المملكة الكبيرة!

ففرح الشيخ جمال الدين – قدَّس الله سره – فرحاً عظيماً، ثم عاد إلى بُخارة (بلدته)، إلا أنه لم يلبث أن مرض، اعتل! فلما أشفا على الموت، دعا بابنه الشيخ رشيد الدين – رضوان الله عليه -، وكان شيخاً كبيراً حتى في السن، لأن الشيخ جمال الدين كانت سنه عالية، حسبما يُفهَم من سياق القصة كلها. دعا بالشيخ رشيد الدين (ابنه)، وقال له يا بُني، تعرف ما كان من نبأي مع تُكلك تيمور خان Tugluk Timur Khan. قال أعرف يا أبتِ. والقصة عجيبة غريبة طبعاً! قال له فإذا أنا مِت، ومكَّن الله له، ووحَّد الدويلات، وصار الخان الأعظم، فاغد إليه، ولا تخشه، وذكِّره بموعدته لي. قل له أنت وعدت أبي بأن تدخل الإسلام، وأن تبسط على المملكة. انظر، هذه الناس التي عاشت للإسلام، هو يموت ويلفظ أنفاسه وهمه أن يتمتع أكبر قدر من الناس أو أكبر عدد من البشر بأنوار الدين الحق، الذي عاشه هو وتمتع به.

قال لبيك يا أبتِ. ومرت بضع سنين، وسمع الشيخ رشيد الدين بأن تُكلك تيمور Tugluk Timur أصبح الخان الأعظم، وأنه وَّحد المملكة من جديد. كان أكبر إمبراطور في وقته! فغدا إليه، واحتال ليصل إليه في مُعسكَره، إلا أنه لم يُفلِح. هذا مُعسكَر الإمبراطور، الخان الأعظم للمغول! فاصطنع حيلة طريفة، ذات صباح بارد، في وقت مُبكِّر، حين انفجر الفجر، وقف بالقُرب من فسطاط تُكلك Tugluk، وأعلن بالنداء عالياً: الله أكبر، الله أكبر. فأيقظ الخان، الذي استيقظ فزعاً مُغضَباً، قال ما هذا؟ ما هذا الصوت المُنكَر؟ قالوا يا سيدي، هذا رجل. قال علىّ به. فأوتيَ به، فألقى عليه التحية، وطلب الأمان. قال له يا سيدي، أنا ابن الشيخ جمال الدين. قال أذكره، ولم أنسه لحظة. قال هو أوصاني بكيت وكيت وكيت. قال له إن كان الشيخ جمال الدين تُوفيَ، فأنت مرحباً بك وأهلاً وسهلاً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. استعلم منه كيف يدخل الإسلام، فقال له قل هذا. فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

هناك سؤال لي قبل أن أُكمِل القصة العجيبة الغريبة، التي ربما لو قرأتها لغير توماس أرنولد Thomas Arnold، لم أكن لأُصدِّقها. لكن هذا توماس أرنولد Thomas Arnold، مُستشرِق إنجليزي كبير وعلّامة مُحقِّق راسخ القدم، ومعروف مَن هو توماس أرنولد Thomas Arnold، ودراساته تشهد له، عن الفن الإسلامي وعن الخلافة وعن الدعوة إلى الإسلام، ثلاثة كُتب، من أعجب ما كُتب! وهنا أقف لأقول ما هي الفترة، ما هي المُدة، التي استغرقها الشيخ جمال الدين – قدَّس الله سره الكريم -، لكي يشرح الله صدر وقلب هذا الخان للإسلام؟ هل دخل معه في مُجادَلات طويلة ومُسلسَل؟ أبداً، أبداً! المسألة ربما أخذت دقائق، ذكر له ما هو الإسلام – كما قلت – كما خبره وكما يعيشه بصدق وبحماس صدق، وذكر له بالإزاء كيف يكون الكفر، وانتهى كل شيئ، جلسة من ربُع ساعة! ستُدخل الحواضر المغولية الإسلام، أرأيتم البركة يا إخواني؟ أرأيتم بركة الروحانية والصدق والعرفان، إزاء السيف والقتل ومئات ألوف من هنا ومن هنا واستعباد الناس وأسارى وجواري وغلمان وكلام فارغ؟ هذا الحق، هذا دين الله، صُلح للجميع، محبة للجميع، سلام مع الجميع.

على كل حال نعود، ثم قال له يا شيخ رشيد الدين – وكان شيخاً كبيراً واهناً أيضاً -، الآن وبمحضرك وبرعايتك الكريمة، سأعرض الإسلام على الأمراء. فأنا الخان الأعظم! وبدأ بالأمير توليك Tulik. توليك Tulik! قال له يا توليك Tulik ادخل هذا الدين الجميل، فأنا مُسلِم، وهذا الدين من نبئه كذا وكذا. فاستعبر توليك Tulik – رحمة الله عليه -، وقال يا سيدي، أنا مُسلِم مُنذ ثلاث سنين. قال كيف؟ قال مُنذ ثلاث سنين، وأكتم إسلامي خوفاً منك ومهابةً لك، أسلمت على يد رجل مُسلِم من كاشغر – عاصمة تركستان الشرقية. جمعه القدر به، شرح له، فدخل الإسلام، الأمير المغولي! من كبار الأمراء -. فقام إليه تُكلك Tugluk واعتنقه وفرح به فرحاً عظيماً ودعا له.

وهكذا دعا بالأمراء أميراً أميراً، فلبوه من عند آخرهم، إلا أميراً واحداً، وهو جراس Jaras، اسمه جراس Jaras. قال له لا، أنا لم ينشرح صدري بهذا الدين، ولا أُريد أن أدخل في هذا الدين، إلا بشرط واحد. قال ما هو؟ هات شرطك. قال له شرطي، هو الآتي. هذا الشيخ – وأشار إليه، وكان قصيراً ضعيفاً واهناً، أي الشيخ رشيد الدين، ابن الشيخ جمال الدين – إذا غلب خادمي، فسأدخل الإسلام. وكان عنده – يقول توماس أرنولد Thomas Arnold – خادم جسيم، عظيم الجسم، قوي، شديد، بلغ من قوته أنه يرفع بيديه المُجرَّدتين ثنياً، أي جملاً أو قعوداً أتم سنتين، هذا اسمه الثني! يرفعه بيديه، أي ربما زُهاء أربعمائة أو خمسمائة كيلو، شيئ مُخيف! جسيم، ضخم.

فقال الشيخ على بركة الله. فعجبوا من الشيخ الضعيف القصير! تتحدى هذا؟ هذا لا يُمكِن لأحد أن يغلبه. قال على بركة الله. ونهض الشيخ الواهن الضعيف، مدد رباني، يُوجَد صدق هنا، صدق! ليس من أجل أن نحكم، ومن أجل أن نُهيمن، ومن أجل أن نُطبِّق على الناس كذا، ومن أجل أن نفعل بالناس كذا، أبداً أبداً أبداً أبداً! الداعي والباعث محبة حقيقية لله ولدينه وللناس، حتى للمغول، حُب حقيقي، نُريد الخير للناس. لذلك الله معهم، ولذلك الله رفع يديه عنا اليوم. انس غير هذا، لا أُحِب أن أُجامِل ولا أكذب، يجب أن نكون واضحين مع الحقائق، مهما كانت مُرة – والله – يا إخواني، فصل عظيم هذا من فصول انتشار الإسلام يا جماعة، بهذه البساطة!

فقام الشيخ – رحمة الله عليه – وتوجه إلى جراس Jaras (الأمير المغولي)، وقال له أيها الأمير، إن لم أغلب خادمك، لا يتعيَّن عليك دخول ديني – أي دخول الإسلام -، وإن قدَّر الله الشرف لأمة المغول – إن قدَّر الله الشرف، أي يُريد أن يُشرِّفكم الله، انظر إلى المنطق العجيب، إن قدَّر الله الشرف، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۩، هذا الذكر شرف، شرف – بدخول هذا الدين المُبارَك، تعيَّن عليك أن تدخل ديني، وحينئذ – يقول الشيخ رشيد الدين – لن يُعجِزه أن يهبني قوة، أصرع بهذا المولى. قال نعم، مُمتاز.

وهنا تقدَّم تُكلك Tugluk والأمراء الذين أسلموا، وحاولوا جاهدين أن يُثنوا الشيخ الكبير الورع الواهن، عن خُطته. قالوا يا شيخ، ربما يُهلِكك، ربما يقتلك، هذا قوي. قال لا. وأصر الشيخ. يقول توماس أرنولد Thomas Arnold واحتشد الناس – أي المكان أصبح Crowded، احتشدوا، حشوداً كبيراً، فالمسألة لم تتم في ساعة، نودي بذلك وربما حتى في يوم آخر، احتشد الناس، أتوا من كل حدب وصوب، مُبارَزة بين شيخ ضعيف واهن وبين أقوى رجل في الإمبراطورية -، وتقدَّم الجسيم العظيم إلى الشيخ الواهن الضعيف، الذي ظل في مكانه، ونظر إليه باحتقار، أي مَن أنت؟ أغلبك بنكزة واحدة، همزة بأُصبعي! وحينئذ لم يكن من الشيخ إلا أن تقدَّم، ونكزه في صدره، فخر مغشياً عليه. مدد رباني، الحكاية ليست بقوة البدن، مدد إلهي، كما قال هو لن يُعجِزه أن يهبني قوة، أصرع بها هذا المولى. أي خادمك – قال له – سأصرعه. وهذا من الله، هذا أمر إلهي – قال له -، ليس بأيدينا، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، الحول كله والقوة والطول لله – لا إله إلا هو -، والمجد والثناء – لا إله إلا هو -.

فأُغشيَ عليه، فتصايح الناس مُندهِشين، مُتعجِّبين مما حدث، غير معقول! هذا القزم الصغير الواهن الضغيف، هذا الشيخ يفعل هذا، بوكزة في صدره؟ يقول أرنولد Arnold فلما استفاق هذا الخادم، أراد أن يُعاوِد المُصارَعة، إلا أنه لم ير نفسه إلا وقد جثى بين يدي الشيخ، يطلب أن يُعلِّمه كلمة الإسلام، وأعلن إسلامه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

يُوجَد سر في هذا الدين، يُوجَد سر في رجال هذا الدين. يومها مئة وستون ألف رجل مغولي، قطعوا شعورهم ودخلوا الإسلام. يقول السير توماس أرنولد Sir Thomas Arnold وبعد ذلك عم ضياء – وهكذا قال، نور – الإسلام الحواضر المغولية من عند آخرها. سنة وسنة وعشرة وعشرية وعقد، ثم هكذا، عجيب!

هذا الفصل تقريباً ربما نسمعه لأول مرة، أليس كذلك؟ أي مُعظَمنا، أكيد بعضنا درس التايخ، لكن مُعظَمنا يسمع ربما بهذا الفصل في تاريخ الإسلام في هذه المملكة العظيمة لأول مرة في حياتنا. هذا الفصل ومثل هذه الحقائق لا تُعجِب الذين يُعلون من شأن السيف والقوة وحاكمية الظاهر والسُلطة والرقابة والتسلط على عباد الله وتسخير عباد الله بطريقة أو بأُخرى.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يشرح صدورنا للحق، ولمعاني الحق، وسوانح الحق، ولوائح الحق، بصدق، اللهم آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

كان هذا الفصل فصلاً من فصول انتشار الإسلام في الإمبراطورية المغولية، التي آضت وعادت مُسلِمةً بفضل الله ومنّه. أما تاريخ دخول الإسلام الهند – أي ما يُسمى بفتح الهند، على يد الشهاب الغوري، رحمة الله عليه -، فلا، فهو مسبوق بفصل أيضاً يعلمه المُؤرِّخون الثقات من الشرقيين والغربيين، وخاصة من مُؤرِّخي الهند. قالوا أول فتح تم للهند وبدأ بتبديل العصر الهندوسي إلى عصر إسلامي، لم يكن على أيدي جحافل مُدججة، ولا نشّاب، ولا أقواس، ولا سيوف، ولا تروس ودرق. إنما كان على يد رجل – وادخل على النت Net واكتب اسمه – اسمه مُعين الدين الجشتي Moinuddin Chishti.

قبل أيام فقط بُثت صوراً وأخباراً هامة من أجمير – بلدة قريبة من دهلي، التي أصبحت دلهي بعد ذلك، وكانت عاصمة في وقتها، والملك (ملك دلهي) كان من أجمير -. بلدة الهندوس بجدارة دخلها شيخ كبير، قريب من السبعين، وتُوفيَ وقد تجاوز التسعين – قدَّس الله سره -، اسمه مُعين الدين الجشتي Moinuddin Chishti. دخلها برأسها، وحده! يُعرَف هناك – أي عند الهنود – بغريب نواز Gharib Nawaz. غريب نواز Gharib Nawaz أي مُغيث الفقراء، مُعطي الفقراء، واهب الفقراء.

ادخل على النت Net واكتب مُعين الدين الجشتي Moinuddin Chishti، للأسف بعض العرب يُترجِمون Chishti بالشستي، وهذا غير صحيح، هو على الطريقة الجشتية، على كل حال سترى أن ضريح الشيخ الجشتي Chishti في أجمير يزوره الهنادكة/ الهندوس كالمُسلِمين، بمئات الألوف، باستمرار. الهندوس كالمُسلِمين، عجيب! لماذا يزور الهندوس قبر عارف بالله مُسلِم؟ هذا شيخ حنفي، على المذهب الحنفي! أتاهم من مدينة رسول الله، بعد زيارة له. هو ذهب يحج طبعاً، وهو ليس عربياً. ذهب يحج، ثم زار النبي الأكرم الأفخم الأنبل الأجل – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فسنح له وهو في المدينة في المنام، وقال له يا شيخ مُعين الدين، اذهب إلى هندستان، وبشِّر بديني، وسيجعل الله على يديك الخير الكثير. لبيك وسعديك يا رسول الله، سأذهب. الوِجهة؟ أعطاه رُمانة، وقال له أجمير، تذهب إلى أجمير. الله أكبر! أجمير؟ وهو لا يعرفها، سيعرف حين يبلغ أجمير أنها بلدة الهندوس، العاصمة الحقيقية للهندوس هناك، وكلها هنادكة.

هذه قصة طويلة، لن أخوض بتفاصيلها، يُمكِن أن تعودوا إليها في بعض المصادر الأجنبية بالذات، للأسف العربية شحيحة جداً جداً، تقريباً معدومة.

وفعلاً دخل الهندوس في دين الله أفواجاً، وكذلك الأمراء، وكانت الضربة القاسمة عندما دخل أكبر ساحر – ساحر الملك في دلهي، وأكبر ساحر في الهند – الإسلام، بعد أن تحدى الشيخ العارف بالله، فأبطل سحره، كما أبطل موسى سحر السحرة، لا إله إلا الله! هذا الشيخ غريب نواز Gharib Nawaz، مُعين الدين الجشتي Moinuddin Chishti – قدَّس الله سره -.

تعرفون هذا ماذا كانت خُطته؟ بنى خُطته في الدعوة للإسلام والتبشير به على ثُلاثية: جود كالبحر، تواضع كالأرض، عطف كالشمس. الله أكبر! جود كالبحر، أعط كل ما لديك في سبيل تحبيب الناس في ربهم، في مُصالَحتهم مع الله، جود كالبحر! تواضع كالأرض، الأرض يطؤها الكل، ما أكثر منها تواضعاً! وعطف كالشمس، التي تُرسِل أشعتها الباهرة المُنيرة إلى البررة والفجرة، كما قال عيسى – عليه السلام -، هذه كلمة عيسى! شمس الله تُشرِق على الأبرار والفجّار، على العُصاة الخاطئين وعلى الأتقياء الطاعين. وكذلك العارف بالله، المُسلِم الحق، ينبغي أن يكون مُتصِفاً بعطف كعطف الشمس على الخلائق، ليس فقط على أهل المذهب وأهل الطائفة وأهل الحزب وأهل البرنامج الواحد، أبداً! على الخلق جميعاً. وبهذا فتح الله القلوب، وفتح الهند، بداية فتوح الهند! على يد الشيخ مُعين الدين الجشتي Moinuddin Chishti – قدَّس الله سره الكريم -.

وكلنا نعرف أشياء كثيرة عن إندونيسيا، وبالذات جاوة، التي يسكنها أكثر من ستين في المئة من إندونيسيا بمجموعها، مع أنها لا تبلغ أكثر من سبعة في المئة جغرافياً – أي مساحة – من إندونيسيا، وفيها أكثر من ستين في المئة! وكيف فُتحت جاوة؟ بالأولياء التسعة. واكتب على النت Net فقط هكذا: جاوة والأولياء التسعة. وأشهر الأولياء التاسعة كاليجاغا Kalijaga، اسمه سونان كاليجاغا Sunan Kalijaga، مولانا محمد، كاليجاغا Kalijaga.

كاليجاغا Kalijaga سأذكر قصته في سطرين، لأن الوقت أدركنا، والقصة جميلة. كان ابناً مُنحدِراً من أسرة هندوسية أرستقراطية، وتحكي الأسطورة أو القصة طبعاً – الأسطورة ليست الخرافة، أي الــ Legend، تحكي هذه القصة الآتي – أنه كان في شبابه مُسرِفاً متلافاً، يُعاقِر الخمور ويُنفِق أمواله على بنات الهوى، بائعات الهوى، أي المومسات – أعزكم الله جميعاً، وعافانا الله جميعاً -. وتحكي القصة، تقول وبين هو ذات يوم – وكان يسرق، أي هو سلّاب نهّاب، وليس وهّاباً، يسرق، وحصل الآتي في يوم من الأيام – رأى رجلاً، وكان تاجراً عربياً. وأقول بين قوسين (اتضح أنه أحد العارفين الكبار). حظ! فالقدر هكذا يُسعِد الناس، وهكذا نشر الله دينه على فكرة، وأكبر أمة الآن مُسلِمة على وجه البسيطة إندونيسيا، فيها مائتان وأربعون مليوناً، إن لم يكن أكثر، مائتان وأربعون مليوناً وحدهم! دخلوا دين الله من غير ضربة سيف واحدة، على طريقة الأولياء التسعة، وأولهم كاليجاغا Kalijaga هذا، أهمهم هذا!

فالمُهِم سرق الشيخ العربي، فقال له قبيح ما صنعت يا بُني، قبيح ما صنعت! الدنيا وما فيها لا تسوى شيئاً، لا تسوى شيئاً! الأنانية وحُب الامتلاك يُسمِّمك ويُدمِّرك ولا يُفيدك شيئاً يا بُني، تعال. فأقدم الشاب الشقي، وأشار الشيخ إلى شجرة تين هندية، اسمها الأثأب، العرب يُسمونها الأثأب، أي الــ Banyan tree. الــ Banyan tree هذه شجرة تين كبيرة، فروعها – سُبحان الله – تُنتِج جذوراً هوائية، في الهواء! تُنتِج جذوراً هوائياً، لا تلبث أن تُصبِح ماذا؟ جذوعاً أُخرى. وبذلك شجرة الأثأب يُمكِن أن تُغطي عدة أقراط أو عدة أفدنة. شجرة واحدة! شجرة عظيمة جداً.

أشار إلى الــ Banyan tree أو الأثأب بيده، وقال انظر. فإذا الشجرة تحوَّلت إلى ذهب – الشاب رآها ذهباً، وهي ربما لم تتحوَّل، ولكن رآها ذهباً – وفروعها بدأت تتقاطر منها الجواهر الكريمة. تقول الرواية خبر الشاب في هذه اللحظة تجربة الوعي. هذه يُسمونها تجربة الوعي! يقول البروفيسور أكبر أحمد Professor Akbar Ahmed هذه تجربة الوعي، وعنده كتاب اسمه Journey Into Islam، تجربة الوعي لُغة محلية – أو تعبير محلي – يعني إدراك أن الحقيقة المادية مُجرَّد وهم زائل. يُوجَد شيئ وراء هذه الحقيقة.

فلما خبر الوعي، قال له يا سيدي، هل يُمكِن أن تُعلِّمني المعرفة الروحية التي تتمتع بها؟ قال له هل عندك قوة الإرادة وقوة التحمل لكي تتلقى هذه – أي هذه المعارف الروحية الإلهية  -؟ قال نعم يا سيدي. وصدق الشاب، قال نعم يا سيدي. قال إذن انتظرني هنا، ريثما أعود إليك. بعد كم عاد إليه؟ بعد سنين، لم تذكرها القصة، سنين! تركه سنين، والشاب لم يُغادِر المكان، بقيَ فيه، يأكل ويشرب ويقضي حاجته ويتأمل، ويُثمِّن أيضاً ويُوسِّع ويبسط التجربة الروحية التوعوية التي عاشها. يمر الناس به ويتبركون به ويلقون عليه السلام، وهو وحده، لا يتكلَّم، لا يُبشِّر، لا يعظ، وحده!

تقول الحكاية عاد الشيخ بعد سنوات ووجد تَلميذه موجوداً، فأعلنه مُعلِّماً. أي A master، أعلنه عارفاً بالله! ثم بعد ذلك بدأ يعظ ويُبشِّر بالإسلام، وهو المسؤول الأول في جاوة – كُبرى الجُزر – عن تحويل العصر الهندوسي إلى عصر إسلامي. أيضاً تجربة عرفانية! هكذا يحكي تاريخ جاوة، وهكذا تحكيه الكُتب والدراسات.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يهدينا، وأن يهدي بنا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا همه إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مهموماً إلا كشفت همه وغمه وأبدلته بهما يا ربي فرحاً وسروراً وأمناً وإيماناً، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا وما جنينا على أنفسنا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر وأنت على كل شيئ قدير.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

__________

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

 

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

 

توضيح حول هدف هذه الخُطبة والخُطبة السابقة

 

يا ليت يحصل الآتي! أي أنا أتمنى وأرجو وأترجى كما يُقال، أن تُفهَم مثل هذه الخُطب – خُطبة الجُمعة هذه والخُطبة السابقة والدرس حتى السابق – في إطار واسع. أنا أتحدَّث عن الإسلام، أنت حين تنظر، تجد أن قضيتي الإسلام، ولا آتي لكي أحشر نفسي في ملف بذاته، ملف القضية الفلانية أو البلدة الفلانية أو الجماعة الفلانية أو الحزب الفلانية أو الشخص الفلاني، لا! ليس هذا الذي يهمني الآن، لا! ليس هذا، نحن نتحدَّث الآن عن ماذا؟ نتحدَّث عن قضية الدين، ووضع الدين عموماً، المُقارَبة العامة في العالم الإسلامي وخاصة العربي للدين. فاليوم الخُطبة هذه تعليق، مُجرَّد هامش، وتعليق على ماذا؟ على مُقارَبتنا، وهي صندوقنا الكبير الخاص بنا الذي نُقارِب به الدين.

أعتقد أن بعضنا اليوم، يُمكِن أن يكون صار عنده أو تكون عنده أو بُنيت عنده أو وُضعت بعض لبنات بناء قناعة أن هذه المُقارَبة لابد أن نُسائلها. لا! تخضع للسؤال بحسب هذا المعنى، يبدو أن هناك شيئاً فيها ليس صحيحاً بنسبة مئة في المئة، مُقارَبة الله على أنه فقط حاكم وعنده السيادة المُطلَقة وهذا الدين وهذا جوهر التوحيد وهذا جوهر الإيمان، عملية تحتاج إلى أن نُسائلها كثيراً، وهي خطيرة جداً جداً، وتُؤثِّر أكثر ما تُؤثِّر على تديننا نحن، أي على علاقتنا بالله – عز وجل -، كيف نفهم الدين؟ مسألة خطيرة، في مُنتهى الخطورة! وبالتالي طبعاً على موقف الآخرين منا ومن دعوتنا، طبعاً أعني موقف مَن؟ الآخرين غير المُسلِمين، لأن الدعوة لغير المُسلِمين. هذه تُؤثِّر على موقف الآخرين من دعوتنا لهذا الدين العظيم. ونحن مأمورون بتبليغ هذا الدين ونشره في العالمين، هذا ميراث السماء الخالد المحفوظ والكلمة الأخيرة يا إخواني المحفوظة كما هي – بفضل الله عز وجل -، ميراث ثمين هذا، ونحن ضيعناه بمثل هذه المُقارَبات.

فهذه قضيتي، هذه قضيتي! لا أتناول ملفات جُزئية ودقيقة. أحياناً – هذا حتى مثل الأسبوع الماضي، حين تحدَّثنا عن العمل السري – تأتي إليك أسئلة من إخوة نحترمهم ونِحِبهم، يُقال لك فيها وماذا عن المقاومة؟ يُدخِل لك المُقاوَمة! ما الكلام هذا؟ أنا لا أتكلَّم عنها، وهل أنا تكلَّمت عن العمل السري حتى في الإطار الشخصي؟ فكل واحد منا عنده أسراره، وأنت مأمور شرعاً ألا تُفشي القبيح من أسرارك، وإذا ابتُليتم، فاستتروا. أتقول لا، لا تُوجَد سرية، عدنان قال لا تُوجَد سرية، أنا – أي هذا البعيد – بالأمس ذهبت ولعبت القمار، وخسرت حتى رزق عيالي أمس؟ لا، ما هذا؟ عيب، إذا ابتُليتم، فاستتروا. ومثل هذا يُعتبَر مُجاهِر فاجر، وحتى طماعيته في رحمة الله تُصبِح أضعف، الله لا يُحِب المُجاهِرين بالمعصية، هذا أولاً.

ثانياً هذا بلد مُحتَل، احتله مُستعمِرون، مُستحلون أجانب، مُجرِمون صائلون. أتقول لي عدنان قال لا يُوجَد عمل سري؟ ما الهبل هذا؟

أي أنا أستغرب، الخُطبة كانت عن ماذا؟ عن العمل للإسلام والتبشير بالإسلام بين غير المُسلِمين، وتديين الناس بدينهم بين المُسلِمين، لا يُوجَد سر هنا، ومُقتنِع قتناعة تامة إلى أن يثبت العكس بهذا، لكن الأمور واضحة جداً في الكتاب والسُنة وسيرة النبي، لا يُوجَد شيئ اسمه سر هنا، هذا دين! سر ماذا؟ أما عمل مُقاوَمة ضد استعمار وضد أُناس جاءوا وأخذوا بلدي، فطبعاً لابد وأن تعمل سرياً يا حبيبي، ما أحلاك حين تقول لهم عدنان قال لا يُوجَد عمل سري! فتُضبَطون ويُلقى القبض عليكم من أول نصف ساعة وينتهي كل شيئ وتوأد المُقاوَمة في مهدها.

لكل مقام مقال. فخلط الأوراق وخلط الملفات غير صحيح يا إخواني، غير صحيح!

 

(انتهى التوضيح بحمد الله)

فيينا 6/9/2019

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: