إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۩ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ۩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ۩ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ۩ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ۩ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ۩ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ۩ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ۩ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ۩ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ۩ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ۩ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ۩ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ۩ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ۩ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ۩ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۩ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ۩ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۩ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ۩ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ۩ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ۩ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ۩ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ۩ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

تعج وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأيام الأخيرة بقضية ليست جديدة، وإنما أُثيرت مُجدَّداً، إنها قضية تعيين الذبيح. هل هو نبي الله إسحاق بن إبراهيم – عليهما الصلوات والتسليمات – كما يذهب كل أهل الكتاب من اليهود والنصارى وبعض طوائف وعلماء وأئمة المُسلِمين من المُفسِّرين والمُحدِّثين وسواهم، أم هو إسماعيل بن إبراهيم – عليهما الصلوات والتسليمات – كما ذهبت العرب مُذ جاهليتها وطوائف كثيرة أيضاً من علماء المُسلِمين، مُفسِّريهم ومُحدِّثيهم ومُحقِّقيهم؟

قضية في المنظور العقدي الإسلامي ليست مُتناهية الخطورة، ليست شديدة الخطورة، لأن هذه الأمة المرحومة بما أنعم الله – تبارك وتعالى – عليها وفضلها لا تُفرِّق بين أحد من رُسله، لا تُفرِّق بين أحد من رُسله! أي ذلك كان – إخواني وأخواتي -، لن يضير المُسلِم والمُؤمِن الصادق شيئاً.

إن ثبتت هذه الفضيلة – وهي لا محالة فضيلة جزيلة، فضيلة جزيلة ومنقبة عظيمة – لإسحاق، ولم تثبت لإسماعيل، لم يضر هذا المُؤمِن شيئاً، لأن إسحاق نبي كريم، ابن نبي كريم، وأبو نبي كريم، وجد نبي كريم، الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم – صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين – كما ثبت عن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -. وإن ثبتت هذه الفضيلة والمنقبة العظيمة لإسماعيل، فهذا لا يُمكِن أن يبوح أو يشي بشيئ أو بشائبة تنقص من مقام إسحاق – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

فهذا الموقف من الأنبياء لا تتمتع به إلا هذه الأمة المرحومة، ولله الحمد والمنّة، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۩، نحن نفرح ونستبشر بكل منقبة وبكل فضيلة وبكل مكرمة وبكل مُعجِزة ثبتت لنبي من أنبياء الله، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۩، ولكن هذا الموقف لا يُلغي حقيقة تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۩، الله من حكمته، من مُقتضى حكمته، أنه فضَّل الرُسل بعضهم على بعض، بعضهم أفضل من بعض، من زوايا وحيثيات مُعيَّنة، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۩.

من بين المئين من الرُسل الله – تبارك وتعالى – اصطفى خمسةً، هم أولو العزم من الرُسل، الذين أُمِر خاتمهم أن يتقيَّل طريقتهم، وأن يقتدي بهم، وأن يأخذ بهديهم، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ۩.

نُريد أن نُنبِّه على شيئ في هذه القضية أيضاً بين يدي الحديث، الذي أرجو ألا يطول جداً، لأن الحديث في ذاته طويل ومُسهب وفيه مباحث جمة، لكن نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُعيننا على أن نلم شعثه ونجمع بين أطرافه في عبارات وإلماعات وإيقاظات مُوجِزة أو مُوجَزة، فيا يإخواني وأخواتي أُريد أيضاً بين يدي الحديث – كما قلت آنفاً – أن أُنبِّه إلى أن هذه المسألة لا ينبغي أيضاً أن يُشغَب بها على أهل العلم والفضل، فيُدّعى للأسف كما نرى في بعض المواقع أن فلاناً من المشايخ أو العلماء ابتدع هذه المسألة أو أثارها أو تفرَّد بها. المسألة قديمة، قِدم هذه الأمة وقِدم هذا الوحي الكريم، والقول بأن الذبيح هو إسحاق قول ليس شاذاً، وأعتقد أنني في خُطبة قديمة ربما مُنذ بضع سنوات ذكرت هذا، وطبعاً لم أذكر أو لم أُعرِّج على المسألة وأعرض لها بالذكر من أجل أن أُحرِّر أو أُرجِّح أبداً، إنما فقط الذي أردته أن ألفت النظر إلى أن هذه المسألة من مواضع الخلاف، من مواضيع الخلاف والاختلاف، ولا يجوز التبشيع والتشنيع فيها على مَن قال بأن الذبيح هو إسحاق، الشائع عند العرب وعند المُسلِمين عموماً أنه إسماعيل.

طبعاً لا يُحتكَم إلى العوام ومَن ليس لهم دراية حقيقية بهذه المسائل، لأن العامي لا يعرف، والناس أعداء ما جهلوا. إذا أتيت العامة بما لم يألفوه ولم يأنسوه ولم يعرفوه، استُطيروا غضباً، وكيف هذا؟ وكأنه خرق الإجماع، وهم لا يعملون أصلاً موضع المسألة من الخلاف، ولذلك نُحرِّج دائماً على أنه ينبغي أن يكون من هدي العلماء ومن دأبهم التنبيه على مسائل الخلاف والعرض لها بين الفينة والفينة، لكي يتأنَّس الناس بها، ويعلموا أن هاته الموضوعات ليست من محال الإجماع، ليست موضوعات للإجماع، إنما هي من موضوعات الخلاف، فلا يُشنَّع فيها على قائل من الفُضلاء ذهب إلى قول، لماذا؟

كما قلت لكم جُملة من الصحابة ذهبوا بأن الذبيح هو إسحاق، من الصحابة! نتكلَّم عن الصحابة. عدَّ منهم أبو عبد الله القُرطبي في جامعه (تفسيره الشهير) سبعة، سبعة من الصحابة: عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر. جماعة! سبعة من الصحابة، من أجلاء الصحابة، وذكر بعد ذلك ستة عشر اسماً من مشاهير التابعين (أتباع الصحابة)، ذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق، ومن كبار العلماء والمُفسِّرين شيخ المُفسِّرين أبو جعفر بن جرير الطبري، انتصر لهذا القول بقوة، انتصر له بقوة وحرَّره وشيَّده كما يراه هو بقوة وبجزم، أي الوحيد من المُفسِّرين الذي يُفهَم من كلامه أنه جزم المسألة تقريباً، مع أنه عرض طبعاً أن فيها قولين، ويعرف هذا تماماً، شيخ المُفسِّرين! لكن هو انحاز بقوة تُشبِه القطع والجزم إلى القول بأنه إسحاق، ابن جرير الطبري هو الوحيد الذي فعل هذا.

القرطبي – مثلاً – نعم واضح أنه أعرب عن ميله إلى هذا القول، أي بشكل واضح، مُحتجاً مُعتلاً على الأقل في موضعين من تفسيره – حتى في الموضع نفسه – بأنه أكثر عن الصحابة، هو القول الأكثر، ولذا نسبه الإمام القرطبي إلى الأكثر، أكثر العلماء قالوا بأنه إسحاق، وهذه النسبة – وذكرتها في الخُطبة قبل بضع سنوات – مُتنازع فيها، لأن من العلماء بالإزاء مَن قالوا بأن الأكثرين على أنه إسماعيل، ذكر هذه النسبة الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللُغات، والإمام الشهاب القرافي، مع أنه صحَّح أن الذبيح إسماعيل، الشهاب القرافي! لأن مذهب أكثر المالكية أنه تبعاً لإمامهم، أي الإمام مالك بن أنس، ويُروى عنه قول آخر، لكن القول الأشهر عن الإمام مالك أنه إسحاق وليس إسماعيل – عليهما الصلوات والتسليمات -، لذلك أكثر المالكية على أنه إسحاق وليس إسماعيل، فالقرافي يسير في ركاب إمامه، أن الذبيح إسحاق، ومع ذلك قال أكثر العلماء على أن الذبيح إسماعيل في الذخيرة، في كتاب الذخيرة للإمام القرافي! كان مُنصِفاً قال أكثر العلماء على أن الذبيح إسماعيل. خلافاً للقرطبي، والنووي قال الأكثر على أنه إسماعيل، والإمام عبد الوهّاب تاج الدين السُبكي ابن شيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن السُبكي في الإبهاج في شرح المنهاج قال أيضاً الأكثر (أكثر علماء الأمة) على أنه إسماعيل. وهكذا!

إذن هذه النسبة يبدو أنها لم تنجم عن استقراء تام، فالمسألة تحتاج إلى استقراء، يُمكِن الآن في ضوء الحاسوب أو الكمبيوتر Computer أن نقوم وأن نُنجِز استقراءً، لكن لو ذهبنا إلى التفاسير، سنرى أن مُعظَّم مُحقِّقي المُفسِّرين على أنه إسماعيل، مُعظَم المُحقِّقين في القديم والحديث من أهل التفسير على أن الذبيح إسماعيل. لو نظرنا في الأدلة بعين الإنصاف – وكما قلت هذا لا يضيرنا، لا يضيرنا أن يكون الذبيح إسماعيل أو إسحاق – وتجرَّدنا من الغُلواء – أي من الغُلو – والعصبية، لوقفنا بشكل واضح، لا نقول قطعي، لكن قريب من القطع، أنه إسماعيل. وهذه عبارة شيخ الإسلام تقي الدين السُبكي في فتاواه، قريب من القطع، واستروح إليها السيوطي، يبدو في آخر أمره، في الإكليل في استنباط التنزيل، وأيضاً هي عبارة شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، قريب من القطع! قريب من القطع أنه إسماعيل، الأدلة القرآنية قوية جداً، التي تشي بأن الذبيح إسماعيل، وهذا ما سنعرض له بُعيد قليل في هذه الخُطبة، وهذا موضوع الخُطبة – إن شاء الله تبارك وتعالى -، وهذا الذي أطمئن إليه، اطمئننت ولا أزال أطمئن إليه، أي إلى أن الذبيح إسماعيل. لو رأينا أن الأرجح غير ذلك، لقلنا به، لأن هذا حق، هذه مسألة حق، وليست مسألة عصابيات أو مُنكافات أو مُكايدات، لا مُنكافات ولا مُكايدات ومُغايرات في الحق، الحق أحق أن يُتبع، ويبدو أن الأحق من القولين أن الذبيح إسماعيل، على كل رُسل وأنبيائه وآلهم جميعاً الصلوات وأشرف التسليمات. جميل!

إخواني وأخواتي:

نأتي الآن مُباشَرةً دون أن نُطوِّل بالمُقدِّمات إلى ذكر أن مواقف علماء الأمة في هذه المسألة لا تتعيَّن بموقفين، الذي وجدته وانتهيت إليه أنها أربعة مواقف، أنها أربعة مواقف:

الموقف الأول إسحاق، الموقف الثاني إسماعيل، الموقف الثالث التوقف، لا ندري! بعض العلماء تتكافأ – أي تتساوى، تتعادل – إليه الأدلة، فيتوقَّف، وهذا من الإنصاف، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه. العامة لا تكاد تتوقَّف، العامي يجزم أي مسألة، عامي مسكين! يُريد أن يجزم فيما يعلم وفيما لا يعلم، وأكثر ما يجزم فيه هو مما لا يعلم، أما العلماء (العلماء الكبار)، فيُوازِنون، يُعايرون، بين الأدلة، فربما توقَّفوا، وهذا من إنصافهم واحترامهم لعقولهم وللأدلة والشواهد أيضاً، من هؤلاء الإمام المُفسِّر النحوي الزجاج، قال الله أعلم أيهما الذبيح، إسحاق أو إسماعيل. قال لا أعلم.

الإمام السيوطي – السيوطي صاحب المُؤلَّفات الكثيرة الحفيلة، الإمام المُتفنِّن، رحمة الله تعالى عليه، جلال الدين السيوطي، المُتوفى في أول القرن العاشر الهجري، قال رحمة الله تبارك وتعالى عليه الآتي – كنت أقول قبلاً وذكرت هذا في علم التفسير أن الذبيح إسحاق. ثم عرض له الوقوف على أدلة أُخرى وكلام للمُحقِّقين وللعلماء لم يقف عليه من قبل، قال وأنا الآن مُتوقِّف. قال انتهيت إلى الوقف، لا أدري هل هو إسحاق أو إسماعيل. هذا السيوطي الذي ألَّف تقريباً زُهاء ألف مُصنَّف بين كبير وصغير كما قلنا غير مرة، شيئ عجيب، قال لك أنا مُتوقِّف، لا أدري.

لكن أنا أُريد إضافة عن الذي أظنه هنا، وهو له رسالة القول الفصيح، أي الإمام السيوطي، في موضوع الذبيح، في ضمن جامعه الشهير الحاوي للفتاوي، فالإمام السيوطي أعتقد إن كان كتابه الإكليل في استنباط التنزيل بعد هذه الكُتب وبعد هذا التصريح، فيبدو أنه عاد واستروح إلى القول بأنه إسماعيل وليس إسحاق، لماذا؟ لأنه في الإكليل عرض للمسألة مُعنوناً بسرعة، ثم أتى بنقل طويل، هو تقريباً عُظم وجُل ما ذكره، أكثر من تسعين في المائة، للإمام تقي الدين السُبكي، وأنا سأُعطيكم خُلاصته، وهو مُستجاد وحسن جداً، ولم يُسبَق إليه السُبكي، وللأسف كثيرٌ من الذين لحقوه وذكروا هذه لم ينسبوها – لا ندري لماذا – إلى صاحبها، هذا من اجتهاد الإمام شيخ الإسلام تقي الدين، أبي الحسن، عليّ بن عبد الكافي السُبكي – رحمة الله تعالى عليه -.

فذكر الإمام السيوطي هذا النقل، قال ومن خطه أنقل – عن السُبكي في فتاويه، ومطبوعة الفتاوى في مُجلَّدين أيضاً -. وسكت! فكأنه يستروح إليه، وواضح أنه حين سكت عليه، كأنه يقول لك الكلام مُقنِع، فكأنه عاد عن توقفه – إن كان الإكليل بعد ذاك التقرير والتصريح، والله تبارك وتعالى أعلم -.

هذا كان الموقف الثالث، وهناك الموقف الرابع، وهذا لم يقل به ربما إلا واحد أو اثنان، لا ندري! لكن ذكره الشهاب الخفاجي في حاشيته على شفا عياض، وعياض طبعاً من المالكية، جزم بأن الذبيح إسحاق، جزم! عياض جزم، الخفاجي (الشهاب الخفاجي) أتى بأقوال أُخرى، وذكر أن من العلماء مَن ذهب إلى أن الذبح أو مُحاوَلة الذبح أو إرادة الذبح ربما وقعت مرتين، فيكون إبراهيم أراد أن يذبح إسماعيل، ثم أراد أن يذهب إسحاق. وهذا ليس بشيئ، هذا هباء، هذا هباء في هواء، هذا من أضعف الأقوال على الإطلاق، ولذلك ندر أن تجدوا مَن يُعوِّل عليه أو حتى مَن يذكره. فالمواقف بالاستقراء أربعة، المواقف بالاستقراء أربعة!

نأتي الآن إلى موقف أهل الكتاب، قد يقول لي أحدكم هذه القضية قضية كتابية، أصلها في التوراة، في العهد القديم، في سفر التكوين، أصلها في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين، أي الجينيسيس Genesis، فهيا نعد إلى هذا الكتاب ونرى، أي إلى هذا الكتاب المُقدَّس.

في الحقيقة نحن لو تأملنا أيضاً بعين الإنصاف، من غير اعتساف، من غير تعصب ولا اعتساف، لوجدنا أن التوراة، أن سفر التكوين نفسه، يشهد بأن الذبيح إسماعيل، وليس إسحاق كما هو مُصرَّح به في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين، أنه إسحاق! وفي هذا الإصحاح أن الله – تبارك وتعالى – أمر إبراهيم، وقال له خُذ وحيدك، خُذ ابنك وحيدك الذي تُحِب، أو تُحِبه، في بعض الترجمات خُذ بكرك، أي ذلك كان، الأمر أيضاً سيشهد لإسماعيل، سواء أكان بكره أو لا، لأنه ثابت عند أهل الكتاب قبل المُسلِمين أن بكر إبراهيم هو إسماعيل، وقد يقول لي أحدكم من أين؟ في الكتاب، في التوراة، في سفر التكوين مُصرَّح بأن الله – تبارك وتعالى – رزق إبراهيم بإسماعيل من هاجر حين كان لإبراهيم ست وثمانون سنة، ومُصرَّح في السفر عينه أنه رُزِق بإسحاق حين تم له مئة سنة، إذن بينهما كم؟ أربع عشرة سنة. إذن أيهما البكر؟ أيهما الأول؟ إسماعيل. في التوراة! وهذا موضع اتفاق بين أهل الكتاب وبين المُسلِمين، أن أول أبناء إبراهيم إسماعيل، أن بكره إسماعيل.

هنا يقول له خُذ ابنك الوحيد، إسماعيل! لأنه حين أتى إسحاق بعد ذلك وبينهما أربع عشرة سنة، لم يعد إسحاق ماذا؟ وحيده، لم يعد إسحاق وحيده، ولا إسماعيل وحيده، له اثنان! إذن هذا يُفيد أن الذي أُمِر إبراهيم بتقريبه، بتضحيته، كان ماذا؟ مُفرَداً وحيداً. وهذا لا يصح إلا بمَن؟ إلا بإسماعيل. إلا بإسماعيل! وإن قال بكرك في ترجمة أُخرى، فواضح البكر إذن، سواء كان وحيداً أو بكراً، لا تنطبق إلا على مَن؟ إلا على إسماعيل. لكن لماذا ذكر هذا السفر هذا؟ لماذا قال خُذ ابنك وحيدك أو بكرك الذي تُحِبه إسحاق؟ علماؤنا تقريباً مُعظَمهم – والمُحقَّقون بالذات – يقطعون بأن هذا مُقحَم، هذا مُقحَم في السفر، هم وضعوه، حملتهم عليه العصبية، كبر عليهم أن يكون الذبيح وأن تكون هذه المنقبة العظيمة وهذه الأوصاف الجليلة الجزيلة لإسماعيل أبي العرب، المُستعرِبة! أبوا، قالوا إسحاق. فتناقضوا، أنتم تقولون هنا بشهادات هذا السفر إنه وحيد وإنه بكر، الوحيد! والبكر إسماعيل، وليس إسحاق، هذه واضحة، يُوجَد إقحام، أقحموا الاسم هكذا إقحاماً. هل هذا واضح؟

مفهوم الوحي – أي الــ Revelation – يختلف تماماً إلى حد بعيد لدى المُسلِمين عنه لدى النصارى، عند المُسلِمين الوحي (القرآن كوحي) محفوظ بنصه وفصه، بألفاظه، بحروفه. الوحي عند أهل الكتاب وحي معنى، ولذلك الوحي هذا لا ينفرد به الأنبياء، حتى كتبة تراث الأنبياء يُوحى إليهم، الحواريون يُوحى إليهم، هؤلاء القدّيسون الكبار أيضاً يُوحى إليهم، وحي بالمعنى، ويجوز التصرف هنا بالزيادة، بالنقص. عادي! قال لك هذا عادي، المعنى، أهم شيئ المعنى. لا! قضية المُسلِمين أدق بكثير – يفضل الله تبارك وتعالى -، وسوف نرى الآن من خلال مُطالَعة الأدلة والشهواد كم القرآن دقيق! دقيق وعجيب يا إخواني هذا الكتاب والله، فهذه القضية من القضايا التي تشهد للقرآن الكريم بأنه من لدن حكيم عليم خبير، لا إله إلا هو! ودقيق، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ۩، وسوف نرى في قضية الذبيح هنا هذا اليوم، وهذا المقام، ولكل مقام مقال.

أيضاً حين تتأمل التوراة، العهد القديم وخاصة سفر التكوين، ستعلم أنها تُقرِّر بالضرس القاطع أن الشريعة – أي الناموس، يُسمى عندهم الناموس، الشريعة الناموس – من لدن آدم أبي الأنبياء والبشر، إلى موسى – عليه الصلاة وأفضل السلام -، على أنه لا يُقرَّب إلا البواكير من الأولاد والبهائم ومحاصيل الطير، الباكورة! الولد البكر، هل هذا واضح؟ إذن البكر مَن كان؟ بشهادة سفر التكوين إسماعيل. رُزِقه إبراهيم وهو ابن ست وثمانين سنة، إذن أراد أن يُقرِّب قُرباناً، وسوف تقول لي لماذا القُربان؟ وما كذا؟ وماذا رأى في المنام؟ كان من عادة تلك الشعوب أنهم إذا فرغوا من بناء معبد أو هيكل يُقرِّبون للإله قُرباناً، هذه عادة مشهورة، وهكذا رأى إبراهيم في المنام، قرِّب قُرباناً، أعظم القرابين ماذا؟ الأولاد. الابن! وابن وحيد، أي شُقة أو شُعبة من قلب إبراهيم تعلقت به، وكان يبتهل إلى الله أن يجعل إسماعيل يعيش قدامه، يقول للرب – لا إله إلا هو – ليت إسماعيل يعيش أمامك. أي أعطه عُمراً، بارك فيه، لا تخترمه، لا تُقصِّر عمره. أحبه جداً، لأنه كان وحيداً، وكان ماذا؟ بكراً. وأوتيه على ماذا؟ عَلَى الْكِبَرِ ۩، الكِبَر وليس الكِبْر، الكِبْر التكبر، الكِبَر شيئ آخر، يَكبَر وليس يَكبُر، انتبه! يَكبَر، لما كَبِرَ، عَلَى الْكِبَرِ ۩.

وهنا أقول بين قوسين: (هنا يُوجَد تجاوز بسيط وقع فيه التقي السُبكي، سُبحان الله الكمال لصاحب الكمال، الكمال لمَن كمَّل الله، انظر إلى الإمام السُبكي، علم وإمام لا يُشق له غُبار، آية من آيات الله، ويعلم هذا مَن قرأ لهذا الإمام وعلم مقامه، وغير واحد قضى بأن التقي السُبكي بلغ درجة الاجتهاد المُطلَق، أما أنه مُجتهِد الشافعية في عصره، فهذا بلا نزاع، وبعضهم قال بل بلغ درجة الاجتهاد المُطلَق. السُبكي لا يقل عن الأئمة الأربعة، شيئ عجيب، رجل عجيب هذا الإمام، ومع ذلك هنا أخطأ خطأً، لا أدري لماذا وقف عنده ابن حجر العسقلاني، وأعطاه أكثر مما يستحق، ابن حجر قال لك أنا رأيت أن استدلال السُبكي – الذي سأُعطيكم خُلاصته – استدلال حسن جيد. لكن – قال – بعد ذلك لما التفت إلى قول الله في سورة إبراهيم على لسان إبراهيم – عليه السلام – الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۩، علمت أنه أخطأ هنا الإمام السُبكي. السُبكي أخطأ في هذه الناحية البسيطة، وهذه ليست معقد ولا أساس استدلال السُبكي، انتبهوا! لا أدري لماذا قال هذا، فكأن ابن حجر أفهمنا في الفتح أنني عُدت عن هذا الرأي، لم أعد أقول به – أي أنه إسماعيل -، لأن السُبكي أخطأ هنا. ليس معقد الاستدلال وليس محور الاستدلال، السُبكي أخطأ، قال بأن الله – تبارك وتعالى – رزق إبراهيم بإسماعيل حين كان لا يزال شاباً، أي لم يكبر، ورزقه بإسحاق حين كان كبيراً. هذا خطأ، القرآن يرده، إبراهيم يقول الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۩، وهذا مُلتئم بــ ومُنسجِم مع رواية سفر التكوين، أن إبراهيم رُزِق بإسماعيل وهو ابن ست وثمانون سنة، كبير! ست وثمانون سنة، صحيح كان أكبر حين رُزِق بإسحاق، ابن مائة سنة، فكم عاش إذن؟ بحسب التوراة عاش مائة وخمساً وسبعين سنة، عاش مائة وخمساً وسبعين سنة – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وهذا ليس خطأً عظيماً، ليس خطأً عظيماً وكبيراً).

المُهِم – إخواني وأخواتي – هو الآتي، فنعود. في التوراة أنه لا يُقرَّب إلا البكر، إذن إسماعيل هو البكر، وفي التوراة أن الذي يُقرَّب ويُنذَر للإله ليس له نصيب من الميراث. أنا إلى الآن أتحدَّث عن أدلة تُؤخَذ من ماذا؟ من التوراة، وليس من القرآن. أي نحتج الآن على أهل الكتاب، للأسف لأن أئمتنا ومنهم الطبري ومنهم كثير من الصحابة أو بعض الصحابة اغتروا برواية أهل الكتاب، والمُسلِم لا يضيره أن يكون الذبيح إسماعيل أو إسحاق، كلهم أنبياء الله، فاعتقدوا – أي مَن نقلنا عنهم ومَن لم ننقل – أنه إسحاق، قالوا لك إسحاق. لا، هذا ليس أقرب إلى الصواب، والله أعلم، الأقرب إلى الصواب أنه إسماعيل.

في التوراة أيضاً أن المُقرَّب والمنذور لله – تبارك وتعالى – أو للرب أو للإله ليس له نصيب في الميراث، وفي سفر التكوين تصريح أن إبراهيم قبل أن يتوفاه الله – تبارك وتعالى – أعطى إسحاق كل ما عنده، وأعطى عطايا لأبناء السرايا، أي السراري، وهن الإماء اللائي كان يطأهن بملك اليمين، أي إبراهيم، فأعطاهن عطايا، ولم يُذكر أنه أعطى إسماعيل شيئاً، لكن لم يُذكَر أيضاً أنه أبعده، ذُكِر أنه أبعد أبناء السراري، أبعدهم عن إسحاق، لماذا لم يُذكَر أنه أبعد إسماعيل؟ لأن هذا السفر أيضاً يُقرِّر بشكل واضح أن إبراهيم لما احتُضر، حضر وفاته وتولى دفنه إسحاق وإسماعيل، أو إسماعيل وإسحاق. السؤال: لماذا؟ إسماعيل بكره، وكما قلنا ابنه الأول وحبيبه، وكان مُتعلِّقاً به جداً، مُتعلِّقاً به جداً، لا ريب، لا محالة. لِمَ لَمْ يُعطه؟ لأن الشريعة هكذا، أن الذي يُقرَّب أو يُنذَر لا نصيب له في الميراث، ونصيبه الرب، نصيبه الرب أي جزاؤه وجه الله – تبارك وتعالى -، جزاؤه عند الله، الله هو جزاؤه، الله جزاؤه، هكذا!

إذن واضح هنا أن هذا أيضاً قرينة أُخرى على أن إسماعيل هو الذي أُريد تقريبه ونُذِر لله مُحرقةً، قال له تأخذ ابنك إلى أرض المُريا وتُصعده مُحرَقةً، أي قُرباناً، تُصعده مُحرَقةً بتعبير سفر التكوين في العهد القديم، أولى أسفار العهد القديم، أولى الكُتب الخمسة كما يُقال. جميل يا إخواني؟ فهذه قرينة أيضاً، قرينة أيضاً!

وأخيراً قبل أن نترك التوراة والاستدلال بها وبما ورد فيها، ما أرض المُريا هذه؟ إلى أرض المُريا، وهذه كلمة لا تتردد في الكتاب المُقدَّس، وجدناها هنا، وقعنا عليها هنا، أرض المُريا! قال لك جبل الهيكل، جبل الهيكل جبل صهيون. يُذكَر دائماً، الذي بناه سُليمان، يُذكَر دائماً هذا، أي بعد ذلك شاده، يُذكَر أنه هو الجبل، شاد هيكله على هذا الجبل، يُذكَر أنه هو الجبل، يذكر اليهود أنه هو الجبل الذي أُمِر إبراهيم بأن يُصعِد ابنه عليه، في هذه الأرض، أرض المُريا، التي فيها الجبل، جبل الهيكل، دائماً يُذكَر هذا الجبل بأنه جبل ماذا؟ صهيون، أو جبل الهيكل. لا يُنعَت ولا يُسمى بجبل ماذا؟ المُريا. أبداً! غير معروف، ولذلك اختلفوا فيه، اختلف فيه أهل الكتاب، فاليهود السامرة – إلى الآن موجودون، في شكيم عند نابلس وكذا، في نابلس اليهود السامرة أو السامريون – يقولون المُريا هنا – هذه أرض المُريا – هي جبل جرزيم. جبل جرزيم! وهذا قول مُختلِف، وجبل جرزيم غير جبل الهيكل، غير جبل صهيون! أما النصارى فيقولون بالقُرب من كنيسة الرب، القُرب من كنيسة الرب! أقوال كثيرة، اختلفوا.

هناك العلّامة الهندي المُحدَث في هذا العصر – في أول هذا العصر، وهذا آية أيضاً من آيات الله في العلم والتحقيق، على أنه هندي، رحمة الله تعالى عليه، وله أسلوب مُتفرِّد في التفسير، أي في تفسير كتاب الله، وله اجتهادات عجيبة، رحمة الله عليه، وجزاه الله خيراً – عبد الحميد الفراهي، هناك قرية اسمها فريهة، هناك في الهند، يُنسَب إليها. عبد الحميد الفراهي ذهب ورجَّح وأتى ببعض الأشياء، ويُمكِن أن تعودوا إلى كتابه، وهو تقريباً أوسع مَن ألَّف في هذا الموضوع، أي الفراهي – رحمة الله عليه -، ألَّف كتاباً هو أوسع كتاب إلى الآن في هذا الموضوع، وإن كان الموضوع يحتمل أيضاً تفسيرات أكثر من ذلك.

فذكر الإمام الفراهي الهندي – رحمة الله تعالى عليه – أن أرض المُريا هي جبل المروة، الصفا والمروة! وهذا من التحريف الذي أيضاً طال النص الكتابي، وقال المُريا هي المروة. وأتى ببعض الأدلة، ويُمكِن أن تعودوا إليها لأن المقام لا يتسع.

نأتي الآن إلى القرآن الكريم، ما عُمدة مَن قالوا بأن الذبيح إسحاق؟ عُمدة هؤلاء قولهم إن الله – تبارك وتعالى – لم يُصرِّح ولا في موضع من كتابه الأجل الأعز بأن الله بشَّر إبراهيم بإسماعيل. التبشير دائماً حين يُصرَّح به بإسحاق. أليس كذلك؟ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ۩ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ – في سورة هود – فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، قراءة حمزة وابن عامر وحفص يَعْقُوبَ ۩، وقراءة البقية – أي السبعة، وأتحدَّث عن العشرة الآن – يعقوبُ، على أن الواو للاستئناف، ليست للعطف قولاً واحداً على هذه القراءة، أي قراءة السبعة، ومن وراء إسحاق يعقوبُ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ۩، واضح!

في آية المقام أو آيات المقام التي تلوتها من سورة الصافات وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩، وأين أن الله بشَّره بإسماعيل؟ هذا غير موجود. ولذلك الذي ذُكِر في سورة الصافات أن الله بشَّره به وهو الغُلام الحليم، واقتص الله علينا طرفاً أو أهم طرف مما جرى واتفق لهما، هو نفسه المُبشَّر به، المُصرَّح باسمه، أي إسحاق، قالوا إسحاق، وليس إسماعيل. وأيضاً قالوا مُلاءمة السياق القرآني بالسياق التاريخي (بسياق الأحداث) يُفيد ويُعطي أنه إسحاق، وليس إسماعيل. لماذا؟ قالوا لأنه هاجر بعد أن كان منه مع قومه ما كان، قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ۩ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ۩ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۩، هاجر، اعتزلهم، في سورة مريم فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۩… إذن واضح هنا أن الله يقول اعْتَزَلَهُمْ ۩… فجزيناه، والجزاء من جنس العمل. أي فقد ديرته وأهله وخلانه وقراباته وعشيرته في الله – تبارك وتعالى -، إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۩… إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي ۩… في هذه الآية من سورة الصافات، فقال لك الله وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۩… هنا يقول وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۩ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩، هو هذا الذي وُهِب له، وبُشِّر به، وصُرِّح باسمه في غير موضع أو في مواضع أُخرى، بأنه إسحاق.

هذه عُمدتهم، هذه عُمدتهم وأجابوا عن بعض ما اعتمده الآخرون، وليست عُمدة، ونقول هذا والآن سوف نرى لماذا، ليست عُمدة، بل نقول ما ذهبوا إليه ليس بمذهب ولا لازم كما قال ابن كثير حين علَّق على موقف الطبري، الطبري قال لك إسحاق. وأتى بأدلة، قال ابن كثير – المُحقِّق العظيم والحافظ الكبير قال هذا – وما ذهب إليه ابن جرير ليس بمذهب وليس بلازم. وطبعاً هو كان يعتقد – وصرَّح بهذا – بأنه من تأثر المُسلِمين بماذا؟ بمرويات أهل الكتاب، بشوائع رواياتهم. بشوائع رواياتهم! الشائعة المعروفة عندهم. ونحن نقول هذا ليس بمذهب ولا بلازم ولا بقوي. لماذا؟ أتعلمون لماذا؟ القرآن هو الذي قال هذا، القرآن!

أول شيئ لابد أن نستذكر القاعدة، هم قالوا لك وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۩ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩ فَبَشَّرْنَاهُ ۩… يُوجَد تعقيب. مُباشَرةً! هو دعا، فجاءته البُشرى. يا سيدي التعقيب أمر نسبي، مَن طالع المواضع في كتاب الله والموارد، ومَن ألم بشيئ حتى – إلمام، مُجرَّد إلمام، وليس تعمقاً – من لُغة العرب، يعلم أن التعقيب نسبي، والعرب تقول تزوَّج فلان، فوُلد له. هذا هو! وبين زواجه وميلاد ابنه على الأقل ماذا؟ تسعة أشهر. أي هل وُلِد له في نفس اليوم أو نفس اللحظة؟ تزوَّج، فوُلد له. هذا تعقيب ماذا؟ نسبي. هذا تعقيب نسبي.

الدليل هنا على أن هذا التعقيب نسبي وأن بين المسألتين بون زمني وواسع حقيقة – بون واسع وشاسع – القرآن نفسه، ستقولون لي لماذا؟ لأن القرآن أكَّد الآتي، أكَّد وهذا على مذهبنا، ونحن الآن نُلزِمهم بما التزموه، وإلا رأينا مُختلِف نحن، رأينا أن هذا المُبشَّر به إسماعيل وليس إسحاق، وبُشِّر به قبل أن يُبشَّر بمَن؟ بإسحاق. على الأقل من جهتين، على الأقل من جهتين! الجهة الأولى أن إبراهيم لم يدع بإسحاق، بل فوجئ به، التوراة تُؤكِّد هذا والقرآن يُؤكِّد هذا، ولهذا راجع فيه، ماذا؟ ولد ماذا؟ ابن ماذا؟ راجع! ولم يُراجِع في الأول لأنه طلبه، أليس كذلك؟ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩، قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩، فلما لباه الله – تبارك وتعالى – لم يُراجِع، وبشَّره بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩، وقفوا مع كلمة حَلِيمٍ ۩، هنا لم يُراجِع إبراهيم، بالعكس! هذا من إكرام الله له، أنه ماذا؟ لباه في دعوته، أو في دعائه. لم يُراجِع وإنما كان ينتظر، وجاءته البُشرى بأن ماذا؟ بأنك قد أُجبت. أما إسحاق فجاء على حين غرة، لم يكن ينتظره، ولذلك قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ۩… تسعون سنة! كانت بنت تسعين، وهو كان ابن ماذا؟ مئة. بينهما عشر سنوات، بنت عمه سارّة أو سارة – عليها السلام -، وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ۩، راجعت! وقد يقول لي أحدكم هذه سارة، لكن هو لم يُراجِع. لا! هو راجع، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩، انتبهوا، القرآن دقيق، ولا مرة قال حليم هنا، عَلِيمٍ ۩، وفي الذاريات وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩، الغُلام العليم هو إسحاق، والحليم إسماعيل، وهي به أنسب وألأم، وسوف نرى لماذا.

إِنَّا نُبَشِّرُكَ ۩… قَالُوا لَا تَوْجَلْ ۩… في سورة الحجر لَا تَوْجَلْ ۩… يا إبراهيم، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ۩، راجع أو لم يُراجِع؟ راجع. لأنه جاءه فجأة، لم يكن ينتظره، لم يسأله، لم يطلبه، في التوراة الشيئ نفسه، أي التوراة تذكر – هذا في سفر التكوين – أن إبراهيم قال ألابن مائة سنة يُولَد؟ وقالت سارة وبنت تسعين يأتيها الولد؟ هما الاثنان راجعا، وهذا يلتئم بالقرآن، هل هذا واضح يا إخواني؟

أما الغُلام الحليم فلم يُراجِع فيه لا إبراهيم ولا سارة، ولذلك إبراهيم وُهب اثنان يا إخواني، وُهب اثنان! الأولى هبة إجابة، أو الأول هبة إجابة، الأول أو الأولى، أي الهبة الأولى، فهو وُهب مرتين، وهُب غُلامين، ابنين! الأول هبة ماذا؟ إجابة. طبعاً! رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩، والثاني هبة ماذا؟ هبة نافلة. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۩… أرأيت؟ هذا القرآن يا أخي، والله اقشعر بدني، القرآن عجيب، ولكن لابد أن تقرأه قراءة موضوعية وسياقية، قال لك إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۩… ولم يكن ينتظرهما، لم يكن ينتظر، قال له وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩…  سوف يأتيك فيما بعد إسحاق، وسوف يُولَد له أيضاً ولد اسمه يعقوب، وتكثر ذريته جداً، وتملأ البلاد، وتملأ البلاد! هذه هبة نافلة، هبة كرامة. إذن هبة إجابة وهبة ماذا؟ نافلة. أيهما كانت أهم لإبراهيم؟ الأولى. لأنه كبر سنه، هو ابن ست وثمانين سنة، ولا يُوجَد أولاد، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩، قال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ۩، ولذلك قال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ ۩… هبة ماذا؟ إجابة. وَإِسْحَاقَ ۩… هبة ماذا؟ نافلة. هذه زيادة، هذه جاءت زيادة من الله – تبارك وتعالى – على غير انتظار، فراجع فيها، القرآن دقيق!

ولذلك يا إخواني لم يُوصَف بالحلم في كتاب الله إلا اثنان فقط: إبراهيم، وابنه الذبيح، والذي نحن نُرجِّح أنه ماذا؟ إسماعيل. الغُلام الحليم، ولذلك قال العلماء ما وصف الله بشيئ أندر من أن يصف بالحلم. وهذا صحيح فعلاً، الأنبياء وُصفوا بأشياء كثيرة، أقل شيئ كان الحلم، وفقط وُصِف به إبراهيم، والذبيح، وهو الذي نقول عنه إننا نستريح إلى أنه إسماعيل، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ۩، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ۩، في موضعين! وهنا فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩، مَن هو هذا الغُلام الحليم؟

انتبهوا، الحلم جوهره ماذا؟ الصبر. الحلم أُس الفضائل وأصل الأخلاق، ومعناه ماذا؟ أساسه ماذا؟ مداره على ماذا؟ الحلم مداره الصبر. يقول لك هذا حليم، احلم عليه يا أخي، احلم عليه. الحلم أساسه الصبر واتساع الصدر لمساوئ الخلق ومدانئ سلوكاتهم. ومدانئ سلوكاتهم – أي السلوكات الدنيئة – ومساوئهم! أن يتسع صدرك لهم، هذا هو الحلم. والحلم عموماً خُلق جبلي، خُلق جبلي! مَن أراد أن يتحلَّم، فعليه أن يتحلَّم طبعاً، وليس مَن تحلَّم كمَن خُلِق حليماً. ولذلك هذا الخُلق الجبلي يُعرَف وتلوح بشائره وعلائمه في الطفل مُذ هو صغير، ابن ثلاث أو أربع سنوات يُعرَف أنه ماذا؟ طفل حليم. سُبحان الله! ليس فيه زعارة ولا شراسة ولا مُنازَعة، فيه هدوء وحلم، بخلاف العلم، بخلاف صفة العلم، فالعلم لا يكون إلا بعد التحنك واختبارات الحياة وتجاريبها، هل هذا واضح؟ يصير هناك العلم، قال آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۩، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۩، بعد بلوغ الأشد يأتي العلم، يحتاج إلى تجاريب، ويحتاج إلى تحنيك الحياة. أما الحلم فيختلف، ولذلك انظر إلى القرآن، فهو دقيق وعجيب، ولذلك قال له ماذا؟ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩، وواضح أنه مُذ كان صغيراً هو حليم، بدليل السياق نفسه، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ۩… أي صار ماذا؟ يذهب ويجيء، صار يمشي ويركض، أي ربما ابن سبع سنوات، في بعض النصوص والروايات والموارد ابن ثلاث عشرة سنة، أي لا يزال غُلاماً، يُراهِق البلوغ، أي لما يبلغ، غُلام لم يبلغ، يُراهِق، وراهق بمعنى اقترب، هذه هي، يُراهِق البلوغ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۩… فبالله أي حلم أحلم من جواب هذا الفتى الغُلام الحليم! قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ۩، وعد أو ليس وعداً هذا؟ وعد أباه، بأنني سأصبر، على ماذا؟ على مشوار؟ على طريق؟ على شُقة بعيدة؟ على ذبح، على نحر من الوريد إلى الوريد، على قطع العنق. شيئ غريب، أي حلم أحلم من هذا! ووعد أباه، وفى أو لم يف؟ فَلَمَّا أَسْلَمَا ۩… لم يُنازِع، لم يُعافِص، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۩، عجيب! أي على بطنه، وَتَلَّهُ ۩… جعل جبينه من جهة الأرض، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۩، الله أكبر، ولذلك وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۩، هذا هو الوعد، وعده: سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ۩، صبر أو لم يصبر؟

ائتوني بموضع واحد في كتاب الله أن إسحاق وُصف بالصبر، ولا مرة! ائتوني بأنه وُصف بالحلم، ولا مرة! كما قلنا الحلم فقط وُصف به إبراهيم وإسماعيل، وأي حلم أحلم من هذا! إذن أين وُصف إسماعيل بالصبر؟ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ ۩، وأي صبر أصبر من هذا! أليس كذلك؟ ولذلك هذا الغُلام الحليم هو مَن؟ إسماعيل. ولا يزال هذا الوجه الأول، وأنا قلت لكم هناك وجهان، على الأقل وجهان.

نأتي إلى الوجه الثاني، القرآن يُؤكِّد أن هذا الغُلام الذي بُشِّر به إسماعيل أولاً، بُشرى إجابة لدعائه، ليس إسحاق، بدليل أنه لما بُشِّر بإسحاق راجع، تعلمون متى بُشِّر بإسحاق؟ كان قد رُزِق إسماعيل، وإسماعيل كان كبير السن، ابن أربع عشرة سنة كما قلنا، على الأقل بينهما أربع عشرة سنة، بحسب نص التوراة، بُشِّر بإسحاق في آخر الأمر، في أمر مُتأخِّر، متى؟ حين أتت الملائكة لتأتي على مساكن قوم لوط، إذن هذا لم يكن حين أول ما هاجر، للأسف غاب هذا عن الأفاضل من علمائنا ومشايخنا، وجزى الله الجميع خيراً، كلٌ يُريد الحق والحقيقة، كلٌ يُريد الحق والحقيقة! لكن بعض الناس قد ينظر نظرة أوسع، بعض الناس قد يغيب عنه بعض الأمور والملاحظ والحيثيات، قالوا لك هو هاجر، ولما هاجر من أور في العراق وجاء و… لا! غير صحيح، القرآن يقول لك هذه البُشرى التي بُشِّرها – أي بعد الأولى – لا تنطبق ولا تلتئم بإسحاق، لأن البُشرى بإسحاق مُتأخِّرة، القرآن يُؤكِّد أنها مُتأخِّرة، يُؤكِّد مُتأخريتها. كيف؟ لأنه هذا هو، يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ۩، قال: يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ۩، والشيئ نفسه في سورة الذاريات، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ۩، بعد أن صار الحديث وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩، انتبهوا! بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩، يُوجَد فرق بين الاثنين، وهذا مُهِم لكي لا ننسى أيضاً.

الغُلام العليم يا إخواني يختلف حاله، قد يقول لي أحدكم كيف هو غُلام وعليم؟ أنت تقول العلم يحتاج إلى زمن. لا! هذا البيان العربي، هذا تسمية بما سيؤول إليه، وذكرناها في ماذا؟ ربما في آخر جُمعة أو في التي قبلها، في المجلس الذي عُقد بعد الجُمعة أجبنا عن بعض المسائل، أليس كذلك؟ مثلما قال الله وَآتُوا الْيَتَامَى ۩… هذا باعتبار ما كان، وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۩، كيف تُسمى بنت اليوم أو كيف تُسمى بنت يوم امرأةً؟ هي بنت وليست امرأة! باعتبار ما سيكون، كل مولود يُولَد على الفطرة. كل طفل يُولَد لهندوسي، لكافر، لمُسلِم، ليهودي، هو ماذا؟ هو في الأخير مُسلِم مُوحِّد. ودين الله هو الإسلام على فكرة، أي ليس مُسلِماً مُحمَّدياً، وإنما هو مُسلِم مُوحِّد لله. كل مولود يُولَد على الفطرة. وهي الاستعداد للاعتقاد بلا إله إلا الله، لا إله إلا هو!

إذن هذا هو، فقال لك نوح وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ۩، النبي يقول على الفطرة، ونوح يقول فَاجِرًا كَفَّارًا ۩؟ لا، الطفل لا يُسمى لا فاجراً ولا كفاراً. المقصود ماذا؟ ولا يلد إلا أولاداً يكبرون فيكفرون كما كفر أولئك. ومن أين عرفت يا نوح؟ قال من المُدة التي قضيتها في دعوتي، لا تُوجَد فائدة، لا تُوجَد فائدة! الأبناء كالآباء، والأحفاد كالأجداد، ولا يتغيرون، حالة استعصاء هدائي كما أُسميها، هل هذا واضح؟ ولذلك هذا باعتبار ما سيكون، وهذا حتى لا يأتي واحد لكي يقول لك كيف هذا؟ هذا تناقض. هذا ليست تناقضاً، هذا البيان العربي.

ولذلك بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩ ما معناها؟ قد يقول لي أحدكم هذا لما يكبر. لا، هذا ليس شرطاً طبعاً، لأن الحلم بالذات يصدق على ماذا؟ على الصغير، خُلق الأصل فيه جبلي، الحلم! وهذا واضح، هذا واضح، وأنت تجد هذا في أولادك، واحد يكون عفريتاً كما نقول، وواحد يكون هادئاً – سُبحان الله – ولا يُنازِع، يقول لك شيئ غريب، يقول لك البطن بُستان، يُخرِّج أشياء مُختلِفة فعلاً. أما العلم، فيختلف. لا يُوجَد غُلام يُقال لك عنه غُلام عليم أيضاً. لا! لابد وأن يصير كبيراً ويبلغ الأشد ويُؤتى ماذا؟ العلم. كما في كتاب الله، فانتبهوا، فالتبشير بغُلام عليم يشي من وراء وراء بماذا؟ بأنه لا يموت غُلاماً، أليس كذلك؟ وإبراهيم سوف يفهم، إبراهيم بلُغته فهم ما البُشرى، والقرآن دقيق جداً، القرآن حين يأتي يُترجِم ما أُوحيَ إلى إبراهيم بالآرامية بالعربية، يفعل هذا بدقة، هذا قرآن رب العالمين، أي إن جاز التعبير الذي ترجم هذه الترجمة مَن هو؟ رب العالمين. كل شيئ في مكانه، وهذا ليس بالمللي، وإنما بكسر المللي، كسر المللي! قال لك بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ۩، ومن ثم سوف يفهم إبراهيم أن هذا سوف يكبر وسوف يُؤتى العلم، وهذا يعني أنه مُحال لو الله قال له لابد وأن تذبح واحداً أن يكون هذا الذي وُصِف بأنه عليم، لأن هذا لابد وأن يكبر ومن ثم يصير عليماً، لكن بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ۩، نعم، يُمكِن أن يكون هو، لماذا إذن؟ لأن الحلم تلوح بشائره مُذ الصغر، هو حليم ويُذبَح، هل هذا واضح؟ مسألة ثانية!

قال لك فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، وواضح جداً أنه مُحال أن يكون هذا الذي بُشِّر به إسحاق، أنها ستؤتى إسحاق وسيُولَد له أيضاً ولد ذكر اسمه يعقوب، مُستحيل أن يُذبَح، مُستحيل أن يُبتلى إبراهيم بهذا، وهذا ليس ابتلاءً، هذا استهزاء إن جاز التعبير، لأن هذا كيف وهو يعرفه؟ يقول له اذبح إسحاق، حبيبك، بكرك، وحيدك. كما التحريف في التوراة، سوف يقول لك أي ابتلاء هذا وهو قال لي من الأول سوف يُولَد لك يعقوب؟ وهذا يعني أن هذا مُستحيل، لكن إسماعيل لا يُوجَد في حقه مثل هذه البُشرى، أنه يُولَد له، ومن ثم يُمكِن أن يُذبَح وهو غُلام لا يزال. هل هذا واضح يا إخواني؟ إذن فرق بين هذه وهذه.

إذن القرآن واضح أنه لم يُبشَّر الزوجان الكريمان إبراهيم وسارة بمَن؟ بإسحاق، إلا بأخرى. مُتأخِّراً، وهذا مُلتئم بأنهما رُزِقاه وهي بنت تسعين وهو ابن مائة، لما جاءت الملائكة تُريد أن تُهدِّم وتُدمدم على قوم لوط، على قوم لوط! وليس لما جاء أو أول ما جاء من أور إلى العراق. هم غفلوا عن هذه النُقطة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

لنعد – إخواني وأخواتي – إلى السياق مرة أُخرى:

انظروا إلى أنه أبهم الذبيح. سوف يقول لي أحدكم إذن لِمَ أبهم الله اسم الذبيح؟ كان يُمكِن أن يُريحنا بأن يقول هو إسحاق أو إسماعيل. هذا أيضاً من حُسن تأتي وتلطف القرآن بالمُخالِفين، وبالذات بأهل الكتاب، الذين أمرنا الله ألا نُجادِلهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۩.

الله – تبارك وتعالى – أعرب عن حرصه وعن إرادته أن يدخل هؤلاء في الدين الحق وأن يُصدِّقوا النبي الحق – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وهذه القضية عندهم من قضايا العصبيات، من قضايا العصبيات! ولذلك – كما قلنا – أقحموا الاسم، أقحموا اسم إسحاق إقحاماً، جعل هذا السفر يتناقض مع نفسه، يتناقض! يُناقِض بعضه بعضاً، فلو صُرِّح بأنه إسماعيل، للجو في طُغيانهم، ولركبوا رؤوسهم، ولتمادوا في عماهم، ولكن القرآن تلطف.

سارّة أكثر من مرة القرآن يُشير إليها، وَامْرَأَتُهُ ۩… وهي سارّة، وَامْرَأَتُهُ ۩… وَامْرَأَتُهُ ۩… جميل! ولا مرة أشار حتى إلى هاجر أم إسماعيل، لئلا ينبض لهم العرق القديم، ولئلا يحفزهم ويهيجهم، ولكن إسماعيل صادق الوعد، الرسول النبي، والغُلام الحليم، والنبي الرسول الصبور، كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ ۩، الله لم يُخلِه من ذكر مثابته وذكر مناقبه ومزاياه، ولكن بهذا الأسلوب المُتطلِّف، مع حُسن التأتي إلى ذكر هذه المناقب والكرامات الإسماعيلية.

يا إخواني إسماعيل ليس لفظاً عربياً، إشمائيل، إيل هو الرب، الإله. بيت إيل، أي بيت الإله، بيت الرب. إشمائيل معناها سمع الله، ولذلك إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ۩، متى دعا إبراهيم؟ دعا بمَن بُشِّر به وكان بكره، وكان بكره! بكره بنص التوراة إسماعيل، وليس إسحاق. أليس كذلك؟ ولذلك سماه إسماعيل. أي سُبحان الله، في اسم إسماعيل ما يدل على أنه ماذا؟ على أنه بكره، وبالتالي قبل أن يُبشَّر بإسحاق الذي بُشِّر به مُتأخِّراً وحيده، كان وحيده! قبل أن يأتي إسحاق إسماعيل كان بكره ووحيده، والتوراة تقول بأن الرب أمره أن يُصعِد ابنه وحيده أو بكره الذي يُحِبه إلى أرض مُريا مُحرَقةً. إذن إسماعيل، هذا إسماعيل، هل هذا واضح؟

ولذلك هذا الذي بُشِّر به، رَبِّ هَبْ لِي ۩… دعا! ومتى سمع الله؟ في إسماعيل أو إسحاق؟ الذي سُميَ إسماعيل هو الذي سمع الله فيه الدعاء، وهو إسماعيل وليس إسحاق، لو كان إسحاق هو الذي أتى أولاً، لسماه ماذا؟ إسماعيل. لأن الله سمع له، سمع له! هل هذا واضح؟ هذا بحد ذاته أحد الأدلة، بحد ذاته أحد الأدلة على أنه الأول وأنه البكر وأنه الذي أُمِر إبراهيم بتقريبه وتضحيته لله – تبارك وتعالى -، هل هذا واضح يا إخواني؟ جميل!

بعد ذلك في آخر السياق يقول الله – تبارك وتعالى – إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ۩… يعني إبراهيم، الْمُؤْمِنِينَ ۩ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ۩… يا جماعة الخير ماذا عن ذوق العربية؟ يعلم هذا الذي عنده تمهر وتمرس بالعربية وعنده ذائقة لُغوية سليمة ودقيقة، لو كان الغُلام الحليم المذكور أولاً هو إسحاق، لِمَ يُصرَّح هنا باسمه؟ وكان حقيقاً أن يُصرَّح باسمه في الأول، وأن يُشارَ إليه هنا. لكن لما صُرِّح هنا باسمه، وقال وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ۩… علمنا أنها بُشرى ثانية، وفعلاً القرآن يُؤكِّد أنهما بُشريان، مُثنى بُشرى، في العصا عصوان، وفتوى فتوان أو فتويان، وهكذا! بُشريان: البُشرى بالغُلام الحليم، والبُشرى بالغُلام العليم. هل هذا واضح؟ البُشرى بالغُلام الحليم، والبُشرى بالغُلام العليم.

وعلى فكرة ولا مرة ولا في أي موضع صرَّح الله بالبُشرى بإسحاق وذُكِر معه ماذا؟ ما يشي بالذبح. على كل حال قضية الذبح أو واقعة الذبح ذُكِرت مرةً مُفرَدةً في كتاب الله، في صورة الصافات، وهنا لم يُذكَر البُشرى بماذا؟ بالغُلام العليم، وهو إسحاق، المُصرَّح به في سورة الذاريات وفي سورة ماذا؟ وفي سورة هود. أنه غُلام عليم، أبداً! إنما هنا ذُكِر الغُلام الحليم، وبعد ذلك قال وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ  ۩، فكأن التبشير بإسحاق جاء تثويباً أو إثابةً لإبراهيم، على ماذا؟ على بخوعه لأمر الله، وخضوعه لما أراد الله – تبارك وتعالى -، تذبح ابنك يا إبراهيم؟ قال لك أذبح، إذا الله أمرني، فأنا أذبح. والله لو أُمِر بذبح نفسه، لكان أهون عليه من أن يذبح وحيده وبكره، الذي أوتيه في الكبر، على كبر! فالله قال له سنجزيك الآن، ونعطيك نافلة: إسحاق. من غير دعاء، من غير دعاء! من باب ماذا؟ من باب الإثابة. قال لك وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ ۩… على مَن؟ بحسب الظاهر على إبراهيم، ومُمكِن أن تكون وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ ۩… على الغُلام الحليم. أي صار عندك غُلام حليم، وصار عندك إسحاق نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩، فمُمكِن يكون وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ ۩…  أي على إسماعيل، الغُلام الحليم، وعلى إسحاق. وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، العلّامة عبد الحميد الفراهي قال لك أنا أُرجِّح خلافاً لأكثر المُفسِّرين أن وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ ۩… أي على إسماعيل، وهو الغُلام الحليم، وليس على إبراهيم. لماذا؟ ذكر أسباباً وجيهة.

السبب الأول أن الحديث عن إبراهيم أصالةً تقريباً انتهى بقوله – تبارك وتعالى – إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، كما انتهى الحديث عن نوح بـ سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، وانتهى! ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ۩ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۩، صار الكلام كذلك، وجاء الكلام عن إبراهيم، وقال إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩ أيضاً، انتهى! الآن استئناف قول جديد، والشيئ نفسه مع موسى وهارون، الشيئ نفسه! إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، انتهى الكلام، شيئ عجيب! وكذلك مع إلياس، وَإِنَّ إِلْيَاسَ ۩… سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، الشيئ نفسه! شيئ عجيب. قال لك هذا هو الشيئ الأول.

وماذا عن الشيئ الثاني؟ تدبَّر أنت، قال لك وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ماذا لو جُعِلت الذرية هنا ذرية إبراهيم وإسحاق؟ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، يُوجَد نوع من المُعاضَلة في المعنى هنا، لماذا؟ انتبه، قد تكون ذرية مُشترَكة بينهما، فيصير الموضوع تحصيلاً لحاصل، وإقحام إبراهيم سيصير وكأنه بلا فائدة، ما الذرية المُشترَكة؟ هي ذرية إبراهيم من جهة إسحاق، أي سيكون هناك إسحاق وابنه يعقوب وعيصو، أليس كذلك؟ عندنا عيصو وعندنا يعقوب… وهكذا! إذن فلماذا إبراهيم؟ القرآن يتنزه عن هذا، لكن لو لم تكن ذرية مُشترَكة، لاختلف الأمر. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ذرية إسماعيل، قد يقول لي أحدهم لا، مُمكِن أن تكون وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ليست على سبيل الاشتراك، ذرية إبراهيم المخصوصة وذرية إسحاق المخصوصة. لا! تقع في مُصيبة كبيرة هنا، هل تعرف لماذا؟ ذرية إبراهيم وحدها المخصوصة وليست المُشترَكة بطريق إسحاق ليس فيها ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، لأن ذرية إبراهيم المخصوصة مَن هم؟ إسماعيل – عليه السلام – وإسحاق. وكلاهما نبيان جليلان، أين الظلم هنا؟ لا يأتي. لكن لو عُدنا وقلنا وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… أي من ذرية إسماعيل (المخصوصة بإسماعيل) وذرية إسماعيل، لقلنا أي نعم، طبعاً من ذرية إسماعيل يُوجَد مُحْسِنٌ ۩… ويُوجَد منهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، ومن ذرية إسحاق يُوجَد كذلك. ووجه قوي هذا على فكرة، لا أدري هل سبق أحد إليه قبل عبد الحميد الفراهي – رحمة الله تعالى عليه -.

على كل حال لا أُريد أن أُطوِّل عليكم، لعلنا بعد ذلك في مجلس الجُمعة نتناول جوانب أُخرى، أكتفي بهذا القدر.

اللهم علِّمنا التأويل، وفقِّهنا في الدين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت سُبحانك إنا كنا من الظالمين.

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ۩.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

 

(تكملة قصيرة للخُطبة ألقاها الدكتور بعد الصلاة)

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه. اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا.

إخواني:

أُريد فقط أن أصل حديث خُطبة اليوم ببعض الأشياء السريعة، عسى أن تُنوِّر المقام مزيد تنوير.

قد يسأل سائل بماذا أجاب الإمام الطبري – رضوان الله عليه – والعلماء الأفاضل الذين جنحوا إلى أن الذبيح إسحاق عن دليل الفريق الآخر الذين قالوا الله – تبارك وتعالى – بشَّر سارة وإبراهيم – عليهما السلام – بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩؟ إذن مُحال أن يُبتلى بما قلناه، وعلى فكرة لم يكن إسحاق قد وُلِد أبداً، لا يزال هو في رحم الغيب، هو في رحم الغيب.

(ملحوظة)

قال فضيلة الشيخ للمسئولين في المسجد: لو نخفض الصوت قليلاً يا إخواني – بارك الله فيكم -.

أكمل فضيلة الشيخ حديثه، قائلاً لا يزال إسحاق في رحم الغيب، ولذلك – كما قلت – راجعت سارّة، أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ۩… طبعاً! فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ۩… لا يزال كذلك، هذه بُشرى، لكن البُشرى بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، معناها مُستحيل أن يُذبَح هذا، بل سيعيش ويتزوَّج ويُولَد له، أليس كذلك؟ هذا واضح.

إذن مُستحيل أن يكون هو الذي ابتُليَ إبراهيم بعد ذلك بالأمر بماذا؟ بتقريبه أو بذبحه. هل هذا واضح؟ إذن بماذا أجاب الطبري؟ هو إمام جليل، لا تفوت عليه هذه المُلاحَظة أو الملحوظة، شيخ المُفسِّرين – رحمة الله عليه -.

أجاب وقال إنه غير بعيد وليس مُستحيلاً أن يكون إسحاق تزوَّج وخلَّف في هذه الفترة، لأن الله قال فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ۩. ولا فيها حتى شُبهة جواب بصراحة، لأن على فكرة باتفاق الفريقين (أهل الكتاب والمُسلِمين) أن الذي أُصعِد ليُقرَّب قُرباناً كان غُلاماً لا يزال، وحتى اليهود يعترفون بهذا، غُلام! فكيف تقول لي هذا غُلام لم يبلغ الحنث – لم يبلغ الحُلم – وتزوَّج وخلَّف؟ ثم في التوراة أن إسحاق لم يُنجِب يعقوب إلا على كبر، حتى إسحاق أيضاً كبر، علت سنه، ولذلك هذا هو، أي كان شيخاً كبيراً، حين ماذا؟ خلَّف يعقوب. لم يجئه في الشباب أيضاً، وهذا في التوراة. ولذلك المُسلِمون يعتقدون أو علماء المُسلِمين ومُحقِّقو علماء المُسلِمين يعتقدون أن يعقوب جاء في أُخريات أيام إبراهيم أو بعد وفاة إبراهيم. لأن إسحاق ما رُزِقه إلا كبيراً، فهذا الكلام للإمام الطبري ليس فيه مخلص، أراد أن يتخلَّص به، وليس فيه مخلص.

هناك أُناس آخرون من أيام ابن القيم الجوزية – رحمة الله عليه – الذين تصدى للجواب عنهم بطريقة قوية في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً -، وهناك بعض المُعاصِرين الأفاضل مِمَن قال هذا، قال لا، انتبه، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، هذا ليس عطفاً، هذا استئناف لكلام آخر، وليس لازماً أن تكون البُشريان في نفس الوقت، أي هذه البُشرى بإسحاق كانت في وقت، وبعد ذلك في وقت آخر أتت الأُخرى، وهذا كلام واضح أنه ماذا؟ مُخالِف لظاهر النظم الكريم، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، كيف؟ واضح أن هذا في وقت واحد، وسوف نقول لماذا.

العرب حين تقول – وهذا جواب ابن القيم – بشَّرته بمجيء أخيه، ومع أخيه ثقله، يكون من الواضح جداً أنهما بُشريان في وقت واحد. بشَّرته بمجيء أخيه وبشّرته بثقله، واحد غاب عنه أخوه وأهله أيضاً وعياله فترة طويلة، فجاءوا وبشَّروه، قال بشَّرته بمجيء أخيه، ومع أخيه ثقله. تركت فيكم الثقلين، والثقل هم ماذا؟ عائلة الرجل، أقرباؤه وأبناؤه وبناته. المُهِم فواضح أنهما بُشريان في ماذا؟ في سياق واحد. لماذا؟

اعتل بعض هؤلاء، وقالوا لك لا. مثل أحد المشايخ الأفاضل الأحياء الآن، قال لك هذا يستحيل نحوياً. يستحيل نحوياً! كيف يستحيل نحوياً أن تكون بُشرى ثانية في الوقت عينه؟ قال لك لأن عندنا قاعدة في النحو تقول إن العرب إذا عطفت على مجرور كررت حرف الجر. ولا تُوجَد قاعدة هكذا، وطبعاً سوف تجدون هذا في اليوتيوب YouTube، أن العرب إذا عطفت على مجرور كررت حرف الجر. وهذا غير صحيح بالمرة، هذه ليست قاعدة، ولا هذا بتقرير لقاعدة مقبولة أو مفهومة. كيف يا أخي؟ نحن نقول – مثلاً – قال الله قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ۩… وأين هذا؟ لا يُوجَد، أليس كذلك؟ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ۩… وليس وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، غير صحيح، هل تعرفون لماذا؟ هذا الشيخ الفاضل – سُبحان الله، ربما هذا تقصير منه في العبارة – أتى بقاعدة عكس القاعدة، هل تعرفون ما هي القاعدة النحوية؟

القاعدة النحوية أن حرف العطف يقوم مقام حرف الجر. لذلك استعنت بفلان وفلان وفلان وفلان. أرأيت؟ ليس لازماً أن أقول استعنت بفلان وبفلان وبفلان وبفلان. إذا قلت استعنت بفلان وبفلان، فسيكون تكرير العامل – أي تكرير حرف الجر – قد أتى بنُكتة، أظهر النكات هنا ماذا؟ ما هي؟ التأكيد. أن مثلما استعنت بالأول وهو عُمدة في الاستعانة، استعنت بالثاني أيضاً وهو عُمدة في الاستعانة. إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ۩… في سورة التوبة (براءة) كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ۩… وفي التوبة أيضاً في موضعين – أعتقد في ثمانين وفي أربع وثمانين – كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۩… كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۩… هنا كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ۩… أي لم يكتف بحرف العطف، وإنما أتى أيضاً بالعامل، أي بحرف الجر، وهذا للتأكيد. اذهب ابحث وانظر إلى كلام العلماء المُتضلِّعين طبعاً، وسوف ترى لماذا ربنا أتى بحرف الجر هنا مرة أُخرى. شيئ جميل جداً جداً! لكن القاعدة أن حرف العطف ينوب عن حرف الجر. هل هذا واضح؟ سواء كان حرف الجر هذا على أو عن أو بــ ، ليس لازماً أن تُعيده، أليس كذلك؟ فنحن آمنا بالله وملائكته وكُتبه ورُسله. لا تقل لي آمنا بالله وبملائكته وبكُتبه وبُرسله. غير صحيح، من أين هذا؟ من أين أن العرب إذا عطفت على مجرور كررت حرف الجر؟ لا تُوجَد قاعدة هكذا، القاعدة العكس تماماً.

لكن تعرفون، هذا الشيخ الفاضل أراد أن يُقرِّر قاعدة – ربما كما قلت تقصير منه في اللُغة، بارك الله فيه -، ما هي؟ أن العرب إذا عطفت على مجرور – أي اسماً على اسم مجرور – لم تُفرِّق بين ماذا؟ بين المعطوف وحرف العطف بماذا؟ بفضلة، بشيئ أجنبي. هل هذا واضح؟ هذا هو. ولذلك العرب – مثلاً – لا تقول بشَّرتك بعليّ ثم من بعد ذلك محمد. لا! بشَّرتك بعليّ ومحمد. أهلاً وسهلاً. بشَّرتك بعليّ وبعد ذلك أو من بعد ذلك أو ثم من بعد ذلك بمحمد. تحتاج إلى أن تُعيد الآن ماذا؟ حرف الجر. أي في هذه الحالة. وهذا الذي ينطبق على الآية فيما فهمه هذا الشيخ الفاضل، قال فبشَّرناها باسحاق ويعقوب؟ لما يقل هذا الله، قال فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ۩… وأتى هنا بماذا؟ وَ ۩… بعد الواو أتى بماذا؟ يُوجَد شيئ الآن مُقحَم، أي كلام جديد، وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ ۩… نعم! يَعْقُوبَ ۩، هل هذا واضح؟ قال لك هذا استئناف كلام جديد، لكن هذا الشيخ الفاضل المُعاصِر لم ينتبه إلى الإعراب، لماذا لم ينظر في إعراب يَعْقُوبَ ۩؟ لو كان الكلام هكذا وكانت هذه واو استئناف وهناك مُبتدأ وخبر الآن، لكن من المفروض أن نقول ومن وراء إسحاق يعقوبُ. وأقول بين قوسين (صحيح هذه قراءة السبعة، ولكنها ليست قراءتنا، ليست قراءة حفص)، وهذا الشيخ الفاضل أهله وبلده يقرأون بماذا؟ بحفص. ويطبعون المُصحَف على ماذا؟ حفص عن عاصم. وافتح المُصحَف، تجد وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۩، أي إشارة إلى أن يعقوب بُشِّر به أيضاً، في مقام واحد. هل هذا واضح؟

ابن القيم – رحمة الله عليه – أجاد جداً في الجواب عن هذه الشُبهة، وهي ضعيفة. ابن القيم قال لا يرتاب مَن له فهم في العربية البتة في هذا المعنى وأن البُشريين حصلا في وقت واحد. ابن القيم قال هذا، قال واضح هذا، لا كلام غير هذا. وأجاب عنها، قال لك الأصل في البُشرى، وهي الخبر أو أول خبر صادق، أن تكون جُملة خبرية. فلا يمنع أن هذه الواو للاستئناف وفيها هذه الهيئة الخبرية – كما قلنا ابتداء وخبر -، أنها للبُشرى أيضاً، الأصل في البُشرى أن تكون كذلك، فهذه بُشرى وأتت في وقت واحد مع البُشرى الأولى… إلى آخر الكلام، فهذه ليست شُبهة حقيقةً قوية للأسف الشديد، أي التي قررها بعض المُعاصِرين – جزاه الله خيراً -.

مُمكِن بعضكم يسألني، يقول لي مَن هم أشهر علماء المُسلِمين من المُحقِّقين الذين انتصروا للقول بأن الذبيح هو إسماعيل؟ من أشهر هؤلاء يا إخواني شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا له الآن أهمية خاصة، لماذا؟ لأن الرجل ليس عالماً باللُغة والتفسير والحديث فقط، هذا إمام حافظ، لا! الرجل عليم بالكتاب الأول، بالتوراة والإنجيل، شيئ عجيب – رحمة الله عليه -، أعجوبة! وعنده كتاب ضخم طُبِع الآن في تسع مُجلَّدات: الجواب الصحيح لمَن بدَّل دين المسيح. ويذكر فيه كيف كان يُسافِر إلى بيروت وغير بيروت، ويذهب إلى ديورات وكنائس (ديورات كنسية ) ليطلع على بعض مخطوطات الكتاب المُقدَّس. شيئ عجيب على فكرة، ومُعترَف به حتى في الغرب هنا، أن الرجل عليم بالكتاب الأول وبالدين النصراني واليهودي، أي هذا ليس أي كلام، ليس مثل العلماء الآخرين الذين يأخذون من الكُتب، عالم مُحقِّق – رحمة الله تعالى عليه -، فحين يتكلَّم في هذه المسألة ومَن الذبيح ويقول لك إن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق، نعلم أن كلامه موزون وله أهمية خاصة – رحمة الله عليه -، ولذلك قال الذبيح إسماعيل ويجب القول به. قال مَن يفهم العلم لابد وأن يقول بالكلام هذا. أي رُغماً عنه، وعلى عادته يتحدث هكذا، وهو فيه حدة – رحمة الله عليه -، فيُمكِن أن تُطالِعوا كلامه وفي أكثر من كتاب، في كتابه مُختصَر الفتاوى المصرية، في الفتاوى التي جمعها عبد الرحمن بن قاسم النجدي، أي مجموع الفتاوى، أيضاً له كلام طويل، في كتابه الجواب الصحيح لمَن بدَّل دين المسيح، في كتابه الرد على المنطقيين، في كتابه منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية. في كل هذه الكُتب تناول مسألة الذبيح وانتصر دائماً لهذا الرأي.

هناك تلميذه المُحقِّق أيضاً، وله علم بالكتاب الأول، لأنه صاحب كتاب ماذا؟ هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى. أعني ابن قيم الجوزية – رحمة الله عليه -، نعم! وقال إن القول بأن الذبيح إسحاق باطل من عشرين وجهاً. أو قال من أكثر من عشرين وجهاً. أي ابن القيم، وذلك هذا واضح في كتابه زاد المعاد، عودوا إلى كلامه، كلام مُستجاد وحسن وقوي أيضاً في زاد المعاد، وأقل منه وأوجز في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان. هل هذا واضح؟

ثم من العلماء المُحقِّقين الذين ذهبوا هذا المذهب الإمام أبو الثناء الشهاب الآلوسي، صاحب التفسير العظيم والموسوعة المعروفة بروح المعاني، البغدادي طبعاً، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني. منهم وقبل ذلك طبعاً بُرهان الدين البقاعي – رحمة الله عليه – في نظم الدُرر في تناسب الآي والسور. كتابه العظيم في التفسير، وهو نسيج وحده، أكَّد على هذا، أكَّد وجزم بأنه إسماعيل، وأتى بوجوه، هذا الإمام البقاعي – رحمة الله تعالى عليه -.

ومنهم أيضاً من المُتأخِّرين المُحدَثين الطاهر بن عاشور، وكان قوياً، وقال لك هذا الأمر شبيه بالقطع. شبيه بالقطع على أنه إسماعيل وليس إسحاق. هذا في التحرير والتنوير، فعودوا إليه. وطبعاً كما رأينا هناك العلّامة الإمام تقي الدين أبو الحسن السُبكي، وذلك في فتاواه المطبوعة في مُجلَّدين، التي نقل عنها السيوطي في الإكليل في استنباط التنزيل، بتحقيق جيد، وكما قلنا أتى بشيئ، أنا أعطيتكم خُلاصته، في أنهما كانتا ماذا؟ بُشريين. والثانية مُتأخِّرة، بنص القرآن! هذا بتحقيق أبي الحسن تقي الدين السُبكي – رحمة الله تعالى عليه -.

لكن – كما قلنا – من أوسع مَن كسر كتاباً على هذه المسألة عبد الحميد الفراهي، وكتابه مطبوع – بفضل الله تبارك وتعالى – بالعربية، وهو ألَّفه أصلاً بالعربية، والرجل كان علّامة حتى في العربية، مع أنه يُجيد الفارسية والأُردية والإنجليزية، إمام! علماء الهند علماء كبار، سُبحان الله! وخاصة في العصر هذا، علّامات! وكان قريباً لشبلي النعماني، ابن عمته كان شمس العلماء ومُؤرِّخ الإسلام في الهند أيضاً شبلي النعماني، هذا العلّامة الكبير ابن عمته، وتتلمذ هو عليه، بينهما ست سنوات، شبلي النعماني أعجوبة. سلمان الندوي هو الذي ترجم لعبد الحميد الفراهي، تلميذ شبلي النعماني، هذا نسيج وحده، أي سلمان الندوي هذا، أعجوبة، موسوعة من الموسوعات العلمية. علماء الهند – سُبحان الله – عندهم تبحر وعندهم جد في العلم، الشعب الهندي عموماً شعب ذكي كما تعلمون، الشعب الهندي شعب ذكي، والحمد لله أن ثُلث تاريخ الإسلام في الهند، وعندنا ألوف العلماء في الهند. تخيَّلوا أنتم أن علم الإسناد، وحتى أسانيد الأحاديث، انكسر وضعف في المشرق الإسلامي، هل تعرفون كيف أحياه الله – تبارك وتعالى -؟ في الديار الهندية، في القرن الثالث عشر الهجري، على يد مُجدِّد الإسلام شاه ولي الله الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم – قدَّس الله سره الكريم -. ومن ذلك الوقت إلى الآن تجد علماء مشارقة كبار يتصل إسنادهم بشاه ولي الله الدهلوي. فجزى الله علماء الهند وعلماء الإسلام في كل عصر وصقع ومصر عن دينهم وعن أمتهم خير جزاء العلماء. وإن بقيَ بعد ذلك سؤال في المسألة، نتعرَّض له – إن شاء الله تعالى -.

 

(انتهت التكملة بحمد الله)

فيينا 1/3/2019

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: